Indexed OCR Text
Pages 481-500
=
٤٨١
كِتَابُ الطَّلَاقِ والأَّخِيرِ
قال: وهَذِه وحدَها عَلى لُغَةٍ واحِدَةٍ؛ أي: وهيَ الكَسرُ. قال: وإِنَّمَا سَهَّلَ تَعَدِّيَ
هَذِهِ الأحرُفِ إلى المَفعُولِ اشتِرَاكُ الضَّمِّ والكَسرِ فيهنَّ(١).
ا الرَّابِعَةُ: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٢): تَطلِيقُهُ إِيَّاها
بِالْبَتَاتِ من حَيثُ اللفظُ: يَحتَمِلُ أن(٣) يَكُونَ بِإِرِسَالِ الطَّلقَاتِ الثَّلَاثِ (٤)، ويَحْتَمِلُ
أن يَكُونَ بِإِيقَاعِ آخِرِ طَلقَّةٍ، ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ بِإِحدَى الكِنَايَاتِ الَّتِي تُحمَلُ عَلى
البَيْنُونَةِ عِندَ جَمَاعَةٍ من الفُقَهاءِ، ولَيسَ في اللفظِ عُمُومٌ، ولَا إشعَارٌ بِأَحَدِ هَذِهِ
المعانِي، وإنَّمَا يُؤْخَذُ(٥) ذَلِكَ من أحَادِيثَ أَخَرَ تُبيِّنُ المُرَادَ، ومَن احتَجَّ عَلى شَيءٍ
من هَذِهِ الإِحْتِمَالَاتِ بِالحديثِ فَلَم يُصِب؛ لِأَنَّ إِنَّمَا دَلَّ عَلى مُطلَقِ البَتِّ، والدَّالُّ
عَلَى المُطلَقِ لَا يَدُلُّ عَلى أَحَدِ (٦ قَيدَيه بِعَينِه٦) .
قُلتُ: اعتَبَرَ الشَّيخُ لَفظَ الرِّوايَةِ الَّتِي شَرَحَها، وهَذِهِ الرِّوايَةُ الَّتِي هنَا صَرِيحَةٌ
فِي الإِحْتِمَالِ الثَّانِي؛ فَإِنَّ لَفِظَها: ((فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ))؛ فَدَلَّ عَلى أنَّه لَم
يَجمَعها لَها دَفعَةً واحِدَةً. واعتَبَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ لَفظَ الرِّوايَةِ (٧/ ٩٧م) الَّتِي سُقْنَاها
من ((المُوطَّ))؛ فَاسْتَدَلَّ به عَلى جَوازٍ جَمع الطَّلقَاتِ الثَّلَاثِ.
ثُمَّ قال(٧): ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ طَلَاقُه ذَلِكَ (٨) آخِرَ ثَلَاثِ طَلَقَاتٍ، ولَكِنَّ
الظَّاهَرَ لَا يَخرُجُ عنه إلَّا بِيَانٍ. انتَهَى.
وقَد عَرَفتَ أنَّ هذا الاحتِمَالَ هو صَرِيحُ لَفِظِ الرِّوايَةِ الَّتِي نَحنُ في شَرحِها، واعتَبَرَ
القُرطبي لَفِظَةَ: ((فَبَثَّ طَلَاقَها))، وقال: ظَاهرُه أنَّه قال لَها: أنتِ طَالِقٌ ألبَتَّةَ. فَيَكُونُ حُجَّةً
لِمَالِكٍ عَلى أنَّ ألبَتَّةَ مَحمُولَةٌ عَلى الثَّلَاثِ في المَدخُولِ بها. ثُمَّ قال: ويَحتَمِلُ أن
يُرِيدَ به آخِرَ الثَّلَاثِ، كَمَا في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((أنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امَرَأْتَهِ ثَلَاثًا)).
وجَازَ أن يُعَبَّرَ عنها بِالبَتَاتِ؛ لِنَّ الثَّلَاثَ قَطَعَت جَمِيعَ العَلَقِ (٩). انتَهَى.
(١) الصحاح للجوهري (١/ ٢٤٢).
(٣) في (م): ((بأن)).
(٢) إحكام الأحكام (ص٥٧٨).
(٤) ليس في (ش).
(٥)
في (ك٢، ح): ((يوجد)) .
(٦ - ٦) في (ش): ((قيد به لعينه)).
التمهيد (٢٢٧/١٣).
(٧)
المفهم لما أشكل (٢٣٤/٤).
(٩)
(٨) في الأصل: ((ذاك)).
٤٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وكُلُّ ذَلِكَ ذُهولٌ عن قَولِه فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ: ((فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ))،
والله أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((فقالت: يَا نَبيَّ الله، إنَّها كَانَت عِندَ رِفَاعَةَ ... )) إلى
آخِرِهِ، لَيسَ فيه حِكَايَةُ لَفِظِها، ولَو حَكَاه كَمَا هو لَقال: إنِّي كُنتُ إلى آخِرِهِ، وكِلَا
الأمرَينِ سَائغٌ في لُغَةِ العَرَبِ، تَقُولُ: قُلتُ [لِعَبدِ الله: مَا أكرَمَه، وقُلتُ](١)
لِعَبدِ الله: مَا أكرَمَك.
السَّادِسَةُ: الهدبَةُ: بِضَمِّ الهاءِ وإسكَانِ الدَّالِ بَعدَها بَاءٌ مُوحَّدَةٌ، و(٢) هيَ
طَرَفُ الثَّوبِ الذي لَم يُنسَج، وهو مَا يَبقَى بَعدَ قَطْعِ الثَّوبِ من السَّدَاءِ شُبه بهدبٍ
العَينِ، وهو شَعرُ جَفيِها. ثُمَّ يَحتَمِلُ أن يَكُونَ تَشبيه الذَّكَرِ(٣) بِالهدبَةِ (٤) لِصِغَرِهِ،
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لِاسْتِخَائِه وعَدَمِ انتِشَارِهِ(٥) .
■ السَّابِعَةُ: قَولُه: (فَتَبَسَّمَ رسولُ اللهَِّه))، قال النَّوِيُّ(٦): قال العُلَمَاءُ:
إِنَّ التَّبَسُّمَ لِلتَّعَجُبِ من جَهرِها وتَصرِيحِها بهذا الذي تَستَحِي النِّسَاءُ منه في العَادَةِ،
أو لِرَغبَتِها في زَوجِها الأولِ وكَرَاهَةِ الثَّانِي. قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٧): وفيه أنَّ
("مِثلَ هذا إذَا٨) صَدَرَ من مُدَّعِيَتِهِ لَا يُنكَرُ عَلَيها ولا تُوبَّخُ بِسَبَبه، فَإِنَّه في مَعرِضٍ
المُطَالَبَةِ [١٦٢/٢ظ] بِالحُقُوقِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ أنَّ أبَا بَكرٍ لَم يُنكِر، وإن كَانَ
خَالِدٌ قَد حَرَّكَه للإِنكَارِ(٩) وحَضَّه عَلَيه. انتَهَى.
■ الثَّامنةُ: قَولُه: ((لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أن تَرجِعِي إلى رِفَاعَةَ))، هَكَذَا رُوِّينَاه
بِفَتحِ التَّاءِ وكَسرِ الجِيمِ، ويَجُوزُ أن يَكُونَ بِضَمِّ الثَّاءِ وفَتحِ الجِيمِ مَبنِيًّا
لِلمَفَعُولِ، وسَبَبُه: أنَّه فَهِمَ عنها إرَادَةَ فِرَاقِ عَبدِ الرَّحمَنِ، وإِرَادَةَ أنْ يَكُونَ
فِرَاقُه سَبَبًا لِلرُّجُوعِ إلى رِفَاعَةَ، وكَأَنَّه قِيلَ لَها: إنَّ هذا المَقصُودَ لَا يَحصُّلُ
(١) ما بين المعكوفين ليس في (ش).
(٣)
ليس في (ح، ٢٥).
(٢) من (ك٢، ح).
(٤) ليس في (ش).
ينظر: المفهم (٢٣٤/٤)، والنهاية في غريب الحديث (٢٤٩/٥).
(٥)
(٦) شرح النووي على مسلم (٣/١٠، ٤). (٧) المفهم (٢٣٥/٤).
(٨ - ٨) مكانها في (ش): ((هذا)).
(٩) في (م): ((الأنكار)).
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
٤٨٣
=
عَلى تَقدِيرِ أن يَكُونَ الأمرُ كمَا (١) ذَكَرتِ.
■ التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَه ويَذُوقَ عُسَيلَتَك)).
هو بِضَمِّ العَينِ، وفَتح السِّينِ تَصغِيرُ (٩٨/٧م) عَسَلَةٍ، وهيَ كِنَايَةٌ عن الجِمَاعِ،
شَبّهَ لَذَّتَهُ بِلَذَّةِ العَسَلِ وحَلَاوَتِهِ. قَالُوا: وأَنَّكَ العُسَيلَةُ؛ لِأَنَّ في العَسَلِ لُغَيْنِ الَّذِكِيرَ
والتَّنِيثَ، وقِيلَ: أَنَّثَها عَلى إِرَادَةِ اللَّةِ (٢)، وقِيلَ: أَنَّثَها عَلى إرَادَةِ النُّطْفَةِ. وهو
ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الإنزَالَ لَا يُشتَرَطُ(٣). وقال الجَوهَرِيُّ: صُغِّرَتِ العَسَلَةُ (٤) بِالهاءِ؛
لِأَنَّ الغَالِبَ على (٥) العَسَلِ التَّأْنِيثُ. قال: ويُقَالُ: إِنَّمَا أَنَّثَ؛ لِأَنَّه أرِيدَ به العَسَلَةُ
وهيَ القِطعَةُ منه، كَمَا يُقَالُ لِلِقِطْعَةِ من الذَّهَبِ: ذَهَبَةٌ (٦). انتهى.
