Indexed OCR Text

Pages 221-240

بَابُ الإجارة
٢٢١
==
الخَامِسَةُ: فيه فَضلُ الأكلِ من عَمَلِ اليَدِ. وفي ((صحيح البخاريِّ))(١)
عن المِقدَامِ بنِ مَعدِي كَرِبَ، عن النبيّ وَِّ قال: «مَا أُكَلَ أحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيرًا(٢)
من أن يَأْكُلَّ من عَمَلِ يَدِهِ، وإِنَّ نَبِي الله دَاوُد كَانَ يَأْكُلُ من عَمَلِ يَدِه)). وهَذَا يَدُلُّ
على أنَّهُ أفضَلُ المَكَاسِبِ. وفي المَسألَةِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ في بَابٍ: فَضلِ الصَّدَقَةِ
والتَّعَقُّفِ في الكَلَامِ؛ على حَدِيثِ أبي هريرةَ: (لَأَن يَأْخُذَ أحَدُكُم أحبُلَهُ(٣) فَيَحْتَطِبَ
على ظَهرِه))، الحديثَ. منهُم مَن رجَّحَ عَمَلَ اليَدِ، ومنهُم مَن رجَّحَ التِّجَارَةَ،
ومنهُم مَن رجَّحَ الزِّرَاعَةَ.
■ السَّادِسَةُ: استَدَلَّ به المُصَنِّفُ تَخْتُ على صِحَّةِ الإِجَارَةِ؛ فَيَحْتَمِلُ أنَّهُ
أَخَذَ ذَلِكَ من قَولِه: «و(٤)كَانَ لَا يَأْكُلُ إلا من عَمَلِ يَدِه)». وهَذَا لَا يَدُلُّ على
الإِجَارَةِ؛ لِجَوازٍ أن يَعمَلَ بِيدِه لِنَفسِه؛ فَيَقَعَ العَمَلُ في خَالِصٍ مِلكِه، ثُمَّ يَبِيعَهُ
فَيَحصُلَ لَّهُ فيه(٥) من الرِّحِ بِمِقْدَارِ عَمَلِ يَدِهِ. وهَذَا هو الألْيَقُ بِحَالِ دَاوُد ◌ِلَّا.
وإنَّمَا يَدُلُّ على الإِجَارَةِ لَو كَانَ فيه أنَّه (٦) يَعمَلَ لِغَيرِهِ بِأُجرَةٍ فَيَقَعُ عَمَلُهُ في
مِلكِ(٧) غَيْرِهِ، ولَيسَ في الحديثِ دَلِيلٌ على ذَلِكَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ من قَولِهِ: ((فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ تُسرَجُ))؛ فَإِنَّهُ قَد (٨) يَدُلُّ
(٦/ ١٧٧م) على استِجَارِ الأجِيرِ لِسِيَاسَةِ الدَّابَّةِ، وهَذَا قَد يُنَازَعُ(٩) فيه أيضًا؛ لِأَنَّهُ قَد
يَأْمُرُ بِذَلِكَ مَن لَيسَ أجِيرًا مِمَّن تَقتَضِي العَادَةُ استِخدَامَهُ في مِثْلٍ ذَلِكَ، كَمَا كَانَ
يَخْدُمُ النبيَّ وَّهِ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ وغَيرُهُ من الصَّحَابَةِ؛ من غَيرِ أن يَقَعَ على واحِدٍ (١٠)
مِنْهُم عَقدُ(١١) إجَارَةٍ على ذَلِكَ. وهَذَا أمرٌ خَفيفٌ تَقْتَضِي العَادَةُ المُسَامَحَةَ به.
وقَد يُقَالُ: بِتَقدِيرِ أن تَكُونَ دَوابُّ كَثِيرَةٌ؛ فَاستِخدَامُ المُتَبَرِّعِ عليها بَعِيدٌ.
والظَاهرُ: أنَّ ذَلِكَ مَا كَانَ إلا بِإِجَارَةٍ (١٢).
(١) البخاري (٢٠٧٢).
في (م): «حبله)).
(٣)
(٥)
ليس في (ش).
(٧)
في (ح): ((مال)).
(٩) في (ح، ش): ((تنازع)).
(١١) ليس في (ش).
(٢) في (م): ((خير)).
(٤) ليس في (ش).
(٦) في (م): ((أن)).
(٨) ليس في (ش).
(١٠) في (ش): ((الواحد)).
(١٢) في (ح): ((بالإجارة)).

=
٢٢٢
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ وبِالجُملَةِ: فَاسْتِنبَاطُ هَذَا الحُكم من هَذَا الحديثِ غَرِيبٌ؛ لَم أرَهُ في
كَلَامٍ غَيرِ الشَّيخِ تَقْتُهُ. وإنَّمَا يَتِمُّ إذَا قُلنَا: إنَّ شَرِعَ مَن قَبَلَنَا شَرِعٌ لَنَا مَا لَم يَرِد
نَاسِخٌ، والخِلَافُ في ذَلِكَ مَعرُوفٌ في الأُصُولِ. والأكثَرُونَ على المَنعِ، لَكِنَّ هَذَا
الحُكمَ قَد ورَدَ في شَرَعنَا تَقرِيرُهُ قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوَهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾
[الطلاق: ٦]، وورَدَ في السُّنَّةِ أحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مَشهورَةٌ دَالةٌ على جَوازِ الإِجَارَةِ،
وانعَقَدَ عليها الإجمَاعُ. والله أعلم.
■ السَّابِعَةُ: قَدِ يُقَالُ في حِكَمَةِ الجَمِعِ بَيْنَ هاتَينِ الجُملَتَينِ: إنَّ في الأُولى
بَيَانَ حَالِه في أمرٍ عِبَادَتِهِ. وفي الثَّانِيَةِ بَيَانَ حَالِه في أمرٍ مَعِيشَتِهِ، وقَدْ يُقَالُ في
ذَلِكَ: قَدِ يُفهَمُ من كَونِه لَهُ دَوابُ ومَن يَقُومُ بِشَأْنِها، وأنَّهُ لَا يَتعاطَى أمرَها
بيدِها (١) بِنَفسِه: أنَّهُ كَانَ على طَرِيقَةِ عُظَمَاءِ الدُّنيَا في أمرِ المَعِيشَةِ(٢) والمَأْكَلِ؛
فَنَبَّهَ على أنَّهُ كَانَ مَعَ هَذَا الإِنِّسَاعِ لَا يَأكُلُ إلا من عَمَلٍ يَدِه؛ تَحَرِّيًا [١١٤/٢ظ]
لِلحَلَالِ (٣ واستِعمالاً للتقليل٣) من الذُّنيَا.
■ الثَّامنةُ: يَحتَمِلُ أن يَكُونَ المُرَادُ بِمَا كَانَ دَاوُد عليه الصلاة والسَّلامُ
يَعمَلُهُ بيدِه ويَأْكُلُ منه (٤): الدُّرُوعَ السَّابِغَاتِ التي يُسِّرَ لَهُ عَمَلُها وأُلِينَ لَهُ حَدِيدُها،
وقال أبُو الزَّاهرِيَّةِ(٥): كَانَ دَاوُد عَلَّهُ يَعْمَلُ القِفَافَ ويَأْكُلُ منها (٦).
وذَكَرَ مَعمَرٌ: أنَّ سُلمَانَ (٧) رظُهُ كَانَ يَعمَلُ الخُوصَ، قِيلَ لَهُ: أَتَعمَلُ هَذَا، وأنتَ
أمير (٨) المَدَائِنُ يَجرَى(٩) عليك رِزقٌ؟ قال: إنِّي أُحِبُّ أن آكُلَ من عَمَلِ يَدِي(١٠).
■ التَّاسِعَةُ: يَحتَمِلُ أنَّهُ كَانَ يَعمَلُ بيدِه مَا يَأكُلُهُ هو وعِيَالُهُ. ويَحْتَمِلُ أن
يَقتَصِرَ بِذَلِكَ على قُوتِ نَفسِه خَاصَّةً، وهو أقرَبُ.
(١) في (م): ((بيده)).
(٣ - ٣) في (م): ((واستقلالًا)).
(٥) في (ش): ((الزهرية)).
(٧) في (م): ((سليمان)). والأثر أخرجه عبد الرزاق (١٥٧٦٨).
(٨) ليس في (م).
(٩) في (م): ((تجري)).
(١٠) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢١٠/٦).
(٢) في (م): ((معيشته)).
(٤) ليس في (م).
(٦) أخرجه الختلي في الديباج (٦٧).

