Indexed OCR Text

Pages 161-180

١
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا
■ التَّاسِعَةُ: الرُّخصَةُ ورَدَت في بَيعِ الرُّطَبِ عَلَى رُؤُوسِ النَّخلِ بِالتَّمرِ عَلى
وجه الأرضِ، والبُسرُ في مَعنَى الرُّطَبِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ المَاوردِيُّ(١) من أصحَابِنَا،
وورَدَت رِوايَةٌ في بَيعِه بِرُطَبٍ أيضًا، وقَد تَقَدَّمَ في الفَائِدَةِ الأُولى عَزوُها
(لِلصَّحِيحَينِ)). وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد))، و((النسائيِ))(٢) من حَدِيثِ خَارِجَةَ بنِ زَيدِ بنِ
ثَابِتٍ، عن أبيه: ((أنَّ النبيَّ بَّهِ رَخَّصَ في بيع(٣) العَرَايَا بِالثَّمرِ والرُّطَبِ)). فَتَمَسَّك
بذلك بَعضُ أصحَابِنَا عَلى جَوازٍ بَيعِ الرُّطَبِ عَلى النَّخلِ بِرُطَبٍ عَلى الأرضِ أو
عَلى النَّخلِ. وبه قال ابنُ خَيرَانِ من أصحَابِنَا، وجَوزَه بَعضُ أصحَابِنَا فيمَا إذَا
كَانَا (٤) عَلى النَّخلِ، ومَنَعَه فيمَا إذَا كَانَ أحَدُهمَا عَلى الأرضِ. وقال بَعضُهم:
يَجُوزُ فيمَا (٥) إذَا اختَلَفَ نَوعُهمَا، ويَمْتَنِعُ مع (٦) الاِتِّحَادِ. وهَذَانِ الوجهانِ مَنقُولَانِ
عن أبِي إسحَاقَ المَروزِيِّ، وقال أبو سَعِيدٍ الإصطَخرِيُّ: يَحرُمُ مُطلَقًا. وهَذَا هو
الأصَخُّ عِندَ جُمهورِهم. قال النَّووِيُّ(٧): ويَتَأولُونَ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَلى أنَّ ((أو)
لِلشَّكِّ، لَا لِلنَّخِيرِ والإِبَاحَةِ، بَل مَعنَاها: رَخَّصَ في بَيعِها بِأحَدِ النَّوعَينِ،
وشَكَّ فيه (٨) الرَّاوِي، فَيُحمَلُ عَلى أنَّ المُرَادَ الثَّمرُ، كَمَا صَرَّحَ به في سَائِرِ الرِّوايَاتِ.
انتَهَى. وأمَّا الرِّوايَةُ الَّتِي بِالواوِ، فقال ابنُ عَبدِ البَرّ(٩): ذِكرُ الرُّطَبِ في هَذَا الحديثِ
لَيسَ بِمَحْفُوظِ إلَّا بِهَذَا (١٠) الإسنَادِ، وقَد جَعَلَه بَعضُ أهلِ (٦/ ١٤٠م) العِلمِ وهمّا،
وجَعَلَ القَولَ به شُذُوذًا، ومَن ذَهَبَ إلَيه قال: رُواتُه ◌ُلُّهم ثِقَاتٌ فُقَهاءُ عُدُولٌ.
العَاشِرَةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في أنَّ هَذِه الرُّخصَةَ هَل يُقْتَصَرُ بها عَلى مَورِدٍ
النَّصِ وهو النَّخلُ، أم يَتَعَدَّى إلى [غَيرِهِ عَلى أقوالٍ:
أحَدُها: اختِصَاصُها بِالنَّخلِ، وهَذَا قَولُ الظَّاهِرِيَّةِ عَلى قَاعِدَتِهم في تَركِ
القِيَاسِ.
(١) الحاوي (١٣٥/٥، ٢١٨).
(٣) من (ك٢، ش)، وسنن أبي داود.
(٤)
في (م، ش): «کان».
(٦) في (ح): ((من)).
(٨) في (ش): ((في)).
(١٠) في الأصل، (م): ((في هذا)).
(٢) أبو داود (٣٣٦٢)، والنسائي (٤٥٥١).
(٥) ليست في (ش).
(٧) شرح صحيح مسلم (١٨٩/١٠).
(٩) التمهيد (٣٣٤/٢).

=
١٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الثَّاني: تَعَدِّيها(١) إلى](٢) العِنَبِ، بِجَامِع مَا اشتَرَكًا فيه من إمكانِ الخَرصِ،
فَإِنَّ ثَمَرَتَهمَا (٣) مُتَمَيِّزَةٌ مَجمُوعَةٌ في عناقِيدِها، بِخِلَافِ سَائِرِ الثِّمَارِ، فَإِنَّها مُتَفَرِّقَةٌ،
مُستَتِرَةٌ بِالأورَاقِ، لَا (٤) يَتَأَتَّى خَرصُها، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ كَُّهُ.
الثَّالِثُ: تَعَدِّيها إلى كُلِّ مَا بَيْبَسُ ويُدَّخَرُ من الثِّمَارِ، وهَذَا هو المَشهورُ عِندَ
المَالِكِيَّةِ، وجَعَلُوا ذلك عِلَّةَ الحُكم في مَحَلِّ النَّصِّ، وأنَاُوا الحُكمَ به وُجُودًا
وعَدَمًا، حَتَّى قَالُوا: لَو كَانَ الْبُسرُ مِمَّا لَا يَتَتَمَّرُ، والعِنَبُ مِمَّا لَا يَتَزَبَّبُ، لَم يَجُز
شِرَاءُ العَرِيَّةِ منه بِخَرصِها، بَل يَخرُجُ عن (٥) مَحَلِّ الرُّخِصَةِ، لِعَدَمِ العِلَّةِ.
الرَّابِعُ: تَعَدِّيها إلى كُلِّ ثَمَرَةٍ مُدَّخَرَةٍ وغَيرٍ مُدَّخَرَةٍ، وهَذَا قَولُ مُحَمَّدٍ بنِ
الحَسَنِ، وهو قَولٌ عن الشَّافِعِيِّ.
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَم يُقَيِّد الرُّخصَةَ فِي هَذَا الحديثِ بِقَدرٍ مَخصُوصٍ،
وفي ((الصَّحِيحَينِ)) وغَيرِهمَا (٦) من طَرِيقِ مَالِكٍ، عن دَاوُد بنِ الحُصَينِ [١٠٣/٢ظ]،
عن أبِي سُفيَانَ مَولى ابنِ أبِي أحمَدَ، عن أبِي هُرَيْرَةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَخَّصَ
في بَيعِ العَرَايَا في خَمسَةٍ أوسُقٍ، أو دُونَ خَمسَةٍ أوسُقٍ)). شَكَّ دَاوُد، فَجَعَلَ
الفُقَهاءُ هَذَا الحديثَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ تِلكَ الأحَادِيثِ، وقَالُوا: تَتَقَيَّدُ(٧) الرُّخصَةُ
بِأَقَلَّ من خَمسَةٍ أوسُقٍ. واختَلَفُوا في جَوازِها في خَمسَةٍ أوسُقٍ، [والخلاف عند
الشافعية، والمالكية، وغيرهم، والأصح من قولي الشافعي: أنه لا يجوز في
خمسة أوسق](٨)؛ لِأنَّ الأصلَ تَحرِيمُ بَيعِ الثَّمرِ بِالرُّطَبِ، وجَاءَت العَرَايَا رُخصَةٌ،
وشَكَّ الرَّاوِي في خَمسَةِ أوسُقِ أو دُونَها، فَوجَبَ الأخذُ بِالْيَقِينِ، وهو دُونَ خَمسَةِ
أوسُقٍ، وبَقِيَتِ الخَمسَةُ أوسُقٍ(٩) عَلى الشَّحرِيمِ، وهَذَا مَذهَبُ الحَنَابِلَةِ،
(١) في (م): ((تعديهما)).
(٣)
في (ح، ك٢): «ثمرتها)).
(٥)
في (ش): ((عند)).
البخاري (٢١٩٠)، ومسلم (٧١/١٥٤١)، وأبو داود (٣٣٦٤)، والترمذي (١٣٠١)،
(٦)
والنسائي (٤٥٥٥).
في (ش): ((بتقيد)) .
(٧)
(٩) من الأصل، (م).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٤) في (ش): ((ولا)).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (م).