وجَاءَ في حَدِيثٍ مَرُفُوعٍ: ((أنَّ العُسَيلَةَ الجِمَاعُ))، رُوِيَ من طَرِيقٍ
أبي عَبدِ المَلِكِ العَمِّي(٧)، عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ، عن عَائِشَةَ؛ رَواه أحمَدُ، وأبو
يَعلى في (مُستَدَيهِمَا))(٨)، وهو يَدُلُّ عَلى أَنَّه لَا يُعتَبَرُ فيه الإنزَالُ.
■ العَاشِرَةُ: فيه أنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لِمُطَلِّقِها حَتَّى تَنكِحَ زَوجًّا غَيْرَه
ويَطَأها ثُمَّ يُفَارِقَها وتَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ولَا تَحِلُّ لِلأولِ بِمُجَرَّدٍ عَقدِ الثَّانِي عَلَيها. وبه
قال جَمِيعُ العُلَمَاءِ من الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ فَمَن بَعدَهم، وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ:
إِذَا عَقَدَ الثَّانِي عَلَيها ثُمَّ فَارَقَها حَلَّتِ لِلأولِ، ولَا يُشتَرَطُ وطءُ الثَّانِي لِقَولِهِ: ﴿حَّى
تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ (٩) في العَقْدِ عَلى الصَّحِيحِ.
(١) في الأصل: ((على كما)). وفي (م): ((على ما)).
(٢)
في (ك٢، ح): ((اللذة)).
(٣)
ينظر: شرح النووي على مسلم (٢/١٠، ٣).
(٤)
في (ش): ((العسيلة)).
(٥) في الأصل، (م): ((في)).
(٦)
الصحاح للجوهري (١٧٦٤/٥).
في (م): («لعمر أي)). والمثبت موافق لما عند الدارقطني (٢٥٢/٣). وينظر: نصب
(٧)
الراية (٢٣٨/٣)، ومجمع الزوائد (٣٤١/٤).
(٨) أحمد (٦٢/٦)، وأبو يعلى (٤٨٨١). وعندهما أبو عبد الملك المكي. ووقع في
الميزان (٦٦٧/٢) واللسان (٧١/٤): ((عبد الملك)) اسمًا لا كنيةً. وهو على كلٍ حال:
مجهولٌ.
(٩) في (ك٢، ح): ((حقيقته)).
٤٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأجَابَ الجُمهورُ: بِأنَّ هذا الحديثَ مُخَصِّصٌ لِعُمُوم الآيَةِ، ومُبَيِّنٌ
لِلمُرَادِ بها .
قال العُلَمَاءُ: وَلَعَلَّ سَعِيدًا (١) لَم يَبلُغه هذا الحديثُ. قال القَاضِي عِيَاضٌ:
لَم يَقُل أحَدٌ بِقَولِ سَعِيدٍ في هذا إلَّا طَائفَةٌ من الخَوارِجِ، واتَّفق العُلَمَاءُ عَلى أن
تَغْيِيبَ الحَشَفَةِ في قُبُلِها كَافٍ فِي ذَلِكَ من غَيرِ إنزَالِ المَنِيِّ، وشَذَّ الحَسَنُ البَصرِيُّ
فَشَرَطَ في التَّحْلِيلِ إنزَالَ المَنِيِّ، وجَعَلَه حَقِيقَةَ العُسَيلَةِ. وقال الجُمهورُ:
و(٢) الإِيلَاجُ مَظِنَّةُ اللذَّةِ والعُسَيلَةِ فَنِيطَ الحُكمُ به، ولَو وطِئَها في نِكَاحٍ فَاسِدٍ لَم
تَحِلَّ لِلأولِ عَلى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّه لَيْسَ بِزَوجِ(٣).
ورُوِيَ عن الحَكَمِ بنِ عُتَيبَةَ: أنَّه يَحِلُّها. وحُكِيَ قَولًا عن الشَّافِعِيِّ، ومنهم
مَن أنكَرَه، ومنهم مَن طَرَدَه في وطءِ الشُّبهَةِ.
قال أصحَابُنَا: وسَواءٌ كَانَ قَوِيَّ الانتِشَارِ أو ضَعِيفَه فَاستعانَ بِأصبُعِه أو
أصبُعِها، فَإِن لَم يَكُن انتِشَارٌ أصلًا لِتَعْنِينِ أو شَلَلٍ أو غَيرِهمَا لَم يَحصُلِ التَّحلِيلُ
عَلى الصَّحِيحِ، وبه قَطَعَ جُمهورُ أصحَابِنَا في كُتُبُهم؛ لِعَدَمِ ذَوقِ العُسَيلَةِ، وحَصَّلَه
الشَّيخُ أبو مُحَمَّدِ الجُوينِيُّ(٤) والغَزّالِيُّ(٥) لِحُصُولِ الوطءِ وَأَحَكَامِهِ، واعتَبَرَ المَالِكِيَّةُ
والخَنَابِلَةُ أيضًا الانتِشَارَ، واكتَفَى الشَّافِعِيَّةُ والحَنَابِلَةُ بِالوطءِ، ولَو مع الجُنُونِ أو
الإغمَاءِ أو النَّومِ سَواءٌ كَانَ ذَلِكَ فيه أو فيها، وبه قال ابنُ المَاحِشُونِ. والمَشهورُ
عِندَ المَالِكِيَّةِ اشتِرَاطُ عِلمِ الزَّوجَةِ خَاصَّةً بِالوطءِ، وقال أشهَبُ: المُعتَبَرُ عِلمُ
(٦)
الزَّوجِ(٦).
وقال الخَطَّابي (٧): كَانَ ابنُ المُنذِرِ يَقُولُ: فيه دَلَالَةٌ عَلى أنَّه إن واقَعَها،
في (م) ((سعيد بن المسيب)).
(١)
(٢) ليس في الأصل، (م).
ينظر: شرح النووي على مسلم (٣/١٠).
(٣)
(٤)
في (ش): ((الحوشيّ)).
(٥)
ينظر: نهاية المطلب (٤٠٤/١٢ - ٤٠٥)، الوسيط (١١٤/٥).
(٦) إكمال المعلم (٦٠٦/٤، ٦٠٧)، وروضة الطالبين (١٢٤/٧، ١٢٥)، وجامع الأمهات
لابن الحاجب (ص٢٦٥، ٢٦٦).
(٧) معالم السنن (٢٩٢/٣).
٤٨٥
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
=
وهيَ نَائمَةٌ أو مُغمَّى عَلَيها لَا تَحُسُّ بِاللذَّةِ؛ فَإِنَّها لَا تَحِلُّ لِلزَّوجِ الأولِ؛ لِأنَّها لَم
تَذُق العُسَيلَةَ.
وقال ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ(١): لَا يَحصُلُ التَّحلِيلُ فيمَا إذَا كَانَت فِي غَيرِ عَقلِها
بِإغمَاءِ أو سُكرٍ أو جُنُونٍ، ولا وهو كَذَلِكَ؛ فَإِن بَقِيَ من ◌ِسِّه ومن حِسِّها في هَذِه
الأحوالِ أو في النَّومِ مَا تُدرِكُ به اللَّةَ أحَلَّها ذَلِكَ.
واعتَبَرَ المَالِكِيَّةُ بُلُوغَ الزَّوجِ. ولَم يَعتَبِرِهِ الحَنَفيةُ والشَّافِعِيَّةُ [١٦٣/٢و]
والحَنَابِلَةُ: فَاكَفَى الشَّافِعِيَّةُ بِتَأْتِّي الجِمَاعِ منه، واعتَبَرَ الحَنَفيةُ والحَنَابِلَةُ أن يَكُونَ
مُرَاهِقًا. ولَعَلَّ التَّعبيرَينِ مُستَوِيَانِ فِي المَعنَى، واكتَفَى الشَّافِعِيَّةُ بِوطءِ الزَّوجِ، ولَو
كَانَ مُحَرَّمًا كَالوطءٍ في الحَيضِ والإِحرَامِ والصِّيَامِ، وبه (٩٩/٧م) قال
ابنُ المَاجِشُونِ. والمَشهورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ والحَنَابِلَةِ عَدَمُ الاكتِفَاءِ بِذَلِكَ، وأنَّه لَا بُدَّ
أن يَكُونَ الوطءُ حَلَالًا، وبه قال أهلُ الظَّاهرِ. ومَسَائلُ التَّحْلِيلِ كَثِيرَةٌ؛ فَلْنَقْتَصِر
منها عَلى مَا ذَكَرنَاه(٢).
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: استَدَلَّ به(٣) البخارِيُّ في ((صَحِيحِه))(٤) عَلى جَوازٍ
شَهادَةِ المُختَبِئ(٥). ووجهه: أنَّ خَالِدَ بنَ سَعِيدِ بنِ العَاصِي رَتَّبَ عَلَى سَمَاعٍ كَلَامٍ
هَذِهِ المَرأةِ، وهيَ ورَاءَ حِجَابٍ، قَولَه: ((يَا أَبَا بَكرٍ أَلَّا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ به عِندَ
رسولِ اللهِ وٍَّ﴾)). قال: وأجَازَه عَمرُو (٦) بنُ حُرَيثٍ. قال: وكَذَلِكَ يُفعَلُ بِالگَاذِبِ
الفَاجِرِ. وقال الشَّعبي، وابنُ سِيرِينَ، وعَطَاءٌ، وقَتَادَةُ: السَّمعُ شَهادَةٌ. وقال
الحَسَنُ: يَقُولُ: لَم يُشهِدُونِي(٧) عَلَى شَيءٍ، وإنِّي سَمِعتُ كَذَا وَكَذَا (٨).