=
كي
٢٢٣
بَابُ الإجَارَةِ
العَاشِرَةُ: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مَعنَى كَونِه: ((كان (١) لَا يَأْكُلُ إلا من عَمَلِ
يَدِهِ))، أنَّهُ لَا يَكِلُ أمرَ قُوتِه إلى غَيرِهِ؛ فَكَانَ هو الذِي يَتعاطَى العَجنَ والطَّبخَ
وغَيْرَهُمَا من آلَاتِ الأكلِ لِنَفْسِهِ، وتَكُونُ الحِكمَةُ في ذِكرِ (١٧٨/٦م) هَذِهِ الجُمْلَةِ
عَقِبَ التي قَبلَها أنَّهُ كَانَ يَكِلُ سِيَاسَةَ دَوابه إلى غَيرِهِ، ويَتعاطَى أمرَ قُوتِهِ بِنَفسِه،
وهَذَا احتِمَالٌ بَعِيدٌ غَيرُ مُتَبَادَرٍ إلى الفَهم، والذِي فَهمَهُ السَّلَفُ منهُ مَا قَدَّمتُهُ من
الإِكْتِسَابِ بِعَمَلِ اليَدِ، والله تعالى أعلمُ.
(١) ليس في (م).

٢٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بَابُ إحيَاءِ المَواتِ
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: «لَا يُمنَعُ
فَضِلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بَهَ الكَلَأُ).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرجهُ البخاريُّ، ومسلمٌ، والنسائيُّ(١) من هَذَا الوجه؛ من
طَرِيقِ مَالِكٍ.
وأخرجهُ مسلمٌ أيضًا(٢)، والتِّرمِذِيُّ(٣) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، كِلَاهُمَا عن
أبي الزِّنَادِ، (٤ عن الأعرج)، عن أبي هريرةَ.
وأخرجهُ أبو داودً(٥) من طَرِيق الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هريرةَ.
وأخرجهُ البخاريُّ أيضًا من طَرِيقِ عُقَيلٍ، ومسلمٌ من طَرِيقِ يُونُسَ بِنِ يَزِيدَ، كِلَاهُمَا
عن الزُّهرِيّ(٦)، عن سَعِيدٍ وأبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ بِلَفِظِ: ((لَا تَمنَعُوا فَضلَ
المَاءِ لِتَمنَعُوا بِهِ الكَلَا)).
ورَواهُ مسلمٌ (٧) من رِوايَةٍ (١٧٩/٦م) هلَالِ بنِ أُسَامَةَ، وهو ابنُ أبي مَيمُونَةَ،
عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ بِلَفِظِ: (لَا يُبَاعُ فَضِلُ المَاءِ لِيُّبَاعَ بِهِ الكَلَأُ).
(١) البخاري (٢٣٥٣، ٦٩٦٢)، ومسلم (٣٦/١٥٦٦)، والنسائي في الكبرى (٥٧٤٢).
(٢) ليس في الأصل، (م).
(٣) مسلم (٣٦/١٥٦٦)، والترمذي (١٢٧٢).
(٤ - ٤) ليس في (ش).
(٦) البخاري (٢٣٥٤)، ومسلم (٣٧/١٥٦٦).
(٧) مسلم (٣٨/١٥٦٦).
(٥) أبو داود (٣٤٧٣).

=
كير
٢٢٥
بَابُ إحيَاءِ المَواتِ
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((لَا يُمنَعُ))، رُوِيَ بِالرَّفع على أنَّهُ خَبَرٌ، وبِالجَزمِ على
النَّهىِ، وقَدْ رُوِّيناهُ بِالوجهَينِ في ((صحيحِ البخاريِّ))؛ فَالجَزْمُ رِوايَةُ الحَافِظِ أَبِي ذَرِّ
عَبدِ بنِ أحمَدَ الهَرَوِيِّ، والرَّفعُ هو المَشهورُ، وهو خَبَرُ اللفظِ نَهيٌّ من جِهَةٍ (١)
المَعنَى، وقَد دَلَّ على ذَلِكَ قَولُهُ في الرِّوايَةِ الأُخرَى وهيَ في ((الصَّحِيحَينِ)): (لَا
تَمنَعُوا)). بِلَفِظِ النَّهىِ الصَّرِيحِ.
■ الثَّالِثَةُ: فيه النَّهيُ عن مَنعِ فَضلِ المَاءِ، وهو مَحمُولٌ عِندَ أكثَرِ الفُقَهَاءِ
من أصحَابِنَا وغيرهم (٢) على مَاءِ البِرِ المَحفُورَةِ في المِلكِ، أو في المَواتِ بِقَصْدٍ
الثَّمَلُّكِ، أو الإِرِفَاقِ خَاصَّةً.
فَالأُولى: وهيَ التي في مِلكِه أو في مَواتٍ بِقَصدِ (٣) التَّمَلُّكِ، يَملِكُ مَاءَها
على الصَّحِيحِ عِندَ أصحَابِنَا، ونَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في القَدِيمِ، وفي رِوايَةٍ
حَرمَلَةَ .
والثَّانِيَةُ: وهيَ (٤) المَحِفُورَةُ في مَواتٍ بِقَصدِ الارتِفَاقِ لَا يَملِكُ الحَافِرُ
مَاءَها، ولَكِن يَكُونُ أولى به إلى أن يَرتَحِلَ، فَإذَا ارتَحَلَ صَارَ كَغَيرِهِ ولَو عَادَ بَعدَ
ذَلِكَ، وفي كِلَا الحَالَتَينِ يَجِبُ عليه بَذْلُ مَا يَفضُلُ عن حَاجَتِهِ، والمُرَادُ بِحَاجَتِه
نَفْسُهُ وعِيَالُهُ ومَاشِيَتُهُ وزَرعُهُ.
قال إمَامُ الحَرَمَينِ(٥): وفي المَزَارِعِ احتِمَالٌ على بُعدٍ، أمَّا البِئرُ المَحْفُورَةُ
لِلمَارَّةِ: فَمَاؤُها مُشتَرَكٌ بَينَهُم والحَافِرُ كَأْحَدِهم، ويَجُوزُ الاستِقَاءُ منها لِلشُّربِ
وسَقيِ الزَّرعِ؛ فَإِن ضَاقَ عنهُمَا فَالشُّربُ أولى وكَذَا المَحِفُورَةُ بِلَا قَصدٍ، على
أَصَحِّ الوجهَينِ لِأصحَابِنَا .
وأمَّا الماءُ(٦) المُحرَزُ في إنَاءٍ فَلَا يَجِبُ بَذلُ فَضلِه على الصَّحِيحِ من
الوجهَينِ لِغَيرِ المُضطَرِّ ويُملَكُ بِالإِحرَازِ (٧). وقَد حَكَى بَعضُهُم الإجمَاعَ على
(١) في (ك٢، ش): ((حيث)).
(٢) من (ك٢، ش).
في (ش): ((يقصد)).
(٣)
(٤) في (ش): ((وهو)).
(٥)
نهاية المطلب (٣٣٢/٨)، وينظر: روضة الطالبين (٣٧٢/٤).
(٦) من (ح).
(٧) ينظر: روضة الطالبين (٣٧٣/٤).

WN
٢٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ذَلِكَ، وقال بَعضُ أصحَابِنَا: لَا يَملِكُهُ، بَل هو أخَصُّ به (١). وغَلَّطُوهُ في ذَلِكَ:
هَذَا كَلَامُ أصحَابِنَا. وكَلَامُ الفُقَهاءِ من الحَنَفيِ والحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ في
الأصلِ والمَدَرَكِ، وإن اختَلَفَت تَفَاصِيلُهُم (٢).
وجعل(٣) المَالِكِيَّةُ هَذَا الحُكمَ في البِئِ المَحْفُورَةِ في المَواتِ، وقَالُوا: في
المَحفُورَةِ في [١١٥/٢و] المِلكِ لَا يَجِبُ عليه بَذلُ(٤) فَضلِها. وقَالُوا في المَحفُورَةِ
في المَواتِ: لَا تُبَاعُ، وصَاحِبُها وورَثَتُهُ بَعدَهُ أحَقُّ بِكِفَايَتِهم، وقال
ابنُّ المَاحِشُونِ(٥): لَا حَظّ فيها لِلزَّوجَينِ. وقال أبُو الولِيدِ البَاجِيُّ: لَو بَيَّنَ حَافِرُها
وأشهَدَ أنَّهُ مِلكٌ فَالظَّاهرُ أنَّهُ يَملِكُ، ولَا نَصَّ فيه (٦).
■ الرَّابِعَةُ: مَعنَى قَولِهِ: (لِيَمنَعَ بِه الكَلَا))، أن يَكُونَ حَولَ البِئِ كَلَأٌّ لَيسَ
عِندَهُ مَاءٌ غَيرُ هَذَا، ولَا يُمكِنُ أصحَابُ المَواشِي رَعيَهُ إلا إذَا مُكُنُوا من سَقي
بَهائِمِهم من هَذَا (٧) البِئِرِ؛ لِئَلَّا تَتَضَرَّرَ بَهائِمُهُم بِالعَطَشِ بَعدَ الرَّعيِ، فَيَكُونَ بِمَنِعِه لَهُم
من المَاءِ (٦/ ١٨٠م) مَانِعًا لَهُم من رَعِي بَهائِمِهم من ذَلِكَ الكَلَإِ، وإِن لَم يَمنَعُهُم
صَرِيحًا (٨). قال الخَطَّابي(٩): إلى هَذَا ذَهَبَ في مَعنَى الحديثِ: مَالِكٌ والأوزَاعِيُّ
والليثُ، وهو مَعنَى قَولِ الشَّافِعِيِّ، و(١٠) النَّهيُ في هَذَا عِندَهُم على التَّحرِيمِ.
وقال غَيرُهُم: لَيسَ النَّهيُ فيه على التَّحرِيمِ، لَكِنَّهُ من بَابِ المَعْرُوفِ؛ فَإن
شَخَّ رَجُلٌ على مَالِهِ لَم يُنْتَزَعِ من يَدِهِ، والمَاءُ في هَذَا كَغَيرِهِ من صُنُوفِ الأموالِ لَا
تَحِلُّ (١١) إلا بِطِيبٍ نَفْسٍ.
(١) في (ك٢): ((منه)).
ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٢٩/١٠).
(٢)
(٣)
في الأصل، (ح، م): ((وحکی)).
(٤) في (ش): «بذله)).
ينظر: جامع الأمهات (ص٤٤٦)، والذخيرة للقرافي (١٦٢/٦).
(٥)
في (ش): ((عليه)). ينظر: معالم السنن (١٢١/٥)، والتمهيد (٢/١٩).
(٦)
(٨) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٢٩/١٠).
(٧)
في (ك٢): ((هذه)).
(٩)
معالم السنن (١٢١/٥).
(١١) في (ك٢، م): (يحل)).
(١٠) ليس في (ح).

