Indexed OCR Text

Pages 181-200

=
كم
١٨١
بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
سَابِعُها: أنَّ هَذَا الحديثَ قَد خَالَفَه راويه(١) مَالِكٌ، فَلَا يُعمَلُ به، قاله بَعضُ
الحَنَفيةِ. وهَذَا ضَعِيفٌ من وجهَينِ :
أحَدُهمَا: أنَّ هَذِهِ قَاعِدَةٌ مَردُودَةٌ.
ثَانيهمًا: مع تَسلِيمِها(٢)، فَمَالِكٌ لم يَنْفَرِدْ به، فَقَد رَواه غَيرُهُ وعَمِلَ به، فَإِن
تَعَذَّرَ الإستِدلال به من طَرِيقِ مَالِكٍ، أمكنَ من طَرِيقِ غَيرِهِ، عَلى أَنَّ القَرَافي قال:
الذِي أعتَقِدُه أنَّ الخِلَافَ مَخصُوصٌ بِالصَّحَابِيِّ. (١٥٣/٦م) لَكِن صَرَّحَ إِمَامُ
الحَرَمَينِ بِأنَّه لَا فَرِقَ في ذلك بَيْنَ الصَّحَابِيِّ وَغَيرِه.
ثَامنها: أنَّ هَذَا خَبَرٌ واحِدٌ، فَلَا يُقبَلُ فيمَا تَعُمُّ(٣) به البَلوى، وهو البَيعُ.
وجَوابُه: أنَّ الفَسَخَ لَيسَ مِمَّا تَعُمُّ (٤) به البلوى، وإن عَمَّتِ البَلوى بِالبَيعِ؛
لِأَنَّ الإقدَامَ عَلى البَيعِ دَالٌّ عَلى الرَّغْبَةِ فيه، فَالحَاجَةُ لِمَعرِفَةِ حُكمٍ فَسخِهِ لَا تَعُمُّ،
وبِتَقْدِيرِ عُمُومِها، فَرَدُ خَبَرِ الواحِدِ فيه مَمنُوعٌ.
تَاسِعُها: أنَّه مُخَالِفٌ لِلقِيَاسِ الجَلِيِّ في(٥) إلحَاقِ مَا قَبلَ التَّفَرُّقِ بِمَا بَعدَه في
مَنعِ كُلِّ منهمَا من إِيطَالِ حَقِّ صَاحِبه، وذلك مُقَدَّمٌ عَلى خَبَرِ الواحِدِ.
وجَوابُه: أنَّه قَد يَحصُلُ النَّدَمُ عَلى البَيعِ لِوُقُوعِه من غَيرِ تَرَوِّ؛ فَيُستَدرَكُ
بِالخِيَارِ، ولا يُمكِنُ ثُبوتُه مُطلَقًّا، لِانتِفَاءِ وُثُوقِ المُشتَرِي بِتَصَرُّفِهِ، فَجُعِلَ مَا قَبلَ
[٢/ ١٠٧ و] التَّفَرُّقِ حَرِيمًا لِذلك، وهَذَا فَارِقٌ بَيْنَ الحَالَتَينِ، ثم لَو لَم يَكُن بَينَهمَا
فَرِقٌ، لَم يَرِد الحديثُ بذلك، فَإِنَّ ذلك الأصلَ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالنَّصِ، والنَّصُّ مَوجُودٌ
في هَذَا الفَرعِ بِعَينِهِ، فَإِمَّا أن يَكُونَ الشَّارِعُ أخرَجَ هَذِهِ الجُزِئِيَّةَ عن الكُلِّيَّاتِ(٦)
لِمَصلَحَّةٍ أو تَعَبُّدًا، فَيَجِبُ اتِّبَاعُه.
عَاشِرُها: قال بَعضُهم: إنَّ العَمَلَ بِظَاهرِهِ مُتَعَذِّرٌ، فَإِنَّه أثَبَتَ لِكُلِّ منهمَا
(١) في (م): (رواية)).
(٣) في (ش): ((يعم)).
(٥)
في (ش): ((من)).
(٦) في (ش): ((الكلية)).
(٢) في (ش): ((تسليمهما)).
(٤) في (ش): ((يعم)).

5
١٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الخِيَارَ عَلى صَاحِبِه، فَإن اتَّفَقَا في الاختيارِ، لَم يَثبُتِ لِواحِدٍ منهمَا عَلى الآخَرِ
خِيَارٌ، وإن اختَلَفَا، بِأن اختَارَ أحَدُهمَا الفَسخَ والآخَرُ الإمضَاءَ، فَقَد استَحَالَ أن
يَثبُتَ لِواحِدٍ منهمَا عَلى صَاحِبِه خِيَارٌ(١)، فَإِنَّ الجَمعَ بَيْنَ الفَسخِ والإمضَاءِ
مُستَحِيلٌ.
وجَوابُه: أنَّ المُرَادَ الخِيَارُ في الفَسْخِ، فَأيُّهمَا اختَارَ الفَسخَ قَبَلَ التَّفَرُّقِ مُكِّنَ
منه(٢)، وأمَّا الإمضَاءُ: فَلَا يَحتَاجُ إلى اختيارٍ، فَإِنَّه مُقتَضَى(٣) العَقدِ، والحَالُ
يُقْضِي إِلَيه مع السُّكُوتِ عنه وعن ضِدِّه. والله أعلمُ.
حَادِي عَشَرَها: قال بَعضُهم: إنَّه لَا يَتَعَيَّنُ حَملُ الخِيَارِ هِنَا (٤) عَلى خِيَارٍ
الفَسخ، فَلَعَلَّه أُرِيدَ خِيَارُ الشِّرَاءِ، أو خِيَارُ الزِّيَادَةِ في الثَّمَنِ، أو المُثَمَّنِ؛ [وجَوابُه
من وجهَینِ :
أحَدُهمَا: أنَّه لَا يُمكِنُ إرَادَةُ خِيَارِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ المُرَادَ من المُتَبَابِعَينِ
المُتَعَاقِدَانِ، وبَعدَ صُدُورٍ(٥) العَقدِ لَا خِيَارَ، ولَا خِيَارَ الزِّيَادَةِ في الثَّمَنِ
أو المُثَمَّنِ](٦) عِندَ مَن يَرَاهِ، لِبَقَائِه بَعدَ التَّفَرُّقِ، والخِيَارُ المُثبِتُ مَلْغِيًّا(٧)
بِالتَّفَرُّقِ.
ثَانيهمًا: أنَّ المَعهودَ من النبيِّ وَّ اسْتِعمَالُ لَفظَةِ الخِيَارِ [في خِيَارِ الفَسخِ،
كَمَا في قَولِه في حَدِيثِ حِبَّانَ: ((وَلَك الخِيَارُ))، وفي حَدِيثِ المُصَرَّةِ: ((فَهو
بِالخِيَارِ](٨) ثَلَاثً))، والمُرَادُ فيهمَا: خِيَارُ الفَسخ؛ فَيَتَعَيَّنُ الحَمَلُ عَلَيه.
ثَانِي عَشَرَها: تَمَسَّكَ بَعضُهم في رَدِّ ذلك بِالعُمُومَاتِ، مِثلَ قَوله (١٥٤/٦م)
تَعَالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِلْعُقُوِّ﴾ [المائدة: ١]. قَالُوا: وفي الخِيَارِ إِبطَالُ
الوفَاءِ بِالعَقدِ. ومِثلُ قَولِه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((مَن ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعه حَتَّى
(١) في (ش): ((الخيار)).
(٢) في (ش): ((به)).
في (ح): ((يقتضي)).
(٣)
(٤) ليست في (ش).
(٥)
في (ش): ((ورود)).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٧) في الأصل: ((مغنى))، وفي (٢٥): ((مغيا))، وفي (ش): ((معنى).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).

