Indexed OCR Text
Pages 141-160
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والزُّخصَةِ في العَرَايَا التى ١٤١ = قال البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(١)، بَعدَ نَقلِه هَذَا عن بَعضٍ مَن يُسَوِّي الأخبَارَ عَلى مَذْهَبه: قَد عَرَفَنَا (١٢٧/٦م) بِتلكَ(٢) الأخبَارِ نَهيَه عن بَيع الثِّمَارِ قَبلَ أن تَكُونَ(٣)، وعَرَفَنَا (٤) بهذِهِ الأخبَارِ نَهيَه عن بَيْعِها مُطلَقًّا، إذَا كَانَت مَا لَم يَبْدُ(٥) فيها الصَّلَاحُ بِمَا يُوجَدُ بَعدَ(٦) أن تَكُونَ(٧) الثِّمَارُ عِدَّةً، فقال: ((حَتَّى تَزهو))، وقال في رِوايَةٍ جَابِرٍ: ((حَتَّى تُشَفِّحَ)). قِيلَ: ((ومَا تُشَفِّحُ؟)). قال: ((تَحمَارُّ أو تَصفَارُّ، ويُؤْكَلُ منها)). وقال في رِوايَةٍ أُخرَى عن جَابِرِ: ((حَتَّى تَطِيبَ)). وفي ذلك دَلَالَةٌ عَلى أنَّ حُكمَ الثِّمَارِ بَعدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فيها في البيعِ خِلَافُ (٨) حُكمِها قَبلَ أن يَبْدُو الصَّلَاحُ فيها؛ [فيجوز بيعها بعد بدو الصلاح فيها](٩) مُطلَقًّا، ولَا يَجُوزُ قَبلَه إلَّا بِشَرطِ القَطعِ. والله أعلم. انتَهَى. الجَوابُ الثَّاني: أنَّ النَّهِيَ هنَا لَيسَ لِلنَّحرِيم، وإنَّمَا هو عَلى سَبِيلِ التَّنْزِيه والأدَبِ والمَشُورَةِ عَلَيهم، لِكَثرَةِ مَا كَانُوا يَخْتَصِمُونَ إلَيه فيه. وهَذَا مَردُودٌ، والأصلُ في النَّهي التَّحرِيمُ حَتَّى يَصرِفَه عن ذلك صَارِفٌ، ووافَقَ بَعضُ الحَنَفيةِ الجُمهورَ عَلى بُطلَانِ البَيعِ قَبلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ من غَيرِ شَرطِ، اتِّبَاعًا لِلحديثِ، وإِلَيه ذَهَبَ قَاضِي خَانَ(١٠). واَعلَم أنَّ مَحَلَّ المَنعِ عِندَ أصحَابِنَا مَا إذَا كَانَت الشَّجَرَةُ ثَابِتَةً (١١)، فَإن كَانَت مَقْطُوعَةً صَحَّ بَيْعُ ثَمَرَتِها مُطلَقًا؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَبقَى عَلَيها؛ فَقَبِضُه (١٢) كَشَرطِ القَطْعِ. (١) معرفة السنن والآثار (٣٢٣/٤). (٢) في (م)، الأصل، (ح): ((بذلك))، والمثبت موافق للمطبوع، وللسياق. (٣) في (م): ((یکون)» . (٤) في (ش): ((وعرفهما)). (٥) في (م): ((يبدو)). (٦) ليست في (ش). (٧) في (ش): ((یکون)). (٨) ليست في (ش). (٩) ما بين المعكوفين ليس في: (م)، والأصل. (١٠) هو: الحسن بن منصور بن محمود البخاري، الأوزجندي، نسبة إلى أوزجند بنواحي أصبهان، فخر الدين، أبو المحاسن، قاضي خان، العلامة، شيخ الحنفية، صاحب التصانيف، توفي سنة (٥٩٢هـ). سير أعلام النبلاء (٢٣١/٢١)، الجواهر المضية (٥٠٧). (١١) في (ش): ((نابتة)). (١٢) في (ش): ((فتصير)). ١٤٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الرَّابِعَةُ: ذَهَبَ القَفَّالُ(١) من أصحَابِنَا إلى جَوازٍ بَيعِ الثَّمَرَةِ قَبلَ بُدُوِّ صَلَاحِها من غَيرِ شَرطِ فِي صُورَةٍ، وهيَ مَا إذَا كَانَتِ الْكُرُومُ في بِلَادٍ شَدِيدَةِ البَردِ، بِحَيثُ لَا تَنْتَهي (٢) ثِمَارُها إلى الحَلَاوةِ، واعتَادَ أهلُها قَطَعَه حِصرِمًا، ويَكُونُ المُعتَادُ كَالمَشرُوطِ. ومَنَعَ أكثَرُ أصحَابِنَا البَيعَ في هَذِهِ الصُّورَةِ؛ كَغَيرِها من الصُّورِ، ولَم يَكْتَفُوا(٣) بهذِهِ العَادَةِ، بَل لَا بُدَّ من التَّصْرِيحِ بِاشْتِرَاطِ القَطعِ. والله أعلمُ. ] الخَامِسَةُ: ذَهَبَ بَعضُ الفُقَهاءِ من أصحَابِنَا، والمَالِكِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ إلى جَوازِ البَيعِ مُطلَقًّا قَبلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ في صُورَةٍ أُخرَى، وهيَ أن تَكُونَ الأشجَارُ لِلْمُشْتَرِي، بِأن يَبِيعَ إنسَانٌ شَجَرَةً، وتَبقَى الثَّمَرَةُ لَه، (٤ثم يَبِيِعَه الثَّمَرَة٤َ)، أو يُوصِيَ لإِنسَانِ بِالثَّمَرَةِ، فَيَبِيعَها لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ. وهَذَا هو المَشهورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ، ووقَعَ لِلنَّووِيِّ في ((الرَّوضَةِ))(٥) في كِتَابِ المُسَاقَاةِ تَصحِيحُه، لَكِن قال أكثَرُ أصحَابِنَا: لَا بُدَّ من شَرطِ القَطع في هَذِهِ الصُّورَةِ أيضًا، ولَكِن لَا يَلزَمُه الوفَاءُ بِالشَّرطِ هنَا، بَل لَه الإبقَاءُ؛ إذ لَا مَعنَى لِتَكَلِيفِه قَطْعَ ثِمَارِه عن أشجَارِهِ، وقال بِالْبُطْلَانِ(٦) فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِندَ عَدَمِ شَرطِ القَطعِ من المَالِكِيَّةِ: ابنُ عَبدِ الحَكَمِ وابنُ دِينَارٍ . ■ السَّادِسَةُ: حَمَلَ الفُقَهاءُ من المَذَاهبِ الأربَعَةِ المَنعَ من بَيع الشجرةِ (٧) قَبلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلى مَا إذَا (١٢٨/٦م) بَاعَها مُفرَدَةً عن الأشجَارِ، فَإن بَاعَها مع الأشجَارِ صَحَّ مُطلَقًا من غَيرِ شَرطِ القَطع (٨). بَل قال أصحَابُنَا: لَا يَجُوزُ شَرطُ القَطعِ(٩) في هَذِهِ الصُّورَةِ، وأنكَرَ ذلك ابنُ حَزم الظَّاهرِيُّ(١٠)، وبَشَعَ في إنكَارِهِ. وهو مَرَدُودٌ، والحَقُّ مَا قاله الجُمهورُ، وأيُّ مَعنَى لِلِقَطع، والأشجَارُ لَيسَت بَاقِيَةً لِلْبَائِعِ، بَل هِيَ مَبِيعَةٌ (١١) لِلمُشتَرِي. (١) ينظر: الشرح الكبير (٦٤/٩). (٣) في (ح): ((يلتفتوا)). (٥) روضة الطالبين (٢٣٨/٤). (٧) في (م): ((الثمرة)). ليس في: (٢٥). (٩) (١١) في (ح، ك٢): ((متبعة). (٢) في (ح): ((ينتهي)). (٤ - ٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). (٦) في (ك٢): ((ابن بطال)). (٨) ليست في (ك٢). (١٠) المحلى (٤٢٤/٨، ٤٢٥). == ١٤٣ بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا السَّابِعَةُ: مُقْتَضَى قَولِهِ: ((حَتَّى يَبدُو [١٠٠/٢و] صَلَاحُها)). جَوازُ بَيْعِها بَعدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مُطلَقًّا، وبِشَرطِ القَطع وبِشَرطِ التَّبِقِيَةِ؛ لِأَنَّ مَا بَعدَ الغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبلَها، وقَد جَعَلَ النَّهيَ مُمتَدًا إلى غَايَةِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ(١). والمَعنَى فيه: أنه (٢) تُؤْمَنُ فيها العَاهَةُ، وتَغْلِبُ السَّلَامَةُ، فَيُوثَقُ بِحُصُولِها لِلمُشتَرِي، بِخِلَافِ مَا قَبلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وهَذَا مَذهَبُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، والجُمهورِ (٣). وقال أبو حَنيفَةَ: لَا يَصِحُّ بَيعُها في هَذِهِ الحَالَةِ بِشَرطِ التَّقِيَةِ، فَسَوى بَينَ مَا قَبلَ بُدُوِّ(٤) الصَّلَاحِ ومَا بَعدَه. وقَد فَرَّقَ في الحديثِ بَينَ الحَالَتَينِ، وغَايَرَ بَينَ حُكمِهِمًا، وحَكَى النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(٥) عن أبِي حَنِيفَةَ: أَنَّه أوجَبَ شَرطَ القَطع في هَذِهِ الصُّورَةِ. وَلَيسَ كَذلكَّ، فَإِنَّه (٦) لَم يُوجِبه لَا قَبلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ولَا بَعدَه، كَمَا تَقَدَّمَ، بَل صَخَّحَ(٧) البَيْعَ حَالَةَ الإطلَاقِ فيهمَا، وأبطَلَه حَالَةَ شَرطِ الثَّقِيَةِ فيهمَا، كَمَا تَقَدَّمَ، وقال في حَالَةِ الإطلاقِ: يَجِبُ عَلى المُشتَرِي قَطعُها في الحَالِ تَفْرِيغًا لِمِلكِ الْبَائِعِ، فَإِن تَرَكَها بِإذنِه طَابَ لَه، وإن تَرَكَها بِغَيرِ إذنِهِ تَصَدَّقَ بِمَا زَادَ لِحُصُولِهِ بِجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ، وإن تَرَكَها بَعدَ مَا تَنَاهَى عِظَمُها لَم يَتَصَدَّق بِشَيءٍ؛ لِأَنَّ هَذَا تَغَيُّرُ (٨) حَالَةٍ لَا تُحَقِّقُ زِیَادَةً. ■ الثَّامنةُ: لَا يَخْتَصُّ هَذَا الحُكمُ بِالنَّخلِ، بَلِ سَائِرُ الأشجَارِ كَذلك في جَوازٍ بَيعِ ثَمَرَتِها بَعدَ بُدُوِّ صَلَاحِها مُطلَقًّا، وبِشَرطِ القَطع، وبِشَرطِ التَّبِقِيَةِ، وامتِنَاعِه قَبلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ إلَّ بِشَرطِ القَطعِ، مع كَونِهِ مُنتَفِعًا به عَلى مَا تَقَدَّمَ. ■ التَّاسِعَةُ: قال الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم: لَا يُشتَرَطُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ في (١) بعدها في (ش): ((مطلقًا، وبشرط القطع)). (٢) في (م): ((أن)) . (٣) ينظر: الإفصاح (٣٧٨/١). (٤) ليس في: (ش). (٥) شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٨٢). (٦) في (ح): ((فإن)). (٨) في (م، ح): ((لغير))، وفي (ش): ((بغير). (٧) في (م)، والأصل: ((صحح النووي)). = ١٤٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ كُلِّ عُنْقُودٍ، بَل إِذَا بَاعَ ثَمَرَةَ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ بَدَا الصَّلَاحُ في بَعضِها، كَانَ كَمَا لَو بَدَا في كُلُّها، حَتَّى يَصِحَّ بَيْعُها من غَيرِ شَرطِ القَطعِ، ولَو بَاعَ ثِمَارَ أشجَارٍ بَدَا الصَّلَاحُ في بَعضِها نُظِرَ، إن اختَلَفَ الجِنسُ، لَم يُغَيِّرِ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي جِنسٍ حُكَمَ جِنسٍ آخَرَ؛ فَلَو بَاعَ رُطَبًا وعِنَبًا بَدَا الصَّلَاحُ في أَحَدِهِمَا فَقَط، وجَبَ شَرطُ القَطعِ في الآخَرِ. وإن اتَّحِد الجِنسُ: فَفيه تَفْصِيلٌ، أمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَإِنَّهم سَووا بَيْنَه وبَينَ بَيْعِ نَخْلٍ عَلَيه ثَمَرَةٌ قَدْ أُبُرَ بَعضُها دُونَ بَعضٍ (١٢٩/٦م)، فَقَالُوا(١): مَا لَم يَبدُ(٢) صَلَاحُه تَبَعٌ لِمَا بَدَا صَلَاحُه بِشَرطِ اتِّحَادِ الصَّفْقَةِ والبُستَانِ دُونَ النَّوعِ عَلى مَا تَقَّدَّمَ فيه من(٣) الخِلَافِ عِندَهم؛ وقال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ (٤): إذَا غَلَبَ صَلَاحُ نَوعِ في بُستَانٍ جَازَ بَيعُ جَمِيعِه. وعنه رِوايَةٌ أُخرَى: أنَّه لَا يُبَاعُ منه إلَّا مَا بَدَا صَلَاحُه. واختَلَفَ أصحَابُه في بَيعِ مَا لَم يَبْدُ صَلَاحُه(٥) منه عَلى انفِرَادِهِ عَلى وجهَينٍ. والمَشهورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ (٦): أَنَّه لَا يُشتَرَظُ اتِّحَادُ النَّوعِ ولَا البُستَانِ، بَل يُبَاعُ بِطِيبٍ(٧) الحَوائِطِ المُجَاوِرَةِ لَه. وعَلَّلُوه: بِأنَّ الكُلَّ في مَعنَى الحَائِطِ الواحِدِ، فَإِنَّه لَو هَدَمَ الجِدَارَ الفَاصِلَ صَارَ الجَمِيعُ حَائِطًا واحِدًا، لَكِنَّ شَرطَه أن يَكُونَ(٨) طِيبُهُ مُتَلَاحِقًا، فَلَو