(١) المحلى (١٧٧/١٠).
(٢) ينظر: جامع الأمهات (ص٢٦٥، ٢٦٦)، والمحلى (١٧٧/١٠، ١٧٨).
(٣) ليس في الأصل، (م).
البخاري قبل حديث (٢٦٣٨). قال: باب شهادة المختبئ. وينظر: فتح الباري
(٤)
(٢٥٠/٥).
(٥) في (ح): ((المختفي)).
(٧)
في (م): ((تشهدوني)).
ينظر في وصلها: تغليق التعليق (٣٧٣/٣ - ٣٧٥).
(٨)
(٦) في الأصل: ((عمر)).
==
٤٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ومَذْهَبُ الأئمَّةِ الأربَعَةِ: جَوازُ شَهادَةِ المُختَفي، لَكِن لَا بُدَّ من مُشَاهَدَةٍ
المَشهودِ عَلَيه حَالَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ. ومَنَعَ بَعضُ المَالِكِيَّةِ شَهادَةَ المُختَفيِ إذَا كَانَ
المشهودُ عَلَيَه مَخدُوعًا أو خَائفًا.
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُه: ((عَمَّا تَجْهَرُ به))؛ أي: تَرفَعُ صَوتَها. قال
أبو العَبَّاسِ القُرطُبي: وفي غَيرِ كِتَابٍ مُسلِم: ((تَهجُرُ)) من الهُجْرِ، وهو الفُحشُ من
القَولِ(١) .
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ به عَلى أنَّ العِنِّينَ (٣لَا يُضرَبُ لَه أجَلٌ (٢)، ولا
يُفْسَخ٣ُ) عَلَيه نِكَاحُ زَوجَتِهِ إِذَا تَبَيِّنَت عُنَّتُهُ بِانقِضَاءِ المُدَّةِ؛ لِأِنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
لَم يَضرِب لِهَذِهِ المَرأةِ أجَلًا عَلى زَوجِها عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الزَّبيرِ. وبهذا قال
الحَكَمُ وابنُ عُلَيَّةَ ودَاوُد. وخَالَفَهم جُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ.
وتَوهمُهم من هذا الحديثِ: لَا أصلَ (٧/ ١٠٠م) لَه؛ لِأنَّها لِمَ تَأْتِ شَاكِيَةً
زَوجَها وطَالِبَةً (٤) فَسِخَ نِكَاحِهِ بِالعُنَّةِ؛ فَإِنَّه طَلَّقَها كَمَا دَلَّت عَلَيه الرِّوايَةُ الَّتِي سُقْنَاهَا
من ((المُوطَّا)).
ورَوى ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٥)؛ من طَرِيقِ سُلَيمَانَ بنِ يَسَارٍ (٦)، عن
عَائِشَةَ: ((أنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امرَأتَه ثَلَاثًا، فَتَزَوجَها رَجُلٌ فَطَلَّقَها قَبلَ أن يَدخُلَ بها؛
فَأْرَادَ الأولُ أن يَتَزَوجَها؟ فقال النبيُّ وَلِّ: لَا، حَتَّى تَذُوقِي من عُسَيلَتِهِ)).
قال: وهو حَدِيثٌ لَا مَطعن ◌ِأحَدٍ في نَاقِیه.
قُلتُ: والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ أيضًا في ((صَحِيحِ البخارِيِّ)) في الطَّلَاقِ؛ من حَدِيثٍ
هشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عَائشَةَ قالت: ((طَلَّقَ رَجُلٌ امرَأْتَه فَتَزَوجَت زَوجًا
غَيرَه، وكَانَت معه مِثلُ الهدبَةِ، فَلَم تَصِل منه إلى شَيءٍ تُرِيدُه. فَلَم تَلَبَث أن
طَلَّقَها؛ فَأَتَت النبيَّ ◌َ ... )) فَذَكَرَ الحديثَ.
(١) المفهم (٢٣٥/٤).
(٣ - ٣) في (م): ((نضرب له أجلًا ولا نفسخ)).
(٤) في الأصل، (م): ((وطالبته)).
(٦) في (ح): ((بشار)).
(٢) في الأصل: ((أجلًا)).
(٥) التمهيد (٢٢٥/١٣، ٢٢٦).
=
٤٨٧
كِتَابُ الطَّلَاقِ والأَّخِيرِ
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي: لَا حُجَّةَ في هذا الحديثِ؛ لِأنَّ الزَّوجَ لَم
يُصدِّقها عَلى ذَلِكَ؛ بِدَلِيلٍ قَولِه في رِوايَةِ البخارِيِّ في هذا الحديثِ، فقال:
((كَذَبَت والله، إنِّي لَأَنفُضُها نَفضَ الأدِيمِ، ولَكِنَّها نَاشِزٌ تُرِيدُ أن تَرجِعَ إلى
رِفَاعَةَ))(١).
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرُ (٢): في قَولِه: ((تُرِيدِينَ أن تَرجِعِي إلى
رِفَاعَةَ))، دَلِيلٌ عَلى أَنَّ إِرَادَةَ المَرأةِ الرُّجُوعَ إلى زَوجِها لَا يَضُرُّ العَاقِدَ عَلَيها،
وأنَّها لَيسَت بِذَلِكَ في مَعنَى التَّحلِيلِ المُستَحِقِّ صَاحِبُه اللعنَةَ.
■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٣)، (٤ْبَعدَ تَقرِيرِه٤) اشتِرَاطَ الوطءِ
في التَّحلِيلِ، وأنَّ (٥) المُرَادَ بِالنِّكَاحِ في جَمِيعِ القُرآنِ [العَقدُ، إلَّا في قَوله تعالى:
﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ به العَقدُ](٦) والوطءُ مَعًا: وفيه
حُجَّةٌ لِمَالِكِ في أنَّه لَا يَقَعُ التَّحْلِيلُ في الأيمَانِ والبِرِّ(٧) إلَّا بِأكمَلِ الأشْيَاءِ، وأنَّ
التَّحرِيمَ يَقَعُ بِأقَلِّ شَيءٍ، أَا تَرَى أنَّ تَحرِيمَ نِكَاحِ زَوجَةِ الأبِ والابنِ يَحصُلُ
بِمُجَرَّدٍ(٨) العَقدِ، ولَو طَلَّقَ بَعضَ امرَأْتِه أو ظَاهَرَ مَن بَعضِها لَزِمَه حُكُمُ الطَّلَاقِ
والظّهارِ (٩)، ولَو عَقَدَ عَلى امرأةٍ بَعضَ نِكَاحِ أو عَلى بَعضِ امرأةٍ نِكَاحًا لَم يَصِحَّ.
قال: وقَد يُعتَرَضُ عَلى ذَلِكَ: بِأنَّ التَّحرِيمَ لَا يَحصُلُ في الرَّبِيَةِ بِالعَقدِ عَلى الأمّ
حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيهِ الدُّخُولُ.
قُلتُ: وألزَمَ ابنُ [١٦٣/٢ظ] حَزم المَالِكِيَّةَ أن يَقُولُوا بِقَولِ الحَسَنِ في اعتِبَارِ
الإنزَالِ؛ لِاعْتِبَارِهم في التَّحلِيلِ أكمَلَ(١٠) الأشياءِ (١١)، واللهُ أعلمُ.
(١) ينظر: المفهم (٢٣٥/٤ - ٢٣٧)، وإكمال المعلم (٤/ ٦٠٧).
(٢) التمهيد (٢٢٧/١٣).
(٣) التمهيد (٢٢٨/١٣، ٢٢٩).
(٤ - ٤) في (ك٢، ح): (تقرير)).
(٧) ليس في الأصل، (م).
(٨) في (م): ((لمجرد)).
(١٠) في الأصل، (م): ((بأكمل)).
(٥) ليس في (ش).
(٦) ليس في (ش).
(٩) ليس في الأصل، (م).
(١١) المحلي (١٧٨/١٠، ١٧٩).
٤٨٨
w.
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
(١٠١/٧م) الحديثُ الثَّالِثُ
وعنها، قالت: ((لَمَّا نَزَلَت ﴿وَ(١) إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
[الأحزاب: ٢٩]، دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله ◌ِّهَ بَدَأْ بي، فقال: يَا عَائشَةُ إِنِّي
ذَاكِرٌ لَك أمرًّا فَلَا عَلَيك أن لَا تَعجَلِي فیه حَتَّى تَستَأمِرِي أُبَویك. قالت:
قَد عَلِمَ والله أنَّ أَبَويَّ لَم يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قالت: فقرَأْ عَلَيَّ ﴿يَأَيّها
النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا(٢) ... ﴾ [الأحزاب:
٢٨]. قُلتُ: أفي هذا أستَأمِرُ أبَويَّ، فَإِنِّي أرِيدُ اللهَ ورسولَه والدَّارَ
الآخِرَةَ».