١٦٣
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا
والظَّاهِرِيَّةِ(١)، وهو الَّذِي رَواه القَاضِي أبو الفَرَج من المَالِكِيَّةِ (٢)؛ ورِوايَةُ
المَصرِيِّينَ الجَوازُ، وهو المَشهورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ، وتَوجِيهِه: جَعلُ الخَرصِ أصلًا
إلَّا فِي نَخلٍ (٣) يَتَقَّنُ فيه المَنعُ.
قال والِدِي تَّفُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): ولِقَائِلِ أن يَقُولَ: تَخْتَصُ الرُّخِصَةُ
بِأَربَعَةِ أوسُقٍ؛ لِأَنَّ أكثَرُ مَا صَرَّحَ به كَمَا في حَدِيثِ جَابِرِ الَّذِي رَواه البَيْهَقِيُّ(٤) من
طَرِيقٍ مُحَمَّدٍ بنِ إسحَاقَ، عن مُحَمَّدٍ بنِ يَحيَى بنِ حَبَّنَ(٥)، عن عَمِّه واسِعِ بنِ
حَبَّانَ(٦)، عن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِوََّ عن المُحَاقَّلَةِ،
والمُزَابَنَةِ، وأذِنَ لِأصحَابِ العَرَايَا: أن يَبِيعُوها بِمِثلِ خَرصِها، ثم قال: الوسقِ،
والوسقَينِ، والثَّلَاثَةِ، والأربَعَةِ)).
قال: وقَولُه: ((دُونَ خَمسَةٍ أوسُقٍ))، مَحمُولٌ عَلى الأربَعَةِ؛ لِأنَّها دُونَها، فَمَا
زَادَ عَلى الأربَعَةِ مَشكُوٌ فيه، فَلَا يَنبَغِي أن يَتَعَدَّى بِالرُّخصَةِ عن القَدرِ المُحَقَّقِ.
قُلتُ: هو قَولٌ قَد حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٧)، فقال، بَعدَ حِكَايَةِ
القَولَينِ المُتَقَدِّمِينَ: و(٨) قال آخَرُونَ: لَا تَجُوزُ(٩) في أكثَرَ من أربَعَةِ أوسُقٍ. قال:
واحتَجُوا بِمَا رَواه ابنُ إسحَاقَ. فَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرِ المُتَقَّدِّمَ، ثم قال: ولَا خِلَافَ
عن مَالِكِ والشَّافِعِيِّ ومَنِ اتَّبَعَهمَا، في جَوازِ العَرَايَا في أكثَرَ من أربَعَةِ أوسُقٍ إِذَا
كَانَت دُونَ خَمسَةِ أوسُقٍ، ولَم يَعرِفُوا حَدِيثَ جَابِرٍ في (١٠) الأربَعَةِ الأوسُقِ، ولَم
يَثْبُتِ عِندَهم. والله أعلمُ.
(١) المغني (١٢١/٦)، والمحلى (٤٦٤/٨).
(٢) التمهيد (٣٣٠/٢)، وأبو الفرج هو: عمرو بن محمد الليثي، تفقه بإسماعيل القاضي، له
كتاب الحاوي في الفقه، وكتاب اللمع في الأصول، توفي سنة (٣٣١هـ). طبقات الفقهاء
الشيرازي (ص١٦٦).
(٣)
في (٢٥): ((محل)).
في (ش): ((حيان)).
(٥)
(٧)
التمهيد (٣٣٥/٢، ٣٣٦).
في (ش): ((يجوز)).
(٩)
(٤) السنن الكبرى (٣١١/٥).
(٦) في (ش): ((حيان)).
(٨) ليس في: (ش).
(١٠) في (ش): ((إلا في)).

١٦٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الثَّانِيةَ عَشَرَ (١): هَذَا الذِي ذَكَرِنَاه من اختِصَاصِ الجَوازِ بِخَمسَةٍ
أوسُقٍ، أو بِمَا دُونَها، عَلى الخِلَافِ (٢) فيه، أخَذَه ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ (٣) عَلى
ظَاهرِهِ، فقال: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أن يَبلُغَ بذلك في عَامٍ واحِدٍ في صَفْقَةٍ، ولا في
صَفَقَاتٍ، خَمسَةَ أوسُقٍ أصلًا، لَا البَائِعُ ولَا المُشتَرِي؛ لِأَنَّه يُخَالِفُ أمرَ
رَسُولِ اللهِ وَّهُ. وقال الجُمهورُ: المَنْعُ من الزِّيَادَةِ عَلى ذلك إنَّمَا هو عِندَ اتِّحَادٍ
الصَّفْقَةِ، فَأَمَّا مع اختِلَافِها، فَلَا مَنعَ.
ولِذلك تَفَاصِيلُ: قال الشَّافِعِيَّةُ (٤): لَو بَاعَ قَدْرًا كَثِيرًا في صَفَقَاتٍ، لا تَزِيدُ
كُلُّ واحِدَةٍ عَلى هَذَا القَدرِ المَأْذُونِ فيه، جَازَ، وكَذَا لَو بَاعَ في صَفْقَةٍ لِرَجُلَيْنِ،
بِحَيثُ يَخُصُ (٥) كُلُّ واحِدِ القَدرَ الجَائِزَ، فَلَو بَاعَ رَجُلَانِ لِرَجُلٍ، فَوجهانِ:
أصَخُهمَا: أنَّه كَبَيعِ رَجُلٍ لِرَجُلَينٍ. والثَّاني: كَبَيعِه لِرَجُلٍ صَفْقَةً. وَلَو بَاعَ
رَجُلَانِ لِرَجُلَينِ صَفْقَّةً، لَم يَجُز فيمَا زَادَ عَلى عَشرَةٍ أوسُقٍ، ويَجُوزُ فيمَا دُونَ
العَشَرَةِ، وفي العَشَرَةِ القَولَانِ، وسَواءٌ في هَذِهِ الصُّورَةِ كَانَت العُقُودُ في مَجلِسٍ أو
مَجَالِسَ، حَتَّى لَو بَاعَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ ألفَ وسقٍ في مَجلِسٍ واحِدٍ بِصَفَقَاتٍ، كُلُّ
واحِدَةٍ دُونَ خَمسَةٍ أوسُقٍ جَازَ. وقال المَالِكِيَّةُ: لَو تَعَذَّدَ المُشتَرِي أو البَائِعُ جَازَ
إن اتَّحِد الشِّقُّ الآخَرُ، وإن انَّحِدَا، و(٦) تَعَدَّدَت الحَوائِطُ، وقَد أعرَاه من كُلِّ حَائِطِ
قَدَرَ العَرِيَّةِ، فقال الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ (٧): هيَ كَالحَائِطِ الواحِدِ، لَا يُشتَرَى(٨) من
جَمِيعِها أكثَرُ من خَمسَةٍ أوسُقٍ. [وتَابَعَه عَلى ذلك أبو بَكرِ ابنُ عَبدِ الرَّحمَنِ(٩).
(١) في (م): ((عشرة)) .
(٢) في (ش): ((اختلاف)).
(٣)
المحلى (٤٦٤/٨).
(٤)
الحاوي (٢١٧/٥).
(٥)
ليست في (ش).
في (م): ((أو)). والمثبت كما في الجواهر لابن شاس (٣٩٨/٢).
(٦)
(٧)
ينظر: الذخيرة (١٩٩/٥)، وأبو محمد هو: ابن أبي زيد القيرواني، سبقت ترجمته.
(٨) في (م): «یشتري منه).
(٩) ذكره ابن قنفذ القسنطيني في الوفيات، وقال: مات سنة (٤٣٢هـ)، ولم يزد.

١٦٥
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا
وقال الشَّيخُ أبو الحَسَنِ: يَجُوزُ أن يُشتَرَى (١٤٢/٦م) من كُلِّ واحِدٍ خَمسَةُ
أوسُقٍ] (١). وقال أبو القَاسِمِ ابنُ الكَاتِبِ: إِن كَانَت العَرَايَا بِلَفِظٍ واحد (٢)، فَهِيَ
كَالحَائِطِ الواحِدِ، وإِن كَانَت بِألفَاظِ في أزمَانٍ مُتَغَايِرَةٍ، فَيَجُوزُ أن يَشتَرِيَ من كُلِّ
واحِدٍ خَمسَةَ أوسُقٍ. والله تعالى أعلم. [١٠٤/٢ و]
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٢) من الجواهر (٣٩٨/٢)، والذخيرة (١٩٩/٥).

١٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بَابُ بَيعِ العَقَارِ وَمَا يَدخُلُ فيه
عن هَمَّام، عن أبِي هرَيرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اشتَرَى رَجُلٌ
من رَجُلٍ عَقَارًا لَّهِ(١)، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فيها
ذَهَبٌ، فَقال لَه الَّذِي اشتَرَى العَقَارَ: خُذْ ذَهَبَك مني، إنَّمَا اشتَرَيتُ منك
الأرضَ، ولَم أبتَع منك الذَّهَبَ. وقال الَّذِي بَاعَ الأرضَ: إِنَّمَا بِعتُك
الأرضَ ومَا فيها. قال: فَتَحَاكَمَا إلى رَجُل، فقال الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيه: أَلَكُمَا
وَلَدٌ؟ قال أحَدُهمَا: لِي غُلَامٌ. وقال الأَخَرُ: لِي جَارِيَةٌ. قال(٢): أنكِح
الغُلَامَ الجَارِيَةَ، وأنفِقُوا عَلى أَنفُسِهِمَا منه، وتَصَدَّقَا)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ(٣) من هَذَا الوجه، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن
مَعَمَرٍ، عن هَمَّامٍ، عن أبِي هُرَيْرَةَ.
■ الثّانيةُ: (١٤٣/٢م) ذَكَرَ البُخَارِيُّ هَذَا الحديثَ في ذِكرِ بَنِي إسرَائِيلَ،
وذلك يَقتَضِي أَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ جَرَت فيهم، وحِينَئِذٍ، فَالاِستِدلَالُ بها مَبني عَلى
المَسألَةِ الأُصُولِيَّةِ المَعرُوفَةِ: ((أَنَّ شَرعَ مَن قَبلَنَا، هَل هو (٤) شَرِعٌ لَنَا، أم لا»؟
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّه لَيسَ شَرعًا لَنَا، وأرَادَ الْبُخَارِيُّ بِذِكرِها بَيَانَ مَنَاقِبهم؛ ومسلمٌ
أورَدَها في الأقضِيَةِ، وذلك يَقتَضِي أَنَّه قَصَدَ الاسْتِدلَالَ بها، وفيه مَا تَقَدَّمَ.
■ الثَّالِثَةُ: العَقَارُ، بِفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ. قال النَّوِيُّ(٥): هو الأرضُ ومَا
ليست في (م)، والأصل.
(١)
(٣) البخاري (٣٤٧٢)، ومسلم (٢١/١٧٢١).
ليست في (م).
(٤)
(٢) في (ش): ((فقال)).
(٥) شرح صحيح مسلم (١٩/١٢).

