Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
كِتَابُ الجِهادِ
■ الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((على رَجُلِ يَقتُلُهُ رسولُ اللهِ﴾ ﴿ فِي سَبِيلِ الله)، احتَرَزَ
بِقَولِه: ((في سَبيلِ الله))، عَمَّن يَقتُلُه حَدًّا أو قِصَاصًا؛ لِأنَّ مَن يَقتُلُه رسولُ اللهِ وَلـ
في سَبيلِ الله كَانَ قَاصِدًا قَتَلَه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ(١).
وقَد اتَّفق ذلك لِأُبَيِّ بنِ خَلَفِ: ((قَصَدَ يَومَ أُحُدٍ قَتلَ النَّبِيِ وَِّ؛ فاعتَرَضَ لَه
رِجَالٌ من المُؤمنينَ، فأمَرَهم(٢) رسولُ اللهِ وَّهِ فَخَلَّوا طَرِيقَه، وطَعنه النَّبِي ◌َُّ
بِحَرِبَتِهِ فَوقَعَ عن فَرَسِه، ولَم يَخرُجَ من طَعنَتِهِ دَمٌ فَرَجَعَ إلى قَومِه، وجَعَلَ يَقُولُ:
قَد كَانَ قال لِي بِمَكَّةَ: أَنَا أقتُلُك؛ فَوالله لَو بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي؛ فَمَاتَ بِسَرِفَ،
وهم قَافِلُونَ به إلى مَكَّةَ))، وحُكِيَ عنه أنَّه قال: (لَو كَانَ هذا الذي بي بِأهلِ ذي
المَجَازِ لَمَاتُوا أجمَعُونَ)(٣).
الحديثُ الحَادِيَ عَشَرَ
جَ وعنه قال: قال رسولُ الله ◌َله: «نُصِرت بِالرُّعبِ، وأوتيت جَوامِعَ
الکلِم».
تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَلَيه من الشَّيخِ تَخْتُهُ في بابِ التََّهُم بِمَا أغنَى عن إعَادَتِه هنَا.
ونَذكُرُ هنَا (٤): أنَّه لَم يُقَيِّد(٥) في هذه الرِّوايَةِ مُدَّةَ نَصرِهِ بِالرُّعبِ، وفي
((الصَّحِيحَينِ))(٦) من حَدِيثِ جَابِرٍ: ((مَسِيرَةَ شَهرٍ)). وفي ((مُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ))؛ من
حَدِيثِ ابنِ عَباسٍ: ((حَتَّى إنَّ العَدُو لَيَخَافِي من مَسِيرَةِ شَهرٍ أو شَهرَينٍ))، ورَوى
الطَّبَرَانِيُّ(٧)؛ من حَدِيثِ ابنِ عَباسٍ ﴿يَا، أيضًا: ((نُصِرَ رسولُ الله ◌َلّ بِالرُّعبِ
على عَدُوِّه مَسِيرَةَ شَهِرَينٍ))، وفي إسنَادِهِ ضَعفٌ.
شرح النووي على مسلم (١٥٠/١٢). (٢) في (م): ((فأمر)).
(١)
(٣)
أخرجه الواقدي في المغازي (٩٥/١)، والحاكم (٣٢٧/٢).
(٤)
لیس في (ح).
البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٣/٥٢١).
(٦)
الطبراني (١١٠٥٦).
(٧)
(٥) في (م): ((يفند)).
١٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ورَوى الطَّبَرَانِيُّ(١) أيضًا، عن السَّائبِ بنِ يَزِيدَ؛ مَرفُوعًا: ((ونُصِرتُ بِالرُّعبِ
شَهرًا أمَامِي وشَهرًا خَلفي))، وفيه إسحَاقُ بنُ عَبدِ الله بنِ أبي فَروةَ. وهو ضَعِيفٌ
جِدًّا .
(٢١٤/٧م) الحديثُ الثَّانِي عَشَرَ
(٢) وعن جَابِر٢ٍ)، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الحَربُ خَدعَةٌ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه الأئمَّةُ الخَمسَةُ(٣)؛ من هذا الوجه، من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ
عُيَيْنَةَ، عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جَابِرٍ. وَرَواه ابنُ عَدِيٍّ في ((الكَامِلِ)) (٤) في تَرجَمَةِ
خَالِدِ بنِ عُمَرَ القُرَشِيِّ، عن الثَّورِيِّ. قال ابنُ عَدِيٍّ: وهذا عن الثَّورِيِّ، عن
عَمرِوَ بنِ دِينَارٍ؛ غَيرُ مَحفُوظ. وإِنَّمَا رَواه ابنُ عُيَينَةَ، عن عَمرٍو. ورَواه مع
ابنِ عُيَينَةَ: مُحَمَّدُ بنُ مُسلِمِ الطَّائفي(٥)، وغَيرُه.
الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((خُدعَةٌ))، فيها (٦) ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشهورَاتٍ:
أشهرُها: فَتَحُ الخَاءِ وإسكَانُ الدَّالِ. قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ)): اتَّفَقُوا
على أنَّها أفصَحُهنَّ(٧)، قال ثَعَلَبٌ وغَيرُه: وهيَ لُغَةُ النَّبِي ◌َِ(٨).
قُلتُ: الذي رَواه الخَطَّابِي(٩)؛ عن أبي رَجَاءِ الغَنَوِيِّ، عن ثَعلَبِ أنَّه قال:
الطبراني (٦٦٧٤).
(١)
(٢ - ٢) في (ح): ((وعنه).
(٣)
البخاري (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧/١٧٣٩)، وأبو داود (٢٦٣٦)، والترمذي (١٦٧٥)،
والنسائي في الكبرى (٨٦٤٣).
(٤)
الكامل (٩٠٢/٣).
كما في فوائد تمام (١٧٥٤). وينظر: ذخيرة الحفاظ (١٢٤٧/٣)، والمقاصد الحسنة
(٥)
(٣٠٤/١).
في (ش): ((فیه)).
(٦)
شرح النووي على مسلم (٤٥/١٢).
(٨)
(٧) في (ح، ش): (أصحهن)).
(٩) في (ش): ((الحاكم)).
كِتَابُ الجهادِ
١٢٣
بَلَغَنَا أَنَّها (١) لُغَةُ النَّبِي ◌َّهِ. قال الخَطَّابي: ومَعنَاهِ: أنَّها مَرَّةً واحِدَةً؛ أي: إذَا
خُدِعَ المُقَاتِلُ مَرَّةً واحِدَةً لَم يَكُن لَها إقالةٌ(٢).
وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٣) ثَلَاثَةَ أقوالٍ:
أحَدُها: هذا. والثَّانِي: أنَّ مَعنَاه: أنَّها تَخدَعُ أهلَها، وصَفَ الفاعِلَ بِاسمِ
المَصدَرِ. ثَالِثُها: أن تَكُونَ وصفًا لِلمَفعُولِ، كَمَا قِيلَ: ضَرْبُ الأمِيرُ؛ أي:
مَضرُوبُه.
اللُّغَةُ الثَّانِيَةُ: ضَمُّ الخَاءِ، وإسكَانُ الدَّالِ؛ أي: أنَّها تَخدَعُ؛ لِأنَّ أحَدَ
الفَرِيقَينِ (٤) إِذَا خَدَعَ صَاحِبَه فيها؛ فَكَأَنَّها خَدَعَت(٥).
الثَّالِئَةُ: ضَمُّ الخَاءِ وفَتْحُ الدَّالِ؛ أي: أنَّها [١٩٦/٢ و] تَخدَعُ أهلَها، وتُمَنِّهم
الظَّفَرَ أَبَدًا، وقَد يَنقَلِبُ بهم الحَالُ لِغَيرِها كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ لُعبَةٌ وضُحَكَةٌ؛ لِلَّذِي
يُكثِرُ اللعِبَ والضَّحِكَ.
وحَكَى فيه الحَافِظُ المُنذِرِيُّ في ((حَواشِي السُّنَنِ)). رَابِعَةً، وهيَ فَتحُهمَا.