ذَكَرَه البخارِيُّ تَعلِيقًا(٣)، ووصَلَه هَكَذَا ابْنُ مَاجَه، والنسائيُّ(٤)، وقال: هذا
خَطَأْ لَا نَعلَمُ أَحَدًا من الثِّقَاتِ تَابَعَ مَعمَرًا عَلَى هَذِهِ الرِّوايَةِ(٥). يُرِيدُ: أَنَّ الصَّوابَ
رِوايَةُ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عَائشَةَ؛ كَمَا أخرَجَه الشيخانِ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: ذَكَرَ البخارِيُّ هَذِهِ الرِّوايَةَ تَعلِيقًا، فقال عَقِبَ حَدِيثِ الزُّهرِيِّ،
عن أبي سَلَمَةَ، عن عَائشَةَ: الذي سَنَذكُرُه. وقال عَبدُ الرَّزَّاقِ، وأبو سُفيَانَ
المَعمَرِيُّ، عن مَعمٍَ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ. وأسنَدَها ابنُ مَاجَه؛
فَرَواها عن مُحَمَّدِ بنِ يَحيَى، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ. وَفِظُه: ((قَد اختَرتُ اللهَ
ورسوله)). وكَذَا رَواها النسائيّ عن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الأعلى، عن مُحَمَّدٍ بنِ ثَورٍ،
عن مَعمَرٍ. وقال: هذا خَطَأْ لَا نَعلَمُ أحَدًا من الثَّقَاتِ تَابَعَ مَعمَرًا عَلى (١٠٢/٧م)
هَذِهِ الرِّوايَةِ. وقَد رَواه مُوسَى بنُ أعيَنَ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ،
عن عَائشَةَ. ومُحَمَّدُ بنُ ثَورِ ثِقَةٌ(٦). انتَهَى.
(١) من (ش).
البخاري تعليقًا قبل حديث (٤٧٨٧).
(٣)
(٥) في (ك٢، ح): ((الزيادة)).
(٢) من (ح، ك٢).
(٤) ابن ماجه (٢٠٥٣)، والنسائي (٥٦٣٣).
(٦) ابن ماجه (٢٠٥٣)، والنسائي (٣٤٤٠).
٤٨٩
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتّخيِيرِ
وأخرَجَه البخارِيُّ(١) من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ. ومُسلِمٌ، والتِّرمِذِيُّ،
والنسائيُّ(٢) من طَرِيقِ يُونُسَ بِنِ يَزِيدَ. وَكَذَا ذَكَرَه البخارِيُّ من طَرِيقِه تَعلِيقًا،
والنسائيُّ(٣) أيضًا من طَرِيقِ مُوسى بنِ [أعيَنَ، عن مَعمَرٍ. وكَذَا عَلَّقَه البخارِيُّ من
طَرِيقِهِ، وأخرَجَه النسائيّ (٤) أيضًا من طَرِيقٍ مُوسَى بنٍ](٥) عَلِيٍّ؛ أربَعَتِهم عن
الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةَ. وقال النسائيّ: وحَدِيثُ يُونُسَ ومُوسَى بِنِ
عَلِيٍّ أولى(٦) بِالصَّوابِ. وقال التِّرمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقَدْ رُوِيَ
هذا أيضًا عن الزُّهرِيِّ، عن (٧ عُروةَ، عن٧) عَائشَةَ.
وقال المِزِّيُّ في ((الأطرَافِ))(٨): رَواه(٩) ابنُ المُبَارَكِ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ،
عن عُروةَ، عن عَائشَةَ. وكَذَلِكَ رَواه مُعَاوِيَةُ بنُ يَحَيَّى الصَّدَفي، عن الزُّهرِيِّ. انتَهَى.
وفي رِوايَةِ يُونُسَ بِنِ يَزِيدَ: (ثُمَّ فَعَلَ أزواجُ النبيِّ ◌َّهِ مِثْلَ مَا فَعَلَت)). وجَمع
البخارِيُّ في الطَّلَاقِ بَينَ رِوايَةٍ شُعَيبٍ ويُونُسَ، وذَكَرَ فيه هَذِهِ الزِّيَادَةَ. وفي رِوايَةٍ
النسائيّ من طَرِيقِ يُونُسَ، ومُوسَى بنِ عَلِيّ: ((ولَم يَكُن ذَلِكَ حِينَ قاله لَهنَّ
رسولُ اللهِ وَّه واختَرِنَه طَلَاقًا، من أجلِ أنَّهنَّ اختَرِنَه)).
] الثَّانِيَةُ: سَبَبُ نُزُولِ آيَةِ التَّخِيرِ، فيمَا رَوى أبو بَكرِ ابنُ مَردُويه(١٠) في
(تَفْسِيرِه)) من حَدِيثِ الحَسَنِ مُرسَلًا، في(١١) عَائِشَةَ رَّا: ((طَلَبَت إلى رسولِ الله ◌َِّل
ثَوبًا، فَأْمَرَ الله تعالى نَبيه أن يُخَيِّرَ نِسَاءَه: إمَّا عِندَ الله تُرِدنَ أم(١٢) الدُّنيَا؟)).
(١) البخاري (٤٧٨٥).
(٢) مسلم (٢٢/١٤٧٥)، والترمذي (٣٢٠٤)، والنسائي (٣٤٣٩)، والبخاري تعليقًا
(٤٧٨٦).
(٣) النسائي (٣٢٠١)، والبخاري تعليقًا قبل حديث (٤٧٨٧).
(٤)
النسائي (٣٤٣٩).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في (ح).
(٦) في (ك٢، ح): ((أوفى)).
(٧ - ٧) ليس في (ح).
(٨) تحفة الأشراف (٨٧/١٢) (١٦٦٣٢). (٩) في الأصل: ((رواية)).
(١٠) ابن مردويه - كما في فتح الباري (٨/ ٥٢٢).
(١١) كذا في النسخ.
(١٢) في الأصل، (م): ((أو). وفي (ح): ((أمر)).
=
٤٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وهذا مُرسَلٌ، لَكِن يَشْهَدُ لَه حَدِيثُ جَابِرٍ عِندَ مُسلِمٍ، وفيه (١٠٣/٧م): ((أَنَّه عَلَيه
الصَّلَاةُ والسَّلَامُ قال: وهنَّ حَولِي كَمَا تَرَى يَسألَنِي النَّفقةَ». فقامَ أبو بَكرٍ إلى
عَائِشَةَ يَجَا (١) عُنُقَها، وقَامَ عُمَرُ إلى حَفصَةَ يَجَا (٢) عُنُقَها؛ كِلَاهمَا يَقُولُ: تَسألنَ
رسولَ اللهِّهِ مَا لَيسَ عِندَه؟ قُلنَ: والله مَا نَسألُ رسولَ اللهِ وَلِّ شَيئًا أَبَدًّا لَيسَ
عِندَه. ثُمَّ اعتَزَلَهِنَّ(٣) شَهرًا أو تِسعًا وعِشرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْه هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ
قُل لِأَزْوَِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، فَذَكَرَ الحديثَ(٤).
■ الثَّالِثَةُ: اختَلَفَ الصَّحَابَةُ ﴿ه في أنَّ التَّخِيرَ في الآيَةِ الكريمةِ(٥) هَل
كَانَ بَينَ إِقَامَتِهِنَّ في عِصمَتِه وفِرَاقِهنَّ، أو بَينَ أن يَبْسُطَ لَهنَّ في الدُّنْيَا أو لَا يَبْسُطَ
لَهنَّ فیها؟
فَذَهَبَ إلى الأولِ: عَائِشَةُ وجَابِرٌ. وذَهَبَ إلى الثَّانِي: عَلِيُّ بنُ [١٦٤/٢ و]
أبي طَالِبٍ وابنُ عَبَّاسٍ؛ حَكَى ذَلِكَ والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ»، وقال:
الأولُ أصَحُّ، وعَائشَةُ صَاحِبَةُ القِصَّةِ (٦)، وهيَ أعرَفُ بِذَلِكَ مع مُوافقةِ ظَاهِرِ القُرآنِ
لِقَولِه تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِّمْكُنَّ سَرَِّحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وهو
الطَّلَاقُ.
الرَّابِعَةُ(٧): قال النَّورِيُّ(٨): إنَّمَا بَدَأ بها لِفَضِيلَتِها .
قُلتُ: وإن صَحَّ أنَّها السَّبَبُ في نُزُولِ الآيَةِ؛ فَلَعَلَّ الْبُدَاءَةَ بها لِذَلِكَ.
■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((فَلَا عَلَيِكِ أن لَا تَعجَلِي)). مَعنَاه: مَا يَضُرُّك أن لَا
تَعجَلِي. قال النَّووِيُّ(٩): وإنَّمَا قال لَها هذا شَفقَةً عَلَيها، وعَلى أَبَويها، ونَصِيحَةً
(١) في (ح، ك٢، ش): ((نحا)). والمثبت الصواب؛ ينظر: شرح النووي على مسلم
(٨٢/١٠).
في (ح، ك٢، ش): ((نحا)).
(٢)
(٤)
مسلم (٢٩/١٤٧٨).
في (م): «القصد)).
في الأصل، (م): ((الثالثة)). وكذا فيما بعدها.
(٧)
شرح النووي على مسلم (٧٨/١٠).
شرح النووي على مسلم (٧٨/١٠، ٧٩).
(٩)
(٣) في (ح، ك٢): ((اعتزلن)).
(٥) ليس في الأصل، (م).