كَانَ الَّذِي طَابَ نَوعًا يُبَكِّرُ (٩) جِدًّا لَم يُلحَق به غَيرُه. وقِيلَ: يُشتَرَطِ اتِّحَادُ البُستَانِ. وقال القَاضِي أبو الحَسَنِ: يُلحَقُ به حَوائِطُ البَلَدِ كُلُّها . قال ابنُ شَاسِ في ((الجَواهِرِ))(١٠): وهَذَا القَولُ يَرجِعُ إلى (١١) إِقَامَةٍ وقتٍ(١٢) بُدُوِّ (١) الشرح الكبير (٧٠/٩). ليست في (ش). (٣) (٥) لیس في: (ش). ينظر: البيان والتحصيل (٢٤٤/٧). (٦) في (ش): ((رطب)). (٧) في (ح): ((تكون)). (٨) (٩) في (ش): ((ینکر)). (١٠) عقد الجواهر (٣٩٦/٢). (١١) ليست في (ش). (١٢) ليست في (ش). (٢) في الأصل: (يبدو)). (٤) المغني (١٥٦/٦). = بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا ١٤٥ الصَّلَاحِ مَقَامَ نَفسِه. ولَو كَانَت الأشجَارُ مِمَّا تُطِعِمُ بَطَنَينِ فِي السَّنَّةِ: فَفي جَوازٍ بَيْعِ الْبَطنِ الثَّانِي بِبُدُوِّ صَلَاحِ (١) الأولِ قَولَانِ: المَشهورُ منهمَا(٢) المَنعُ. هَكَذَا ذَكَرَ المَالِكِيَّةُ(٣) المَسأَلَةَ. والله أعلم. العَاشِرَةُ: قال أصحَابُنَا(٤): يَحصُلُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ بِظُهورِ النُّضجِ، ومَبَادِئٍ الحَلَاوةِ، وَزَوالِ العُفُوصَةِ (٥)، أو (٦) الحُمُوضَةِ المُفرِطَتَينِ، وذلك فيمَا لَا يَتَلَونُ، بِأن يَتَمَوهَ ويَلِينَ، وفيمَا يَتَلَونُ بِأن يَحمَرَّ، أو يَصفَرَّ، أو يَسودَّ. قَالُوا: وهَذِهِ الأوصَافُ، وإن (٧) مُرِفَ بها بُدُوُّ الصَّلَاحِ، فَلَيسَ واحِدٌ منها شَرطًا فيه؛ لِأنَّ القِئَّاءَ لَا يُتَصَورُ فيه شَيءٌ منها، بَل يُستَطَابُ أكلُه صَغِيرًا وكَبِيرًا، وإنَّمَا بُدُوُّ صَلَاحِه أن يَكبُرَ بِحَيثُ يُجَنَى في الغَالِبِ ويُؤكّلُ، وإِنَّمَا يُؤكَلُ في الصِّغَرِ عَلى النُّدُورِ، وكَذَا الزَّرِعُ لَا يَتَصَورُ فيه شَيءٌ [١٠٠/٢ظ] منها (٨) بِاشْتِدَادِ الحَبِّ. وقال البَغَوِيّ: بَيعُ أورَاقِ القُّوتِ قَبلَ تَنَاهيها لَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرطِ القَطع، وبَعدَه يَجُوزُ مُطلَقًّا وبِشَرطِ القَطع. والعِبَارَةُ الشَّامِلَةُ أن يُقال: بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي هَذِهِ الأشْيَاءِ صَيْرُورَتُها إلى الصِّفَةِ الَّتِي تُطلَبُ غَالِبًا لِكَونِها عَلى تِلكَ الصِّفَةِ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُه: ((نَهَى البَائِعَ والمُشتَرِيَ)). تَأْكِيدٌ لِمَا فيه من بَيَانِ أنَّ البَيعَ، وإن كَانَ فيهِ مَصلَحَةُ الإنسَانِ، فَلَيسَ لَه أن يَرتَكِبَ (٩) المَنھيَّ عنه فیه، ويَقُولُ: أسقَطت حَقِّي من اعتِبَارِ المَصلَحَةِ. فَإِنَّ المَنعَ لِمَصلَحَةِ المُشتَرِي؛ لِأَنَّ الثِّمَارَ قَبلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مُعَرَّضَةٌ لِطَوارِئٍ (١٠) العَاهاتِ عَلَيها، فَإِذَا طَرَأْ عَلَيها شَيءٌ (١) في (ش): ((الصلاح)). (٣) ليست في (ش). (٤) الشرح الكبير (٧٢/٩، ٧٣). (٥) العفوصة: المرارة. القاموس المحيط (ع. ف. ص). (٦) في (ش): ((و)). بعدها في (ك٢، ش): ((بدو صلاحه)). (٨) (٩) في (ش): ((یرکب)). (٢) في (ش): ((فيهما)). (٧) في (م): ((فإن)). (١٠) في الأصل، (ح): ((لطرء))، وفي (ك٢): (لطرو))، وفي (ش): ((الطرق)). ١٤٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ منها حَصَلَ (١٣٠/٦م) الإجحَافُ لِلمُشتَرِي(١) في الثَّمَنِ الَّذِي بَذَلَه، ومع هذا(٢) فَقَد مَنَعَه