Indexed OCR Text
Pages 341-360
= كِتَابُ النِّكَاحِ ٣٤١ والوِجَاءُ هو رَضُّ الخُصيَتَينِ بِحَجَرٍ ونَحوِهِ، وأصلُهُ الغَمزُ والطَّعنُ، ومنهُ وجَأْهُ(١) في عُنُقِه ووجَأْ بَطنَهُ بِالخِنجَرِ، وقال بَعضُهُم: الوِجَاءُ أن تُوجَأ العُرُوقُ والخُصيَتَانِ بَاقِيَتَانِ بِحَالِهِمَا، والخِصَاءُ شَقُّ الخُصَيَتَينِ واستِئْصَالُهُمَا، والجَبُّ: أن تُحمَى(٢) الشَّفْرَةُ (٣) ثُمَّ يُستَأَصَلُ(٤) بها الخُصيَتَانِ، ولَيسَ المُرَادُ هُنَا [١٣٦/٢ظ] حَقِيقَةَ الوِجَاءِ، بَل سَمَّى الصَّومَ وِجَاءً؛ لِأنَّهُ يَفعَلُ فِعلَهُ ويَقُومُ مَقَامَهُ، فَالمُرَادُ أنَّهُ يَقطَعُ الشَّهوةَ، ويَدفَعُ شَرَّ الجِمَاعِ كَمَا يَفْعَلُهُ الوِجَاءُ، فَهو من مَجَازِ المُشَابَهَةِ المَعْنَوِيَّةِ(٥). ■ (٨/٧م) الثَّالِثَةَ عَشرَ: قال الخَطَّابي (٦): فيه جَوازُ التعالُجِ لِقَطِعِ البَاءَةِ بِالأدوِيَّةِ ونَحوِها . قُلتُ: لَا يَلَزَمُ من الإرشَادِ لِلصَّومِ لِكَسرِ الشَّهوةِ، الإرشَادُ لِاستِعمَالِ مَا يَقَطَعُها، فَإِنَّهُ قَد تَحصُلُ السَّعَةُ(٧)؛ لِأنَّ المَالَ غَادٍ ورَائِحٌ، فَيَجِدُ شَهوتَهُ ويَتَمَكَّنُ من تَحصِيلِ مَقَاصِدِ النِّكَاحِ(٨) الدِّينِيَّةِ والدُّنيَوِيَّةِ، وإذَا استَعمَلَ مَا يَقَطَعُها فَاتَ ذَلِكَ، وقَد قال أصحَابُنَا: إنَّهُ لَا يَكسِرُها بِالكَافُورِ ونَحوِهِ، فَمَا ذَكَرَهُ لَيسَ هو المَنْقُولُ ولَا يَصِحُّ اسْتِنبَاطُهُ من الحديثِ، واللهُ أعلمُ. ■ الزَّابِعَةَ عَشرَ: قال الخَطَّبي(٩): وفيه أنَّ المَقصُودَ في النِّكَاحِ الوطءُ، وأنَّ الخِيَارَ في العُنَّةِ واجِبٌ. وقال والِدِي ◌َّتُهُ: ومَا أدرِي مَا وجهُ الدَّلَالَةِ فيه؟ قُلتُ: قَد وظَأْ لَهُ بِاستِدلَالِه به أولًا على أنَّ المَقصُودَ في النِّكَاحِ الوطءُ؛ أي: والعُنَّةُ مُفَوِّتَةٌ لِمَقْصُودِهِ، ومُقتَضَى ذَلِكَ تَأْثِيرُها فيه، لَكِنَّ تَأْثِيرَ الخِيَارِ بِخُصُوصِه يَحْتَاجُ إلى دَلِيلٍ خَاصٍّ، ولَيسَ فِي هَذَا الحديثِ مَا يَدُلُّ عليه بِالتَّعِينِ. واللهُ أعلمُ. (١) في الأصل، (ح): ((وجأ)). (٣) في الأصل، (م): ((السفرة)). (٥) ينظر: المفهم (٤ / ٨٥)، وإكمال المعلم (٤/ ٥٢٧). (٦) معالم السنن (١٧٩/٣). (٨) ليست في (ك٢). (٢) في (ح): ((يحمي)). (٤) في (ك٢، ح): ((تستأصل)). (٧) في (ح): ((البيعة)). (٩) معالم السنن (٣/٣). ٣٤٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الحديثُ الثَّانِي فجّ رعن جَابِرِ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: «هَل نَكَحثَ؟» قُلتُ: نَعَم، قال: ((أبكرًا أم ثَيِّبًا))؟ قُلتُ: ثَيِّبٌ، قال: ((فَهَلَّا بِكَرًّا تُلَاعِبُها وتُلَاعِبُكَ، قُلتُ: يَا رسولَ الله، قُتِلَ أبي يَومَ أَحٍُ، وتَرََكَ تِسعَ بَنَاتٍ، فَكَرِهتُ أن أجمَعَ إِلَيهنَّ خَرِقَاءَ مِثْلَهُنَّ، ولَكِن امرأةٌ تَمْشُطُهُنَّ (٧/ ١٠م) وتَقُومُ عليهنَّ، قال: ((أُصَبتَ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجهُ البخاريُّ، ومسلمٌ(١)، من هَذَا الوجه، من طَرِيقٍ سُفْيَانَ بِنِ عُيَيْنَةَ. وأخرجاهُ أيضًا، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(٢) من طَرِيقِ حَمَّادِ بنِ زَيدٍ، كِلَاهُمَا عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جَابٍِ. وفي رِوايَةِ الشيخينِ من رِوايَةٍ (٣) حَمَّادٍ: («تُلَاعِبُها وتُلَاعِبُكَ، وُضَاحِكُها وتُضَاحِكُكَ)). وفي رِوايَةٍ لَهُمَا: ((أو تُضَاحِكُها وتُضَاحِكُكَ)). وفي رِوايَتِهمَا، ورِوايَةِ التِّرمِذِيِّ: وتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، أو سَبعًا. وفي رِوايَتِهِمَا: ((فَبَارَكَ اللهُ لَكَ))، أو قال: ((خَيرًا)) وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: (فَبَارََكَ اللهُ عليكَ)) وفي رِوايَةِ التِّرمِذِيِّ: ((فَدَعَا لِي)). وأخرجهُ الشيخانِ(٤) أيضًا من طَرِيقِ شُعبَةَ، عن مُحَارِبٍ بِنِ دِثَارٍ، عن جَابِرٍ، وفيه: فقال: ((مَا لَك ولِلعَذَارَى وَلُعَابها))، فَذَكَرت ذَلِكَ لِعَمرِو بنِ دِينَارٍ، (١) البخاري (٤٠٥٢)، ومسلم (٧١٥). (٢) البخاري (٥٣٦٧، ٦٣٨٧)، ومسلم (٥٦/٧١٥)، والترمذي (١١٠٠)، والنسائي (٣٢١٩). (٣) في (ك٢، ح): ((طريق)). (٤) البخاري (٥٠٨٠)، ومسلم (٥٥/٧١٥). = كمـ ٣٤٣ كِتَابُ النِّكَاحِ فقال: سَمِعتِ جَابِرَ بنَ عَبدِ الله يَقُولُ: قال لي(١) رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُها وتُلَاعِبُكَ)) لَفِظُ البُخَارِيِّ. ولَفِظُ مُسلِم قال: ((فَأينَ أنتَ من العَذَارَى ولُعَابها))؟ قال شُعبَةُ: فَذَكَرَتُهُ لِعَمرِو بنِ دِينَارٍ فقال: قَد سَمِعتُهُ من جَابِرٍ، وإنَّمَا قال: (فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُها وتُلَاعِبُكَ)). وأخرجهُ مسلمٌ، والنسائيُّ(٢) من طَرِيقٍ عَبدِ المَلِكِ بنِ أبي سُلَيمَانَ، عن عَطَاءٍ، عن جَابِرٍ وفيه: ((أنَّ المَرأةَ تُنْكَحُ على دِينِها ومَالِها وجَمَالِها؛ فَعليك بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاَك)) ورَواهُ ابنُ مَاجَهَ(٣) بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. وأخرجهُ أبو داودَ(٤) من رِوايَةِ سَالِمٍ بنِ أبي الجَعدِ، عن جَابِرٍ. وهو في ((الصَّحِيحَينِ))(٥) في أثناءِ قِصَّةِ الجَمَلِ من حَدِيثِ الشَّعبي، ووهبٍ بِنِ كَيسَانَ. وفي ((صَحِيحِ مُسلِمٍ))(٦) وغَيرِهِ من حَدِيثِ أبي نَضرَةَ كُلَّهُم عن جَابِرٍ . ■ الثَّانِيَةُ: البِكرُ: هِيَ الجَارِيَةُ البَاقِيَةُ على حَالَتِها الأولى، والثَّيِّبُ: المَرأةُ التي دَخَلَ بها الزَّوجُ، وكَأَنَّها ثَابَت إلى حَالِ كِبَارِ النِّسَاءِ غَالِبًا. وقَولُهُ: قُلتُ ثَيِّبٌ. بِالرَّفع كَذَا في رِوايَتِنَا هُنَا، وهو خَبَرُ مُبتَدَأٍ مَحذُوفٍ؛ أي: هيَ - أي المنگُوحَةُ - نَيِّبُ. وقَولُهُ: ((هَلََّ بِكَرًّا)) مَنصُوبٌ بِفِعلٍ مَحذُوفٍ؛ أي: هَلَّا نَكَحتَ بِكرًا، وفي بَعضِ رِوايَاتِ ((الصَّحِيحِ)): ((هَلَّا تَزَوجتَ بِكرًا)). وقَولُهُ: ((تُلَاعِبُها وتُلَاعِبُكَ)) من اللَّعبِ المَعْرُوفِ، وَيُؤَيِّدُهُ(٧) قَولُهُ: ((وتُضَاحِكُها وتُضَاحِكُكَ)). وقَولُهُ في رِوايَةٍ [١٣٧/٢ و] لِأبي عُبَيدٍ (٨): ((وتُدَاعِبُها وتُدَاعِبُكَ)) (١) ليس في (م). مسلم (ص١٠٨٦) (٥٤/٧١٥)، والنسائي (٣٢٢٦). (٢) (٣) ابن ماجه (١٨٦٠). (٤) أبو داود (٢٠٤٨). البخاري (٢٤٠٥، ٢٤٠٦، ٥٠٧٩، ٥٢٤٥، ٥٢٤٧، ٢٠٩٧)، ومسلم (٥٧/٧١٥، ٠٠٠). (٥) مسلم (٥٨/٧١٥). (٦) في (ك): ((ويؤده)). (٧) غريب الحديث (٣٣٣/١). (٨) = ٣٤٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ من الدُّعَابَةِ وهيَ المَزحُ، هَكَذَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ(١) عن جُمهورِ المُتَكَلِّمِينَ في شَرحِ هَذَا الحديثِ. وقال بَعضُهُم: يَحتَمِلُ أن يَكُونَ من اللُّعَابِ وهو الرِّيقُ (٧] ١١م) وقَولُهُ في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((ولِعَابها)) هو بِكَسرِ اللام، وهو مَصدَرُ لَاعَبَ من المُلَاعَبَةِ؛ كَقَاتَلَ مُقَاتَلَةُ. قال القَاضِي عِيَاضٌ: والرِّوايَةُ في ((كِتَابٍ مُسلِم)» بِالكُسرِ لَا غَيرُ، ورِوايَةُ أبي(٢) ذَرِّ الهَرَوِيِّ من طَرِيقِ المُستَملِي لـ((صحيحِ البخاريّ))) ولُعَابُها بِالضَّمِّ يَعنِي به رِيقَها عِندَ التَّقبيلِ. قال أبو العَبَّاسِ القُرطبي(٣): وفيه بُعدٌ، والصَّوابُ الأولُ. وقال القاضي(٤) عِيَاضٌ(٥): إنَّ الأولَ أظهَرُ وأشهَرُ، وفي ((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ الكَبيرِ))(٦) من حَدِيثِ كَعبِ بنِ عُجرَةَ: ((فَهَلَّا بِكَرًّا تَعَضُها وتَعَضُكَ)). ■ الثَّالِثَةُ: وفيه استِحِبَابُ نِكَاحِ البِكرِ لِكَونِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ حَضَّ على ذَلِكَ، وفي ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه))(٧) عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَالِمٍ بن(٨) عُتْبَةَ بنِ عُوِيمٍ(٩) بنِ سَاعِدَةَ الأنصَارِيِّ، عن أبيه، عن جَدِّه قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلّى : ((عليكُم بِالأبكَارِ فَإِنَّهُنَّ أعذَبُ أفواهًا وأنتَقُ أرحَامًا وأرضَى بِالَسِيرِ)). ورَواهُ الطَّبَرَانِيُّ في ((المُعجَمِ الكَبيرِ))(١٠) من حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ. وقَولُهُ: ((أنتَقُ أرحَامًا)). بِالنُّونِ والتَّاءِ المُثَنَّةِ من فَوقٍ والقَافِ؛ أي: أكثَرُ أولَادًا يُقَالُ لِلمَرأةِ الكَثِيرَةِ الولَدِ: نَاتِقٌ؛ لِأَنَّها تَرمِي بِالأولَادِ رَميًا، والنَّتْقُ الرَّميُّ والنَّفْضُ والحَرَكَةُ. (١) إكمال المعلم (٦٧٤/٤)، وينظر: شرح النووي على مسلم (٥٢/١٠). (٣) المفهم (٢١٥/٤). (٢) في (ك٢، ح): ((ورواه أبو)). (٤) زيادة من: (ك٢، ح). (٥) إكمال المعلم (٤/ ٦٧٤). الطبراني (١٤٩/١٩) رقم (٣٢٨). قال الهيثمي في المجمع (٢٦٢/٤): رواه الطبراني (٦) عن الربيع بن كعب بن عجرة عن أبيه، ولم أجد من ترجم الربيع، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف، وقد وثقهم ابن حبان. (٨) في الأصل، (م): ((عن)). (٧) ابن ماجه (١٨٦١). (٩) في الأصل، (م): ((غويم)). (١٠) الطبراني (١٤٠/١٠) ح (١٠٢٤٤). قال الهيثمي في المجمع (٢٦٢/٤): فيه أبو بلال الأشعري، ضعفه الدارقطني. كِتَابُ النَّكَاحِ ٣٤٥ = وفي ((صحيح البخاريٍ))(١) عن عَائِشَةَ قالت: قُلتُ: يَا رسولَ الله، أرأيتَ لَو نَزَلتَ وادِيًا وفيه شَجَرٌ قَد أُكِلَ منها، وشَجَرٌ لَم يُؤْكَل منها، في أيُّها كُنتَ تُرتِعُ بَعِيرَكَ، قال: ((في الشَّجَرَةِ التي لَم يُؤكَل منها)). قالت: فَأْنَا هيَ (٢). إنَّ رسولَ اللهِ وَلٌ لَم يَتَزَوجِ بِكَرًا غَيرَها . وقَد استَشكَلَ بَعضُهُم الحَضَّ على البِكرِ، مَعَ الحَضِّ على الوُلُودِ، وقال: إِنَّهُمَا صِفَتَانِ مُتَنَافِيتَانٍ؛ فَإِنَّها مَتَى عُرِفَت بِكَثْرَةِ الوِلَادَةِ لَا تَكُونُ بِكرًا. وأجِيبَ عن ذَلِكَ بِأنَّهُ قَد تُعرَفُ كَثْرَةُ أولَادِها(٣) من أقَارِبها، وفيه نَظَرٌ. وقَد يُقَالُ: هُمَا صِفَتَانٍ مُرَغَّبٌ فيهمَا، فَإِمَّا أن يَحصُلَ على البِكرِ، أو على كَثِرَةٍ(٤) الأولَادِ إِن كَانَت ثَيِّبًا، والحَقُّ أَنَّهُ لَا تَنَافي بَينَهُمَا، وأنَّهُ لَيسَ المُرَادُ بِالولُودِ كَثْرَةَ(٥) الأولَادِ، وإنَّمَا المُرَادُ مَن هيَ في مَظِنَّةِ الوِلَادَةِ، وهيَ الشَّابَّةُ دُونَ العَجُوزِ التي انقَطَعَ حَبَلُها، فَالصِّفَتَانِ حِينَئِذٍ من وادٍ واحِدٍ، وهُمَا مُتَّفِقَتَانِ غَيْرُ مُتَنَافيتَينِ، واللهُ تعالى أعلمُ. الرَّابِعَةُ: وفيه مُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ امْرَأْتَهُ، ومُلَاطَفَتُهُ لَها، وتَضَاحُكُهُمَا، وحُسنُ العِشرَةِ بَيْنَهُمَا(٦). الخَامِسَةُ: وفيه سُؤَالُ الإمَامِ والكَبيرِ أصحَابَهُ عن أمُورِهم، وتَفَقُّدُ أحوالِهم، وإرشَادُهم إلى مَصَالِحِهم، وتَنبيههم على وجه المَصلَحَةِ فيها، (١١/٧م) وأنَّ مِثلَ ذَلِكَ من ذِكرِ النِّكَاحِ لَا يَنبَغِي الاستِحِيَاءُ منهُ. ■ السَّادِسَةُ: وفيه فَضِيلَةٌ لِجَابِرٍ رَبِهِ [بِإِثَارِهِ مَصلَحَةَ] (٧) إخوانِه(٨) على حَظّ نَفسِه، وأنَّهُ عِندَ تَزَاحُمُ المَصلَحَتَينِ يَنبَغِي تَقَدُّمُ أَهَمِّهمَا (٩). وقَد صَوّبَهُ (١) البخاري (٥٠٧٧). (٣) في (٢٥): ((ولادتها)). (٥) في (ك٢): «كثيرة». ينظر: شرح النووي على مسلم (١٠/ ٥٣). (٦) (٧) غير واضح في الأصل. (٩) في (٢٤): ((أهمها)). (٢) بعده في (م)، والبخاري: ((تعني)). (٤) في (ك٢): ((كثيرة)). (٨) في (ك٢): ((إخوته)). ٣٤٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ النبيّ ◌َّ﴿ فِيمَا فعَل(١) ودَعَا لَهُ لِأَجلِ ذَلِكَ، وفيه الدُّعَاءُ لِمَن فَعل خَيرًا وإن لَم يَتَعلق