بَابُ إحيَاءِ المَواتِ
كير
٢٢٧
=
قال(١): وهو مُحتَاجٌ إلى دَلِيلِ يَجُوزُ مَعَهُ تَركُ الظَّاهِرِ، وأصلُ النَّهي
للتَّحرِیمِ.
■ الخَامِسَةُ: ظَاهرُهُ: وُجُوبُ ذَلِكَ عليه مَجَّانًا من غَيرِ طَلَبِ القِيمَةِ، وبه
قال الجُمھورُ.
وحَكَى الخَطَّابي(٢) عن قَومِ: أنَّهُ تَجِبُ(٣) لَهُ القِيمَةُ، مَعَ وُجُوبٍ ذَلِكَ عليه
كَإِطعَامِ المُضطَرِّ يَجِبُ مَعَ أخذِ البَدَلِ، وبه قال بَعضُ أصحَابِنَا. وهو مَردُودٌ،
ويَلزَمُ من طَلَبِ القِيمَةِ المَنعُ في حَالَةِ امْتِنَاعِ أصحَابِ المَواشِي من بَذْلِ قِيمَةِ
المَاءِ، وهو خِلَافُ مَا اقتَضَاهُ الحديثُ من عَدَمِ المَنعِ مُطلَقًّا، ولَو جَازَ أخذُ
العِوضِ عنهُ لَجَازَ بَيْعُهُ، وقَد نَهَى النبيّ ◌َ له عن ذَلِكَ، بِقَولِه: ((لَا يُبَاعُ فَضْلُ المَاءِ
لِيُبَاعَ به الكَلَأُ)، وهو في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)) كَمَا تَقَدَّمَ، وهو صَرِيحٌ في الرَّدِّ على
هَؤُلَاءِ القَومِ.
، السَّادِسَةُ: لِوُجُوبٍ ذَلِكَ شُرُوطٌ مَأخُوذَةٌ من الحديثِ (٤):
أحَدُها: أن يَكُونَ ذَلِكَ المَاءُ فَاضِلًا عن حَاجَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وهو صَرِيحُ
الحديثِ؛ فَإِنَّ المَنهيَّ عنهُ مَنعُ الفَضلِ لَا مَنعُ الأصلِ، ولِذَلِكَ(٥) بَوّبَ عليه
البخاريُّ(٦) في ((صَحِيحِه)): أنَّ (٧ صَاحِبَ المَاء٧ِ) أحَقُّ بِالمَاءِ حَتَّى يَروِيَ.
الثَّانِي: أن يَكُونَ البَذْلُ لِلمَاشِيَةِ وسَائِرِ البَهائِمِ، ولَا يَجِبُ عليه بَذلُ الفَاضِلِ
عن حَاجَتِه ◌ِزَرعِ غَيرِه على الصَّحِيحِ عِندَ أصحَابِنَا، وبه قال أبُو حَنِيفَةَ وأصحَابُهُ،
وسُفيَانُ الثَّورِيُّ، وعن أحمَدَ رِوايَتَانٍ، وقال مَالِكٌ: يَجِبُ عليه بَذلُهُ لِلزَّرعِ أيضًا
إِذَا خَشِيَ عليه الهَلَاكَ، ولَم يَضُرَّ ذَلِكَ بِصَاحِبِ المَاءِ.
واختَلَفَ أصحَابُهُ في أنَّهُ يَستَحِقُّ على ذَلِكَ عِوضًا أم لا؟ والحديثُ حُجَّةٌ
(١) معالم السنن (١٢٢/٥).
(٢) معالم السنن (١٢٢/٥).
(٣) في (ش): (یجب)).
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٢٩/١٠).
(٥) في (ش): ((وكذلك)).
(٦) البخاري عقب الحديث (٢٣٥٢).
(٧ - ٧) في (ش): ((صاحبه)).

٢٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
لِلأولَينِ فَإنَّهُ لَا يَلَزَمُ من مَنعِ سَقِي الزَّرِعِ به مَنعُ الكَلَا، وهو المَعنَى الذِي علّلَ به
في (١) الحديثِ، إِنَّمَا يَلزَمُ ذَلِكَ في مَنعِ البَهائِمِ. ويَدُلُّ لِمَالِكٍ ومَن وافَقَهُ حَدِيثُ
جَابِرٍ في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)) (٢): نَهَى رسولُ الله ◌َّهِ عن بَيعِ فَضلِ المَاءِ، ولَم يُقَيِّدهُ
بِمَنعِ فَضلِ الكَلَإِ، لَكِنَّهُ عِندَ غَيرِهِ مَحمُولٌ على الحديثِ الآخَرِ. وقَد حَكَى
ابْنُ حَبيبٍ عَمَّن لَفِيَهُ من أصحَابٍ مَالِكٍ: أنَّ(٣) مَعنَى الحديثَينِ واحِدٌ.
قال (١٨١/٦م) النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم)) (٤): ويَحتَمِلُ أنَّهُ في غَيرِهِ ويَكُونُ
نَهِيَ تَنزِيهِ. واختَلَفَ(٥) تَرجِيحُ الرَّافِعِيِّ في وُجُّوبٍ بَذلِ فَضلِ المَاءِ لِلزَّرعِ فيمَا إِذَا
حَفَرَ البِرَ لِلارتفَاقِ(٦) دُونَ الثَّمَلُّكِ.
الثَّالِثُ: أن لَا يَجِدَ صَاحِبُ المَاشِيَةِ مَاءً مُبَاحًا(٧). ذَكَرَهُ أصحَابُنَا،
والحديثُ دَالٌّ عليه؛ فَإِنَّهُ مَتَى وجَدَ ذَلِكَ لَا يَلزَمُ من مَنعِ صَاحِبِ البِئِرِ فَضْلَ مَائِه
مَنْعُ الكَلَاِ لِلِاسْتِغِنَاءِ عنهُ بِذَلِكَ المَاءِ المُبَاحِ.
الرَّابِعُ: أَن يَكُونَ هُنَاكَ كَلَأٌ يُرعَى (٨)، فَلَو خَلَت تِلكَ الأرضُ عن الكَلَإِ:
فَلَهُ المَنْعُ لِنِفَاءِ العِلَّةِ المُعتَبَرَةِ في الحديثِ(٩).
السَّابِعَةُ: لَيسَ المُرَادُ بِوُجُوبٍ بَدْلِ فَضْلِ المَاءِ لِلمَاشِيَةِ اسْتِقَاؤُهُ لَها، بَل
الواجِبُ تَمكِينُ أصحابها لِيَستَقُوا بِدِلَاءِ أَنفُسِهم، ولَا (١٠) يَمنَعُ (١١) المَاشِيَةَ من
الحُضُورِ عِندَ البِئْرِ إِذَا لَم يَحصُل لَهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ فِي مَاشِيَةٍ وَلَا [١١٥/٢ ظ] زَرِعٍ ولَا
غَيرِهمَا(١٢)؛ فَإن لَحِقَهُ ضَرَرٌ بِوُرُودِها مُنِعَت، لَكِن يُمَكِّنُ الرُّعَاةَ من اسْتِقَاءِ فَضلٍ
المَاءِ لَها: قالهُ المَاوردِيُّ من أصحَابِنَا(١٣).
(م).
ليس في الأصل،
(١)
(٣)
ليس في (ش).
في (ش): ((واختلف في)).
(٥)
(٧) ينظر: روضة الطالبين (٣٧٣/٤).
(٩) ينظر: روضة الطالبين (٣٧٣/٤).
(١١) في (ك٢): ((تمنع)).
(١٣) ينظر: روضة الطالبين (٣٧٣/٤).
(٢) مسلم (١٥٦٥/ ٣٤).
(٤) شرح النووي على مسلم (٢٢٩/١٠).
(٦) في الأصل، (م): (للإرفاق)).
(٨) في (ش): ((مرعي)).
(١٠) في (ش): ((فلا)).
(١٢) في (ش): ((غيرها)).