=
بَابٌ بَيعِ العَقَارِ ومَا يَدخُلُ فيه
١٦٧
يَتَّصِلُ بها، وحَقِيقَةُ العَقَارِ: الأصلُ، سُمَِّ بذلك من ((العُقْرِ)) بِضَمِّ العَينِ وفَتَحِها،
وهو الأصلُ، ومنه: عُقرُ الدَّار(١)، بِالضَّمِّ والفَتحِ. انتَهَى. وقال في
(الصِّحَاحِ)) (٢): العَقَارُ: الأرضُ والضِّيَاعُ والنَّخلُ؛ ويُقَالُ أيضًا: في البَيتِ عَقَارٌ
حَسَنٌّ؛ أي: مَتَاعٌ وأدَاةٌ. وقال في ((المُحكَم)) (٣) العُقرُ والعَقَارُ: المَنزِلُ والضَّيعَةُ،
وخَصَّ بَعضُهم بِالعَقَارِ النَّخلَ، وعَقَارُ البَيتِ: مَتَاعُه ونَضَدُهُ(٤) الَّذِي لَا يُبْتَذَلُ(٥)
إلَّا في الأعيَادِ والحُقُوقِ الكِبَارِ. وقال في (المَشَارِقِ))(٦) العَقَارُ الأصلُ من المَالِ،
وقِيلَ: المَنزِلُ والضِّيَاعُ. وقِيلَ: مَتَاعُ البَيتِ. انتَهَى. فَجَعَلَ ذلك خِلَافًا،
والمَعرُوفُ أنَّه مُشتَرَكٌ، والمُرَادُ هنَا الأولُ.
الزَّابِعَةُ: قَولُه: ((وقال (٧ الذي باع(٧) الأرضِ: إِنَّمَا بِعتُك الأرضَ ومَا
فيها)). لَفِظٌ لَا إشكَالَ فيه، ولَفِظُ البُخَارِيِّ: ((وقال الَّذِي لَه الأرضُ)). وهو
بِمَعنَاه؛ (٨لأِنَّ المراد: الَّذِي٨) كَانَت لَه الأرضُ قَبلَ بَيعِها، واختَلَفَت في ذلك
نُسَخُ ((صَحِيحِ مسلم))، فَفي أصلِنَا: ((الَّذِي شَرَى الأرضَ)). وحَكَاها أبو العَبَّاسِ
القُرطُبِيُّ(٩) عن رِوايَةَ السَّمَرَ قَندِيِّ، وحَكَاها النَّوِيُّ (١٠) عن أكثَرِ النُّسَخ، قال(١١):
وفي بَعضِها: ((اشتَرَى)). قال العُلَمَاءُ: الأولُ أُصَحُ.
و(شَرَى)) هنَا بِمَعنَى: بَاعَ، كَمَا في قَوله تَعَالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنْ تَخْسٍ﴾
[يوسف: ٢٠]. ولِهَذَا قال: ((فقال الذِي شَرَى الأرضَ: إِنَّمَا بِعتُك)). وحَكَى القُرطُبِيُّ
الرِّوايَةَ التَّالِيَةَ عن غَيرِ السَّمَرِ قَندِيِّ، قال: وفيها بُعدٌ؛ لِأنَّ المُشتَرِيَ هو (١٢) الذِي
تَقَدَّمَ ذِكرُه، وهو هنَا الْبَائِعُ، ولَا يَصِحُّ أن يُقال عَلَيه: مُشتَرٍ، إلا إن صَحَّ في اشتَرَى
أنَّه من الأضدَادِ، كَمَا قُلْنَاه في (شَرَى))، والأولُ هو المَعْرُوفُ. انتَهَى.
في (م)، والأصل، (ح): ((الدابة))، والمثبت موافق لما في المطبوع.
(١)
الصحاح للجوهري (٧٥٤/٢).
(٢)
(٤)
في (ح): ((قصره)).
(٥) في (ش): ((يتبدل)).
(٦) مشارق الأنوار (١٠٠/٢).
(٨ - ٨) في (م): ((لأنه الذي)).
(٩) المفهم (١٧٨/٥).
(١٠) شرح صحيح مسلم (١٩/١٢، ٢٠).
(١٢) ليس في: (ش).
(٣) المحكم (١٨٥/١).
(٧ - ٧) في (م): ((بائع)).
(١١) من (ك٢، ح).

5
١٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
] الخَامِسَةُ: قَولُه: ((فتحاكما إلى رجل)). قال القُرطُبِيُّ(١): ظَاهرُه أنَّهمَا
حَكَّمَاه في ذلك، وأنَّه لَم يَكُنْ حَاكِمًا مَنصُوبًا (٢) لِلنَّاسِ مع أنَّه يَحتَمِلُ ذلك،
وعلى (٣) ظَاهرِهِ يَكُونُ فِيه لِمَالِكٍ حُجَّةٌ عَلى صِحَّةٍ قَولِهِ: إنَّ المُتَدَاعِيَينِ(٤) إِذَا حَكَّمَا
بَيْنَهمَا مَن لَه أهلِيَّةُ الحُكمِ صَحَّ، ولَزِمَهمَا حُكمُه، مَا لَم يَكُن جَورًا، سَواءٌ وافَقَ
ذلك الحُكمُ رَأيَ قَاضِي الْبَلَدِ أو خَالَفَه. وقال (١٤٤/٦م) أبو حَنِيفَةً: إن وافَقَ رَأيُه
رَأْيَ(٥) قَاضِي البَلَدِ نَفَذَ وإلَّا فَلَا. واختَلَفَ قَولُ الشَّافِعِيِّ، فقال مِثلَ قَولِ مَالِكِ،
وقال أيضًا: لَا يَلزَمُ حُكمُه، ويَكُونُ ذلك كَالفَتوى منه. وبه قال شُرَيحٌ. انتَهَى.
قُلتُ: الصَّحِيحُ من مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ جَوازُ التَّحكِيمِ في غَيرِ حُدُودِ الله
تَعَالى، ولَكِن مَا عَرَفتُ من أينَ لِلقُرطُبِيِّ: أنَّ ظَاهرَه أنَّ هَذَا لَم يَكُنْ حَاكِمًا،
وإنَّمَا كَانَ مُحَكَّمًا؟ فَاللفظُ مُحتَمِلٌ، كَمَا ذَكَرَه آخِرًا، وقَد سَمَّاه النَّووِيُّ في تَبَوِيبه
في ((شَرحِ مسلم)) حَاكِمًا. والله أعلم.
■ السَّادِسَةُ: قال القُرطُِيُّ أيضًا (٦): وهَذَا [١٠٤/٢ ظ] الرَّجُلُ المُحَكَّمُ لَم
يَحْكُم عَلى أحَدٍ(٧) منهمَا، وإنَّمَا أصلَحَ بَيْنَهمَا، بِأن يُنفِقًا ذلك المَالَ عَلى أَنفُسِهِمَا
وعَلى ولَدَيهِمًا، ويَتَصَدَّقَا (٨)، وذلك أنَّ هَذَا المَالَ ضَائِعٌ، إذ(٩) لَم يَدَّعِه أحَدٌ
لِنَفسِه، ولَعَلَّهم (١٠) لَم يَكُن لَهِم بَيتُ مَالٍ، فَظَهَرَ لِهَذَا الرَّجُلِ أَنَّهمَا أَحَقُّ بذلك
المَالِ من غَيرِهمَا من المُستَحَقِّينَ، لِزُهدِهمَا وورَعِهمَا، ولحُسنٍ (١١) حَالِهِمَا، ولِمَا
ارتَجَى من طِيبٍ نَسْلِهِمَا وصَلَاحِ ذُرِّيَّتِهمَا .
قال(١٢) المَازَريّ (١٣): واختُلِفَ عِندَنَا فيمَن ابتَاعَ أرضًا فَوجَدَ فيها شَيئًا
(١)
المفهم (١٧٨/٥).
في (م)، والأصل: ((وفي)).
(٣)
(٥)
ليست في (ح).
(٦) المفهم (١٧٩/٥).
(٨) في (ش): ((يتصدقوا)).
(٩)
في (ش): ((إذا)).
(١١) في (م): ((وحسن)).
(١٢) في (ش): ((وقال)).
(١٣) في النسخ: ((الماوردي))، والمثبت هو الصواب، والنقل في المعلم (١١٥/٢)، وينظر:
المفهم (١٧٩/٥).
(٢) في (ش): ((مغصوبًا)).
(٤)
في (ح، ش): ((المتداعين)).
(٧)
في (ش): ((واحد)).
(١٠) في (م): (لعله)).

