Indexed OCR Text

Pages 441-460

بَابُ الولِيمَةِ
٤٤١
22
=
سِيرِينَ هَذِه، قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): واستَحَبَّ أصحَابُنَا لِأهلِ السَّعَةِ(٢) كَونَها
أسبوعًا. ثُمَّ قال: [قال بعضهم] (٣): وذَلِكَ إِذَا دَعَا في كُلِّ يَومٍ مَن لَم يَدِعُ قَبلَهُ،
ولَم يُكَرِّر عليهم. ويُوافِقُ ذَلِكَ ظَاهَرَ عِبَارَةِ العِمرَانِيِّ من أصحَابِنَا في ((البَيَانِ))(٤):
أنَّهُ إِنَّمَا تُكرَهُ الإِجَابَةُ إذَا كَانَ المَدعُوُّ في اليَومِ الثَّالِثِ هو المَدعُوُّ في اليَومِ
الأولِ، وكَذَا صَورَهُ الرُّويَانِيُّ في ((البَحر)) بِمَا إذَا(٥) كَانَت الولِيمَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ،
فَدَعَاهُ في الأيَّامِ الثَّلَاثَةِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ عِبَارَةِ ((التَّنبيه))(٦): أنَّهُ لَا فَرِقَ في الكَرَاهَةِ بَيْنَ
أن يَكُونَ هو المَدعُو في اليَومِ الأولِ أم لا. وقال الشَّيخُ الإمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ
السُّبكِيُّ: لَا تَصرِيحَ في كَلَامِ أصْحَابِنَا بِذَلِكَ، وإنَّمَا رَأيت لِلمَالِكِيَّةِ فيه خِلَافًا،
واستَبعَدَ شَيخُنَا الشَّيخُ(٧) شِهابُ الدِّينِ ابنِ النَّقِيبِ مَا قَدَّمته عن ((البَيَانِ))، فَإِنَّ
الفَاعِلَ لِذَلِكَ وصَفَهُ النبيّ وَِّ بِالرِّيَاءِ فَلَا يُسَاعَدُ عليه.
سَادِسُها: أن لَا يَعتَذِرَ المَدعُوُّ إلى صَاحِبِ الدَّعوةِ فَيَرِضَى بِتَخَلَّفِهِ، فَإن وُجِدَ
ذَلِكَ زَالَ الوُجُوبُ، وارتَفَعَت كَرَاهَةُ التَّخَلُّفِ. قال والِدِي ◌َظُّهُ: وهو قِيَاسُ
حُقُوقِ العِبَادِ مَا لَم يَكُن فيه شَائِبَةُ حَقِّ الله [١٥٥/٢ و] تعالى؛ كَرَدِّ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ لَا
يُسقِطُ وُجُوبَ الرَّدِّ بِرِضَى المُسلِم بِتَركِهِ، وقَد يُظهرُ الرِّضَى، ويُورِثُ مَعَ ذَلِكَ [في
نفسه](٨) وحشَةً، انتَهَى. فَلَو غَلَّبَ على ظَنِّه أنَّ الدَّاعِيَ لَا يَتَألِمُ بِانقِطَاعِه، فَفيه
تَرَدُّدٌ حَكَاهُ القَاضِي مُجَلِّي في ((الذَّخَائِرِ))(٩) .
سَابِعُها: أن لَا يَسْبِقَ الدَّاعِي غَيْرَهُ، فَإِن دَعَاهُ اثنَانِ أَجَابَ الأسبَقَ، فَإن
جَاءَا مَعًا أجَابَ الأقرَبَ رَحِمًا ثُمَّ دَارًا. وعَكَسَ المَاوردِيُّ(١٠)، والرُّويَانِيُّ فَقَدَّمَا
قُربَ الجِوارِ على قُربِ الرَّحِم، وذَكَرًا بَعدَهُمَا القُرعَةَ. وقال الحَنَابِلَةُ: يُقَدَّمُ
أَدَيَنُهُمَا ثُمَّ أقرَبُهُمَا رَحِمًا، ثُمَّ جَوارًا(١١)، ثُمَّ بِالقُرعَةِ، وإجَابَةُ الأولِ هو امِثَالٌ(١٢)
إكمال المعلم (٥٨٨/٤).
(١)
(٣) ليس في الأصل، (م).
(٥)
في (٢٥، ح، ش).
(٧) في (ش): ((الإمام)).
(٩) في (ح، ش): ((الدخائر)).
(١١) في (م): ((حوارًا)).
(٢) في (ش): ((السبعة)).
(٤) البيان (٤٨٥/٩).
(٦) التنبيه (ص١٦٨).
(٨) ليس في الأصل.
(١٠) الحاوي (٥٦٠/٩).
(١٢) في (ش): ((إمساك)).

=
٤٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
لِهَذَا الحديثِ، والإِمْتِنَاعُ من الثَّانِي إِذَا تَزَاحَمَا في الوقتِ لِتعذّرُ (١) الجَمِعُ بَينَهُ
وبَيْنَ الأولِ، واللهُ أعلمُ.
ثَامنها: أن لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَن يَتَأْذَّى بِحُضُورِهِ، ولَا يلِيقُ(٢) به مُجَالَسَتُهُ، فَإِن
كَانَ فَهو مَعذُورٌ في التَّخَلُّفِ. وكَذَا اعتَبَرَ المَالِكِيَّةُ في الوُجُوبِ: أن لَا يَكُونَ هُنَاكَ
أَرَاذِلُ، وأشَارَ الغَزّالِيُّ في ((الوسِيطِ))(٣): إلى حِكَايَةِ وجهٍ بِخِلَافِ هَذَا. وفي ((البَحر))
لِلرُويَانِيِّ: لَو دَعَا مُحتَشِمًا مَعَ سُفَهاءِ القَومِ هَل تَلزَمُهُ(٤) الإجَابَةُ؟ وجهانٍ. ويُوافِقُهُ
قَولُ المَاوردِيِّ(٥) لَيسَ من الشُّرُوطِ ألا يَكُونَ عَدُوًّا لِلمَدعُوِّ، ولا أن يَكُونَ في الدَّعوةِ
مَن هو عَدُوٌّ لَهُ. وفيما قالهُ نَظَرٌ، وأيُّ تَأْذِّ أشَدُّ من مُجَالَسَةِ العَدُوِّ، والله أعلم.
تَاسِعُها: ألا يَكُونَ هُنَاكَ مُنكَرٌ كَشُربِ الخَمرِ والمَلَاهِي، فَإِن كَانَ (٧/ ٧٤م):
نُظِرَ إِن كَانَ الشَّخصُ المَدعُوُّ مِمَّن إذَا حَضَرَ رُفِعَ المُنكَرُ، فَلَيَحضُر إجَابَةً لِلدَّعوةِ
وإِزَالَةٌ لِلْمُنكَرِ، وإلا فَوجهانٍ:
أحَدُهُمَا: الأَوْلَى أن لَا يَحضُرَ، ويَجُوزُ أن يَحضُرَ، ولَا يَستَمِعَ، ويُنكِرَ بِقَلبه
كَمَا لَو كَانَ يُضرَبُ المُنكَرُ فِي جِوارِهِ فَلَا يَلَزَمُهُ التَّحَوُّلُ، وإن بَلَغَهُ الصَّوتُ، وعلى
ذَلِكَ جَرَى الْعِرَاقِيُّونَ كَمَا قال الرَّافِعِيُّ، أو بَعضُهُم كَمَا قال النَّوِيُّ(٦)، وحَكَاهُ
البَيهَقِيُّ عن أصحَابِنَا، وهو ظَاهرُ نَصِ الشَّافِعِيِّ تَخْتُهُ في ((الأمّ))، و((المُختَصَرِ)).
وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، [قال صاحب ((الهداية))(٧): ومن دعي إلى وليمة، فوجد
ثمة لعبًا أو غناءً، فلا بأس بأن يقعد ويأكل. وقال أبو حنيفة:](٨) ابتُلِيت بهذا
مَرَّةً؛ وهَذَا لِنَّ إِجَابَةَ الدَّعوةِ سُنَّةٌ، فَلَا يَترُكُها لِمَا اقتَرَنَت به(٩) من البِدعَةِ من
غَيرِهِ. قال: وهَذَا إذَا لَم يَكُن مُقْتَدًى فَإِن كَانَ، ولَم يَقدِر على مَنعِهِم يَخرُجُ، ولَا
يَقعُدُ؛ لِأَنَّ في ذَلِكَ: شَينَ الدِّينِ، وفَتحَ بَابِ المَعصِيَةِ على المُسلِمِينَ. والمَحكِيُّ
في (م): ((ليعذر)).
(١)
(٢) في (م): ((تليق)).
(٣)
الوسيط (٢٧٨/٥)، وينظر: روضة الطالبين (٦٤٨/٥).
(٤)
في (ح، ش): ((یلزمه)).
(٥) الحاوي (٥٥٩/٩).
(٦)
روضة الطالبين (٦٤٨/٥).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م).
(٩)
ليس في الأصل،
(٧) الهداية (٣٦٥/٤).