=
بَابُ إحيَاءِ المَواتِ
٢٢٩
] الثَّامنةُ: ظَاهرُ الحديثِ: أنَّهُ لَا فَرقَ في ذَلِكَ بَيْنَ المَارَّةِ ومَن أَقَامَ
حَولَ (١) البِرِ، وفي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وجهانِ لِأصحَابِنَا: والأصَحُّ الوُجُوبُ في حَقِّهم
أيضًا؛ عَمَلًا بِظَاهِرِ الحديثِ(٢).
وقال الآخَرُونَ: لَا ضَرُورَةَ بِأُولَئِكَ لِلإِقَامَةِ. وهَذَا لَا مَعنَى لَهُ. وقال
المَالِكِيَّةُ(٣): المُسَافِرُونَ أحَقُّ من المُقِيمِينَ. انتهى (٤).
■ التَّاسِعَةُ: اختَلَفَ أصحَابُنَا(٥) في أنَّهُ هَل يَجِبُ البَذْلُ لِلرُّعَاةِ كَالمَاشِيَةِ أم
لَا؟ والأصَحُّ(٦) الوُجُوبُ، وهو مُقتَضَى الحديثِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا مَنَعَ الرُّعَاةَ من الشُّربِ
امتَنَعُوا عن رَعي الكَلَإِ، فَإِنَّهُ لَا يُمكِنُهُم إرسَالُ البَهائِمِ هَمَلًا، وفي حَمَلِ المَاءِ
عليهم مَشَقَّةٌ.
وصَاحِبُ الوجه الآخَرِ يَقُولُ: يُمَكِّنُهُم حَمَلَهُ لِأنْفُسِهِم؛ لِقِلَّةِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيه
بِخِلَافِ البَهائِم. والحَقُّ هو الأولُ، والبَذلُ لِسُقَاةٍ(٧) النَّاسِ رُعَاةً كَانُوا أو غَيرَهُم
أولى من البَذلِ لِلمَاشِيَةِ.
[ العَاشِرَةُ: قال أهلُ اللُّغَةِ: الكَلَأُ مَقصُورٌ مَهمُوزٌ: هو النَّبَاتُ سَواءٌ كَانَ
رَطْبًا أو يَابِسًا، وأمَّا الحَشِيشُ و(٨) الهَشِيمُ فَهو مُختَصِّ بِالْيَابِ.
وأمَّا الخَلَا: بِفَتح الخَاءِ مَقصُورٌ غَيْرُ مَهمُوزٍ والعُشبُ فَهو مُختَصُّ بِالرَّطبِ.
ويُقَالُ لَهُ أيضًا: الرُّطبُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وإسكَانِ الطَّاءِ(٩).
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إن قُلتَ: لِمَ بَوّبَ المُصَنِّفُ تَخْذُ على هَذَا الحديثِ
إِحيَاءَ المَواتِ، وأيُّ دَلَالَةٍ فيه على جَوازٍ إحيَاءِ المَواتِ؟
قُلتُ: الحُكُمُ المَذكُورُ فيه هو من أحْكَامِ إِحْيَاءِ المَواتِ؛ فَإِنَّهُ في البِئْرِ (١٠)
المَحِفُورَةِ في المَواتِ الذِي فيه الكَلَأُ .
(١) في (ح): ((حصول)).
ينظر: جامع الأمهات (ص٤٤٦).
(٣)
ينظر: روضة الطالبين (٣٧٣/٤).
(٥)
(٧)
في (ح): («لشفاه)».
(٩) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٢٩/١٠).
(١٠) ليس في (ش).
(٢) ينظر: روضة الطالبين (٣٧٣/٤).
(٤) من (ش).
(٦) في (ح): ((الصحيح)).
(٨) ليس في (م).

٢٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَإِن قُلتَ: (٦ / ١٨٢م) وقَد تَكُونُ مَحفُورَةً في مَمِلُوكٍ غَيرِ مَواتٍ؟
قُلتُ: هَذِهِ لَا يَكُونُ حَولَها كَلَأٌّ مُبَاحٌ في الغَالِبِ، بَل تَكُونُ مَحْفُوفَةً
بِالأملاكِ. وبِتَقدِيرِ أن يَكُونَ حَولَها كَلَّأٌ مُبَاحٌ وهيَ في أرضٍ(١) مَمِلُوكَةٍ، فَتِلكَ
الصُّورَةُ الأُولى مِمَّ تَنَاولَهُ الحديثُ؛ فَصَحَّ التَّبِيبُ لِتَنَاوُلِها، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: استَدَلَّ به ابنُ حَبيبٍ من المَالِكِيَّةِ على أنَّ البِرَ إذَا تَهايَاً
فيها مَالِكَاهَا(٢) لِهَذَا يَومٌ ولِهَذَا يَومٌّ؛ فَاستَغنَى صَاحِبُ النَّوبَةِ عن المَاءِ فِي ذَلِكَ
اليَومِ: إِمَّا بَعدَ أن سَقَى زَرعَهُ، أو لَم يَسقِ لِعَدَمِ احتياجِه ◌ِذَلِكَ فَلِشَرِيكِه أن يَسْتَقِيَ
فِي غَيرِ نَوبَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَاءٌ قَد(٣) فَضَلَ عنهُ. وَقَد نَهَى النبيّ بَّهُ عن مَنعٍ فَضْلٍ
المَاءِ. وخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الأكثَرُونَ من المَالِكِيَّةِ وغَيرُهُم وقَالُوا: الأصلُ المَنعُ من
مَالِ الغَيرِ بِغَيرِ إذنِه إلا مَا خَرج بِدَلِيلٍ، وهَذِه الصُّورَةُ لَيسَت الصُّورَةَ التي ورَدَ فيها
الحديثُ المُخَصِّصُ، واللهُ أعلَمُ (٤) .
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: وأدخَلَ فيه ابنُ حَبيبٍ أيضًا مَا (٥) إِذَا تَهَورَت(٦) بِئرُ
صَاحِبٍ بُستَانٍ، فَلَهُ سَقيُ أشجَارِهِ وزَرعِه من فَضلِ مَاءِ بِئْرِ جَارِه إلى أن يُصلِحَ
بِئْرَهُ إذَا (٧) خَشِيَ من تَأْخِيرِ السَّقيِ إلى إصلاحِها هَلَاكَها، ويَجِبُ عليه المُبَادَرَةُ
لإصلاحها .
قال: ولَيسَ لَهُ أن يُنشِئَ غَرسًا أو زَرْعًا لِيَسقِيَهُ من فَضلِها إلى إصلاح(٨)
بِئْرِهِ. قال: وهَكَذَا فَسَّرَهُ لِي مُطَرِّفُ وابنُ المَاجِشُونِ عن مَالِكِ، وفَسَّرَهُ لِي أيضًا
ابنُ عَبدِ الحَكَمِ وأصبَغُ بنُ الفَرَجِ؛ وأخبَرَنِي: أنَّ ذَلِكَ كَانَ قَولَ ابنِ وهبٍ
وابنِ القَاسِمِ وأَشَبَ ورِوايَتَهُم عن مَالِكٍ. انتَهَى(٩).
(١) في (ش): ((أراض)).
(٣)
لیس في (ش).
(٥)
ليس في (ك٢).
في (ش): «ويجب إذا)).
(٧)
(٨)
في (ش): ((صلاح)).
(٩) ينظر: التمهيد (١٣٢/١٣، ١٣٣).
(٢) في (م): ((مالكها)).
(٤) ينظر: التمهيد (١٣٢/١٣).
(٦) في الأصل: ((تهدرت)).