فَقال: ومن فَتحِهمَا جَمِيعًا: كَانَ جَمعُ خَادِعٍ؛ يَعنِي: أنَّ أهلَها بهذه الصِّفَةِ فَلَا
تَطمَئنُّ إلَيهم، كَأنَّه قال: أهلُ الحَربِ خَدَعَةٌ، ثُمَّ حَذَفَ المُضَافَ(٦).
قال: وأصلُ الخَدعِ: إظهارُ أمرٍ، وإضمَارُ خِلَافِه، ويُقَالُ: خَدَعَ الرِّيقُ:
فَسَدَ؛ فَكَأنَّ الخَدَّاعَ يُفسِدُ تَدبيرَ المَخلُوعِ، ويَقِلُّ(٧) رَأيه. وقِيلَ: الخُديعَةُ(٨): من
خَدَعَ الدَّهرُ إذَا تَلَونَ(٩). انتَهَى.
■ الثَّالِثَةُ: فيه تَحرِيضٌ على الخِدَاعِ في الحَربِ، وأَنَّه مَتَى لَم يَفعَل ذلك
(٣)
إكمال المعلم (٦ / ٤٢).
(٤) بعده في (ش): ((من)).
في (م): ((هي خدعت)). وفي إكمال المعلم: ((خدعت فيها)).
(٥)
وحكى مكي ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة: كسر أوله مع الإسكان، كما قال
(٦)
مغلطاي. أفاده في الفتح (١٥٨/٦).
(٧)
في (م): «فأمر)».
(٨) في (م): ((ويفل)).
ينظر: إكمال المعلم (٦ / ٤٢)، وفتح الباري (١٥٨/٦).
(٩)
(١)
في (م): «أنه».
(٢) معالم السنن (٢٦٩/٢).
١٢٤
M
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
خَدَعَه خَصمُه، وكَانَ (٧/ ٢١٥م) ذلك سَبَبًا لِانعكاسٍ(١) الأمرِ عَلَيه؛ فَلَا يُهمِلُ
خَدِيعَةً غَرِيمِه(٢)، فإنَّه إن لَم يَخدَعه خَدَعَه هو.
قال النَّوِيُّ: واتَّفق العُلَمَاءُ على جَوازِ خِدَاعِ الكُفارِ في الحَربِ كَيفَ أمكَنَ
الخِدَاعُ، إلا أن يَكُونَ فيه نَقضُ عَهدٍ أو أمَانٍ فَلَا يَحِلُّ(٣). انتَهَى.
والحِكمَةُ في الإتيَانِ بِالتَّاءِ؛ الدّلالةُ(٤) على الوحدَةِ، فإن كَانَ الخِدَاعُ من
جِهَةِ المُسلِمِينَ فَكَأنَّه حَضَّهم على ذلك، ولَو مَرَّةً واحِدَةً، وإن كَانَ من جِهَةٍ
الكُفارِ فَمَعنَاه: التَّحذيرُ من خِدَاعِهم، ولَو وقَعَ ذلك منهم مَرَّةً واحِدَةً؛ فإنَّه قَد
يَنشَأ عن تِلكَ المَرَّةِ الهَزِيمَةُ، ولَو حَصَلَ الَّفَرُ قَبلَها ألفَ مَرَّةٍ، فَلَا يَنبَغِي الَّهاوُنُ
بِذلك لِمَا يَنشَأ عنه(٥) من المَفسَدَةِ، ولَو قَلَّ الخِدَاعُ من العَدُوِّ، والله أعلمُ.
ا الزَّابِعَةُ: بَوّبَ عَلَيهِ التِّرمِذي: ((مَا (٦) جَاءَ في الرُّخِصَةِ في الكَذِبِ،
والخَدِيعَةِ فِي الحَربِ)). ولَيسَ في هذا الحديثِ ذِكرُ الكَذِبِ، فإن أرِيدَ المعارِيضُ
والتَّورِيَّةُ: فَلَا تَخلُو (٧) الخَدِيعَةُ من ذلك، وإن أرِيدَ الكَذِبُ الصَّرِيحُ: فقد تَخلُو
الخَدِيعَةُ عنه؛ فَمن المعارِيضِ مَا في ((سُنَنِ أبِي دَاوُ))(٨)؛ عن كَعبِ بنِ مَالِكٍ:
((أَنَّ النَّبِي وَ﴿ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزوةً وَرَّى بِغَيرِها، وكَانَ يَقُولُ: الحَربُ خَدعَةٌ)). ومَا
في ((سُنَنِ النسائيّ))(٩) عن مَسرُوقٍ، قال: سَمِعت عَلِيَّ بنَ أبي طَالِبٍ يَقُولُ في
شَيءٍ: صَدَقَ الله ورسولُه. قُلتُ: هذا شَيءٌ سَمِعته؟ فَقال: قال رسولُ الله ◌ٍَّ:
«الحَربُ خَدعَةٌ)).
(١)
في (م): ((لانتكاس)).
(٢) في (م): ((غيره).
شرح النووي على مسلم (٤٥/١٢).
(٣)
المثبت من (ش)، وفي بقية النسخ: ((الدالة)). وينظر: فتح الباري (١٥٨/٦).
(٤)
(٥)
لیس في (ش).
في (م): ((باب ما)).
(٦)
في (ح): ((يجعلوا)).
(٧)
أبو داود (٢٦٣٧).
(٨)
(٩) النسائي في الكبرى (٨٦٤٤).
١٢٥
كِتَابُ الجِهادِ
وقَد ورَدَ التَّرخِيصُ في الكَذِبِ في الحَربِ، رَواه الأئمَّةُ الخَمسَةُ(١)؛ من
حَدِيثٍ حُمَيدٍ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، عن أمِّه أمِّ كُلُثُومٍ، عن النَّبِيِ وَِّ أنَّه
قال: ((لَيسَ بِالكَاذِبِ(٢) مَن أصلَحَ بَينَ النَّاسِ ... )) الحديثَ، وفيه: ((ولَم أسمَعه
يُرَخِّصُ فِي شَيءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ: إنَّه كَذِبٌ، إلا في (٣ثَلَاثٍ: في٣) الحَربِ،
والإصلاحِ ... الحديثُ)).
ورَوى التِّرمِذي(٤)؛ من حَدِيثِ أسمَاءَ بِنتِ يَزِيدَ قالت: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ:
((لَا يَحِلُّ الكَذِبُ إلا في ثَلَاثٍ: يُحَدِّثُ(٥) الرَّجُلُ امرَأَتَه لِيُرضِيَها، والكَذِبُ في
الحَربِ، والكَذِبُ لِيُصلِحَ بَيْنَ النَّاسِ)).
وقال مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرِ الظَّبَرِيُّ(٦): إنَّمَا يَجُوزُ من الكَذِبِ في الحَربِ
المعارِيضُ دُونَ حَقِيقَةِ الكَذِبِ فإنَّه لَا يَحِلُّ.
وقال النَّووِيُّ: الظّاهرُ إباحَةُ حَقِيقَةُ نَفسِ الكَذِبِ، لَكِنَّ الاقتِصَارَ على
التَّعرِيضِ أفضَلُ، والله أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: فيه الإشَارَةُ إلى استِعمَالِ الرَّأيِ في الحُرُوبِ(٧)، ولَا شَكَّ
في احتياجِ المُحَارِبِ إلى الرَّأْيِ والشَّجَاعَةِ، وإِنَّ(٨) احتياجَه إلى الرَّأيِ أشَدُّ من
احتياجِه إلى الشَّجَاعَةِ، ولِهِذا اقتَصَرَ النَّبيِ وََّ هَا على (٢١٦/٧م) مَا يُشِيرُ إِلَيه؛
فَهو كَقَولِهِ: ((الحَجُّ عَرَفَةَ)). ((والنَّدَمُ تَوبَةٌ))(٩)، وقال الشَّاعِرُ(١٠):
هو أولٌّ وهيَّ(١١) المَحَلُّ الثَّانِي
الرَّأْيُ قَبلَ شَجَاعَةِ الشُّجعَانِ
بَلَغَت من العَلبَاءِ كُلَّ مَكَانٍ
فإذَا همَا اجتَمعا لِنَفسٍ مَرَّةً
البخاري (٢٦٩٢)، ومسلم (٢٦٠٥)، وأبو داود (٤٩٢٠)، والترمذي (١٩٣٨)، والنسائي
(١)
في الكبرى (٨٦٤٢).