بَابُ الولِيمَةِ
٤٤٣
==
عن أبي حَنِيفَةً كَانَ قَبلَ أن يَصِيرَ مُقْتَدَى، ولَو كَانَ ذَلِكَ على المَائِدَةِ لَا يَنْبَغِي أن
يَقعُدَ، وإن لَم يَكُن مُقْتَدًى لِقَولِه تعالى: ﴿فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾
[الأنعام: ٦٨]. قال: وهَذَا كُلُّهُ بَعدَ الحُضُورِ، ولَو عَلِمَ قَبلَ الحُضُورِ لَا يَحضُرُ؛
لِأَنَّهُ لَم (١) يَلْزَمُهُ حَقُّ(٢) الذَّعوةِ بِخِلَافِ مَا إذَا هَجَمَ عليه لِأَنَّهُ قَد لَزِمَهُ. انتَهَى.
والوجهُ الثَّانِي لِأصحَابِنَا: أنَّهُ يَحرُمُ الحُضُورُ؛ لِأَنَّهُ كَالرِّضَى بِالمُنكَرِ
وإقرَارِهِ، وبه قال المَرَاوِزَةُ، وهو الصَّحِيحُ، وإذَا قُلْنَا به فَلَم يَعلَم حَتَّى حَضَرَ
نَهاهُمْ، فَإِن لَم يَنْتَهوا فَلَيَخرُج، والأصَحُّ: تَحرِيمُ القُعُودِ إلا أن لَا يُمكِنَهُ الخُرُوجُ
بِأَن كَانَ في الليلِ، وخَافَ فَيَقعُدُ كَارِهًا، ولَا يَستَمِعُ، وعلى هَذَا الوجه الثَّانِي
جَرَى الحَنَابِلَةُ. قَالُوا: فَإن عَلِمَ بِالمُنكَرِ، ولَم يَرَهُ، ولَم يَسمَعَهُ فَلَهُ الجُلُوسُ،
وكَذَا اعتَبَرَ المَالِكِيَّةُ فِي وُجُوبِ الإِجَابَةِ أن لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنكَرٌّ(٣).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): قال مَالِكٌ وابنُ القَاسِمِ: أمَّا اللهوُ الخَفيفُ مِثلُ
الدُّفِّ فَلَا يَرجِعُ. وقال أصبَغُ: أَرَى أن يَرجِعَ. قال: وقَد أخبَرَنِي ابنُ وهبٍ عن
مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يَنبَغِي لِذِي الهَيئَةِ(٥) أن يَحضُرَ مَوضِعًا فيه لَعِبٌ. ثُمَّ حَكَى ابنُ
عَبدِ البَرِّ الفَرقَ بَيْنَ المُقتَدَى به وغَيرِهِ عن مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ، والأصلُ في هَذَا
البَابِ: امتِنَاعُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ من دُخُولِه بَيتَهُ، لَمَّا رَأى فيه نُمِرُقَةً فيها
تَصَاوِيرُ، وهو في ((الصَّحِيحِ)) (٦) من حَدِيثِ عَائِشَةَ. وبَوّبَ عليه البخاريُّ: بَابُ
هَل يَرجِعُ إذَا رَأى مُنكَرًا في الدَّعوةِ؟ قال: ورَأى ابنُ مَسعُودٍ صُورَةً في البَيتِ
فَرجعَ. ودَعًا ابنُ عُمَرَ [أبَا أَيُّوبَ](٧) فَرَأى في البَيتِ سِترًا على الجِدَارِ. فقال
ابنُ عُمَرَ: غَلَبنَا (٨) عليه(٩) (٧/ ٧٥م) النِّسَاءُ. فقال: مَن كُنتُ أخشَى عليه، فَلَم أكُن
أخشَى عليك، والله لَا أطعَمُ لَكُم طَعَامًا. فَرجعَ. [١٥٥/٢ظ].
(١) في (ش): ((لا)).
(٢) في (ك٢): ((حتى)).
(٣) ينظر: معرفة السنن والآثار (٤٠٥/٥)، وروضة الطالبين (٦٤٨/٥)، والاختيار لتعليل
المختار (١٨٩/٤)، والعناية شرح الهداية (٨٠/٤)، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق
للزيلعي (١٣/٦)، والتمهيد (١٨٠/١٠).
(٤)
التمهيد (١٨٠/١٠).
البخاري قبل حديث (٥١٨١).
(٦)
(٨) في (ح): ((غلبة)).
(٥) في (ح، ش): ((الهيبة)).
(٧) ليس في (ش).
(٩) ليس في (ح).

5
٤٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
عَاشِرُها: أن لَا يَدْعُوهُ مَن أكثَرُ مَالِه حَرَامٌ، فَمَن هو كَذَلِكَ تُكرَهُ إِجَابَتُهُ؛
فَإِن عَلِمَ أنَّ غَيرَ (١) الطَّعَامِ حَرَامٌ حَرُمَت وإلا فَلَا. قال المُتَولِّ في ((الَّتِمَّةِ)): فَإن
لَم يَعلَم حَالَ الطَّعَامِ وغَلَبَ الحَلَالُ(٢)، لَم يَتَأَّد(٣) الإِجَابَةَ أو الحَرَامَ أو الشُّبهَةَ
كُرِهَت(٤).
حَادِيَ عَشَرَها: قال إبراهيمُ المَرورُّوذِيُّ(٥): من أصحَابِنَا: لَو دَعَتْهُ أجنَبيةٌ
ولَيسَ هُنَاكَ مَحرَمٌ لَهُ ولَا لَها، ولَم تَخْلُ به بَل جَلَسَت في بَيْتٍ، وبَعَثَتِ الطَّعَامِ (٦)
إِلَيه مَعَ خَادِمٍ إلى بيتٍ آخَرَ من دَارِها، لَم يُجِبِها مَخَافَةَ الفِتنَةِ. حَكَاهُ النَّوِيُّ في
((الرَّوضَةِ))(٧)، وأقَرَّهُ. وقال السُّبكِيُّ: وهو الصَّوابُ إلا أن يَكُونَ الحَالُ على
خِلَافِ ذَلِكَ؛ كَمَا كَانَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ وأضرَابُهُ يَزُورُونَ رَابِعَة العَدَوِيَّةَ، ويَسمَعُونَ
كَلَامَها، فَإِذَا وُجِدَت امرأةٌ مِثلُ رَابِعَةَ، وَرَجُلٌ مِثلُ سُفيَانَ لَم يُكرَه لَهُمَا ذَلِكَ.
قُلتُ: أينَ مِثلُ سُفيَانَ ورَابِعَةَ، بَل الضَّابِطُ أن يَكُونَ الحُضُورُ إلَيها لِأمرِ دِينِيٍّ مَعَ
أمنِ الفِتنَةِ، وقال شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإسنَوِيُّ: إن (٨) أَرَادَ
المَرورُوذِيُّ(٩) تَحْرِيمَ الإِجَابَةِ فَمَمنُوٌ، وإن أرَادَ عَدَمَ الوُجُوبِ، فَلَا حَاجَةَ لِتَقِيدِه
بِعَدَمِ وُجُودٍ مَحَرَمٍ؛ لِأِنَّ هُنَا مَانِعًا آخَرَ من الوُجُوبِ وهو عَدَمُ العُمُومِ .
ثَانِيَ عَشَرَها: أن لَا يَكُونَ المَدعُوُّ قَاضِيًا. ذَكَرَهُ بَعضُ أصحَابِنَا، وقال مُطَرِّفٌ
وابنُ المَاحِشُونِ من المَالِكِيَّةِ: لَا يَنبَغِي لِلِقَاضِي أن يُجِيبَ الدَّعوةَ إلا في الولِيمَةِ وحدَها
لِلحديثِ. وفي ((الموّازيةٍ)) (١٠) أكرَهُ أن يُجِيبَ أحَدًا، وهو في الدَّعوةِ خَاصَّةً(١١)
(١) في (ح، ش): ((عين)).
(٣) في (ح، ش): ((تتأكد)).
(٢) في الأصل: ((الحال)).
(٤) روضة الطالبين (٥٦٠/٥).
(٥) في (م): ((المروزي)). وهو: إبراهيم بن أحمد بن محمد الإمام العلامة أبو إسحاق
المروروذي الفقيه الشافعي، تفقه على أبي المظفر السمعاني، كان من العلماء العاملين،
وحدث بالكتب الكبار. قتل في ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمس مائة عن ثلاث
وثمانين سنة تَخّْتُهُ. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (٣١/٧).
(٦)
في الأصل، (م): ((بالطعام)).
(٧) روضة الطالبين (٥٦١/٥).
(٨) في (ك٢): ((إذا)).
(٩) في الأصل، (ح): ((المروذي)). وفي (ش): ((المرودي)).
(١٠) في (ك٢، م): ((الموازنة)).
(١١) في (ح، ش): ((الخاصة)).