=
٢٣١
بَابٌ إحيَاءِ المَواتِ
وقال ابنُ العَرَبي(١): لَا خِلَافَ في قَولِه؛ أي: مَالِكٍ، في وُجُوبِ الإعطَاءِ،
وإن اختَلَفُوا في جِهَةِ الإعطَاءِ: هَل هو بِثَمَنٍ أو بِغَيرِ ثَمَنٍ؟ انتَهَى.
واستَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِالرِّوايَةِ المُطلَقَةِ في النَّهي عن بَيعِ فَضلِ المَاءِ. والجُمهورُ
يُخَالِفُونَهُم في ذَلِكَ، ويَحمِلُونَ تِلكَ المُطلَقَةَ على المُقَّدَةِ المُفَسَّرَةِ، واللهُ أعلَمُ.
وقِيلَ لِعِيسَى بِنِ دِينَارٍ: أَيُحكَمُ عليه ◌ِذَلِكَ؟ فقال: لَا. ولَكِن يُؤْمَرُ(٢) بِذَلِكَ،
فَإن أبى لَم يُقضَ عليه. قِيلَ لَّهُ: فَإِن بَاعَ فَضْلَهُ أتَرَى جَارَهُ الذِي انقَطَعَ مَاؤُهُ أولى
به بِالثَّمَنِ؟ قال: نَعَم(٣).
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: [١١٦/٢ و] واستَدَلَّ به بَعضُ المَالِكِيَّةِ على قَاعِدَتِهم في
سَدِّ الذَّرَائِعِ؛ فَإِنَّهُ نَهَى أَن يَمنَعَ فَضلَ المَاءِ؛ لِثَلَّا يَتَذَرَّعَ به إلى مَنعِ الكَلَا(٤).
■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: في ((صَحِيحِ ابنِ حِبَّنَ))(٥)؛ من طَرِيقِ ابنِ وهبٍ، عن
حَيوةَ، عن أبي هانِئٍ، عن(٦) أبي سَعِيدٍ مَولى بَنِي غِفَارُ(٧)، عن أبي هريرةَ نَظ ◌ُه،
قال: سَمِعتُ رسولَ الله وَ﴿ يَقُولُ: ((لَا تَمنَعُوا فَضلَ المَاءِ، وَلَا تَمنَعُوا الكَلَأَ؛
فَهِزُلَ المَالُ ويَجُوعَ (٨) العِيَالُ)) .
فَفي هَذِهِ الرِّوايَةِ التَّصرِيحُ (١٨٣/٦م) بِالنَّهى عن بَيعِ الكَلَا؛ فَيَحْتَمِلُ أن
يَعُودَ (٩) إلى الرِّوايَةِ المَشهورَةِ؛ في النَّهي عن بَيعِه بِالنَّسَبُّبِ بِأن يَمنَعَ المَاءَ فَيَكُونَ
سَبَبًا لِمَنعِ الكَلَا. ويَحتَمِلُ أن لَا يُؤَولَ (١٠) بِذَلِكَ، بَل تُجعل على ظَاهرِها من
(١) عارضة الأحوذي (٢٧٣/٥).
(٢) في (ش): ((لا يؤمر)).
(٣) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤٩٦/٦).
(٤) ينظر: المفهم (٤/ ٤٤٢).
(٥) صحيح ابن حبان (٤٩٥٦).
(٦) في الأصل، (ك٢، ح، م): (بن)). وهو تصحيف. وأبو هانئ هو حميد بن هانئ
الخولاني.
(٧) في الأصل، (م): ((عفان)). والحديث أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٠) وفيه أبو سعيد الغفاري.
ويقال: أبو سعد، مجهول. ينظر: الجرح والتعديل (٣٧٩/٩)، ولسان الميزان
(٦٦٢/٧).
(٨) في (م): ((وتجوع)).
(١٠) في (ح): ((تؤول)).
(٩) في (م): (تعود)).

=
/٢٣٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
النَّهي عن بَيعِ الكَلَإِ، وهو مَحمُولٌ على غَيرِ المَمِلُوكِ وهو الكَلَأُ النَّابِتُ(١) في
المَواتِ؛ فَمَنعُهُ مُجَرَّدُ ظُلم إذ(٢) النَّاسُ فيه سَواءٌ، أمَّا الكَلَأُ النَّابِتُ (٣) في أرضِه
المَمِلُوكَةِ لَهُ(٤) بِالإِحْيَاءِ: فَمَذهَبُنَا جَوازُ بَيعِه، وفيه خِلَافٌ عِندَ المَالِكِيَّةِ صَحِّحَ
ابنُ العَرَبي(٥) الجَوازَ.
وقال ابنُ القَاسِمِ ومُطَرِّفٌ: يَبيعُ(٦) ويَمنَعُ مَا فِي مُرُوجِه وحِمَاهُ من مِلكِه،
ويُبَاحُ مَا فَضَلَ عنهُ مِمَّا في فُحُوصِها من البُورِ(٧) والعَفَاءِ، إلا أن يَكْتَنِفَهُ زَرِعُهُ فَلَهُ
مَنْعُهُم لِلصَّرَرِ. وسَوى ابنِ المَاجِشُونِ بَينَهُمَا في بَيْعِه إلا مَا فَضَلَ عنهُ من العَفَاءِ.
وسَوى أشهَبَ في مَنِعِه، وقال: هو كَالمَاءِ الجَارِي لَا يَحِلُّ مَنعُ مَا فَضَلَ عنهُ ولَا
بَيْعُهُ (٨) إلا أن يجزَّهُ(٩) ويَحمِلَهُ فَيَبِيعَهُ: حَكَى هَذَا الخِلَافَ ابنُّ شَاسٍ وابنُ
الحَاجِبِ(١٠). وحَكَى ابنُ بَطَالٍ (١١) عن الكُوفيينَ والشَّافِعِيِّ: أنَّ صَاحِبَ الأرضِ
لَا يَملِكُ الكَلَأَ حَتَّى يَأْخُذَهُ فَيَحُوزَهُ. ومَا حَكَاهُ عن الشَّافِعِيِّ مَردُودٌ.
وقَولُهُ: ((فَيَهِزُّلَ المَالُ ويَجُوعَ(١٢) العِيَالُ))، تَعلِيلٌ لِلنَّهي عن مَنعِ(١٣) الكَلَا؛
فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عليه هُزَالُ (١٤) المَالِ وهو المَاشِيَّةُ، إذ لَيسَ كُلُّ أَحَدٍ يَقدِرُ على العلفِ،
فَإِذَا مَنَعَ رَعيَ مَاشِيَتِه في الكَلَاِ هَزُلَت فَيَنشَأ عن ذَلِكَ قِلَّةُ اللبَنِ أو فَقدُهُ؛ فَتَجُوعَ
العِيَالُ الذِينَ يَقتَاتُونَ بِاللبَنِ ومَا يَنشَأُ عنهُ من الجُبنِ وَغَيرِهِ.
في (م): ((الثابت)».
(١)
(٣)
في (م): ((الثابت».
(٥)
عارضة الأحوذي (٢٧٤/٥).
(٧)
في (م): ((التور)).
(٨)
في (ك٢): ((یبیعه)).
(٩) في الأصل: ((يحزه))، وفي (م): ((يحرزه)). وفي جامع الأمهات: ((يجره)).
(١٠) الجواهر (٨٧/٣)، وجامع الأمهات (ص٤٤٧).
(١١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦ /٤٩٦).
(١٢) في (م): ((وتجوع)).
(١٣) في (م): (بيع)).
(١٤) في (ك٢): ((هزل)).
(٢) في الأصل، (ك٢): ((إذا)).
(٤) ليس في (ش).
(٦) في (ش): (ينبغي)).

بَابُ إحيَاءِ المَواتِ
٢٣٣
=
السَّادِسَةَ عَشَرَ: رَوى ابنُ مَاجَه (١)، بِإسنَادٍ صَحِيحٍ، عن مُحَمَّدِ بنِ
عَبدِ الله بنِ يَزِيدَ، عن سُفيَانَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج(٢)، عن أبي هريرةَ:
أنَّ رسولَ اللهِ وَ ◌ّه قال: «ثَلَاثٌ لَا يُمنَعنَ(٣): المَاءُ والَكَلَأُ والنَّارُ)). ورَوى
ابنُّ مَاجَه(٤) أيضًا؛ عن عَبدِ الله بنِ سَعِيدٍ، عن عَبدِ الله بنِ خِرَاشِ بنِ حَوشَبٍ
الشَّيْبَانِيِّ، عن العَوامِ بنِ حَوَشَبٍ، عن مُجَاهدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ ﴿ها، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّ: ((المُسلِمُونَ شُرَكَاءُ في ثَلَاثٍ: في المَاءِ والكَلَاِ والنَّارِ، وثَمَنُهُ
حَرَامٌ)).
قال أبُو سَعِيدٍ : يَعنِي المَاءَ الجَارِيَ. والظّاهرُ: أنَّ أبَا سَعِيدٍ هَذَا هو
عَبدُ الله بنُ سَعِيدٍ شَيخُ ابنِ مَاجَه، وهو الأشَجُّ وكَانَ أحَدَ الحُفَّاظِ. وهَذَا الإسنَادُ
ضَعِيفٌ لِضَعفِ عَبدِ الله بنِ خِرَاشٍ، وهو بِكَسرِ الخَاءِ وبِالشِّينِ المُعجَمَتَينِ، وفي
تَرجَمَتِه أورَدَهُ ابنُ عَدِيٍّ في ((الكَامِلِ)) (٥).
ورَوى أبو داودَ(٦)؛ من رِوايَةٍ رَجُلٍ من المُهاجِرِينَ من أصحَابِ النّبِيِّي ◌ََّ،
مَرَفُوعًا: ((المُسلِمُونَ شُرَكَاءُ (١٨٤/٦م) في ثَلَاثٍ: المَاءُ، والكَلَأُ، والنَّارُ)).
قال الخَطَّابي (٧): هَذَا مَعنَاهُ الكَلَأُ يَنْبُتُ في مَواتِ الأرضِ يَرْعَاهُ(٨) النَّاسُ،
لَيْسَ لِأحَدٍ أن يُخَصَّ به دُونَ أحَدٍ أو (٩) يَحجِزَهُ عن غَيرِهِ، وكَانَ أهلُ الجَاهِلِيَّةِ إذَا
عَزَّ(١٠) الرَّجُلُ منهُم حَمَى بُقْعَةً من الأرضِ لِمَاشِيَتِهِ تَرعَاها (١١)، يَذُودُ النَّاسَ عنها.
فَأَبَطَلَ النبيُّ ◌َّهِ ذَلِكَ وجَعلِ النَّاسَ فِيه شُرَكَاءَ يَتعاورُونَهُ بَيْنَهُمِ. فَأَمَّا الكَلَأُ إِذَا نَبَتَ
في أرضٍ مَملُوكَةٍ لِمَالِكِ بِعَيْنِهِ فَهو مَالٌ لَهُ لَيسَ لِأَحَدٍ أن يُشرِكَهُ فيه إلا بإذنِهِ.
قال: وقَولُهُ: (والنَّارُ)). فَسَّرَهُ بَعضُ العُلَمَاءِ بِالحِجَارَةِ التي تُوري(١٢) النَّارَ،
(١) سنن ابن ماجه (٢٤٧٣).
(٣)
في (ك٢): ((تمنعن)).
الكامل في الضعفاء (١٥٢٥/٤).
(٥)
(٧) معالم السنن (١٢٣/٥، ١٢٤).
(٩) في الأصل، (م): ((و)).
(١١) في (ح): ((يرعاها)).
(٢) في (م): ((أبي الأعرج)).
(٤) سنن ابن ماجه (٢٤٧٢).
(٦) سنن أبي داود (٣٤٧٧).
(٨) في (ح): ((ترعاه)).
(١٠) في معالم السنن: (غزا)).
(١٢) في الأصل، (م): ((تري)).