=
يَستَوفيه))(١)). قَالُوا(٢): فَقَد أبَاحَ بَيْعَه بَعدَ قَبَضِه، ولَو كَانَ قَبَلَ التَّفَرُّقِ.
ولَا يَخْفَى ضَعفُ هَذَا المَسَلَكِ، ((فَإِنَّ العُمُومَ لَا تُرَدُّ به النُّصُوصُ الخَاصَّةُ»،
وإِنَّمَا يُقضَى لِلخَاصِّ(٣) عَلَى العَامِّ. وقَد ظَهَرَ بِمَا بَسَطْنَاه: أنَّه (٤) لَيسَ لَهم مُتَعَلِّقٌ
صَحِيحٌ فِي رَدِّ هَذَا الحديثِ، ولِذلك قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٥): أكثَرَ (٦) المُتَأْخِّرِونَ(٧)
من المَالِكِيين والحَنَفيين من(٨) الاحتِجَاجِ لِمَذْهَبهما(٩) في رَدِّ هَذَا الحديثِ بِمَا
يَطُولُ ذِكرُه، وأكثَرُه تَشغيبٌ(١٠)، لَا يُحصَلُ منه عَلَى شَيءٍ لَازِم لَا مَدفَعَ لَه. وقال
النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١١): الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ عَلَيهم، ولَيسَ لَهم
عنها (١٢) جَوابٌ صَحِيحٌ، فَالصَّوابُ ثُبُوتُه كَمَا قال الجُمهورُ.
وانتَصَرَ ابنُ العَرَبِيِّ في ذلك لِمَذهَبِه بِمَا لَا يَقبَلُه مُنصِفٌ، ولَا يَرتَضِيهِ لِنَفْسِه
عَاقِلٌ، فقال: الَّذِي قَصَدَ مَالِكٌ هو أنَّ(١٣) النبيَّ وَ لَمَّا جَعَلَ العَاقِدَيْنِ بِالخِيَارِ
بَعدَ تَمَامِ البَيعِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا، ولَم يَكُن لِفُرقَتِهِمَا، وانفِصَالِ أحَدِهمَا عن الآخَرِ
وقتٌ مَعَلُومٌ، ولَا غَايَةٌ مَعرُوفَةٌ، إلَّا أن يَقُومَا، أو يَقُومَ أحَدُهمَا عَلى مَذهَبٍ
المخالف(١٤). وهَذِهِ جَهالَةٌ يَقِفُ(١٥) معها انعِقَادُ البَيعِ، فَيَصِيرُ من بَابِ بَيِعِ
المُنَابَذَةِ والمُلَامَسَةِ، بِأن يَقُولَ: إِذَا لَمَستَه فَقَد وجَبَ البَيعُ، وإِذَا نَبَذْتَه أو نَبَذْتَ
الحَصَاةَ فَقَد وجَبَ البَيعُ. وهَذِهِ الصِّفَةُ مَقطُوعٌ بِفَسَادِها في العَقْدِ، فَلَم يَتَحَصَّل
المُرَادُ من الحديثِ مَفهومًا، وإن فَسَّرَه ابنُ عُمَرَ رَاوِيهِ، بِفِعِلِه وقِيَامِه عن المَجلِسِ
لِيَجِبَ لَه البَيعُ، فَإِنَّمَا فَسَّرَه بِمَا يُثبِتُ الجَهالَةَ فيه، فَيَدْخُلُ تَحتَ النَّهي عن الغَرَرِ،
تقدم تخريجه في الحديث التاسع.
(١)
(٣)
في (ش): ((الخاص)).
(٥)
التمهيد (١١/١٤).
في (م): ((المتأخرين».
(٧)
في (م)، والأصل: ((في)).
(٩) في النسخ: ((لمذهبنا)). والمثبت من التمهيد (١١/١٤).
(١٠) في (م): ((تشعيب)).
(١٢) في (م): ((عليها)).
(١٤) ليست في (م، ك٢).
(٢) في (ش): ((فقالوا)).
(٤) في (٢٥): ((أنهم)).
(٦) ليست في (ش).
(٨)
(١١) شرح صحيح مسلم (١٧٣/١٠).
(١٣) ليست في (ح).
(١٥) ليست في (٢٥).
بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
١٨٣

=
١٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
كَمَا يُوجِبُه النَّهِيُّ عن المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ، وَلَيسَ من قَولِ النبيِّ وَّهِ وَلَا تَفْسِيرِهِ،
وإنَّمَا هو من فَهم ابنِ عُمَرَ. وأصلُ التَّرجِيحِ الَّذِي هو مُعضِلةٍ(١) الأُصُولِ: أن
يُقَدَّمَ [١٠٧/٢ ظ] المَقطُوعُ به عَلى المَظْنُونِ، والأكثَرُ رُواةً عَلى الأقَلِّ، فَهَذَا هو
الَّذِي قَصَدَه مَالِكٌ، مِمَّا لَا يُدرِكُه إلَّا مِثلُه، ولَا يَتَفَظّنُ لَه أحَدٌ قَبلَه ولَا بَعدَه،
وهو إِمَامُ الأَئِمَّةِ غَيرُ مُدَافَعٍ لَه في ذلك. انتَهَى.
وهو عَجِيبٌ، أيُتمعقَلُ عَلى الشَّارِعِ، ويُقَالُ لَه: هَذَا الَّذِي حَكَمت به
غَرَرٌ(٢)، وقَد نَهَيت عن الغَرَرِ، فَلَا نَقبَلُ (٣) هَذَا الحُكمَ، ونَتَمَسَّكُ بِقَاعِدَةِ النَّهي
عن الغَرَرِ، وأيُّ غَرَرٍ في ثُبوتِ الخِيَارِ (٤ْرِفِقًا بِالمُتَعَاقِدِينَ(٤) لِاستِدَرَاكِ نَدَمِ (٥)،
وهَذَا المُخَالِفُ يُثبِتُ خِيَارَ الشَّرطِ عَلى مَا فيه من الغَرَرِ بِزَعمِهِ، وحَدِيثُ خِيَارِ (٦/
١٥٥م) المَجلِسِ أَصَحُّ منه، ويَعتِرُ التَّفَرُّقَ في إبطَالِه لِلبَيعِ إذَا وجدَ قَبلَ التَّقَابُضِ
في الصَّرفِ، ولَا يَرَى تَعلِيقَ ذلك بِالتَّفَرُّقِ بِالأبدَانِ غَرَرًا مُبطِلًا لِلعَقْدِ. ثم بِتَقدِیرِ
أن يَكُونَ فيه غَرَرٌ، فَقَد أبَاحَ الشَّارِعُ الغَرَرَ في مَواضِعَ مَعرُوفَةٍ؛ كَالسَّلَم،
والإِجَارَةِ، والحَوالَةِ، وغَيرِها(٦)، لِحِكمَةٍ اقتَضَت ذلك، بَل لَو لَم يُظهر لَّنَا
حِكمَتَه، فَإِنَّه يَجِبُ عَلَينَا الأخذُ به تَعَبُّدًا، والمَسلَكُ الَّذِي نَفَاه عن إمَامِه أقَلُّ
مَفسَدَةً من الذِي سَلَكَه، فَإِنَّ ذَاكَ تَقدِيمٌ لِلإِجمَاعِ(٧) في اعتِقَادِهِ، إن صَحَّ، عَلى
خَبَرِ الواحِدِ، وأمَّا مَا سَلَكَه: فَفيه رَدُّ السُّنَنِ بِالرَّأىِ، وذلك قَبِيحٌ بِالعُلَمَاءِ. انتهى.
الخَامِسَةُ: ظَاهرُهُ ثُبُوتُ الخِيَارِ فِي كُلِّ بَيْعٍ، وقَد استَثنَى بَعضُ أصحَابِنَا
من ذلك صُورًا لَم يُثِتُوا فيها خِيَارَ المَجلِسِ، والصَّحِيحُ عِندَهم ثُبُوتُه في كُلِّ بَيعِ،
ولَا يَرِدُ عَلى ذلك أنَّ الأصَحَّ عِندَ الرَّافِعِيِّ في ((الشَّرحِ الصَّغِيرِ))، والنَّوِيِّ في
(شَرِحِ المُهَذَّبِ))(٨): أنَّه لَا يَثبُتُ في بَيعِ العَبدِ نَفسَه؛ لِأَنَّ ذلك عَقدُ عَتَاقَةٍ،
(١) في (م): ((قضية)).
(٣)
في (ح، ش): ((يقبل)).
(٥)
ليست في (ش).
(٧) في (ش): ((الإجماع)).
ينظر: المجموع شرح المهذب (٢٠٨/٩، ٢٠٩).
(٨)
(٢) في (ش): ((غرور)).
(٤ - ٤) في (ش): ((فقال للمتعاقدين)).
(٦) بعدها في (م): ((ثم بتقدير أن يكون)).

بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
١٨٥
=
واستَثنَى الأوزَاعِيُّ من ذلك بُيُوعًا ثَلَاثَةً: بَيعَ السُّلطَانِ لِلغَنَائِمِ، والشَّرِكَةَ في
المِيرَاثِ، والشَّرِكَةَ في التِّجَارَةِ، قال: فَلَيسَ(١) فِي هَذِهِ خِيَارٌ(٢).
] السَّادِسَةُ: لَم يَذْكُر في الحديثِ لِلتَّفَرّق(٣) ضَابِطًا، ومَرجِعُه العُرفُ،
وقَد كَانَ ابنُ عُمَرَ، رَاوِي الحديثِ، إذَا اشتَرَى شَيئًا يُعجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَه، وفي
رِوايَةٍ: إذَا ابتَاعَ بَيعًا وهو قَاعِدٌ، قَامَ، [لِيَجِبَ لَه. وفي رِوايَةٍ: كَانَ إذَا (٤بَايَعَ
رَجُلًا، فَأرَادَةُ) أن لَا يُقِيلَه، قَامَ](٥)، فَمَشَى هنَيَّة، ثم رَجَعَ إِلَيه. وقَد تَقَدَّمَ
ذِكرُها. قال أصحَابُنَا(٦): مَا عَدَّه النَّاسُ تَفَرُّقًا لَزِمَ به العَقدُ، فَلَو كَانَا في دَارٍ
صَغِيرَةٍ، فَالتَّفْرِقُ(٧) أن يَخرُجَ أحَدُهمَا منها، أو يَصعَدَ السَّطحَ، وكَذَا لَو كَانَا في
مَسجِدٍ صَغِيرٍ، أو سَفينَةٍ صَغِيرَةٍ(٨)، فَإِن كَانَت الدَّارُ كَبِيرَةً، حَصَلَ التَّفَرُّقُ بِأن
يَخرُجَ أحَدُهمًا من البَيتِ إلى الصَّحنِ، أو من الصَّحنِ إلى بَيْتٍ أو صُفَّةٍ، وإن كَانَا
في صَحِرَاءَ، أو سُوقٍ، فَإِذَا ولى أحَدُهمَا ظَهرَه، ومَشَى قَلِيلًا، حَصَلَ التَّفَرُّقُ عَلى
الصَّحِيحِ. وقال الإصطَخرِيُّ: يُشتَرَطُ أن يَبعُدَ عن صَاحِبه، بِحَيثُ لَو كَلَّمَه عَلى
العَادَةِ، من غَيرِ رَفع صوتٍ (٩)، لَم يَسمَعِ كَلَامَه، ولَا يَحصُل التَّفَرُّقُ بِأن يُرَخَى
بَينَهمَا سِترٌ، أو يُشَقَّ نَهرٌ، وهَل(١٠) يَحصُلُ بِنَاءِ جِدَارٍ بَينَهمَا؟ فيه وجهانٍ،
أصَخُّهمَا: لَا، وصَحنُ الدَّارِ والبَيتُ الواحِدُ(١١)، إذَا تَفَاحَشَ اتِّسَاعُهمَا
كَالصَّحِرَاءِ، فَلَو تَنَادَيَا مُتَبَاعِدَينٍ وتَبَايَعَا، فَلَا شَكَّ (١٥٦/٦م) في صِحَّةِ البَيعِ .
ثم قال إمَامُ الحَرَمَينِ: يَحتَمِلُ (١٢) أن يُقال: لَا خِيَارَ لَهمَا؛ لِأَنَّ التَّفَرُّقَ
الطَّارِئَ يَقَطَعُ الخِيَارَ، فَالمُقَارِنُ يَمنَعُ ثُبوتَه، ويَحتَمِلُ أن يُقال: يَثْبُتُ (١٣) مَا دَامًا
(١) في (ك٢، ح): ((وليس)).
في (م)، والأصل: ((للتفرقة)).
(٣)
ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٥)
(٧)
في (م): ((فالتفرقة)).
بعدها في (م): ((فالتفرق أن يخرج أحدهما منها)).
(٨)
(٩) في (ش): ((الصوت)).
(١١) ليست في (ش).
(١٣) في (ح): ((ثبتت)).
(٢) في (ش): ((الخيار)).
(٤ - ٤) في (ش): ((باع، وأراد)).
(٦) المجموع: (٢١٣/٩).
(١٠) في الأصل، (ح): ((وقد)).
(١٢) في (ش): ((ويحتمل)).

١٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
في مَوضِعِهِمَا. وبهذَا قَطَعَ المُتَولى، ثم إذَا فَارَقَ أحَدُهمَا مَوضِعَه بَطَلَ خِيَارُه،
وهَل يَبطُلُ خِيَارُ الآخَرِ، أم يَدُومُ إلى أن يُفَارِقَ مَكَانَه؟ فيه احتِمَالَانِ لِلإِمَامِ. قال
النَّووِيُّ(١): الأصَحُّ ثُبوتُ الخِيَارِ، وأنَّه مَتَى فَارَقَ أحَدُهمَا مَوضِعَه بَطَلَ خِيَارُ
الآخَرِ. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢) عن الأوزَاعِيِّ قال: حَدُّ الفُرِقَةِ(٣): أن يَتَوارَى كُلُّ
[١٠٨/٢ و] واحِدٍ منهمَا عن صَاحِبه. وهو قَولُ أهلِ الشَّام. قال(٤): وقال الليثُ بنُ
سَعدٍ: التَّفَرُّقُ أن يَقُومَ أحَدُهمَا .
] السَّابِعَةُ: اختُلِفَ في معنى قَولِهِ: ((إلَّا بَيعَ الخِيَارِ)) عَلى أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّه استِثنَاءٌ من امتِدَادِ الخِيَارِ إلى التَّفَرُّقِ، والمُرَادُ بِبَيعِ الخِيَارِ أن
يَتَخَايَرَا في المَجلِسِ، ويَختَارَا إمضَاءَ البَيعِ، فَيَلْزَمُ بِنَفسِ الخِيَارِ، ولَّا يَدُومُ إلى
التَّفَرُّقِ، ويَدُلُّ لِهَذَا قَولُه، في رِوايَةِ [أيُّوبَ السَّختياني، وهيَ في الصَّحِيحِ، كَمَا
تَقَدَّمَ: ((مَا لَم يَتَفَرَّقَا، أو يَقُولُ أحَدُهمَا (٥) لِصَاحِبه: اختَر)). ورُبَّمَا قال: ((أو يَكُونُ
بَيعُ الخِيَارِ))، فَلَمَّا وضَعَ قَولَه: ((أو يَقُولُ أحَدُهمَا (٦) لِصَاحِبه: اختَرَ)) مَوضِعَ بَيْعٍ
الخِيَارِ، وَلَّ عَلى أنَّه بِمَعنَاه، ويَدُلُّ لِذلك قَولُه، في رِوايَةٍ](٧) أُخرَى: (مَا لَمْ
يَتَفَرَّقَا، أو يَخْتَارَا)) وكَذَا قَولُه في رِوايَةٍ أُخرَى: ((مَا لَم يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أو
يُخَيِّوُ(٨) أحَدُهمَا الآخَرَ)). وقَد رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ كَذَتُ هَذَا المَعنَى، فقال، فيمَا رَواه
البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٩) واحتَمَلَ قَولُ رَسُولِ الله ◌ِّرَ: ((إلَّا بَيْعَ الخِيَارِ) مَعنَيَينٍ:
أظهَرُهمَا عِندَ أهلِ العِلمِ بِاللسَانِ، وأولَاهمَا بِمَعنَى السُّنَّةِ والاستِدلَالِ بها
والقِيَاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ إِذ جَعَلَ الخِيَارَ لِلمُتَبَايِعَينِ، والمُتَبَابِعَانِ اللذَانِ عَقَدَا
البَيعَ، حَتَّى يَتَفَرَّفَا، إلَّا بَيعَ الخِيَارِ، فَإِنَّ الخِيَارَ إذَا كَانَ لَا ينقطع بعد عقد(١٠)
(١) المجموع (٢١٥/٩).
(٣)
في (م): ((التفرقة)).
(٥)
ليس في: (ش).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٩) معرفة السنن والآثار (٢٨١/٤).
(١٠) في (م): ((ينعقد بعد قطع)).
(٢) التمهيد (١٥/١٤).
(٤) ليست في (ك٢).
(٦) ليست في (ش).
(٨) في (ش): ((لا يخير)).

بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
١٨٧
=
البَيعِ في السُّنَّةِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، وتَفَرُّقُهمَا هو أن يَتَفَرَّقَا عن مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فيه،
كَانَ بِالتَّفَرُّقِ، أو بِالتَّخِيرِ، وكَانَ مَوجُودًا في اللسَانِ، والقِيَاسُ إِذَا كَانَ البَيعُ يَجِبُ
بِشَيءٍ بَعدَ البَيعِ، وهو الفِرَاقُ أن يَجِبَ بِالثَّانِي بَعدَ البَيع، فَيَكُونُ إذَا خَيَّرَ أحَدُهمَا
صَاحِبَه بَعدَ البَيعِ، كَانَ الاختيارُ تجَدِيدَ (١) شَيءٍ يُوجِبُهَ، كَمَا كَانَ التَّفَرُّقُ تجَدِيدَ
شَيءٍ يُوجِبُه، ولَوْ لَم يَكُن فيه سُنَّةٌ تُبَيِّئُه بِمِثلِ مَا ذَهَبت إلَيه، كَانَ مَا وصَفنَا أولى
المَعنَيَينِ أن يُؤْخَذَ به، لِمَا وصَفت من القِيَاسِ، مع أنَّ سُفيَانَ بنَ عُيَينَةَ أخبرنَا (٢)
عن عَبدِ الله بنِ طَاؤُسٍ، عن أبيه قال: ((خَيَّرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ رَجُلًا بَعدَ البَيعِ، فقال
الرَّجُلُ: عَمَّرَك الله، مِمَّن أنتَ؟ فقال رَسُولُ اللهِ وَّ: ((امرُؤٌ من قُرَيشٍ)). قال:
وكَانَ (٣) أبِي يَحِلِفُ: مَا كَانَ الخِيَارُ إلَّا بَعدَ البيع. قال الشَّافِعِيُّ: وبهذا نَقُولُ.
وكَذَا حَكَاه الترمذيُّ(٤) عن الشَّافِعِيِّ وغَيرِهِ، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ(٥) عن الثَّورِيِّ،
والأوزَاعِيِّ، وابنٍ عُيَينَةَ، (٦ وعُبَيدِ الله٦) بنِ الحَسَنِ العنبَرِيِّ، والشَّافِعِيِّ،
وإسحَاقَ بنِ رَاهُويه. وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (٧): اتَّفَقَ أصحَابُنَا عَلى
تَرجِيحِ هَذَا القَولِ، وأبطَلَ كَثِيرٌ منهم مَا سِواه، وغَلَّطُوا قَائِلَه، ومِمَّن رَجَّحَه من
المُحَدِّثِينَ الْبَيْهَفِيُّ، ثم بَسَطَ دَلَائِلَه، وبَيَّنَ ضَعفَ مَا يُعَارِضُها.
القَولُ الثَّاني: أنَّه استِثنَاءٌ من انقِطَاعِ الخِيَارِ بِالتَّفَرُّقِ، [والمُرَادُ: إِلَّا بَيعًا
شُرِطَ فيه خِيَارُ الشَّرطِ ثَلَاثَةَ أَيَّام أو دُونَها، فَلَا يَنْقَضِي الْخِيَارُ فيه بِالَّفَرُّقِ](٨)، بَل
يَبقَى حَتَّى تَنقَضِيَ المُدَّةُ المَشَرُوطَةُ، حَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ (٩) هَذَا عن الشَّافِعِيِّ،
وأبِي ثَورٍ، وجَمَاعَةٍ (١٠).
القَولُ الثَّالِثُ: أنَّه استِثنَاءٌ من إثْبَاتِ الخِيَارِ، والمَعنَى: إلَّا بَيعًا شُرِطَ فيه
نَفْيُ خِيَارِ المَجلِسِ، فَيَلْزَمُ بنفس(١١) البيعُ، ولَا يَكُونُ فيه خِيَارٌ.
(٣)
في (م) والأصل: ((بجديد) .
(١)
في (ح، ش): ((فکان)).
(٥)
الإشراف (٧٧/٦).
شرح صحيح مسلم (١٧٤/١٠).
(٧)
(٩) التمهيد (٢٣/١٤).
(١١) ليست في (م)، والأصل.
(٢) في (م): ((قال: أنا)).
(٤) الترمذي، عقب حديث (١٢٤٦).
(٦ - ٦) في (ش): ((عبد الله)).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(١٠) في (ش): ((وغيرهما)).

١٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّامنةُ: فَعَلَى التَّفسِيرِ الأولِ، قال أصحَابُنَا: يَنقَطِعُ الخِيَارُ بِأن يَقُولَا:
تَخَايَرنَا، أو اختَرنَا إمضَاءَ العَقدِ، أو أمضَينَاه، أو أجَزِنَاه، أو ألزَمنَاه، ومَا
أَشبَهَها، وكَذَا لَو قالا: أبطَلنَا الخِيَار، أو (١) أفسَدنَاه. عَلى مَا صَحَّحَه النَّووِيُّ في
(شَرحِ المُهَذَّبِ)) (٢)، فَلَو قال أحَدُهمَا: اختَرت إمضَاءَه. انقَطَّعَ خِيَارُه، وبَقِيَ خِيَارُ
الآخَرِ عَلى الصَّحِيحِ، ولَو قال أحَدُهمَا لِصَاحِبه: اختَر. أو: خَيَّرتُك. فقال
الآخَرُ: اختَرت. انقَطَعَ خِيَارُهمَا، وإن سَكَتَ، لَم يَنقَطِعِ خِيَارُه، ويَنْقَطِعُ خِيَارُ
القَائِلِ عَلى الأصَحِّ؛ لِأَنَّه دَلِيلُ الرِّضَا، ولَو أجَازَه واحِدٌ وفَسَخَه(٣) آخَرُ(٤)، قُدِّمَ
الفَسخُ، وعن أحمَدَ بنِ حَبَلٍ (٥) رِوايَةٌ أَنَّه لَا يَنقَطِعُ الخِيَارُ بِإِمِضَائِهِمَا، بَل يَستَمِرُّ
حَتَّى يَتَفَرَّقَا. وحَكَاه ابنُ بَطَّالٍ (٦) عن أحمَدَ بِالجَزمِ، وحَكَى الإِنِّفَاقَ عَلى خِلَافِهِ،
قال: وقَولُهُ خِلَافُ الحديثِ فَلَا مَعنَى لَه.
■ التَّاسِعَةُ: [١٠٨/٢ظ] ظَاهرُ إطلَاقِهِ انقِطَاعُ الخِيَارِ بِالتَّخَايُرِ قَبلَ النَّفَرُّقِ،
ولَو كَانَ عَقدُ صَرفٍ وَلَم يَتَقَابَضَا بَعدُ، وهو أحَدُ وجهَينٍ لِأصحَابِنَا، نَقَلَهمَا
الرَّافِعِيُّ والنَّورِيُّ في الخِيَارِ، وصَحَّحَه في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٧)، وعَلَيهمَا النَّقَابُضُ
قَبلَ التَّفَرُّقِ. والوجه الثَّاني: أنَّ الإجَازَةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَاغِيَةٌ، ويَبقَى الخِيَارُ
مُستَمِرًّا، وصَحَّحًا في أوائِلِ بَابِ الرَّبًّا (٨) وجهًا ثَالِثًا: أنَّه يَبطُلُ العَقدُ فِي هَذِهِ
الصُّورَةِ بِالتَّخَايُرِ، كَمَا لَو تَفَرَّقَا، خِلَافًا لِابنِ سُرَيج (٩)؛ فَإِنَّه (١٥٨/٦م) قال:
لَا (١٠) يَبطُلُ.
■ العَاشِرَةُ: وعَلى القَولِ الثَّالِثِ، فيه سُقُوطُ خِيَارِ المَجلِسِ إذَا شُرِطَ نَفْيُه
في العَقدِ، وبه قال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ في المَشهورِ عنه، وهو وجهٌ لِبَعضِ الشَّافِعِيَّةِ،
(١) في (م): (و)).
(٣) في (ش): ((وفسخ)).
(٥)
المغني (١٥/٦).
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٤١/٦).
(٦)
المجموع (٢١٣/٩).
(٩) في (ش): ((شريح).
(٢) المجموع (٢١٢/٩).
(٤) في (ك٢): ((الآخر)).
(٧)
(٨) المجموع (١٠/١٠).
(١٠) ليست في (ش).

=
١٨٩
بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
وقال بَعضُهم: يَلِغُو الشَّرطُ، ويَصِحُّ العَقدُ، ويَتْبُتُ الخِيَارُ. والأصَحُّ عِندَهم وجهٌ
ثَالِثٌ: وهو بُطلَانُ (١) البَيع، وهو قِيَاسُ الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، ولَم يَرتَضِ (٢) أصحَابُنَا
تَفسِيرَ هَذَا الحديثِ بهذَا المَعنَى، قال البَيهَقِيُّ: وذَهَبَ كَثِيرٌ من العُلَمَاءِ إلى
تَضْعِيفِ الأثَرِ المَنْقُولِ عن عُمَرَ رَبِهِ: ((البَيعُ(٣) صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ))، وقَالُوا: إنَّ البَيعَ
لَا يَجُوزُ فيه شَرطُ قَطع الخِيَارِ. و(٤) قال في ((الخِلافياتِ)»(٥): ثم مَعنَاه عِندَ
الشَّافِعِيِّ (٦): البَيعُ صَفْقَةٌ بَعدَها تَفَرُّقٌ أو خِيَارٌ، فَمن المُحَالِ تَعَلَّقُ وُجُوبِ البَيعِ
بِالخِيَارِ دُونَ الصَّفْقَةِ، فَكَذلك (٧) لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّفْقَةِ دُونَ التَّفَرُّقِ أو الخِيَارِ.
■ الحَادِيَةَ عَشَرَ: في شَرحِ مَا يَحتَاجُ إِلَيه من الرِّوايَاتِ المَزِيدَةِ في
((النُّسخَةِ الكُبرَى)):
13.
قَولُه: ((وكَانَا جَمِيعًا)) تَأكِيدٌ لِقَولِه: ((مَا لَم يَتَفَرَّقَا))، وقَولُه: ((أو يُخَيِّرْ
أحَدُهَمَا الآخَرَ)) مَجزُومٌ عَطفًا عَلى قَولِه: ((يَتَفَرَّقَا)). والمُرَادُ: أن يُخَيِّرَ أحَدُهمَا
الآخَرَ، فَيَختَارُ الآخَرُ إمضَاءَ البَيع، وقَد دَلَّ عَلى ذلك قَولُه بَعده: ((فَإن خَيَّرَ
أحَدُهمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلى ذلك)). أَمَّا لَو خَيَّرَ أَحَدُهمَا الآخَرَ، فَلَم يَختَرِ الآخَرُ
الإِمِضَاءَ، فَخِيَارُ ذلك السَّاكِتِ بَاقٍ، وأمَّ خِيَارُ المُتَكَلِّم فَإِنَّه يَنقَطِعُ عَلى الأَصَحِّ
عِندَ أصحَابِنَا، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكرُه. وقال النَّووِيُّ (٨): إنَّه ظَاهرُ لَفِظِ الحديثِ. وفيه
نَظَرٌ، فَإِنَّه (٩ْقَدْ دَل٩َّ) بِتَمَامِه عَلى أَنَّ الكَلَامَ فيمَا إذَا خَيَّرَه فَاختَارَ الإمضَاءَ، إلَّا
أن يَعتَمِدَ(١٠) في ذلك لَفظَ الرِّوايَةِ الأُخرَى الَّتي اقتَصَرَ فيها عَلى قَولِه: ((أو
يَقُولُ أحَدُهمَا لِصَاحِبه: اختَر)). لَكِنَّ الرِّوَايَاتِ يُفَسِّرُ بَعضُها بعضًا، فَلا بُدَّ من
النَّظَرِ في مَجمُوعِها، وقَد اعتَمَدَ أصحَابُنَا في انقِطَاعِ خِيَارِ القَائِلِ أنَّ تَخِيرَه
(١) ليست في (ش).
(٣)
في (ش): ((المبيع)).
(٥) وينظر: معرفة السنن والآثار (٢٨٠/٤، ٢٨١).
(٦)
في (ش): ((الشافعية)).
(٨) شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٧٥).
(١٠) في الأصل: ((يعقد)).
(٢) في (ش): ((يرض)).
(٤) من (ش).
(٧) في (ك٢، ح): ((فلذلك)).
(٩ -٩) في (ش): ((تدل)).