بَابُ الولِيمَةِ
٤٤٥
=
أشَدُّ. وقال سَحنُونٌ: يُجِيبُ الدَّعوةَ العَامَّةَ ولَا يُجِيبُ الخَاصَّةَ، فَإِن تَنَزَّهَ عن مِثْلٍ
هَذَا فَهو أحسَنُ(١). قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ(٢) الإِلمَام))(٣): والعُمُومُ
يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ المُسَاواةَ بَيْنَ القَاضِي وغَيرِهِ. قال: والذينَ اسْتَثْنَوا(٤) القَاضِيَ فَإِنَّمَا
استَثنَوهُ(٥) لِمُعَارِضٍ (٦) قَامَ عِندَهُم، وكَأنَّهُ(٧) طَلَبَ صِيَانَتَهُ عَمَّا يَقْتَضِي ابْتِذَالَهُ،
وسُقُوطَ حُرمَتِهِ عِندَ العَامَّةِ، وفي ذَلِكَ عَودُ ضَرَرٍ على مَقصُودِ القَضَاءِ من تَنفيذِ
الأحكام؛ لِأَنَّ الهَيئَاتِ مُعِينَةٌ عليها، ومَن لَم يَعتَبِرِ هَذَا رجعَ إلى الأمرِ، وإنَّ تَركَ
العَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ مَفسَدَةٌ مُحَقَّقَةٌ، ومَا ذُكِرَ من سَبَبِ الشَّخصِيصِ قَد لَا يُفضِي إلى
المَفْسَدَةِ، انتَهَى.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ المَعنَى في المَنعِ: مَا فيه من استِمَالَتِهِ، وأنَّهُ قَد يَكُونُ في
مَعنَى قَبُولِهِ الهَدِيَّةَ، واللهُ أعلمُ.
ثَالِثَ عَشَرَها: قال المَاوردِيُّ (٨): يُشتَرَطُ أن يَكُونَ (٧٦/٧م) الدَّاعِي مُكَلَّفًّا
حُرًّا رَشِيدًا، وإن أذِنَ ولِيُّ المَحجُورِ لَم تَجِب إِجَابَتُهُ أيضًا؛ لِأنَّهُ مَأمُورٌ بِحِفِظٍ
مَالِهِ، ولَو أذِنَ سَيِّدُ العَبدِ فَهو حِينَئِذٍ گالحُرِّ.
رَابِعَ عَشَرَها: أن يَكُونَ المَدعُوُّ حُرًّا، فَلَو دَعَا عَبْدًا لَزِمَهُ إن أذِنَ سَيِّدُهُ،
وكَذَا المُكَاتَبُ إن لَم يَضُرَّ حُضُورُهُ بِكَسبه، فَإِن ضَرَّ وأذِنَ سَيِّدُهُ فَوجهانٍ.
والمَحْجُورُ فيمَا إذَا كَانَ مَدعُوَّا كَالرَّشِيدِ.
خَامِسَ عَشَرَها: أن لَا يَكُونَ مَعذُورًا بِمُرَخَّصٍ(٩) في تَركِ الجَمَاعَةِ. ذَكَرَهُ
المَاوردِيُّ(١٠) والرُّوبَانِيُّ قالا: ولَو اعتَذَرَ بِحَرِّ أو بَردٍ، فَإِن مَنَعَا (١١) غَيرَهُ من
(١) ينظر: تبصرة الحكام لابن فرحون (٣٤/١)، فتح الجليل شرح مختصر خليل (٢٩٨/٨)،
والزخيرة للقرافي (١٠/ ٨١).
(٢) بعده في (ش): ((العمدة و)).
شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (٢٧٠/٢).
(٣)
(٤) في (٢٥): ((استفتوا)).
(٦) في (ش): ((لعارض)).
(٨) الحاوي (٥٥٨/٩).
(١٠) الحاوي (٥٥٩/٩).
(٥) في (ك٢): ((استفتوه)).
(٧) في (ح، ش): ((فكأنه)).
(٩) في (ح): ((فمرخص)).
(١١) في (ك٢، ش): ((منعنا)).

=
٤٤٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
التَّصَرُّفِ عذر (١)، وإلا فَلَا.
سَادِسَ عَشَرَها: قال شَيخُنَا قَاضِي القُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ عَبدُ الوهابِ بنُ السُّبكِيُّ
في ((التَّوشِيحِ)): يَنبَغِي أَن يَتَقَيَّدَ أيضًا بِمَا إذَا دَعَاهُ في وقتِ استِحبَابٍ(٢) الولِيمَةِ
دُونَ(٣) مَا إِذَا دَعَاهُ في غَيرِ وقتِها، قال. ولَم يُرَ(٤) في صَرِيحِ كَلَامِ الأصحَابِ
تَعَيُّنُ وقتِها. واستَنبَطَ (٥) الوالِدُ رحمه الله ورضي عنه، من قَولِ البَغَوِيّ: ضَربُ
الدُّفِّ في النِّكَاحِ جَائِزٌ في العَقدِ والزِّفَافِ [قَبلُ، وبَعدُ](٦) قَرِيبًا منهُ، أنَّ وقتَها
مُوسَّعْ من حِينِ العَقدِ. قال: والمَنقُولُ عن فِعلِ النبيّ ◌َّ أنَّها بَعدَ الدُّخُولِ.
قُلتُ: وبَوّبَ البَيْهَقِيُّ في ((سُنَنِه)) (٧) على وقتِ الولِيمَةِ، وذَكَرَ فيه حَدِيثَ
أَنَسٍ: بَنَى رسولُ الله ◌َ، فَأرسَلَنِي فَدَعَوت رِجَالًا. الحديثَ. وقال النَّوِيُّ في
(شَرحِ مُسلِم)(٨): اختَلَفَ العُلَمَاءُ في وقتٍ فِعلِها، فَحَكَى [١٥٦/٢ و] القَاضِي
عِيَاضٌ(٩) أنَّ الأَصَحَّ عِندَ مَالِكٍ وغَيرِهِ: أنَّهُ يُستَحَبُّ فِعلُها بَعدَ الدُّخُولِ. وعن
جَمَاعَةٍ من المَالِكِيَّةِ استِحِبَابُها عِندَ العَقدِ. وعن ابنِ حَبيبٍ استِحِبَابُها(١٠) عِندَ
العَقدِ، وبَعدَ الدُّخُولِ. ثُمَّ قال بَعدَ ذَلِكَ بِنَحوِ ورَقَتَينِ: سَبَقَ أنَّها تَجُوزُ قَبلَ
الدُّخُولِ وبَعدَهُ. انتَھَى.
ولَم يَسبِق لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ إن أرِيدَ أنَّهُ لَا تَجِبُ الإِجَابَةُ فيمَا إِذَا عُمِلَت(١١)
الولِيمَةُ قَبلَ العَقدِ فَهو واضِحٌ، ولَكِن لَا يَحتاجُ إلى ذِكرِه لِأَنَّها لَيسَت ولِيمَةَ
عُرسٍ، ويَبقَى النَّظَرُ فيمَا لَو دُعِيَ قَبلَ العَقدِ لِيَحْضُرَ العَقدَ، ويَأْكُلَ طَعَامًا قَد هُيِّئَ
هَل تَجِبُ الإجَابَةُ أم لا؟ فيه احتِمَالٌ لِكَونِهِ لَم يَعقِد إلى الآنَ، والظّاهرُ: وُجُوبُ
الإِجَابَةِ لِكَونِ الولِيمَةِ إِنَّمَا تُفْعَلُ بَعدَ العَقدِ، وإن كَانَ الإعلامُ بها سَابِقًا، وإن أرِيدَ
(١) في الأصل، (م): ((منع)).
(٣)
ليس في (ك٢).
في الأصل، (م): ((فاستنبط)).
(٥)
(٧)
السنن الكبرى (٢٦٠/٧).
شرح النووي على مسلم (٩/ ٢١٧، ٢٢٢).
(٨)
(٩)
إكمال المعلم (٥٨٨/٤).
(١١) في (م): ((علمت)).
(٢) في الأصل، (ح): ((الاستحباب)).
(٤) في (ش): ((أر)).
(٦) في (ش): ((قيل: وتعد)).
(١٠) ليست في (ش).

بَابُ الولِيمَةِ
٤٤٧٠
=
أَنَّا إذَا اسْتَحبَينَا أن تَكُونَ بَعدَ الدُّخُولِ فَعُمِلَت قَبلَهُ لَا تَجِبُ الإِجَابَةُ: فَهو مَمنُوٌ
لِأنَّها ولِيمَةُ عُرسٍ، وإن عَدَلَ بها صَاحِبُها عن الأفضَلِ: فَهو كَمَن أولَمَ بِغَيرِ شَاقٍ
مَعَ الَّمَكُّنِ منها (1).
سَابِعَ عَشَرَها: أن يَكُونَ المَدعُوُّ مُسلِمًا، فَلَو دَعَا مسلمٌ كَافِرًا لَم تَلزَمهُ
الإِجَابَةُ (٧/ ٧٧م) جَزِمًا، كَمَا صَرَّحَ به المَاوردِيُّ(٢) والرُّويَانِيُّ. وعللَاهُ: بِأنَّهُ لَم
يَلْتَزِمِ أحكَامَنَا إلا عن تَرَاضٍ، فَلَو رَضِيَ ذِمِّيَّانِ بِحُكمنا أخبَرَنَاهُمَا بِإِیجَابٍ
الإِجَابَةِ. وهَل يُجبَرُ(٣) المَدعُوُّ أم لا؟ فيه قَولَانِ حَكَاهُمَا المَاوردِيُّ والرُّويَانِيُّ.
فَهَذَا مَا وَقَفت (٤) عليه في ذَلِكَ لِأصحَابِنَا المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ. واعتَبَرَ
مَالِكٌ تَخْلُ في وُجُوبِ الإِجَابَةِ أن لَا يَكُونَ هُنَاكَ زِحَامٌ ولَا إغلاقُ بَابٍ دُونَهُ،
حَكَاهُ عنهُ ابنُ الحَاجِبِ في ((مُختَصَرِه))(٥) .
فَأْمَّا الأولُ: وهو انتِفَاءُ الزُّحَامِ، فَقَد صَرَّحَ الرُّويَانِيُّ من أصحَابِنَا بِخِلَافِهِ،
وقال: إنَّ الزِّحَامَ لَيسَ عُذرًا، وقَد يُقَالُ: إنَّهُ مُخالفٌ لِمَا سَبَقَ من اعتِبَارِ أن لَا
يَكُونَ هُنَاكَ مَن يَتَأْذَّى به، فَإِنَّ الزِّحَامَ مِمَّا يُتَأْذَّى به.
وأمَّا الثَّانِي: وهو إغلاقُ الْبَابِ دُونَهُ، فَإن أرِيدَ استِمِرَارُ إغلاقِهِ فَلَا يُفتَحُ لَهُ
أصلًا: فَهَذَا واضِحٌ؛ لِأِنَّهُ لَم يَتَمَكَّن من حُضُورِ الولِيمَةِ فَلَا يُمكِنُ القَولُ بِوُجُوبِه
عليه. وإن أرِيدَ إغلاقُهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلى الإعلَامِ والتَّوسُّلِ فَيُفْتَحُ فَهَذَا مُحتَمَلٌ، ولَا
يَبعُدُ على قَواعِدِنَا القَولُ به لِمَا في الوُقُوفِ على الأبوابِ من الذُّلِّ الذِي يَصعُبُ
على الإنسَانِ، ويَشُقُّ عليه احْتِمَالُهُ، واللهُ أعلمُ.
واعتَبَرَ الحَنَابِلَةُ فِي وُجُوبِ الإِجَابَةِ: أن لَا يَكُونَ الدَّاعِي مِمَّن يَجُوزُ هَجرُهُ،
والقَولُ به عِندَنَا قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ الَّودُدَ بِحُضُورِ الولِيمَةِ أَشَدُّ وأبلَغُ من السَّلَامِ والكَلَامِ
فَإِذَا لَمْ يُحَيَّ، فَحُضُورُ الولِيمَةِ أولى. فَهَذِهِ عِشرُونَ شَرطًا، والله أعلم.
(١) في (ش): ((فيها)).
(٣) في (ك٢، م): ((یخير)).
(٥) ينظر: جامع الأمهات (٢٨٤/١).
(٢) الحاوي (٥٥٩/٩).
(٤) في (ش): ((وقعت)).

