Indexed OCR Text

Pages 361-380

كم!
٣٦١
بَابُ مَا يَحْرُمُّ من النَِّاحِ
الأمرَينِ المَذكُورَينِ في الحديثِ، فَإِنَّ اشتِرَاطَ أن يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابِنتَهُ وعَدَمَ ذِكرِ
الصَّدَاقِ، يَدُلُّ على أنَّهُ مَعَ العَقْدِ على البُضعِ جَعلهُ صَدَاقًا لِلأخرَى، فَجَعَلُوا هَذَا
المَعنَى المُستَنبَطَ هو المُعتَبَرُ، وعَمِلُوا بِالوصَفَينِ المنصوصين(١) بهذَا الطَّرِيقِ وإن
ألغَوهُمَا بِحَسَبِ الّاهرِ، فَلَمْ يَجعَلُوا خُصُوصِيَّةَ الشَّرطِ ولَا خُصُوصِيَّةَ تَرِكِ تَسمِيَةِ
الصَّدَاقِ مُعتَبَرَةً.
وإنَّمَا المُعتَبَرُ مَا دَلَّا عليه من التَّشرِيكِ في البُضعِ وقَصَرُوا (٢) الإبطَالَ على
مَا إِذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ، فَلَو قال كُلُّ واحِدٍ: زَوجِتُك بِنتي على أن تُزَوِّجَنِي بِنتَك،
وقَبِلَ الآخَرُ ولَم يُصَرِّحَا بِجَعلِ البُضعِ صَدَافًا، صَحَّ على أصَحِّ الوجهَينِ عِندَ
الرَّافِعِيِّ والنَّووِيِّ(٣). لَكِن نَصَّ الشَّافِعِيُّ على البُطلَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وهو ظَاهرُ
الحديثِ، ولَفِظُهُ: إِذَا نَكَحَ(٤) الرَّجُلُ ابنَةَ(٥) الرَّجُلِ، أو المَرأةَ يَلِي أمرَها مَن
كَانَت على أنَّ [١٤٠/٢ ظ] صَدَاقَ كُلِّ واحِدَةٍ منهُمَا بُضعُ الأخرَى(٦)، أو على أن
يُنكِحَهُ الأخرَى(٧) ولَم يُسَمِّ لِواحِدَةٍ مِنهُمَا صَدَاقًا(٨)، فَهَذَا الشِّغَارُ(٩) الذِي نَهَى
عنهُ رسولُ اللهِ وَّهِ، فَلَا يَحِلُّ النِّكَاحُ وهو مَفسُوخٌ. حَكَاهُ عنهُ البَيْهَقِيُّ في
((المَعرِفَةِ» (١٠)، ثُمَّ قال: وهو يُوافِقُ(١١) التَّفسِيرَ المَنْقُولَ في الحديثِ الصَّحِيحِ.
وخَصَّ إمَامُ الحَرَمَينِ (١٢) هَذَينِ الوجهَينِ بِمَا إذَا كَانَتِ الصِّيغَةُ هَذِهِ وَلَم
يَذْكُرًا(١٣) مَهرًا، وقَطَعَ بِالصِّحَّةِ فيمَا لَو قال: زَوجِتُك بِنتي بِألفٍ على أن تُزَوِّجَينِي
بِنتَك وقال: لَيسَ الفَرقُ لِذِكرِ المَهرِ؛ بَل لِأَنَّهُ رُوِيَ في بَعضِ الرّواياتِ(١٤): أنَّهُ
(١) ليس في الأصل، (م).
(٢) في (ح): ((وقصدًا)).
(٣)
الشرح الكبير (٥٠٤/٧) ط. دار الكتب العلمية، وروضة الطالبين (٣٨٧/٥)
(٤)
في (ك٢): ((أنكح)).
(٥) في (ك٢، ح): ((ابنته)).
(٦) في (ش): ((للأخرى)).
(٧) في (ش): (للأخرى)).
(٨) في الأصل، (ح): ((شغارًا)).
(٩) ليس في الأصل، (ح).
(١٠) معرفة السنن والآثار (٣٣٩/٥، ٣٤٠)، وينظر: شرح النووي على مسلم (٢٠٠/٩).
(١٢) نهاية المطلب (٣٩٨/١٢).
(١١) في (ك٢، ش): ((موافق)).
(١٣) في (م): ((یذکر).
(١٤) في (م): ((الطرق إثبات)). وفي الأصل: ((الطرق ايات)).
=

٣٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ نَهَى عن نِكَاحِ الشِّغَارِ، وهو أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابنَتَهُ على أن
يُزَوِّجَهُ صَاحِبُهُ ابنَتَهُ؛ فَفَسَّرَ بهذَا القَدرِ من غَيرِ مَزِيدٍ .
قال الرَّافِعِيُّ(١): وَلَك أن تَقُولَ هَذَا التَّفْسِيرُ حَاصِلٌ، سَواءٌ ذَكَرَ المَهرَ أو (٢)
لَم يَذكُرُهُ، إذ(٣) لَيسَ فيه تَعَرُّضٌ لِتَركِ (٤) المَهرِ كَمَا لَيسَ فيه تَعَرُّضٌ لِذِكرِهِ، فَلَا
يَصلُحُ مُستَنَدًا لِلفَرقِ. انتَهَى.
ولَو صَرَّحَ مَعَ جَعلِ البُضعِ صَدَاقًا بِتَسمِيَةٍ مَهرٍ بَطَلَ على الأصَحِّ عِندَ
أصحَابِنَا (٢٣/٧م). وعليه نَصَّ الشَّافِعِيُّ في ((الإملَاءِ))، و(٥) هو ظَاهرُ نَصِّه في
((المُختَصَرِ)). ولِذَلِكَ(٦) حَكَاهُ عنهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ، وابنُ حَزمٍ(٧) فَظَهَرَ (٨) بِذَلِكَ أنَّ
المَدَارَ عِندَهُم على التَّشرِيكِ في البُضعِ خَاصَّةً.
ولَو قال: زَوجِتُك بِنتي على أن تُزَوِّجَنِي بِنتَك، (وبُضِعُ بِنِك)(٩) صَدَاقٌ
لِبِنتي (١٠) فَقِيلَ: صَحَّ الأولُ وبَطَلَ الثَّانِي. ولَو قال: ويُضعُ بِنتي صَدَاقٌ لِنِتِكَ،
بَطَلَ الأولُ وصَحَّ الثَّانِي. قال الشَّافِعِيُّ ◌َهِ بَعدَ تَفْسِيرِ الشِّغَارِ: كَأنَّهُ يَقُولُ:
صَدَاقُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا بُضِعُ الأخرَى. حَكَاهُ عنهُ الْبَيْهَِيُّ في ((المَعرِفَةِ)) (١١)، ثُمَّ
قال: والظّاهرُ أنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ من الشَّافِعِيِّ لِلتَّفْسِيرِ الذِي رَواهُ في (١٢) حَدِيثِ مَالِكٍ
قال(١٣): وقَد رُوِيَ عن نَافِعِ بنِ يَزِيدَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ،
وفيه من الزِّيَادَةِ: والشِّغَارِ: أن يَنكِحَ هَذِهِ بِهذِهِ بِغَيرِ صَدَاقٍ؛ بُضِعُ هَذِهِ صَدَاقُ
هَذِهِ، وبُضعُ هَذِه صَدَاقُ هَذِه، قال: فَيُشبه - إن كَانَت هَذِهِ الرِّوايَةُ صَحِيحَةً - أن
يَكُونَ هَذَا التَّفْسِيرُ من قَولِ ابنِ جُرَيجِ، أو مَن فَوقَهُ. واللهُ أعلمُ.
(١) الشرح الكبير (٥٠٤/٧).
(٣)
في (م، ح): ((و)).
(٢) في (٢٤): ((أم)).
(٤) في (ك٢): ((لذكر)).
(٥)
في (٢٥، ح، ش): ((مقابله)).
(٦) في (ش): ((وكذلك)).
(٧) في (ح): ((وإن جزم)). وينظر: روضة الطالبين (٣٨٧/٥)، والتمهيد (٧٠/١٤)،
والمحلى (٥١٤/٩).
(٨) في (ش): ((وظهر)).
(١٠) في (ش): ((ابنتي)).
(١٢) في (ش): ((من)).
(٩) مكرر في (ش).
(١١) معرفة السنن والآثار (٣٣٩/٥، ٣٤٠).
(١٣) ليست في (٢٥).