=
١٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لِصَاحِبِه دَالٌّ عَلى رِضَاه بِإِمِضَاءِ البَيع، وقَولُه: ((فَقَد وجَبَ البَيعُ)) [أي: لَزِمَ
وانبَرَمَ. وقَولُه: ((وإن تَفَرَّقَا بَعدَ أن تَبَايَعَا، وَلَم يَتْرُك واحِدٌ منهمَا البَيعَ فَقَد وجَبَ
البَيعُ))] (١) تَأْكِيدٌ لِمَا فُهمَ من قَولِه أولًا: ((مَا لَم يَتَفَرَّقَا)). فصَرَّحَ(٢) بِأنَّهمَا إذَا
تَفَرَّقَا من غَيرِ تَركِ أحَدِهمَا لِلبَيعِ وجَبَ البَيعُ؛ أي: لَزِمَ، والمُرَادُ بِتَركِ البَيعِ:
فَسخُه، وهَذِهِ الرِّوايَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّه يُكتَفَى في حُصُولِ الفَسخِ بِفَسخِ أحَدِهمَا،
ولَو (٣) لَم يُسَاعِده الآخَرُ عَلَيه، بَل اختَارَ الإمضَاءَ، وهو الَّذِي صَرَّحَ به الفُقَهَاءُ
القَائِلُونَ بِخِيَارِ المَجلِسِ من أصحَابِنَا وغَيرِهم، وقَولُه: ((لا بَيعَ بَينَهمَا))؛ أي:
لَيسَ بَيْنَهمَا بَيْعٌ لَازِمٌ، ولَيسَ (١٥٩/٦م) المُرَادُ نَفيَ أصلِ البَيعِ، وكَيفَ يَنفي
أصلَ البَيعِ، وقَد أثبَتَه أولًا بِقَولِه: ((كُلُّ بَيعَينٍ(٤))؟ وتَمَسَّكَ ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ (٥)
بِظَاهِرِ هَذِه اللفظَةِ، وقال: إنَّ البَيعَ غَيرُ صَحِيحٍ مَا لَم يَتَفَرَّقَا، أوَ يَتَخَايرَا(٦).
والمَعرُوفُ صِحَّتُه، إلَّا أنَّه عَقدٌ جَائِزٌ مَا لَم يُوجَد أحَدُ الأمرَينِ. وقَولُه: ((أو
يَقُولُ))، كَذَا هو في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)) بِإِثْبَاتِ الواوِ، والوجه: ((يَقُل))، لِعَطِفِهِ(٧)
عَلى المَجزُومِ، وهو قَولُه: ((يَتَفَرَّقَ))، وكَأنَّه أُشبِعَت ضَمَّةُ القَافِ، فَتَوَلَّدَ منها
واوٌ، كَمَا في قَوله تَعَالى: ﴿إِنَّهُ، مَن يَتَّقِي وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] عِندَ مَن قَرَأ
بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ(٨)، وكَذَا قَولُه: ((أو يَكُونَ)). وقال النَّووِيُّ في ((شَرح المُهَذَّبِ))(٩): إِنَّه
مَنصُوبُ اللام(١٠). قال: و(أو)) هنَا نَاصِبَةٌ، بِتَقدِيرِ: إِلَّا أن يَقُولَ، أو (١١): إلى أن
يَقُولَ، ولَو كَانَ مَعطُوفًا عَلى مَا قَبلَه لَكَانَ مَجزُومًا، ولَقال: أو يَقُل. وقَولُه:
(هنَيهَة))(١٢) بِضَمِّ الهاءِ، [١٠٩/٢و] وفَتح النُّونِ، وإسكَانِ اليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتَ،
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣)
ليست في: (ش).
(٥)
المحلى (٣٥١/٨).
في (م): ((يتخيرا))، وفي (ح): ((يتحایزا)).
(٧)
(٦)
في (ك٢): «لعطف)).
قرأ بها قنبل عن ابن كثير، ينظر: النشر لابن الجزري (٢٢٣/٢).
(٨)
(٩) المجموع (٢٠٦/٩).
(١١) ليس في: (ك٢).
(٢) في (م): ((مصرح)).
(٤) في (ح، ش): ((يتعين)).
(١٠) ليس في: (ش).
(١٢) في الأصل: ((هنية)).

١٩١
بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
بَعدَها هاءٌ، و(١روي: ((هنيَّةٍ))١) بِتَشِدِيدِ اليَاءِ، وإسقَاطِ الهاءِ الثَّانيةِ؛ أي: شَيئًا
يَسِيرًا، وهو تَصغِيرُ ((هَنَة))، والهَنُ والَنَّةُ كِنَايَةٌ عن الشَّيءِ الذي (٢) لَا يَذْكُرُهُ بِاسمِه.
وقَولُه: ((فَأْرَادَ أَن لَا(٣) يُقِيلَه)). عَبَّرَ فيه بِالإقالةِ عن الفَسخِ القَهرِيِّ، فَإِنَّ
الإقالةَ بِالتَّرَاضِي لَا فَرقَ فيها بَيْنَ أن يَتَفَرَّقَا أم لا، وقَد تَقَدَّمَ ذِكرُ ذلك.
وقَولُه: ((إِلَّا أن تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ)). بِفَتحِ الصَّادِ، وإسكَانِ الفَاءِ، وفَتحِ
القَافِ؛ أي: بَيعَةَ خِيَارٍ، وسَمَّى البَيعَ صَفْقَةً؛ لِأنَّ المُتَبَابِعَينِ يَضَعُ أحَدُهمَا يَدَه في
يَدِ الآخَرِ، وتَقَدَّمَ (٤) الكَلَامُ عَلى قَولِهِ: ((وَلَا يَحِلُّ لَه أن يُفَارِقَ صَاحِبَه خَشبَةَ أن
يَستَقِيلَه)).
وقَولُه: ولِأبِي دَاوُد(٥) من حَدِيثٍ(٦) حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ حَتَّى
يَتَفَرَّقَا، أو يَخْتَارَ ثَلَاثَ مِرَارٍ(٧)). يُوهمُ أنَّ أَبَا دَاوُد أسنَدَّه. ولَيسَ كَذلك، وإنَّمَا
ذَكَرَه تَعلِيقًا، فَإِنَّه رَواه أولًا بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَةِ. ثم قال: وكذلك(٨) رَواه سَعِيدُ بنُ
أبِي عَرُوبَةَ وحمَّادٌ(٩)، وأمَّا (١٠) هَمَّامٌ فقال: ((حَتَّى يَتَفَزَّقَا، أو يَختَارَ(١١) ثَلَاثَ
مِرَارُ(١٢)). وقَولُه: ((يَختَارُ)) كَذَا فِي بَعضِ النُّسَخِ، وفي بَعضِها: ((يَخَارَا)) بِالَّشْنيةِ.
وقَولُه: وهو عِندَ البُخَارِيِّ(١٣) دُونَ قَولِهِ: ((أو)) وَلَفِظِه: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا
لَم يَتَفَرَّقَا))، قال هَمَّامٌ: و(١٤) جَدت في كِتَابِي: ((يَخْتَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ).
فَأَمَّا رِوايَةُ التَّثنيةِ فَواضِحَةٌ، وأمَّا رِوايَةُ الإفرَادِ، فَتَأْوِيلُها: يَخْتَارُ مَن ذُكِرَ،
وهو البَيِّعَانِ المَذكُورَانِ، فَإن اختيارَ(١٥) الإمضَاءِ لَا بُذَّ من اجتِمَاعِهمَا عَلَيه، ولَا
يُكتَفَى به من واحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
(١ - ١) ليس في: (م).
(٣) ليست في (ش).
(٥) أبو داود (٣٤٥٩).
(٧)
في (ش): ((مرات)).
(٩) في الأصل، (ح)، (م): ((وهمام)). والمثبت موافق للتخريج.
(١٠) في (م): ((فأما)).
(١٢) في (م)، والأصل، (ش): ((مرات)).
(١٤) في (م): (وو)).
(٢) من (ح).
(٤) في (ش): ((وقد تقدم)).
(٦) ليست في: (ش).
(٨) في (م)، والأصل: ((ولذلك)).
(١١) في (ش): ((يختارا)).
(١٣) البخاري (٢١١٤).
(١٥) في (م): ((اختارا)).