في (ح، ش): ((الكاذب)).
(٢)
(٣ - ٣) ليس في (ش).
(٥) في (م): ((تحدثة)).
(٤)
الترمذي (١٩٣٩).
شرح النووي على مسلم (٤٥/١٢)، وإكمال المعلم (٤٢/٦).
(٦)
(٧)
في (ش): ((الحرب)).
(٩) أحمد (٣٧٦/١).
(١١) في الأصل: ((تنجلي)).
(٨) ليس في الأصل.
(١٠) ديوان أحمد بن الطيب المتنبي (١٧٤/٤).
=
١٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ السّادِسَةُ: قال أبو العَباسِ القُرطُبي (١)، بَعدَ تَقرِيرِهِ مَا تَقَدَّمَ: إنَّ مَعنَاه
الحَضُّ على استِعمَالِ الخِدَاعِ في الحَربِ [١٩٦/٢ظ] ولَو مَرَّةً واحِدَةً، ويَحْتَمِلُ:
أن يَكُونَ مَعنَاه أنَّ الحَربَ تَتَرَاءَى لِأخفَّاءِ (٢) النَّاسِ بِالصُّورَةِ المُستَحسَنَةِ، تَمَّ
تَتَجَلَى (٣) عن صُورَةٍ مُستَقْبَحَةٍ، كَمَا قال الشَّاعِرُ(٤):
الحَربُ أولُ مَا تَكُونُ فَتيةً تَسعَى بِبَزَّتِها لِكُلِّ جَهولٍ
وقال(٥):
الحَربُ لَا يَبقَى لِجَاحِمِها (٦) الثَّخَيَّلُ والمِرَاحُ(٧)
وفائدَةُ الحديثِ على هذا: مَا قاله في الحديثِ الآخَرِ: (لَا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ
العَدُوِّ، وسَلُوا اللهَ العَافيةَ)). انتَهَى.
وهذا احتِمَالٌ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّه يُفهَمُ ذَمُّ الحَربِ، والحديثُ إِنَّمَا سِيقَ(٨) في
مَعرِضِ مَدحِها والتَّحَيُّلِ فيها بِالمُخَادَعَةِ. فإن صَحَّ هذا الإِحْتِمَالُ في ذَمِّها
فَذَاكَ في الفِتَنِ والحُرُوبِ بَينَ المُسلِمِينَ النَّاشِئَةِ عن التَّنَافُسِ في الدُّنيَا،
أو (٩)
والله أعلَمُ(٩) .
المفهم (٥٢٢/٣).
(١)
(٢) في الأصل، (م): ((لأخف)). والمثبت موافق لما في المفهم. وهو جميع خفيف. ينظر:
النهاية (٢٧٧/١)، لسان العرب (٤٩/١).
(٣)
في (م): ((فأمر)».
البيت من الكامل، وهو لعمرو بن معد يكرب في ديوانه (١٢/١)، وقيل: لامرئ
(٤)
القيس. وينظر: شرح ديوان الحماسة (١٢٣/١).
نسبه سيبويه في كتابه (١٥٧/١) للحارث بن عباد. ونسبه في الأغاني (٥١/٥) لسعد بن
(٥)
مالك بن ضبيعة؛ يحض الحارث هذا على الحرب.
(٦)
في (م): «لجماحها)».
الجاحم: الملتهب، والتخيَّلُ هكذا: الخيلاء، والمِراح: النشاط. ينظر: خزانة الأدب
(٧)
(٤٤٨/١).
(٨)
في (ح، م): ((سبق)).
كتب بعده في الأصل: السابعة.
(٩)
كِتَابُ الجِهادِ
١٢٧
الحديثُ الثَّالِثَ عَشَرَ
جَ وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ، قال: «نَھَى رسولُ اللهِوَّهِ أن يُسَافَرَ
بِالقُرآنِ إلى أرضِّ العَدُوِّ».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه الشيخانِ، وأبو دَاوُد، وابنُ مَاجَه(١) من طَرِيقِ مَالِكٍ،
وزَادَ في رِوايَةِ ابنِ مَاجَه: ((مَخَافَةَ أن يَنَالَه العَدُوُّ»، [وفي رِوايَةٍ أبي دَاوُد: قال
مَالِكٌ: ((أَرَاه مَخَافَةَ أن يَنَالَه العَدُوُّ))](٢).
وأخرَجَه مُسلِمٌ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (٣) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، بِزِيَادَةٍ:
((مَخَافَةَ أن يَنَالَه العَدُوُّ)). وأخرَجَه مُسلِمٌ (٤) من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّختيانِيُّ،، بلفظِ:
(لَا تُسَافِرُوا بِالقُرآنٍ؛ فانِّي لَا آمَنُ أن يَنَالَه (٧/ ٢١٧م) العَدُوُّ)). ومن طَرِيقٍ
الضَّحَّاكِ بنِ عُثمَانَ، بلفظ: ((مَخَافَةَ أن يَنَالَه العَدُوُّ»(٥)، وعَلَّقَه البخارِيُّ(٦)؛ من
طَرِيقِ مُحَمَّدُ بنُ بِشرٍ، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، ومن طَرِيقِ محمد بنِ إسحَاقَ(٧)؛
سِنَّتْهم، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ. وقال أبو بَكرِ البَرقَانِيُّ(٨): لَم (٦ْ يَقُل ((كَرِه)٩) إلا
مُحَمَّدُ بنُ بِشرٍ. وَرَواه (١٠ أبو هَمَّام١٣)، عن مُحَمَّدٍ بنِ بِشرٍ كَذلك، ورَواه عن
عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ جَمَاعَةٌ؛ فاتَّفَقُوا عَلَى لَفِظَةِ النَّهي (١١).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١٢): هَكَذَا قال يَحيَى بنُ يَحيَى، والقَعنَبي، وابنُ بُكَير،
البخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (٩٢/١٨٦٩)، وأبو داود (٢٦١٠)، وابن ماجه (٢٨٧٩).
(١)
(٢)
لیس في (ح).
مسلم (١٨٦٩/ ... ، ٩٤)، والنسائي في الكبرى (٨٠٦٠)، وابن ماجه (٢٨٨٠).
(٣)
مسلم (١١٠/١٨٦٩).
(٥) ليس في (ح، ش).
(٤)
البخاري قبل حديث (٢٩٩٠).
(٦)
أبو بكر البرقاني، كما في فتح الباري (١٣٣/٦).
(٨)
(٩ - ٩) في (م): ((يذكره).
(١١) ينظر: تحفة الأشراف (١٦٥/٦).
(٧) في الأصل، (م): ((ابن إسحاق)).
(١٠ - ١٠) في (ش): ((أبو عاصم همام)).
(١٢) التمهيد (٢٥٤،٢٥٣/١٥).
=
١٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأكثَرُ الرُّواةِ؛ يَعنِي بلفظِ: قال مَالِكٌ: ((أرَاه: مَخَافَةَ أن يَنَالَه العَدُوُّ»، ورَواه ابنُ
وهبٍ عن مَالِكِ، فَقال في آخِرِهِ: ((خَشَةَ أن يَنَالَه العَدُوُّ»، في سِيَاقَةِ الحديثِ. لَم
يَجعَله من قَولِ مَالِكٍ.
قُلتُ: وتَقَدَّمَ أنَّه في ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه)»؛ من رِوايَةٍ مَالِكِ في نَفسِ الحديثِ،
وهو عِندَه من(١) طَرِيقٍ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهِدِيٍّ، عن مَالِكِ.