سـ
بَابُ مَا يَحْرُمُ من النِّكَاحِ
SI
٣٦٣
و(١) قال القَفَّالُ من الشَّافِعِيَّةِ(٢): العِلَّةُ في بُطلَانِه: التَّعلِيقُ والتَّوقِيفُ؛ فَكَأنَّهُ
يَقُولُ: لَا يَنعَقِدُ لَك نِكَاحُ بِنتي حَتَّى يَنعَقِدَ لِي نِكَاحُ بِنِتِك، ومُقْتَضَى هَذَا: أنَّهُ لَا
بُدَّ أن يَقُولَ فيه: ومَهمَا انعَقَدَ نِكَاحُ بِنتي انعَقَدَ نِكَاحُ بِنِتِك؛ ولِهَذَا قال الغَزّالِيُّ في
((الوسيطِ))(٣): صُورَتُهُ الكَامِلَةُ أن يَقُولَ: زَوجتُك ابنَتي على [أن تُزَوِّجَنِي ابنَتَك؛
على](٤) أن يَكُونَ بُضعُ كُلِّ واحِدَةٍ منهُمَا صَدَاقًا لِلأخرَى، ومَهمَا انعَقَدَ نِكَاحُ
ابنَتي انعَقَدَ نِكَاحُ ابنَتِك. قال الرَّافِعِيُّ(٥): وهَذَا فيه تَعلِيقٌ وشَرطُ عَقدٍ في عَقدٍ
وتَشرِيكٌ في البُضعِ.
قال الإِمَامُ والِدِي تَُّ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): ويَنبَغِي أن يُزَادَ(٦) وألّا يَكُونَ
مَعَ البُضعِ صَدَاقًا آخَرَ، لِلخِلَافِ المُتَقَدِّمِ فيمَا إذَا ذَكَرَ مَعَ البُضعِ صَدَاقٌ(٧) آخَرَ.
انتھی.
وذَكَرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ (٨) مِثلَ كَلَامِ الغَزّالِيٌّ، والرَّافِعِيِّ، وزَادَ أنَّ في هَذِه
الصُّورَةِ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الصَّدَاقِ وهو مُفسِدٌ عِندَ مَالِكٍ.
قُلتُ: وإِنَّمَا يَكُونُ فِيه ذَلِكَ إذَا لَم يَذْكُر مَعَ الْبُضعِ صَدَاقًا آخَرَ، فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ
التي ذَكَرَها والِدِي تَقْتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، واللهُ أعلمُ.
وقَد أَشَارَ الرَّافِعِيُّ (٩) إلى الاعتِرَاضِ على التَّعلِيلِ بِالتَّشْرِيكِ في البُضعِ، بِأنَّ
المُفسِدَ هو التَّشرِيكُ من جِهَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ إذَا زوجها(١٠) من رَجُلَينٍ، وهُنَا
لِلتَّشْرِيكِ (١١) بِجِهَتَينِ مُختَلِفَتَينٍ؛ فأمكّنَ (١٢) أن يَلحَقَ بِمَا إذَا زَوجَ أمَتَهُ ثُمَّ بَاعَها أو
أَصَدَقَها (١٣) امرَأةً. انتَهَى.
(١) زيادة من (ح، ش).
(٣)
الوسيط (٤٨/٥).
الشرح الكبير (٥٠٤/٧) ط. دار الكتب العلمية.
(٥)
(٦)
في (ش): ((يراد)).
(٨) إحكام الأحكام (ص٥٧٦).
(١٠) في (م): ((زوجها)).
(١٢) في الأصل، (م): ((وأمكن)).
(٢) روضة الطالبين (٣٨٧/٥).
(٤) ليس في (ش).
(٧) في الأصل، (م): ((صداقًا)).
(٩) الشرح الكبير (٥٠٣/٧).
(١١) في (ش): ((التشريك)).
(١٣) في (م): «صدقها)).

5
٣٦٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقال الخَطَّابي(١): كَانَ ابنُ أبي هريرةَ (٧/ ٢٥م) يُشبههُ بِرَجُلٍ تَزَوجَ امرأةً
واستَثنَى عُضوًا من أعضَائِها، وهو مَا لَا خِلَافَ في فَسَادِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا
قَد زَوجَ ولِيَّتَهُ واستَثْنَى [١٤١/٢ و] بُضعَها حِينَ جَعلهُ مَهرًا لِصَاحِبَتِها. قال: وعللَهُ
بَعضُهُم: بِأنَّ [المَعقُودَ لَهُ مَعقُودٌ](٢) به؛ وذَلِكَ لِأَنَّ العَقدَ لَها وبها؛ فَصَارَ كَالعَبدِ
تَزَوجَ على أن تَكُونَ رَقَبَتُهُ صَدَاقًا لِلمَرأةِ. انتَهَى. وهَذَا المَحكِيُّ عن ابنِ
أبي هريرةَ. وعن بَعضِهم هو المُعَبَّرُ عنهُ بِالتَّشرِيكِ في البُضعِ، [إلا أنَّهُ عَبَّرَ عن
ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ أخرَى، وقَد ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ(٣) هَذَا المَحكِيَّ عن بَعضِهم حِينَ ذَكَرَ
التَّعلِيلَ بِالتَّشرِيكِ في البُضع](٤) فقال: ورُبَّمَا شُبه بهذا. قال: فكَمَا(٥) لَا يَجُوزُ
أن يَكُونَ الرَّجُلُ نَاكِحًا وصَدَّاقًا، لَا يَجُوزُ أن تَكُونَ المَرأةُ مَنكُوحَةً وصَدَاقًا، ثُمَّ
اعتَرَضَهُ الرَّافِعِيُّ: بِأنَّ سَبَبَ البُطلَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِلكُ الزَّوجَةِ الزَّوجَ، وهَذَا
مَعنَى لَو عُرِضَ رَفِعُ (٦) النِّكَاحِ؛ فَإِذَا قَارَنَ ابْتِدَاءَ مَنع(٧) الاِنِعِقَادِ. انتَهَى.
وقال الرَّافِعِيُّ(٨) في تَعلِيلِ القَفَّالِ بِالتَّعلِيقِ والتَّوقِيفِ: إنَّ اقتِضَاءَ الثَّعلِيقِ
والتَّوقِيفِ البُطلَانَ ظَاهرٌ، ولَكِن لَيسَ في صُورَةِ نِكَاحِ الشِّغَارِ المَشهورِ لَفِظُهُ
تَعلِيقٌ، وإنَّمَا هيَ على لَفِظِ الاشتِرَاطِ. ثُمَّ قال: ويُشبه أن يُقال: كَانَ العَرَبُ
يَفْهَمُونَ منهُ التَّعلِيقَ إذ يَستَعمِلُونَ لَفِظُهُ. انتَهَى.
وقَد ظَهَرَ بِذَلِكَ اخْتِلَافُ الشَّافِعِيَّةِ في تَعلِيلِ البُطلَانِ هَل هو التَّشرِيكُ في
البُضعِ، أو الشَّرطُ، أو الخُلو(٩) عن المَهرِ، أو التَّعلِيقُ والتَّوقِيفُ، فَهَذِهِ أربَعَةُ
أقوالٍ، والأقوالُ الثَّلَاثَةُ الأولى عِندَ الحَنَابِلَةِ، وصَحَّحَ ابنُ تَيْمِيَّةَ في ((المُحَرَّرِ))(١٠)
الأولَ، وبِالثَّانِي: قال الخِرَقِيِّ، وعلى الثَّالِثِ: نَصَّ أحمَدُ(١١).
(١) معالم السنن (٢١/٣).
(٣) الشرح الكبير (٥٠٣/٧).
(٥)
في الأصل، (م): ((كما)).
(٧)
في (ش): ((مع).
(٩) في (م): ((الخلف)).
(١١) مكررة في (ش).
(٢) ليس في (ش).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في (ك٢).
(٦) في الأصل: ((دفع)).
(٨) الشرح الكبير (٥٠٥/٧).
(١٠) المحرر (٢٣/٢).

بَابُ مَا يَحْرُمُ من النِّكَاحِ
كم
٣٦٥
=
وعِبَارَةُ ابنِ تَيمِيَّةَ في ((المُحَرَّرِ)): ومَن زَوجَ ولِيَّتِه من رَجُلٍ على أن يُزَوِّجَهُ
الآخَرُ ولِيَّهُ، فَأَجَابَهُ ولَا مَهرَ بَينَهُمَا: لَم يَصِحَّ العَقدُ، ويُسَمَّى نِكَاحَ الشِّغَارِ، وإن
سَمَّى مَهرًا صَحَّ العَقدُ بِالمُسَمَّى؛ نَصَّ عليه. وقال الخِرَقِيُّ: لَا يَصِحُّ أصلًا،
وقِيلَ: إن قال فيه: ويُضعُ كُلِّ واحِدَةٍ مَهرُ الأخرَى(١) لَم يَصِحَّ وإلا صَحَّ، وهو
الأصَخُ. وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٢): أنَّ جُملَةَ أصحَابٍ مَالِكٍ كُلِّهم ذَكَرَ
عن مَالِكٍ في تَفسِيرِه: أنَّهُ الرَّجُلُ يُزَوِّجُ أختَهُ أو ولِيَّتَهُ من رَجُلٍ آخَرَ؛ على أن
يُزَوِّجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ منهُ ابنَتَهُ أو ولِيَّتِهِ، ويَكُونُ بُضعُ كُلِّ واحِدَةٍ منهُمَا صَدَاقًا
لِلأخرَى دُونَ صَدَاقٍ. قال: وهَذَا مَا لَا خِلَافَ فيه بَينَ العُلَمَاءِ: أنَّهُ الشِّغَارُ المَنهيُّ
عنهُ فِي هَذَا الحديثِ، ثُمَّ قال بَعدَ ذَلِكَ بيسِيرٍ (٣): إنَّ الشِّغَارَ في الشَّرِيعَةِ أن يُنكِحَ
الرَّجُلُ رَجُلًا ولِيَّتَهُ على أن يُنكِحَهُ (٧/ ٢٦م) الآخَرُ ولِيَّتَهُ بِلَا صَدَاقٍ بَينَهُمَا، على
مَا قالهُ مَالِكٌ وجَمَاعَةُ الفُقَهاءِ، وكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الخَلِيلُ بنُ أحمَدَ(٤). انتَهَى.
فَلَمْ يَذكُر في الكَلَامِ الثَّانِي أن يَكُونَ بُضعُ كُلِّ واحِدَةٍ صَدَاقًا لِلأخرَى.
وعِبَارَةُ ابنِ شَاسٍ في ((الجَواهرِ))(٥): ونِكَاحُ الشِّغَارِ يُفْسَخُ أَبَدًا على الأَصَحِّ وإن
ولَدَتِ الأولَادَ، وهو مِثلُ: زَوِّجنِي ابنَتَك على أن أَزَوِّجَك ابنَتي ولَا مَهرَ
بَيْنَنا(٦)، فَإِن سَمَّى شَيْئًا فيهمَا أو في أحَدِهمَا، فُسِخَ مَا سَمَّى قَبَلَ البِنَاءِ، وَفُسِخَ
الآخَرُ أَبَدًا. وجَعل الظّاهرِيَّةُ ومنهُم ابنُ حَزم(٧) عِلَّةَ البُطلَانِ الشَّرطَ؛ فَصَوّرُوهُ
بِأَن يَتَزَوجَ (٨) هَذَا وَلِيَّةَ هَذَا على أن يُزَوِّجَهُ الآَخَرُ ولِيَتَهُ، وقَالُوا: لَا فَرِقَ بَينَ (٩)
أَن يَذْكُرَ مَعَ ذَلِكَ صَدَاقًا أم لا، وتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ أبي هريرةَ؛ فَإِنَّهُ لَم
يَذْكُر فيه في تَفسِيرِ الشِّغَارِ مَا ذَكَرَهُ(١٠) في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ من قَولِهِ: لَيسَ
بَينَهُمَا صَدَاقٌ. وقَالُوا: إنَّ في حَدِيثِ أبي هريرةَ زِيَادَةً يَجِبُ الأخذُ بها.
(١) في (ش): للأخرى)).
(٣)
في (ش): ((هذا و)).
(٥)
عقد الجواهر الثمينة (٧٨/٢) بتصرف.
المحلى (٥١٥/٩).
(٧)
(٩) ليس في (ك٢).
(٢) التمهيد (٧٠/١٤، ٧١).
(٤) العين (٣٥٨/٤).
(٦) في الأصل، (م): ((بينهما)).
(٨) في (ك٢): ((يزوج)).
(١٠) ليس في (٢٤).