=
١٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقَولُه في رِوايَةِ أبِي دَاوُد: (ثَلَاثَ مِرَارٍ)). يَحتَمِلُ: أَنَّ مَعنَاه أنَّ (١٦٠/٦م)
النبيَّ وَّهَ كَرَّرَ هَذَا اللفظَ ثَلَاثَ مِرَارٍ (١). ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ المُرَادُ أنَّ الَّخَايُرَ
يَكُونُ ثَلَاثَ مِرَارٍ. وعَلى الاحتِمَالِ الثَّاني، فَهو احتياظٌ واستِظهارٌ، فَإِنَّ التَّخَايُرَ
يَحصُلُ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، لَا نَعلَمُ في ذلك اختِلَافًا، والظَّاهرُ: أَنَّه يَتَعَيَّنُ الإِحْتِمَالُ
الثَّاني في قَولِه في رِوايَةِ البُخَارِيِّ: ((يَختَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ)»، وقَولُه في حَدِيثِ سَمُرَةَ،
وهو عِندَ النسائيّ(٢) من رِوايَةِ الحَسَنِ عنه: ((البَيِّعَانِ بِالخِبَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، ويَأْخُذَ
كُلُّ واحِدٍ منهمَا من البَيعِ مَا هَوِي))(٣). [الظّاهرُ من جِهَةِ اللفظِ أنَّ قَولَه: ((ويَأْخُذَ))
مَعْطُوفٌ عَلى قَولِهِ: ((يَتَفَرَّقَا)) وتَقدِيرُ إدخَالِ ((حَتَّى)) عَلَيه مُمكِنٌ، لَكِن يَكُونُ مَدُلُولُها
(٤غَيرَ مَدلُولِها٤) عِندَ الدُّخُولِ عَلى قَولِهِ: ((يَتَفَرَّقَا))، فَهيَ في دُخُولِها عَلى قَولِه:
(يَتَفَرَّقَا)) لِلغَايَةِ، وفي دُخُولِها عَلى قَولِه: ((يَأْخُذَ)) لِلتَّعلِيلِ؛ أي: إنَّ الخِيَارَ ثَابِتٌ
إلى غَايَةِ التَّفَرُّقِ، وأنَّ عِلَّةً ثُبُوتِهِ أن يَأْخُذَ كُلُّ واحِدٍ منهمَا من البَيعِ مَا هَوِيَ](٥)،
وإِذَا اخْتَلَفَ مَدُلُولُ ((حَتَّى)) تَعَذَّرَ عَطفُ أحَدِ الفِعلَينِ عَلى الآخَرِ، فَيُقَدَّرُ لَه حِينَئِذٍ
فِعِلٌ تَقْدِيرُه: البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ حَتَّى يَأْخُذَ، إلى آخِرِهِ. ودَلَّ عَلى هَذَا المُقَدَّرِ ((حَتَّى))
الدَّاخِلَةُ عَلى قَولِهِ: ((يَتَفَرَّقَا))، وقَولُه: (ويَأْخُذَ كُلُّ واحِدٍ منهمَا من البَيعِ)؛ أي:
مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيه عَقدُ البَيعُ من الثَّمَنِ والمُثَمَّنِ، فَالْبَائِعُ بِالخِيَارِ بَيْنَ الإِجَازَةِ، فَيَأْخُذُ
الثَّمَنَ، والفَسْخَ فَيَأْخُذُ المُثَمَّنَ، والمُشتَرِي بِعَكسِه (٦).
وقَولُه: ((مَا هَوِيَ)) بِكَسرِ الواوٍ، وفي لَفِظٍ آخَرَ لِلنسائيّ(٧) من هَذَا الوجه:
(مَا لَم يَتَفَرَّقَا، ويَأْخُذَ أحَدُهمَا مَا رَضِيَ من صَاحِبه أو هَوِيَ))، وقَولُه: ((ويَتَخَایَرَانِ
ثَلَاثَ مِرَارٍ)): نَدَبَ إلى تَكرِيرِ التَّخَايُرِ ثَلَاثَ مِرَارٍ؛ لِأَنَّه أطيَبُ لِلقَلبِ وأحوطُ.
وهو استِحِبَابٌ بِالإِجمَاعِ، كَمَا تَقَدَّمَ، فيمَا نَعلَمُ، ولَفِظُه خبر (٨) ومَعنَاه الأمرُ.
والله أعلمُ.
(١) ليست في (ش).
(٣)
في (م): ((ما هو)).
ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٥)
النسائي (٤٤٩٤).
(٢) النسائي (٤٤٩٣).
(٤ - ٤) ليس في: (ك٢، ح).
(٦) في (ش): ((بالعكس)).
(٧)
(٨) من (ك٢، ش).

١٩٣
=
بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
ورَدَّ (١) ابنُ حَزم(٢) حَدِيثَ سَمُرَةَ بِالإرسَالِ، فَإِنَّ الحَسَنَ لَم يَسمَع منه إلَّا
حَدِيثَ العَقِيقَةِ. وحَدِيثَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ بِأَنَّ هَمَّامَا لَم يُحَدِّث بهذِه اللفظَةِ، وإِنَّمَا
أخبَرَ أنَّه وجَدَها في ((كِتَابه))، ولَم يَروِها ولا أسنَدَها، وقَد رَواه (٣) هَمَّامٌ مَرَّةً
أُخرَى؛ فَتَرَكِ ذِكرَها، قال: ولَو ثَبَتَ هَمَّامٌ عَلَيها، أو غَيرُه من الثِّقَاتِ لَقُلنَا بها؛
لِأنَّها زِيَادَةٌ، والله تعالى أعلمُ.
(١) في (ش): ((زاد)).
(٢) المحلى (٣٦٦/٨).
(٣) في (ش): ((رواها)).

١٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
[١٠٩/٢ظ] بَابُ الحَوالَةِ
(١الحديثُ الأول١ُ)
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ نَّهِ: أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال:
((مَطْلُ (٢/ ١٦١م) الغَنِيِّ ظُلُمٌ، وإذَا أُتَبِعَ أحَدُكُم على مَلِيءٍ فَلَيَتَبَعِ)).
وعن هَمَّم، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((إنَّ من الظُّلمِ)).
◌َذَكَرَهُ.
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرجهُ من الطَّرِيقِ الأُولى: البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ،
والنسائيُّ(٢) من هَذَا الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ.
وأخرجهُ البخاريُّ أيضًا، والترمذي(٣) من طَرِيقٍ سُفيَانَ الثَّورِيِّ.
وأخرجهُ النسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٤) من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ.
ورَوَاهُ البَيهَقِيُّ(٥) من رِوايَةٍ مُعلى بنِ مَنصُورٍ، عن أبي الزِّنَادِ، بِلَفِظِ:
((وإِذَا(٦) أُحِيلَ أحَدُكُم على مَلِيٍ فَلَحْتَل)). أربَعَتُهُم عن أبي الزِّنَادِ.
وأخرجهُ من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ(٧): مسلمٌ (٨) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، وعِيسَى
(١) من الأصل، (م).
(٢) البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (٣٣/١٥٦٤)، وأبو داود (٣٣٤٥)، والنسائي (٤٧٠٥).
البخاري (٢٢٨٨)، والترمذي (١٣٠٨). (٤) النسائي (٤٧٠٢)، وابن ماجه (٢٤٠٣).
(٣)
(٥)
السنن الكبرى (٧٠/١).
(٦) في (ش): ((فإذا)).
(٧) في (ش): ((الثاني)).
(٨) مسلم (١٥٦٤).

=
بَابُ الحَوالَةِ
١٩٥
ابنِ يُونُسَ؛ كِلَاهُمَا عن مَعَمَرٍ. و(١)أحَالَ به على الطَّرِيقِ الأولِ، فقال: إنَّهُ مِثْلُهُ.
ولَفِظُهُ عِندَ ((البَيهَقِيّ): ((إنَّ من الظُّلِم مَطلَ الغَنِيِّ، وإِذَا أُتبعَ أحَدُكُم على مَلِيٍ
فَلَيَتَبَع)). ورَوى البخاريُّ(٢) الجُمْلَةَ الأُولى فَقَط من طَرِيقِ عَبدِ الأعلى بنِ
عَبدِ الأعلى، عن(٣) مَعَمَرٍ.
■ الثَّانِيَةُ: المَشهورُ في قَولِه عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ)) .
أنَّهُ من إضَافَةِ المَصدَرِ (٤ إلى الفَاعِل٤ِ). والمُرَادُ أنَّهُ يَحرُمُ على الغَنِيِّ القَادِرِ على
وفَاءِ الدَّينِ أن(٥) يَمِطُلَ به، ويَمتَنِعَ من قَضَائِهِ بَعدَ استِحقَّاقِهِ، بِخِلَافِ العَاجِزِ عن
الوفَاءِ، فَإِنَّهُ غَيرُ ظَالِمٍ بِالِامْتِنَاعِ. وذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّهُ من إضَافَةِ المَصدَرِ لِلمَفْعُولِ،
والمَعنَى: أَنَّهُ يَجِبُ وفَاءُ الدَّينِ، وإن كَانَ مُستَحِقُهُ غَنِيًّا، غَيرَ مُحتَاجٍ إلَيه، فَمن
طَرِيقٍ (٦) الأولى: وُجُوبُ وفَائِهِ فيمَا إذَا كَانَ مُستَحِقُهُ مُحتَاجًا إلَيهِ، فَهو من مَفهومِ
المُوافَقَةِ، وعلى الأولِ، هو من مَفهومِ المُخَالَفَةِ.
وقال والِدِي تَّتُهُ في ((شَرحِ التِّرِذِيِّ)): إنَّ هَذَا الثَّانِي تَعَسُّفٌ وتَكَلُّفٌ.
■ الثَّالِثَةُ: قَد عَرَفتَ أنَّ المُرَادَ بِالغِنَى القُدرَةُ على وفَاءِ الدَّينِ، وبِضِدِه
العَجزُ عن ذَلِكَ، فَلَو كَانَ مَن عليه الدَّينُ غَنِيًّا، إلا أنَّهُ غَيرُ مُتَمَكِّنٍ من الأدَاءِ،
لِغَيْبَةِ المَالِ أو لِغَيرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ (١٦٢/٦م) إلى الإمكَانِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ
أن يُقال: إنَّهُ مَخصُوصٌ من مَطلِ الغَنِيِّ(٧). ويَحتَمِلُ أن يُقال: المُرَادُ بِالغَنِيِّ:
المُتَمَكِّنُ من الأدَاءِ. فَلَا يَدخُلُ هَذَا (٨)، ذَكَرَهُمَا النَّووِيُّ في (شَرحِ مُسلِمٍ))(٩)،
وقُوةُ كَلَامِه تَقتَضِي(١٠) تَرجِيحَ الأولِ، والّاهرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَن هو بهذِهِ الَّصِفَةِ،
يَجُوزُ لَهُ الأخذُ من الزَّكَاةِ، ولَو كَانَ غَنِيًّا لَم يَأخُذ منها؛ لِأنَّها لِلِفُقَرَاءِ ومَن ذُكِرَ
مَعَهُم دُونَ الأغنِيَاءِ.
(١) من الأصل، (م).
(٣) في الأصل، (م): ((بن)).
(٥)
في (م): ((أنه)).
(٧)
بعده في (ش): ((ظلم)).
(٩) شرح صحيح مسلم (١٠/ ٢٢٧).
(٢) البخاري (٢٤٠٠).
(٤ - ٤) في (ش): ((للفاعل)).
(٦) في (ش): ((الطريق)).
(٨) في (ش): ((هنا))
(١٠) في الأصل: ((يقتضي)).

١٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الزَّابِعَةُ: لَو لَم يَكُن لَهُ مَالٌ، لَكِنَّهُ قَادِرٌ على التَّكَسُّبِ(١)، فَهَل يَجِبُ
عليه ذَلِكَ لِوفَاءِ الدَّينِ؟ أطلَقَ أكثَرُ أصحَابِنَا: ومنهُم الرَّافِعِيُّ، والنَّووِيُّ (٢)، أنَّهُ
لَيسَ عليه ذَلِكَ، وفَصَّلَ أبُو عَبدِ الله مُحَمَّدُ بنُ الفَضلِ الفَرَاوِيُّ، فيمَا حَكَاهُ
ابنُ الصَّلَاحِ في(٣) ((فوائدِ الرَّحْلَةِ))(٤): بَينَ أن يَلَزَمَهُ الدَّينُ بِسَبَبٍ هو عَاصٍ به،
فَيَجِبُ عليه الإِكتِسَابُ لِوفَائِهِ، أو غَيْرُ عَاصٍ فَلَا.
قال شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الإسنَوِيُّ: وهو واضِحٌ؛ لِأَنَّ الثَّوبَةَ فيمَا (٥)
فَعِلُهُ واجِبَةٌ، وهيَ مُتَوقِّفَةٌ فِي حُقُوقِ الآدَمِينَ على الرَّدِّ. انتَهَى.
ولَو قِيلَ بِوُجُوبِ التَّكَسُّبِ مُطلَقًا لَم يَبْعُد؛ كَالتَّكَسُبِ لِنَفَقَّةِ الزَّوجَةِ والقَرِيبِ،
وكَمَا أنَّ القُدَرَةَ على الكَسبِ؛ كَالمَالِ في مَنعِ أخذِ الزَّكَاةِ، يَبقَى النَّظَرُ في أنَّ لَفِظَ
هَذَا الحديثِ هَل يَتَنَاولُهُ؟ إن فَسَّرنَا الغِنَى بِالمَالِ فَلَا، وإن فَسَّرْنَاهُ بِالقُدرَةِ على
وفَاءِ الدَّينِ فَنَعَم(٦)، وكَلَامُهُم(٧) فيمَن مَالُهُ(٨) غَائِبٌ يُوافِقُ الثَّانِيَ. والله أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: هَل يَتَوقَّفُ وُجُوبُ أدَاءِ الدَّينِ على مُطَالَبَةٍ مُستَحِقٌّه، أم
لَا؟ اختَلَفَ فيه الشَّافِعِيَّةُ، فَمِمَّن قال: إنَّهُ لَا يَجِبُ الأدَاءُ إلا بَعدَ الظَّلَبِ؛
إِمَامُ الحَرَمَينِ في الوَكَالَةِ [١١٠/٢و] من ((النِّهَايَةِ)) (٩)، وأبُو المُظَفَّرِ السَّمعَانِيُّ في
(القَواطِعِ في أُصُولِ الفِقه)(١٠)، والشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ ابنُ عَبدِ السَّلَامِ في ((القواعد
الكبرى)»(١١)، وهو مَفهومُ تَقِيدِ النَّوِيِّ، في التَّلِيسِ بِالطَّلَبِ(١٢)، وبَحَثَ الإمَامُ
في ((النِّهايَةِ))، في كِتَابِ ((القَاضِي إلى القاضي))(١٣)، وُجُوبَ الأدَاءِ من غَيرٍ
طَلَبِ.
(١) في (ش): ((الكسب)).
(٣) في (ش): ((عن)).
(٥) في (ح): ((مما)).
(٧)
في (ش): ((كلامه)).
(٩)
نهاية المطلب (٤٥٧/٥).
(١١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ٢١٣).
(١٢) روضة الطالبين (٣٦٣/٣)، وينظر: الشرح الكبير (٢٩٣/١٠).
(١٣) نهاية المطلب (١٨/ ٥٠١).
(٢) شرح صحيح مسلم (٢٢٧/١٠).
(٤) في الأصل: ((فوائده)).
(٦) في (ش): ((فيعم)).
(٨) في (ح، ش): ((له مال)).
(١٠) قواطع الأدلة (٣٧٤/٢).

بَابُ الحَوالَةِ
١٩٧
=
وقال المَاوردِيُّ(١): إذَا كَانَ على المَحجُورِ دَينٌ، وجَبَ على الولِيِّ قَضَاؤُهُ،
إِذَا طَالَبَ بِه صَاحِبُهُ أو لَم يُطَالِبِ، ولَكِن كَانَ مَالُ المَحِجُورِ نَاضًّا خَشِيَةَ التَّلَفِ،
وإِن كَانَ أرضًا أو عَقَارًا تَرَكَهُم على خِيَارِهم(٢) في المُطَالَبَةِ إِذَا شَاؤُوا.
وذَكَرَ الرَّافِعِيُّ والنَّوِيُّ في الحَجرِ (٣): أنَّ الولِيَّ يُخرِجُ(٤) من مَالِهِ الزَّكَواتِ
وأُرُوشَ الجِنَايَاتِ، وإن لَم تُطلَب(٥)، ونَفَقَةَ القَرِيبِ بَعدَ الطَّلَبِ.
وقال الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ، بَعدَ ذِكرِهِ عَدَمَ الوُجُوبِ عِندَ عَدَمِ الظَّلَبِ(٦): فَإن
ظَهَرَت قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ تُشعِرُ(٧) بِالطََّبِ، فَفي وُجُوبِه احتِمَالٌ وتَرَدُّدٌ.
(٦/ ١٦٠م) وقال ابنُ الرِّفعَةِ في ((الكِفَايَةِ)): قال صَاحِبُ ((البَحرِ)) في كِتَابِ
الغَصبِ(٨): يَحْتَمِلُ أن يُقال: إن كَانَ وُجُوبُهُ بِرِضَا المَالِكِ فَهو على التََّاخِي(٩)،
ويَتَعَيَّنُ أدَاؤُهُ بِالمُطَالَبَةِ، أو لِخَوفٍ (١٠) مِنْهُ على مَالِهِ أن يَفُوتَ، وإن كَانَ وُجُوبُهُ
بِغَيرِ رِضَا المَالِكِ: فَالْقَضَاءُ على الفَورِ؛ لِأَنَّ(١١) صَاحِبَهُ لَم يَرضَ بِوُجُوبه في
ذِمَّتِهِ، ويَحْتَمِلُ فيمَا إذَا كَانَ وُجُوبُهُ بِغَيرِ رِضَاهُ أن يَكُونَ على التَّرَاخِي أيضًا، إذَا
كَانَ بِغَيرِ تَعَدِّ (١٢)، وكَانَ المُستَحِقُّ عَالِمًا به. انتَهَى.
ويَنْبَغِي وُجُوبُ الأَدَاءِ من غَيرِ طَلَبٍ فِيمَا إذَا كَانَ الدَّينُ لِمَحْجُورٍ، ذَكَّرَهُ في
((المُهمَّاتِ))، وقال أصحَابُنَا (١٣ في الجَنَائِز١٣ِ): إنَّهُ تَجِبُ المُبَادَرَةُ إلى وفَاءِ دَينِ
المَيِّتِ، تَبِئَةً لِذِمَّتِه، وخَوفًا من تَلَفِ مَالِه، وقَد تَحصَّلَ(١٤) من ذَلِكَ وُجُوبُ
الوفَاءِ في صُورٍ :
أحَدُها: المُطَالَبَةُ الصَّرِيحَةُ، أو مَا يَقُومُ مَقَامَها .
(١) الحاوي الكبير (٣٤٧/٨).
(٢) في (م): ((خياره)).
(٣) الشرح الكبير (٢٩٣/١٠)، وروضة الطالبين (٤٢٥/٣).
(٤)
في (ش): ((مخرج)).
(٦) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢١٣/١).
(٧) في (ش): ((تشعره) .
(٩) في (م): ((التراضي)).
(١٠) في (ك٢): ((الخوف)).
(١١) في (م): ((لأنه)).
(١٣ - ١٣) ليست في (ش).
(٥) في (ح، ش): (يطلب)).
(٨) بحر المذهب (١٠٥/٩).
(١٢) في (ش): (تعذر)).
(١٤) في (ش): ((يحصل)).