الشَّرِعُ(٣)، ونَهَى المُشتَرِيَ كَمَا نَهَى البَائِعَ، وكَأنَّه قَطَعَ بذلك النِّزَاعَ والتَّخَاصُمَ. والله أعلمُ. ■ الثّانيةَ عَشرَةَ: اسْتَدَلَّ به البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِه)) (٤) عَلى جَوازٍ بَیع الثَّمَرَةِ بَعدَ بُدُوِّ صَلَاحِها، ولَو كَانَت مِمَّا تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ. وقال: فَلَم يُحَذِّر(٥) البَيعَ بَعدَ الصَّلَاحِ عَلى أحَدٍ، ولَم يَخُصَّ مَن وجَبَت عَلَيه الزَّكَاةُ مِمَّن لَم تَجِب عَلَيه. قُلتُ: ولِلشَّافِعِيِّ في بَيْعِ الثَّمَرِ (٦) الزَّكَوِيِّ قَبلَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ ثَلَاثَةُ أقوالٍ: البُطلَانُ في الجَمِيعِ؛ والصِّحَّةُ في الجَمِيعِ؛ والأظهَرُ: البُطلَانُ في قَدرِ الزَّكَاةِ، والصِّحَّةُ في البَاقِيِ(٧)؛ فَمَن أبطَلَ البَيعَ، إِمَّا في الجَمِيعِ، وإمَّا في قَدرِ الزَّكَاةِ، فَلِمَعنّى آخَرَ، وهو تَعَلُّقُ حَقِّ الأصنَافِ بها(٨)، كَمَا يَبطُلُ البَيعُ في الثِّمَارِ بَعدَ بُدُوِّ (٩الصَّلَاحِ بها٩) إذَا كَانَت مَزهوةً (١٠) كَسَائِرِ المَزهواتِ(١١)، والمَنْعُ في الحديثِ لِمَعنّى، وهو تَعَرُّضُها لِلآفَاتِ، وذلك يَزُولُ غَالِبًا بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَإِذَا كَانَ فيها بَعدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مَانِعٌ آخَرُ من الصِّحَّةِ لَم يَصِحَّ الاستِدلَال بهذا الحديثِ عَلى الصِّحَّةِ؛ لِمَا فيه من إلغاء(١٢) ذلك المَانِعُ. والله أعلَمُ بالصواب(١٣). في (ش): ((بالمشتري)». (١) (٣) في (ش): (للشرع)). البخاري كتاب الزكاة، باب (٥٨) على حديث (١٤٨٦). (٤) كذا في النسخ، وفي مصدر التخريج: ((يحظر)). (٥) (٦) في النسخ: ((المال)). (٨) في (ش): (به)). (١٠) في (ح): ((مرهونة)). (١١) في (ح، ش): ((المرهونات)). (١٢) من (ش). (١٣) من (ش). (٢) ليست في: (م)، والأصل. (٧) في (ش): ((الثاني)). (٩ - ٩) في (ح): ((صلاحها)). بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا كجمـ ١٤٧ 5 = الحديثُ الثَّالِثُ ج وعنه: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى عن المُزَابَنَةِ. والمُزَابَنَةُ بَيعُ الثَّمَرِ(١) بالثّمرِ (٢) گیلًا، وبیعُ الگرمِ بِالزَّبِیبِ گبلا)». الحديثُ الرَّابِعُ جَ وعنْ سَالِم، عن أبيه: «نَهَى رَسُولُ اللهِوَّهِ عِن بَيعِ الثَّمَرِ(٣) بِالثَّمرِ (٤)). قال سُفََّانُ: ((كَذَا حَفِظْنَا(٥): الثَّمَرِ (٦) بِالتَّمرِ(٧). وأَخْبَرَهم زَيدُ (٨ابنُ ثَابِت٨ٍ): ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ رَخَّصَ فِي العَرَايَا)). (١٣١/٦م) الحديثُ الخَامِسُ وعنْ نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ، عن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهـ أرخَصَ لِصَاحِبٍ العَرِبَّةِ أن يَبِيعَها بِخَرصِها من الثَّمرِ)). فيه فوائد: ■ الأُولى: الحديثُ الأولُ: أخرَجَه الشَّيخَانِ، والنسائيُّ(٩) من هَذَا الوجه (١) في الأصل، (ك٢، ش): ((التمر)). والمثبت أصح؛ قال النووي في شرح مسلم (١٨٣/١٠): ((الأول الثمر بالثاء المثلثة، والثاني التمر بالمثناة. ومعناه: الرطب بالتمر)). (٢) في (ش): ((الثمر)). (٣) في (ش): ((التمر)). (٤) في (ح): ((بالتمرة)). (٥) في (م): ((حفظناه)). والمثبت كما في المسند (٨/٢). (٦) في الأصل، (ش): ((التمر)). (٨ - ٨) ليست