=
٣٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ(١) قَولُهُ: ولَا صَدَاقَ بَينَهُمَا يُشعِرُ بِأنَّ جِهَةَ الفَسَادِ ذَلِكَ،
وإِن كَانَ يَحتَمِلُ أنَّ ذِكرَ ذَلِكَ لِمُلَازَمَتِهِ لِجِهَةِ الفَسَادِ(٢)، و(٣) على الجُملَةِ فَفيه
إشعَارٌ بِأَنَّ عَدَمَ الصَّدَاقِ لَهُ(٤) مَدَخَلٌ في النَّهى.
■ الخَامِسَةُ: حَمَلَ أكثَرُ العُلَمَاءِ هَذَا النَّهيَ على التَّحرِيم وقَالُوا بِبُطلَانِ
النِّكَاحِ [١٤١/٢ ظ]، وهو قَولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وإسحَاقَ، وأبي عُبَيدٍ،
وأبي ثورٍ. وذَهَبَ ابنُ القَاسِمِ إلى أنَّهُ يُفسَخُ قَبلَ الدُّخُولِ ولَا يُفسَخُ بَعدَهُ وهو
رِوايَةٌ عن مَالِكِ، [وحَكَاهُ ابْنُ المُنذِرِ(٥) عن الأوزَاعِيِّ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ
وأصحابُهُ إلى صِحَّتِه ويَجِبُ مَهرُ المِثلِ](٦)، وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ(٧) عن عَطَاءٍ،
وعَمرِو بنِ دِينَارٍ، ومَكحُولٍ، والزُّهرِيِّ، والثَّورِيِّ، وأصحَابِ الرَّأيِ، وحَكَاهُ
ابنُ عَبدِ البَرِّ وابنُ حَزمٍ(٨) عن الليثِ بنِ سَعدٍ. وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم) (٩):
هو رِوايَةٌ عن أحمَدَ، وإسحَاقَ، وبه قال أبُو ثَورٍ وابنُ جَرِيرٍ (١٠). والذيّحَكَاهُ
ابنُ المُنذِرِ عن [أبي ثَورِ البُطلَانُ، والذي حَكَاهُ ابنُ حَزم عن] (١١) عَطَاءٍ أيضًا
البُطلَانُ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: أجمَعَ العُلَمَاءُ على أنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ لَا يَجُوزُ،
واختَلَفُوا في صِحَّتِهِ. وكَذَا قال النَّووِيُّ: أجمَعَ العُلَمَاءُ على أنَّهُ مَنهيٍّ عنهُ، لَكِن
اختَلَفُوا: هَل هو نَهِيٌّ يَقْتَضِي إبطَالَ النِّكَاحِ أم لَا؟ فَحَكَى الخِلَافَ في إبطَالِهِ
وصِحَّتِه. وكَذَا قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (١٢): لَا خِلَافَ بَينَ العُلَمَاءِ في مَنعِ
الإقدَامِ عليه، لَكِن اختَلَفُوا فيمَا إذَا وقَعَ هَل يُفسَخُ؟ وكَذَا قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ
(١) إحكام الأحكام (ص٥٧٦).
(٣)
زيادة من (ك٢، ش).
الأوسط (٣٦١/٨) نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٥)
(٦)
ليس في (ش).
الأوسط (٣٦٠/٨) نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٧)
(٨)
التمهيد (٧٢/١٤)، والمحلى (٥١٥/٩).
(٩) شرح النووي على مسلم (٢٠٠/٩، ٢٠١).
(١٠) في (ش): ((حزم)).
(١١) ليس في (ش).
(١٢) المفهم (١١٠/٤، ١١١).
(٢) في الأصل: ((للفساد)).
(٤) في (٢٥): (لم).

بَابُ مَا يَحْرُمُ من النِّكَاحِ
٣٦٧ م
=
في (شَرح العُمدَة)) (١) اتَّفَقَ العُلَمَاءُ على المَنع منهُ، وتَبِعَهُم والِدِي ◌َّتُ في ((شَرحِ
(٢٧/٧) التِّرمِذِيِّ)) فَحَكَى إجمَاعَ العُلَمَاءِ على تَحرِيمِه. وفيمَا ذَكَرُوهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ أَبَا
حَنِيفَةَ ومَن قال بِقَولِه يَقُولُونَ بِجَوازِهِ، وقَد عَبَّرَ ابنُ المنذر(٢) والبَيْهَقِيُّ،
والخَطَّابِي(٣) في حِكَايَةِ هَذَا المَذهَبِ بِالجَوازِ، وكَذَا عَبَّرَ به صَاحِبُ ((الهدَايَةِ)) من
الحَنَفيةِ، ويُوافِقُ هَذَا: أنَّ المُقَرَّرَ في الأصُولِ أنَّ النَّهيَ يَشملُ (٤) التَّحرِيمَ
والكَرَاهَةَ، والذي هو حَقِيقَةٌ في الثَّحرِيمِ إِنَّمَا هو صِيغَةُ افعَل، ويُمكِنُ أن يُقال:
أَرَادَ هَؤُلَاءِ بِالجَوازِ الصِّحَّةَ وقَد يُقَالُ: سَلَّمِنَا أَنَّ النَّهيَ لِلتَّحرِيمِ لَكِن لَا يَلزَمُ من
ذَلِكَ الْبُطلَانُ، فَإِنَّ الذِي حَكَاهُ الإمَامُ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيّ في ((المَحصُولِ))(٥) عن
أكثَرِ الفُقَهاءِ أنَّ النَّهِيَ لَا يَقْتَضِي الفَسَادَ، فَهَلَّا(٦) صَحَّ وبَطَلَ المُسَمَّى كَمَا قَالُوا
في المَهرِ الفَاسِدِ؟ وجَوابُ ذَلِكَ في قَولِ الشَّافِعِيِّ تَخْفُهُ: إنَّ النِّسَاءَ مُحَرَّمَاتٌ إلا
مَا (٧) أحَلَّ اللهُ من نِكَاح أو مِلكِ يَمِينٍ، فَلَا يَحِلُّ المُحَرَّمُ من النِّسَاءِ بِالمُحَرَّمِ من
النِّكَاحِ، والشِّغَارُ مُحَرَّمٌ (٨) لِنَهي رسولِ اللهِوَ عِنْهُ(٩)، وهَكَذَا كُلُّ مَا نَهَىَ عنهُ
رسولُ اللهِ وَلِّ مِن نِكَاحِ لَم يَحِلَّ به المُحَرَّمُ. انتَهَى.
ويَدُلُّ على البُطلَانِ قَولُهُ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: (لَا شِغَارَ في الإسلامِ))
و(١٠) هو في ((صَحِيحِ مُسلِم) كَمَا تَقَدَّمَ، وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُ)) (١١) من طَرِيقٍ
مُحَمَّدِ بنِ إِسحَاقَ قال: حَدَّثَّنِي عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ هُرمُزِ الأعرج، أنَّ العَبَّاسَ بنَ
عَبدِ الله بنِ العَبَّاسِ أنكَحَ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ الحَكَمِ ابنَتَهُ، وأنكَحَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ بِنْتَه
وكَانَا جُعِلَا صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلى مَروانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّعْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وقال في كِتَابه:
(١) إحكام الأحكام (ص٥٧٦).
(٢) في الأصل، (م): ((عبد البر)).
(٣) ومعالم السنن (٢٠/٣)، ومعرفة السنن والآثار (٣٤٠/٥)، وينظر: إكمال المعلم
(٥٦٠/٤).
(٤) في الأصل، (ك٢): ((يشتمل)).
(٦) في الأصل: ((فلا)). وفي (ك٢): ((فهل لا)).
(٧)
في (ح، ش): ((بما)).
(٩) ليس في (ك٢).
(١١) أبو داود (٢٠٧٥).
(٥) المحصول للرازي (٤٨٨/٢).
(٨) في (ك٢): ((فحرم)).
(١٠) ليس في (ك٢).