١٦٩
بَابٌ بَيعِ العَقَّارِ وَمَا يَدخُلُ فيه
مَدُفُونًا، هَل يَكُونُ ذلك لِلبَائِعِ، أو لِلمُشتَرِي؟ فيه قَولَانِ. قال القُرطُبِيُّ: ويَعني
بذلك مَا يَكُونُ من أنواعِ الأرضِ: كَالحِجَارَةِ والعَمَدِ والرُّخَامِ، ولَم يَكُنْ خِلقَةٌ (١)
فيها(٢)، وأمَّا مَا يَكُونُ من غَيرِ (٣) أنواع الأرضِ؛ كَالذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَإن كَانَ من
دِفِنٍ (٤) الجَاهِلِيَّةِ كَانَ رِكَازًا، وإن كَانَ من دِفنٍ(٥) المسلمِينَ، فَهو لُقَطَةٌ، (٦ وإن
جُهلَ(٦) ذلك، كَانَ مَالًا ضَائِعًا، فَإِن كَانَ هِنَاكَ(٧) بَيتُ مَالٍ حُفِظَ فيه، وإن لَم
يَكُن. صُرِفَ في الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ، وفيمَن يَستَعِينُ به عَلى أُمُورِ الدِّينِ، وفيمَا
أمكنَ من مَصَالِحِ المسلمِينَ. انتَھَی.
وجَزَمَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّه يَدخُلُ في بَيعِ الأرضِ الحِجَارَةُ المَخلُوقَةُ فيها
والمُثَبَّتَةُ، وبِأَنَّه لَا يَدخُلُ فيها الكُنُوزُ والأقِمِشَةُ والحِجَارَةُ المَدِفُونَةُ.
· السَّابِعَةُ: هَذِهِ الواقِعَةُ يَحْتَمِلُ أن تَكُونَ صُورَتُها أنَّه بَاعَه العَقَارَ مُطلَقًا،
وبَنَى البَائِعُ عَلَى دُخُولِ الذَّهَبِ الَّذِي فيها في الإطلَاقِ، وبَنَى المُشتَرِي عَلى أنَّه لَا
يَدخُلُ، والحُكمُ فيها في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلى مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ وغَيرِهِ عَدَمُ الدُّخُولِ
كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَالمُصَدَّقُ في ذلك المُشتَرِي، والذَّهَبُ بَاقٍ عَلى مِلكِ البَائِعِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَكُونَ صُورَتُها أنَّ البَائِعَ يَقُولُ: إِنَّه وقَعَ تَصرِيحٌ بِبَيعِ الذَّهَبِ مع
العَقَارِ. والمُشتَرِي يَقُولُ: لَم يَقَع تَصرِيحٌ بذلك، وإنَّمَا وقَعَ التَّصرِيحُ بِبَيْعِ العَقَارِ
خَاصَّةً.
والحُكمُ في هَذِه المَسألَةِ عِندَنَا: أنَّ المُتَبَابِعَينِ (١٤٥/٦م) يَتَحَالَفَانِ،
لِاخْتِلَافِهِمَا في قَدرِ المَبِيعِ، فَيَحلِفُ كُلٌّ منهمَا يَمِينًا يَجمَعُ النَّيَ والإثْبَاتَ، حَيثُ
لَا يَكُونُ هنَاكَ بَيِّنَةٌ، فَإِذَا تَحَالَفَا، فُسِخَ البَيعُ إن لَم يَرضَ أحَدُهمَا بِمَا قال الآخَرُ،
وَرَجَعَ العَقَارُ والذَّهَبُ إلى البَائِعِ.
وقَد ظَهَرَ بذلك أنَّ قَولَ القُرطُبِيِّ: إنَّ هَذَا مَالٌ ضَائِعٌ إذا لَم يَدَّعِه أحَدٌ
(١)
في (ح): ((خلفة)).
ليست في (ح، ش).
(٣)
في (ش): ((دفين)).
(٥)
(٧) في (م): ((هنالك)).
(٢) ليست في (ش).
(٤) في (ش): ((دفين)).
(٦ - ٦) في (م): ((وإن كان جهل)).

١٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لِنَفسِه. مَردُودٌ، وإنَّمَا كَانَ(١) يَكُونُ كَذلك، لَو قال البَائِعُ: لَيسَ هَذَا الذَّهَبُ لِي
أصلًا. وحِينَئِذٍ، فَيَرجِعُ (٢إلى بَائِعِه٢)، وهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلى المُحيي.
وأمَّا في هَذِه الصُّورَةِ، فَإِنَّ البَائِعَ مُعتَرِفٌ بِأنَّ الذَّهَبَ كَانَ لَه وَبَاعَه، أَلَا
تَرَى قَولَه: ((إِنَّمَا بِعتُك الأرضَ ومَا فيها)). وإنَّمَا الاحتِمَالُ في أن يَبِيعَه مَا فيها،
هَل كَانَ بِالثَّنصِيصِ عَلَيه، أو بِدُخُولِه تَحتَ لَفِظِ: ((الأرضِ)) وتَبَعِيَّتِه لَها في
الحُكمِ، عَلى مَا قَدَّمتُه من الاحتِمَالَينِ وحُكمِهمَا عِندَنَا، وهَذَا الَّذِي وقَعَ من
كَلَامَيهَمَا(٣) يُسَمَّى عِندَ البَيَانيينَ: ((قَصرَ إفرَادٍ)»(٤)؛ لِأنَّ البَائِعَ يَدَّعِي ثُبُوتَ الحُكمِ
لِشَيئَينٍ، وهو الأرضُ والذَّهَبُ، والمُشتَرِي يَقْصُرُ ذلك عَلى أَحَدِهمَا، وهو
الأرضُ، ولَو كَانَ البَائِعُ يَدَّعِي بَيْعَ الذَّهَبِ دُونَ الأرضِ، والمُشتَرِي يدعي(٥) ذلك
في الأرضِ دُونَ الذَّهَبِ، لَكَانَ: (قَصرَ قَلبٍ)). والله تَعَالى أعلَمُ.
■ الثَّامنةُ: وفيه فَضلُ الإصلاحِ بَيْنَ المُتَنَازِعَينِ، وأنَّ القَاضِيَ يُستَحَبُّ لَه
الإصلاحُ بَيْنَ المُتَنَازِعَينِ، كَمَا يُستَحَبُّ لِغَيرِهِ، وقَد عَذَّ أصحَابُنَا ذلك من وظَائِفٍ
القَضَاءِ، لَكِنَّه لَيسَ من وظَائِفِهِ الخَاصَّةِ به. والله أعلمُ.
■ التَّاسِعَةُ: الولَدُ: بِفَتحِ الواوِ واللامِ، وبِضَمِّ الواوِ، وكَسرِها مع سُكُونٍ
اللام فيهمَا، يَكُونُ مُفرَدًا وجَمعًا. وهو هنَا مُحَتَمِلٌ لَهمَا، فَإِن كَانَ التَّقَدِيرُ: [ألِكُلِّ
منكُمَا ولَدٌ؛ فَهو مُفرَدٌ، وإن كَانَ التَّقدِيرُ: ألِمَجمُوعِكُمَا](٦) وَلَدٌ؛ فَالمُرَادُ:
الجَمعُ، إذ لَا يُمكِنُ أن يَكُونَ لِلرَّجُلَينِ وَلَدٌ واحِدٌ، قال الجَوهَرِيُّ(٧): وقَد يَكُونُ
الوُلدُ جَمِعَ الوَلَدِ مِثْلَ أُسدٌ وأسَدٌ [١٠٥/٢ و].
■ العَاشِرَةُ: قَولُه: ((أنفِقُوا))، كَذَا في رِوايَتِنَا ورِوايَةِ البُخَارِيِّ
ومسلمٍ، ولَعَلَّ الجَمعَ: لِأَنَّ الإنفَاقَ(٨) قَد يَكُونُ بِيَدِ الوالِدَينِ، وقَد يَكُونُ
(١) ليست في (ش).
(٣)
في (ش): ((كلامهما)).
ينظر: الإيضاح في تلخيص المفتاح للقزويني (ص١١٨، ١١٩).
(٥)
ليست في (م)، والأصل.
الصحاح (٥٥٤/٢).
(٧)
(٢ - ٢) في (ك٢، ش): «لمن باعه)).
(٤)
(٦) مكانها في (ح): ((المجموع كما)).
(٨) في (م): ((الاتفاق)).

١٧١
بَابُ بَيعِ العَقَارِ ومَا يَدخُلُ فيه
بَيْدٍ (١) الولَدَينِ، لَكِنَّه قال بَعدَه: ((وتَصَدَّقَا)) فَثَنَّى الضَّمِيرَ، ولَعَلَّ ذلك لِأِنَّ الصَّدَقَةَ
تَبَوٌُّ، فَلَا تَصدُرُ إِلَّ من المَالِكِ الرَّشِيدِ، والولَدَانِ لَيسَ لَهمَا مِلكٌ في ذلك،
وقَد يَكُونَانِ مع ذلك صَغِيرَينٍ أو سَفِيهَينٍ. وقَولُه: ((عَلى أَنفُسِهِمًا)). كَذَا هو
بِضَمِيرِ الغَيبَةِ في رِوايَتِنَا ورِوايَةٍ (١٤٦/٦م) البُخَارِيِّ، وفي رِوايَةٍ مسلمٍ:
((أَنفُسِكُمَا)) بِضَمِيرِ الخِطَّابِ. والله أعلم.
(١) في (م): ((بين)).