=
5
٢٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَلَا يُمنَعُ أحَدٌ أن يَأْخُذَ منها حَجَرًا يَقتدِحُ(١) به النَّارَ. فَأمَّا التي يُوقِدُها الإنسَانُ
فَلَهُ أن يَمنَعَ غَيرَهُ من أخذِها. وقال بَعضُهُم: لَهُ أن يَمنَعَ مَن يُرِيدُ أن يَأْخُذَ منها
جَذوةً من الخَطَبِ قَد احتَرَقَ فَصَارَ جَمْرًا، وَلَيْسَ لَهُ أن يَمْنَعَ مَن أَرَادَ أن يَستَصبِحَ
منها مِصبَاحًا أو يُدنِيَ منها ضِغئًا يَشتَعِلُ بها؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنقِصُ من عَينِها
[١١٦/٢ ظ] شَيئًا. انتَهَى.
وقال صَاحِبُ ((العُدَّةِ)) من أصحَابِنَا: لَو أضرَمَ نَارًا في حَطَبٍ مُبَاحِ بِالصَّحَرَاءِ
لَم يَكُن لَهُ مَنعُ مَن يَنتَفِعُ بِتِلكَ النَّارِ (٢)، فَلَو جَمَعَ الحَطَبَ مَلَكَهُ؛ فَإِذَا أضرَمَ فيه
النَّارَ كَانَ لَهُ مَنْعُ غَيرِهِ منها. انتَهَى(٣) .
وأمَّا المَاءُ: فَالمُرَادُ بِه هُنَا المِيَاهُ المُبَاحَةُ النَّبِعَةُ في مَوضِع لَا يَختَصُّ بِأَحَدٍ
ولَا صُنِعَ لِلآدَمِيِّينِ في إنبَاطِها(٤) وإجرَائِها؛ كَالفُرَاتِ وجَيحُونَ والنِّيلِ، وسَائِرٍ
أودِيَةِ العَالَمِ، والعُيُونِ في الجِبَالِ وسُيُولِ الأمطَارِ؛ فَالنَّاسُ فيها سَواءٌ، لَكِن مَن
أَخَذَ منها شَيْئًا في إِنَاءٍ أو جَعلُهُ في حَوضٍ مَلَكَهُ ولَم يَكُن لِغَيرِهِ مُزَاحَمَتُهُ فِيه(٥) .
وقَولُهُ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((وَثَمَنُهُ حَرَامٌ))؛ أي: المَذكُورُ؛ فَأْعَادَ الضَّمِيرَ
مُفرَدًا، وإن تَقَدَّمَ ذِكرُ ثَلَاثٍ. وإِنَّمَا كَانَ ثَمَنُهُ حَرَامًا؛ لِأنَّهُ غَيرُ مَمِلُوكٍ فَلَا يَجُوزُ
بَیعُهُ.
وحَملُ أبي سَعِيدٍ وهو الأشَجُّ لَهُ على الجَارِي هو الغَالِبُ، فَلَو كَانَ المَاءُ
المُبَاحُ غَيْرَ جَارٍ كَمَاءِ السُّيُولِ الرَّاكِدَةِ في المُستَنقَعَاتِ فَحُكمُها كَذَلِكَ، واللهُ أعلمُ.
] السَّابِعَةَ عَشَرَ: رَوى ابنُ مَاجَه(٦) أيضًا؛ عن عَمَّارِ بنِ خَالِدِ الواسِطِيِّ،
عن عَلِيٍّ بنِ غُرَابٍ، عن زُهَيرِ بنِ مَرزُوقٍ، عن عَلِيٍّ بنِ زَيدٍ (٧ بن جُدعانَ(٧)، عن
سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن عَائِشَةَ أنَّها قالت: يا رسولَ الله، مَا الشَّيءُ الذِي لَا يَحِلُّ
مَنعُهُ؟ قال: ((المَاءُ والمِلحُ والنَّارُ)). قالت: قُلتُ: يَا رسولَ الله، هَذَا المَاءُ قَد
في الأصل، (م): ((يقدح)).
(١)
ينظر: روضة الطالبين (٣٧٦/٤).
(٣)
(٥)
ينظر: روضة الطالبين (٣٦٨/٤).
في الأصل، (م): ((عن جعدان)).
(٧)
(٢) ليس في (ح).
(٤) في (م): ((انباعها)).
(٦) سنن ابن ماجه (٢٤٧٤).

بَابُ إحيَاءِ المَواتِ
٢٣٥
عَرَفَنَاهُ، فَمَا بَالُ المِلحِ والنَّارِ؟ قال: ((يَا حُمَيرَاءُ، مَن أعطَى نَارًا فَكَأنَّمَا تَصَدَّقَ
بِجَمِيعِ مَا أَنضَجَت ◌ِلكَ النَّارُ، ومَن أعطَى (١٨٥/٦م) مِلحًا فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا
طَيَّبَت ◌ِلكَ المِلحُ، ومَن سَقَى مُسلِمًا شَرِبَةً من المَاءِ حَيثُ يُوجَدُ المَاءُ فَكَأَنَّمَا
[أعتَقَ رَقَبَةً، ومَن سَقَى مُسلِمًا(١) شَربَةً من مَاءٍ حَيثُ لَا يُوجَدُ المَاءُ](٢) فَكَأَنَّمَا
أحياها)).
وزُهَيرُ بنُ مَرزُوقٍ: لَا يُعرَفُ بِغَيرِ هَذَا الحديثِ، وقَد سُئِلَ عنهُ يَحيَى بنُ
مَعِينٍ؟ فقال: لَا أعرِفُهُ. وقال البخاريُّ: مُنكَرُ الحديثِ مَجهولٌ(٣).
ورَوى أبو داودَ(٤)؛ من رِوايَةٍ سَيَّارِ بنِ مَنْظُورٍ رَجُلٌ(٥) من بَنِي فَزَارَةَ، عن
أبيه، عن امرَأَةٍ يُقَالُ لَها: بُهَيسَةَ (٦)، عن أبيها، قالت: استَأْذَنَ أبي النبيّ وَّ
فقال: يَا نَبِي الله، مَا الشَّيءُ الذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قال: ((المَاءُ)). قال: يَا نَبِي الله،
مَا الشَّيءُ الذِي لَا يَحِلُّ مَنعُهُ؟ قال: ((المِلِحُ)). وفي هَذَا الإسنَادِ جَهالَةٌ.
وقال (٧) الخَطَّابي (٨): مَعنَاهُ المِلحُ إذَا كَانَ في مَعِنِهِ في أرضٍ أو جَبَلٍ غَيرِ
مَمِلُوكٍ؛ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُمنَعُ (٩ من أخذِه٩). فَأَمَّا إِذَا صَارَ في حَوزِ مَالِكِه فَهو أولى
به، ولَهُ مَنعُهُ وبَيْعُهُ والتَّصَرُّفُ فيه كَسَائِرِ أملَاكِه. انتَهَى.
قال أصحَابُنَا: فَلَو كَانَ بِقُربِ السَّاحِلِ بُقْعَةٌ لَو حُفِرَت وسِيقَ المَاءُ إِلَيها ظَهَرَ
فيها المِلِحُ فَلَيسَت من المَعَادِنِ الظَّاهَرَةِ؛ لِأَنَّ المَقصُودَ منها يَظهَرُ بِالعَمَلِ؛ فَلِلإِمَامِ
إقطَاعُها، ومَن حَفَرَها وسَاقَ المَاءَ إلَيها وظَهَرَ المِلحُ مَلَكَها كَمَا لَو أحيَا
مَواتًا(١٠). واللهُ أعلمُ.
(١) في (م): ((مسلمة)).
(٣) ينظر: تهذيب الكمال (٤١٩/٩).
(٥)
في (ش): ((ورجل)).
(٦) في الأصل، (م): ((نهيسة)). وبهيسة: وهي الفزارية: مجهولة. ينظر: ميزان الاعتدال
(٤ /٦٠٥)، وشرح العيني على أبي داود (٤٢٨/٦).
(٧) في الأصل، (م): ((فقال)).
(٩ - ٩) ليس في (ش).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في (ك٢).
(٤) سنن أبي داود (١٦٦٩، ٣٤٧٦).
(٨) معالم السنن (١٢٣/٥).
(١٠) ينظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤٨٨/٧)، وروضة الطالبين (٣٦٦/٤).