(٦)
(٨)
=
كِتَابُ الطَّلَاقِ والأَّخِيرِ
كير
٤٩١
لَهم في بَقَائها عِندَه ◌َِّ؛ فَإِنَّه يَخَافُ أَن يَحمِلَها صِغَرُ سِنِّها، وقِلَّةُ تَجَارِبها عَلى
اختِيَارِ الفِرَاقِ؛ فَيَجِبَ فِرَاقُها، فَتَنضَرَّ هيَ (١ وأَبَواها وبَاقِي١) النِّسوةِ بِالاِقِتِدَاءِ بها .
قُلتُ: ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُه في حَدِيثٍ جَابِرٍ عِندَ مُسلِمٍ: ((أنَّ عَائِشَةَ عَّا، قالت
لِلنبيِّ وَّ: وأسألُك أن لَا تُخبِرَ(٢) امرأةً من نِسَائك الذي قُلتُ. فقال: لَا تَسألُنِي
امرأةٌ منهنَّ إلَّا أخبَرتها، إنَّ اللهَ لَم يَبعَثِنِي مُعنِئًا ولَا مُتَعنًا، ولَكِن بَعَثَنِي مُعَلِّمًا
مُيَسِّرًا))(٣)، ويَحْتَمِلُ أنَّ الحَامِلَ لَه عَلى (٤قَولِه لَها٤) ذَلِكَ الكَلَامَ مَحَبَّتُه لَها،
وكَرَاهَةُ فِرَاقِها، وهو مَنقَبَةٌ لَها مِّا.
■ السَّادِسَةُ: فيه مَنقَبَةٌ ظَاهرَةٌ لِعَائشَةَ ثُمَّ لِسَائِرِ أمَّهاتِ المُؤمنينَ رَضِيَ الله
عنهنَّ؛ بِاختِيَارِهنَّ اللهَ ورسولَه والدَّارَ الآخِرَةَ، وفيه المُبَادَرَةُ إلى الخَيرِ وإِيثَارُ أمُورِ
الآخِرَةِ عَلى الدُّنيَا(٥).
السَّابِعَةُ: عَذَّ(٦) أصحَابُنَا(٧) من (خَصَائصِه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أنَّه
يَجِبُ عَلَيْه تَخِيرُ نِسَائه بَيْنَ مُفَارَقَتِهِ واختِيَارِهِ. وحَكَى الحَنَّاطِيُّ وجهًا، أنَّ هَذَا](٨)
التَّخِيرَ كَانَ مُستَحَبَّا، والصَّحِيحُ الأولُ(٩).
■ الثَّامنةُ: فيه أنَّ مَن خَيَّرَ زَوجَتَه فَاختَارَته لَم يَكُن ذَلِكَ طَلَاقًا، ولَم تَفَع
(٧/ ١٠٤م) به فُرقَةٌ. وقَد صَرَّحَت بِذَلِكَ عَائِشَةُ رَّا بِقَولِها: ((خَيََّنَا رسولُ اللهِ وَه.
فَلَمْ يَعُدَّه طَلَاقًا))، وفي [َلَفِظِ: ((فَلَم يَكُنْ طَلَاقًا))، وفي](١٠) لَفِظِ: (فَلَمْ يَعُدَّه عَلَيْنَا
شَيئًا))، وفي لَفِظِ: ((أَفَكَانَ طَلَاقًا؟))، وكُلُّ هَذِه الألفَاظِ في الصَّحِيحِ من رِوايَةٍ
مَسرُوقٍ عنها(١١). وبه قال جُمهورُ العُلَمَاءِ من الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ ومَن بَعدَهم.
(١ - ١) في الأصل: ((وأباها)).
(٣) مسلم (٢٩/١٤٧٨).
(٥) شرح النووي على مسلم (٧٩/١٠).
(٦)
في (ح، ك٢، ش): ((عند)). والمثبت أجود.
(٧)
ينظر: مختصر المزني (ص١٦٢)، الحاوي (١٠/٩).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في (ش).
(١٠) ما بين المعكوفين ليس في (ش).
(٢) في (ح، ك٢): ((تخير)).
(٤ - ٤) في (ش): ((قولها)).
(٩) روضة الطالبين (٤/٧).
(١١) مسلم (١٤٧٧ /٢٤ - ٢٨).
٤٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وهو مَذهَبُ الأئمَّةِ الأربَعَةِ، ومِمَّن قال به: عُمَرُ وابنُ مَسعُودٍ وأبو الدَّردَاءِ
وابنُ عَبَّاسٍ وغَيرُهم، وورَاءَ ذَلِكَ قَولَانِ شَاذَّانِ :
أحَدُهمَا: أنَّه يَقَعُ بِذَلِكَ طَلِقَةٌ رَجِعِيَّةٌ، وهو مَحكِيٌّ عن عَلِيِّ
لضرعنه
والثَّانِي: أَنَّه يَقَعُ به طَلقَةٌ بَائنَةٌ، وهو مَحكِيٍّ عن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ(١).
فَرَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٢) عن زَاذَانَ، قال: كُنَّا جُلُوسًا عِندَ
عَلِيٍّ ◌َُّهُ فَسُئلَ عن الخِيَارِ؟ فقال: سَأَلَنِي عنها أمِيرُ المُؤمنينَ عُمَرُ رَظُهُ. فَقُلتُ:
إن اختَارَت نَفسَها فواحِدَةٌ بَائنٌ، وإن اختَارَت زَوجَها فواحِدَةٌ، وهو أحَقُّ بها.
فقال: لَيسَ كَمَا قُلتَ. إن اختَارَت نَفسَها فواحِدَةٌ، وإن اختَارَت زَوجَها فَلَا
شَيءَ، وهو أحَقُّ بها. فَلَم أجِد بُدًّا من مُتَابَعَةِ أمِيرِ المُؤمنينَ، فَلَمَّا وُلِّيتُ وأُتِيتُ (٣)
في الفُرُوجِ رَجَعت إلى مَا كُنت أعرِفُ. فَقِيلَ لَه: رَأيُك في الجَمَاعَةِ أحَبُّ إِلَيْنَا
من رَأيِك في الفُرقَةِ. فَضَحِكَ، وقال: أمَّا إنَّه أرسَلَ إلى زَيدِ بنِ ثَابِتٍ فَسَأْلَه
فقال: إن اختَارَت نَفسَها فَثَلَاثٌ، وإن اختَارَت زَوجَها فواحِدَةٌ بَائنَةٌ. وحَكَى
التِّرمِذِيُ(٤)، عن أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: أَنَّه ذَهَبَ إلى قَولِ عَلِيٍّ
وقال النَّوِيُّ وأبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥) كِلَاهِمَا في ((شَرحِ مُسلِم)): ورُوِيَ عن
عَلِيٍّ وَزَيدِ بنِ ثَابِتٍ والحَسَنِ والليثِ بنِ سَعدٍ: أنَّ نَفسَ النَّخِيرِ يَقَعُ به طَلقَةٌ بَائَةٌ؛
سَواءٌ اختَارَت زَوجَها أم لا، وحَكَاه الخَطَّابي والنَّقَّاشُ عن مَالِكِ. قال القَاضِي
عِيَاضٌ: لَا يَصِحُ هذا(٦) عن مَالِكِ. قال: ثُمَّ هو مَذهَبٌ ضَعِيفٌ مَرُدُودٌ بهذِهِ
الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، ولَعَلَّ القَائِينَ به لَم تَبلُغهم هَذِهِ الأحَادِيثُ.
انتَھَی.
(١) ينظر: المفهم (٢٥٧/٤، ٢٥٨).
(٢) ابن أبي شيبة (٥٩/٥) (١٨٤٠٢).
(٣) في (ح، ك٢، ش): ((أوتيت)). والمثبت موافق للتخريج.
(٤)
سنن الترمذي عقب حديث (١١٧٩).
المفهم (٢٥٧/٤، ٢٥٨)، وشرح مسلم (٧٩/١٠ - ٨١)، وإكمال المعلم (٣٣/٥).
(٥)
ليس في الأصل، (م). والمثبت موافق للمصادر.
(٦)
=
٤٩٣
كِتَّابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
[١٦٤/٢ ظ] وفي حِكَايَتِهِمَا عن عَلِيٍّ وُقُوعَ طَلقَةٍ بَائِنَةٍ نَظَرٌ. فقد رَوى ابنُ أبي
شَيْبَةَ من طَرِيقَينِ عنه أنَّها رَجِعِيَّةٌ، وكَذَا حَكَاه عنه التِّرِمِذِيُّ، والذي حَكَاه الخَطَّابي
عن الحَسَنِ البَصرِيِّ ومَالِكٍ: أنَّها رَجِعِيَّةٌ، يَكُونُ زَوجُها أحَقَّ بها(١).
وعن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ رِوايَةٌ أخرَى: أَنَّه لَا يَقَعُ به شَيءٌ حَكَاها والِدِي تَظَُّ في
((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)).
■ التَّاسِعَةُ: الذي صَدَرَ من أمَّهاتِ المُؤمنينَ رَضِيَ الله عنهنَّ اختِيَارُ الله
ورسولِهِ والدَّارِ الآخِرَةِ، واختَلَفَ أصحَابُنَا فيمَا لَو فُرِضَ أنَّ واحِدَةً منهنَّ (١٠٥/٧م)
اختَارَت الدُّنيًا: هَل كَانَ يَحصُلُ الفِرَاقُ بِنَفسِ الاختِيَارِ أو لا بُدَّ من طَلَاقِها بَعدَ
ذَلِكَ؟ عَلى وجهَينٍ: أَصَخُهمَا الثَّانِي.
واختَلَفُوا أيضًا هَل كَانَ جَوابُهنَّ مَشرُوطًا بِالفَورِ أم لا؟ والأصَحُّ لَا.