٤٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الخَامِسَةُ: استُدِلَّ به على وُجُوبِ الإِجَابَةِ في ولِيمَةِ غَيرِ العُرسِ تَمَسُكًا
بِلَفِظِ الولِيمَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَولُهُ في بَعضِ الرِّوايَاتِ: ((إِذَا دَعَا (١) أحَدُكُمْ(٢) أَخَاهُ
فَلْيُجِب عُرسًا كَانَ أو نَحوهُ)). وقَولُهُ في رِوايَةٍ أخرَى: ((مَن دُعِيَ إلى عُرسٍ أو نَحوِه
فَلْيُچِب)). وقَد تَقَدَّمَ ذِكرُهُمَا، وأنَّ عَبدَ اللهَ بنَ عُمَرَ رَاوِيَ الحديثِ كَانَ يَأتي الدَّعوةَ
في العُرسِ، [وغير العرس] (٣) وهو صَائِمٌ، وهو في ((الصَّحِيحَينِ)) كَمَا تَقَدَّمَ.
وبهذَا قال بَعضُ أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ، وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ الْبَرِّ(٤) عن عُبَيْدِ الله بنِ
الحَسَنِ العنبَرِيِّ القَاضِي، وأَشَارَ إلَيه البخاريُّ بِتَبوِيبه(٥) على رِوايَةٍ مُوسَى بِنِ
عُقْبَةَ: بَابَ إِجَابَةِ الدَّاعِي في العُرسِ وغيرِها، وإِلَيهِ ذَهَبَ أهلُ الظّاهِرِ، واذَّعَى ابنُ
حَزم أنَّهُ قَولُ جُمهورِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ. وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، وذَهَبَ المَالِكِيَّةُ
والخِّنَابِلَةُ والحَنَفيةُ إلى الجَزمِ بِعَدَمِ الوُجُوبِ في بَقِيَّةِ الولَائِمِ، وهو المَشهورُ عِندَ
الشَّافِعِيَّةِ، وحَكَى الماسرجسي(٦) وغَيْرُهُ: إجمَاعَ المُسلِمِينَ عليه، ويَدُلُّ لَهُ (٧]
٧٨م) التَّقِيدُ في بَعضِ الرِّوايَاتِ بِقَولِه: ولِيمَةُ عُرسٍ، وقَد تَقَدَّمَ ذِكرُها فَيُحمَلُ
المُطلَقُ على المُقَيَّدِ، وصَرَّحَ الحَنَابِلَةُ بِأنَّ إِجَابَةَ ولِيمَةٍ غَيرِ العُرسِ مُبَاحَةٌ لَا
تُستَحَبُّ، ولَا تُكرَهُ، وقال [١٥٦/١ظ] الشَّافِعِيُّ ◌َثْتُهُ: إتيَانُ دَعوةِ الولِيمَةِ حَقٌّ،
والولِيمَةُ التي تُعرَفُ ولِيمَةُ العُرسِ، وكُلُّ دَعوةٍ دُعِيَ إلَيها رَجُلٌ، واسمُ الولِيمَةِ يَقَعُ
عليها، فَلَا أَرَخّصُ لِأحَدٍ في تَركِها، ولَو تَرَكَها لَم يَبِن لِي أنَّهُ عَاصٍ(٧) في تَركِها
كَمَا يبين(٨) لِي في ولِيمَةِ العُرسِ. ثُمَّ سَاقَ الكَلَامَ إلى أن قال: إنِّي(٩) لَا أعلَمُ أنَّ
النبيّ ◌ََّ تَرَكَ الولِيمَةَ على عُرسٍ، ولَم أعلَمُهُ أولَمَ على غَيرِهِ. رَواهُ عنهُ البَيْهَقِيُّ
في ((المَعرِفَةِ))(١٠).
في (ك٢): ((دعاكم)).
(١)
(٣)
ليس في الأصل، (م).
(٥)
في (ح): ((بثبوته)).
في (م): ((السرخسي)). وفي (ك٢، ح): ((الماسرخسي)). وفي (ش): ((الماجرسي)).
(٦)
في (ك٢، ح): ((عارض)).
(٧)
(٨)
في (ك٢، ش، م): ((تبين)).
(٩) في (ك٢، ح): (لأني)).
(١٠) معرفة السنن والآثار (٤٠١/٥، ٤٠٣).
(٢) ليست في (ك٢).
(٤) التمهيد (١٧٨/١٠).

٤٤٩
22
بَابُ الولِيمَةِ
وقال الطَّحاوِيُّ (١): لَم نَجِد عن(٢) أصحَابِنَا [يعني: أبا](٣) حَنِفَةَ، وأصحابه
في ذَلِكَ شَيئًا إلا في إجَابَةِ دَعوةِ ولِيمَةِ العُرسِ خَاصَّةً. وذَكَرَ الخَطَّابي(٤): أنَّ
المَعنَى في اختِصَاصِ ولِيمَةِ النِّكَاحِ بِالإِجَابَةِ مَا فيه من إعلَانِ النِّكَاحِ والإِشَادَةِ به،
والله أعلم.
■ السَّادِسَةُ: إذَا عَذَّيْنَا الإِيجَابَ أو الاستِحِبَابَ إلى سَائِرِ الولَائِمِ: فقال
الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في (شَرحِ الإِلمَامِ))(٥): إنَّ الحديثَ عَامّ (٦) بِالنِّسَبَةِ إلَى أهلٍ
الفَضلِ وغَيرِهم، والمَنْقُولُ عن مَالِكِ تَُّهُ: أنَّهُ كَرِهَ لِأهلِ الفَضلِ أن يُجِيبُوا كُلَّ
مَن دَعَاهُم. قال القَاضِي عِيَاضٌ: وتَأولَهُ بَعضُ أصحَابِنَا على غَيرِ الولِيمَةِ. قال:
وتَأولَهُ(٧) بَعضُهُم على غَيرِ أسْبَابِ السُّرُورِ المُتَقَدِّمَةِ مِمَّا يُصنَعُ تَفَضُّلًا.
وقال ابنُ حَبيبٍ: قال مُطَرِّفُ وابنُ المَاحِشُونِ: وكُلَّمَا لَزِمَ القَاضِي من
النَّزَاهاتِ في جَمِيع الأشياءِ فَهو به (٨) أجمَلُ وأولى، وإِنَّا لَنُحِبُّ هَذَا لِذِي(٩)
المُرُوءَةِ والهُدَى أن لَا يُجِيبَ إلا في الولِيمَةِ إلا أن يَكُونَ لِأَخِ في الله أو خَاصَّةٍ
أهلِه أو ذَوِي قَرَابَتِهِ، فَلَا بَأسَ بِذَلِكَ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وهَذَا تَخصِيصٌ
آخَرُ، ومُقتَضَاهُ أضعَفُ من الأولِ يَعنِي اسْتِثنَاءَ القَاضِي. قال: وظَاهرُ الحديثِ
يَقْتَضِي الإِجَابَةَ، والمُرُوءَةُ والفَضلُ والهُدَى في اتِّبَاعِ مَا دَلَّ عليه الشَّرعُ. ثُمَّ قال:
نَعَم، إذَا تَحَقَّقَت مَفسَدَةٌ رَاجِحَةٌ فَقَد يُجعَلُ ذَلِكَ مُخَصَّصًا انتَهَى.
■ السَّابِعَةُ: العُرسُ بِضَمِّ العَينِ المُهمَلَةِ، وبِإِسكَانِ الرَّاءِ وضَمِّها: لُغَتَانِ
مَشهورَتَانٍ، وهيَ مُؤَنَّئَةٌ، وفيها لُغَةٌ (١٠) بِالتَّذكِيرِ قال في ((المُحكَم))(١١): وهيَ مِهِنَةُ
البنَّاءِ والأملَاكِ. وقِيلَ: طَعَامُهُ خَاصَّةً، والدَّعوةُ هُنَا بِفَتحِ الدَّالِ.
(١) مشكل الآثار (٣٣/٨).
(٣)
في (م): ((عن أبي)).
(٥)
شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (٢٧١/٢)، وإكمال المعلم (٥٨٩/٤).
(٦)
في (م): ((عامة)).
(٨) ليس في (ك٢، ح).
(١٠) بعده في (ش): ((أخرى)).
(٢) في (م): ((عند).
(٤) أعلام الحديث (١٩٨٢/٣).
(٧) في (ك٢، ح): ((وتأول)).
(٩) في (ش): ((لذوي).
(١١) المحكم (١/ ٤٧٧).