W
٢٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بَابُ الوصِيَّةِ
عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ بِّ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ قال: «مَا حَقُّ امرِئٍ
لَهُ شَيءٌ يُوصِيَّ فيه يَبيتُ لَيلَتَينٍ، إلا ووصِيَّتْهُ مَكْتُوبَةٌ عِندَهُ)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرجهُ من هَذَا الوجه: البخاريُّ والنسائيُّ (١) من طَرِيقٍ
مَالِكِ. وأخرجهُ مسلمٌ وأبو داودَ والتِّرمِذِيُّ (٢) والنسائيُّ وابنُ مَاجَه(٣) من طَرِيقٍ
عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ. وفي رِوايَةٍ مُسلِمٍ: ((لَهُ (١٨٦/٦م) شَيءٌ يُرِيدُ أن يُوصِيَ فيه)).
وأخرجهُ مسلمٌ والتِّرمِذِيُّ(٤) أيضًا من رِوايَةِ أيُّوبَ السَّختيانِيُّ بِلَفِظِ: (لَهُ شَيءٌ
يُرِيدُ أن يُوصِيَ فيه)). وأخرجهُ البَيهَقِيُّ(٥) من هَذَا الوجه بِلَفِظِ: ((لَهُ(٦) مَالٌ يُرِيدُ
أن يُوصِيَ فيه يَبِيتُ لَيلَةً أو لَيَلَتَيْنٍ لَيسَت وصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِندَهُ)). وأخرجهُ مسلمٌ(٧)
أيضًا من رِوايَةٍ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ وهشَامِ بنِ سَعدٍ، كُلُّهُم عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ.
وأخرجهُ مسلمٌ أيضًا(٨) والنسائيُّ(٩) من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيه
بِلَفِظِ: (يَبيتُ (١٠) ثَلَاثَ لَيَالٍ)). قال عَبدُ الله بنُ عُمَرَ: مَا مَرَّت علَيَّ لَيلَةٌ مُنذُ
سَمِعتُ رسولَ اللهِ نَّه قال ذَلِكَ، إلا (١١) وعِندِي وصِيَّتِي. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في
(١) البخاري (٢٧٣٨)، والنسائي (٣٦١٨). (٢) ليس في (ش).
(٣)
مسلم (١/١٦٢٧)، وأبو داود (٢٨٦٢)، والترمذي (٩٧٤)، والنسائي (٣٦١٧)، وابن
ماجه (٢٦٩٩).
مسلم (٣/١٦٢٧)، والترمذي (٢١١٨). (٥) السنن الكبرى (٢٧٢/٦).
(٤)
(٦)
ليس في (ش).
(٧) مسلم (٣/١٦٢٧).
(٩) مسلم (٤/١٦٢٧)، والنسائي (٣٦٢٠).
(٨) من (ش).
(١٠) في (م): ((ويبيت)).
(١١) ليس في الأصل، (م).

بَابُ الوصِيَّةِ
٢٣٧
=
((التَّمهيدِ))(١): لَا خِلَافَ [١١٧/٢ و] عن مَالِكِ في لَفِظِ هَذَا الحديثِ، ولَا في
إسنَادِهِ.
وقال فيه ابنُ عُيَينَةَ، عن أيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ وَّه:
((مَا حَقُّ امرِئٍ يُؤْمن بِالوصِيَّةِ)). وفَسَّرَهُ فقال: يُؤمن بِأنَّها حَقٌّ.
وقال فيه سُلَيمَانُ بنُ مُوسَى(٢)، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((لَا يَنبَغِي لِأحَدٍ
عِندَهُ مَالٌ يُوصِي فيه: أن يَأتي عليه لَيلَتَانِ إلا وعِنْدَهُ وصِيَّةٌ)) .
وقال ابنُ عَونٍ (٣)، عن نَافِعٍ، عن ابنٍ عُمَرَ، مَرفُوعًا: ((لَا يَحِلَّ لِامرِئٍ مُسلِم
لَهُ مَالٌ يُوصِي فيه»، الحدیثَ.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: هَكَذَا قال(٤): ((لَا يَحِلُّ))، ولَم يُتَابَع على هَذِهِ اللفظَةِ،
واللهُ أعلمُ.
ورِوايَةُ ابنِ عُيَينَةَ، التي ذَكَرَها ابنُ عَبدِ البَرِّ: رَواها الشَّافِعِيُّ عنهُ، ومن
طَرِيقِهِ البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٥) .
■ الثَّانِيَةُ: قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم)) (٦): قال الشَّافِعِيُّ تَظُّهُ: مَعنَى
الحديثِ: مَا الحَزمُ والاحتياطُ لِلمُسلِمِ، إلا أن تَكُونَ وصِيَّتُهُ مَكتُوبَةً عِندَهُ.
ورَوى البَيهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ)) عن الشَّافِعِيِّ أنَّهُ قال، في قَولِه: ((مَا حَقُّ
امرِئٍ))(٧): يَحتَمِلُ: مَا لِامْرِئٍ أن يَبيتَ لَيَلَتَينٍ إلا ووصِيَّتُهُ مَكتُوبَةٌ عِندَهُ. ويَحْتَمِلُ:
مَا المَعْرُوفُ في الأخلَاقِ إلا (٨) هَذَا لَا (٩) من وجه الفَرضِ.
وقال الخَطَّابي(١٠): مَعنَاهُ: مَا حَقُّهُ من جِهَةِ الحَزم والاحتياطِ، إلا أن
(٣)
أخرجه الطحاوي في المشكل (٣٦٢٧). (٤) ليس في (ش).
(٥)
البيهقي في المعرفة (٩٥/٥) ح (٣٩١٦)، وفي السنن المأثورة (٥٣٩).
(٦)
شرح النووي على مسلم (١١/ ٧٥).
(٧)
معرفة (٩٥/٥). وهو بنصه في الأم (١٨٧/٥).
(٨) في (ح، ش): ((إلا من)).
(١٠) معالم السنن (١٤٢/٤).
(١) التمهيد (٢٩٠/١٤، ٢٩١).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٣٣).
(٩) في (ك٢): ((إلا)). وليست في (ش).

=
٢٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
تَكُونَ وصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِندَهُ(١) (٦/ ١٨٧م) إذَا كَانَ لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أن يُوصِيَ فيه؛ فَإِنَّهُ
لَا يَدْرِي مَتَى تُوافيه مَنِيَّتُهُ فَتَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَا يُرِيدُ من ذَلِكَ. انتَهَى.
وقَولُهُ: (يَبِيتُ لَيَتَينٍ))، الظّاهرُ: أنَّ أصلَهُ أن يَبِيتَ لِيُؤَولَ بِالمَصدَرِ؛ أي:
مَا حَقُّهُ بَيْتُوتَةٍ(٢) (٣لَيَلَتَينِ إلا٣) وهو بهذِهِ الصِّفَةِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَصرِيحُهُ بِذَلِكَ في
رِوايَةِ النسائيٌّ من طَرِيقِ فُضَيلٍ بنِ عِيَاضٍ، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن
ابنِ عُمَرَ، قال فيها: ((أن يَبیتَ)).
■ الثَّالِثَةُ: فيه الحَثُّ على الوصِيَّةِ. وقَد أجمَعَ المُسلِمُونَ على الأمرِ بها،
لَكِنَّ مَذهَبَ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وأبي حَنِيفَةَ، والجُمهورِ: أنَّها مَندُوبَةٌ لَا
واجِبَةٌ(٤). وذَهَبَ داودُ، وابنُ حَزمٍ، وغَيرُهُمَا من أهلِ الظَّاهرِ: إلى وُجُوبها.
وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ (٥) عن طَائِفَةٍ؛ منْهُم الزُّهرِيُّ. وحَكَاهُ البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٦) عن
الشَّافِعِيِّ في القَدِيمِ، ولَم أرَ ذَلِكَ لِغَيرِهِ. وقال ابنُ حَزمٍ(٧): رُوِّينا إِيجَابَ الوصِيَّةِ
عن ابنِ عُمَرَ، وكَانَ طَلحَةُ، والزُّبَيرُ يُشَدِّدَانِ في الوصِيَّةِ، وهو قَولُ عَبدِ الله بنِ
أبي أوفَى، وطَلحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ، وطَاؤُسٍ، والشَّعبي(٨) وغَيرِهم. انتَهَى.
ونَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩): إجمَاعَ العُلَمَاءِ على الاِسْتِحِبَابِ، وجَعلِ القَائِلِينَ
بِالوُجُوبِ شَاذِينَ لَا يُعَدُّونَ خِلَافًا .
وتَمَسَّكَ المُوجِبُونَ بهذَا الحديثِ، ولَا دَلَالَةَ لَهُم فيه، ولَيسَ في هَذَا اللفظِ
مَا يَدُلُّ على الوُجُوبِ، كَيفَ؟ وفي رِوايَةٍ مُسلِمٍ، من طَرِيقٍ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ،
وأيُّوبَ السَّختيانِيُّ: ((يُرِيدُ أن يُوصِيَ فيه)). فَجَعَل ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِإِرَادَتِهِ، ولَو كَانَ
واجِبًا لَم يَكُن كَذَلِكَ.
(١) بعده في (ش): ((إلا)).
(٢) في (م): ((بيتوتته)).
(٣ - ٣) ليس في (ح).
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧٤/١١).
(٥) الأوسط (١١/٨) نشر وزارة الأوقاف المغربية، والإشراف (٤٠١/٤).
(٧) ينظر: المحلى (٣١٢/٩).
(٦) معرفة السنن (٩٥/٥).
(٩) ينظر: التمهيد (٢٩٢/١٤).
(٨)
ليس في (٢٥).