فَإِن قُلنَا بِالفَورِ فَهَل كَانَ يَمْتَدُّ امتِدَادَ المَجلِسِ أم المُعتَبَرُ مَا يُعَدُّ جَوابًا في
العُرفِ؟ وجهانٍ. واختَلَفُوا أيضًا هَل كَانَ قَولُها: اختَرت نَفسِي صَرِيحًا في الفِرَاقِ أم
لَا؟ وجهانٍ، وهَل كَانَ يَحِلُّ لَهُ وَّهِ التَّزَوُجُ بها بَعدَ الفِرَاقِ؟ وجهانِ. وهو قَرِيبٌ من
الخِلَافِ في أنَّ هَل حَرُمَ (٢) عَلَيهِ طَلَاقُهنَّ بَعدَ مَا اختَرنَه، وفيه لِأصحَابِنَا أوجُهُ:
أَصَحُّها: لَا. والثَّانِي: نَعَم. والثَّالِثُ: يَحْرُمُ عَقِيبَ اختِيَارِهِنَّ، ولَا يَحْرُمُ إِذَا انْفَصَلَ.
ودَلَالَهُ هذا الحديثِ قَاصِرَةٌ عن هَذِهِ المَسَائِلِ، والخَوضُ فيها قَلِيلُ الجَدوى
مع الإِحْتِيَاجِ فيها إلى دَلِيلٍ سَمعِيٍّ ولَا نَعلَمُهُ(٣)، والله أعلمُ.
■ العاشرةُ: الذي دَلَّ عليه(٤) هذا الحديثُ أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ تَلَا
عَلَيهِنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، ولَا نَدرِي هَل تَكَلَّمَ معها بِشَيءٍ أم لا؟
وقَد(٥) تَكَلَّمَ الفُقَهاءُ(٦) فيمَا لَو قال الشَّخصُ لِزَوجَتِه: اختَارِي؛ فَعَدَّه
(١) ابن أبي شيبة (٥٨/٥، ٥٩) (١٨٣٩٨، ١٨٤٠١)، وسنن الترمذي عقب حديث
(١١٧٩)، ومعالم السنن (٢٤٦/٣).
(٢)
في الأصل، (م): ((يحرم)).
(٤) ليس في الأصل، (م).
(٦) روضة الطالبين (٤٦/٨، ٤٩).
(٣) روضة الطالبين (٥/٧).
(٥) في (ح، ك٢): ((وهل)).
=
٤٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ كِنَايَةً في تَفوِيضِ الطَّلَاقِ إِلَيها. ولِلشَّافِعِيِّ ◌َّتُهُ فِي أَنَّ التَّفْوِيضَ
تَملِيكٌ لِلطَّلَاقِ أم تَوكِيلٌ فيه قَولَانِ: أصَخُّهمَا: تَملِيكٌ وهو الجَدِيدُ. فَعَلى هذا
تَطْلِيقُها يَتَضَمَّنُ القَبولَ، ويُشتَرَطُ مُبَادَرَتُها لَه، فَلَو أخّرَت بِقَدٍ مَا يَنقَطِعُ القَبولُ
عن الإِيجَابِ ثُمَّ طَلْقَت لَم يَقَع. وقال ابنُ القَاصُ وغَيرُه: لَا يَضُرُّ التَّخِيرُ مَا دَامَا
في المَجلِسِ. وقال ابنُ المُنذِرِ: لَها أن تَطْلُقَ مَتَى شَاءَت، ولَا يَختَصُّ بِالمَجلِسِ.
والصَّحِيحُ الأولُ، وبه قال الأكثَرُونَ، قَالُوا: فَإِذَا قال لَها اختَارِي نَفسَك،
ونَوى(١) تَفوِيضَ الطَّلَاقِ إِلَيها فقالت: اختَرت نَفسِي أو اختَرت، ونَوت وقَعَت
طَلقَةٌ، وهيَ رَجِعِيَّةٌ إِن كَانَت مَدخُولًا بها. ولَو قال: اختَارِي، ولَم يَقُلِ نَفسَك،
ونَوى تَفوِيضَ الظَّلَاقِ فقالت: اختَرت. فقال البَغَوِيّ في ((التَّهذِيبِ)): لَا يَقَعُ
الطَّلَاقُ حَتَّى تَقُولَ: اختَرتِ نَفسِي، وأشعَرَ كَلَامُه بِأنَّه لَا يَقَعُ، وإن نَوت ◌ِأَنَّه لَيسَ
في كَلَامِه ولَا كَلَامِها مَا يُشعِرُ بِالفِرَاقِ، بِخِلَافِ قَولِهِ(٢): اختَارِي نَفسَك؛ فَإِنَّه
يُشعِرُ به فَانصَرَفَ كَلَامُها إلَيه. وقال إسمَاعِيلُ البوشَنجِيُّ: إذَا قالت: اختَرتُ، ثُمَّ
قالت بَعدَ ذَلِكَ: أَرَدتُ: اختَرتُ نَفسِي، وكَذَّبَها الزَّوجُ: فَالقَولُ قَولُها ويَقَعُ
الظَّلَاقُ، ولَو قالت: اختَرتُ نَفسِي ونَوت وقَعَت طَلقَةٌ، وَتَكُونُ رَجِعِيَّةً إِن كَانَت
مَحَلَّا لِلرَّجعَةِ، ولو قالت: اختَرتُ زَوجِي أو النِّكَاحَ لَم تَطلُق، ولَو قالت:
اختَرت الأزواجَ أو اختَرت أبَويَّ أو أخِي أو عَمِّي طَلُقَت عَلى الأصَحِّ؛ سَواءٌ
قال: اختَارِي نَفْسَك أو اختَارِي فقط، هذا كَلَامُ أصحَابِنَا .
وقَسَّمَ والِدِي كَثْقُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) لَفظَ التَّخِيرِ إلى صَرِيحٍ وكِنَايَةٍ
فَالْكِنَايَةُ كَمَا تَقَدَّمَ، والصَّرِيحُ كَقَولِه: خَيَّرَتُك بَيْنَ أن تَبَقَي عَلى الزَّوجِيَّةِ أَو تَطلُقِي
أو نَحوِ ذَلِكَ، وتَقُولُ هيَ: اختَرت الطَّلَاقَ، ونَحو ذَلِكَ. فَإن أرَادَ أنَّ هذا صَرِيحٌ
في الطَّلَاقِ. [١٦٥/٢ و] فَفيه نَظَرٌ؛ فقد يَكُونُ مُرَادُه أنَّها إذَا اختَارَت الطَّلَاقَ يُطَلِّقُها
لَا أَنَّه فوضَ(٣) ذَلِكَ إِلَيها، وقَد تَقَدَّمَ أنَّ الأصَحَّ فيمَا لَو اختَارَت واحِدَةٌ من
(١) في (م): ((ویری)).
(٣) في (ح): ((فرض)).
(٢) ليس في (ش).
=
٤٩٥
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
أمَّهاتِ المُؤمنينَ الدُّنيَا لَا يَحصُلُ الفِرَاقُ بِنَفسِ الاختِيَارِ، بَل لَا بُدَّ من طَلَاقِها،
وإن أرَادَ أَنَّه صَرِيحٌ في التَّخِيرِ فقرِيبٌ، والله أعلَمُ.
وقَسَّمَ المَالِكِيَّةُ(١) التَّفْوِيضَ إلى تَوكِيلٍ وتَملِيكِ وتَخيِيرٍ؛ فقالُوا في التَّخِيرِ،
وهَذِهِ عِبَارَةُ ابنِ الحَاجِبِ في ((مُختَصَرِه)): والتَّخِيرُ مِثلُ: اختَارِينِي(٢) أو اختَارِي
نَفسَك، وهو كَالثَّملِيكِ إلَّا أنَّه لِلثَّلَاثِ في المَدخُولِ بها عَلى المَشهورِ نَويًا أو لَم
يَنْوِيَا مَا لَم يُقَيِّد فَيَتَعَيَّن مَا قُيِّدَ، وقال اللحمِيُّ: يَنْتَزِعُهُ (٣) الحَاكِمُ لَه (٤) من يَدِها مَا
لَم تُوقِعه؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ(٥) مَمنُوعَةٌ. وقِيلَ: يَجُوزُ بِآيَّةِ التَّخِيرِ.
وأجِيبَ: بِأنَّ السَّرَاحَ فيها لَا يَقتَضِي الثَّلَاثَ، وإنَّمَا الرسولُ وَّهِ لَا يَنْدَمُ،
ولَا يَرتَجِعُ. وقِيلَ: طَلقَةٌ بَائِنَةٌ(٦). وقِيلَ: رَجِعِيَّةٌ كَالثَّمْلِيكِ، ولَه مُنَاكَرَتُها فيمَا
زَادَ، وعَلى المَشهورِ لَو أوقَعَت واحِدَةً لَم تَقَع، وفي بُطلَانِ اخْتِيَارِها قَولَانِ.
أمَّا غَيرُ المَدُخُولِ بها: فَتُوقِعُ الثَّلَاثَ ولَه نِيَّتُه ويَحِلِفُ، وإلَّ وقَعَت؛ أي:
الثَّلَاثُ، فَإِن لَم يَكُن لَه نِيَّةٌ وقَعَتِ الثَّلَاثُ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ فُرُوعٍ ذَلِكَ، وتَرَكُها
لِحُصُولِ المَقصُودِ من مَعرِفَةِ أصلِ مَذْهَبهم في ذَلِكَ بِمَا ذَكَرته.