=
٣٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
هَذَا الشِّغَارُ الذِي نَهَى عنهُ رسولُ اللهِ وَّهِ. وقَولُهُ: وكَانَا جُعِلًا صَدَاقًا. هو بِضَمِّ
الجِيمِ مَبنِيٌّ لِلمَفعُولِ؛ أي: ذَلِكَ (١) الفِعلَانِ أو النِّكَاحَانِ، وقَد ضَبَطْنَاهُ كَمَا ذَكَرته
بِالضَّمِّ في ((سُنَنِ البَيْهَقِيّ الكُبرَى))(٢)، ويَدُلُّ عليه أنَّ في ((مَعَالِمِ السُّنَنِ))(٣) لِلخَطَّابي
فِي هَذَا الحديثِ وكَانَا جَعلاهُ صَدَاقًا بِزِيَادَةٍ ضَمِيرٍ، وفَهمَ ابْنُ حَزم(٤) من اللفظِ
الأولِ أنَّهُمَا سَمَّيَا مَعَ ذَلِكَ صَدَاقًا: فَيَرُدُّ به على مَن قال من الشَّافِعِيَّةِ: إنَّهُ لَو
سَمَّى مَعَ ذَلِكَ صَدَاقًا صَحَّ، و(٥) قال: فَهَذَا مُعَاوِيَةُ بِحَضِرَةٍ(٦) الصَّحَابَةِ لَا يُعرَفُ لَهُ
مِنْهُم مُخَالِفٌ يَفسَخُ هَذَا النِّكَاحَ، وإن ذَكَرَا فيه الصَّدَاقَ، ويَقُولُ: الذِي نَهَى عنهُ
رسولُ اللهِ وَّ فَارْتَفَعَ الإشكَالُ. انتَهَى. وفيه نَظَرٌ لِمَا عَرَفته.
■ السَّادِسَةُ: لَا يَخفَى أنَّ ذِكرَ البِنتِ فِي هَذَا الحديثِ مِثَالٌ، فَكُلُّ مُولِّيَةٍ
كَذَلِكَ، وقَد عَرَفتَ أنَّ في بَعضِ الرِّوايَاتِ ذَكَرَ الأختَ أيضًا.
وقال النَّووِيُّ في (شَرحِ مُسلِم))(٧): أجمَعُوا على (٨) أنَّ غَيرَ البَنَاتِ من
الأخَواتِ وبَنَاتِ الأخِ والعَمَّاتِ وبَنَّاتِ الأعمَامِ [١٤٢/٢و] (٢٨/٧م)(٩) والإمَاءِ
كَالبَنَاتِ فِي هَذَا. انتَهَى.
ولَيسَت صُورَةُ الإِمَاءِ أن يَقُولَ: زَوجِتُك جَارِيَتي على أن تُزَوِّجَنِي جَارِيَتَك.
فَإِنَّ(١٠) هَذَا بَاطِلٌ من جِهَةٍ أخرَى، وهيَ أنَّ شَرطَ نِكَاحِ الأَمَةِ: أن لَا يَكُونَ في
مِلكِه جَارِيَةٌ ولَا صُورَتُهُ زَوجتُك جَارِيَتي على أن تُزَوَّجَنِي بِنتَك وتَكُونُ رَقَبَةُ
جَارِيَتِي صَدَافًا لِبِنتِكَ؛ فَقَد ذَكَرَ ابنُ الصَّبَّاغ من الشَّافِعِيَّةِ أنَّ النِّكَاحَينِ فيها
صَحِيحان(١١)؛ لِأِنَّهُ لَا تَشْرِيكَ فيمَا يَرُدُّ عليه عَقدَ النِّكَاحِ ويُفسِدُ الصَّدَاقَ، ويَجِبُ
لِكُلِّ واحِدَةٍ مَهرُ المِثلِ؛ حَكَاهُ عنهُ الرَّافِعِيُّ والنَّووِيُّ، ثُمَّ قالا: ويَجِيءُ على مَعنَى
(١) ليس في (ك٢).
(٣) معالم السنن (٢٠/٣).
(٥)
ليس في الأصل، (م).
(٧) شرح النووي على مسلم (٢٠١/٩).
(٨) ليس في (ح).
(٩) في الأصل: ((العمام)).
(١١) في الأصل، (م): ((صحيحًا)).
(٢) السنن الكبرى (٢٠٠/٧).
(٤) المحلى (٥١٥/٩، ٥١٦).
(٦) في (ح): ((يحضره).
(١٠) ليس في (ش).

بَابُ مَا يَحرُمُ من النَِّاحِ
٣٦٩ ٤
=
التَّعلِيقِ والتَّوقِيفِ أن يَحْكُّمَ بِبُطلَانِ(١) النِّكَاحَينِ(٢). انتَهَى.
وقَد عَرَفتَ أنَّ مَعنَى الشَّعلِيقِ والتَّوقِيفِ مَرجُوحٌ عِندَ أصحَابِنَا، وإنَّمَا
صُورَتُها: زَوجتُك أمَتي على أن تُزَوِّجَنِي بِنتَك، ويَكُونَ بُضعُ كُلِّ واحِدَةٍ منْهُمَا
صَدَاقًا لِلأخرَى، ولَيسَ في هَذَا التَّصوِيرِ أَمَةٌ(٣) من الجَانِبَينِ بَل من جَانِبٍ
واحِدٍ (٤). واللهُ أعلمُ.
السَّابِعَةُ: قال النَّوِيُّ(٥): قال العُلَمَاءُ: الشِّغَارُ؛ بِكَسرِ الشِّينِ المُعجَمَةِ
وبِالغَينِ المُعجَمَةِ: أصلُهُ في اللُّغَةِ الرَّفعُ، يُقَال: شَغَرَ الكَلبُ إذَا رَفَعَ رجله(٦)
لِيَّبُولَ كَأَنَّهُ قال: لَا تَرفَع (٧) رِجلَ بِنتي حَتَّى أرفَعَ رِجلَ بِنِتِك. انتَهَى.
وقال صَاحِب ((النِّهايَةِ)) (٨): قِيلَ لَهُ: شِغَارٌ لِارْتِفَاعِ المَهرِ بَينَهُمَا، من شَغَرَ (٩)
الكَلِبُ إِذَا رَفَعَ إحدَى رِجِلَيه ◌ِيُبُولَ. انتَھَى.
وحَكَى الخَطَّابي(١٠) هَذَا عن بَعضِهم. ثُمَّ قال(١١): وهَذَا القَائِلُ لَا يَنفَصِلُ
مِمَّن (١٢) قال: بَل سُمِّيَ شِغَارًا؛ لأنَّهُ رَفَعَ العَقدَ من أصلِه؛ فَارتَفَعَ النِّكَاحُ والمَهرُ
مَعًا ويُبَيِّنُ (١٣) لَك أنَّ النَّهيَ قَد انطوى على الأمرَينِ مَعًا أنَّ البَدَلَ هُنَا لَيسَ شَيْئًا
غَيرَ العَقدِ، ولَا العَقدُ شَيئًا غَيرَ البَدَلِ، فَهذا (١٤) إِذَا فَسَدَ مَهرًا فَسَدَ عَقدًا، وإذَا
أبطَلَتْهُ الشَّرِيعَةُ فَإِنَّمَا أَفسَدَتَهُ على الجِهَةِ التي كَانُوا يُوقِعُونَهُ، وكَانُوا يُوقِعُونَهُ مَهرًا
وعَقدًا، فَوجَبَ أن يَفسُدَا مَعًا. انتَهَى.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أقوالٍ على تَفسِيرِ الشِّغَارِ بِالرَّفعِ. و(١٥) قال الرَّافِعِيُّ(١٦): وفي
بَعضِ الشُّرُوحِ: أنَّ الكَلبَ إذَا كَانَ يَبُولُ حَيثُ يَصِلُ من غَيرٍ مُبَالَاةٍ؛ قِيلَ: شَغَرَ
(١) في (ش): ((بالبطلان)).
(٣) في (٢٥): ((مر)). وفي (ش): ((أنه)).
(٥)
شرح النووي على مسلم (٢٠٠/٩).
(٧) في (ش): ((يرفع)).
(٩) في (ح): ((شغره)).
(١١) ليست في (ش).
(١٣) في (ش): ((وتبين)).
(١٥) زيادة من (ش).
(٢) روضة الطالبين (٣٨٧/٥).
(٤) ليست في (ش).
(٦) في الأصل، (ح، م): ((رأسه)).
(٨) النهاية في غريب الحديث (٤٨٢/٢).
(١٠) معالم السنن (١٩٢/٣).
(١٢) في (ش): ((مما)).
(١٤) في الأصل، (م): ((فهو)).
(١٦) الشرح الكبير (٥٠٣/٧).

