Indexed OCR Text
Pages 1-20
يُحَقَقُ لأَوَلِ مَزَّةٍ عَلَى سِتِ نُسَخٍ خَطِيَّةٍ جز التّشْـ في ٥ شَرح التَّقِينَ ١ تَأليفُ الْحَافِظِ أبِيُ الفَضْلِ زَيْنِ الدِّيْنِ عَبْدِالرَّحِيْدِيْنِالْحُسَيْنِ الْعِرَاقِيْ ٨٠٦ هـ وَتَتِيمُ وَلَدِهِ الْحَافِظِ أبِيْ زُرْعَةٍ وَلِيِّ الذِّيْنِ أَحْمَدَ أَبْنِ العِراقِّ ٨٢٦ هـ تَحَقِيْق مُحَمَّد سَيِّدْبْن عَبْد الفَتَّاحِ دَرْوِيْشْ الجُزْءُ السَّادِسَ دارابن الجوزي بِشِـ 3 , طَرْحُ النَّشْرِ 3 د في ◌َشَرحَ التَّقِرُ ٦ جَمِيّع ◌َ لحُقُوقِ يَخْفَوَةَ لِّارْ ابْنُ الجَوُ الطّبْعَة الأولى ١٤٣٨هـ حقوق الطبع محفوظة ٢ ١٤٣٨هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. دابر دار ابن للنشر والتوزيع دارابن الجوزي لِنّشرٌ والتوزيْع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧ الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي : ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ جوّال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٤٥١٩ - بيروت هاتف: ٨٦٩٦٠٠ /٠٣ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨ تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com كِتَابُ الأيمَانِ كِتَابُ الأيمَانِ الحديثُ الأولُ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قال: سَمِعني رسولُ اللهِ وَّةِ، وأَنَا أحلِفُ بِأبي، فقال: ((إنَّ اللهَ وَتَ يَنهاكُم أن تَحلِفُوا بِآبَائكُم)). قال عُمَرُ: فوالله مَا حَلَفت بها بَعدُ ذَاكِرًا، ولَا آثرًا. وعنْ سَالِم، عن أبيه: أنَّ رسولَ اللهِ وَّ سَمِعَ عُمَرَ، وهو يَقُولُ: وأبي وأبي(١)، (٧/ ١ ١٤م) فقال: ((إنَّ اللهَ وَ يَنهاكُم أن تَحلِقُوا بِآبَائِكُم))، فَذَكَرَه. وِعِن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ ﴿َّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّ أَدَرَكَ عُمَرَ بِنَ الخَطَّابِ وهو يَسِيرُ في رَكبٍ، وهو يَحلِفُ بِأبيه، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((إِنَّ اللهَ يَنهاكُم أن تَحْلِفُوا بِآبَائكُم، فَمَن كَانَ حَالِفًا فَليحلِف بالله، أو لِیَصمُت)». فيه فوائدُ: ] الأولى: أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأولى: (مُسلِمٌ، و)(٢) أبو داودَ(٣) من رِوايَةِ أبي الحَسَنِ بن العَبدِ؛ من هذا الوجه من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ . واتَّفق عَلَيه (٤) الشيخانِ(٥) من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ. (١) ليست في (ك٢، ح، ش). (٣) (٢) ليس في (ك٢،ح). مسلم (٢/١٦٤٦)، وأبو داود رواية الحسن بن العبد - كما في تحفة الأشراف (٥٤/٨) (١٠٥١٨). (٤) ليس في (ك٢). البخاري (٦٦٤٧)، ومسلم (١/١٦٤٦). (٥) = ٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأخرَجَه مُسلِمٌ من رِوايَةٍ عُقَيلِ بنِ خَالِدِ. والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (١)، من رِوايَةِ سُفَيَانَ بنِ عُيَينَةَ. والنسائيُّ من رِوايَةِ الزُّبَيدِيِّ(٢) [أربَعَتُهم، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيه، عن عُمَرَ. وفي رِوايَةٍ عُقَيلٍ: مَا حَلَفتُ بها منذ سَمِعتُ رسولَ الله وَّه يَنْهَى عنها، ولَا تَكَلَّمت بها، ولَم يَقُل: ذَاكِرًا ولَا آثِرًا . وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: مُسلِمٌ، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(٣)](٤) من هذا الوجه من رِوايَةٍ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن أبيه. وذَكَرَه البخارِيُّ(٥) تَعلِيقًا، فقال بَعدَ ذِكرِ الطَّرِيقِ الأولى: تَابَعَه عُقَّيلٌ، والزُّبَيدِيُّ(٦)، وإسحَاقُ الكَلبي، عن الزُّهرِيِّ. وقال ابنُ عُيَينَةَ، ومَعمَرٌ: عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن ابنِ عُمَرَ حِّ: سَمِعَ النبيُّصلََّ عُمَرَ. انتَهَى. وقَد ظَهَرَ بِذَلِكَ الاِختِلَافِ عَلى (سَالِمٍ أو)(٧) الزُّهرِيِّ في أنَّ(٨) الحديثَ في مُسنَدِ عُمَرَ أو ابنِ عُمَرَ، والاختِلَافُ عَلى ابنِ عُيَينَةَ أيضًا، فَالجُمهورُ جَعَلُوهُ(٩) من طَرِيقِه من مُسنَدِ ابن عُمَرَ، حَكَاه عنهم والِدِي رَحِمَه(١٠) الله في (شَرحِ التِّرمِذِيِّ)). ورَواه مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الله بنِ يَزِيدَ بنِ المُقرِي، وسَعِيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ المَخزُومِيُّ، ومُحَمَّدُ بنُ يَحيَى بنِ أبي عُمَرَ، عنه بِإِثْبَاتِ عُمَرَ. وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ (١١): البخارِيُّ(١٢) من طَرِيقِ (مَالِكِ، والشيخانِ(١٣) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، ومُسلِمٌ، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ في ((الكُبرَى)) (١٤) من طَرِيقٍ) (١) مسلم (٢/١٦٤٦)، والنسائي (٣٧٧٦، ٣٧٧٧)، وابن ماجه (٢٠٩٤). (٢) في (م): ((الزبيري)). تصحيف. (٣) مسلم (٠٠٠/١٦٤٦)، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي (٣٧٧٥). (٤) ما بين المعكوفين ليس في (ك٢، ح، ش). البخاري تعليقًا عقب حديث (٦٦٤٧). (٥) (٧) ليس في (ك٢، ح، ش). (٦) في (م): ((الزبيري)). (٨) ليس في (ك٢، ح، ش). (٩) في (٢٥): ((نقلوه)). وفي (ح) ((تفلوه)). (١١) في (ك٢، ح، ش): ((الثالث)). (١٠) في الأصل، (م): ((رحمهم)). (١٢) البخاري (٦٦٤٦). (١٣) البخاري (٦١٠٨)، ومسلم (٣/١٦٤٦). (١٤) مسلم (٤/١٦٤٦)، والترمذي (١٥٣٤)، والنسائي في الكبرى (٧٦٦٣). كِتَابُ الأيمَانِ ٧ = عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، ومُسلِمٌ (١) أيضًا من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّخِيَانِيُّ، والولِيدِ بنِ كَثِيرٍ، وإِسمَاعِيلَ بنِ أمَيَّةَ، والضَّحَّاكِ بنِ عُثمَانَ، وابنِ أبي ذِئبٍ، وعَبدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ(٢)؛ تِسعَتُهم، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ. (٧/ ١٤٢م) ورَواه أبو داودَ(٣) عن أحمَدَ بنِ يُونُسَ، عن زُهَيرٍ، عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ (عن عُمَرَ)(٤). وجَعَلَ المِزِّيُّ في ((الأطْرَافِ))(٥) رِوايَةَ عَبدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ عِندَ مُسلِمٍ بِإِثْبَاتِ عُمَرَ. ولَيسَ كَذَلِكَ، وقَد ظَهَرَ الإِخْتِلَافُ فيه(٦) عَلَى نَافِعِ كَسَالِمٍ. ■ الثَّانِيَةُ: فيه النَّهيُ عن الحَلِفِ بِالآبَاءِ، ولَا يَخْتَصُ النَّهِيُّ بِذَلِكَ، بَل يَتَعَذَّى إلى كُلِّ مَخلُوقٍ، ولِهذا قال عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((فَمَن كَانَ حَالِفًا فَلَيَحلِف بالله أو لِيَصمُت)). وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٧) من رِوايَةِ عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَن كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِف إلَّا بالله))، وكَانَت قُرَيشٌ تَحْلِفُ بِآبَائها فقال: ((لَا تَحلِفُوا بِآبَائكُم)). ورَوى النسائيّ(٨) من حَدِيثِ أبي هرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((لَا تَحلِفُوا بِآبَائِكُم ولَا بِأَمَّهاتِكُم ولَا بِالأندَادِ، ولَا تَحِلِفُوا بالله إلَّ وأنتُم صَادِقُونَ))، وهو عِندَ أبي دَاوُد أيضًا في (٩) رِوايَةِ ابنِ دَاسَّةَ، وابنِ العَبدِ، ولَيسَ في رِوايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ. وإنَّمَا خَصَّ في هذا الحديثِ الآبَاءَ(١٠) بِالذِّكرِ (١١) لِمَرَينِ: أحَدُهمَا: وُرُودُه عَلى سَبَبِ، وهو سَمَاعُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ عُمَرَ يحلفُ پأبيه. مسلم (٤/١٦٤٦). (١) (٣) أبو داود (٣٢٤٩). تحفة الأشراف (٦٨/٨) (١٠٥٥٥). (٥) البخاري (٣٨٣٦، ٦٦٤٨، ٧٤٠١)، ومسلم (١٦٤٦ / عقب ٤). (٧) النسائي في الكبرى (٤٧١٠)، وأبو داود، كما في تحفة الأشراف (٣٤٥/١٠) (٨) (١٤٤٨٣). (٩) في (ش): ((من)). (١١) في (ك٢، ح): (الذكر)). (٢) في الأصل: ((الجزي)). (٤) ليست في (ش، ح). (٦) ليست في (ش). (١٠) فى (ك٢): ((الآ)). ٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثَانِيهِمَا: خُرُوجُه مَخْرَج الغَالِبَ؛ لِأَنَّه لَم يَكُن يَقَعُ منهم الحَلِفُ بِغَيرِ الله إلَّا بِالْآبَاءِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُه في الرِّوايَةِ المَذكُورَةِ قَرِيبًا: [١٧٦/٢ و] وكَانَت قُرَيشٌ تَحِلِفُ بِآبَائها، فقال: ((لَا تَحِلِفُوا بِآبَائِكُم)). وقَد بَيَّنَ حُكمَ غَيرِهِ، فقال: ((مَن كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفِ إِلَّا بالله)). وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ(١) في أنَّ الحَلِفَ بِمَخلُوقٍ حَرَامٌ أو مَكَرُوهٌ. والخِلَافُ عِندَ المَالِكِيَّةِ والحَنَابِلَةِ، لَكِن المَشهورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ: الكَرَاهَةُ، وعِندَ الحَنَابِلَةِ: التَّحرِيمُ، وبه قال أهلِ الظَّاهرِ، ويُوافِقُه مَا جَاءَ عن ابنُ عَبَّاسٍ: لَأن أحِلِفَ بالله تعالى مِائَةَ مَرَّةٍ فَثَمَ، خَيرٌ من أن أحلِفَ بِغَيرِهِ فَأَبَرَّ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢): فيه أنَّه لَا يَجُوزُ الحَلِفُ بِغَيرِ الله تعالى(٣)، وهذا أمرٌ مُجْتَمَعٌ(٤) عَلَيه. ثُمَّ قال: أجمع العُلَمَاءُ عَلى أنَّ اليَمِينَ بِغَيرِ الله مَكَرُوهَةٌ مَنهيٍّ عنها لَا يَجُوزُ الحَلِفُ لِأَحَدٍ(٥) بها، واختَلَفُوا في الكَفَّارَةِ إذَا حَنَثَ(٦)، فَأَوجَبَها بَعضُهم، [وأبَاها (٧) بَعضُهم](٨)، وهو الصَّوابُ. انتَهَى. وقال الشَّافِعِيُّ: أخشَى أن يَكُونَ الحَلِفُ بِغَيرِ الله تعالى(٩) مَعْصِيَةً. قال أصحَابُه: أي: حَرَامًا وإثمًا (١٠)، قَالُوا: فَأَشَارَ إلى تَرَدُّدٍ فيه. وقال إمَامُ الحَرَمَينِ (١١): المَذهَبُ: القَطعُ بِأَنَّه لَيسَ بِحَرَامٍ بَل مَكرُوهُ. وكذَا(١٢) قال التَّوِيُّ في (شَرحِ مُسلِمٍ)): هو عِندَ أصحَابِنَا مَكرُوهٌ، ولَيسَ بِحَرَام(١٣). ويُوافِقُه تَبوِيبُ (١٤٣/٧م) التِّرمِذِيِّ عَلَيه: كَرَاهِيَةِ الحَلِفِ بِغَيرِ الله. وقَيَّدَ ذَلِكَ والِدِي ◌َخْتُهُ ينظر: المحلى (٣٢/٨)، وشرح النووي على مسلم (١٠٦/١١)، والذخيرة للقرافي (٦/٤). (١) التمهيد (٣٦٦/١٤، ٣٦٧، ٣٦٨). (٢) (٣) ليست في (ك٢، ح). (٥) ليست في (ش). (٤) في (ك٢، ح، ش): ((مجمع)). (٦) في الأصل: ((خنث)). وفي (م): ((أحنث)). (٧) في (ش، ح): «وأباه)). (٩) لیس في (ح، ش). (٨) ليس في (ش). (١٠) في (ح، ش): ((وإنما)). (١١) نهاية المطلب (٣٠٢/١٨). (١٢) في الأصل، (م): (ولذا)). (١٣) شرح النووي على مسلم (١٠٦/١١)، وينظر: روضة الطالبين (٧/٨). كِتَابُ الأيمَانِ ٩ = في (شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) بِالحَلِفِ بِغَيرِ اللاتِ والعُزَّى ومِلَّةٍ غَيرٍ مِلَّةٍ(١) الإسلام. فَأمَّا الحَلِفُ بِنَحوِ هذا فَهو حَرَامٌ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِأنَّها قَد عُظّمَت بِالعِبَادَةِ. وقَّد قال أصحَابُنَا: إنَّه لَو اعتَقَدَ الحَالِفُ بِالمَخلُوقِ(٢) في المَحلُوفِ به من التَّعِظِيمِ مَا يَعتَقِدُه في الله تعالى كَفَرَ. وعَلى هذا يُحمَلُ مَا رُوِيَ أنَّ(٣) النبيَّ وَّ قال: ((مَن حَلَفَ بِغَيرِ الله فقد كَفَرَ)). انتَھَى. فَمُعَظِّمُ اللاتَ والعُزَّى كَافِرٌ؛ لِأَنَّ تَعِظِيمَها لَا يَكُونُ إلَّا لِلِعِبَادَةِ (٤)، بِخِلَافٍ مُعَظِّم الأنبياءِ والمَلَائِكَةِ والكَعبَةِ والآبَاءِ والعُلَمَاءِ والصَّالِحِينَ لِمَعنَى غَيرِ العِبَادَةِ لَا تَحْرِيمَ فيه، لَكِنَّ الحَلِفَ به مَكرُوهٌ أو مُحَرَّمٌ، عَلى الخِلَافِ في ذَلِكَ لِؤُرُودِ النَّهِيِ عنه. وحِكمَتُه: أنَّ حَقِيقَةَ العَظَمَةِ مُختَصَّةٌ بالله تعالى، كَمَا قال تعالى: ((الكِبرِيَاءُ رِدَائِي والعَظَمَةُ إِزَارِي))(٥). فَلَا يَنبَغِي مُضَاهاةٌ غَيرِهِ به في الألفَاظِ، وإن لَم تَرِدِ(٦) تِلكَ العَظَمَةُ المَخصُوصَةُ بِالإِلَه المَعبودِ(٧) . وأمَّا الحَلِفُ بِالنَّصرَانِيَّةِ ونَحوِها، فَلَا أَشْكُ (٨) في أنَّه كُفْرٌ؛ لِأَنَّ تَعِظِيمَها بِأَيِّ وجهٍ كَانَ يَقْتَضِي حَقِيقَتَها، وذَلِكَ كُفرٌ إلَّا أن يَتَأولَ الحَالِفُ أنَّه أرَادَ تَعِظِيمَها حِينَ كَانَتْ حَقًّا قَبلَ نَسخِها، فَلَا أَكَفِّرُه (٩) حِينَئِذٍ، لَكِن(١٠) أحْكُمُ عَلَيهِ بِالعِصَانِ لِبَشَاعَةِ هذا اللفظِ، والتَّشَبُّه فيه بِأهلِ الكُفرِ والضَّلَالِ، واللهُ أعلمُ. [وصرّح المالكيةُ في الحلفِ بنحو اللات والعزى والأنصابِ والأزلام، بأنه إن اعتقد تعظيمَها، فهو كفرٌ، وإلا فحرامٌ. وحكى ابن دقيق العيد الاتفاقُ على ذلك، ثم قال: كذا قال بعضُ المالكيةِ، وسيأتي حديثٌ يدلُّ على إطلاقِه على الكفرِ لمن(١١) حلفَ ببعضٍ ذلك أو ما يُشبهه، ويمكنُ إجراؤه على ظاهرِه لدلالة ليس في (ك٢، ح، ش). (١) (٣) في (ك٢، ح): ((عن)). (٥) أحمد (٢٤٨/٢)، وأبي داود (٤٠٩٠) من حديث أبي هريرة. (٦) في (ك٢، ح): ((یرد)). (٨) في (ش): ((شك)). (١٠) في (م): ((ولكن)). (١١) في (ش): ((إن). (٢) في (ك٢): ((لمحلوف)). (٤) في (ك٢، ح، ش): ((بالعبادة)). (٧) روضة الطالبين (٧/٨، ٨). (٩) في (ك٢، ح): ((أكفر)). = ١٠ طرح التثريب في شَرحِ التَّقْرِیبِ اليمينِ بالشيء على التعظيم له] (١). انتهى. وهذا الحديثُ الذي ذَكَرَه أصحَابُنَا: رَواه التِّرمِذِيُّ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه: سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا والكَعبَةِ. فقال ابنُ عُمَرَ: لَا تَحلِف بِغَيرِ الله؛ فَإِنِّي سَمِعت رسولَ الله ◌َ﴿ يَقُولُ: ((مَن حَلَفَ بِغَيرِ الله فقد كَفَرَ أو أشرََكَ)). وقال التِّرمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وأخرَجَه الحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه))، وقال إنَّه: صَحِيحٌ عَلَى شَرطِ الشيخينِ. وهو في ((سُنَنِ أبِي دَاوُد)) في رِوايَةِ ابنِ العَبدِ، دُونَ رِوايَةِ اللُّؤْلُوِيّ(٢). وقال التِّرمِذِيُّ: تَفسِيرُ هذا الحديثِ عِندَ بَعضِ أهلِ العِلم أنَّ قَولَه: ((كفرَ أو أشركَ))(٣) عَلى التَّغلِيظِ. والحُجَّةُ في ذَلِكَ حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ: ((إنَّ اللهَ يَنهاكُم أن تَحلِفُوا بِآبَائكُم)»، وحَدِيثُ أبي هرَيْرَةَ: ((مَن حَلَفَ فقال في حَلِفِهِ: واللاتِ والعُزَّى، فَلَيَقُل: لَا إِلَهَ إلَّا الله)(٤). وهذا مِثلُ مَا رُوِيَ عن النبيِّ وَِّ أنَّه قال: ((الرِّيَاءُ شِرُكْ))(٥). وقَد (٦) فَسَّرَ بعض (٧) أهلُ العِلمِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَّءَ رَيِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَهَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] الآيَةَ، قال: لَا يُرَائِي. انتَهَى. وقال ابنُ العَرَبي(٨): يُرِيدُ به شِركُ الأعمَالِ وكُفرُها، لَيسَ (١٤٤/٧م) شِركَ الإِعْتِقَادِ ولَا كُفرَه، كَقَولِه(٩) عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((مَن أَبَقَ من مَوالِیه فقد كَفَرَ)، ونِسبَةُ الكُفرِ [١٧٦/٢ ظ] [إلى النِّسَاءِ](١٠). وفي (مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ))(١١) عن الحَسَنِ قال: مَرَّ عُمَرُ بِالزُّبَيرِ، وهو يَقُولُ: لَا والكَعبَةِ، فَرَفَعَ عَلَيه الدِّرَّةَ، وقال: الكَعبَةُ لَا أَمَّ لَك تُطعِمُك وتَسقِيك؟ وهذا مُنْقَطِعٌ .. (١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م). (٢) الترمذي (١٥٣٥)، والحاكم (١٨/١، ٥٢، ٢٩٧/٤)، وأبو داود - كما في تحفة الأشراف (٤١٩/٥)، (٧٠٤٥). في الأصل، (م، ك٢، ح): ((شرك)). (٣) البخاري (٤٨٦٠، ٦٦٥٠)، ومسلم (١٦٤٧). أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩) من حديث عمر بن الخطاب ـ (٥) (٤) في الأصل، (م): ((فقد)». (٦) (٨) عارضة الأحوذي (١٩/٧). (١٠) في (ش): ((للنساء)). (٧) ليست في الأصل، (م). (٩) في (ك٢): ((لقوله)). (١١) مصنف ابن أبي شيبة (٤١٦/٣). ١١ كِتَابُ الأيمَانِ وعن عِكرِمَةَ(١) قال: قال عُمَرُ: حَدَّثت قَومًا (٢) حَدِيثًا، فَقُلتُ: لَا وأبي، فقال رَجُلٌ من خَلفي: ((لَا تَحِلِفُوا بِآبَائكُم))، قال: فَالتَفَتُّ فَإِذَا رسولُ اللهِ وَلـ فقال: ((إِنْ أحَدُكُم حَلَفَ بِالمَسِيحِ لَهَلَكَ، والمَسِيحُ خَيرٌ من آبَائِكُم))، وهو مُنقَطِعٌ أيضًا . وعن كَعبِ الأحبَارِ (٣) أنَّه قال: إنَّكُم تُشرِكُونَ، قَالُوا: وكَيفَ يَا أبَا إِسحَاقَ، قال: يَحْلِفُ الرَّجُلُ: لَا وأبي لَا وأبيك، لَا لَعَمْرِي، لَا وحَيَاتِك(٤)، لَا وحُرمَةٍ المَسجِدِ، لَا والإسلَامِ، وأَشبَاهَه من القَولِ. وعن القَاسِمِ بنِ مُخَيمِرَةَ(٥) قال: مَا أَبَالِي حَلَفت بِحَيَاةِ رَجُلٍ (٦)، أو بِالصَّلِيبِ. رَواها كُلُّها ابنُ أبي شَيبَةَ. ■ الثَّالِثَةُ: إن قُلتَ كَيفَ الجَمِعُ بَيْنَ هذا النَّهي، وبَينَ قَولِه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ في قِصَّةِ الأعرابي: ((أَفَلَحَ وأبيهِ إن صَدَقَ)). قُلتُ: أجِيبُ عن ذَلِكَ الحديثِ بِأجوِبَةٍ : أحَدُها: تَضعِيفُ ذَلِكَ الحديثِ، وإن كَانَ في ((الصَّحِيحِ)) قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: هَذِهِ لَفظةٌ غَيرُ مَحْفُوظَةٍ في هذا الحديثِ من حَدِيثِ مَن يُحتَجُّ به. وقَد رَوى هذا الحديثَ: مَالِكٌ وغَيرُه لَم يَقُولُوا ذَلِكَ. وقَد رُوِيَ عن إسمَاعِيلَ بنِ جَعفَرٍ هذا الحديثُ، وفيه: ((أفلَحَ والله (٧) إن صَدَقَ، ودَخَلَ الجَنَّةَ، والله(٨) إن صَدَقَ))، وهذا أولى من رِوايَةٍ مَن رَوى: ((وأبيه)). لِأنَّها لَفظَةٌ مُنكَرَةٌ تَرُدُّها الآثَارُ الصِّحَاحُ(٩) انتَھَی. ولِهذا قال بَعضُهم: أنَّ قَولَه: ((وأبيه)) تَصحِيفٌ من بَعضِ الرُّواةِ، وإنَّمَا هو: ((والله)). مصنف ابن أبي شيبة (٤١٦/٣). (١) مصنف ابن أبي شيبة (٤١٧/٣). (٣) (٥) مصنف ابن أبي شيبة (٤١٧/٣). في (ك٢، ح): ((وأبيه)). التمهيد (٣٦٧/١٤). (٩) (٢) في (ش): ((يومًا)). (٤) في (م): ((لحياتي)) (٦) في (ك٢، ح): ((الرجل)). (٨) في (ك٢، ح): ((وأبيه)). (٧) = ١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثَانِيها: قال النَّوِيُّ في ((شَرح مُسلِم)) (١): جَوابُه: أنَّ هَذه كَلِمَةٌ تَجرِي عَلى اللِّسَانِ، لَا يُقْصَدُ بها الْيَمِينُ. ءُ ثَالِثُها: أنَّه مَنسُوخٌ، قال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٢): رُوِيَ: أنَّ النبيَّ ◌َِّل، كَانَ يَحلِفُ بِأبيه حَتَّى نُهيَ عن ذَلِكَ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣) أيضًا: هَذِهِ لَفِظَةٌ إن صَخَّت فَهِيَ مَنسُوخَةٌ؛ لِنَهِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ عن الحَلِفِ بِالْآبَاءِ، وِغَيرِ الله. وقال الشَّيخُ زَكِيُّ الدِّينِ عَبدُ العَظِيمِ المُنذِرِيُّ: وهو ضَعِيفٌ؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّارِيخِ ولِإِمَكَانِ الجَمعِ . قُلتُ: لَو صَحَّ مَا ذَكَرَه ابنُ العَرَبِي لَكَانَ دَلِيلًا عَلى النَّسخ. رَابِعُها: أنَّه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أضمَرَ فيه اسمَ الله؛ كَأَنَّه (٤) قال: لَا وَرَبِّ أبيه، والنَّهِيُّ إِنَّمَا ورَدَ فيمَن لَم يُضمِرِ ذَلِكَ، (٧/ ١٤٥م) بَل قَصَدَ تَعِظِيمَ أبيه عَلى عَادَةِ العَرَبِ. خَامِسُها: أنَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ(٥) لَها استِعِمَالَانٍ(٦) في كَلَام العَرَبِ تَارَةً يُقْصَدُ(٧) بها التَّعِظِيمُ، وتَارَةً يُرِيدُونَ بها تَأكِيدَ الكَلَامِ وتَقوِيَتَه دُونَ القَسَمِ، ومنه قَولُ الشَّاعِرِ : لِهجُوها لَمَّا هَجَتْنِي مُحَارِبُ أظنّت (٨) سَفَاهًا من سَفَاهَةِ رَأپِها ونَفْسِي عن ذَاكَ المُقَامِ لَرَاغِبُ فَلَا وأبيها إِنَّنِي بِعَشِيرَتِي(٩) ومُحَالٌ أن يُقسِمَ بِأبي مَن يَهجُوه عَلى سَبيلِ الإعظَامِ لِحَقِّه في أمثِلَةٍ لذلك (١٠) عَدِيدَةٍ. ذَكَرَ هَذِه الأجوِبَةَ مَا عَدَا الأولَ الخَطَّابي (١١). شرح النووي على مسلم (١٠٥/١١). (١) (٣) التمهيد (١٥٨/١٦). (٧) في (ك٢، ح، ش): ((الكلمة)). (٥) في (ك٢، ح، ش): ((يقصدون)). في الأصل، (م، ك٢، ح): ((أطيب)). وفي (ش): ((ظننت)). والمثبت كما في الأغاني (٨) (٣٢٤/٢)، وفي زهر الآداب (٨٩/١). والأبيات من الطويل للرماح بن ميادة. (٩) في (ح): ((بعبرتي)). (١١) معالم السنن (١٢١/١). (٢) عارضة الأحوذي (١٧/٧). (٤) ليست في (ك٢، ح). (٦) في (ش): ((استعمالات)). (١٠) ليست في الأصل، (م). كِتَابُ الأيمَانِ ١٣ = الرَّابِعَةُ: قال النَّووِيُّ(١): إن قِيلَ: فقد أقسَمَ اللهُ تعالى بِمَخلُوقَاتِهِ(٢)؛ [فَإِنَّه قال](٣) تعالى: ﴿وَالقَّنَّفَّتِ﴾. [الصافات: ١] ﴿وَالذَّرِيَتِ﴾. [الذاريات: ١] ﴾. [الطور: ١] ﴿وَالنَّجْمِ ﴾﴾ [النجم: ١]؟ فَالجَوابُ أنَّ لِلَّه تعالى أن ﴿وَآلُورِ يُقْسِمَ بِمَا يَشَاءُ(٤) من مَخلُوقَاتِهِ؛ تَنبيهًا عَلى شَرَفِهِ. انتَهَى. وتَعبيرُه بِقَولِهِ: لِلَّه، مُنكَرٌ، ولَو قال: إنَّ اللهَ تعالى يُقسِمُ بِمَا شَاءَ(٥) [لَكَانَ أحسَنَ. وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةً))(٦) عن مَيمُونَ بنِ مِهِرَانَ قال: إنَّ اللهَ تعالى يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ(٧)](٨) من خَلقِهِ، ولَيسَ لِأَحَدٍ أن يُقْسِمَ إلَّا بالله. ■ الخَامِسَةُ: قَولُ عُمَرَ رَّهِ: مَا حَلَفتُ بها بَعدُ ذَاكِرًا ولَا آثِرًا هو بِالمَدِّ، وبِكَسرِ الثَّاءِ المُثَلَّثَةِ؛ أي: حَاكِيًّا لَه عن غَيرِهِ؛ أي: مَا حَلَفتُ بها، ولَا حَكَيْتُ عن غَيرِي أنَّه حَلَفَ بها، يُقَالُ: آثَرتُ الحديثَ، إذَا ذَكَرتُه عن غَيرِك. ومنه كَمَا قِيلَ قَوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُه في رِوايَةٍ لِمُسلِمٍ تَقَدَّمَت: ولَا تَكَلَّمتُ بها(٩). فَإِن قُلتَ: الحَاكِي لِذَلِكَ عن غَيرِهِ لَيسَ حَالِفًا به. قُلتُ: يَجُوزُ أن يَكُونَ العَامِلُ فيه مَحذُوفًا؛ أي: مَا حَلَفت بها ذَاكِرًا، ولا ذَكَرته آثِرًا، وإن تَضَمَّنَ ((حَلَفتُ)) مَعنَى («نَطَقتُ))، أو قُلتُ، أو نَحو ذَلِكَ مِمَّا [١٧٧/٢ و] يَصلُحُ لِلعَمَلِ فيهمَا، كَمَا قَد ذُكِرَ الوجهانِ فِي قَولِ الشَّاعِرِ(١٠): عَلَفتها تِبئًا ومَاءَ بَارِدًا شرح النووي على مسلم (١٠٥/١١). (١) (٣) في (ك٢، ح، ش): ((فقال)). (٥) في (ك٢، ح): ((يشاء). (٧) في (ش): ((یشاء)) . ما بين المعكوفين ليس في (ك٢، ح). (٨) (٩) ينظر: إكمال المعلم (٤٠١/٥)، والمفهم (٦٢٣/٤)، وأعلام الحديث (٢٢٨٤/٤). (١٠) ينظر: شرح القصائد العشر للتبريزي (ص١٤٢) المطبعة المنيرية، وكتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب لأبي علي الفارسي (ص٥٣٣) ت: د. محمود الطناحي. (٢) في (ك٢، ح، ش): ((بمخلوقات)). (٤) في (ش): ((شاء)). (٦) ابن أبي شيبة (٤١٧/٣) (١٢٤٢١). ١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ إمَّا أن يُقَدِّرَ سَقَيتها، وإمَّا أن يُضَمن عَلَفتها مَعنَى: أَنَلتها ومَا أشبَهَ(١). وقَد ذَكَرَ كَهَذَا(٢) السُّؤَالِ وجَوابيه(٣): والِدِي تَُّ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)). فَإن قُلتَ: إذَا تَورَّعَ عن النُّطقِ بِذَلِكَ حَاكِيًّا لَه عن غَيرِهِ، فَكَيفَ نَطَقَ به حَاكِیًا لَه عن نَفسِه؟ قُلتُ: حِكَايَتُه لَه عن نَفسِه من ضَرُورَةِ تَبلِيغ هَذِهِ القِصَّةِ(٤) ورِوايَتِها . وأيضًا: فقد يُرِيدُ(٥) نَفيَ حِكَايَةِ كَلَام(٦) الخَالِفِ به بَعدَ النَّهي عنه. وأمَّا هو فَإِنَّمَا حَلَفَ به (١٤٦/٧م) قَبلَ النَّهي عنه. وجَوّزَ والِدِي نَُّ في مَعنَى قَولِهِ: آئِّرًا وجهَينِ آخَرَینِ : أحَدُهمَا: أن يَكُونَ مَعنَاه مُختَارًا، يُقَالُ: آثَرَ الشَّيءَ اختَارَه، وعَلى هذا فَيَكُونُ قَولُه: ذَاكِرًا من الذُّكرِ بِالضَّمِّ(٧) خِلَافَ النِّسيَانِ؛ أي: مَا حَلَفتُ بها ذَاكِرًا لَيَمِيني(٨) غَيرَ ناسٍ(٩) ولَا مُختَارٍ (١٠) مَرِيدًا لِذَلِكَ. ثَانِيهِمَا: أن يَكُونَ مَعنَى قَولِه: آثِرًا؛ أي: عَلى طَرِيقِ التَّفَاخُرِ بِالْآبَاءِ والإكرَامِ لَهم، يُقَالُ: آثَرَه أي: أكرَمَه، لَكِن عَلى عَادَةِ العَرَبِ في النُّطْقِ بِذَلِكَ، لَا عَلى سَبيلِ التَّعِظِيمِ والإِرَامِ. السَّادِسَةُ: قَولُهُ(١١): (فَلَيَحْلِف بالله)). فيه إِبَاحَةُ الحَلِفِ بالله، ولَيسَ المُرَادُ هَذَا(١٢) اللفظِ بِخُصُوصِهِ (١٣)، بَل كُلُّ مَا يُظْلَقُ عَلى الله تعالى من أسمَائه الحُسنَى وصِفَاتِهِ العُلَيَا يَنعَقِدُ اليَمِينُ بِالحَلِفِ به، وهذا مَجمَعٌ عَلَيه، وإن وقَعَ في (ك٢، ح): ((أشبهه)). (١) (٣) في (م): «وجوابه)). في (ك٢، ح، ش): ((یروی)). (٥) (٧) في (ش): ((بالفم)». (٩) بياض في الأصل. وفي (م): ((مجبر)). (١٠) في الأصل، (ش): ((مختارًا)). (١١) ايست في (ك٢، ح، ش). (١٢) في (م): ((هذا)). (١٣) في (ش): ((لخصوصه)). (٢) في (ك٢، ح، ش): ((هذا)). (٤) في (ك٢، ح، ش): ((القضية)). (٦) ليست في (ك٢، ح). (٨) في (م): ((اليمين)). ١٥ كِتَابُ الأيمَانِ الكَلَامُ، والتَّفْصِيلُ في ألفَاظِ استُعمِلَت في حَقُّ غَيرِ الله تعالى، وذَلِكَ مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الفِقه. ■ السَّابِعَةُ: استُدِلَّ به عَلى أنَّ الْيَمِينَ لَا يَنْعَقِدُ في الحَلِفِ بِالنبيِّ وَّهِ، ولَا تَجِبُ بها كَفَّارَةٌ (١) لِأمرِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصَّمتِ عن الحَلِفِ بِغَيرِ الله، وهذا هو المَشهورُ من مَذَاهبِ العُلَمَاءِ، وهو مَذهَبُ أحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وعنهَ(٢) رِوايَةٌ أخرَى في هَذِهِ الصُّورَةِ الخَاصَّةِ دُونَ بَقِيَّةِ المَخلُوقَاتِ بِالاِنعِقَادِ، ووُجُوبٍ الكَفَّارَةِ، وجَزَمَ به ابنُ العَرَبي عنه(٣)، وعَلَّلَه: بِأَنَّه حَلَفَ بِمَا لَا يَتِمُّ الإِيمَانُ [إلَّا به](٤)، فوجَبَت عَلَيه الكَفَّارَةُ كَالحَلِفِ بالله، ثُمَّ رَدَّه ابنُ العَرَبِي بِأنَّ الإيمَانَ عِندَ أحمَدَ لَا يَتِمُّ(٥) إلَّا بِفِعلِ الصَّلَاةِ، ومَن تَرَكَها مُتَعَمِّدًا كَفَرَ؛ فَيَلزَمُه إذَا حَلَفَ بها أن تَلزَمُه(٦) الكَفَّارَةُ إِذَا حَنِثَ، ولَم يَقُل به(٧). ■ الثَّامنةُ: فيه حُجَّةٌ عَلى الحنفَيّةِ(٨) والحَنَابِلَةِ في قَولِهم: إنَّه إذَا قال: إن فَعَلتُ كَذَا فَهو يَهودِيٌّ أو نَصرَانِيٍّ أو كَافِرٌ. فَهِيَ يَمِينٌ تَجِبُ بها الكَفَّارَةُ إذَا فَعَلَ مَا مَنَعَ نَفسَه منه، ووجه الاحتِجَاجِ به عَلَيهم: أنَّه لَم يَحلِف في ذَلِكَ بالله تعالى، فَكَيفَ يَجِبُ عَلَيه الكَفَّارَةُ إِذَا حَنِثَ فيه، مع وُرُودِ النَّهي عن الحَلِفِ بِغَيرِ الله؟ فَلَم يَنْعَقِد لَه يَمِينٌ، ولهذا قال مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ، وغَيرُهمَا: إنَّه لَيسَ يَمِينًا، ولَا كَفَّارَةَ فيه(٩)، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ(١٠) إِيضَاحِ في الحديثِ الثَّامن(١١). في (ك٢، ح، ش): «الكفارة)). (١) (٣) ليس في (ش). (٥) في (ح): ((تتم)). (٦) في (ح): ((يلزمه)). عارضة الأحوذي (١٨/٧، ١٩). (٧) في (م): «أبي حنيفة)). وكتب قبلها في الأصل: ((أبي)). وكأنه ضرب عليها. (٨) (٩) ينظر: روضة الطالبين (٨/٨). (١٠) ليست في (ش). (١١) في (ك٢، ح): ((الثاني)). (٢) في (م): ((وعنها)). (٤) ليس في الأصل. 5 ١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ التَّاسِعَةُ: فيه أنَّه إذَا قال: أقسَمتُ لِأَفعَلَنّ كَذَا وكَذَا، لَا تَكُونُ(١) يَمِينًا؛ لِأَنَّه لَم يَحلِف بالله تعالى. وبه قال الشَّافِعِيُّ، وقال مَالِكٌ وأحمَدُ: إن نَوى بالله أو بِصِفَةٍ من صِفَاتِهِ كَانَ يَمِينًا وإلَّا فَلَا، وقال أبو حَنِيفَةَ: هو يَمِينٌ مُطلَقًا(٢). ■ العَاشِرَةُ: وفيه أنَّ الحَلِفَ بِالأَمَانَةِ لَيسَ يَمِينًا؛ (١٤٧/٧م) لِانتِفَاءِ الاسم والصِّفَةِ، وبه قال الشَّافِعِيُّ، حَكَاه عنه الخَطَّابي(٣)، والذي في كُتُبٍ أصحَابِنَا: أنَّه إِذَا قال: عَلَيَّ أمَانَةُ الله لِأَفعَلَن كَذَا، وأُرَادَ اليَمِينَ فَهو يَمِينٌ، وإن أُرَادَ غَيرَ اليَمِينِ كَالعِبَادَاتِ فَلَيْسَ يَمِينًا، وإن أطلَقَ فوجهانِ : أصَخُّهمَا: أنَّه لَيسَ يمينًا لِتَرَدُّدِ اللفظِ، وقَد فُسِّرَت الأمَانَةُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] بِالعِبَادَاتِ. وقال المَالِكِيَّةُ: يُكرَه الحَلِفُ بِأمَانَةِ الله، وفيه الكَفَّارَةُ، إن قَصدَ الصِّفَةَ. وقال الحَنَابِلَةُ: إن قال: وأمَانَةِ الله [فَهو يَمِينٌ](٤)، [وإن قال: والأمَانَةِ لَم يَكُن يَمِينًا إلَّا أن يَنوِي صِفَةَ الله. وعن أحمَدَ [١٧٧/٢ ظ] رِوايَةٌ أخرَى: أنَّه يَمِينٌ مُطلَقًا، وحَكَى الخَطَّابِي(٥) عن أصحَابِ الرَّأيِ أنَّه إذَا قال: وأمَانَةِ الله كَانَ يَمِينًا](٦)، ولَزِمَته الكَفَّارَةُ فيها. وفي ((سُنَنِ أبي دَاوُد)) عن بُرَيدَةَ رَُّه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن حَلَفَ بِالأمَانَةِ فَلَيسَ منَّا(٧)(٨). (١) في (ح، ش): ((یکون)). (٢) ينظر: عارضة الأحوذي (٢٠/٧، ٢١)، ورضة الطالبين (٩/٨)، والعناية شرح الهداية (٦ / ٤٦١ - ٤٦٧). معالم السنن (٤٦/٤)، وينظر: روضة الطالبين (١٦/٨). (٣) (٤) في (ح): ((كان يمينًا)). معالم السنن (٤٦/٤)، وينظر: عارضة الأحوذي (٢٠/٧)، والمحرر في الفقه (٥) (١٩٦/٢، ١٩٧). (٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل. (٧) في الأصل، (م): ((يمينًا)). أبو داود (٣٢٥٣). (٨) كِتَابُ الأيمَانِ ١٧ = الحديثُ الثَّانِي(١) وعن هَمَّام، عن أبي هرَيرَةَ، عن النبيِّوَّ قال(٢): ((إن لِلَّه تِسعَةً وتِسعِينَ اسمًا مِائَةً إِلَّا واحِدًا؛ مَن أحصَاها دَخَلَ الجَنَّةَ، إِنَّه وِترٌ يُحِبُّ الوِتَرَ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه مُسلِمٌ (٣) [من هذا الوجه](٤) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ. [وأخرَجَه