M
١٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بَابُ الخِيَارِ فِي البَيعِ
عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قال: «المُتَبَابِعَانِ كُلُّ
واحِدٍ منهمَا بِالخَيَارِ عَلى صَاحِبه، مَا لَم يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيعَ الخِيَارِ)).
فيه فوائد:
■ الأُولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(١) من هَذَا الوجه من
طَرِيقِ مَالِكٍ، بهذا اللفظِ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢): لَا خِلَافَ عن مَالِكِ في لَفِظِه.
وأخرَجُوه (٣) أيضًا من طَريقِ أَيُّوبَ(٤) السَّختياني، بِلَفِظِ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ، مَا لَم
يَتَفَرَّقَا، أو يَقُولُ أحَدُهمَا لِصَاحِبه: اختَرِ))، ورُبَّمَا قال: ((أو يَكُونُ بَيعَ خِيَارٍ))، لَفِظُ
البُخَارِيِّ، ولَم يَسُق مسلمٌ لَفظَه، بَل قال: إنَّه نَحوُ حَدِيثِ مَالِكٍ. وقال أبو دَاوُد
بِمَعنَاه، قال: ((أو يَقُولُ أحَدُهمَا لِصَاحِبه: اختَر)). وأخرَجَه الشَّيخَانِ، والترمذيُّ،
والنسائيُّ(٥) من طَرِيقِ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ الأنصَارِيِّ، بِلَفِظِ: ((إنَّ المُتَبَابِعِينَ بِالخِيَارِ
في بَيْعِهِمَا، مَا لَم يَتَفَرَّقَا، أو يَكُونُ البَيعُ خِيَارًا)) قال نَافِعٌ: ((وكَانَ ابنُ عُمَرَ إِذَا
اشتَرَى شَيئًا يُعجِبُه فَارَقَ صَاحِبَه)). لَفِظُ البُخَارِيِّ، وكَذَا النسائيّ، إلَّا أنَّه قال:
((يَفتَرِقَا(٦) إِلَّا أن يَكُونَ البَيعُ خِيَارًا))، ولَفظُ الترمذيِّ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ، مَا لَم
يَتَفَرَّقَا، أو يَخْتَارَا))، و((كَانَ ابنُ عُمَرَ إِذَا ابتَاعَ بَيعًا وهو قَاعِدٌ، فَامَ لِيَجِبَ لَه)).
البخاري (٢١١١)، ومسلم (٤٣/١٥٣١)، وأبو داود (٣٤٥٤)، والنسائي (٤٤٧٧).
(١)
(٢)
التمهيد (٧/١٤).
البخاري (٢١٠٩)، ومسلم (١٥٣١)، وأبو داود (٣٤٥٥)، والنسائي (٤٤٨١).
(٣)
(٤)
ليست في: (ك٢).
البخاري (٢١٠٧)، ومسلم (١٥٣١)، والترمذي (١٢٤٥)، والنسائي (٤٤٨٥).
(٥)
في (ش): ((تفرقا)).
(٦)

=
51
١٧٣
بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
وأخرَجَه الشَّيخَانِ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (١) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، بِلَفِظِ: ((إذَا
تَبَايَعَ (٢) الرَّجُلَانِ فَكُلُّ واحِدٍ منهمَا بِالخِيَارِ، مَا لَم يَتَفَرَّقَا وكَانَا جَمِيعًا، أو (٣)
يُخَيِّرُ(٤) أحَدُهمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلى ذلك، فَقَد وجَبَ البَيعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعدَ أن
يَتَبَايَعَا، وَلَم يَترُك واحِدٌ منهمَا البَيعَ، (ْفَقَد وجَبَ البَيعُ )). وأخِرَجَه مسلمٌ،
والنسائيُّ(٦) من رِوايَةِ ابنِ جُرَيجِ، بِلَفْظِ: ((إِذَا تَبَابَعَ المُتَبَايِعَانِ، فَكُلُّ واحِدٍ منهمَا
بِالخِيَارِ من بَيعِه، مَا لَم يَتَفَرَّقَا، أو يَكُونُ بَيعُهمَا عن خِيَارٍ، فَإِن كَانَ بَيعُهمَا عن
خِيَارٍ، فَقَد وجَبَ البَيْعُ)). قال نَافِعٌ: ((فَكَانَ إِذَا بَايَعَ(٧) رَجُلًا، فَأَرَادَ أن لَا يُقِيلَه،
قَامَ فَمَشَى هَنَّة، ثم رَجَعَ إِلَيه))، لَفِظُ مسلمٍ، وقال النسائيّ: ((يَفتَرِقَ))(٨). ولَم يَذْكُر
المَوْقُوفَ الَّذِي (٩ في آخِرِه٩)، وأخرَجَاه(١٠) أيضًا من رِوايَةٍ عُبَيدِ الله(١١)
(١٤٨/٦م) بنِ عُمَرَ. وانفَرَدَ به مسلمٌ(١٢) من رِوايَةِ الضَّحَّاكِ بنِ عُثمَانَ.
والنسائيُّ (١٣) من رِوايَةِ إسمَاعِيلَ ابنِ عُلَيَّةَ(١٤) كُلُّهم، وهم ثَمَانيّةٌ، عن نَافِعِ، عن
ابنِ عُمَرَ. وقال ابنُ حَزم(١٥)، بَعدَ ذِكرِهِ طُرُقَ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ وحَكِيمٍ بِنِ حِزَامٍ :
هَذِهِ أسَانيدُ مُتَواتِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُنتَشِرَةٌ تُوجِبُ العِلمَ الضَّرُورِيَّ. ثم حَكَى عن بَعضٍ
أهلِ الجَهلِ أنَّه قال: هَذَا خَبَرٌ جَاءَ بِألفَاظِ شَتَى، فَهو مُضطَرِبٌ. ثم رَدَّه بِأنَّ
ألفَاظَه مَنْقُولَةٌ نَقلَ الثَّواتُرِ، لَيسَ شَيءٌ منها مُختَلِفًا.
■ الثّانيةُ: قَولُهُ(١٦): ((المُتَبَابِعَانِ)) كَذَا في أكثَرِ الرِّوايَاتِ، وفي بَعضِها:
((البَيِّعَانِ))، وكِلَاهمَا في ((الصَّحِيحَينِ))، كَمَا تَقَدَّمَ، ولَم يَرِد في شَيءٍ من طُرُقِهِ، فيمَا
(١) البخاري (٢١١٢)، ومسلم (٤٤/١٥٣١)، والنسائي (٤٤٨٣)، وابن ماجه (٢١٨١).
(٢)
في (ش): ((ابتاع)).
(٣) في (م): ((و)).
(٤) في (م): ((تخير))، وفي الأصل: ((بخير)). (٥ - ٥) ليس في: (ش).
(٦)
مسلم (٤٥/١٥٣١)، والنسائي (٤٤٨٠). (٧) في الأصل: (باع)).
(٨) في (ش): ((تفرقا)).
(٩ - ٩) في (ش): ((أخرجه)).
(١٠) لم أجده في البخاري، وهو في مسلم (١٥٣١).
(١١) في (م)، والأصل: ((عبد الله)).
(١٢) مسلم (١٥٣١).
(١٣) النسائي (٤٤٨٢) عن أيوب، عن نافع. (١٤) في (ك٢، ش): ((أمية)).
(١٥) المحلى (٣٥٢/٨).
(١٦) ليست في (ش).