في (٢٤، ش). (٧) في (ش): ((بالثمر)). (٩) البخاري (٢١٧١)، ومسلم (٧٢/١٥٤٢)، والنسائي (٤٥٤٨). M ١٤٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ من طَرِيقِ مَالِكٍ. وأخرَجَه مسلمٌ(١) من طَرِيقِ عُبَيدِ (٢) الله بنِ عُمَرَ، بِلَفِظِ: (ثَمَرُ النَّخلِ)). ويِلَفِظِ: ((العِنَبِ)). وبِزِيَادَةِ(٣): ((و(٤) بَيعِ الزَّرِعِ بِالحِنطَةِ كَيلًا))، وفي لَفِظِ لَه: ((وعن كُلِّ تَمرٍ بِخَرصِه)). وأخرَجَه أبو دَاوُد(٥) بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وأخرَجَه الشَّيخَانِ، والنسائيُّ (٦) من رِوايَةِ أَيُّوبَ السَّختياني، بِلَفِظِ: ((والمُزَابَنَةُ: أن يُبَاعَ مَا في رُؤُوسِ النَّخلِ (٧ بِتَمرٍ مَكِيلٍ(٧) مُسَمَّى، إن زَادَ فَلِيَ، وإن نَقَصَ فَعَلَيَّ)). هذا (٨) لَفظُ مسلمٍ والنسائيُّ، وقال البُخَارِيُّ: ((أن يَبِيعَ الثَّمرَ بِكَيلٍ)). وأخرَجَه(٩) الشَّيخَانِ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(١٠) من رِوايَةِ الليثِ بنِ سَعدٍ، بِلَفِظِ: ((أن يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِه، إن كَانَت نَخْلًا، بِتَمْرٍ (١١) كَيلًا، وإن كَانَ كَرِمًا، أن يَبِيعَه بِزَبِيبٍ كَيلًا، وإن كَانَ زَرعًا، أن يَبِيعَه بِكَيلٍ طَعَامِ، نَهَى عن ذلك كُلِّه)). وأخرَجَه مسلمٌ(١٢) أيضًا من رِوايَةٍ مُوسَى بنِ عُقبَةَ، ويُونُسَ بنِ يَزِيدَ، والضَّخَّاكِ بنِ عُثمَانَ، ولَم يَسُقَ (١٣) لَفَظَهم. كُلُّهم عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ. والحديثُ الثَّاني: أخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(١٤) من هَذَا الوجه من حَدِيثٍ سُفِيَانَ بِنِ عُيَيْنَةَ، بِلَفِظِ: قال ابنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ (١٣٢/٦م): ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَخَّصَ فِي بَيعِ العَرَايَا)). وأخرَجَه الشَّيخَانِ(١٥) من رِوايَةٍ عُقَيلِ بنِ أَخَالِدٍ، بِلَفِظِ: ((رَخَّصَ بَعدَ ذلك في بَيعِ العَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أو بِالثَّمرِ، ولَم يُرَخِّص في غَيرِه). كِلَاهمَا (١٦) عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمِ، عن أبِيه. (١) مسلم (١٥٤٢/ ٧٣، ٧٤). في الأصل: ((وزيادة)). (٣) (٥) أبو داود (٣٣٦١). (٦) البخاري (٢١٧٢)، ومسلم (٧٥/١٥٤٢)، والنسائي (٤٥٤٧). (٧ - ٧) في (ش): ((بثمر بكيل)). (٩) في (م) ((وأخرج)). (١٠) البخاري (٢٢٠٥)، ومسلم (٧٦/١٥٤٢)، والنسائي (٤٥٦٣)، وابن ماجه (٢٢٦٥). (١٢) مسلم (١٥٤٢). (١١) في (ش): (ثمر))، وكذا أخواتها. (١٣) في (ش): ((يسبق)). (١٥) البخاري (٢١٨٣)، ومسلم (٥٩/١٥٣٩). (١٦) في (ش): ((كذا)). (٢) في (ش): ((عبد)). (٤) من الأصل، (ش). (٨) من (ش) .. (١٤) مسلم (٥٧/١٥٣٤)، والنسائي (٤٥٤٥). طي ١٤٩ بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا = والحديثُ الثَّالِثُ: اتَّفَقَ [١٠١/٢و] عَلَيه الشَّيخَانِ(١) من هَذَا الوجه من طَرِيقٍ مَالِكٍ. واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ أيضًا، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (٢) من رِوايَةٍ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنصَارِيِّ. لَفِظُ البُخَارِيِّ: ((رَخَّصَ النبيُّ نَّهِ أَنْ تُبَاعَ العَرَايَا بِخَرصِها تَمرًا)). ولَفظُ مسلم: «رَخَّصَ في العَرِيَّةِ، يَأْخُذُها