مُسلِمٌ(٥) أيضًا](٦) من طَرِيقِ أَيُّوبَ السَّخِيَانِيُّ(٧)، والتِّرمِذِيُّ من طَرِيقِ هِشَامٍ بِنِ حَسَّانَ؛ كِلَاهمَا، عن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، ولَيسَ فيه: ((إِنَّه وِترٌ يُحِبُّ الوِتْرَ)). وأُخرَجَه الشيخانِ، والتِّر مِذِيُّ (٨) من طَرِيقِ سُفَيَانَ بِنِ عُيَيْنَةَ، والبخارِيُّ، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ (٩) من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ؛ كِلَاهمَا، عن أبي الزِّنَادِ. وأخرَجَه ابنُ مَاجَه(١٠) من طَرِيقٍ مُوسَى بنِ عُقبَةَ؛ كِلَاهمَا، عن الأعرَجَ ثَلَاثَتُهم، عن أبي هريرَةَ. ولَفظُ البخارِيِّ من طَرِيقِ ابنِ عُبَيْنَةَ: ((لَا يَحفَظها أحَدٌ إلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ)). وفي لَفِظِ لِمُسلِم من طَرِيقِه: ((مَن(١١) حَفِظَها))، وفي لَفِظِ لَه: «أحصَاها))، وسَاقَها التِّرمِذِيُّ من(١٢) (١٤٨/٧م) طَرِيقِ شُعَيبٍ (١٣) بنِ أبي حَمِزَةَ فقال: ((هو الله الذي لا إلَهَ إلَّا هو الرَّحمَنُ، الرَّحِيمُ، المَلِكُ، القُدُّوسُ، السَّلَامُ، المُؤمن، المُهَيمن، العَزِيزُ، الجَبَّارُ، المُتَكَبِّرُ، الخَالِقُ، البَارِئُ، المُصَوِّرُ، الغَفَّارُ، القَهارُ(١٤)، الوهابُ، الرَّزَّاق، الفَتَّاحُ، العَلِيمُ، القَابِضُ، في (ك٢، ح): ((الرابع)). (١) (٣) مسلم (٦/٢٦٧٧). (٥) مسلم (٦/٢٦٧٧)، والترمذي (٣٥٠٦). (٦) ليس في (ك٢، ح، ش). في (ك٢، ح): ((السجستاني)). (٧) البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٥/٢٦٧٧)، والترمذي (٣٥٠٨). البخاري (٢٧٣٦، ٧٣٩٢)، والترمذي (٣٥٠٧)، والنسائي في الكبرى (٧٦٥٩). (٩) (١٠) ابن ماجه (٣٨٦١). (١٢) بعدها في (ح): ((حديث)). (١٤) ليست في (ك٢، ح). (٢) ليس في (ش). (٤) ليس في (ش). (٨) (١١) في (م): ((ومن)). (١٣) في (ك٢، ح، ش): ((سعيد)). = ١٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ البَاسِطُ، الخَافِضُ، الرَّافِعُ، المُعِزُّ(١)، المُذِلُّ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الحَكَمُ، العَدلُ، اللِطِيفُ، الخَبِيرُ، الحَلِيمُ، العَظِيمُ، الغَفُورُ، الشكور (٢)، العَلِيُّ، الكَبِيرُ، الحَفيظُ، المُقِيتُ، الحَسِيبُ، الجَلِيلُ، الكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، المُجِيبُ، الواسِعُ، الحَكِيمُ، الودُودُ، المجِيد(٣)، البَاعِثُ (٤)، الشَّهيدُ، الحَقُّ، الوكِيلُ، القَوِيُّ، المَتِينُ، الولِيُّ، الحَمِيدُ، المُحصِي، المُبدِئُ، المُعِيدُ، المُحيِي، المُمِيتُ، الحَيُّ، القَيُّومُ، الواجِدُ، المَاجِدُ، الواحِدُ، الصَّمَدُ، القَادِرُ، المُقْتَدِرُ، المُقَدِّمُ، المُؤَخِّرُ، الأولُ، الآخِرُ، الظّاهرُ، البَاطِنُ، الوالِي، المُتعالِي، البَرُّ، التَّوابُ، المُنتَقِمُ، العَفُوُّ، الرَّؤُوفُ، مَالِكُ المُلكِ، ذُو الجَلَالِ والإكرَامِ، المُقسِطُ، الجَامِعُ، الغَنِيُّ، المُغنِي(٥)، المَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الهادِي، البَدِيعُ، البَاقِي، الوارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبورُ)). وقال التِّرمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، حَدَّثَنَا به غَيرٌ واحِدٍ عن صَفوانَ بنِ صَالِحٍ؛ أي: عن الوليدِ بنِ مُسلِمٍ، حدّثَنَا(٦) شُعَيبٌ(٧) بن(٨) أبي حَمزَةَ، قال: ولَا نَعرِفُه إلَّا من حَدِيثِ صَفوانَ [بنِ صَالِحٍ](٩)، وهو ثِقَةٌ عِندَ أهلِ الحديثِ، وقَد رُوِيَ هذا الحديثُ من غَيرِ وجهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ ◌ِّهِ، ولَا نَعلم (١٠) فيه (١١) كَبِيرَ (١٢) شَيءٍ من الرِّوايَاتِ ذَكَرَ الأسمَاءَ الحُسنَى إلَّا في هذا الحديثِ، وقَد رَوَى آدَم بنُ أبي (١٣) إِيَاسٍ هذا الحديثَ بِإِسنَادٍ غَيرِ هذا عن أبي هَرَيرَةَ، عن النبيِّ ◌َِِّ، وذَكَرَ فيه الأسمَاءَ، ولَيسَ لَه(١٤) إسنَادٌ صَحِيحٌ. ثُمَّ قال: ورَواه أبو اليَمَانِ، عن شُعَيبٍ بن(١٥) أبي حَمزَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، ولَم يَذكُر فيه الأسمَاءَ(١٦). ليست في (ش). (١) في (م): ((المجيب)). (٣) (٥) لیس في (ك٢، ح). (٧) في (ك٢، ش): ((سعيد)). (٩) ليس في (ك٢، ح، ش). وفي (م): ((بن أبي صالح)). (١٠) في الأصل، (م): ((نعرف)). (١٢) في (م): ((كثير)). (١٤) ليست في (ش). (١٦) في (ح): ((أسماء)). (٢) ليست في الأصل، (م). (٤) في الأصل: ((الواسع)). (٦) بعدها في (ش): ((به)). (٨) في الأصل، (م): ((عن)). (١١) في جامع الترمذي: ((في)). (١٣) ليست في الأصل. (١٥) في الأصل، (م): ((عن)). ١٩ كِتَابُ الأيمَانِ قُلتُ: وأشَارَ بِذَلِكَ إلى رِوايَةِ البخارِيِّ، وكَذَلِكَ (١) لَم يَذْكُرُ (٢) الأسمَاءَ في رِوايَةِ النسائيّ؛ من طَرِيقِ عَلِيٍّ بنِ عَيَّاشٍ، عن شُعَيبٍ. وسَاقَها ابنُ مَاجَه من طَرِيقٍ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، عن الأعرج، ولَفِظُه: ((مَن(٣) حَفِظَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ الله الواحِدُ الصَّمَدُ)). فَذَكَرَها مع تَقْدِيمِ وتَأْخِيرٍ، وذَكَرَ: الْبَارَّ، بَدَلَ البَرِّ، والرَّاشِدَ، بَدَلَ الرَّشِيدِ، وَزَادَ ذِكرَ: الجَمِيلِ، والرَّبِّ، والمُبينٍ، والبُرهانِ، والشَّدِيدِ، والواقِي، وذِي القُوةِ، والقَائمِ، والدَّائمِ، والحَافِظِ، والنَّاظِرِ(٤)، والسَّامِع، والأبَدِ، والعَالِم، والصَّادِقِ، وَالمُنِيرِ، والتَّامِّ، والقَدِيمِ، والوِتِرِ، والأحَدِ. وزَادَ عَلى العِدَّةِ أربَعَةَ(٥) أسمَاءٍ، فَإِنَّها عِندَه مِائَةٌ وثَلَاثَةٌ إلََّ أن يَجعَلَ قَولَه: ذُو القُوةِ المَتِينِ اسمًا واحِدًا، ويَجعَل قَولَه: الذي لَم يَلِد ولَم يُولَد، [١٧٨/٢و] ولَم يَكُن لَه كُفُوًّا أحَدٍ، تَابِعًا لِقَولِه: الصَّمَدُ، (١٤٩/٧م) فَيَكُونُ مِائَةً وأحَدًا (٦). وأسقَطَ بَعضَ مَا ذَكَرَه التِّرمِذِيُّ، وكَرَّرَ ذِكرَ الصَّمَدِ، ذَكَرَه أولًا وآخِرًا، فَهِيَ حِينَئذٍ عِندَه مِائَةٌ. وقال في آخِرِهِ: قال زُهَيرٌ؛ أي: وهو رِوايَةٌ عن مُوسَى بنِ عُقبَةَ، فَبَلَغَنَا عن غَيرِ واحِدٍ من أهلِ العِلمِ: أنَّ أولَها يُفتَحُ بِقَولٍ (٧): لَا إلَهَ إلَّا الله وحدَه لَا شَرِيكَ لَه، لَه المُلكُ ولَه الحَمْدُ، بيدِه الخَيرُ وهو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا الله لَه الأسمَاءُ الحُسنَى. وذَكَرَ النَّوِيُّ في ((الأذكَارِ)) (٨): رِوايَةَ التِّرمِذِيِّ، وحَكَمَ عَلَيها بِالحُسنِ، وذَكَرَ أَنَّه رُوِيَ المُقِيتُ: بِالقَافِ والتَّاءِ المُثَنَّةِ آخِرَه، والمُغِيثُ: بِالغَينِ المُعجَمَةِ والثَّاءِ المُثَلَّثَةِ آخِرَه، ورُوِيَ القَرِيبُ، بَدَلَ الرَّقِيبِ، ورُوِيَ المُبينُ بِالمُوحَّدَةِ، بَدَلَ المَنِينِ بِالمُثَنَّةِ(٩) فَوقُ قال: والمَشهورُ المُثَنَّةُ. وقال(١٠) ابنُ حَزم (١١): جَاءَت أَحَادِيثُ في إحصَائها مُضطَرِبَةٌ، لَا يَصِحُ منها شيءٌ أصلًا . (١) في (ك٢، ح): ((ولذلك)). (٣) لیس في (ش). (٥) مكررة في (ك ٢). لیست في (حے، ش). (٧) بعدها في (م): ((من)). وضعها بين معكوفتين. (٩) (١٠) في (ك٢، ح، ش): ((قال)). (٢) في (ك٢، ح): ((تذكر)). (٤) ليس في (ش). (٦) في (ك٢، ح، ش): ((وواحدًا)). (٨) الأذكار للنووي (ص ١٠٠، ١٠١). (١١) المحلى (٣١/٨). ٢٠ 3 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((إنَّ لِلَّه تِسعَةً وتسعِينَ اسمًا)). قال النَّووِيُّ(١): انَّفق(٢) العُلَمَاءُ عَلى أنَّ هذا الحديثِ لَيسَ فيه حَصرٌ لِأَسمَائِهِ وَ، فَلَيسَ(٣) مَعنَاهِ: أنَّه لَيسَ لَه أسمَاءٍ(٤) غَيرَ هَذِهِ التِّسعَةِ والتِّسعِينَ. وإنَّمَا مَقصُودُ الحديثِ: أنَّ هَذِهِ التِّسعَةَ والتِّسعِينَ مَن أحصَاها دَخَلَ الجَنَّةَ. فَالمُرَادُ: الإخبَارُ عن دُخُولِ الجَنَّةِ بِإِحصَائها(٥)، لَا الإخبَارُ بِحَصرِ (٦) الأسمَاءِ، ولِهِذا جَاءَ في الحديثِ الآخَرِ: ((أسألُك(٧) بِكُلِّ اسم هو لَكَ، سَمَّتَ بِه نَفسَكَ، أو أنزَلتَه في كِتَابِكَ، أو عَلَّمْتَه أحَدًا من خَلقِكَ، أَوَّ استَأَثَرتَ به في عِلم الغَيبِ عِندََ))(٨). قال: وقَد(٩) ذَكَرَ الحَافِظُ أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِي المَالِكِيُّ(١٠) عن بَعضِهم أنَّه قال: لِلَّه تعالى ألفُ اسم. قال ابنُ العَرَبي: وهذا قَلِيلٌ فيها. قُلتُ: تَتِمَّةُ كَلَامِ ابنِ العَرَبي: ولَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا [لأسماء ربي] (١١) لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أن تَنفَدَ أسمَاءُ رَبي، ولَو جِئْنَا بِسَبعَةٍ أبحُرٍ مِثْلِهِ مَدَدًا . قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٢): وهذا كَقَولِ القَائلِ: لِزَيدٍ مِائَةُ دِينَارٍ أَعَذَّها لِلصَّدَقَّةِ، لَا يُفهَمُ منه أنَّه لَيسَ لَه مَالٌ غَيرُ المِائَةِ دِينَارٍ (١٣)، وإنَّمَا يُفهَمُ أنَّ هَذِه المِائَةَ هِيَ الَّتِي أعَدَّها لِلصَّدَقَّةِ لَا غَيرَها. انتَهَى. وخَالَفَ في ذَلِكَ ابنُ حَزم الظَّاهرِيُّ(١٤) فقال: إنَّ [أسمَاءَ الله](١٥) تعالى لَا تَزِيدُ عَلى تِسِعَةٍ وتسعِينَ شَيئًا؛ لِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((مِائَةٌ إلَّا واحِدًا»، فَنَفَى الزِّيَادَةَ وأبطَلَها، لَكِن يُخْبَرُ عنه بِمَا يَفْعَلُ تعالى. شرح النووي على مسلم (٥/١٧). (١) (٣) ليس في الأصل. في الأصل: «بإحصارها». (٥) في (ك٢، ش): «أسلك)). (٧) (٦) في (ش): ((عن حصر)). أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٣/١٠)، وأحمد (٣٩١/١، ٤٥٢)، وابن حبان (٩٧٢)، عنه . والحاكم (٥٠٨/١) وغيرهم من حديث ابن مسعودٍ لـ (٩) ليس في (ك٢، ح). (١٠) عارضة الأحوذي (٢٨١/١٠). (١١) ليس في الأصل، (م). (١٢) المفهم (١٦/٧). (١٣) في (ح، ش): ((الدينار)). (١٤) المحلى (٣١/٨). (١٥) في (ك٢، ح، ش): ((أسماءه)). وهو موافق لما في المحلى. (٢) في (م): ((واتفق)). (٤) في (ح، ش): ((اسمًا)). (٨)