=
٤٥٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأمَّا دِعوةُ النَّسَبِ: فَبِكَسرِها، هَذَا قَولُ جُمهورِ العَرَبِ. قال النَّووِيُّ في
((شَرحِ مُسلِمٍ))(١)، وعَكسُهُ تَيمُ (٢) الرِّبَابِ بِكَسرِ الرَّاءِ، فَقَالُوا: الطَّعَامُ بِالكَسرِ
والنَّسَبُ بِالفَتْحِ. قُلتُ: إِنَّمَا حَكَى ذَلِكَ صَاحِبًا(٣) (الصِّحَاح))، ((والمُحكَم)) (٤) عن
عَدِيِّ الرِّبَابِ، لَا عن تَيمِ(٥) الرِّبَابِ. وذَكَرَ (٧/ ٧٩م) قُطُرُبٌ في (مُثَلَّثِه)) (٦) أنَّ دَعوةَ
الطَّعَامِ بِضَمِّ الدَّالِ. قالَ النَّوِيُّ: وغَلَّطُوهُ فيه.
■ الثَّامنة: قَولُهُ: ((فَإِن كَانَ صَائِمًا فَلَيَدِعُ لَهُم)): دليل على أنَّ قَولَهُ في
الرِّوايَةِ الأخرَى: ((فَليُصَلِّ)) (٧) مَعنَاهُ: الدُّعَاءُ، لَا الصَّلَاةُ الشَّرعِيَّةُ المَعهودَةُ.
والمُرَادُ الدُّعَاءُ لِأهلِ الطَّعَامِ بِالمَغْفِرَةِ وَالْبَرَكَةِ ونَحوِ ذَلِكَ، وأَصِلُ الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ
الدُّعَاءُ، ومنهُ قَوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَّهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّمْ﴾(٨) [التوبة: ١٠٣]،
وأبعَدَ مَن قال: إنَّ المُرَادَ هُنَا الصَّلَاةُ الشَّرعِيَّةُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ؛ أي: يَشتَغِلُ
بِالصَّلَاةِ لِيَحصُلَ لَّهُ فَضلُها، وتَحصُلَ البَرَكَةُ لِأهلِ المَنزِلَ والحَاضِرِينَ. وقَد يُحمَلُ
اللفظُ على مَعنَيَيه، ويُقَالُ: يَأتي بِالأمرَينِ الصَّلَاةِ الشَّرعِيَّةِ والدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ
في الصَّلَاةِ وعَقِبَها أقرَبُ إلى الإِجَابَةِ(٩).
■ التَّاسِعَةُ: فُهمَ من قَولِه: ((فَلَيَدِعُ لَهُم)). حُصُولُ المَقصُودِ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَا
يَجِبُ عليه الأكلُ، وهو كَذَلِكَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ بِلَا خِلَافٍ، لَكِن إِن كَانَ صَومُهُ
فَرِضًا لَم يَجُز لَهُ الأكلُ؛ لِنَّ الفَرضَ لَا يَجُوزُ لَهُ(١٠) الخُرُوجُ منهُ، وإن كَانَ نَفلًا
شرح النووي على مسلم (٢٣٣/٩).
(١)
(٢) في (ك٢، ح): ((نيم)). وفي (ش): ((يتم).
(٣)
في (ح، ش): ((صاحب)).
الصحاح (٢٣٣٦/٦)، والمحكم (٣٢٧/٢).
(٤)
في (ك٢، ح): ((تتم)). وفي (ش): ((يتم))
(٥)
(٦)
شرح مثلثات قطرب (ص٢٧). ت: إبراهيم مقلاتي.
(٧)
في (ك٢، ح): (فلیتصل)).
في (ك٢، ح): ((صلواتك)). والمثبت هو قراءة: حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف
(٨)
العاشر، وقرأ الباقون: ((صلواتك)). ينظر: الهادي شرح طيبة النشر (٢٨٥/٢).
(٩) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٣٦/٩).
(١٠) ليس في (ك٢، ح، ش).

بَابُ الولِيمَةِ
٤٥١
جَازَ لَهُ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ والخَنَابِلَةِ. ومَن جَوزَ الخُرُوجَ من صَومِ النَّفلِ جَوزَ(١) الفِطرَ
وتَركَهُ. وأمَّا الأفضَلُ من ذَلِكَ: فقال أكثَرُ أصحَابِنَا، وبَعضُ الحَنَابِلَةِ: إِن كَانَ
يَشُقُّ على الدَّاعِي (٢) صَاحِبِ الطَّعَامِ صَومُهُ، فَالأفضَلُ الفِطرُ، والا فَالأفضَلُ
الإتمَامُ، وأطلَقَ [٢/ ١٥٧ و] الرُّويَانِيُّ من أصحَابِنَا والقَاضِي من الحَنَابِلَةِ: استِحبَابَ
الفِطرِ. وكَذَا قال ابنُ الرِّفعَةِ من أصحَابِنَا: لَا فَرقَ بَينَ أن يَشُقَّ على الدَّاعِي تَركُهُ
أم لا، ثُمَّ حَكَى عن الخُرَاسَانِيِّينَ: أَنَّهُ إن شَقَّ أو ألِحَّ عليه استُحِبَّ وإلا فَلَا(٣)
انتھی.
ومُقْتَضَاهُ: الاِكِتِفَاءُ عِندَهُم بِالإلحَاحِ، وإن ظَهَرَ منهُ عَدَمُ المَشَقَّةِ بِتَركِه(٤).
■ العَاشِرَةُ: في قَولِه: وكَانَ عَبدُ الله يَأتي الدَّعوةَ في العُرسِ وغَيرٍ
العُرسِ، وهو صَائِمٌ؛ أنَّ(٥) الصَّومَ لَيسَ عُذرًا في تَركِ الإِجَابَةِ، وكَذَا قَولُهُ في
الرِّوايَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ((فَإن كَانَ صَائِمًا فَلَيَدُ لَهُم)). وبه صَرَّحَ الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا
وغَيرِهم واستَثنَى منهُ شَيخُنَا الإِمَامُ البُلقِينِيُّ(٦): مَا إذَا كَانَت الدَّعوةُ في نَهارٍ
رَمَضَانَ في أولِ النَّهارِ، والمَدعُوُّونَ كُلُّهُم مُكَلَّفُونَ صَائِمُونَ. قال: فَلَا تَجِبُ
الإِجَابَةُ؛ إذ لَا فَائِدَةَ في ذَلِكَ إلا رُؤيَةَ طَعَامِه، والقُعُودُ (٧) من أولِ النَّهارِ إلى (٨)
آخِرِهِ مُشقٌّ، فَإِن أَرَادَ هَذَا فَلَيَدعُهُم عِندَ الغُرُوبِ. قال: وهَذَا واضِحٌ، والله أعلم.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: في ((صَحِيحٍ مُسلِمٍ))، و((سُنَنِ أبِي دَاوُد))، و((النسائيّ)) (٩)
من رِوايَةِ سُفَيَانَ الثَّورِيِّ، عن أبي الزُّبَيرِ، عنَّ جَابِرٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَلتِ: ((إِذَا
دُعِيَ أحَدُكُم إلى (٧/ ٢٨٠) طَعَامِ، فَليُجِب، فَإن شَاءَ طَعِمَ، وإن شَاءَ تَرَكَ)). لَفِظُ
مُسلِمٍ. ولَم يَقُل أبو داودَ، والنسَّائِيُّ: ((إِلى طَعَامِ)).
(١) زيادة من (ش، م).
(٢) ليست في (ك٢، ح، ش).
(٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٣٦/٩)، وروضة الطالبين (٦٥٠/٥).
(٤)
في (ش): ((یتر که)).
(٥) في الأصل، (م): ((أن)).
(٦)
ليست في (ك٢، ح).
(٧) في (ك٢، ح): ((والمقصود)).
(٨)
في (ك٢، ح): ((وإلی)).
(٩) مسلم (١٠٥/١٤٣٠)، وأبو داود (٣٧٤٠)، والنسائي في الكبرى (٦٦١٠).