=
٣٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الكَلبُ بِرِجِلِه فَسُمِّيَ شِغَارًا؛ لِعَدَمِ المُبَالَاةِ فيه بِالمَهرِ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١):
لِلشّغَارِ (٢) في اللُّغَةِ مَعنّى لَا مَدخَلَ لِذِكرِهِ هُنَا، وذَلِكَ أنَّهُ مَأْخُوذٌ عِندَهُم من شِغَارِ
الكَلبِ: إِذَا رَفَعَ رِجِلَهُ لِيَبُولَ، وَذَلِكَ(٣) زَعَمُوا ألا (٤) يَكُونَ منهُ إلا بَعدَ مُفَارَقَةٍ
حال الصِّغَرِ إلى(٥) حَالٍ يُمكِنُ فيها طَلَبُ الوُثُوبِ على الأنثَى لِلنَّسلِ، (٢٩/٧م)
وهو عِندَهُم لِلكَلبِ إذَا فَعلهُ علامَةُ بُلُوغِه إلى حَالِ الاحتِلَامِ من الرِّجَالِ، ولَا
يَرفَعُ رِجِلَهُ لِلبَولِ إلا وهو قَد بَلَغَ ذَلِكَ المَبلَغَ، يُقَالُ(٦) منهُ: شَغَرَ الكَلبُ إذَا رَفَعَ
رِجِلَهُ فَبَالَ أو (٧) لَم يَبُل، ويُقَالُ: شَغَرَت المَرأةُ أشغَرَها شَغرًا، إذَا رَفَعَت رِجِلَها
لِلنِّكَاحِ. انتَهَى.
ثُمَّ قال النَّووِيُّ(٨) وقِيلَ: هو من شَغَرَ الكَلبُ(٩): إذَا خَلَا لِخُلُوِّه(١٠) عن
الصَّدَاقِ. انتَهَى.
قال الرَّافِعِيُّ (١١): ويُقَالُ (١٢) لِخُلُوِّه(١٣) عن بَعضِ الشُّرُوطِ، وقال صَاحِبُ
((النِّهايَةِ))(١٤) بَعدَ كَلَامِه المُتَقَّدِّم. وقِيلَ: الشَّغرُ البُعدُ. وقِيلَ: الاِتِّسَاعُ. انتَهَى.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أقوالٍ غَيرِ مَا تَقَدَّمَ وهيَ الخُلُوُّ والبُعدُ والاِتِّسَاعُ. وعَبَّرَ القَاضِي
عِيَاضٌ في ((المَشَارِقِ))(١٥) بِقَولِه: وقِيلَ: من رَفعِ الصَّدَاقِ فيه وبُعدِه منهُ. انتَهَى.
وهَذَا يَقتَضِي رُجُوعَ البُعدِ إلى المَعنَى المَشهورِ وهو الرَّفعُ. واللهُ تعالى
أعلَمُ.
(١) التمهيد (٧١/١٤).
(٣) زاد بعده في (ك٢): ((فيما)).
(٥)
في (م): ((على)).
(٧) في (م): (أم)).
(٩) في (ك٢، ش، ح): ((البلد)).
(١٠) في الأصل: ((لخوه)). وفي (ش): ((نخلوه).
(١١) الشرح الكبير (٥٠٣/٧).
(١٣) في الأصل: ((لخوه)).
(١٥) مشارق الأنوار (٢٥٦/٢).
(٢) في (ش): ((الشغار)).
(٤) في (ش): ((لا)).
(٦) في الأصل: ((فقال)).
(٨) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٠٠).
(١٢) في (ش): ((وقيل)).
(١٤) النهاية في غريب الحديث (٤٨٢/٢).

بَابٌ مَا يَحرُمُ من النَّكَاحِ
٣٧١
==
الحديثُ الثَّانِي
حَ رعن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((لَا يُجمَعُ
بَيْنَ المَرأةِ وعَمَّتِها وَلَا بَيْنَ المَرأةِ وخَالَتِها».
وعن أبي سَلَمَةَ أنَّهُ سَمِعَ أبا هريرةَ يَقُولُ: قال رسولُ الله ◌ٍَّ:
(لَا تُنْكَحُ المَرأةُ وخَالَتُها، ولَا المَرأةُ وعَمَّتُها)».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجهُ من الطَّرِيقِ الأولى: البخاريُّ، ومسلمٌ، والنسائيُّ(١)
[١٤٢/٢ظ] من طَرِيقِ مَالِكٍ عن أبي الزِّنَادِ. وأخرجهُ النسائيّ(٢) أيضًا من رِوايَةٍ
جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ، كِلَاهُمَا، عن الأعرَجِ. وأخرجهُ من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: مسلمٌ من
رِوايَةٍ شَيْبَانَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، وهشَامِ الدَّستُوائِيٌّ فَرِقَهُمَا، والنسائيُّ(٣) من رِوايَةٍ
أبي إسمَاعِيلَ القَنَّادِ، ثَلَاثَتُهُم عن يَحيَىَ بنِ أبي كَثِيرٍ، ومسلمٌ والنسائيُّ(٤) أيضًا من
رِوايَةٍ عَمرِو بنِ دِينَارٍ كِلَاهُمَا، عن أبي سَلَمَةَ.
وأخرجهُ مسلمٌ والتِّرمِذِيُّ وابنُ مَاجَه(٥) من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ.
وأخرجهُ الشيخانِ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٦) من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن قَبِيصَةَ بنِ
نُؤَیبٍ.
ومسلمٌ والنسائيُّ(٧) [من رواية عراك بن مالك، والنسائي أيضًا من رواية
(١) البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨/ ٣٣)، والنسائي (٣٢٨٨).
(٢)
النسائي (٣٢٩٠).
مسلم (٣٧/١٤٠٨، ٠٠٠)، والنسائي (٣٢٩٤).
(٤) مسلم (٤٠/١٤٠٨)، والنسائي (٣٢٩٣).
(٣)
مسلم (٣٨/١٤٠٨، ٣٩)، والترمذي عقب (١١٢٥)، وابن ماجه (١٩٢٩).
(٥)
ليس في (ح) والحديث أخرجه البخاري (٥١١٠، ٥١١١)، ومسلم (٣٥/١٤٠٨، ٣٦)،
(٦)
وأبو داود (٢٠٦٦)، والنسائي (٣٢٨٩).
(٧) مسلم (١٤٠٨/ ٣٤)، والنسائي (٣٢٩٠).

=
كو
٣٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عبد الملك بي يسار(١).
وأبو داود، والترمذي، والنسائي](٢)، والبخاريُّ(٣) تَعلِيقًا من طَرِيقِ (٧/ ٣٠°م)
الشَّعبي؛ كُلُّهُم عن أبي هريرةَ.
وفي رِوايَةٍ قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيبٍ في ((صحيحِ البخاريِّ)). قال ابنُ شِهابٍ: فَتَرَى
خَالَةَ أبيها بِتِلكَ المَنزِلَةِ؛ لِأَنَّ عُروةَ حَدَّثَنِي، عن عَائِشَةَ، قالت: حَرِّمُوا من
الرَّضَاعَةِ مَا يَحرُمُ من النَّسَبِ.
وفي ((صَحِيحٍ مُسلِمٍ)) قال ابنُ شِهابٍ: فَتَرَى خَالَةَ أبيها، وعَمَّةَ أبيها بِتِلكَ
المَنزِلَةِ. وَلَفظُ رِوايَةِ الشَّعبي: ((لَا تُنكَحُ المَرأةُ على عَمَّتِها، ولَا العَمَّةُ على بِنتِ
أخِيها، ولَا المَرأةُ على خَالَتِها، ولا الخَالَةُ على بِنتِ أختِها، ولَا تُنكَحُ الكُبرَى على
الصُّغْرَى، ولَا الصُّغْرَى على الكُبرَى)). لَفِظُ أبي دَاوُد، ولَفُ التِّرمِذِيِّ بِمَعنَاهُ، وهو
عِندَ الشَّافِعِيِّ مُخْتَصَرٌ(٤) .
وقال الشَّافِعِيُّ كَلَُّ(٥): لَم يُرو من وجهٍ يُثبِتُهُ أهلُ الحديثِ عن
النبيّ وَُّ إلا عن أبي هريرةَ، وقَد رُوِيَ من حَدِيثٍ لَا يُثبِتُهُ أهلُ الحديثِ من
وجهٍ آخَرَ حَكَاهُ عنهُ البَيْهَقِيُّ. ثُمَّ قال: والذي قال من رِوايَةِ هَذَا الحديثِ من
غَيْرِ جِهَةِ أبي هريرةَ فَهو كَمَا قال، رُوِيَ ذَلِكَ عن عَلِيٍّ (٦)، وابنٍ مَسعُودٍ(٧)،
وابنِ عُمَرَ(٨)، وابنِ عَبَّاسٍ، وعَبدِ الله بنِ عَمرٍو (٩)، وأبي سَعِيدٍ(١٠)،
(١) في (ح): ((بشار)).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل.
البخاري تعليقًا عقب الحديث (٥١٠٨)، وأبو داود (٢٠٦٥)، والترمذي (١١٢٦)،
(٣)
والنسائي (٣٢٩٦).
مسند الشافعي (٣٧/٢، ٣٨، ٥٠ - شفاء العي).
(٤)
السنن الكبرى للبيهقي (١٦٦/٧)، ومعرفة السنن والآثار (٢٩٣/٥).
(٥)
(٦) أخرجه أحمد (٧٧/١)، ومحمد بن نصر في السنة (٢٨٣)، والبزار (٨٨٨)، وأبو يعلى
(٣٦٠).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٦/٤)، والبزار (١٤٦٢)، والطبراني (١٨/١٠) رقم (٩٨٠١).
أخرجه البزار (٦٠٢٣).
(٨)
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٧/٤)، ومحمد بن نصر في السنة (٢٨٠).
(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٦/٤)، والنسائي في الكبرى (٥٤٠٤)، وابن ماجه (١٩٣٠).