قال: وكَذلك قال عُبَيدُ الله بنُ عُمَرَ، وأيُّوبُ، والليثُ، وإسمَاعِيلُ بنُ أمَيَّةَ،
ولَيْتُ بنُ أبي سُلَيمٍ، وإن اختَلَفَت ألفاظُهم قال: وهو صَحِيحٌ مَرفُوعٌ.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٢)، في الرِّوايَةِ المَشهورَةِ عن مَالِكِ: يَحْتَمِلُ أنَّه شَكَّ
هَل هيَ من قَولِ النَّبِيِ ◌ِّ﴿ أم لا؟ وقَد رُويت عن مَالِكِ مُتَّصِلةً(٣) من كَلَامِ
النََِّّهِ، كَرِوايَةٍ غَيرِهِ من رِوايَةٍ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهدِيٍّ وعَبدِ الله بنِ وهبٍ.
وقال النَّووِيُّ: هذه العِلَّةُ المَذكُورَةُ في الحديثِ هِيَ(٤) من كَلَامِ الَّبِي ◌ِلََّ.
وغَلِطَ بَعضُ المَالِكِيَّةِ؛ فَزَعَمَ أنَّها من كَلَامِ مَالِكِ.
■ الثَّانِيَةُ: فيه النَّهيُ عن السَّفَرِ بِالقُرآنِ، والمُرَادُ به المُصحَفُ إلى أرضٍ
العَدُوِّ، وهذا مُحتَمِلٌ لِلنَّحرِيمِ والكَرَاهَةِ. وفي لَفِظِ مُسلِمٍ: ((لَا تُسَافِرُوا بِالقُرآنِ))،
وظَاهرُ هذا اللفظِ التَّحرِيمُ. ولَفْظُ رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ بِشرٍ عن عُبَيدِ الله: ((كَرِهَ أن
يُسَافَرَ بِالقُرآنِ إلى(٥) أرضِ العَدُوِّ)). وظَاهرُه: التَّنزِيه فقط، وقَد بَوّبَ عَلَيه
البخارِيُّ: بابُ كَرَاهِيَةِ السَّفَرِ بِالمَصَاحِفِ إلى أرضِ العَدُوِّ. وكَذلك يُروى عن
مُحَمَّدٍ بنِ بِشرٍ، عن عُبَيدِ الله، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِ وَ. وتَابَعَه
ابنُ إسحَاقَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِ ◌َّ. وَقَد ((سَافَرَ النَّبِيََِّه
وأصحابُه في(٦) أرضِ العَدُوِّ، وهم يَعلَمُونَ القُرآنَ)). انتَهَى.
في (ح): ((في)).
(١)
إكمال المعلم (٢٨٣/٦)، شرح النووي (١٣/١٣).
(٢)
(٣)
في (م): ((متصلًا)).
(٤) ليس في (ش).
ليس في (ش).
(٥)
(٦) في (ح): ((إلى)).
=
=
كِتَابُ الجهادِ
١٢٩
وفي بَعض (١) نُسَخِه: بابُ السَّفَرِ. بِدُونِ ذِكرٍ (٢) الكَرَاهَةِ، وقَد اعتَمَدَ في
الكَرَاهَةِ على لَفِظِ رِوايَةٍ (٣) مُحَمَّدِ بنِ بِشرٍ عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ. وقَد عَرَفتَ من
كَلَامِ البَرقَانِيّ: أنَّ المَشهورَ [١٩٧/٢ و] لَفِظُ النَّهي؛ على أنَّ لَفِظَ الكَرَاهِيَةِ(٤)
يَحْتَمِلُ الثَّحرِيمَ أيضًا (٥) .
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): أجمع الفُقَهاءُ أن لا يُسَافَرَ بِالقُرآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ
في السَّرَايَا والعَسكَرِ الصَّغِيرِ المَخُوفِ عَلَيه. واختَلَفُوا في جَوازِ ذلك في العَسكَرِ
الكَبيرِ المَأمُونِ عَلَيهِ: فَلَم يُفَرِّق مَالِكٌ بَيْنَ الصَّغِيرِ والكَبيرِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لَا
بأسَ (" بِالسَّفَرِ في العَسكَرِ (٧) العَظِيمِ.
وقال النَّوِيُّ في (شَرحِ مُسلِمٍ)) (٨): إن أُمنت العِلَّةُ بِأن يَدخُلَ في جَيشِ المُسلِمِينَ
الظَّاهرُ عَلَيهِم فَلَا كَرَاهَةَ، ولَا مَنَّعَ حِينَئذٍ لِعَدَمِ العِلَّةِ، هذا هو الصَّحِيحُ، وبه قال
أبو حَنِيفَةَ والبخارِيُّ، وآخَرُونَ. وقال مَالِكٌ وجَمَاعَةٌ من أصحَابِنَا: بِالنَّهي مُطلَقًّا.
وحَكَى ابنُ المُنذِرِ عن أبي حَنِيفَةَ: الجَوازَ مُطلَقًّا. والصَّحِيحُ عنه مَا سَبَقَ. انتَهَى.
وقَولُ البخارِيِّ تَخُّْ: (قَد سَافَرَ النَّبِيِ وَهِ وأصحَابُه إلى (٩) أرضِ العَدُوِّ،
وهم يَعلَمُونَ القُرآنَ))(١٠). إن قَصَدَ به مُعَارَضَةَ النَّهي عن ذلك فَلَا تعارُضَ بَيْنَهمَا؛
لِأَنَّ النَّهيَ عن ذلك في المُصحَفِ؛ لِئَّا يَتَمَكَّنُوا مِنْه فَيَنْتَهكُوا حُرمَتَه، ولَيسَ آدَمِيًّا
يُمكِنُه الدَّفعُ عن نَفسِه، بِخِلَافِ مَا في صُدُورِ المُؤمنينَ من القُرآنِ؛ فإنَّهم عِندَ
العَجزِ عن (١١) المُدَافَعَةِ(١٢) عن أنفُسِهم لَا يُعَدُّ المُهينُ لَهم مُهينًا لِلمُصحَفِ؛ لِأنَّ
الذي في صُدُورِهم أمرٌ مَعنَوِيٌّ، والذي في المُصحَفِ مُشَاهَدٌ مَحسُوسٌ،
والله أعلمُ.
ليس في (م).
(١)
(٣)
ليس في (ش).
(٥) ينظر: فتح الباري (١٣٣/٦، ١٣٤).
(٧ - ٧) في (م): ((في السفر بالعسكر)).
(٩) في (ح، ش): ((في)).
(١١) في (ح): ((عند)).
(٢) ليس في (ح، ش).
(٤) في (م): ((الكراهة)).
(٦) التمهيد (٢٥٤/١٥).
(٨) شرح النووي (١٣/١٣).
(١٠) ليس في (ح، ش).
(١٢) في الأصل: ((الموافقة)).
١٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّالِثَةُ: يُستَنَبَطُ منه مَنعُ بَيعِ المُصحَفِ من الكَافِرِ (١) لِوُجُودِ المَعنَى فيه،
وهو تَمَكّنُه من الاِستِهِائَةِ به، ولَا خِلَافَ في تَحرِيمِ ذلك. ولَكِن هَل يَصِحُّ لَو
وقَعَ؟ اختَلَفَ أصحَابُنَا فيه على طَرِيقَينِ(٢):
أصحهما: القَطعُ بِبُطلَانِه. والثَّانِي: إجرَاءُ الخِلَافِ الذي في بَيعِ
العَبدِ المُسلِمِ لِلكَافِرِ فيه. والفَرقُ بَينَهمَا على الأول(٣): عِظَمُ حُرمَةِ المُصحَفِ،
وأنَّه لَا يُمكِنُهَ دَفعُ الذُّلِّ عن نَفْسِه بِالاسْتِغاثةِ(٤) بِخِلَافِ العَبدِ(٥).
الرَّابِعَةُ: في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)) عن أيُّوبَ السَّختيانِيُّ، أنَّه قال بَعدَ رِوايَةٍ
الحديثِ: فقد نَالَه العَدُوُّ وخَاصَمُوكُّم به؛ يَعنِي به: أنَّكُم لَمَّا خَالَفتُم مَا قال
لَكُمْ(٦) نَبِيكُم فَمَكَّنتُم عَدُوكُم من المُصحَفِ نَالُوه وتَوجَّهَت حُجَّتُهم عَلَيكُم من
حَيثُ مُخَالَفَتِكُمْ نَبِيكُم. وأيضًا، فَلَمَّا وقَفُوا عَلَيه وجَدُوا فيه مَا يَشْهَدُ عَلَيكُم
بِالمُخَالَفَةِ مِثلُ قَولِه: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَتَيْنٍ﴾ [الأنفال: ٦٥]
الآيَتَينِ، وغَيرُ ذلك من الآيَاتِ التي تُرِكَ العَمَلُ بها .
] الخَامِسَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): واختَلَفُوا من (٨) هذا البابِ في تَعلِيم
الكَافِرِ القُرآنَ: فَمَذهَبُ أبي حَنِيفَةَ أنَّه لَا بأسَ بِتَعلِيمِه(٩) القُرآنَ والفِقهَ، ولَو كَانَ
حَربيًّا. وقال مَالِكٌ: لَا يُعَلَّمُونَ (٢١٩/٧م) القُرآنَ. وعن الشَّافِعِيِّ رِوايَتَانِ:
إحدَاهَمَا الكَرَاهَةُ، والثَّانِي (١٠) الجوازُ.
] السَّادِسَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١١) أيضًا: كَرِهَ مَالِكٌ وغَيرُه أن يُعطَى
الكَافِرُ دِرِهَمَا أو دِينَارًا فيه سُورَةٌ أو آيَةٌ من كِتَابِ الله تعالى.
في (ح، ش): ((الكفار)).
(١)
(٣)
لیس في (م).
(٢) في الأصل: ((طريقتين)).
(٤) في (ح، م): ((بالاستعانة)).
المجموع (٣٥٤/٩، ٣٥٥).
(٥)
ليس في الأصل.
(٦)
(٧) التمهيد (٢٥٤/١٥).
(٩) في الأصل، (م): ((بتعلمه)).
(٨) في الأصل، (م): ((في).
(١٠) في (م): ((الثانية)). وفي التمهيد: ((والأخرى)).
(١١) التمهيد (٢٥٥/١٥).
١٣١
كِتَابُ الجِهادِ
قال: ومَا (١) أعلَمُ في هذا خِلَافًا إذَا كَانَت آيَةً تَامَّةً أو سُورَةً. وإِنَّمَا اخْتَلَفُوا
في الدِّينَارِ والدِّرهَم إذَا كَانَ في أحَدِهمَا اسمٌ من أسمَاءِ الله تعالى: فأمَّا الدَّرَاهمُ
التي كَانَت على عَهدِ رسولِ الله وَّهِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيها قُرآنٌ ولَا اسمُ الله ولَا ذِكرٌ؛
لِأنَّها كَانَت من ضَربِ الرُّومِ وغَيرِهم من أهلِ الكُفرِ، وإِنَّمَا ضُرِبَت(٢) دَرَاهمُ
الإسلام في أيَّامِ عَبدِ المَلِكِ بنِ مَروانَ(٣). قال النَّوِيُّ(٤): وانَّفق العُلَمَاءُ على أنَّه
يَجُوزُ أَن يُكتَبَ (°إلَيهم كِتَاب٥ٌ) فيه آيَةٌ أو آيَاتٌ، والحُجَّةُ فيه: كِتَابُ النَّبِيِّل
إلى هرَقلَ.
ليس في الأصل.
(١)
(٢)
ليس في الأصل.
(٣)
ينظر: الأموال لأبي عبيد (٦٢٩/١).
شرح النووي (١٣/١٣، ١٤).
(٤)
(٥ - ٥) في (م): «لهم كتابًا)).
١٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابُ اللواءِ
31
عن بُرَيدَةَ، قال: ((حَاصَرنَا(١) خَيبَرَ؛ فأخَذَ اللِّواءَ أبو بَكرٍ
فانصَرَفَ، ولَم يُفتَحِ لَه. ثُمَّ أَخَذَه من الغَدِ عُمَرُ فَخَرَجَ فَرَجَعَ، ولَم يُفتَحَ
لَه، وأصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ وَجَهِدٌ. فَقال رسولُ الله ◌ََِّ: إِنِّي دَافِعٌ اللُّواءَ
غَدًّا إلى رَجُل يُحِبُّهُ اللهُ ورسولُه، ويُحِبُّ [٢/ ١٩٧ ظ] اللهَ ورسولَه، لَا يَرجِعُ
حَتَّى يُفتَحَ لَه))، وبِتنَا طَيِّبَةً أنفُسُنَا أنَّ الفَتحَ غَدًّا؛ فَلَمَّا أن أصبَحَ
رسولُ الله ◌َّهِ صَلى الغَدَاةَ ثُمَّ قَامَ قَائمًا فَدَعَا بِاللُّواءِ، والنَّاسُ على
مَصَافِّهم، فَدَعَا عَلِيًّا، وهو أرمَدُ فَتَفَلَ في عَينَيه، ودَفَعَ إلَيه اللُّواءَ، وفُتِحَ
لَه. وقال بُرَيدَةَ: وأنَا فيمَن تَطَاولَ لَها)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه النسائيّ(٢) من هذا الوجه، من طَرِيقِ حُسَينٍ بِنِ واقِدٍ،
وفيه: ((فَمَا منا إنسَانٌ لَه مَنزِلَةٌ عِندَ رسولِ الله وَّرَ، إلا وهو يَرجُو أن (٢٢٠/٧م)
يَكُونَ صَاحِبَ اللِّواءِ))، ومن طَرِيق مَيمُونٍ أبي(٣) عَبدِ الله، عن عَبدِ الله بنِ بُرَيدَةَ،
عن أبيه، وفيه شِعرُ مَرحَبٍ، وفيه: ((فاختَلَفَ هو وعَلِيٍّ ضَربَتَينٍ؛ فَضَرَبَه على
هامَتِهِ حَتَّى عَضَّ السَّيفُ منها أبيَضَ رَأْسِه، وسَمِعَ أهلُ العَسكُرِ صَوتَ ضَربَتِهِ
فَفَتَحَ الله لَه ولَهم)). واتَّفق الشيخانِ (٤) على إخراج هذه القِصَّةِ؛ من حَدِيثٍ
(١)
في (ح، س): ((حضرنا)).
النسائي في الكبرى (٨٤٠٢، ٨٤٠٣، ٨٦٠١).
(٢)
(٣)
في (ح): ((بن أبي)).
البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦). من حديث سهل بن سعد. والبخاري (٢٩٧٥) =
(٤)
بابُ اللُّواءِ
١٣٣
=
سَهلِ بنِ سَعدٍ(١)، وسَلَمَةَ بنِ الأكوعِ. وأخرَجَها مُسلِمٌ(٢) من حَدِيثٍ أبي هريرةَ،
ومن حَدِيثِ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ. ولَّها طُرُقُ أخرَى تَكَادُ أن تَبلُغَ حَدَّ الثَّواتُرِ.
■ الثَّانِيَةُ: اللُّواءُ: بِكَسرِ اللامِ وبِالمَدِّ، هو بِمَعنَى الرَّايَةِ المَذْكُورَةِ في
رِوايَةٍ أخرَى، والمُرَادُ بهمَا: العَلَمُ الذي يُحمَلُ في الحُرُوبِ، وهو من العَلَامَةِ؛
لِأَنَّه يُعرَفُ به مَوضِعُ مُقَدَّم (٣) الجيشِ، وهذا (٤) الذي ذَكَرته من أنَّ اللِّواءَ والرَّايَةَ
مُتَرَادِفانٍ؛ صَرَّحَ به أهلُ اللُّغَةِ والغَرِيبِ، ومنهم صَاحِبُ ((المَشَارِقِ)) و((النِّهَايَةِ))(٥).