بَابُ الوصِيَّةِ
٢٣٩
وبِتَقدِيرِ أن يَكُونَ في هَذَا اللفظِ مَا يَدُلُّ على الوُجُوبِ فَقَدْ قَيَّدَهُ في كُلِّ
الرِّوايَاتِ بِقَولِه: (لَهُ شَيءٌ يُوصِي فيه)). وذَلِكَ هو الدُّيُونُ التي تَكُونُ عليه، فَهو
الشّيءُ الذِي يُوصَى فيه، ولَو نَظَرنَا إلى الرِّوايَةِ التي لَفْظُها: ((مَالٌّ يُوصَى فيه)). فَالدَّينُ
الذِي عليه مَالٌ. وأمَّا قَولُ الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ إِن تَرَّكَ
﴾ [البقرة: ١٨٠]. فَإنَّها
١٨٠)
خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَفْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ
مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، كَانَ يَجِبُ على المُحتَضَرِ أن يُوصِيَ لِلوالِدَينِ والأقَرَبِينَ بِمَا
أُرَادَ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِيَ أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآيَاتِ.
وفي ((صحيحِ البخاريِ))(١) عن ابنِ عَبَّاسِ رِّ: ((كَانَ المَالُ لِلولَدِ وكَانَت
الوصِيَّةُ لِلوالِدَينِ، فَنَسَخَ اللهُ من ذَلِكَ مَا أحَبَّ، فَجَعل لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظّ الأُنثَينِ،
وجَعل ◌ِلأبوينِ لِكُلِّ واحِدٍ منهُمَا السُّدُسَ، وجَعل لِلمَرأةِ الثُّمُنَ والرُّبُعَ، ولِلزَّوجِ
الشَّطرَ والرُّبُعَ)). وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ (٢): عن ابنِ عُمَرَ، وعِكرِمَةَ، ومُجَاهدٍ،
ومَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ.
قال: (١٨٨/٦م) وقالت طَائِفَةٌ: نُسِخَ الوالِدَانِ بِالفَرضِ لَهُمَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ
[١٧/٢ ١ ظ]، وبَقِيَ الأقرَبُونَ مِمَّن لَا يَرِثُ، الوصِيَّةُ لَهُم جَائِزَةٌ حَرَّضَ اللهُ رَّت على
ذَلِكَ، هَكَذَا قال إسحَاقُ(٣)، وبه قال طَاوُسٌ، وقَتَادَةُ، والحَسَنُ.
وقال ابنُ حَزم(٤): فَرْضٌ على كُلِّ مُسلِمٍ أن يُوصِيَ لِقَرَابَتِهِ الذِينَ لَا يَرِثُونَ
إمَّا مُطلَقًا أو لِحَاجِبٍ أو لِمَانِعِ، بِمَا طَابَت به نَفسُهُ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ، فَإِن لَم يَفعَل
أُعْطُوا مَا رَآهُ الورَثَةُ أو الوصِيُّ، قال: وبِوُجُوبِ الوصِيَّةِ لِلِقَرَابَةِ (° الذِينَ لَا°) يَرِثُونَ
يَقُولُ إسحَاقُ، وأَبُو سُلَيمَانَ.
وحَكَى ابنُ المُنذِرِ(٦): الإجمَاعَ على أنَّ الوصِيَّةَ لِلقَرَابَةِ غَيرِ الوارِثِينَ جَائِزَةٌ،
(١) البخاري (٢٧٤٧، ٤٥٧٨، ٦٧٣٩).
(٢) الأوسط (١٧/٨، ١٨) نشر وزارة الأوقاف القطرية، والإشراف (٤٠٣/٤).
(٤) المحلى (٣١٤/٩).
(٣) في (ك٢): ((ابن إسحاق)).
(٥ - ٥) في (ش): ((الذي)).
(٦) الأوسط (١٧/٨، ١٩) نشر وزارة الأوقاف القطرية، والإشراف (٤٠٣/٤، ٤٠٤).

٢٤٠
=
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ثُمَّ حَکَی خِلَافًا فيمَا إذَا تَرَكَ الوصِيَّةَ لَهُم وأوصَى لِأجنبي، فَحَکَی عن الأئِمَّةِ
الأربَعَةِ، وعَوامٌّ أهلِ العِلم: أنَّ وصِيَّتَهُ حَيثُ جَعلها، وعن عَطَاءٍ والحَسَنِ،
وعَبدِ المَلِكِ بنِ يَعلى: أنَّها تُنزَعُ(١) من الأجنبي، وتُرَدُّ على القَرَابَةِ، وعن
ابنِ المُسَيِّبٍ، وجَابِرِ بنِ زَيدٍ، وإسحاق(٢): أنَّهُ يُعطَى المُوصَى لَهُ ثُلُثُ الوصِيَّةِ
والقَرَابَةُ ثُلُثَيِها .
] الرَّابِعَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): قَولُ مَن قال: ((مَالٌ)). أولى عِندِي من
قَولِ مَن قال: ((شَيٌ))؛ لِأَنَّ الشَّيءَ قَلِيلُ المَالِ وكَثِيرُهُ، وقَد أجمَعَ العُلَمَاءُ على أنَّ
مَن لَم يَكُن عِندَهُ(٤) إلا اليَسِيرُ الثَّافِهُ(٥) من المَالِ أنَّهُ لَا يُندَبُ إلى الوصِيَّةِ. ثُمَّ
قال(٦): اختَلَفَ السَّلَفُ في مِقْدَارِ المَالِ الذِي تُستَحَبُّ (٧) فيه الوصِيَّةُ أَو تَجِبُ عِندَ
مَن أوجَبَها، فَرُوِيَ عن عَلِيٍّ ◌َبه، أنَّهُ قال: [سِتُّمِائَةِ دِرهَمٍ، أو سَبعُمِائَةِ دِرِهَمٍ،
لَيْسَ بِمَالٍ فيه وصِيَّةٌ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قال](٨): ألفُ دِرهَمٍ مَالٌ فيه وصِيَّةٌ.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: لَا وصِيَّةَ فِي ثَمَانِمِائَةِ دِرهَم.
وقالت عَائِشَةُ، في امرأةٍ لَها أربَعَةٌ من الولَدِ، ولَها ثَلَاثَةُ آلَّفِ دِرهَمٍ:
لَا وصِيَّةَ في مَالِها .
وقال إبرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: ألفُ دِرهَمٍ إلى خَمسِمِائَةِ دِرهَمٍ.
وقال قَتَادَةُ في قَوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا﴾ [البقرة: ١٨٠]. الخَيرُ ألفٌ فَمَا
فَوقَها .
وعن عَلِيٍّ: مَن تَرَكَ مَالَا يَسِيرًا فَلَيَدَعُهُ لِورَثَتِهِ، فَهو أفضَلُ.
وعن عَائِشَةَ ﴿ّا، فيمَن تَرَكَ ثَمَا نَمِائَةٍ: لَم يَتْرُك خَيْرًا فَلَا يُوصِي. أو نَحو
هَذَا من القَولِ.
(١) في (ش): (تنتزع)).
(٣) التمهيد (٢٩١/١٤).
(٥)
في (ش): ((الناقه)).
(٦) التمهيد (٢٩٦/١٤)، والاستذكار (٩/٢٣، ١٠).
(٧) في (م): ((يستحب).
(٢) ليس في (م).
(٤) في (ش): ((شيء)).
(٨) ما بين المعكوفين، ليس في (ك٢).