=
بَابُ مَا يَحرُمُ من النِّكَاحِ
٣٧٣
وأنَسٍ بنِ مَالِكِ، ومن النَّسَاءِ(١) عن عَائِشَةَ(٢)؛ كُلُّهُم عن النبيّ وَّةِ، إلا أنَّ شَيْئًا
من هَذِهِ الرِّوايَاتِ لَيسَ من شَرطِ صَاحِبَي الصَّحِيحِ: البُخَارِيِّ ومُسلِمٍ. وإِنَّمَا اتَّفَقَا
ومَن قَبَلَهُمَا ومَن بَعدَهُمَا من حُفَّاظِ الحديثِ على إثْبَاتِ حَدِيثِ أبي هريرةَ في هَذَا
البَابِ والاعتِمَادِ عليه دُونَ غَيرِهِ.
وقَد أخرج البخاريُّ(٣) رِوايَةَ عَاصِم الأحولِ، عن الشَّعبي، عن جَابِرِ بنِ
عَبدِ الله، عن النبيّ وَّهَ في (٤) هَذَا، ثُمَّ قال: وقال دَاوُد بنُ أبي هندَ، وابنُ عَونٍ
عن الشَّعبي، عن أبي هريرةَ. فَالحُفَّاظُ يَرَونَ رِوايَةَ عَاصِم خَطَأْ، وأنَّ الصَّحِيحَ
ڕِوایةُ ابنِ عَونٍ، ودَاوُد.
وقال الإمَامُ علاءُ الدِّينِ ابنُ التُّركُمَانِيِّ(٥) مُعتَرِضًا على البَيهَقِيِّ: قَد أثبَتَهُ
أهلُ الحديثِ من رِوايَةِ اثنَيْنِ غَيرِ أبي هريرةَ، فَأخرجهُ(٦) ابنُ حِبَّنَ في ((صَحِيحِه))
من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وأخرجهُ التِّرمِذِيُّ أيضًا (٧). وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأخرجهُ
البخاريُّ من حَدِيثٍ جَابِرٍ، كَمَا ذَكَرَهُ البَيهَقِيُّ، فَيُحمَلُ على أنَّ الشَّعبي سَمِعَهُ
منهُمَا أعنِي أبا هريرةَ وجَابِرًا، وهَذَا أولى من تَخِطِئَةِ أحَدِ الظَّرَفَينِ؛ إذ لَو كَانَ
كَذَلِكَ لَم يُخرِجُهُ البخاريُّ في ((صَحِيحِه))، على أنَّ دَاوُد بنَ أبي هندٍ اختُلِفَ عنهُ
فيه، فَرُوي عنهُ، عن الشَّعبيِّ كَمَا ذَكَرَ البَيهَقِيُّ، وأخرجهُ مسلمٌ من حَدِيثِه، عن ابنِ
سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، ولَا يَلزَمُ من كَونِ الشيخينِ لَم يُخرِجَاهُ (٧/ ٣١°م) ألا يَكُونَ
صَحِيحًا كَمَا عُرِفَ.
وقال والِدِي كَثُ في ((شَرح التِّرمِذِيِّ)): ومَا قالهُ من أنَّهُ يُحتَمَلُ سَمَاعُ
الشَّعبي لَهُ منهُمَا، صَرَّحَ به حَمَّدُ بَنُ سَلَمَةَ فِي رِوايَتِه لِهَذَا الحديثِ عن عَاصِمٍ عن
الشَّعبي عن جَابِرٍ وأبي هريرةَ. كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الحَافِظُ أبُو الحَجَّاجِ المِزِّيِّ في
((الأطرَافِ)»(٨)، إلا أنَّ البَيْهَقِيَّ حَكَى عن الحُفَّاظِ: أنَّ رِوايَةَ عَاصِمِ خَطَأْ. إذَا تَقَرَّرَ
(١) في الأصل، (م): ((النسائي)).
(٢) أخرجه محمد بن نصر في السنة (٢٨٢)، وأبو يعلى (٤٧٥٧).
(٣)
البخاري (٥٠١٨).
(٤) ليس في (ح).
(٥)
الجوهر النقي (١٦٦/٧).
(٦) في (ح): ((وأخرجه)).
الترمذي (١١٢٥)، وابن حبان (٤١١٦). (٨) تحفة الأشراف ٢٠٦/٢ (٢٣٤٥).
(٧)

=
٣٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ذَلِكَ فَمَا قالهُ الشَّافِعِيُّ ◌َّهِ صَحِيحٌ عِندَهُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ، وإن أخرجهُ
البخاريُّ، فَإِنَّهُ عَقَّبَهُ بِذِكرِ الاختِلَافِ فيه. وكُلٌّ من دَاوُد، وابنِ عَونٍ لَو انفَرَدَ أولى
من عَاصِمِ الأحوالِ؛ لِأَنَّهُمَا مُجمَعَانٍ على ثِقَتِهِمَا لَا نَعلَمُ أحَدًا تَكَلَّمَ فيهمَا،
وتَكَلَّمَ في عَاصِمِ غَيرَ واحِدٍ؛ فَكَانَ يَحيَى القَطَّانُ لَا يُحَدِّثُ عنهُ يَستَضِعِفُهُ. وقال
أَبُو أحمَدَ الحَاكِمُ: لَيسَ بِالحَافِظِ عِندَهُم، ولَم يَحمِل عنهُ ابنُ إدرِيسَ لِسُوءٍ
[١٤٣/٢ و] مَا في سِيرَتِهِ (١). ولَسنَا نُرِيدُ بِذَلِكَ تَضْعِيفَ عَاصِمِ، بَل تَرجِيحَ رِوايَتِهمَا
عليه، فَهَذَانِ وجهانِ من وُجُوه التَّرجِيحِ: كَثرَةُ الرُّواةِ، وكَونُهُمَا مُجمَعًا على
ثِقَتِهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ والِدِي ◌َُّ يبيِّنُ(٢) ضَعفَ جَمِيعِ أحَادِيثِ البَابِ غَيْرَ حَدِيثٍ
أبي هريرةَ، إمَّا مُطلَقًا وإمَّا على طَرِيقَةِ الشَّافِعِيِّ، فَلِيُرَاجَع ذَلِكَ من كَلَامِه. وقال
ابنُ عَبدِ البَرِ(٣): كَانَ بَعضُ أهلِ الحديثِ يَزْعُمُ أنَّ هَذَا الحديثَ لَم يَروِهِ أَحَدٌ غَيرُ
أبي هريرةَ، وَد رَواهُ عَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عُمَرَ، وعَبدُ الله بنُ
عَمرٍو، وجَابِرٌ كَمَا رَواهُ أَبُو هريرةَ. قال والِدِي تَظُّْهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): ولَم
يُسَمِّ ابنُ عَبدِ البَرِّ قَائِلَ ذَلِكَ من أهلِ الحديثِ، وأُّهُ أَرَادَ به الشَّافِعِيَّ؛ فَإِن كَانَ
أَرَادَه(٤) فَهو لَم يَقُل: لَم يَروِهِ وإِنَّمَا قال: لَم يَثْبُت. ثُمَّ قال ابنُ عَبدِ البَرُّ(٥):
وأظُنُّ قَائِلَ ذَلِكَ القَولِ لَم يُصَحِّح حَدِيثَ الشَّعبي، عن جَابِرٍ، وصَحَّحَ حَدِيثَ
الشَّعبي، عن أبي هريرةَ، والحديثَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: (لَا يَجمَعُ)): قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (٦): الرِّوايَةُ فيه
بِالرَّفع على الخَبَرِ عن (٧) المَشِرُوعِيَّةِ، فَيَتَضَمَّنُ النَّهيَ عن ذَلِكَ، قُلتُ: وكَذَا قَولُهُ
في الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((لَا تُنكَحُ المَرأةُ وخَالَتُها))، هو بِالرَّفِعِ أيضًا على الخَبَرِ، وهو
بِمَعَنَى النَّهىِ.
(١) ينظر: تهذيب الكمال (٤٨٨/١٣، ٤٩١)، وضعفاء العقيلي (٣٣٦/٣).
(٣) التمهيد (٢٧٧/١٨).
(٢)
في (م): ((يعين)).
(٤)
في الأصل، (م): ((أراد)).
(٦) المفهم (١٠١/٤).
(٥) التمهيد (٢٧٨/١٨).
(٧) في الأصل، (م): ((من).

=
بَابُ مَا يَحرُمُ من النِّكَاحِ
٣٧٥
■ الثَّالِثَةُ: فيه تَحرِيمُ الجَمعِ في النِّكَاحِ بَيْنَ المَرأةِ وعَمَّتِها، وبَينَ المَرأةِ
وخَالَتِها، وهو مُجمَعٌ على تَحرِيمِه، كَمَا حَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ وابنُ عَبدِ البَرِّ والنَّووِيِّ
وغَيْرُهُم(١)، وقال الشَّافِعِيُّ ◌َبه: هو قَولُ مَن لَقِيتُ من المُفتينَ(٢)، لَا اخْتِلَافَ
بَينَهُم فيمَا عَلِمته، حَكَاهُ عنهُ البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٣). (٧/ ٢٣٢) وقال النَّووِيُّ بَعدَ
حِكَايَتِه(٤) إجمَاعُ العُلَمَاءِ في ذَلِكَ: وقالت طَائِفَةٌ من الخَوارِجِ والشِّيعَةِ: يَجُوزُ.
وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥): أجَازَ الخَوارِجُ الجَمِعَ بَينَ الأختَينِ وبَينَ المَرأةِ
وعَمَّتِها وَخَالَتِها، ولا يُعتَدُّ بِخِلَافِهم؛ لِأَنَّهُم مَرَقُوا من الدِّينِ، وخَرَجُوا منهُ؛
ولِأَنَّهُم مُخَالِفُونَ لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ. انتَهَى.
وذِكرُهُ الأختَينِ هُنَا سَبق قَلَمٍ، فَلَم يُخَالِف في هَذَا أَحَدٌ وهو مَنصُوصُ
القُرآنِ. وحَكَى الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ» (٦) تَحْرِيمَ الجَمعِ بَيْنَ المَرأةِ
وعَمَّتِها والمَرأةِ وخَالَتِها عن جُمهورِ الأمَّةِ، ولَم يُعَيِّن القَائِلَ بِمَقَابله(٧). وقال ابنُ
حَزمٍ(٨): على هَذَا جُمهورُ النَّاسِ، إلا عُثْمَانَ البَتِي فَإِنَّهُ أَبَاحَهُ(٩).
■ الرَّابِعَةُ: لَا يَخْتَصُ ذَلِكَ بِالعَمَّةِ الحَقِيقِيَّةِ(١٠) التي هيَ أختُ الأبِ، ولَا
بِالخَالَةِ الحَقِيقِيَّةِ(١١) التي هيَ أختُ الأمِّ، بَل أختُ أبي الأبِ، أو أبي الجَدِّ وإن
علا، وأختُ أمِّ الأمِّ، وأمِّ الجَدَّةِ من جِهَتَي الأبِ والأمِّ وإن علت، كَذَلِكَ في
التَّحِيمِ بِلَا خِلافٍ.
(١) الإجماع لابن المنذر (ص١٠٧)، والأوسط (٤٩٩/٨) نشر وزارة الأوقاف القطرية،
والتمهيد (٢٧٧/١٨)، وشرح النووي على مسلم (١٩٠/٩).
(٤)
(٢) في (ك٢، ش): ((المفتيين)).
شرح النووي على مسلم (١٩١/٩).
(٦)
إحكام الأحكام (ص٥٧٤).
في (ك٢، م): ((بمقالته)).
(٧)
المحلى (٥٢٤/٩).
(٨)
(٩) في (ك٢): ((أجازه)).
(١٠) في (ك٢): ((الحقيقة).
(١١) في (٢٥): ((الحقيقة)).
(٣) معرفة السنن والآثار (٢٩٣/٥).
(٥) المفهم (١٠١/٤، ١٠٢).