وقال الحَنَابِلَةُ: وهَذِهِ عِبَارَةُ ابنٍ تَيمِيَّةً في ((المُحَرَّرِ))(٧): وإذَا قال لَها: أمرُك
بيدِك؛ يَنْوِي به الطَّلَاقَ، مَلَكَته عَلى التَّرَاخِي، ولَو قال مَكَانَه: اختَارِي، اختَصَّ
بِالمَجلِسِ مَا دَامًا فيه، ولَم يَشتَغِلَا بِمَا يَقطَعُه، نَصَّ عَلَيه؛ أي: الإمَامُ أحمَدُ؛
مُفَرِّقًا بَينَهمَا، ولَو قال: طَلِّقِي نَفسَك، فَبِأيِّهمَا يَلحَقُ؟ عَلى وجهَينٍ. ثُمَّ قال:
ولَفِظُ الخِيَارِ تَوكِيلٌ بِكِنَايَةٍ تَفتَقِرُ إلى نِيَّةِ الزَّوجِ الطَّلَاقَ، ويَبطُلُ بِرُجُوعِه، وبِرَدِّ مَن
وَلَه. ثُمَّ قال: ولَا تَملِكُ المَرأةُ بِقَولِه: اخْتَارِي، فَوقَ طَلقَةٍ إِلَّا بِنِيَّةِ الزَّوجِ.
(١) جامع الأمهات لابن الحاجب (ص٣٠١، ٣٠٢).
(٢) في (ك٢، ح، ش): ((اختاري)).
في (ح): ((ينزعه)). وبياض بمقدار كلمة في (ك٢).
(٣)
(٤)
ليس في (ك٢، ح).
(٥) في الأصل، (م): ((الثلاثة)). والمثبت موافق للمصادر.
(٦) في (م): ((ثانية)).
(٧) المحرر في الفقه (٥٥/٢، ٥٦).
٧٧
٤٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ثُمَّ قال (٧/ ١٠٧م): وإذَا نَوى بِقَولِه: ((اختَارِي)) طَلَاقَها في الحَالِ لَزِمَه.
وقال الحَنَفيةُ، وهَذِهِ عِبَارَةُ صَاحِبٍ ((الهدَايَةِ)) (١): إذَا قال لِامرَأتِه:
((اختَارِي)) يَنوِي بِذَلِكَ الطَّلَاقَ. فَلَها أن تُطَلِّقَ نَفسَها مَا دَامَت في مَجلِسِها ذَلِكَ،
ثُمَّ لَا بُدَّ من النِّيَّةِ في قَولِه: اختَارِي؛ لِأَنَّه يَحتَمِلُ تَخْبِيرَها في نَفسِها، ويَحتَمِلُ
تَخيِيرَها في تَصَرُّفٍ آخَرَ غَيرِهِ، فَإن اختَارَت نَفسَها كَانَت واحِدَةً بَائِنَةً، ولَا تَكُونُ
ثَلَاثًا، وإن نَوى الزَّوجُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الاختِيَارَ لَا يَتَنَوُ(٢) بِخِلَافِ الإِبَانَةِ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ
تَتَنَوعُ، ولا بُدَّ من ذِكرِ النَّفسِ في كَلَامِه أو كَلَامِها؛ حَتَّى لَو قال لَها: اختَارِي.
فقالت: اختَرت. فَهو بَاطِلٌ، ولَو قال: اختَارِي. فقالت: أنَا أختَارُ نَفسِي. فَهِيَ
طَالِقٌ. والقِيَاسُ: أن لَا تَطْلُقَ لِأنَّ هذا مُجَرَّدُ وعدٍ أو يَحتَمِلُه؛ فَصَارَ كَمَا إذَا
قال: طَلِّقِي نَفسَك. فقالت: أنَا أَطَلِّقُ نَفسِي. وجه الاستِحسَانِ: حَدِيثُ
عَائِشَةَ ﴿ّا؛ فَإِنَّها قالت: ((لَا، بَل أختَارُ اللهَ ورسولَه))، واعتَبَرَه النبيُّ رَُّ جَوابًا
منها، ولِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ في الحَالِ، وتَجُوزُ في الاِسْتِقِبَالِ، كَمَا فِي كَلِمَةِ
الشَّهادَةِ وأدَاءِ الشَّاهدِ، بِخِلَافِ قَولِها: أطَلِّقُ نَفسِي. لِأنَّه تَعَذَّرَ (٣) حَملُه عَلى
الحَالِ؛ لِنَّه لَيسَ حِكَايَةً(٤) عن حَالَةٍ قَائمَةٍ، ولَا كَذَلِكَ قَولُها: أنَا أختَارُ نَفسِي.
لِأَنَّه حِكَايَةٌ عن حَالَةٍ قَائمَةٍ، وهو اختِيَارُها نَفسَها. ولَو قالت: اختَرت نَفسِي
بِتَطلِيقَةٍ. فَهِيَ واحِدَةٌ تَملِكُ الرَّجعَةَ؛ لِأنَّ هذا اللفظَ يُوجِبُ الاِنطِلَاقَ بَعدَ انِقِضَاءِ
العِدَّةِ، فَكَأنَّها اختَارَت نَفسَها [بَعدَ العِدَّةِ، ولَو قال لَها: اختَارِي بِتَطلِقَةٍ،
فَاختَارَتِ نَفسَها فَهِيَ](٥) واحِدَةٌ تَملِكُ الرَّجعَةَ؛ لِأَنَّه جَعَلَ(٦) لَها الاختِيَارَ لَكِن
بِتَطِلِيقَةٍ، وهيَ مُعقِبَةٌ [١٦٥/٢ظ] لِلرَّجِعَةِ. انتَهَى.
وإِنَّمَا حَكَيتُ مَذاهبَ العُلَمَاءِ في التَّخِيرِ فيمَا إذَا اختَارَت نَفسَها، وإن لَم
يَكُن في الحديثِ تَعَرُّضٌ لَه؛ لِئَّلَّا يَخلُو البَابُ عن فِقِه هَذِهِ المَسألَةِ الَّتِي ذَكَرَها
(١) الهداية شرح البداية (٢٤٣/١ - ٢٤٥). (٢) في (ش): ((ينتزع)).
(٣)
في (م): ((يتعذر)) .
(٤)
في (ك٢، ح): ((له حكاية)). وفي المطبوع من الهداية: ((بحكاية)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس (ش).
(٦) في (ح، ك٢، ش): ((وحصل)).
٤٩٧
كِتَابُ الطَّلَاقِ والأَّخِيرِ
=
الشَّيخُ تَخْلَفُ في التَّبِيبِ، وإنَّمَا حَكَيْتُ عِبَارَةَ هَؤُلَاءِ المُصَنِّفِينَ؛ لِتَبَايُنِ (١) مَذَاهِبٍ
هَؤُلَاءِ الأئمَّةِ في تَفَارِيع هَذِهِ المَسألَةِ، كَمَا عَرَفَتَه، واقتَصَرتُ عَلى المُهمِّ من فُرُوعِ
ذَلِكَ، ولَم أذكُر الخِلَافَ العَالِيَ اختِصَارًا، والله أعلمُ.
عَلى أنَّ الخَطَّابي(٢) قال في قَولِ عَائِشَةَ: ((خَيََّنَا رسولُ الله ◌َِّ فَاختَرِنَاه فَلَم
يَعُدَّ(٣) ذَلِكَ شَيْئًا)). فيه دَلَالَةٌ عَلى أنَّهنَّ لَو كُنَّ اختَرِنَ أنْفُسَهِنَّ كَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا.
وكَذَا (٤) قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥): فيه أنَّ المُخَيَّرَةَ إذَا اختَارَت نَفسَها أنَّ
نَفْسَ ذَلِكَ الخِيَارِ يَكُونُ طَلَاقًا من غَيرِ احتِيَاجٍ إلى النُّطقِ بِلَفِظٍ يَدُلُّ عَلى (١٠٨/٧م)
الطَّلَاقِ سِوى الخِيَارِ، ويُقْتَبَسُ(٦) ذَلِكَ من مَفَهومِ لَفِظِها. انتَهَى.
وقال أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي (٧): إذَا اختَارَت نَفسَها، فَلَيسَ فيه نَصُّ من
كِتَابِ الله تعالى، ولَا خَبَرٌ عن رسولِ الله وَّهِ؛ إلَّا مَا جَرَى في قِصَّةِ(٨) بَرِيرَةَ حِينَ
أُعْتِقَت(٩) فَخُيِّرَت في زَوجِها. وذَهَبَ أهلُ الظَّاهرِ، ومنهم ابنُ حَزم(١٠): إلى أنَّه
لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وإن اختَارَت نَفسَها أو الطَّلَاقَ. واللهُ أعلمُ.
في (ح، ك٢): ((لبيان)).
(١)
(٢) معالم السنن (٢٤٦/٣).
(٣) في (م): ((نعد)).
في (م): ((ولذا)).
(٤)
(٥)
المفهم (٢٥٨/٤).
(٦)
في (م): ((يقتبس)).
عارضة الأحوذي (١٣٨/٥).
(٧)
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((قضية)). والمثبت موافق لما في العارضة.
(٩) في (ك٢، ح): ((عتقت)).
(١٠) المحلى (١١٦/١٠) وما بعدها .