٤٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
واستُدِلَّ بهذا الحديثِ على أنَّهُ لَا يَجِبُ على المُفطِرِ الأكلُ، وهو أصَحُ
الوجهَينِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ وبه قال الحَنَابِلَةُ. والوجهُ الثَّانِي لِأصحَابِنَا: أنَّهُ يَجِبُ
الأكلُ، واختَارَهُ النَّوِيُّ في ((تَصحِيحِ التَّنبيه))(١)، وصَحَّحَهُ في ((شَرحِ مُسلِم)) في
الصِّيَامِ، وبه قال أهلُ الظَّاهرِ، ومنْهُم ابنُ حَزمٍ. وتَوقَّفَ المَالِكِيَّةُ في ذَّلِكَ،
وعِبَارَةُ ابنِ الحَاجِبِ في ((مُختَصَرِه)): ووُجُوبُ أكلِ المُفطِرِ مُحتَمَلٌ. وتَمَسَّكَ الذِينَ
أوجَبُوا بِقَولِه في رِوايَةٍ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ (٢): ((فَإِن كَانَ
مُفطِرًا فَلَيَطْعَم (٣))(٤).
وكَذَا في حَدِيثِ أبي هريرةَ: ((فَإِن كَانَ صَائِمًا فَليُصَلٌّ، وإن كَانَ مُفطِرًا
فَلَيَطَعَم)). وهو في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ))(٥)، وحَمَلُوا الأمرَ على الوُجُوبِ. وأجَابُوا عن
حَدِيثٍ جَابِرِ المُتَقَدِّمِ بِأجوِيَةٍ :
أحَدُها: قال ابنُ حَزمٍ(٦): لَم يَذكُر فيه أبُو الزُّبَيرِ أنَّهُ سَمِعَهُ من جَابِرٍ،
ولَا (٧) هو من رِوايَةِ الليثِ عنهُ فَإِنَّهُ أعلَمَ لَهُ على مَا سَمِعَهُ منهُ، ولَيسَ هَذَا
الحديثُ مِمَّا أعلَمَ لَهُ عليه، فَبَطَلَ الاحتِجَاجُ به.
ثَانِيهما (٨): قال ابنُ حَزم(٩) أيضًا: ثُمَّ لَو صَحَّ لَكَانَ الخَبَرُ الذِي فيه (١٠)
إِيجَابُ الأكلِ زَائِدًا على هَذَا، وَزِيَادَةُ العَدلِ لَا يَحِلُّ تَركُها (١١).
قُلتُ: لَيسَ هَذَا صَرِيحًا في إِيجَابِ الأكلِ؛ فَإِنَّ صِيغَةَ الأمرِ (١٢) تَرِدُ (١٣)
لِلاِسْتِحبَابِ.
(٢) بعده في (ش): ((قال)).
(١) في (ح): ((البنية)).
(٣) في (ك٢، ح): ((فليصم)).
(٤) شرح النووي على مسلم (٢٣٦/٩)، وروضة الطالبين (٦٥٠/٥)، وجامع الأمهات
لابن الحاجب (ص٢٨٤)، والمحلى (٤٥٠/٩، ٤٥١).
(٥) مسلم (١٠٦/١٤٣١).
(٧) في (ك٢، ح): ((وإلا)).
(٩) المحلى (٤٥١/٩).
(١١) بعده في (ح): ((فإن)).
(١٣) في (ك٢): ((يرد)).
(٦) المحلى (٤٥١/٩).
(٨) في الأصل: ((تاليهما)). وفي (م): ((ثانيها)).
(١٠) ليست في الأصل.
(١٢) بعده في (ك٢، ح): ((قد)).

=
بَابٌ الولِيمَةِ
٤٥٣
وأمَّا التَّخِيرُ الذِي في حَدِيثِ جَابِرٍ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ في عَدَمِ الوُجُوبِ، فَالأخذُ
به، وتَأْوِيلُ الأمرِ مُتَعَيَّنٌ، واللهُ أعلمُ.
ثَالِثُها: قال النَّووِيُّ(١): مَن أوجَبَ تَأوَّلَ (٢) تِلكَ الرِّوايَةِ على مَن كَانَ
صَائِمًا .
قُلتُ: وأشَارَ والِدِي ◌َقْتُهُ في الرِّوايَةِ(٣) الكُبرَى من ((الأحكَامِ)) إلى تَأْيِيدِ
هَذَا التَّوِيلِ؛ بِأَنَّ ابنَ مَاجَه(٤) رَوى حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا في الصَّوم من ((سننه))(٥) من
رِوايَةِ ابنِ مُرَيجٍ، [عن أبي الزُّبَيرِ عنهُ، بِلَفِظِ: ((مَن دُعِيَ إلى طَعَامِ، وهو صَائِمٌ
فَلْيُچِب؛ فَإِن شَاءَ طَعِمَ وإن شَاءَ تَرََكَ)).
والرِّوايَاتُ يُفَسِّرُ بَعضُها بَعضًا. وقَد أخرج مسلمٌ في ((صَحِيحِه)) رِوايَةَ](٦)
ابنِ جُرَيجِ هَذِه، ولَم يَسُقْ لَفظَها. بَل قال: إنَّها مِثلُ الأولى، وقَد عَرَفتَ زِيَادَةَ
هَذِهِ الفَائِدَةِ فيها. وهَذَا الجَوابُ أقوى هَذِه الأجوِبَةِ. قال أصحَابُنَا: وإذَا قُلنَا
بِوُجُوبِ الأكلِ، فَيَحصُلُ ذَلِكَ ولَو بِلُقْمَةٍ وَلَا يلزَمُهُ (٧) الزِّيَادَةُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى أكلًا،
ولِهَذَا لَو (٨) حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَنِثَ بِلُقْمَةٍ، ولِأنَّهُ قَد يَتَخَيَّلُ(٩) صَاحِبُ الطَّعَامِ أَنَّ
امتِنَاعَهُ لشُبهَةٍ(١٠) يَعتَقِدُها في الطَّعَامِ، [فَإِذَا أَكَلَ لُقْمَةً زَالَ ذَلِكَ التَّخَيُّلُ، وحَكَى
(٧/ ٨١م) الماوردي(١١)، وجهًا: أنَّ الأكلَ فَرِضُ كِفَايَةٍ](١٢).
(١) شرح النووي على مسلم (٢٣٦/٩).
(٢) في (م، ش): ((تأويل)).
(٣)
في (ك٢، ح، ش): ((النسخة)).
ابن ماجه (١٧٥١)، ومسلم (١٤٣٠ / عقب ١٠٥).
(٤)
(٥)
في الأصل، (م): ((نسخته)).
(٦)
ما بين المعكوفين ليس في (ح).
(٧)
في (م): «تلزمه)».
(٨)
ليست في (ح).
(٩) في (ح): ((یخيل)).
(١٠) في (م): ((بشبهة)).
(١١) في الأصل، (م): ((المازري)). وينظر: الحاوي (٩/ ٥٦١).
(١٢) ما بين المعکوفین مکرر في (ح).

M.
٤٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: استَدَلَّ به بَعضُهُم على وُجُوبِ الولِيمَةِ، وقال: لَو لَم
تَكُن واجِبَةً لَمَا كَانَت الإجَابَةُ [١٥٧/٢ظ] إلَيها واجِبَةً، ورَدَّ: بِأنَّ ابتِدَاءَ السَّلَامِ
لَيسَ بِواجِبٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَرَدُّهُ واجِبٌ، والأصَحُّ عِندَ أصحَابِنَا وغَيرِهم: أنَّها
مُستَحَبَّةٌ(١) .
(١) ينظر: إكمال المعلم (٥٨٨/٤)، والمعلم (٤١٠/١).

كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
٤٥٥
=
كِتَابُ (١) الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
الحديثُ الأولُ
عنْ نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ تًِّا: «أَنَّه طَلَّقَ امْرَأَتَه، وهيَ خَائضٌ في
عَهدِ رسولِ اللهِّوَِّ، فَسَأْلَ عُمَرُ (٢) بن الخطاب٢) رسولَ اللهِ وَِّ عِن ذَلِكَ؟
فقال رسولُ الله ◌َّهِ: مُره فَلَيُرَاجِعها، ثُمَّ لِيُمسِكها حَتَّى تَطهرَ، ثُمَّ تَحِيضَ،
ثُمَّ تَطهرَ، ثُمَّ إِن شَاءَ أمسَكَ بَعدُ، وإن شَاءَ طَلَّقَ قَبَلَ أن يَمَسَّ، فَتِلكَ العِدَّةُ
الَّتِي أمَرَ الله تعالى أن تُطَلَّقَ(٣) لَها النِّسَاءُ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه البخارِيُّ، ومُسلِمٌ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٤)؛ من هذا
الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ.
وأخرَجَه الشيخانِ، وأبو داودَ(٥)؛ من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، بلفظِ: ((أنَّه
طَلَّقَ امَأةً(٦) وهيَ حَائضٌ تَطْلِيقَةً واحِدَةً)) .
فَعَزوُ الشَّيخِ كَُّ فِي ((النُّسَخَةِ الْكُبْرَى)) هَذِهِ الرِّوايَةَ لِمُسلِمٍ (٢٨٢/٧) وحدَه(٧)
فقط: فيه نَظَرِّ؛ فقد عَرَفتَ أنَّها عِندَ البخارِيِّ.
(١ - ١) في الأصل، (م): ((باب)).
(٢) ليس في الأصل، (م).
(٣) في (ش): ((يطلق)).
(٤) البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١/١٤٧١)، وأبو داود (٢١٧٩)، والنسائي (٣٣٩٠).
البخاري (٥٣٣٢)، ومسلم (١٤٧١)، أبو داود (٢١٨٠).
(٥)
(٦) في الأصل، (م): ((امرأته)).
(٧) من (م).