٣٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الخَامِسَةُ: في مَعنَى عَمَّةِ النَّسَبِ وخَالَتِهِ: عَمَّة الرَّضَاعِ وخَالَتُهُ؛ لِقَولِه
عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((يَحِرُمُ من الرَّضَاعَةِ مَا يَحرُمُ من النَّسَبِ))(١) وهَذَا مُجمَعٌ
عليه أيضًا. وقَد ضَبَطَ الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم ذَلِكَ بِقَولِهم: يَحرُمُ الجَمِعُ
بَيْنَ كُلِّ امْرَأْتَينٍ بَينَهُمَا قَرَابَةٌ أو رَضَاعٌ (٢)، لَو كَانَت إحدَاهُمَا ذَكَرًا لَحَرُمَت
المُنَاكَحَةُ بَينَهُمَا، وقَصَدُوا بِقَيدِ (٣) القَرَابَةِ والرَّضَاعِ: الاحتِرَازَ عن الجَمعِ بَيْنَ
المَرأةِ وأمِّ زَوجِها وبِنتِ زَوجِها، فَإِنَّ(٤) هَذَا الجَمِعَ غَيرُ مُحَرَّمِ، وإِن كَانَ يَحرُمُ
الجَمِعُ بَينَهُمَا لَو كَانَ أحَدُهُمَا ذَكَرًا، لَكِنَّهُ لَيسَ بِقَرَابَةٍ وَلَا رَضَاعٍ، بَل
بِمُصَاهَرَةٍ (٥)، وَلَيْسَ فِيهَا رَحِمٌ يُحذَرُ قَطعُها، بِخِلَافِ الرَّضَاعِ والقَرَابَةِ، وهَذَا الذِي
ذَكَرته من الإِبَاحَةِ فِي هَذِه الصُّورَةِ هو قَولُ الأئِمَّةِ الأربَعَةِ وجُمهورِ السَّلَفِ. وقال
ابنُ المُنذِر (٦): رُوِّينا عن الحَسَنِ البَصرِيِّ(٧) وعِكرِمَةَ أنَّهُمَا كَرِها ذَلِكَ، فَأَمَّا
الحَسَنُ فَقَد ثَبَتَ عنهُ رُجُوعُهُ عن هَذَا، وأمَّا إسنَادُ حَدِيثٍ عِكرِمَةَ فَفيه مَقَالٌ.
وحَكَاهُ النَّووِيُّ، والقُرطُبي، عن الحَسَنِ، وعِكرِمَةَ، وابنٍ أبي ليلى(٨). وذَكَرَ
ابنُ عَبدِ البَرِّ (٩) عن الشَّعبي أنَّهُ قال: كُلُّ امرَأْتَيْنِ إذَا جَعَلت مَوضِعَ إحدَاهُمَا ذَكَرًا
لَمْ يَجُز أن تَتَزَوجَ (١٠) بِالأخرَى فَالجَمِعُ بَيْنَهُمَا [١٤٣/٢ظ] بَاطِلٌ. فَقِيلَ لَهُ: عَمَّن
هَذَا؟ فقال: عن أصحَابِ رسولِ اللهِ وَّهِ. قال سُفْيَانُ الثَّورِيُّ: تَفْسِيرُهُ عِندَنَا: أن
يَكُونَ من النَّسَبِ ولَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ امرأةٍ وابنَةِ زَوجِها يَجمَعُ بَينَهُمَا إن شَاءَ قال
(١) البخاري (٥٠٩٩)، ومسلم (٩/١٤٤٥) من حديث عائشة رة
(٣) في (ش): ((بقية)).
(٢) في (ك٢): ((إرضاع)).
(٤) في (ح): ((وأن)).
(٥)
في (ح): ((مصاهرة)).
الأوسط (٥٠١/٨) نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٦)
(٧)
ليس في (ك٢).
المفهم (١٠٢/٤)، وروضة الطالبين (٤٥٧/٥).
(٨)
(٩) التمهيد (٢٨١/١٨، ٢٨٢).
(١٠) في (ح، ش): ((يتزوج)).

=
بَابُ مَا يَحرُمُ من النِّكَاحِ
٣٧٧
ابنُ عَبدِ البَرِّ: وعلى هَذَا سَائِرُ فُقَهاءِ الأمصَارِ من أهلِ الحديثِ (٣٣/٧°م) وغَيرِهم
[فيما علمت] (١)، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا الأصلِ. قال: وقَد كَرِهَهُ قَومٌ من السَّلَفِ.
والذي عليه الفُقَهاءُ: أنَّهُ لَا بَأسَ به. وقال ابنُ حَزم(٢): في هَذَا خلافٌ(٣) قَدِيمٌ
لَا نَعلَمُ أحَدًا يَقُولُ به الآنَ. وحَكَى صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٤) هَذَا المَذهَبَ الشَّاذَّ عن
زُفَرَ. وخَرج بهذَا الضَّابِطِ بِنتَا العَمِّ وبِنتَا الخَالَةِ ونَحوهُمَا، فَيَجُوزُ الجَمِعُ بَيْنَهُنَّ
بِالإِجمَاعِ إلا مَا حَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ والقَاضِي عِيَاضٌ(٥) عن بَعضِ السَّلَفِ أنَّهُ
حَرَّمَهُ. وهو قَولٌ بِلَا دَلِيلٍ. ويَرُدُّهُ قَوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾.
[النساء: ٢٤] من غَيرِ مُعَارِضٍ. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦) عن قَتَادَةَ أنَّهُ يُكرَهُ من أجلِ
القَطِيعَةِ، وعن مَالِكِ أنَّ نَاسًا لَيَتَّقُونَهُ. وقال مَرَّةً: غَيرُهُ أحسَنُ منهُ. وحَكَى
ابنُ المُنذِرِ(٧) كَرَاهَةَ الجَمعِ بَينَهُمَا عن عَطَاءٍ، وجَابِرِ بنِ زَيدِ(٨)، وسَعِيدِ بنِ
عَبدِ العَزِيزِ. ثُمَّ قال: الجَمِعُ بَيْنَهُمَا جَائِزٌ، ولا أعلَمُ أحَدًا أَبَطَلَهُ.
■ السَّادِسَةُ: لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنِّكَاحِ، بَل يَحرُمُ جَمِعُهُمَا(٩) بِمِلكِ اليَمِينِ
في الوطءِ لَا في أصلِ المِلكِ، فَلَهُ أن يَملِكَ أختَينٍ، وجَارِيَةً وعَمَّتَها، وجَارِيَةً (١٠)
وخَالَتَها، ولَكِن لَا يَجمَعُ بَينَهُمَا في الوطءِ، فَإِذَا وطِئَ إحدَاهُمَا حُرِّمَت عليه
الأخرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الأولى على نَفسِه، إمَّا بِإِزَالَةِ المِلكِ؛ كَبَيع كُلِّها أو بَعضِها،
أو هَبَتِّه مَعَ الإقبَاضِ، أو بِالإعتَاقِ، وإمَّا بِإِزَالَةِ الحِلِّ بِالتَّزوِيجِ أَو (١١) الكِتَابَةِ، ولَا
يَكفي الحَيضُ والإحرَامُ والعِدَّةُ عن وطءِ شُبهَةٍ؛ لِأنَّها أسبَابٌ عارضة(١٢) لَم تُزِل
(١) زيادة من (ح، ش)، وهي موافقة لمطبوعة التمهيد.
(٢)
المحلى (٥٣٢/٩).
(٣) في الأصل، (م): ((اختلاف)).
(٤)
الهداية (١٨٧/١).
إكمال المعلم (٥٤٧/٤)، والتمهيد (٢٨٠/١٨).
(٥)
(٦)
التمهيد (٢٨٠/١٨، ٢٨١).
(٧) الأوسط (٥٠٣/٨). نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٨)
في (ح): ((يزيد)). تصحيف.
(١٠) ليست في (ش).
(١٢) ليست في الأصل، (م).
(٩) في (ك٢): ((جمعها)).
(١١) في (ك٢، ش، ح): (و)).