٤٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بَابُ اللِّعَانِ
الحديثُ الأولُ
حَ عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ رَجُلاً لَاعن امرَأتَه في زَمَانِ
رسولِ الله وَّهِ، وَأَنتَفَى من وَلَدِها؛ فَفَرَّقَ رسولُ اللهِ نَّهِ بَينَهمَا، وألحَقَ
الوَلَدَ بِالمَرأةِ».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه الأئمَّةُ السِّنَّهُ (١) من هذا الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ. وفي
رِوايَةِ مُسلِم: ((وألحَقَ الولَدَ بِأَمِّه)). وفي رِوايَةِ التِّرمِذِيِّ، والنسائيّ: ((وألحَقَ الولَدَ
بالأمِّ)).
وحَكَى (٧/ ١٠٩م) ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢) عن قَومِ أنَّ مَالِكًا انفَرَدَ بِقَولِه فيه:
((وألحَقَ(٣) الولَدَ بِالمَرأةِ، أو بِالأمِ)). ووافقهم عَلى ذَلِكَ، وقال: حَسبُك بِمَالِكٍ
حِفظًا وإتقَانًا. وقَد قال جَمَاعَةٌ من أئمَّةِ أهلِ الحديثِ: إِنَّ(٤) مَالِكًا أثبَتُ في نَافِعِ
وابنِ شِهابٍ من غَيرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّها مَحفُوظَةٌ من حَدِيثِ سَهلٍ بِنِ سَعدٍ؛ فَإِنَّ فيه:
(فَكَانَ الولَدُ يُدعَى لِأَمِّه)).
وحَكَى ابنُ العَرَبي (٥) انفِرَادَ مَالِكِ بِذَلِكَ عن يَحيَى بنِ مَعِينٍ.
(١) البخاري (٥٣١٥، ٦٧٤٨)، ومسلم (٨/١٤٩٤)، وأبو داود (٢٢٥٩)، وابن ماجه
(٢٠٦٩)، والترمذي (١٢٠٣)، والنسائي (٣٤٧٧).
(٢) التمهيد (٢٠/١٥، ٢١).
(٤) في (ح): ((أن كان)).
(٣) في (م): ((ألحق)).
(٥) عارضة الأحوذي (١٨٧/٥).
=
٤٩٩
بَابُ اللِّعَانِ
وأورَدَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ(١) الحديثَ من ((المُوطًّا))(٢)، من طَرِيقٍ يَحيَى بنِ يَحيَى(٣)
الأندَلُسِيِّ، بلفظِ: ((وانتَفَلَ(٤) من ولَدِها)). قال: وأكثَرُهم يَقُولُونَ: ((وانتَفَى من
ولَدِها))، والمَعنَى واحِدٌ(٥). قال: ورُبَّمَا لَم يَذكُر بَعضُهم فيه: ((انتَفَى، ولَا انْتَفَلَ)).
ثُمَّ رَواه كَذَلِكَ من طَرِيقِ سَعِيدٍ بنِ مَنصُورٍ، عن مَالِكِ. ثُمَّ قال: وقال قَومٌ
في هذا الحديثِ عن مَالِكِ: إنَّ الرَّجُلَ قَذَفَ امرَأْتَه. ولَيسَ هذا في ((المُوطَّ))،
ولَا نَعرِفُه من مَذهَبِه. ثُمَّ رَواه بهذِه الزِّيَادَةِ من طَرِيقِ عَاصِمٍ بِنِ مُهَجِّعٍ خَالِ
مُسَدِّدٍ، ويَحيَى بنِ أبي زَائدَةَ، والحَسَنِ بنِ سَوارٍ؛ ثَلَاثَتُهم عن مَالِكِ.
وانَّفق عَلَيه الشيخانِ (٦)؛ من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعِ، عن
ابنِ عُمَرَ، بلفظِ: ((لَاعن رسولُ اللهِ وَ﴿ بَينَ رَجُلٍ من الأنصَارِ وامرَأتِهُ وفَرَّقَ
بَيْنَهِمَا)). وفي لَفِظِ لِلبخارِيِّ: ((فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وامرَأَةٍ(٧) قَذَفَها، وأحلَفَهمَا)).
وأخرَجَه البخارِيُّ(٨)؛ من طَرِيقٍ جُويرِيةً(٩)، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّ
رَجُلًّا من الأَنصَارِ قَذَفَ امرَأْتَه؛ فَأَحْلَفَهِمَا النبيُّ ◌َِّ، ثُمَّ فَرَّقَ بَينَهمَا)). وأخرَجَه
الشيخانِ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(١٠)؛ من طَرِيقِ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عُمَرَ،،
بلفظِ: (فَرَّقَ رسولُ اللهِ وَهَ بَيْنَ أخَوي بَنِي العَجلَانِ))(١١). وقال: ((اللهُ يَعلَمُ أنَّ
أحَدَكُمَا كَاذِبٌ؛ فَهَل منكُمَا تَائبٌ))، زَادَ البخارِيُّ: ((فَأْبَيَا. فقال: الله يَعلَمُ أنَّ
أحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَل مِنكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا. فقال: اللهُ يَعلَمُ أنَّ أحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَل
(١) التمهيد (١٣/١٥، ١٤).
(٢) الموطإ (٥٦٧/٢).
(٣)
في (ش): ((معين)).
في (ك٢، ح، م، ش): ((وانتقل)) بالقاف.
(٤)
ينظر: الفائق للزمخشري (١١/٤)، النهاية لابن الأثير (٩٩/٥).
(٥)
البخاري (٤٧٤٨، ٥٣١٣، ٥٣١٤)، ومسلم (٩/١٤٩٤، ٠٠٠).
(٦)
(٨) البخاري (٥٣٠٦).
(٩) في الأصل، (م): ((جويرة)).
(٧)
في الأصل، (م): ((وامرأته)).
(١٠) البخاري (٥٣١٢)، ومسلم (٤/١٤٩٣ - ٧)، وأبو داود (٢٢٥٧)، والنسائي (٣٤٧٥).
(١١) في الأصل، (م): ((عجلان)).
=
٥٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مِنكُمَا تَائِبٌ؟ فَأْبَيَا. فَفَرَّقَ بَينَهمَا)). [١٦٦/٢و] و(١) لَفِظُ أبي دَاوُد: ((يُرَدِّدُها ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ)). و(٢) لَفِظُ النسائيّ: ((قالها ثَلَاثًا)). وفي لَفِظِ لَهم من هذا الوجه: (لَا سَبِيلَ
لَكَ عَلَيها. قال: مَالِي؟ قال: لَا مَالَ لَكَ، إِن كُنتَ صَدَقتَ عَلَيها فَهو (٣) بِمَا
اسْتَحلَلت من فَرجِها، وإن كُنتَ كَذَبتَ عَلَيها فَذَاكَ أبَعَدُ لَك»(٤) .
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((إنَّ رَجُلًا لَا عن امرَأْتَه)). قَد عَرَفتَ أنَّ في
((الصَّحِيحَينِ)): ((أنَّه (٥) من الأنصَارِ))، وفي رِوايَةٍ لَهمَا: ((أنَّه من بَنِي العَجَلَانِ)).
وبَنُو(٦) العَجلَانِ من بَلِيٍّ(٧). وإِنَّمَا هو من الأنصَارِ بِالحِلفِ، وذَكَرَ المُصَنِّفُ تَخْتُ
في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)): أنَّ هذا الرَّجُلَ هو عُويمِرٌ (١١٠/٧م) العَجَلَانِيُّ. فقال:
ولَهمَا - أي: لِلشيخينِ(٨) - من حَدِيثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ: تَسمِيَتُهُ بِعُويمٍِ العَجلَانِيِّ.
وكَذَا (٩) قال ابنُ العَرَبي: إنَّه عُويمِرٌ. وكَذَا قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي في قَولِه في
حَدِيثٍ ابنِ عُمَرَ: ((أولُ مَن سَألَ عن ذَلِكَ فُلَانُ ابنُ فُلَانٍ)): هو، والله أعلَمُ،
عُوِيمِرٌ العَجلَانِيُّ (١٠).
فَإِن قُلتَ: كَيفَ جَزَمَ الشَّيخُ وقَبلَه ابنُ العَرَبي والقُرطُبِي بِذَلِكَ، مع أنَّ في
(صَحِيحِ البخارِيِّ)) من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّه (١١) هلَالُ بنُ أمَيَّةَ، وكَذَا في ((صَحِيحِ
مُسلِمٍ) من حَدِيثِ أَنَسٍ(١٢)؟
قُلتُ: كَلَامُهم في تَفْسِيرِ المُبهَم في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ. ولَمَّا قال ابنُ عُمَرَ في
بعض(١٣) الرِّوايَاتِ في ((الصَّحِيحَينِ)): ((فَرَّقَ بَينَ أَخَوي (١٤ ابنِ العَجلَان١٤َ)).
(١) من (ش).
(٢) من (ش).
(٣) ليس في (ك٢، ح).
(٤) ليس في (ش).
(٥)
في (ح): ((أنه رجلٌ)).
(٦) في (ك٢، ح): (وهو)).
بفتح الباء وكسر اللام. ينظر: الإكمال (٣٥٥/١).
(٧)
(٨)
البخاري (٥٣٠٨)، ومسلم (١/١٤٩٢). (٩) في (م): ((ولذا)).
(١٠) عارضة الأحوذي (١٨٣/٥، ١٨٨)، والمفهم (٢٩٥/٤).
(١١) ليس في (ك٢، ح).
(١٢) البخاري (٤٧٤٧)، ومسلم (١١/١٤٩٦).
(١٣) من (ك٢، ح).
(١٤ - ١٤) في (م): ((بني عجلان)).