لَكِن بَوّبَ التِّرمِذي في ((جَامِعِه)) (٢) على الألوِيَةِ(٧)، وأورَدَ فيه حَدِيثَ جَابِرٍ :
((أنَّ النَّبِي ◌َِّ دَخَلَ مََّةَ ولِواؤُه أبَيَضُ))، وقَد رَواه بَقِيَّةُ أصحَابِ السُّنَنِ الأربَعَةِ.
ثُمَّ بَوّبَ على الرَّايَاتِ (٨)، وأورَدَ فيه حَدِيثَ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ: «أَنَّ رَايَةَ
رسولِ اللهِ وَّ﴿ كَانَت سَودَاءَ مُرَبَّعَةً من نَمِرَةٍ)). وقَد رَواه أيضًا (٩) أبو دَاوُد،
والنسائيُّ(١٠). ثُمَّ رَوى حَدِيثَ ابنِ عَباسٍ ﴿هَا، أَنَّه قال: ((كَانَت رَايَةُ رسولِ اللهِوَه
سَودَاءَ، ولِواؤُه أبيَضَ)). وقَد رَواه ابنُ مَاجَه أيضًا (١١)، ورَوى ابنُ عَدِيٍّ في
((الكَامِلِ))(١٢) مِثلَ هذا التَّفرِيقِ من حَدِيثِ(١٣) أبي هريرةَ؛ بِزِيَادَةِ: ((مَكتُوبٌ فيه:
لَا إِلَهَ الا الله، مُحَمَّدٌ رسولُ الله))، وفي إسنَادِه مُحَمَّدُ بنُ أبي حُمَيدٍ ضَعِيفٌ(١٤).
ورَوى هذا التَّفْصِيلَ أيضًا بِدُونِ المَكتُوبِ فيه: أبو يَعلى المَوصِلِيُّ في ((مُسنَدِه))،
ومسلم (١٣٢/١٨٠٧) من حديث سلمة بن الأكوع.
=
بعده في (ح): ((وسلمة بن سعد)).
(١)
مسلم (٣٢/٢٤٠٤) من حديث سعد. ومسلم (٢٤٠٥/ ٣٣) من حديث أبي هريرة.
(٢)
(٣)
في الأصل، (م): ((تقدم)).
(٤) في (ح، ش): ((وهو)).
مشارق الأنوار (٣٠٤/١)، النهاية (٩٢١/٢).
(٥)
أبو داود (٢٥٩٢)، والترمذي (١٦٧٩)، والنسائي (٢٨٦٦)، وابن ماجه (٢٨١٧).
(٦)
(٧)
قال الترمذي: باب ما جاء في الألوية.
في الأصل، (م): ((الروايات)). قال الترمذي: باب ما جاء في الرايات.
(٨)
(٩)
لیس في (ح).
(١٠) أبو داود (٢٥٩١)، والترمذي (١٦٨٠)، والنسائي في الكبرى (٨٦٠٦).
(١١) الترمذي (١٦٨١)، وابن ماجه (٢٨١٨).
(١٢) الكامل (٦٥٨/٢).
(١٤) ينظر: تهذيب الكمال (١١٢/٢٥).
(١٣) ليس في الأصل.
=
١٣٤
55
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والطَبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِهِ الكَبيرِ))؛ من حَدِيثِ بُرَيدَةً (١)، وأبو الشَّيخ ابنُ حَيَّانَ من
حَدِيثٍ عَائشَةَ.
وهذا صَرِيحٌ في الفَرقِ بَينَ اللِّواءِ (٧/ ٢٢١م) والرَّايَةِ، ولَعَلَّ التَّفرِقَةَ بَينَهمَا
عُرفيةٌ؛ فَكَانَ لِلنَّبِ نَّهِ شَيئَانِ: يُسَمَّى أَحَدُهمَا: لِواءً، والآخَرُ: رَايَةً. فالثَّخصِيصُ
من حَيثُ التَّسمِيَةُ وإن استَوى مَدُلُولُهمَا في اللُّغَةِ. وفي ((سُنَنِ أبي دَاوُد))(٢)؛ من
حَدِيثِ سِمَاكٍ، عن رَجُلٍ من قَومِه، عن آخَرَ منهم، قال: ((رَأيت رَايَةَ رسولِ اللهِ وَّل
صَفْرَاءَ))، وفي ((كِتَابِ الجِهادِ) لِبنِ أبي عَاصِمٍ؛ من حَدِيثٍ مَزِيدَةً(٣) العَصرِيِّ،
قال: ((كُنتِ جَالِسًا عِندَ رسولِ الله وَّرَ فَعَقَدَ رَايَةَ الأنصَارِ، وجَعَلَها صَفرَاءَ))(٤).
ومن حَدِيثٍ كُرزِ بنِ أسَامَةَ عن النَّبِيِ بَِّ: ((أَنَّه عَقَدَ رَايَةَ بَنِي سُلَيمِ حَمَرَاءَ)»(٥).
■ الثَّالِثَةُ: فيه استِحبابُ الألوِيَةِ في الحُرُوبِ، وأنَّه يَنبَغِي أن يَكُونَ مع أمِيرِ
الجَيشِ، كَمَا قال عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ في قِصَّةٍ غَزوةٍ مُؤْتَةَ: ((أخَذَ الرَّايَةَ زَيدٌ
فأصِيبَ، ثُمَّ أخَذَها جَعفَرٌ ... )) (٦) الحديثَ؛ فَجَعَلَ الآخِذَ لِلرَّايَةِ هو الأمِيرَ، وقَد
يُقِيمُ الأمِيرُ فِي حَملِها غَيرَه، ودَفعُ اللِّواءِ في هذه الواقِعَةِ لِأبي بَكرٍ تَأْمِيرٌ لَه، وكَذلك
لِعُمَرَ، ثُمَّ لِعَلِيٍّ ﴿ُه، ولَيسَ في إعطَائِه لِعَلِيِّ عَزلٌ لِواحِدٍ منهمَا؛ فإنَّ وِلَايَةَ كُلِّ
واحِدٍ منهما على اللُّواءِ كَانَت خَاصَّةً [١٩٨/٢ و] بِذلك اليَومِ فانقَضَت بِانقِضَائه، ولا
أمِيرَ كَامِلَ الإمَرَةِ مع حُضُورِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ، ولَكِنَّه يُقِيمُ مَن يَشَاءُ فيمَا يَشَاءُ.
■ الرَّابِعَةُ: ((الجَهدُ) بِفَتح الجِيم: المَشَقَّةُ، أمَّا الجُهدُ، بِالضَّمِّ والفَتحِ:
فَهو الطَّاقَةُ. و(التُّفْلُ)): بِالتَّاءِ المُثَنَّةِ من فَوقُ، نَفخٌّ مع شَيءٍ من رِيقٍ، وهو أخَفُّ
من البَصقِ، وأكثَرُ من النَّفْثِ(٧).
أبو يعلى (٢٣٧٠)، والطبراني (١١٦١). (٢) أبو داود (٢٥٩٣).
(١)
(٣)
في (م): ((يزيد)). ينظر: التاريخ الكبير (٣٠/٨).
لم نقف عليه في الجهاد، لكن رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣٤٥٣/٦).
(٤)
(٥)
ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤٤٧).
(٦)
أخرجه البخاري (١٢٤٦) عن أنس.
ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢٩٨/١).
(٧)
بابُ اللَّواءِ
١٣٥
■ الخَامِسَةُ: فيه مُعجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ لِرسولِ اللهِ وَّهِ قَولِيَّةٌ وفِعِلِيَّةٌ؛ فالقَولِيَّةُ:
إعلَامُه بِأنَّ اللهَ تعالى يَفتَحُ على يَدَيه، فَكَانَ كَذلك. والفِعلِيَّةُ: بُصَاقُه في عَينَيه،
وكَانَ أرمَدَ فَبَرَأْ من سَاعَتِه، وفيه فَضَائِلُ ظَاهرَةٌ لِعَلِيٍّ ◌َظُهِ، وبَيَانُ شَجَاعَتِهِ
وحُبه اللهَ ورسولَه وحُبُّ الله ورسولِهِ إِيَّاه(١). رضي الله عنه وعنهم أجمعين.