=
٤٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال مُسلِمٌ: جَوّدَ الليثُ في قَولِه: (تَطْلِيقَةً واحِدَةً)). وفي رِوايَةٍ لِمُسلِمِ(١)
من هذا الوجه (٢): ((وكَانَ عَبدُ الله إذَا سُئلَ عن ذَلِكَ؟ قال لِأَحَدِهم: أمَّا أَنَتَ
طَلَّقْتَ(٣) امرَأتَك مَرَّةً أو مَرَّتَيْنٍ؛ فَإِنَّ رسولَ اللهِوَّهِ أَمَرَنِي بهذَا، وإن كُنتَ طَلَّقْتَها
ثَلَاثًا فقد حَرُمَت عَلَيك حَتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَك، وعَصَيت اللهَ فيمَا أَمَرَك من طَلَاقٍ
امرَأْتِك)). وهَذِهِ الزِّيَادَةُ عِندَ البخارِيِّ أيضًا بِمَعنَاه أخَصرُ (٤) منه. وأخرَجَه مُسلِمٌ،
والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٥) من طَرِيقٍ عُبَيدٍ (٦) الله بنِ عُمَرَ، وفيه: ((قَبلَ أن
يُجَامِعَها)). وفي رِوايَةٍ لِمُسلِم: قال عُبَيدُ الله (بنُ عُمَرَ (٧): قُلتُ لِنَافِعِ: مَا صَنَعَتِ
التَّطْلِيقَةُ؟ قال: واحِدَةً اعتُدَّ بها .
وأخرَجَه مُسلِمٌ، والنسائيُّ (٨) من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّخِيَانِيُّ، وفيه كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ
الذي قَدَّمنَاه من طَرِيقِ الليثِ؛ أربَعَتُهم عن نَافِعٍ. وأخرَجَه مُسلِمٌ، وأصحَابُ ((السُّنَنِ
الأربَعَةِ))(٩) من طَرِيقٍ مُحَمَّدٍ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ مَولى آلِ طَلحَةَ، عن سَالِمٍ، عن
ابنِ عُمَرَ: أنَّه (١٠) طَلَّقَ امرَأْتَه، وهيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ عَلُه للنبيِ وَِّ،
فقال: ((مُره فَليُرَاجِعها، ثُمَّ لِيُطَلِّقها طَاهرًا أو حَامِلًا)). وأخرَجَه مُسلِمٌ، والنسائيُّ(١١)
من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن ابنِ عُمَرَ. وفيه: ((فَتَغَيَّظَ رسولُ الله ◌َ)). وفيه:
(والطَّلَاقُ لِلعِدَّةِ كَمَا أُمَرَ اللّه)). وكَانَ عَبدُ الله طَلَّقَها تَطلِيقَةً فَحُسِبَت من طَلَاقِها،
ورَاجَعَها عَبدُ الله، كَمَا أَمَرَهُ(١٢) رسولُ الله ◌ََّ). وفي لَفِظِ: ((فَرَاجَعتُها(١٣) وحَسِبتُ
في (ش): ((مسلم)).
(١)
(٣)
في (ش): ((طلقتك)).
(٥)
مسلم (٢/١٤٧١)، (١٤٧١، ٠٠٠)، والنسائي (٣٣٨٩)، وابن ماجه (٢١٠٩).
(٦)
في (م): ((عبد الله)).
مسلم (٣/١٤٧١)، والنسائي (٣٥٥٩).
(٨)
مسلم (٥/١٤٧١)، وأبو داود (٢١٨١)، والنسائي (٣٣٩٧)، وابن ماجه (٢٠٢٣)،
(٩)
والترمذي (١١٧٦).
(١٠) ليس في (ك٢، ح).
(١١) مسلم (٤/١٤٧١)، والنسائي (٣٣٩١).
(١٢) في (ش): ((أمر)).
(١٣) في (ش): ((فراجعها))، (م): ((فيراجعها)).
(٢) مسلم (١٤٧١).
(٤) بياض بمقدار كلمة في (ك٢، ح).
(٧) من الأصل، (م).

٤٥٧
كِتَابُ الطَّلَاقِ والأَّخِيرِ
=
لَها التَّطلِيقَةَ [الَّتِي طَلَّقتُها)). ورَواه البخارِيُّ(١) من طَرِيقِ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ، عن
ابنِ عُمَرَ، قال: ((حُسِبَت عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ))](٢).
وذَكَرَ المِزِّيُّ(٣): أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ في البخارِيِّ مُعَلَّقَةٌ. وَكَلَامُ(٤) الشَّيخِ تَذْتُ
يَقتَضِي أنَّها مُسنَدَةٌ. وهو الحَقُّ؛ فَإِنَّ البخارِيَّ قال فيها: وقال أبو مَعمَرٍ، حدثَنَا
عَبدُ الوارِثِ، حدثَنَا أَيُّوبُ، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيٍ، عن ابنِ عُمَرَ.
وأبو مَعمَرَ هذا من شُيُوخِه، فَرِوايَتُه عنه بِصِيغَةِ ((قال)) مُتَّصِلَةٌ لِنُبُوتِ لُقِيِّه لَه،
وانتِفَاءِ التَّدلِيسِ في حَقِّه، لَا سِيَّمَا، و(٥) في رِوايَةٍ أبي ذَرِّ الهَرَوِيُّ: ثَنَا
أبو مَعمَرٍ (٦). فَثَبَتَ بِذَلِكَ اتِّصَالُ هَذِهِ الرِّوايَةِ، والله أعلمُ.
(٧/ ٨٣م) وأخرَجَه الأئمَّةُ السِّنَّةُ(٧)، من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ جُبَيرٍ قال: ((سَألتُ ابنَ
عُمَرَ؟ فقال: طَلَّقَ ابنُ عُمَرَ امْرَأْتَه وهيَ حَائضٌ، فَسَأْلَ عُمَرُ النبيَّ ◌َّهِ فَأْمَرَه أن يُرَاجِعَها،
ثُمَّ يُطَلِّقَ من قبلٍ عِدَّتِها. قُلتُ: تُحتَسَبُ (٨)؟ قال: أَرَأْيتَ إن عَجَزَ واستَحمَقَ؟))(٩).
وأخرَجَه الشيخانِ (١٠)؛ من طَرِيقٍ أَنَسٍ بنِ سِيرِينَ عن ابنِ عُمَرَ، وفيه:
((فقال: لِيُرَاجِعها. قُلتُ: فَتُحتَسَبُ (١١)؟ قال: فَمَهْ)). وفي لَفِظِ لِمُسلِمٍ: ((قُلتُ:
فَاعْتَدَدتَ بِتِلكَ الَّتِي طَلَّقت، وهيَ خَائضٌ؟ قال: مَا لِي لَا أعتَدُّ بها، وإن (١٢)
كُنتُ عَجَزتُ واستَحمَقتُ)).
وأخرَجَه مُسلِمٌ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(١٣)؛ من [١٥٨/٢ و] طَرِيقِ أبي الزُّبَيرِ،
(١) البخاري (٥٢٥٣)، وينظر: تحفة الأشراف (٥/) ٤٢٨ (٧٠٦٤).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في (ش).
(٤)
في (ح): ((وکان)).
(٣) تحفة الأشراف (٤٢٨/٥).
(٥) ليس في (م).
(٦)
ينظر: تغليق التعليق (٤٣٤/٤).
(٧) البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم (١٤٧١)، وأبو داود (٢١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٢٢)،
والترمذي (١١٧٥)، والنسائي (٣٣٩٩).
(٨) في (ح): ((يحسب)).
(٩) في (ك٢، ح): ((واستحق)).
(١٠) البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم (١١/١٤٧١، ١٢).
(١١) في (ح): ((يحسب)).
(١٢) في الأصل: ((وبأن)).
(١٣) مسلم (١٤/١٤٧١، ٠٠٠)، وأبو داود (٢١٨٥)، والنسائي (٣٣٩٢).