=
١٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الثَّانِي: أن يَكُونَ الدَّينُ(١) لِمَحْجُورٍ .
الثَّالِثُ: أن يَكُونَ على مَحجُورٍ يَخْشَى تَلَفَ مَالِهِ.
الرَّابعُ: أن يَكُونَ على مَيِّتٍ.
الخَامِسُ: أن يَكُونَ وُجُوبُهُ بِغَيرِ رِضَا مُستَحِقُّه، إمَّا مُطلَقًا، أو بِشَرطِ أن
يَكُونَ مُتَعَدِّيًا، والمُستَحِقُّ غَيرُ عَالِم، على مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وهَذَا الحديثُ لَا يَدُلُّ
على وُجُوبِ الأدَاءِ إلا في صُورَةِ الْمُطَالَبَةِ خَاصَّةً؛ لِأنَّ لَفظَ المَطلِ يُشعِرُ بِتَقَدُّمِ
الطَّلَبِ.
وأمَّا الوُجُوبُ في غَيرِها، إذَا قِيلَ به، فَبِدَلِيلٍ آخَرَ(٢).
■ السَّادِسَةُ: استَدَلَّ بهِ سَحنُونُ وأصبَغُ من المَالِكِيَّةِ(٣) على أنَّ المَاطِلَ (٤)
فَاسِقٌ مَرَدُودُ الشَّهَادَةِ، ونَازَعَهُمَا غَيرُهُمَا فِي ذَلِكَ، وقَالُوا: لَا يَلْزَمُ من تَسمِيَتِه
ظُلمًا أن يَكُونَ كَبِيرَةً، فَإِنَّ الظُّلمَ يُطلَقُ(٥) على كُلِّ مَعصِيَةٍ كَبْرَت(٦) أو صَغُرَت فَلَا
تُرَدُّ شَهادَتُهُ؛ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ منهُ ويَصِيرَ عَادَةً لَهُ، والخِلَافُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ
المَالِكِيَّةِ.
وقال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(٧): مُقْتَضَى مَذهَبِنَا اشْتِرَاطُ التَّكرَارِ(٨).
■ السَّابِعَةُ: يُستَدَلُّ بِتَسمِيَةِ المَطلِ ظُلمًا على الزَامِ المَاطِلِ بِدَفعِ الدَّينِ،
والتَّوصُلِ إلى ذَلِكَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، من إكراهه(٩) على الإعطَاءِ، وأخذِهِ منهُ قَهرًا، وحَبسِه،
ومُلَازَمَتِهِ، فَإِنَّ الأخذَ على يَدِ الظَّالِمِ واجِبٌ، وهو كَذَلِكَ. وحَكَى (١٠ ابن سُرَيج"١)،
(١) ليست في (ش).
(٢) ليست في (ش).
ينظر: البيان والتحصيل (١٨٦/١٠)، والتمهيد (٢٨٦/١٨).
(٣)
(٤)
في (ش، م): ((المماطل)).
(٥) في (ك، ح): ((ينطلق)).
(٦)
في (ح): ((کثرت)).
(٧) شرح صحيح مسلم (٢٢٧/١٠).
(٨) في (ك، ح): ((التكرر))، وفي حاشية (ش): ((مطلب أن الظلم يطلق على كل معصية،
صغرت أو كبرت)).
(٩) في الأصل: ((إكراه).
(١٠ - ١٠) في النسخ: ((شريح)).

=
أكرم
١٩٩
بَابٌ الحَوالَةِ
و(١) الرُّويَانِيُّ من أصحَابِنَا وجهَينِ في تَقِيدِ المَحبُوسِ، إِذَا كَانَ لَحُوحًا صَبُورًا على
الحبس.
■ الثَّامنةُ: استُدِلَّ به على أنَّ المُعِرَ لَا تَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ حَتَّى يُوسِرَ، ولَا
يَجُوزُ حَبسُهُ، ولَا مُلَازَمَتُهُ، وهو مَذهَبُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، والجُمهورِ. قال(٢)
اللهُ تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَوْ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وحُكِيَ عن ابنِ سُرَيج(٣): حَبسُهُ حَتَّى يَقضِيَ (٦ /١٦٤م) الدَّينَ، وإن ثَبَتَ
إعسَارُهُ، وعن أبي حَنِيفَةَ: أنَّ الحَاكِمَ لَا يَمنَعُ غُرَمَاءَهُ من مُلَازَمَتِهِ(٤).
■ التَّاسِعَةُ: لَو اختَلَفَ مُستَحِقُّ الدَّينِ ومَن هو عليه، في أنَّ الذِي عليه
الدَّينُ مُوسِرٌ أو مُعسِرٌ، فَفي المُصَدَّقِ منهُمَا خِلَافٌ؛ مَبنِيٌّ على أنَّ الأصلَ في
النَّاسِ الْيَسَارُ أو الإعسَارُ؟
وقَد ذَهَبَ إلى الأولِ أكثَرُ المَالِكِيَّةِ، كَمَا حَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥). وذَهَبَ
الشَّافِعِيَّةُ والجُمهورُ إلى الثَّانِي، فَصَدَّقَ المَالِكِيَّةُ مَن لَهُ الدَّينُ، حَتَّى يُقِيمَ غَرِيمُهُ
البَيِّنَةَ على الإعسَارِ .
وقال الشَّافِعِيَّةُ(٦): إن لَزِمَهُ(٧) الدَّينُ في مُقَابَلَةِ مَالٍ؛ بِأن اشتَرَى، أو
اقتَرَضَ، أو بَاعَ سَلَمًا، فَعليه البَيِّنَةُ، وإن لَزِمَهُ لَا في مُقَابَلَةِ مَالٍ، فَفيه ثَلَاثَةُ
أو جُهٍ :
أصَحُّها: أنَّهُ يُقبَلُ قَولُهُ بِيمِينِه.
والثَّانِي: يُحتَاجُ إلى البَيِّنَةِ. [١١٠/٢ ظ].
والثَّالِثُ: إِن لَزِمَهُ بِاختيارِهِ؛ كَالصَّدَاقِ والضَّمَانِ لَم يُقبَل، واحتَاجَ إلى
(١) من (م).
(٢) في (ك، ش): ((وقال)).
(٣) في (م): ((شريح)).
مسلم بشرح النووي (٢١٨/١٠)، وروضة الطالبين (٣٧٢/٣).
(٤)
(٥)
التمھید (٢٨٩/١٨).
الشرح الكبير (٢٩٢/١٠)، وروضة الطالبين (٣٧٣/٣).
(٦)
(٧) في (ك، ش): ((لزم).

=
S
٢٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
البَيَِّةِ، وإن ◌َزِمَهُ لَا بِاختيارِه؛ كَأرشِ الجِنَايَاتِ(١) وغَرَامَةِ المُتِلِفِ قُبِلَ قَولُهُ بِيمِينِهِ؛
لِأَنَّ الظّاهرَ أنَّهُ لَا يَشغَلُ ذِمَّتَهُ(٢) بِمَا لا(٣) يَقدِرُ عليه. وهَذَا الاختِلَافُ(٤) بَينَ
العُلَمَاءِ، سَبَيُّهُ اختِلَافُهُم في الغِنَى (٥) ظَاهرًا، وأمَّا في نَفسِ الأمرِ، فَالمَطلُ حَرَامٌ
على الغَنِيِّ دُونَ غَيرِهِ. واللهُ أعلمُ.
■ العَاشِرَةُ: قَولُهُ: ((وإِذَا أُتْبِعَ أحَدُكُم على مَلِيٍ فَلَيَتَبَع))، هو بِإِسكّانِ التَّاءِ
في (أُتْبَعَ))، وفي ((فَلَتَع))، مِثلَ: أُعلِمَ، فَلَيَعلَم. قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ)) (٦):
هَذَا هو الصَّوابُ المَشهورُ في الرِّوايَاتِ، والمَعرُوفُ في كُتُبِ اللُّغَةِ وَكُتُبٍ
الغَرِيبِ. ونَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ وغَيرُهُ(٧) عن كُتُبِ المُحَدِّثِينَ أنَّهُ بِتَشدِيدِها في
الكَلِمَةِ الثَّانِيَةِ، والصَّوابُ: الأولُ، ومَعنَاهُ: إِذَا أُحِيلَ بِالدَّينِ الذِي لَهُ على مُوسِرٍ
فَلْيَحتَل، يُقَالُ منهُ: تَبِعت الرَّجُلَ بِحَقِّي أَتَبَعَهُ تِبَاعًا (٨)، فَأْنَا تَبيعُ، إِذَا طَلَبَتْهُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩]. انتَهَى.
وقال الخَطَّابي(٩): أصحَابُ الحديثِ يَقُولُونَ: ((إِذَا اتَّبَعَ)) بِتَشدِيدِ التَّاءِ. وهو
غَلَطٌ، وصَوابُهُ ((أُتْبِعَ))، سَاكِنَةُ التَّاءِ على وزنٍ أُفِعِلَ.
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فيه الأمرُ بِقَبُولِ الحَوالَةِ على المَلِيءٍ، واختَلَفَ العُلَمَاءُ
فِي ذَلِكَ على ثَلَاثَةِ مَذَاهبَ:
أحَدُها: أنَّهُ مَحمُولٌ على الاستِحِبَابِ والنَّدبِ دُونَ الوُجُوبِ. وبهذا قال
مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، والجُمهورُ (١٠).
والثَّانِي: أنَّهُ واجِبٌ كَمَا هو ظَاهرُ (١١) الحديثِ. وهو مَذهَبُ دَاوُد
في (ح، ش): ((الجناية)).
(١)
(٢) بعده في الأصل، (م): ((إلا)).
ليس في الأصل، (م). والمثبت أقرب لعبارة الرافعي في الشرح الكبير (٢٢٩/١٠).
(٥) في (ش): ((المعنى)).
(٤)
بعده في (م): ((بيِّنٌ)).
شرح صحيح مسلم (٢٢٨/١٠).
(٦)
مشارق الأنوار (١١٩/١)، والمفهم (٤٣٩/٤).
(٧)
(٨) في (ش): ((اتباعًا)).
(٩) ينظر: معالم السنن (١٧/٥).
(١٠) ينظر: مسلم بشرح النووي (٢٢٨/١٠)، والحاوي الكبير (٤١٨/٦).
(١١) في (ش): ((في ظاهر)).
(٣)