(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٧٧).
=
لحم
١٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابٌ قِتَالِ الأَعَاجِمِ والتُّرِكِ
: عن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وٍَّ: ((لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى (٢٢٢٢٧م) تُقَاتِلُوا خُوزَ وكَرمَانَ؛ قَومًا من الأعَاجِم: حُمرَ
الوُجُوه، فُطْسَ الأنُوفِ، كَأنَّ وُجُوهَهم المَجَانُّ المُطْرَقَّةُ»، رَواه البخَارِيُّ.
وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا [قَومًا
نِعَالُهم الشَّعَرُ)).
وعن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ؛ يَبلُغُ به النَّبِيَِّهِ: ((لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا] (١) قَومًا، كَأنَّ وُجُوهَهم المَجَانُّ المُطرَقَةُ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَ البخارِيُّ(٢) الرِّوايَةَ الأولى والثَّانِيَةَ، وهيَ عِندَه قِطعَةٌ من
الأولى؛ من طَرِيقٍ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرةَ رَُّه. وأخرَجَ
الشيخانِ، وأبو دَاوُد، والتِّرمِذي، وابنُ مَاجَه(٣) الرِّوايَةَ الثَّالِثَةَ(٤)؛ من طَرِيقٍ
سُفِيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ. وفيه: ((ولَا
تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَومًّا نِعَالُهم الشَّعَرُ)). وأخرَجَ(٥) الشيخانِ(٦)، وغَيرُهمَا؛ من
طَرِيقٍ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ رَُّه: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا
(١) ما بين المعكوفين ليس في (ش).
(٢) البخاري (٣٥٩٠).
(٣) البخاري (٢٩٢٩)، ومسلم (٦٢/٢٩١٢)، وأبو داود (٤٣٠٤)، والترمذي (٢٢١٥)،
وابن ماجه (٤٠٩٦).
(٤) في الأصل، (ح): ((الثانية)).
(٥) في (م): ((وأخرجه)).
(٦) البخاري (٢٩٢٩)، ومسلم (٢٩١٢/ ٦٢)، وابن ماجه (٤٠٩٧)
بابُ قِتَالِ الأعَاجِمِ والُّركِ
١٣٧
=
قَومًا نِعَالُهم الشَّعَرُ، وحَتَّى تُقَاتِلُوا النُّرَكَ: صِغَارَ الأعيُنِ، حُمرَ الوُجُوه، ذُلفَ(١)
الأنُوفِ، كَأنَّ وُجُوهَهم المَجَانُّ المُطْرَقَةُ))، لَفِظُ البخارِيِّ. ولَيسَ في لَفْظُ مُسلِمٍ من
هذا الوجه التَّصرِيحُ بِالتُّركِ.
نَعَم أخرَجَ ذلك من طَرِيقِ سُهَيلٍ بن أبي صَالِحٍ، (٢ عن أبيه٢)، عن أبي
هريرةَ؛ لفظه(٣): ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسلِمُونَ القُّرَكَ: قَومًا وُجُوههم
كَالمَجَانِّ المُطَرَقَةِ، يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، ويَمِشُونَ في الشَّعَرِ))(٤).
■ الثَّانِيَةُ: ((خُوزُ)): بِضَمِّ الخَاءِ المُعجَمَةِ وإسكّانِ الواوِ بَعدَها زَايٌ
مُعجَمَةٌ، جِيلٌ من النَّاسِ، ورَوينَا هذا اللفظَ هنَا بِتَركِ الصَّرفِ، (٢٢٣/٧م) ورَوينَاه
في ((صَحِيحِ البخارِيِّ)): ((خُورًا)) مَصرُوفًا. وسَبَبُ ذلك: خِفَّتُه مع عُجمَتِهِ(٥).
ورُوي ((خُوزَ كَرمَانَ)) بِإِضَافَةِ خُوزٍ إلى كَرمَانَ؛ أضِيفَ الجِيلُ إلى سَكَنِهم، ويُقَالُ
لِكُورِ الأهوازِ: بِلَادُ الخُوزِ، ويُقَالُ لَها: خُوزِسِتَانَ، والنِّسَبَةُ إلَيها: خُوزِيٌّ (٦).
قال صَاحِبُ ((النِّهايَةِ))(٧)، ويُروى بِالرَّاءِ المُهمَلَةِ، وهو من أرضٍ فارِسَ،
وصَوّبَه الدَّارَقُطْنِيُّ، وقيل: إذَا أضِيفَت فَبِالرَّاءِ، وإذَا عُطِفَتِ فَبِالزَّايٍ. انتَهَى.
وكَرِمَانُ بِفَتحِ الكَافِ وكَسرِها وإسكَانِ الرَّاءِ، حَكَاهِمَا ابنُ السَّمعَانِيِّ (٨)،
وصَحَّحَ الفَتحَ، مع تَصدِيرٍ كَلَامِه بِالكَسرِ؛ لِأَنَّه أشهَرُ، وهو اسمٌّ لِصَقعٍ مَشهورٍ
يَشتَمِلُ على عِدَّةِ بِلَادٍ؛ فإن كَانَت الرِّوايَةُ بِالإِضَافَةِ: فالأمرُ فيه واضِحٌ، وإن كَانَت
بِالعَطفِ: فالمُرَادُ أهلُ كَرمَانَ؛ فَحَذَفَ المُضَافَ وأقَامَ المُضَافَ إلَيه مَقَامَه، ويَدُلُّ
عَلَيهِ قَولُه بَعدَه: (قَومًا من الأعَاجِمِ)).
في (ح، ش): ((دلف)). وهما لغتان.
(١)
(٣)
مكانها في (م): ((والله)).
(٤)
مسلم (٦٥/٢٩١٢).
ينظر: همع الهوامع (١٢١/١، ١٢٢).
(٥)
و ينظر: المشارق (٢٤٨/١).
(٦)
(٧)
النهاية (٨٧/٢).
الأنساب (٥٦/٥).
(٨)
(٢ - ٢) ليس في (ح، ش).
١٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((حُمرَ الوُجُوه))، بِإِسكَانِ المِيم؛ أي: بيضَ الوُجُوه
مُشْرَبَةً بِحُمرَةٍ. وقَولُه ((قُطْسَ الأنُوفِ))، بِضَمِّ الفاءِ [١٩٨/٢ ظ] (١) وإسكَانِ الطَّاءِ،
وبِالسِّينِ المُهمَلَةِ(٢)؛ المُرَادُ به: أن يَكُونَ في رَأسِ الأنفِ انبِطَاحٌ، وهو ضِدُّ
الشَّمَمِ في الأنفِ.
وقَولُه في الرِّوايَةِ الأخرَى: (ذُلفَ الأنُوفِ))، هو بِالذَّالِ المُعجَمَةِ والمُهمَلَةِ،
لُغَتَانِ: المَشهورَةُ المُعجَمَةُ، ومِمَّن حَكَى الوجهَينِ فيه صَاحِبُ(٣) ((المَشَارِقِ))،
و (المَطَالِعِ»(٤).
قال: رِوايَةُ الجُمهورِ بِالمُعجَمَةِ، وبَعضُهم بِالمُهمَلَةِ، والصَّوابُ المُعجَمَةُ،
وهو بِضَمِّ الذَّالِ وإسكَانِ اللامِ جَمِعُ أذلَفَ كَأحمَرَ وحُمرٍ. ومَعنَاه: قُطسُ الأنُوفِ
قِصَارُها مع انبِطَاحِ(٥)، وقِيلَ: هو غِلَظُّ في أرنَبَةِ الأنفِ، وقِيلَ: تَطَامُنٌ فيها،
وكُلُّه مُتَقَارِبٌ(٦).
■ الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((كَأنَّ وُجُوهَهم المَجَانُّ))، بِفَتحِ المِيمِ وتَشدِيدِ النُّونِ:
جَمِعُ مِجَنٌّ بِكَسرِ المِيمِ، وهو التُّرسِ، وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ عن بَعضِهم: أنَّه
أجَازَ فيه كَسَرَ المِيمٍ في الجَمِعِ، وإِنَّه خَطَأٌ .
وقَولُه: ((المُطرَقَةُ))، بِضَمِّ المِيم وإسكانِ الظَّاءِ وتَخفيفِ الرَّاءِ: هذا(٧) هو
الفَصِيحُ المَشهورُ في الرِّوايَةِ وفي كُتُبِ اللَّغَةِ والغَرِيبِ. وحُكِيَ فَتْحُ الظَاءِ وتَشدِيدُ
الرَّاءِ. والمَعرُوفُ الأولُ.
(١) من هنا خرم في الأصل، ينتهي في أثناء الفائدة الثانية من الحديث الرابع، في باب
الغنيمة والنفل.
(٢)
في (ح): ((المهملتين)).
(٣) في (ح): ((صاحبا)).
هي مطالع الأنوار على صحاح الآثار، لأبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الحَمزِي،
(٤)
المعروف بابن قُرقُول. وقد وضعه على منوال مشارق الأنوار للقاضي عياض. لكن استدرك
عليه وعَدّ عليه أوهامًا. توفى (٥٦٩هـ). السير (٢٠/ ٥٢٠)، كشف الظنون (١٧١٥/٢).
(٥)
في (ش): ((انعطاف)).
(٦)
المشارق (٢٧٠/١)، وينظر: شرح النووي (١٨/ ٣٧).
في (م): ((هنا)).
(٧)
بابٌ قِتَالِ الأَعَاجِمِ والُّركِ
١٣٩
==
قال العُلَمَاءُ: هيَ التي أُلْبِسَتِ العَقَبَ، وهو بِفَتحِ العَينِ والقَافِ: العَصَبُ
التي تُعمَلُ منه الأوتَارُ، وأطرَقت به طَاقَةً فَوقَ طَاقَةٍ. قَالُوا: ومَعنَاه تَشبيه وُجُوه
التُّركِ في عُرضِها وتَوِّ(١) وجَنَاتِها وغِلَظِها، بِالتُّسَةِ المُطرَقَةِ(٢).
■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((نِعَالُهم الشَّعَرُ))، مَعنَاه: أنَّهم يَجعَلُونَ نِعَالَهم من
حِبالٍ ضُفِرَت (٣) من الشَّعَرِ، وكَذَا يَفعَلُ (٧/ ٢٢٤م) بَعضُ الأتراكِ.
والظَاهرُ: أنَّ هذا هو مَعنَى قَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((ويَمشُونَ في الشَّعْرِ)).
ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ مَعنَى تِلكَ الرِّوايَةِ الإشَارَةُ إلى كَثْرَةِ شُعُورِهم، وكَثَافَتِها،
وطُولِها؛ فَهم بِذلك (٤): يَمِشُونَ فيها. ويَحتَمِلُ: أن تُرَدَّ الرِّوايَةُ المَشهورَةُ إلَيها،
ويَكُونُ مَعنَى: ((نِعَالُهم (٥) الشَّعرُ)): أنَّ شُعُورَهم ونَواصِيَهم وافيةٌ على قَدرِ قُدُودِهم
حَتَّى يَطَؤُّوا أطرَافَ دَوابهم، وهذا تَكَلُّفٌ. والأولُ هو الظَّاهرُ(٦). والله أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: هذه مُعجِزَةٌ ظَاهرَةٌ لِرسولِ اللهِ بَّهِ؛ فقد وُجِدَ قِتَالُ هَؤُلَاءِ
التُّركِ(٧) بِجَمِيعِ صِفاتِهم التي ذَكَّرَها وَِّ؛ صِغَارُ الأعيُنِ، حُمِرُ الوُجُوهِ، ذُلِفُ
الأنُوفِ، عِرَاضُ الوُجُوهِ، كَأنَّ وُجُوهَهم المَجَانُّ المُطرَقَةُ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ؛
فَوُجِدُوا بهذه الصِّفاتِ كُلِّها، وقَاتَلَهم المُسلِمُونَ مَرَّاتٍ، فإلى الله عَاقِبَةُ الأمُورِ (٨).
وفي ((سُنَنِ أبي دَاوُد))(٩)؛ من حَدِيثِ بُرَيدَةً، عن النَّبِيِوَّر قال:
(يُقَاتِلُكُمْ (١٠) قَومٌ صِغَارُ الأعيُنِ. قال: يَعنِي: التُّركَ. قال: تَسُوقُونَهم ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛
حَتَّى تُلحِقُوهم بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، فامَّا في السِّيَاقَةِ الأولى: فَيَنْجُو مَن هَرَبَ منهم،
وأمَّا في الثَّانِيَةِ: فَيَنجُو بَعضٌ ويَهلِكُ بَعضٌ، وأمَّا في الثَّالِئَةِ: فَيَصْطَلِمُونَ)) .
في (ح): ((ونمو)). والذي في شرح النووي (٣٦/١٨): ((وتنور)). والظاهر، والله أعلم، أنه
(١)
تصحيف. والصواب: ((ونتوء)). ينظر: معالم السنن (٣٤٥/٤)، والديباج للسيوطي (٢٣٢/٦).
إكمال المعلم (٤٥٥/٨)، وشرح النووي (٣٦/١٨، ٣٧).
(٢)
(٣)
في (م): ((صنعت)).
في (ح): ((إثبالهم))، وفي (ش): ((انتعالهم)).
(٥)
(٦)
ينظر: مشارق الأنوار (٣٥٤/١).
(٨) شرح النووي (٣٧/١٨، ٣٨).
(١٠) بعده في (ح، ش): ((الترك)).
(٤) في (ح): ((كذلك))، وفي (ش): ((لذلك)).
(٧) في (ح): ((الأتراك)).
(٩) أبو داود (٤٣٠٥).
=
١٤٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابُ أولَادِ المُشرِكِينَ
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ قال: «كُلُّ مَولُودٍ
يُولَدُ على الفِطْرَةِ، فأبواه يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِه، كَمَا تَنَاتَجُ الإِبِلُ من بَهِيمَةٍ
جَمعَاءَ، هَل تُحِسُّ من جَدعَاءَ؟ قَالُوا: يَا رسولَ الله، أَفَرَأيتَ مَن يَمُوتُ
وهو صَغِيرٌ؟ قال: الله أعلَمُ بِمَا كَانُوا (٢٢٥/٧م) عَامِلِينَ)).
وعن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: «مَا من مَوْلُودٍ
يُولَدُ إلا علىَّ هذه الفِطرَةِ». فَذَكَرَه، إلا أنَّه قال: ((كَمَا (١) تُنتِجُونَ الإِبِلَ،
فَهَل تَجِدُونَ فيها جَدعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنتُم تَجدَعُونَها؟)) قَالُوا:
يا رسولَ الله ... فَذَكَرَ الحدیثَ».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأولى: أبو دَاوُد (٢) من طَرِيقِ مَالِكِ،
ومُسلِمٌ من طَرِيقِ سُفَيَانَ بنِ عُيَينَةَ، مُختَصَرًا، بلفظِ: ((سُئلَ عن أطفالِ المُشرِكِينَ،
عَمَّن يَمُوتُ منهم صَغِيرًا؟ فَقال: الله أعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))؛ كِلَاهمَا، عن
أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ.
وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: البخارِيُّ، ومُسلِمُ(٣) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ.
وأخرَجَه مُسلِمٌ (٤) أيضًا؛ من طَرِيق الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هريرةَ،
ليس في (ح، ش).
(١)
أبو داود (٤٧١٤)، ومسلم (٢٧/٢٦٥٩).
(٢)
(٣)
البخاري (٦٥٩٦)، ومسلم (٢٤/٢٦٥٨).
مسلم (٠٠٠/٢٦٥٨، ٢٣)، مسلم (٢٥/٢٦٥٨).
(٤)