=
١٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
أَعلَمُ: ((الْبَائِعَانِ))(١)، وإن كَانَ استِعمَالُ لَفِظِ البَائِعِ أغلَبَ، وقَد استُعمِلَ في اللغَةِ
الأمرَانِ، كَمَا في: ضَيِّقٍ وضَائِقٍ، وصَيِّنّ وصَائِنٍ؛ واقتَصَرُوا عَلى فَعِّلٍ في ألفَاظِ
مَحْصُورَةٍ؛ كَطَيِّبٍ، وسَيِّيٍ، ومَيِّتٍ، وكَيِّسٍ، ورَيِّضٍ، ولَيِّنٍ، وهَيِّنٍ، وقَالُوا: بَانَ
بِمَعنَى بَعُدَ، فَهو: بَائِنٌ. وبِمَعنَى ظَهَرَ، فَهو: بَيِّنٌ؛ وقَامَ بِبَدَنِهِ، فَهو: قَائِمٌ. وقَامَ
بِالأمرِ، وعَلى اليتيمِ، فَهو: فَيِّمٌ. فَفَرَّقُوا بَيْنَهمَا بِحَسَبِ المَعنَى. [١٠٥/٢ظ]
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: (مَا لَم يَتَفَرَّقَا)). كَذَا في أكثَرِ الرِّوايَاتِ، وفي بَعضِها
(يَفتَرِقَا))(٢) بِتَقَدِيمِ الفَاءِ وبِالَّخفيفِ، وهو عِندَ النسائيّ من غَيرِ وجهٍ، كَمَا تَقَدَّمَ،
وكَذَا هو عِندَ مسلم(٣) من حَدِيثٍ حَكِيمٍ بنِ حِزَامٍ، وحَكَى ثَعلَبٌ عن
ابنِ الأعرَابِيِّ، عن المُفُّضَّلِ (٤)، أنَّه قال: يَفْتَرِقَانِ بِالكَلَامَ، ويَتَفَرَّقَانِ بِالأبدَانِ(٥).
وأنكَرَه القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(٦)، وقال: لَا يَشْهَدُ لَّه القُرآنُ، ولَا يَعضُدُه(٧)
الإِشتِقَاقُ، قال الله تَعَالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
﴾ [البينة: ٤]. فَذَكَرَ التَّفَرُّقَ فيمَا ذَكَرَ فيه النبيُّ ◌َّهِ الافتِرَاقَ في قَولِه:
اُلُإِنَةُ
((افتَرَقَت اليهودُ والنَّصَارَى عَلى ثِنْتَينِ وسَبعِينَ فِرِقَةً، وسَتَفْتَرِقُ أُمَّتي عَلى ثَلَاثٍ
وسَبِعِينَ فِرِقَةً)»(٨).
قُلتُ: التَّفَرُّقُ الَّذِي فِي الآيَةِ والافتِرَاقُ الَّذِي في الخَبَرِ لَا يَمْتَنِعُ أن يُرَادَ
(١) وقد ورد بهذا اللفظ من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر عند الحميدي (٦٥٥)، ومن
طريق عدةٍ عن نافع، عند أبي نعيم في أخبار أصبهان (٣١٣/٢)، وفي حديث حكيم بن
حزام، عند البيهقي في الكبرى (٢٦٩/٥).
(٢) في (ش): ((معترفًا)).
(٣)
مسلم (٤٧/١٥٣٢)، وورد بالوجهين عند البخاري (٢٠٧٩، ٢١٠٨).
(٤) في (ش): ((وعن المفضل))، وهو: المفضل بن سلمة بن عاصم، أبو طالب، أديب،
لغوي، له: ((الفاخر))، ((البارع))، وغيرهما من كتب اللغة، توفي سنة (٢٩٠هـ). تاريخ
بغداد (١٢٤/١٣)، وسير أعلام النبلاء (٣٦٢/١٤)، والأعلام للزركلي (٢٧٩/٧).
(٥) ينظر: تهذيب اللغة (٩/ ٩٧)، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص١٩٤).
(٧) بعدها في (ش): ((إلا)).
(٦) ينظر: فتح الباري (٤/ ٣٢٧).
(٨) أخرجه أحمد (٣٣٢/٢)، وأبو داود (٤٥٩٦)، والترمذي (٢٦٤٠)، وابن ماجه
(٣٩٩١)، وابن حبان (٦٢٤٧) عن أبي هريرة.

بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
١٧٥
=
بهمَا الأبدَانُ؛ لِأَنَّه لَازِمٌ لِاخْتِلَافِ العَقَائِدِ غَالِبًا، فَإِنَّ(١) مَن خَالَفَ شَخصًا في
عَقِيدَتِهِ هَجَرَه ولَم يُسَاكِنه غَالِمًا .
وبِتَقْدِيرِ أن يُرَادَ به الأقوالُ، فَلَا يُطَابَقُ من أولِ هَذَا الحديثِ عَلى الافتِرَاقِ
بِالأقوالِ، كَمَا سَنَحكِيه؛ لِأَنَّ أقوالَ أُولَئِكَ المُختَلِفِينَ مُتَفَرِّقَةٌ، وَلَا (٢) يُطَابِقُ شَيءٌ
منها الآخَرَ. وأمَّا هنَا، فَإِنَّ قَولَي البَائِعَينِ مُتَوافِقَانٍ، لَا يُخَالِفُ أحَدُهمَا الآخَرَ،
فَإِنَّه لَو خَالَفَه لَم يَصِحَّ البَيعُ. والله (١٤٩/٦م) أعلَمُ.
[ الرَّابِعَةُ: فيه ثُبُوتُ الخِيَارِ لِكُلِّ من المُتَبَابِعَينِ في إمضَاءِ الْبَيعِ وفَسخِهِ مَا
دَامَا مُصطَحِبَينٍ (٣)، فَإِذَا تَفَرَّقَا بِأبدَانِهِمَا انقَطَعَ هَذَا الخِيَارُ، وَلَزِمَ الْبَيعُ، وبهذا قال
جُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ (٤)، و(٥) مِمَّن قال به: عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ،
وابنُ عُمَرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وأبو هرَيْرَةَ، وأبو بَرزَةَ الأسلَمِيُّ، وطَاؤُسٌ، وسَعِيدُ بنُ
المُسَيِّبِ، وعَطَاءٌ، وشُرَيحُ القَاضِي، والحَسَنُ البَصرِيُّ، والشَّعبِيُّ، والزُّهرِيُّ،
وابنُ جُرَيجٍ، والأوزَاعِيُّ، وابنُ أبِي ذِئبٍ، والليثُ بنُ سَعد، وسُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ،
والشَّافِعِيُّ، ويَحيَى القَطَّانُ (٦)، وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ مَهدِيٍّ، وعُبَيْدُ الله بنُ الحَسَنِ
العنبَرِيُّ، وسَوارٌ(٧) القَاضِي، ومسلمُ بنُ خَالِدِ الزَّنجِيُّ (٨)، وابنُ المُبَارَكِ، وعَلِيُّ بنُ
المَدِيني، وأحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، وإسحَاقُ بنُ رَاهويه، وأبو ثَورٍ، وأبو عُبَيدٍ،
والبُخَارِيُّ، وسَائِرُ المُحَدِّثِينَ، وآخَرُونَ، وقال به من المَالِكِيَّةِ: عَبدُ المَلِكِ بنُ
حَبِيبٍ. وذَهَبَ مَالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، وأصحَابُهمَا إلى إنكَارِ خِيَارِ المَجلِسِ (٩)،
وقَالُوا: إنَّه يَلزَمُ البَيعُ بِنَفسِ الإِيجَابِ والقَبولِ، وبه قال إبراهيمُ النَّخَعِيّ، واختُلِفَ
في ذلك عن رَبِيعَةَ، وسُفيَانَ الثَّورِيِّ. قال(١٠) ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ (١١): مَا نَعلَمُ لَهم
(١)
في (ح): ((كان)).
(٣)
في (ش): ((مصطبحين)).
(٤)
ينظر: الإشراف (٧٧/٦)، والتمهيد (١٤/١٤ _ ١٥).
(٥)
ليس في: الأصل، (٢٥).
في (ش): ((سواد)).
(٩) بدائع الصنائع (٢٢٨/٥)، والذخيرة (٢٠/٥).
(١٠) في (ش): ((وقال)).
(٢) في (ح، ش): (لا)).
(٦) في (ش): ((ابن القطان)).
(٨) ليست في (ش).
(٧)
(١١) المحلى (٣٥٥/٨).

=
١٧٦
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
من التَّابِعِينَ سَلَفًا إلَّا إبراهيمَ وحدَه، ورِوايَتُه مَكذُوبَةٌ عن شُرَيح، والصَّحِيحُ عنه
مُوافَقَةُ الحَقِّ. وكَذَا قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١): لَا أعلَمُ أحَدًا (٢رَدَّه غَير٢َ) هَذَينٍ
الإِثْنَينِ، إلَّا مَا رُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيّ. انتَهَى. وقال مَالِكٌ(٣) في (المُوطَّ)(٤)،
لَمَّا رَوى هَذَا الحديثَ: وَلَيسَ لِهَذَا عِندَنَا حَدٌّ مَعرُوفٌ، ولا أمرٌ(٥) مَعمُولٌ به.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦): واختَلَفَ المُتَأْخِّرُونَ من المَالِكِيين(٧) في تَخْرِيجِ قَولِ مَالِكِ
هَذَا، فقال بَعضُهم: دَفَعَه بِإجمَاعِ أهلِ المَدِينَةِ عَلَى تَركِ العَمَلِ به، وإجمَاعُهم
حُجَّةٌ. وقال بَعضُهم: لَا يَصِحُ دَعوى إجمَاعِهم في هَذِهِ المَسأَلَةِ؛ لِأنَّ سَعِيدَ بنَ
المُسَيِّبِ وابنَ شِهابٍ، وهمَا أجَلُّ فُقَهاءِ المَدِينَةِ، رُوِيَ عنهمَا مَنصُوصًا العَمَلُ به،
ولَم يُرو عن أحَدٍ من أهلِ المَدِينَةِ تَرِكُ العَمَلِ به نَصَّا، إلّا عن(٨) مَالِكٍ وَرَبِيعَةَ،
وقَد اختُلِفَ فيه عَلَى رَبِيعَةً. وكَانَ ابنُ أبي ذِئبٍ، وهو من فُقَهاءِ أهلِ المَدِينَةِ في
عَصرِ مَالِكِ يُنكِرُ عَلى مَالِكِ اختيارَه تَركَ العَمَلِ به، حَتَّى جَرَى منه لِذلك في
مَالِكٍ قَولٌ خَشِنٌ (٩). قال: وإِنَّمَا أَرَادَ مَالِكٌ بهذَا إِنكَارَ القَولِ بِأنَّ خِيَارَ الشَّرطِ لَا
يَكُونُ إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّه عِندَ مَالِكِ وأهلِ المَدِينَةِ يَكُونُ ثَلَاثًا، وأكثَرَ وأقَلَّ
بِحَسَبِ المَبِيعِ. قال: وأمَّا خِيَارُ المَجلِسِ، فَإِنَّمَا رَدَّه (٦/ ١٥٠م) اعتِبَارًا ونَظَرًا،
مَالَ فيه إلى رَأيٍ بَعضِ أهلِ بَلَدِهِ. انتَهَى. وحَكّى ابنُ العَرَبِيِّ(١٠) حَمْلَ كَلَامِ مَالِكٍ
هَذَا عَلى دَفعِ الحديثِ بِعَمَلِ أهلِ المَدِينَةِ عَمَّن لَا تَحصِيلَ لَه من أصحابهم. قال:
وقَد تَوهَّمَ ذلك عَلَيه ابنُ الجُويني - يَعني: إمَامَ الحَرَمَينِ - فقال: يَروِي الحديثَ،
عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن رَسُولِ الله وَِّ، ثم يَترُكُه لِعَمَلِ [١٠٦/٢و] أهلٍ
المَدِينَةِ. قال: ولَم يَفْهَم ابنُ الجُويني عنه. ثم ذَكَرَ ابنُ العَرَبِيِّ مَا حَاصِلُه: أنَّ
(١) التمهيد (٨/١٤).
ليست في (ش).
(٣)
(٥)
في (ش) ((أثر)).
(٧) في (م): ((المالكية)).
(٩) في (ح): ((حسن)).
(٢ - ٢) في (ش): ((زاده على)).
(٤) الموطأ (٦٧١/٢).
(٦) التمهيد (٩/١٤).
(٨) في (ش): ((غير)).
(١٠) لم أجده بهذا السياق، وكلامه في القبس (٧٦٦/٢) قريب من هذا.