بِالدَّاعِي(٢). ■ السَّابِعَةُ: وفيه جوازُ خِدمَةِ المَرأةِ زَوجَها وأولَادَهُ وأخَواتِهِ(٣) وعِيَالَهُ، وأنَّهُ لَا حَرِج على الرَّجُلِ في قَصدِه من امرَأْتِه ذَلِكَ، وإن كَانَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عليها، وإِنَّمَا تَفْعَلُهُ بِرِضَاها (٤). ■ الثَّامنةُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ التي فيها الجَزمُ بِأنَّ أخَواتِهِ كُنَّ تِسعًا، مُقَدَّمَةٌ على رِوايَةٍ حَمَّادِ بنِ زَيدِ التي فيها التَّرَدُّدُ بَينَ التِّسعِ والسَّبعِ؛ فَإِنَّ(٥) مَن حَفِظَ حُجَّةٌ على مَن لَم يَحفَظ . ■ التَّاسِعَةُ: الخَرقَاءُ بِفَتحِ الخَاءِ المُعجَمَةِ، وإسكَانِ الرَّاءِ المُهمَلَةِ، وبِالقَافِ: الحَمِقَاءُ، الجَاهِلَةُ بِأعمَالِ المَنزِلِ، المُحتَاجِ إلَيها وهيَ تَأْنِيثُ الأخرَقِ. وقَولُهُ: أجمَعَ إلَيهنَّ(٦) يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ ضَمَّنَهُ مَعنَى أَضُمُّ، ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ ((إلى)) بِمَعنَى ((مَعَ)) كَمَا قِيلَ في قَولِه: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وفي قَولِه: [١٣٧/٢ظ] ﴿وَلَ تَأْكُوْاْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وفي قَولِه: ﴿إِلَى ﴾ [المائدة: ٦]. الْمَرَافِق: ■ العَاشِرَةُ: قَولُهُ: ولَكِن امرأةٌ. رُوِّيناهُ بِالرَّفع على حَدِّ قَولِه: ثَيِّبٌ وهو خَبَرُ مُبْتَدَلِ مَحذُوفٍ. وقَولُهُ: تَمِشُطُهُنَّ. بِفَتَحِ التَّاءِ، وضَمِّ الشِّينِ؛ أي: تُسَرِّحُ شَعرَهُنَّ. وقَولُهُ: وتَقُومُ عليهنَّ؛ أي: تَقُومُ بِغَيرِ ذَلِكَ من مَصَالِحِهنَّ، وهو من ذِکرِ العَامِّ بَعدَ الخَاصِّ. واللهُ تعالى أعلمُ. (١) في الأصل، (م، ح): ((يفعل)). (٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٥٣/١٠)، والمفهم (٢١٥/٤). (٣) في الأصل: ((وإخوانه)). (٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (٥٣/١٠). (٥) في (ح): ((وأن)). (٦) غير واضحة في الأصل. كِتَابُ النِّكَاحِ ٣٤٧ = الحديثُ الثَّالِثُ ﴿ و(١) عن هَمَّام، عن أبي هريرةَ رَّ ◌ُه قال: قال رسولُ اللهِ وَةِ: ((خَيرُ نِسَاءٍ (٧/ ١٣م) رَكِبِنَّ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيشٍ، أحَاهُ على ولَدٍ فِي صِغَرِهِ، وأرعَاهُ على زَوجِ فِي ذَاتٍ يَدِهِ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجهُ مسلمٌ(٢) من هَذَا الوجه من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعَمَرٍ، عن هَمَّامٍ، ومَعمَرٍ، عن ابنِ طَاؤُسٍ، عن أبيه كِلَاهُمَا، عن أبي هريرةَ. وأخرجهُ الشيخانِ(٣) من طَرِيقِ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، وعن ابنِ طَاؤُسٍ، (عن أبيه)(٤)، عن أبي هريرةَ. قال أحَدُهُمَا: ((صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيشٍ))، وقال الآخَرُ: ((نِسَاءُ قُرَيشٍ)). وقالا(٥): ((أحنَاهُ على يَتيم))، وفي لَفِظِ لِمُسلِمٍ من هَذَا الوجه: ((أرعَاهُ على ولَدٍ))، وأخرجهُ البخاريُّ، تَعلِيقًا، ومسلمٌ(٦)، مُسنَدًا، من طَرِيقِ يُونُسَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ، بِلَفِظِ. ((نِسَاءُ قُرَيشٍ خَيرُ نِسَاءٍ رَكِينَ الإِبِلَ، أَحَتَاهُ على طِفِلٍ وأرعَاهُ على زَوجِ في ذَاتٍ يَدِه))، يَقُولُ أَبُو هريرةَ على أثَرِ ذَلِكَ: وَلَم تَركَب مَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ بَعِيرًا قُطُ . وانفَرَدَ به مسلمٌ(٧) من طَرِيقِ مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن ابنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ وفي أولِه: أنَّ النبيّ وَّهِ خَطَبَ أَمَّ هانِئَ بِنتَ أبي طَالِبٍ فقالت: يَا رسولَ الله، إنِّي قَد كَبِرتُ ولِي عِيَالٌ، فقال: ((خَيرُ نِسَاءٍ)» فَذَكَرَ الحديثَ. ومن طَرِيقِ سُهَيلِ بنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ. ليس في (م). (١) (٢) مسلم (٢٠٢/٢٥٢٧). (٣) البخاري (٥٣٦٥)، ومسلم (٢٠٠/٢٥٢٧). (٤) في (ح): ((كلاهما)). (٦) البخاري (٣٤٣٤)، ومسلم (٢٠١/٢٥٢٧). (٧) مسلم (٠٠٠/٢٥٢٧). (٥) في (م): ((وقال)). S ٣٤٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ] الثَّانِيَةُ: فيه تَفْضِيلُ نِسَاءٍ قُرَيشٍ على غَيرِهنَّ، وقَولُهُ: ((رَكِنَ الإِبِلَ)) إشَارَةٌ إلى العَرَبِ؛ لِأَنَّهُم الذِينَ يُعهَدُ(١) عِندَهُم رُكُوبُ الإِبِلِ، فَعَبَّرَ بِرُكُوبِ الإبِلِ عن العَرَبِ، وقَد عَلِمَ أنَّ العَرَبَ خَيرٌ من غَيرِهم (٢)، فَيُسْتَفَادُ بِذَلِكَ تَفْضِيلُهُنَّ مُطلَقًا(٣). ■ الثَّالِثَةُ: استَنبَطَ أَبُو هريرةَ رَبه من قَولِه: ((رَكِبِنَ الإِبِلَ)) إخرَاجَ مَرِيَمَ عَلِّ من ذَلِكَ؛ لِأَنَّها لَم تَركَب بَعِيرًا قَظُ، فَلَا يَكُونُ فيه تَفْضِيلُ نِسَاءِ قُرَيشٍ عليها، ولَا شَكَّ أنَّ لِمَريَمَ فَضلًا، وأنَّها أفضَلُ من أكثَرٍ (٤) نِسَاءِ قُرَيشٍ، وقَد ثَبَتَ في ((الصَّحِيح))(٥) أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال: ((خَيرُ نِسَائِها مَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ، وَخَيرُ نِسَائِها خَدِيجَةُ بِنتُ خُويلٍِ)). وأشَارَ وكِيعٌ إلى السَّمَاءِ والأرضِ. وأُرَادَ بهذِه الإشَارَةِ تَفسِيرَ (٦) الضَّمِيرِ في: ((نِسَائِها)» وأنَّ المُرَادَ به جَمِيعُ نِسَاءِ الأرضِ؛ أي: كُلُّ مَن بَيْنَ السَّمَاءِ والأرضِ من النِّسَاءِ. قال النَّووِيُّ(٧): والأظهَرُ أنَّ مَعنَاهُ: أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ منهُمَا خَيرُ نِسَاءِ الأرضِ في عَصرِها، وأمَّا التَّفْضِيلُ بَيْنَهُمَا (٨) فَمَسكُوتُ عنهُ. قُلتُ: وقَد يَعُودُ الضَّمِيرُ في ((نِسَائِها)) على مَرِيَمَ وخَدِيجَةَ، ويَكُونُ المُقَدَّمُ حَبَرًا والمُؤَخَّرُ مُبتَدَأَ (٩). والتَّقدِيرُ مَرِيَمُ خَيرُ نِسَائِها؛ أي: خَيرُ نِسَاءِ زَمَانِها، والتَّرَدُّدُ بَيْنَ مَرِيَمَ وَخَدِيجَةَ مُفَرٌَّ على الصَّحِيحِ: أنَّ مَرِيَمَ لَيسَت (٧٧/ ١٤م) نَبِيةً. وقَد نَقَلَ بَعضُهُم الإجمَاعَ عليه، أمَّا إذَا قُلنَا بِنُبُوتِها كَمَا قالهُ بَعضُهُم، فَلَا شَكَّ حِينَئِذٍ في فَضلِها على خَدِيجَةَ. والحَقُّ: أنَّهُ لَا يَحتَاجُ إخرَاجُ مَرِيَمَ عَلَه من هَذَا التَّفْضِيلِ إلى استِنْبَاطِه من قَولِه: ((رَكِبنَ الإِبِلَ))؛ لِأَنَّ تَفضِيلَ الجُمْلَةِ لَا يَلزَمُ طَرَدُهُ في كُلِّ الأفرادِ، وقَد عُلِمَ فَضلُ مَرِيَمَ بِمَا تَقَدَّمَ وغَيرِهِ، ولَو قَصَدَ بِقَولِه: ((رَكِبِنَ الإِبِلَ)). (١) في (ح): ((تعهد)). شرح النووي على مسلم (١٦/ ٨٠). (٣) (٥) البخاري (٣٤٣٢، ٣٨١٥)، ومسلم (٦٩/٢٤٣٠). (٦) ليست في (ك٢). (٨) ليس في (ك٢). (٢) في الأصل، (م): ((غيرهن)). (٤) في (ح): ((أكبر)). (٧) شرح النووي على مسلم (١٩٨/١٥). (٩) في (ك٢): ((مسندًا)). = كحر ٣٤٩ كِتَابُ النِّكَاحِ إخرَاجَ (١) نِسَاءِ غَيْرٍ (٢) العَرَبِ، لَلَزِمَ على ذَلِكَ أن لَا يَكُونَ لِنِسَاءِ قُرَيشٍ فَضِلٌ على نِسَاءِ بَنِي إسرَائِيلَ، ولَا الرُّومِ ولَا الفُرسِ ولَا غَيرِهم من النِّسَاءِ(٣). ولَيسَ كَذَلِكَ، بَل الحديثُ دَالٌ على تَفْضِيلِهنَّ على جَمِيعِ النِّسَاءِ؛ لِدَلَالَتِه على تَفضِيلِهِنَّ على بَقِيَّةِ العَرَبِ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ على تَفْضِيلِ العَرَبِ [١٣٨/٢و] على غَيرِهم، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الحديثَ إنَّمَا سِيقَ، واللهُ أعلَمُ، في مَعرَضِ التَّرغِيبِ في نِكَاحِ القُرَشِيَّاتِ، فَلَم يَقصِد التَّعَرُّضَ لِمَريَمَ التي انقَضَى زَمَانُها بِنَفيِ ولَا إِثْبَاتٍ، واللهُ أعلمُ. ■ الزَّابِعَةُ: في هَذِهِ الرِّوايَةِ (صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيشٍ))، وفي غَيرِها ((نِسَاءُ قُرَيشٍ))، والمُطلَقُ مَحمُولٌ على المُقَيَّدِ، فَالمَحْكُومُ لَّهُ بِالخِيرَةِ إِنَّمَا هو صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيشٍ لَا غَيرِهنَّ. قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (٤): ويَعنِي بِالصَّلَاحِ هُنَا: صَلَاحَ الدِّينِ وصَلَاحَ المُخَالَطَةِ لِلزَّوجِ وغَيرِهِ، كَمَا دَلَّ عليه قَولُهُ: ((أحنَاهُ وأرعَاهُ)). ■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((أحنَاهُ))؛ أي: أشفَقَهُ، والحَانِيَةُ على ولَدِها: التي تَقُومُ(٥) عليهم (٦) بَعدَ تَيَتُّمِهم(٧)، [فلا تتزوج](٨)، فَإِن تَزَوجَت فَلَيسَت(٩) بِحَانِيَةٍ، قالهُ الهَرَوِيُّ(١٠). وقَولُهُ: ((على ولَدٍ)). قَد عَرَفتَ أنَّ في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((على يَتيم))، فَقَد يُجعَلُ هَذَا من الإطلَاقِ والتَّقِيدِ، ويُحمَلُ المُطلَقُ على المُقَيَّدِ، وقَد يُقَالُ: هو من ذِكرِ بَعضٍ أفرَادِ العُمُومِ، فَهِيَ حَانِيَةٌ على ولَدِها مُطلَقًا، لَكِنَّ الذِي تَقوى(١١) حَاجَتُهُ إلى خُنُوِّها هو اليَتِيمُ، أمَّا مَن أَبُوهُ حَيٍّ، فَمُستَغنٍ عنها بِرَفِدِ أبيه؛ ولِذَلِكَ قَيَّدَ الولَدَ بِالصَّغَرِ لِاسْتِغِنَائِهِ عن حُنُوِّ الأمِّ بَعدَ كِبَرِهِ. (١) غير واضحة في الأصل. (٣) في (ك٢): ((الناس)). (٥) في (ح): ((يقوم)). (٦) في الأصل، (ح): ((عليهن)). (٨) زيادة من (ك٢، ح). (٧) في (ك٢، ح): ((يتمهم)). (٩) في الأصل، (م): ((فليس)). (١٠) الغريبين (٥٠٤/٢)، وينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ٨٠)، وإكمال المعلم (٥٦٦/٧). (١١) في (ح): ((یقوی)). (٢) ليست في (ك٢). (٤) المفهم لما أشكل (٤٧٩/٦). = WN ٣٥٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((وأرعَاهُ على زَوجِ))؛ أي: أحفَظُ وأصونُ، وقَولُهُ: ((في ذَاتِ يَدِهِ))؛ أي: في مَالِه المُضَافِ إلَيهِ، وَالمُرَادُ حِفظُها مَالَ الزَّوجِ، وحُسنُ تَدبيرِه في النَّفَقَّةِ وغيرِها، وصِيَانَتُهُ عن أسبَابِ التََّفِ(١). ■ السَّابِعَةُ: قَولُهُ: (أحنَاهُ))، (وأرعَاهُ)) أصلُهُ: أحنَاهُنَّ وأرعَاهُنَّ، ولَكِنَّهُم لَا يَتَكَلَّمُونَ به إلا مُفرَدًا. قالهُ أبُو حَاتِمِ السِّجِسَانِيُّ وغَيرُهُ: وهو نَظِيرُ الحديثِ الآخَرِ: كَانَ النبيّ وََّ أحسَنَ النَّاسِ وجَهًا، وأحسَنَهُ خُلُقًا (٢). والحديثُ الآخَرُ: عِندِي أحسَنَ العَرَبِ وأجمَلَهُ أمُّ حَبيبَةَ(٣). ■ الثَّامنةُ: فيه (٤) فَضلُ هاتَينِ الخَصلَتَيْنِ. إحدَاهُمَا: (١٥/٧م) الحُنُوُّ على الأولَادِ، والشَّفَقَةُ عليهم، وحُسنُ تَربيتِهم، والقِيَامُ عليهم إذَا كَانُوا أيتَامًا ونَحوُ(٥) ذَلِكَ. والثَّانِيَةُ: مُرَاعَاةٌ حَقِّ الزَّوج في مَالِه وحِفِظِه، والأمَانَةُ فيه وحُسنُ تَدبيرِه في النَّفَقَةِ وغَيرِها وصِيَانَتُهُ ونَحوُ ذَلِكَ. ■ التَّاسِعَةُ: إيرَادُ الشَّيخ تَظَتُ هَذَا الحديثَ فِي هَذَا الْبَابِ، يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لِمَا يُفْهَمُ منهُ من التَّرغِيبِ فِي نِكَاحِ القُرَشِيَّاتِ، لِمَا دَلَّ عليه من مُرَاعَاةِ حَالٍ الزَّوجِ في حَيَاتِه في مَالِه ونَفَقَتِهِ وبَعدَ مَوتِه فيمَن يَخلُفُهُ يَتِيمًا. وقَد ذَكَرَ أصحَابُنَا الفُقَهَاءُ: أنَّهُ يُستَحَبُّ نِكَاحُ النَّسِيبَةِ. ومُقْتَضَاهُ: أنَّهُ كُلَّمَا كَانَ نَسَبُها أعلى، تَأَّدَ الإِسْتِحِبَابُ. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لِمَا دَلَّ عليه من فَضلِ القُرَشِيَّاتِ، فَيُستَفَادُ منهُ أمرُ الكَفَاءَةِ، وأنَّ غَيرَهُنَّ لَيسَ كُفُؤَا لَهُنَّ، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لِمَا دَلَّ عليه من تَوفيرِهنَّ في أمرِ النَّفَقَّةِ، فَيُستَفَادُ منهُ إنفَاقُ الزَّوجِ على زَوجَتِهِ، وقَد أورَدَهُ البخاريُّ في ((كِتَابِ النَّفَقَاتِ)). وبَوّبَ عليه: بَابَ حِفظِ المَرأةِ زَوجَها فِي ذَاتِ يَدِهِ والنَّفَقَةِ. (١) ينظر: إكمال المعلم (٧/ ٥٦٥)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٨٠). (٢) أخرجه البخاري (٣٥٤٩)، ومسلم (٩٣/٢٣٣٧) من حديث البراء نظريته. (٣) أخرجه مسلم (١٦٨/٢٥٠١)، وينظر: شرح النووي على مسلم (٩٢/١٥). (٤) ليس في (ك٢). (٥) في (ك٢): ((وغير)). كِتَابُ النِّكَاحِ ٣٥١ ■ العَاشِرَةُ: قَد عُرِفَ بِالرِّوايَةِ التي نَقَلْنَاها من ((صَحِيحِ مُسلِم)) سَبَبُ هَذَا الحديثِ: وهو اعتِذَارُ أمِّ هانِئٍ لَمَّا خَطَبَها النبيّ ◌َّهِ بِكِبَرِ سِنِّها، وبِأنَّهَا ذَاتُ عِيَالٍ فَرَفَقَتْ بِالنِبِيّ وَِّ فِي أَن لَا يَتَأَذَّى بِتَزَوُّجُ(١) كَبِيرَةِ السِّنِّ، ولَا بِمُخَالَطَةٍ عِيَالِها، وهُم في إخلَائِها(٢) نَفسَها لِمَصَالِحِهم، وتَعزّبها(٣) عليهم، ولَو كَانَ غَيرُها، لَآَثَرَ مَصلَحَةَ نَفسِه مُعرِضًا، عن مَصلَحَةِ الزَّوجِ والعِيَالِ، فَيَنبَغِي ذِكرُ هَذَا في أسبَابٍ الحديثِ. واللهُ أعلمُ. الحديثُ الزَّابِعُ وعن عُمَرَ نَّه قال: تَأْيَّمَتِ حَفصَةُ ابنَةُ عُمَرَ من خُنَيسٍ بِنِ حُذَافَةً أو حُذَيفَةَ، شَكَّ (١٦/٧م) عَبدُ الرَّزَّاقِ، وكَانَ من أصحَابِ النبيّ وَِّ مِمَّن شَهِدَ بَدرًا، فَتُوُفِي بِالمَدِينَةِ قال: فَلَقِيتُ عُثمَانَ بنَ عَقَّانَ، فَعَرَضتُ عليه حَفصَةَ فَقُلت: إن شِئتَ أنكَحتُك [١٣٨/٢ظ] حَفصَةَ. قال: سَأَنظُرُ في ذَلِكَ، فَلَبِشِتِ لَيَالِيَ، فَلَقِيَنِي فقال: مَا أرِيدُ أن أَتَزَوجَ يَومِي هَذَا. قال عُمَرُ: فَلَقِيتُ أبَا بَكرٍ، فَقُلت: إن شِئتَ أنكَحتُك حَفْصَةَ بِنتَ عُمَرَ، فَلَم يُرجِعِ إِلَيَّ شَيئًا فَكُنتُ عليه أوجَدَ مني على عُثمَانَ، فَلَبِثِتُ لَيَالِيَ، فَخَطَبَها إِلَيَّ رسولُ اللهِ وَهُ فَأَنْكَحتها إِيَّهُ. فَلَقِيَنِي أَبُو بَكرٍ فقال: لَعلك وجِدتَ عليَّ حِينَ عَرَضتَ عليّ خَفصَةَ فَلَم أرجِع إلَيك شَيئًّاً. قال: قُلت: نَعَم. قال: فَإِنَّهُ لَم يَمنَعنِي أن أرجِعَ إلَيك شَيْئًا حِينَ عَرَضتها عليَّ، إلا أنّي سَمِعتُ رسولَ الله ◌َّهِ يَذْكُرُها، ولَم أكُن لِأَفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله وََّ، ولَو تَرَكَها نَكَحتُها. رَواهُ البخاريُّ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: رَواهُ النسائيُّ عن إِسحَاقَ بنِ رَاهويه، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ (١) في (ح): ((بتزويج)). (٣) في (م): ((وتعز بها)). (٢) في (ح): ((إجلائها)). = كحر ٣٥٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والبخاريُّ(١) من طَرِيقِ هِشَامِ بنِ يُوسُفَ كِلَاهُمَا، عن مَعمَرٍ. والبخاريُّ، والنسائيُّ(٢) أيضًا من طَرِيقِ إبرَاهيمَ (٧/ ١٧م) بنِ سَعٍ . والبخاريُّ(٣) وحدَهُ من طَرِيقِ شُعَيبٍ(٤) بنِ أبي حَمزَةَ، ثَلَاثَتُهُم عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيه، عن عُمَرَ. وفي هَذِهِ الرِّوايَاتِ غَيرِ المَحكِيَّةِ عن النسائي أولًا، ◌ُخُنَيَسُ بنُ حُذَافَةَ السَّهمِيُّ من غَيرِ شَكِّ، وفيها أيضًا: قَبِلتُها، بَدَلُ: نَكَحتُها . ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: تَأْيَّمَت. بِتَشدِيدِ اليَاءِ؛ أي: مَاتَ عنها زَوجُها، أو طَلَّقَها. قال في ((المَشَارِقٍ))(٥): وقَد استَعمَلَ الأيّمَ في كُلِّ مَن لَا زَوِجَ لَهُ وإِن كَانَ بِكرًا وذَكَرَ في ((النِّهايَةِ)) تَبَعًا لِلهَرَوِيِّ: أنَّ هَذَا هو الأصلُ، واقتَصَرَ عليه في ((الصِّحَاح)(٦). ■ الثَّالِثَةُ: خُنَيَسٌ بِضَمِّ الخَاءِ المُعجَمَةِ، وفَتحِ النُّونِ، وإسكَانِ الْيَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ وبِالسِّينِ المُهمَلَةِ، والمَعرُوفُ: أنَّهُ ابنُ حُذَافَةَ، كَمَا جَزَمَ به غَيرُ عَبدِ الرَّزَّاقِ. وهو مُقَدَّمٌ على شَكِّ عَبدِ الرَّزَّاقِ، ولَمَّا رَوى النسائي الحديثَ من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ اقْتَصَرَ على قَولِه: خُنَيْسٌ، وحَذَفَ الشَّكَّ في اسم أبيه، وهو قُرَشِيٍّ سَهمِيٍّ، وهو أخُو عَبدِ الله بنِ حُذَافَةَ، وَد اقتَصَرَ في الحديثِ على شُهورِهِ بَدرًا. وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ أنَّهُ شَهدَ أحدًا أيضًا وحَصَلَت لَهُ بها جِرَاحَةٌ مَاتَ منها بِالمَدِينَةِ. وضَعَّفَ ذَلِكَ أَبُو الفَتحِ اليَعمُرِيُّ، وقال: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيءٍ، وأنَّ المَعْرُوفَ: أنَّهُ مَاتَ بِالمَدِينَةِ على رَأسِ خَمسَةٍ وعِشرِينَ شَهرًا بَعدَ رُجُوعِه من بَدَرٍ(٧). انتَهَى. ويُؤَيِّدُ هَذَا التَّضعِيفَ: أنَّ الأكثَرِينَ على أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ تَزَوجَ بها سَنَةَ ثَلَاثٍ من الهجرَةِ، ولا يُمكِنُ مَعَ ذَلِكَ استِشهادُ خُنَيسٍ بِأُحُدٍ؛ لِأنَّها كَانَت في شَوالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ؛ فَلَم يَبقَ بَعدَها من السَّنَّةِ مَا تَنْقَضِي فيه العِدَّةُ. وقَد (١) النسائي (٣٢٤٨)، والبخاري (٥١٢٩). (٢) البخاري (٥١٢٢)، والنسائي (٣٢٥٩). (٣) البخاري (٤٠٠٥، ٥١٤٥). (٤) حرفت في (ك٢) إلى: ((سعيد)). (٥) مشارق الأنوار (٥٦/١). النهاية في غريب الحديث (٨٥/١)، والصحاح للجوهري (١٨٦٨/٥). (٦) الاستيعاب (٤٥٢/٢)، وفتح الباري (١٧٦/٩). (٧) كِتَابُ النَّكَاحِ ٣٥٣ = اسْتَشكَلَ الذَّهَبِي ذَلِكَ، وحَلَّ والِدِي ◌َّتُ ذَلِكَ بِتَوهيمِ ابنِ عَبدِ البَرِّ فِي قَولِه: إِنَّهُ اسْتَشْهَدَ بِأحَدٍ، وبَسَطَ ذَلِكَ في تَرجَمَةِ حَفْصَةَ ﴿ُّ مِن هَذَا الشَّرحِ. ■ الزَّابِعَةُ: استُدِلَّ به على أنَّهُ لَا بَأسَ بِعَرضِ الإنسَانِ بِنتَه وغَيرَها من مُولِّيَاتِه على مَن يُعتَقَدُ خَيرُهُ وصَلَاحُهُ؛ لِمَا فيه من النَّفع العَائِدِ عليها وعلى المَعرُوضَةِ عليه، وأنَّ ذَلِكَ لَا يَنبَغِي