=
٤٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عن ابنٍ عُمَرَ. وفيه: ((فقال لَه رسولُ الله [وَالَ: ((لِيُرَاجِعها)). فَرَدَّها، وقال: ((إِذَا
طَهِرَتِ (١ فَلْيُطَلِّق أو لِيُمسِك))(١). قال ابنُ عُمَرَ: وقَرَأ النبيُّ](٢) وَلِ: ﴿يَا أيُّها النبيُّ
إِذَا طَلَّقْتُم النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي (٣) قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾. لَفْظُ مُسلِمٍ.
ولَفظُ النسائيّ: ((فَرَدَّها عَلَيَّ)). ولَفِظُ أبي دَاوُد: ((فَرَدَّها عَلَيَّ. ولَم يَرَها(٤)
شَيئًا، وقال: إذَا طَهِرَت فَلْتُطَلِّق أو لِتُمسِك))(٥).
وقال أبو داودَ(٦): رَوى هذا الحديثَ عن ابنٍ عُمَرَ: [يُونُسُ(٧) بنُ
جُبَيرٍ)(٨)، وأنَسُ بنُ سِيرِينَ (٩)، وسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ، وزَيدُ بنُ أسلَمَ، وأبو الزُّبَيرِ،
ومَنصُورٌ عن أبي وائلٍ. مَعنَاهم(١٠) كُلُّهم: ((أنَّ النبيَّ وَ أَمَرَه أن يُرَاجِعَها حَتَّى
تَطهرَ، ثُمَّ إن شَاءَ طَلَّقَ وإن شَاءَ أمسَكَ)). وكَذَلِكَ رَواه مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ،
عن سَالِمٍ، عن ابنِ عُمَرَ. وأمَّا رِوايَةُ الزُّهرِيِّ عن سَالِمٍ ونَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ
النبيَّ وَّهِ أَمَرَه أن يُرَاجِعَها؛ حَتَّى [تَطْهرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ](١١) تَطهرَ، ثُمَّ إن شَاءَ
طَلَّقَ أو أمسَكَ)).
ورُوِيَ عن عَطَاءِ الخُرَاسَانِيِّ، عن الحَسَنِ، عن ابنِ عُمَرَ: نَحوُ رِوايَةِ نَافِعِ
والزُّهرِيِّ، والأحَادِيثُ كُلُّها عَلى خِلَافِ مَا قال أبو الزُّبَيرِ. انتَهَى.
ولَه طُرُقٌ أخرَى لَم أذْكُرُها اختِصَارًا .
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١٢): هذا حَدِيثٌ مُجتمَعٌ (١٣) عَلى صِخَّتِه من جِهَةِ النَّقْلِ،
(١ - ١) في (ك٢، ح): ((فلتطلق أو لتمسك)).
(٢) ما بين المعكوفين، ليس في (ش).
(٣) في الأصل، (ح، م): ((من)).
(٤) في (ح): ((يزدها))، وفي (ك٢): ((نردها)). والمثبت من التخريج.
(٥)
في (ك٢، ح): ((فليطلق أو ليمسك)). (٦) أبو داود عقب (٢١٨٥).
(٧)
ضرب عليها في (ح)، وكتب في الحاشية: لعله: سعيد)).
قلتُ: وكلامه في الحاشية خطأ جزمًا . بل هو أبو غلاب يونس بن جبير الباهلي. وروايته
عن ابن عمر لهذا الحديث، عند البخاري (٥٢٥٢)، وسنن أبي داود (٢١٨٤)، والنسائي
في الكبرى (٥٧٤٩). وينظر: تهذيب الكمال (١٨٠/٣٤).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في (ك٢).
(٩) في (ك٢): ((مالك، وبن سيرين)).
(١٠) فى الأصل، (م): ((ومعناهم)).
(١٢) التمهيد (٥١/١٥، ٥٢، ٦٥، ٦٦).
(١١) ليس في (ك٢، ح).
(١٣) في الأصل، (ح، م): ((مجمعٌ)).

كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
مدى
٤٥٩
=
ولَم (١ يُختَلِف أيضًا في١) ألفَاظِه عن نَافِع. ورَواه عنه(٢) جَمَاعَةُ(٣) أصحَابه، كَمَا
رَوَاه مَالِكٌ سَواءٌ. ثُمَّ ذَكَرَ رِوايَةَ أبي الزُّبَيرِ، وقال: قَولُه: ((ولَم يَرَها شَيئًا))،
مُنكَرٌ(٤)، ولَم يَقُله أحَدٌ غَيرُ أبي الزُّبَيرِ، ولَيسَ بِحُجَّةٍ فيمَا خَالَفَه فيه مِثْلُه(٥)،
فَكَيفَ بِخِلَافِ مَن هو أثبَتُ منه؟ ولَو صَحَّ لَكَانَ مَعنَاه عِندِي، واللهُ أعلمُ: ولَم
يَرَها عَلَى اسْتِقَامَةٍ؛ أي: ولَم يَرَها شَيْئًا مُستَقِيمًا؛ لِأَنَّه لَم يَكُن(٢) طَلَاقُه لَها عَلى
سُنَّةِ الله ورسولِهِ وَّه .
وقال الخَطَّابي (٧): قال أهلُ الحديثِ: لَم يَروِ أبو الزُّبَيرِ حَدِيثًا أنكَرَ من
هَذَا. وقَد يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مَعنَاه لَم يَرَه شَيئًا باتًا(٨) تَحْرُمُ معه المُرَاجَعَةُ، وَلَا (٧)
٨٤م) تَحِلُّ لَه إلَّ بَعدَ زَوجِ. أو لَم يَرَه شَيئًا جَائزًا في السُّنَّةِ مَاضِيًا في حُكمٍ
الِاِخْتِيَارِ، وإِن كَانَ لَازِمَا لَّه (٩) عَلى سَبِيلِ الكَرَاهَةِ.
■ الثَّانِيَةُ: هَذِهِ المَرأةُ قِيلَ: اسمُها: أُمَيَّةُ بِنتُ غِفارٍ (١٠). حَكَاه النَّووِيُّ
في المُبهَمَاتِ(١١).
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((فَسَألَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رسولَ اللهِ وَ عِن ذَلِكَ))؛ أي:
لِيَعرِفَ الحُكمَ فيمَا وقَعَ وفيمَا يَستَقبِلُه بَعدَ ذَلِكَ، فَأَعلَمَه حُكمَ مَا وَقَعَ وهو
التَّحرِيمُ، بِتَغَيُّظِه في ذَلِكَ، كَمَا في ((الصَّحِيحِ))؛ من رِوايَةِ سَالِمٍ، عن ابنِ عُمَرَ:
((فَتَغَيَّظَ رسولُ الله ◌ِوَّةٍ). وإِنَّمَا يَتَغَيَّظُ (١٢) عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ من فِعلِ مُحَرَّم. قال
أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(١٣): سُؤَالُ (١٤) عُمَرَ لِرسولِ اللهِ وَّهِ ذَلِكَ (١٥) يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
(١ - ١) في (ش): ((تختلف أيضًا)).
(٣) في (م): ((جماعة من)).
(٥) في (ك٢، ح): ((منه له)).
(٧) معالم السنن (٢٣٥/٣).
(٩) ليس في (ش).
(١١) في (ك٢، ح): ((المهمات)). وينظر: تهذيب الأسماء واللغات (ص٣٧٢).
(١٢) في الأصل، (م): ((تغيظ)). والمثبت أجود.
(١٣) عارضة الأحوذي (١٢٦/٥).
(١٥) في (ك٢، ح): ((وذلك)).
(٢) في (ح، ش): ((عن)).
(٤) في الأصل: ((منكرًا)).
(٦) في (م): ((يمكن)).
(٨) في الأصل، (م): ((تامًّا)).
(١٠) في (م): ((عقار)).
(١٤) في (ش): ((سؤل)).

٤٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
منها: أنَّهم لَم (١) يَرَوا قَبَلَ هَذِهِ النَّازِلَةِ مِثْلَها، فَأَرَادُوا السُّؤَالَ لِيَعلَمُوا الجَوابَ.
ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ ذَلِكَ مَعلُومًا عِندَه بِالقُرآنِ، وهو قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعَِّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقَولُه: ﴿وَالْتُطَلّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَمْ﴾
[البقرة: ٢٢٨]. وقَد عَلِمَ أنَّ هذا لَيسَ بِقُرءٍ؛ فَافتَقَرَ إلى مَعرِفَةِ الحُكمِ فيه.
ويَحْتَمِلُ: أن يَكُونَ سَمِعَ من النبيِّ وَّهِ النَّهَيَ. والأوسَطُ أقواها. انتَهَى.
و(٢) قال الشَّيخُ الإمام (٣) تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ) (٤): وتَغَيُّظُه إمَّا لِأَنَّ
المَعنَى الذي يَقتَضِي المَنعَ كَانَ ظَاهرًا، وكَانَ(٥) مُقْتَضَى الحَالِ التَّثَبُّتَ في الأمرِ .
أو لِأَنَّ كَانَ يَقْتَضِي الأمرُ المُشَاورَةَ لِلرسولِ في مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا عَزَمَ عَلَيه. [انتهى.
وأعلَمه حكمَ ما يَستقبلُه بالأمرِ(٦) بالمراجعةِ، وفي هذا تحريمُ الطلاقِ في
الحيضِ، وهو مجمعٌ عليه](٧)، كَمَا حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ، والنَّووِيُّ(٨).
ثُمَّ قال بَعضُهم (٩): هو تَعَبُّدٌ غَيرُ مَعقُولِ المَعنَى.
وقال الأكثَرُونَ: بَل مَعنَاه: تَضَرُّرُ المَرأةِ بِتَطوِيلِ العِدَّةِ عَلَيها، وهذا قَولُ مَن
يَرَى العِدَّةَ بِالأطهارِ. ولَيسَ في ذَلِكَ تَطوِيلٌ عِندَ الحَنَفيةِ؛ الذينَ يَرَونَ العِدَّةَ
بِالخَيضِ؛ فَإِنَّهم يَعتَبِرُونَ ثَلَاثَ حِيَضٍ كَامِلَةٍ. فَالمَعنَى عِندَهم فيه (١٠): أنَّ الأصلَ
في الطَّلَاقِ الحَظرُ، لِمَا فيه من قَطع النِّكَاحِ الذي تَعَلَّقَت (١١) به المَصَالِحُ الدِّينِيَّةُ
والدُّنيَوِيَّةُ، وإِنَّمَا يُبَاحُ لِلِحَاجَةِ، والمُعتَبَرُ دَلِيلُها، وهو الإقدَامُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي زَمَنِ
الرَّغْبَةِ، وهو الظُهرُ بِخِلَافِ الخَيضِ؛ فَإِنَّه زَمَنُ النَّفرَةِ فَلَا يُبَاحُ [١٥٨/٢ظ] فيه
الطَّلَاقُ.
(١) في (ك٢، ح): ((ما)).
(٣) من (ش).
(٥)
في (ش): «فكان)».
(٧) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م).
(٨)
التمهيد (١٥/ ٥٧)، وشرح صحيح مسلم (٦٠/١٠).
المفهم (٢٢٥/٤).
(٩)
(١١) في (ش): (يكون)).
(٢) من (م).
(٤) إحكام الأحكام (ص٥٨٩).
(٦) ليس في (ك٢).
(١٠) ليس في الأصل، (م).