=
كير
١٧٧
بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
مَقْصُودَ مَالِكٍ رَدُّ الحديثِ بِأنَّ وقتَ التَّفَرُّقِ غَيرُ مَعلُومٍ، فَالتَحَقَ بِبُيُوعِ الغَرَرِ؛
كَالمُلَامَسَةِ، والمُنَابَذَةِ؛ وسَنَحكِي عِبَارَتَه في ذلك. وسَّبَقَ إمَامَ الحَرَمَينِ إلى(١)
إِنكَارِ ذلك عَلى مَالِكِ الشَّافِعِيُّ(٢)، فقال: مَا أدرِي أنَّهمَ مَالِكٌ نَفسَه أو (٣) نَافِعًا؟
وأُعِظِمُ(٤) عَبدَ اللهَ بنَ عُمَرَ أن أذكُرَه إجلالًا لَه. ورَوى البَيْهَقِيُّ في ((سُنَّتِه))(٥) عن
عَلِيٍّ بنِ المَدِيني، عن سُفيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ؛ أنَّه حَدَّثَ الكُوفيينَ بِحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، عن
النبيِّ وَِّ فِي البَيِّعَينِ بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا، قال: فَحَدَّثُوا به أبَا حَنِيفَةَ، فقال: لَيسَ
هَذَا بِشَيءٍ، أرأيت إن كَانَا (٦) فِي سَفينَةٍ. قال عَلِيٍّ: إنَّ اللهَ سَائِلُهُ عَمَّا قال.
وقَد أجَابَ أصحَابُهمَا عن هَذَا الحديثِ بِأجوِبَةِ :
أحَدُها: مَا تَقَدَّمَ من مُخَالَفَتِه ◌ِإِجمَاعِ أهلِ المَدِينَةِ، وتَقَدَّمَ رَدُّه بِأنَّهم لَم
يَجْتَمِعُوا(٧) عَلى مُخَالَفَتِهِ، وأيضًا، فَإجمَاعُهم لَيسَ بِحُجَّةٍ، وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ
في ((شَرحِ العُمدَة)(٨): الحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فيه أنَّ إجمَاعَهم لَا يَكُونُ حُجَّةً فيمَا
طَرِيقُهُ الإِجتِهَادُ والنَّظَرُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ العَاصِمَ لِلْأُمَّةِ من الخَطَإ في الاجتِهادِ لَا
يَتَنَاولُ بَعضَهم، ولَا مُستَنَدَ لِلعِصمَةِ سِواه، وكَيفَ يُمكِنُ أن يُقال: بِأنَّ مَن كَانَ
بِالمَدِينَةِ من الصَّحَابَةِ يَقبَلُ خِلَافَه مَا دَامَ مُقِيمًا بها، فَإِذَا خَرَجَ عنها لَم يَقبَل
خِلَافَه؟ هَذَا مُحَالٌ؛ فَإِنَّ قَبولَ قَولِه بِاعْتِبَارِ صِفَاتٍ قَائِمَةٍ به حَيثُ حَلَّ، وقَد خَرَجَ
منها عَلِيٌّ، وهو أفضَلُ أهلِ زَمَانِه بِإجمَاعِ أهلِ السُّنَّةِ، وقال أقوالًا بِالعِرَاقِ،
و(٩)كَيفَ يُمكِنُ أن تُهدَرَ إذَا خَالَفَها أهلُ المَدِينَةِ، وهو كَانَ رَأْسَهم؟ وكَذلك ابنُ
مَسعُودٍ، ومَحَلُّه من العِلم مَعلُومٌ، وغَيرُهمَا قَد خَرَجُوا، وقَالُوا أقوالًا، عَلى أنَّ
بَعضَ النَّاسِ يَقُولُ: إنَّ المَسَائِلَ المُختَلَفَ [فيها خَارِجَ المَدِينَةِ، مُختَلَفٌ](١٠) فيها
بِالمَدِينَةِ، وادَّعَى العُمُومَ في ذلك. انتَهَى.
(١) في (م): ((على)).
(٣) في (م)، والأصل: ((أم)).
(٥)
السنن الكبرى (٢٧٢/٥).
في (ش): ((يجمعوا)).
(٧)
(٩) ليس في: (ش).
(٢) في (م): ((والشافعي)).
(٤) في (م)، والأصل، و(ح): ((وأعلم)).
(٦) في (م، ح): ((كان)).
(٨) إحكام الأحكام (ص٥٠٦).
(١٠) ليس في: (ك٢).

١٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ثَانيها: ادُّعِي(١) أنَّه حَدِيثٌ مَنسُوخٌ، إمَّا لِأَنَّ عُلَمَاءَ المَدِينَةِ أجمَعُوا عَلى
عَدَمِ ثُبوتِ خِيَارِ المَجلِسِ، وذلك يَدُلُّ عَلى النَّسخ، وإمَّا لحديثِ اخْتِلَافِ
المُتَبَابِعَينِ، فَإِنَّه يَقْتَضِي الحَاجَةَ (١٥١/٦م) إلى اليَمِينِ، وذلك يَستَلزِمُ لُزُومَ
العَقدِ، ولَو ثَبَتَ الخِيَارُ لَكَانَ كَافِيًا في رَفع العَقدِ عِندَ الاختِلَافِ، حَكَاه الشَّيخُ
تَقِيُّ الدِّينِ(٢)، وقال: وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، أَمَّا النَّسخُ لِأجلِ عَمَلِ أهلِ المَدِينَةِ،
فَقَد تَكَلَّمِنَا عَلَيه، والنَّسُ لَا يَثبُتُ بِالإِحْتِمَالِ، ومُجَرَّدُ المُخَالَفَةِ لَا يَلَزَمُ أن
يَكُونَ لِلنَّسْخِ(٣)، لِجَوازٍ أَن يَكُونَ لِتَقْدِيمِ دَلِيلٍ آخَرَ رَاجِحٍ في ظَنِّهم عِندَ تَعَارُضٍ
الأدِلَّةِ عِندَهَم، وأمَّا حَدِيثُ اختِلَافِ المُتَبَايِعَينِ (٤)، فَالاِسْتِدِلَالُ به ضَعِيفٌ جِدًّا؛
لِأنَّه مُطلَقٌ أو عَامٌّ بِالنِّسَبَةِ إلى زَمَنِ التَّفَرُّقِ وَزَمَنِ المَجلِسِ، فَيُحمَلُ عَلى مَا بَعدَ
التَّفَرُّقِ، ولَا حَاجَةَ إِلى النَّسخ، والنَّسخُ(٥) لَا يُصَارُ إلَيه إلَّا عِندَ الضَّرُورَةِ.
انتَھَی.
ثَالِثُها: أنَّ المُرَادَ بِالمُتَبَايِعِينَ: المُتَسَاوِمَانِ(٦)، والمُرَادُ بِالخِيَارِ خِيَارُ القَبولِ،
فَإِنَّ المُشتَرِيَ بَعدَ إِيجَابِ البَائِعِ، إن شَاءَ قَبِلَ وإن شَاءَ لَم يَقبَل، والبَائِعُ لَه
الرُّجُوعُ عن الإِيجَابِ مَا لَم يَقبَل المُشتَرِي، وهَذَا التَّأْوِيلُ مَحكِيٍّ عن
أبِي(٧) يُوسُفَ، ومُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ (٨)، وعِيسَى بنِ أَبَانَ، وحَكَاه ابنُ خُويزِ مَندَادٍ
عن مَالِكِ؛ ورُدَّ بِأنَّ تَسمِيَةَ المُتَسَاوِمَينِ مُتَبَايِعَينِ مَجَازٌ، والحَملُ عَلى الحَقِيقَةِ
أولى، بَل الحَمِلُ عَلى هَذَا المَجَازِ مُتَعَذِّرٌ، فَإِنَّه جَعَلَ غَايَةَ الخِيَارِ التَّفَرُّقَ، ولَو
كَانَ المُرَادُ خِيَارَ المُتَسَاوِمَينِ لَم يَنقَطِعِ بِالتَّفَرُّقِ، فَإِن حَمَلَ التَّفَرُّقَ عَلى الأقوالِ،
فَهَذَا جَوابٌ آخَرُ سَنَحِكِيه ونَرُدُه. وقَد اعتُرِضَ عَلى هَذَا الرَّدِّ: بِأنَّ تَسمِيَتَهمَا
مُتَبَايِعَينِ بَعدَ الفَرَاغِ مَجَازٌ أيضًا. وجَوابُه: أنَّه أقرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، بَل هو حَقِيقَةٌ
(٢) إحكام الأحكام (ص٥٠٨).
(١) ليس في: (ح).
(٣)
في (م): ((النسخ)).
هو حديث: ((إذا اختلف البيِّعان، ولو تكن بينة، فالقول قول البائع، أو يترادان البيع))
(٤)
أخرجه أحمد (٤٦٦/١)، والترمذي (١٢٧٠)، وابن ماجه (٢١٨٦) عن ابن مسعود.
(٥)
ليست في (ش).
(٦) في (ش): ((المتساومين)).
(٧) في (ش): ((ابن أبي)).
(٨) في (ش): ((الحسين)).