٣٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المِلكَ ولَا الاستِحِقَاقَ، وكَذَا الرَِّّةُ لَا تُبِيحُ الأخرَى، وكَذَا الرَّهنُ على الأَصَحِّ،
ولَو بَاعَ بِشَرطِ الخِيَارِ، فَحَيثُ يَجُوزُ لِلبَائِعِ الوطءُ لَا تَحِلُّ به(١) الثَّانِيَةُ، وحَيثُ لَا
يَجُوزُ فيه وجهانٍ. قال الإمَامُ(٢): الوجهُ عِندِي القَطعُ بِالحِلِّ، ولَا يَكفي استِبرَاءُ
الأولى؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الفِرَاشَ. وعن القَاضِي حُسَينٍ: أنَّ القِيَاسَ الإِكتِفَاءُ به(٣)؛
لِنَّهُ يَدُلُّ على البَرَاءَةِ. وعن القَاضِي أبي حَامِدٍ قال: غَلِطَ بَعضُ أصحَابِنَا فقال:
إذَا قال: حَرَّمتها على نَفسِي، حُرِّمَت عليه وحَلَّتِ الأخرَى، هَذَا كَلَامُ أصحَابِنَا
الشَّافِعِيَّةِ(٤). واكتَفَى الحَنَابِلَةُ بِاسْتِبِرَائِها، وعِندَهُم وجهانِ (٧/ ٣٤م) في الاكتِفَاءِ
بِالكِتَابَةِ، وقال أبُو الخَطَّابِ من الحَنَابِلَةِ: لَيسَ لَهُ الإقدَامُ(٥) على وطءٍ إحدَاهُمَا(٦)
حَتَّى يُحَرِّمَ الأخرَى بِمَا تَقَدَّمَ، وبه قال ابنُ حَزمٍ(٧). والجُمهورُ من الحَنَابِلَةِ،
وغَيرُهُم من العُلَمَاءِ: على أنَّ لَهُ الإقدَامَ على وَطءٍ أَيَّتِهِمَا (٨) شَاءَ، فَإِذَا وطِئَ
واحِدَةً، حُرِّمَت الأخرَى. وقال المَالِكِيَّةُ: لَا يَكفي هبَتُها لِمَن يَعتَصِرُها منهُ ولَو
يتيمًا في حِجْرِه؛ إذا لَهُ انتِزَاعُها بِالبَيعِ، وعن أحمَدَ رِوايَةٌ: أَنَّهُ(٩) لَا يَحْرُمُ الجَمِعُ
في الوطءِ بِمِلكِ اليَمِينِ، وإِنَّمَا يُكرَهُ فَقَط. وحَكَى أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٠) جَوازَهُ
عن بَعضِ السَّلَفِ، قال: وهو خِلَافٌ شَاٌ. وحَكَاهُ النَّووِيُّ(١١) عن الشِّيعَةِ، وأنَّهُم
قَالُوا: إنَّ الآيَةَ إِنَّمَا هِيَ في النِّكَاحِ قال: وقَولُهُم: إنَّهُ مُختَصُّ بِالنِّكَاحِ لَا يُقبَلُ،
بَل جَمِيعُ المَذكُورَاتِ في الآيَةِ مُحَرَّمَاتٌ بِالنِّكَاحِ وبِمِلكِ الْيَمِينِ جَمِيعًا، ومِمَّا يَدُلُّ
عليه قَوله تعالى: ﴿وَأَلْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]،
فَإِنَّ مَعنَاهُ: أَنَّ مِلكَ اليَمِينِ يَحِلُّ وطؤُها بِمِلكِ الْيَمِينِ لِإِنكَاحِها؛ فَإِنَّ عَقدَ النِّكَاح
عليها لَا يَجُوزُ لِسَيِّدِها. انتَهَى.
في (ش): ((له)).
(١)
(٣)
لیس في (ح).
(٢) نهاية المطلب (٢٢٨/١٢).
(٤) ينظر: روضة الطالبين (٤٥٨/٥).
(٥)
ليست في الأصل.
(٦) في (ك٢): ((أحدهما)).
زاد في (م): ((الظاهري))، وينظر: المحلى (٥٢١/٩، ٥٢٥)، وينظر: الفواكه الدواني
(٧)
(١٠٢٩/٣)، واختلاف الأئمة العلماء (٣٩٠/١، ٣٩٢).
(٨) في (ك٢): ((أيتها)).
(١٠) المفهم لما أشكل (١٠١/٤).
(١١) شرح النووي على مسلم (١٩١/٩، ١٩٢).
(٩) ليس في (ش).

=
بَابُ مَا يَحرُمُ من النِّكَاحِ
٣٧٩
وقال ابنُ المُنذِرِ (١): اختُلِفَ فيه عن ابنِ عَبَّاسٍ، فَرُوِيَ عنهُ أنَّهُ قال:
حَرَّمَتها آيَةٌ، وأحَلَّتها آيَةٌ، ولَم أكُن أفعَلُهُ. وَرَوى البَيْهَقِيُّ(٢) مِثْلَهُ عن عُثْمَانَ، وأنَّ
رَجُلًا آخَرَ من الصَّحَابَةِ قال: لَو كَانَ لِي من الأمرِ شَيءٌ ثُمَّ وجَدت أحَدًا فَعل
ذَلِكَ لَجَعَلته نَكَالًا. قال الزُّهرِيُّ: أَرَاهُ عَلِيَّ بِنَ أَبِي طَالِبٍ
■ السَّابِعَةُ: قال النَّووِيُّ(٣): احتَجَّ الجُمهورُ بهذِه الأحَادِيثِ، وخَصُّوا بها
قَوله تعالَى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ [١٤٤/٢ و] ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. والصَّحِيحُ الذِي
عليه جُمهورُ الأصُولِيِّينَ: جواز(٤) تَخصِيصُ عُمُومِ القُرآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ وَّلـ
مُبَيِّنٌ لِلنَّاسِ مَا نُزَّلَ إلَيهم من كِتَابِ الله. وقال صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٥) من الحَنَفيةِ:
هَذَا مَشهورٌ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ على الكِتَابِ بِمِثلِه.
■ الثَّامنةُ: ذَكَرَ العُلَمَاءُ: أنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ مَا يُفْضِي إلَيه من قَطعِ الأرحَامِ
النَّاشِئِ عن التَّبَاغُضِ الذِي يَثُورُ من الغَيرَةِ، ولَا يَرِدُ على ذَلِكَ إِيَاحَةُ الجُمهورِ
الجَمِعَ بَينَ بِنتَي العَمِّ ونَحوِهمَا؛ لِأنَّ ذَلِكَ أَكَدُ في المَحَارِمِ، فَلَا يَلزَمُ طَرَدُهُ في
غَيرِهِنَّ. ويَدُلُّ لِهَذَا التَّعلِيلِ: مَا رَواهُ ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))(٦) عن ابنِ عَبَّاسٍ
قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ أَن تُزَوَّجَ(٧) المَرأةُ على العَمَّةِ والخَالَةِ، قال: إنَّكُنَّ (٨) إِذَا
[فَعَلَتُنَّ ذَلِكَ قَطَعتُنَّ أرحَامَكُنَّ](٩). وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ)) (١٠) عن عِيسَى بنِ
طَلحَةَ مُرسَلًا قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ أَن تُنكَحَ المَرأةُ على قَرَابَتِها؛ مَخَافَةً
القَطِيعَةِ، والله أعلم.
(١) الأشراف على مذاهب العلماء (١٠٠/٥).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٣/٧).
شرح النووي على مسلم (١٩١/٩).
(٣)
(٤) زيادة من (ك٢، ش).
(٦) ابن حبان (٤١١٦).
(٥)
الهداية (١/ ١٨٧).
في الأصل، (م): ((يزوج)). وفي (ش): ((تتزوج)).
(٧)
في (ش): ((إيكن))
(٨)
(٩) غير واضح في (ح، ش).
(١٠) ابن أبي شيبة (٢٤٨/٤).

W
٣٨٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
(٣٥/٧م) الحديثُ الثَّالِثُ
وعن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِوَلِّ قال: «لَا تَسألُ
المَرأةُ طَلَاقَ أختِها لِتَستَفرِغَ صَحِفَتَها (١) ولتَنكِح، فَإِنَّمَا لَها مَا قُدِّرَ لَها)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجهُ البخاريُّ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٢) من هَذَا الوجه من
طَرِيقِ مَالِكٍ. وأخرجهُ الشيخانِ، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(٣) من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ
عُيَيْنَةَ. والشيخانِ والنسائيُّ(٤) من طَرِيقِ مَعمَرٍ. ومسلمٌ(٥) من طَرِيقِ يُونُسَ بِنِ
يَزِيدَ: ثَلَاثَتُهُم، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ.
[وأخرجهُ النسائيّ(٦) أيضًا من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، عن الزُّهرِيِّ،
عن سَعِيدٍ، وأبي سَلَمَةَ: كِلَاهُمَا عن أبي هريرةَ](٧).
وأخرجهُ مسلمٌ (٨) من طَرِيقٍ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ بِلَفِظِ: ((فَإِنَّمَا
لَها مَا كَتَبَ اللهُ لَها))، وفي لَفِظِ لَهُ(٩): ((فَإِنَّ اللهَ رَتْ رَازِقُها)).
وأخرجهُ البخاريُّ (١٠) من طَرِيقِ سَعدٍ بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن
أبي هريرةَ بِلَفِظِ: ((لَا يَحِلُّ لِمرَأَةٍ تَسألُ طَلَاقَ أختِها لِتَستَفرِغَ صَحِفَتَها (١١)؛ فَإِنَّمَا لَها
مَا قُدِّرَ لَها)). وبَوّبَ عليه: بَابَ الشُّرُوطِ التي لَا تَحِلُّ في النِّكَاحِ. وَرَواهُ البَيْهَقِيُّ (١٢)
من هَذَا الوجه بِلَفِظِ : ((لَا يَنبَغِي لِامرأةٍ أن تَشتَرِطَ طَلَاقَ أختِها لِتَكَفَأْ إِنَاءَها)).
(١) في الأصل: ((صفحتها)).
البخاري (٦٦٠١)، وأبو داود (٢١٧٦)، والنسائي في الكبرى (٩٢١٢).
(٢)
البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (٥١/١٤١٣)، والترمذي (١١٩٠)، والنسائي (٣٢٣٩).
(٣)
(٤)
البخاري (٢٧٢٣)، ومسلم (٥٣/١٤١٣)، والنسائي (٤٥١٤).
(٥)
مسلم (٥٢/١٤١٣).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في (ح).
(٩) ليس في (ش).
(١١) في الأصل: ((صفحتها)).
(٦) النسائي (٤٥١٨).
(٨) مسلم (٣٨/١٤٠٨، ٣٩).
(١٠) البخاري (٥١٥٢).
(١٢) السنن الكبرى (٢٤٩/٧).