الاستِحيَاءُ منهُ، وقَد بَوَّبَ على ذَلِكَ البخاريُّ، والنسائيُّ(١). الخَامِسَةُ: المَعْرُوفُ: مَا في هَذَا الحديثِ؛ من أنَّ عَرضَها على عُثْمَانَ كَانَ قَبلَ عَرضِها على أبي بَكرٍ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستيعَابِ)) في تَرجَمَةِ حَفْصَةً، وزَادَ فيه أنَّ عُمَرَ ◌َ ◌َهَ انطَلَقَ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ، فَشَكَا إلَيه عُثْمَانَ وأخبَرَهُ بِعَرضِه حَفْصَةَ عليه، فقال رسولُ (٧/ ١٨م) اللّهِ وَّهُ: ((يَتَزَوجُ حَفْصَةَ مَن هو خَيرٌ من عُثمَانَ، ويَتَزَوجُ عُثْمَانُ مَن هو خَيْرٌ من حَفْصَةَ)). وتَبِعَهُ على ذَلِكَ أَبُو الفَتحِ اليَعمُرِيُّ، والذَّهَبي (٢). وذَكَرَ والِدِي تَظْتُهُ في تَرجَمَةِ حَفصَةَ من هَذَا الشَّرحِ: أنَّهُ وهمٌّ، وأنَّ الصَّوابَ مَا في هَذَا(٣) الحديثِ. وقال [١٣٩/٢ و] ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستيعَابِ))(٤) في تَرجَمَةِ رُقَيَّةَ مَا نَصُّهُ: وفي الحديثِ الصَّحِيحِ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ قال: آمَ عُثمَانُ من رُقَيَّةَ بِنتِ رسولِ اللهِ وٍَّ، وآمَتِ خَفصَةُ من زَوجِها، فَمَرَّ عُمَرُ بِعُثمَانَ، فقال: هَل لَك في(٥) خَفْصَةَ، وكَانَ عُثْمَانُ قَد سَمِعَ رسولَ اللهِ وَّهِ يَذْكُرُها، فَلَم يُحِبُهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنبِيّ وَّه فقال: ((هَل لَك في خَيرٍ من ذَلِكَ؟ أَتَزَوجُ أَنَا حَفْصَةَ وأزَوِّجُ عُثمَانَ خَيرًّا منها أمَّ كُلُوم)). قال: هَذَا مَعنَى الحديثِ، وقَد ذَكَرِنَاهُ بِإِسنَادِهِ في ((التَّمهيدِ))(٦)، وهو أصَحُ شَيءٍ فيمَا قَصَدْنَاهُ. انتَهَى. (١) قال البخاري: باب عرض الرجل ابنته أو أخته على أهل الخير. وقال النسائي: باب عرض الرجل ابنته على من يرضى. (٢) الاستيعاب (١٨١١/٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٢٨/٢). (٣) ليس في (ك٢). ليس في (٢٥). (٥) (٤) الاستيعاب (٤ /١٨٤٠، ١٨٤١). (٦) التمهيد (٨١/١٩). = ٣٥٤ كم طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والمَعرُوفُ: أنَّ السَّاكِتَ لِكَونِهِ سَمِعَ رسولَ اللهِ وَّهِ يَذْكُرُها هو أَبُو بَكرٍ، كَمَا في حَدِيثِ الصَّحِيحِ، وكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أبُو عُمَرَ في تَرجَمَةِ خَفْصَةَ وهو مُقَدَّمٌ على هَذَا المُرسَلِ. ■ السَّادِسَةُ: فَإِن قُلتَ: كَيفَ عَرَضَها على عُثمَانَ، ثُمَّ على أبي بَكرٍ . وهو لَا يَملِكُ إجبَارَها لِكَونِها ثَيِّبًا؟ قُلتُ: لَو رَضِيَ أحَدُهُمَا لَزَوجَها لَهُ بِشَرطِه، وهو رِضَاها وقَد كَانَ يَعلَمُ أنَّها لَا تُخَالِفُهُ في مِثلِ ذَلِكَ، وقَد بَوّبَ عليه النسائي بَابَ إنكَاحِ الرَّجُلِ ابنَتَهُ الكَبِيرَةَ، فَإِن أَرَادَ بِالإِجبَارِ فَهو مَمنُوٌ إِذَا كَانَت ثَيًِّا، وإن أَرَادَ بِالرِّضَا فَمُسَلَّمٌ. ■ السَّابِعَةُ: كَانَ عَرضُها على عُثمَانَ وهو عَزَبٌ، بَعدَ وفَاةٍ رُقَيَّةَ، وقَبلَ تَزَوُج أمِّ كُلُثُومٍ، وأمَّا على (١٩/٧م) أبي بَكرٍ ◌َُ فَكَانَ وأمُّ رُومَانَ تَحتَهُ؛ لِأنَّها إِنَّمَا تُوُفِيت سَنَّةً سِتٍّ من الهجرَةِ في ذِي الحِجَّةِ. وقِيلَ: عَامِ الخَندَقِ سَنَةَ أرَبَع أو خَمسٍ. وعلى كُلِّ حَالٍ، فَهو بَعدَ تَزَوُّجِ النبيّ ◌َّهِ حَفْصَةَ بِلَا شَكِّ، فَفيه أنَّهُ لَا بَأْسَ بِعَرضِ الرَّجُلِ(١) ابنَتَهُ على مَن هو مُتَزَوِّجٌ، واللهُ أعلمُ. الحديثُ الخَامِسُ وعن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: «لَا يَخطُبُ أحَدُكُم على خِطبَةِ أَخِيه)). وعن نَافِعٍ، عن ابنٍ عُمَرَ مِثْلُهُ. حَدِيثُ أبي هريرةَ تَقَدَّمَ الكَلَامُ عليه في البَيعِ. وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ رَواهُ مسلمٌ، وابنُ مَاجَه(٢) من طَرِيقِ عُبَيَدِ الله بنِ عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ مُسلِمٍ: ((إلا أن بَأْذَنَ لَهُ)). ورَواهُ مسلمٌ، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(٣) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، ليست في (٢٥). (١) (٢) مسلم (١٤١٢/ ٥٠)، وابن ماجه (١٨٦٨). (٣) مسلم (٤٩/١٤١٢)، والترمذي (١٢٩٢)، والنسائي (٣٢٣٨). كِتَابُ النَّكَاحِ ٣٥٥ م = ومُسلِمٌ(١) وحدَهُ من طَرِيقِ أَيُّوبَ(٢) السَّختيانِيُّ، كُلُّهُم عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ، وتَقَدَّمَ ذِكرُ فوائدِه في البَيعِ. الحديثُ السَّادِسُ وعن بُرَيدَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن أحسَابَ أهلِ الدُّنيَا الذِينَ يَذْهَبُونَ إِلَيْه هَذَا المَالُ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: رَواهُ النسائيُّ(٣) عن يَعقُوبَ بن (٤) إبرَاهيمَ الدَّورَقِيِّ، عن أبي ثُمَيلَةَ يَحيَى بنِ واضِحٍ، عن حُسَينِ بنِ واقِدٍ، عن عَبدِ الله بنِ بُرَيدَةَ، عن أبيه. ورَوَاهُ ابنُ حِبَّنَ في ((صَحِيحِه))، والحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه))(٥) من طَرِيقِ زَيدِ بنِ الحُبَابِ، عن الحُسَينِ بنِ واقِدٍ. وقال الحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرطِ الشیخینِ . ورَواهُ ابنُ حِبَّانَ(٦) أيضًا من طَرِيقِ عَلِيٍّ بنِ حُسَينِ بنِ واقِدٍ، عن أبيه. ■ الثَّانِيَةُ: الحَسَبُ بِفَتحِ السِّينِ، أصلُهُ الشَّرَفُ بِالآبَاءِ ومَا يُعِدُّهُ الإنسَانُ من مَفَاخِرِهم، وجمعُهُ أحسَابٌ، وقَولُهُ: ((الذِينَ يَذْهَبُونَ إِلَيه). كَذَا وقَعَ في أصلِنَا من ((مُسنَدِ الإمَامِ أحمَدَ))(٧)، وصَوابُهُ: ((الذِي(٨) يَذهَبُونَ إلَيه)). وكَذَا رَواهُ النسائيُّ، وابنُ حِبَّانَ، والحَائِمُ. والوجهُ: أنَّ أحسَابَ أهلِ الدُّنيَا التي(٩) يَذهَبُونَ إلَيها، فَيُؤْتَى بِوصفٍ (١) مسلم (١٤١٢). (٣) النسائي (٣٢٢٥). (٥) ابن حبان (٧٠٠)، والحاكم (٢/ ١٦٣). (٦) ابن حبان (٦٩٩). (٧) أحمد (٣٥٣/٥، ٣٦١). (٩) في (ك٢): ((الذين)). (٢) ليست في (ك٢). (٤) في الأصل، (ك٢، م): ((عن). (٨) في (ك٢، ح): ((الذين)). S ٣٥٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ (٢٠/٧°م) الأحسَابِ مُؤَنَّثًا؛ لِأَنَّ الجُمُوعَ مُؤَنَّئَةٌ، وكَأَنَّهُ رُوعِيَ في التَّذكِيرِ المَعنَى دُونَ اللفظِ، وأمَّا ((الذِينَ))، فَلَا يَظهَرُ لَهُ وجهٌ؛ لِنَّهُ لَيسَ وصفًا لِأهلِ الدُّنيَا، وإنَّمَا هو وصفٌ لِحسَابهم، إلا أن يَكُونَ اكتَسَبَ ذَلِكَ مِنْهُ لِلمُجَاورَةِ کَاکتِسَابٍ [١٣٩/٢ ظ] الإعرَابِ من المُجَاوِرِ في قَوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. وفي قَولِهم (١): جُحرُ ضَبِّ خَرِبٍ. في أمثِلَةٍ لِذَلِكَ مَعرُوفَةٍ. ■ الثَّالِثَةُ: هَذَا الحديثُ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ خَرجِ مَخرج الذَّمِّ لِذَلِكَ. لِأِنَّ الأَحسَابَ إِنَّمَا هِيَ بِالأَنسَابِ(٢) لَا بِالمَالِ، فَصَاحِبُ النَّسَبِ العَالِي هو الحَسِيبُ، ولَو كَانَ فَقِيرًا، والوضِيعُ فِي نَسَبِه لَيسَ حَسِيبًا، ولَو كَانَ ذَا مَالٍ. ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ خَرِج مَخرج التَّقرِيرِ (٣) لَهُ والإعلام بِصِخَّتِه، وأنّ تَفَاخَرَ الإنسَانِ بِآبَائِهِ الذِينَ انقَرَضُوا مَعَ فَقرِه لَا يحصِّلُ لَهُ حَسَبًّا، وَإِنَّمَا يَكُونُ حَسَبُهُ وشَرَفُهُ بِمَالِهِ، فَهو الذِي يَرفَعُ شَأْنَهُ في الدُّنْيَا، وإن لَم يَكُن طَيِّبَ النَّسَبِ. ويَدُلُّ لِلِإِحْتِمَالِ الثَّانِي: مَا رَواهُ التِّرمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه، والحَاكِمُ في (مُستَدرَكِه)) (٤) من حَدِيثٍ فَتَادَةً، عن الحَسَنِ، عن سمرة(٥)، قال: قال رسولُ الله ◌ٍَّ: ((الحَسَبُ المَالُ، والكَرَمُ التَّقوى)). قال التِّرمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لَا نَعرِفُهُ إلا من هَذَا الوجه. وقال الحَاكِمُ: صَحِيحٌ على شَرطِ الشيخينِ. وقَد ذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّ الحَسَبَ والكَرَمَ يَكُونَانِ فِي الرَّجُلِ، وإن لَم يَكُن لَهُ(٦) آبَاءُ لَهُم شَرَفٌ والشَّرَفُ، والمَجدُ لَا يَكُونَانِ إلا بِالآبَاءِ. وَرَوى الحَاكِمُ في (مُستَدرَكِه))(٧) من حَدِيثِ مُسلِمِ بنِ خَالِدِ، عن العلاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةً قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (كَرَمُ المَرْءِ دِينُهُ، ومُرُوءَتُهُ(٨) عَقلُهُ، وحَسَبُهُ خُلُقُهُ)). وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرطِ مُسلِمٍ. (١) في (م، ح): ((قوله)). (٢) في (م): ((بالإنسان)). (٣) في (ك٢): ((التقدير)). (٤) الترمذي (٣٢٧١)، وابن ماجه (٤٢١٩)، والحاكم (١٦٣/٢). (٥) في (ح): ((بن سمرة)). وهو خطأ . (٦) في الأصل: ((لهم)) (ك٢، ح): ((له)). (٧) الحاكم (١٦٣/٢). (٨) في الأصل: ((وموته)). كِتَابُ النِّكَاحِ ٣٥٧ = الزَّابِعَةُ: ويَتَرَتَّبُ على هَذَينٍ(١) الاحتِمَالَينِ، أنَّ المَالَ هَل هو مُعتَبَرٌ في كَفَاءَةِ النِّكَاحِ، حَتَّى لَا يَكُونَ الفَقِيرُ كُفُؤَّا لِلِغَنِيَّةِ، أو لَيسَ مُعتَبَرًا، فَإِنَّ الحَسَبَ لَيسَ هو المَاَلُ وإِنَّمَا هو النَّسَبُ؟ إِن جَعَلنَاهُ ذَمَّا دَلَّ على أنَّ المَالَ غَيرُ مُعتَبَرٍ، وإن جَعَلنَاهُ تَقرِيرًا اعتَبَرْنَاهُ، وفي ذَلِكَ خِلَافٌ لِأصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ، والأصَحُّ عِندَهُم عَدَمُ اعتِبَارِهِ، وقَد فَهمَ النسائي من هَذَا الحديثِ هَذَا المَعنَى في الجُمْلَةِ، فَأورَدَهُ(٢) في ((سُنَنِه) فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وبَوّبَ عليه: الحَسَبُ، وإِذَا قُلنَا بِاعتِبَارِ اليَسَارِ في الكَفَاءَةِ(٣)، فَهَل المُعتَبَرُ يَسَارٌ بِقَدرِ المَهرِ والنَّفَقَّةِ، فَإِذَا أيسَرَ به فَهو كُفُؤْ لِصَاحِبَةِ الأُلُوفِ، أو(٤) لَا يَكفي ذَلِكَ بَلِ النَّاسُ أصنَافٌ، غَنِيٌّ، ومُتَوسِّظٌ، (٧/ ٢١م) وفَقِيرٌ، وكُلُّ صِنْفٍ أَكَفَاءٌ وإن اختَلَفَتِ المَرَاتِبُ؟ فِي ذَلِكَ لِأصحَابِنَا وجهانٍ، أصَحُّهُمَا عِندَهُم الثَّانِي. وذَكَرَ القَاضِي حُسَينٌ في ((فَتَاوِيه)) أنَّهُ لَو زَوجَ بِنْتَه البِكِرَ بِمَهرِ مِثلِها رَجُلًا مُعسِرًا بِغَيرِ رِضَاها، لَم يَصِحَّ النِّكَاحُ على المَذهَبِ؛ [لأنه بَخس](٥) حَقِّها كَتَزْوِيجِها بِغَيرِ كُفُوٍ (٦). في الأصل، (ح): ((هاتين)). (١) (٢) في (ح): ((فورد)). (٣) في (ك٢): ((الكفالة)). في (ك٢، ح): ((إذ)). (٤) في الأصل: ((لأبخس)). وفي (م): ((لبخس)). (٥) (٦) روضة الطالبين (٤٢٧/٥). = ٣٥٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَابُ مَا يَحْرُمُ من النِّكَاحِ الحديثُ الأولُ عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ اللهِوَّهُ نَهَى عن الشِّغَارِ. والشِّغَارُ: أن يُزَوَّجَ الرَّجُلُ ابنَتَهُ(١) الرَّجُل(٢)، على أن يُزَوِّجَهُ(٣) الرجل (٤) الآخَرُ ابنَتَهُ ولَيسَ بَينَهُمَا صَدَاقٌ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجهُ الأئِمَّةُ الستةُ من طَرِيقٍ مَالِكٍ(٥)، ولَيسَ في رِوايَةٍ أبي دَاوُد، والتِّرمِذِيِّ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ . وأخرجهُ الشيخانِ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٦) من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، وفيه: قُلتُ لِنَافِعِ: مَا الشِّغَارُ؟ قال: يَنكِحُ(٧) ابنَةَ الرَّجُلِ، ويُنكِحُهُ ابنَتَهُ بِغَيرِ صَدَاقٍ، ويَنكِحُ أختَ الرَّجُلِ، ويُنكِحُهُ أختَهُ بِغَيرِ صَدَاقٍ. وَلَيسَت هَذِهِ الزِّيَادَةُ عِندَ النسائيّ، وأخرجهُ مسلمٌ(٨) أيضًا من طَرِيقٍ عَبدِ الرَّحمَنِ السَّرَّاجِ بِدُونِ تَفسِيرِ الشِّغَارِ، ومن طَرِيقِ أيُّوبَ بِلَفِظِ: ((لَا شِغَارَ في الإسلام)). كُلُّهُم عن نَافِعِ، عن ابنٍ عُمَرَ. (١) في (ح): ((ابته)). (٣) في (ح): ((يزوج)). (٢) في (ك٢، ح): ((الرجل)). (٤) زيادة من (ك٢، ح). البخاري (٥١١٢)، ومسلم (٥٧/١٤١٥)، وأبو داود (٢٠٧٤)، وابن ماجه (١٨٨٣)، (٥) والترمذي (١١٢٤)، والنسائي (٣٣٣٧). البخاري (٦٩٦٠)، ومسلم (٥٨/١٤١٥)، وأبو داود (٢٠٧٤)، والنسائي (٣٣٣٤). (٦) (٧) في الأصل، (ك٢): (تنكح)). (٨) مسلم (٥٩/١٤١٥، ٦٠). ٣٥٩٦ بَابٌ مَا يَحرُمُ من النّكَاح ■ الثَّانِيَةُ: ظَاهرٌ أنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ من تَتِمَّةِ المَرفُوعِ، وتَقَدَّمَ أنَّ في رِوايَةِ عُبَيدِ(١) الله بنِ عُمَرَ: أنَّهُ من قَولِ نَافِعٍ. فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُدَرَجًا في رِوايَةِ مَالِكِ. وقال الشَّافِعِيُّ كَُّ: لَا أدرِي تَفسِيرَ الَشِّغَارِ في الحديثِ من النّبِيّ ◌َّ، أو من ابنِ عُمَرَ، أو من نَافِعٍ، أو من مَالِكِ حَكَّاهُ عنهُ البَيْهَقِيُّ في (٧/ ٢٢م) ((المَعرِفَةِ))(٢). [٢/ ١٤٠ و] وقال الرَّافِعِيُّ(٣): قال الأئِمَّةُ: و(٤) هَذَا التَّفْسِيرُ يَجُوزُ أن يَكُونَ مَرِفُوعًا، ويَجُوزُ أن يَكُونَ من عِندِ ابنِ عُمَرَ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): كُلَّهُم ذَكَرَ عن مَالِكٍ في تَفْسِيرِ الشِّغَارِ مَا تَقَدَّمَ. انتَهَى. وظَاهِرُ هَذِهِ العِبَارَةِ: أنَّ التَّفسِيرَ لِمَالِكِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ مُرَادَهُ(٦) أنَّهُم ذَكَرُوا ذَلِكَ عن مَالِكٍ [في رِوايَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا مُنتَقَضٌ بِالقَعَنَبِي، ومَعنِ بنِ عِيسَى، فَإِنَّهُمَا لَم يَذكُرَا التَّفسِيرَ في رِوايَتِهمَا عن مَالِكِ](٧). رَواهُ عن الأولِ أبو داودَ، ومن طَرِيقِ الثَّانِي التِّرمِذِيُّ، لَكِن رَواهُ النسائي من طَرِيقِ مَعنِ بنِ عِيسَى، عن مَالِكٍ وفيه هَذَا التَّفسِيرُ، ورَوى هَذَا الحديثَ مسلمٌ (٨) من طَرِيقٍ عُبَيَدِ الله بنِ عُمَرَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، وفيه تَفسِيرُ الشِّغَارِ مَوصُولًا بِالحديثِ، ورَواهُ النسائيُّ(٩) فَجَعلُهُ من قَولِ عُبَيدِ الله. وكَلَامُ ابنِ حَزمٍ(١٠) يَقتَضِي أَنَّ الْتَّفْسِيرَ مَرُفُوعٌ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، وفي حَدِيثِ أبي هريرةَ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ اللفظِ وهو الحَقُّ، إلا أن يَقُومَ دَلِيلٌ على الإدرَاجِ. وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (١١): جَاءَ تَفسِيرُ الشِّغَارِ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ من قَولِ نَافِعٍ، وفي حَدِيثِ أبي هريرةَ من كَلَامِ رسولِ الله ◌ِّهِ، وفي مَسَاقِهِ. وظَاهرُهُ الرَّفعُ، وَيَحتَمِلُ أن يَكُونَ تَفسِيرًا من أبي هريرةَ أو غَيرِهِ، وكَيفَ مَا كَانَ، فَهو (١) في (ح): ((عبد)). الشرح الكبير (٥٠٣/٧) ط. دار الكتب العلمية. (٣) (٤) في (ح): ((وقال)). (٦) في (م): ((مرادهم)). (٨) مسلم (١٤١٦/ ٦١). (١٠) المحلى (٥١٤/٩، ٥١٦). (٢) معرفة السنن والآثار (٣٣٨/٥). (٥) التمهيد (١٤/ ٧٠). (٧) ما بين المعكوفين ليس في (ح). (٩) النسائي (٣٣٣٨). (١١) المفهم (٤/ ١١٢). = ٣٦٠ طرح التثريب في شرحِ التَّقْرِیبِ تَفْسِيرٌ صَحِيحٌ مُوافِقٌ لِمَا حَكَاهُ أهلُ اللِّسَانِ، فَإِن كَانَ من قَولِ رسولِ الله ◌َِِّ، فَهو المَقصُودُ، وإن كَانَ من قَولِ صَحَابِي(١) فَمَقبُولٌ؛ لِأَنَّهُم أعلَمُ بِالمَقَالِ وأقعَدُ بِالحَالِ . ■ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: نَهَى عن الشِّغَارِ؛ أي: عن نِكَاحِ الشِّغَارِ وهو مُصَرَّحٌ به في رِوايَةِ ابنِ وهبٍ عن مَالِكِ، حَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢). وكَانَ الشِّغَارُ من أنكِحَةٍ الجَاهِلِيَّةِ. ■ الرَّابِعَةُ: اعتَبَرَ في الحديثِ في تَفْسِيرِ الشِّغَارِ وصَفَينِ : أحَدُهُمَا: اشتِرَاطُ(٣) أن يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابنَتَهُ: والثَّانِي: أن لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ في صُورَةِ نِكَاحِ الشِّغَارِ، ونَشَأ اختِلَافُهُم في ذَلِكَ من اختِلَافِهم في المَعنَى الذِي اقْتَضَى (٤) بُطلَانَهُ: فَأكثَرُ الشَّافِعِيَّةِ على أنَّ المُقْتَضِي لِلِبُطلَانِ التَّشرِيكُ في البُضعِ، فَإِنَّ بُضعَ كُلِّ من المَرأتَينِ قَد جُعِلَ مَورِدًا لِلعَقدِ وصَدَاقًا لِلأخرَى، واستَنبَطُوا هَذَا من قَولِه: وَلَيسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ، ولَم يَجعَلُوا المُقتَضِي لِلْبُطلَانِ عَدَمَ الصَّدَاقِ؛ لِأنَّ تَسمِيَةَ الصَّدَاقِ عِندَهُمْ غَيرُ واجِبَةٍ، وإنَّمَا المُقْتَضِي لِلِبُطلَانِ جَعلُ البُضعِ صَدَاقًا، وذَلِكَ مُخَالِفٌ لَا يُرَادُ عَقدُ النِّكَاحِ عليه، فَخَرَّجُوا (٢٣/٧م) عن ظَاهرِ الحديثِ في الوصفَينِ مَعًا اشْتِرَاطَ تَزوِيجِ الآخَرِ ابنَتَهُ لَهُ، فَإِنَّهُ بَاطِلٌ عِندَهُم(٥). وإن لَم يَجرِ شَرطٌ بَل قال: زَوجتُك بِنتي وتَزَوجتُ بِنتَك. وقال الآخَرُ مِثلَهُ، وصَحَّحُوا الْبُطلَانَ، ولَو سَمَّيَا مَعَ ذَلِكَ صَدَاقًا كَمَا سَيَأتي. والمَعنَى المُقْتَضِي لِلبُطلَانِ عِندَهُم: أن يَقُولَ: على أن يَكُونَ بُضِعُ كُلِّ واحِدَةٍ صَدَاقًا لِلأخرَى، فَهَذَا مُستَقِلٌّ عِندَهُم بِالإبطَالِ(٦) لِلمَعنَى الذِي قَدَّمِنَاهُ عنهُم وهو التَّشرِيكُ في البُضع، وجَعَلُوا هَذَا المَعنَى مُستَنبَطًا من (١) في (ك٢): ((أصحابي)). (٣) ليست في (ك٢). (٢) التمهيد (٧٠/١٤). (٤) في الأصل: ((المقتضي)). (٥) هنا انتهى الخرم في (ش) المشار إليه في أثناء الفائدة الثالثة، من الحديث الثاني، في كتاب العتق والتدبير وصحبة المماليك. (٦) في الأصل: ((للإبطال)).