بَابُ الخِيَارِ في البَيعِ
كير
١٧٩
=
عِندَ بَعضِهم (١ بِخِلَافِ تسميته١) بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، فَإِنَّه مَجَازٌ بِالاِتِّفَاقِ.
رَابِعُها: أنَّ المُرَادَ بِالمُتَبَايِعِينَ: المُتَسَاوِمَانِ (٢)، بِتَقرِيرِ غَيرِ المُتَقَدِّم، وهو
أنَّ(٣) الَّذِي يُرَادُ منه البَيعُ، إن شَاءَ بَاعَ، وإن شَاءَ [١٠٦/٢ظ] لَم يَيع، والَّذِي يُرِيدُ
الشِّرَاءَ قَد يَشتَرِي، وقَد لَا يَشتَرِي، وهَذَا أضعَفُ من الَّذِي قَبلَه، فَإِنَّ هَذَا مَعنَّى
رَكِيٌ، يُصَانُ كَلَامُ الشَّارِعِ من (٤) الحَملِ عَلَيهِ، ولَو صَدَرَ من آحَادِ (٥) النَّاسِ
الأخيَارِ (٦)، بِأنَّ المُتَسَاوِمَينِ إن شَاءَا عَقَدَا الْبَيعَ، وإن شَاءَا لَم يَعِقِدَاه، عُدَّ ذلك
سُخْفًا وحَمَاقَةً، فَكَيفَ يُحمَلُ الحديثُ عَلى ذلك؟
خَامِسُها: أنَّ المُرَادَ: التَّفَرُّقُ (٧) بِالأقوالِ، كَمَا في قَوله تَعَالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا
(٨ُ يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِّنِ سَعَتِهٍ، ٨)﴾ [النساء: ١٣٠]؛ أي: عن النِّكَاحِ.
وأُجِيبَ عنه: بِأَنَّه خِلَافُ الظَّاهرِ، فَإِنَّ السَّابِقَ إلى الفَهم التَّفَرُّقُ عن
المَكَانِ، وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بذلك فيمَا رَواه البَيهَقِيُّ في ((سُنَتِه))(٩) من حَدِيثٍ
عَبدِ الله بنِ عَمرٍو مَرفُوعًا: ((أيُّمَا رَجُلِ ابتَاعَ من رَجُلِ بَيْعَةً، فَإِنَّ كُلَّ (١٥٢/٦م)
واحِدٍ منهمَا بِالخِيَارِ، حَتَّى يَتَفَرَّقَا من مَكَانِهِمَا)). الحَديثَ، ويَدُلُّ لَه فِعلُ رَاوِيه
ابنِ عُمَرَ بِّهَا، فَإِنَّه كَانَ إِذَا اشتَرَى شَيْئًا يُعجِبُه فَارَقَ صَاحِبَه، وفي رِوايَةٍ: كَانَ
إِذَا بَايَعَ(١٠) رَجُلًا، فَأَرَادَ أَن لَا يُقِيلَه، قَامَ فَمَشَى هِنَّة ثم رَجَعَ إلَيه. وقَد تَقَدَّمَ
ذِكرُ الرِّوايَتَينِ، وهمَا في ((الصَّحِيحَينِ)) (١١)، وهمَا صَرِيحَتَانِ(١٢): في أنَّ المُرَادَ
التَّفَرُّقُ عن المَكَانِ. ورَوى الشَّافِعِيُّ (١٣) عن ابنِ عُيَينَةَ، عن عَبدِ الله بنِ طَاوُسٍ،
عن أبيه قال: ((خَيَّرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ رَجُلًا بَعدَ البَيع، فقال الرَّجُلُ: عَمَّرَك الله،
(١ - ١) غير واضحة في الأصل، وفي (م): ((بخلافه)).
(٢) في (م)، والأصل: ((المتساومين)).
(٤) في (ح): ((عن)).
(٦) ليست في (٢٤).
(٨ - ٨) من (م).
(١٠) في الأصل: (باع)).
(١١) في (ح، ش): ((الصحيح))، وتقدم تخريجهما في الفائدة الأولى.
(١٢) في (ش): ((صريحان)).
(١٣) مسند الشافعي (٥٣٦ - شفاء).
(٣) ليست في (ح).
(٥) في (م): ((آحاد)).
(٧) في (ش): ((بالتفرق)).
(٩) السنن الكبرى (٢٧١/٥).

=
١٨٠
M
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ممَّن(١) أنتَ؟ فقال رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((امرُؤٌ من قُرَيشِ)). وكَانَ(٢) أبِي يَحلِفُ: مَا
الخِيَارُ إلَّا بَعدَ البَيع)). ورَواه ابنُ مَاجَه والبَيهَقِيُّ(٣) من حَدِيثِ جَابِرٍ مُتَّصِلًا،
وقال بَعضُهم في الرَّدِّ عَلى أن (٤) الافتِرَاقِ بالكلام(٥): خَيِّرُونَا عن الكَلَامِ الَّذِي
وقَعَ به الإِجْتِمَاعُ، وتَمَّ به البَيعُ، أهو الكَلَامُ الَّذِي أُرِيدَ به الافتِرَاقُ، أمَ غَيرُه؟
فَإِن قَالُوا: هو غَيْرُه. فَقَد جَاؤُوا بِمَا لَا يُعقَلُ؛ لِأَنَّه لَيسَ ثَمَّ كَلَامٌ غَيرُه، وإن
قَالُوا: هو ذلك الكَلَامُ بِعَينِهِ. قِيلَ لَهم: كَيفَ يَجُوزُ أن يَكُونَ الكَلَامُ الَّذِي به
اجْتَمعا، وتَمَّ به بَيعُهمَا، به (٦) افتَرَقَا، وبه انفَسَخَ بَيْعُهمَا؟ هَذَا مَا لَا يُعقَلُ.
سَادِسُها: أنَّ في ((سُنَنِ أبِي دَاوُد))، وسَكَتَ عَلَيه، والترمذيُّ، وحَسَّنَه،
والنسائيُّ(٧) من حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العَاصِي مَرفُوعًا في هَذَا الحديثِ:
((وَلَا يَحِلَّ لَه أن يُفَارِقَ صَاحِبَه خَشِيَةَ أن يَستَقِيلَه)). فَاستَدَلَّ بهذِهِ الزِّيَادَةِ عَلى عَدَمِ
ثُبُوتِ خِيَارِ المَجلِسِ، من حَيثُ إِنَّه لَولَا أنَّ العَقدَ لَازِمٌ لَمَا احتَاجَ إلى استِقالةٍ(٨)،
ولَا طَلَبَ الفِرَارَ من الاستقالةِ.
وجوابُه من وجهَینِ :
أحَدُهمَا: أنَّ قَولَه: ((لَا يَحِلُّ)) لَفِظَةٌ مُنكَرَةٌ. فَإِن صَحَّت، فَلَيسَت عَلَى ظَاهرِها،
لِإِجمَاعِ المسلمِينَ أنَّه (٩) جَائِزٌ لَه أن يُفَارِقَه لِيَنْفُذَ بَيْعُه، ولا يُقِيلَه إلَّا أن يَشَاءَ.
ثَانيهما: أنَّه أرَادَ بِالإقالةِ هنَا: الفَسَ بِحُكم الخِيَارِ، فَإِنَّ الَّذِي يَنقَطِعُ
بِالمُفَارَقَةِ. أمَّا طَلَبُ الإقالةِ بِالاختيارِ، فَلَا فَرَقَ فيه بَيْنَ أن يَتَفَرَّقَا أم لَا، فَإِنَّ ذلك
إِنَّمَا يَكُونُ بِالرِّضَا منهمَا (١٠)، وهو جَائِزٌ بَعدَ التَّفَرُّقِ.
في (ش): ((من)).
(١)
(٢) في (ح، ش): ((فكان)).
ابن ماجه (٢١٨٤)، والبيهقي في الكبرى (٢٧٠/٥).
(٣)
(٤)
ليست في (م).
(٥) زيادة من (ش).
(٦)
ليس في: (ش).
أبو داود (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي (٤٤٩٥).
(٧)
(٨) في (ك٢، ش): ((الاستقالة)).
(١٠) في الأصل: ((منها)).
(٩) في (ش): ((على أنه)).