أهلُ البَيتِ بِخَرصِها تَمرًا، يَأْكُلُونَها رُطَبًا)). وفي لَفِظِ لَه: ([والعَرِيَّةُ: النَّخِلَةُ تُجعَلُ لِلقَومِ، فَيَبِيعُونَها بِخَرصِها ثَمْرًا)). وفي لَفِظِ لَه: ((رَخّصَ في بَيعِ العَرِيَّةِ](٣) بِخَرصِها تَمرًا)). قال يَحيَى: العَرِيَّةُ: أن يَشتَرِيَ الرَّجُلُ تمرَ(٤) النَّخَلَاتِ لِطَعَامِ أهلِه رُطَبًا بِخَرصِها تَمْرًا(٥). واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ أيضًا، والترمذيُ (٦) من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّختياني، بِلَفِظِ: (رَأَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرصِها)). وأخرَجَه البُخَارِيُّ(٧) من طَرِيقِ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، بِلَفِظِ: ((رَأَخَّصَ في العَرَايَا أن تُبَاعَ بِخَرصِها كَيلًا)). وقال مُوسَى بنُ عُقبَةَ: والعَرَايَا نَخَلَاتٌ مَعلُومَاتٌ، يَأتيها فَيَشتَرِيها. وأخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ (٨) من حَدِيثٍ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَر؛ خَمسَتُهم عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ ﴿ُهَا. وأخرَجَه الترمذيُّ(٩) من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ إسحَاقَ، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ، عن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ ﴿ه: ((أنَّ النبيَّ لَّهَ نَّهَى عن المُحَاقَلَةِ، والمُزَّابَنَةِ، [إلَّا أنَّه قَد أذِنَ لِأهلِ العَرَايَا أن يَبِيعُوها بِمِثلِ خَرصِها)). قال الترمذيُّ: هَكَذَا رَوى مُحَمَّدُ بنُ إسحَاقَ هَذَا الحديثَ، ورَوى أَيُّوبُ، وعُبَيدُ الله بنُ عُمَرَ، ومَالِكُ بنُ أَنَسٍ، عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِّهِ نَهَى عن المُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَةِ))](١٠). وبهذا الإسنَادِ، عن ابنِ عُمَرَ، عن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، عن النبيِّ وَّهِ: ((أَنَّه(١١) رَأَخَّصَ في العَرَايَا)). وهَذَا أَصَحُ من حَدِيثٍ مُحَمَّدٍ بنِ إِسحَاقَ. وقال والِدِي كَُّ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): في البخاري (٢١٨٨)، ومسلم (٦٠/١٣٥٩). (١) البخاري (٢٣٨٠)، ومسلم (٦١/١٥٣٩)، والنسائي (٤٥٥٣)، وابن ماجه (٢٢٦٩). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). (٣) (٥) في (ش): ((ثمر)). البخاري (٢١٩٢). (٧) (٩) الترمذي (١٣٠٠). (١١) في (ش): ((أنه قال)). (٤) في (م): ((ثمر)). (٦) الترمذي (١٣٠٢). (٨) مسلم (٦٤/١٥٣٩)، والنسائي (٤٥٥٢). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). ١٥٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ((الصَّحِيحَينِ)) مَا يَشهَدُ لِرِوايَةِ ابنِ إسحَاقَ، وهو قَولُه في حَدِيثِ سَالِم، عن أبِيه، عن زَيدِ: ((وَلَم يُرَخِّص في غَيرِه). قال: فَقَول زَيدِ: ((و(١)لَم يُرَخِّصَ في غَيرِه). هو النَّهيُ عن المُزَابَةِ. ■ الثَّانِيةُ: المُزَابَنَةُ، بِضَمِّ المِيمِ، وفَتحِ الزَّايٍ، وبَعدَ الألفِ بَاءٌ مُوحَّدَةٌ مَفتُوحَةٌ، ثم نُونٌ، مُشتَقَّةٌ من الزَّبنِ، وهو المُخَاصَمَةُ والمُدَافَعَةُ، وَقَد فَسَّرَها في الحديثِ بِأنَّها بَيعُ (٢الثَّمَرِ بِالثَّمر٢ِ) كَيلًا، وبَيعُ الكَرمِ (١٣٣/٦م) بِالزَّبِيبِ کَیلاً، والثَّمَرُ(٣) المَذكُورُ أولًا: بِفَتحِ الثَّاءِ المُثَلَّثَةِ والمِيمِ، والثَّاني: بِفَتْحِ التَّاءِ المُثَنَّةِ من فَوقَ، وإِسكَانِ المِيمِ. فَالأولُ اسمٌ لَه وهو رُطَبٌ عَلى رُؤُوسِ النَّخلِ، والثَّاني اسمٌ لَه بَعدَ الجُدَادِ (٤) واليُبسِ. وكَذَا في حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ في ((الصَّحِيحَينِ))(٥). والمُزَابَنَةُ: اشتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمرِ عَلى رُؤُوسِ النَّخلِ، وكَذَا في حَدِيثِ جَابِرٍ (٦). فَإِن كَانَ هَذَا التَّفْسِيرُ مَرفُوعًا، فَلَا إشكَالَ في وُجُوبِ الأخذِ به، وإِن كَانَ مَوقُوفًا عَلى هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ، فَهم رُواةُ الحديثِ، وأعرَفُ بِتَفسِيرِه من غَيرِهم. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): ولَا مُخَالِفَ لَهم عَلِمته، بَل قَد أجمع العُلَمَاءُ عَلى أنَّ ذلك مُزَابَنَةٌ، وكذلك (٨) أجمَعُوا عَلى أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ إلَّا مِثْلًا بِمِثلٍ، أَنَّه لَا يَجُوزُ منه كَيلٌ بِجُزَافٍ، ولا جُزَافٌ بِجُزَافٍ؛ لِأنَّ في ذلك جَهلَ المُسَاواةِ، ولَا يُؤمَنُ مع ذلك التَّفَاضُلُ. قُلتُ: وحَقِيقَتُها الجَامِعَةُ لِأَفرَادِها: بَيعُ الرُّطَبِ من الرِّبَوِيِّ بِاليَابِسِ منه، وفَسَّرَها مَالِكٌ تَذَتُهُ بِأعَمَّ من ذلك، وهو بَيعُ مَجهولٍ بِمَعلُومٍ من صِنفِ ذلك، سَواءٌ كَانَ(٩) مِمَّا يَجُوزُ فيه التَّفَاضُلُ أو لا(١٠)، وجَعَلَه من بَابِ المُخَاطَرَةِ (١) ليس في: (ش). (٢ - ٢) في (ش): ((التمر بالثمر)). (٣) في الأصل: ((التمر)). (٥) البخاري (٢١٨٦)، ومسلم (١٠٥/١٥٤٦). البخاري (٢٣٨١)، ومسلم (١٥٣٦/ ٨٣). التمهيد (٢ / ٣١٤). (٧) (٩) في (ش): ((أكان)). (٤) في (ح، ش): ((الجذاذ)). (٦) (٨) في (م): ((لذلك))، وفي (ش): ((كذا)). (١٠) في (م): ((أصلًا))، وفي (ش): (أم لا)). = ١٥١ بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا والقِمَارِ، وأدخَلَه في مَعنَى المُزَابَةِ، فقال في ((المُوطًّ)(١): وتَفْسِيرُ المُزَابَنَةِ: كُلُّ شَيءٍ من الجُزَافِ الَّذِي لَا يُعلَمُ كَيلُه ولا وزنُه ولَا عَدَدُه أن يُبَاعَ بِشَيءٍ مُسمى(٢) من الكَيلِ أو الوزنِ أو العَدَدِ. وذلك أن يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَه الطَّعَامُ المُصَبَّرُ الَّذِي لَا يُعلَمُ كَيلُه من الحِنطَةِ والثَّمرِ، ومَا أشبَهَ ذلك من الأطعِمَةِ، أو يَكُونُ لِلرَّجُلِ السِّلعَةُ من الحِنطَةِ(٣)، أو النَّوى أو القَصَبِ أو العُصفُرِ، أو الكَرَفسِ(٤)، أو (٥الكَثَّانِ، أو٥) الغَزلِ، أو مَا أشبَهَ ذلك من السِّلَعِ لَا يُعلَمُ كَيلُ شَيءٍ من ذلك ولا وزنُه ولَا عَدَدُه؛ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِرَبِّ تِلكَ السِّلعَةِ: كِل سِلعَتَك. أو: مُر مَن يَكِيلُها. أو: زِن من ذلك مَا يُوزَدُ. أو: اعدُد من ذلك مَا يُعَدُّ، فَمَا نَقَصَ من كَذَا وكَذَا صَاعًا فَعَلَيَّ غُرِمُه، ومَا زَادَ عَلى ذلك فَهو لِي، أضمَنُ مَا نَقَصَ من ذلك الكَيلِ أو الوزنِ أو العَدَدِ، عَلى أن يَكُونَ لِي مَا زَادَ؛ فَلَيسَ ذلك ببيع، ولَكِنَّه الغَرَرُ والمُخَاطَرَةُ والقِمَارُ؛ ومن ذلك أيضًا أن يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَه الثَّوبُ: أضمَنُ لَك من ثَوبِك هَذَا كَذَا وَكَذَا ظهارَةُ(٦) قَلَنسُوةٍ قَدرُ كُلِّ ظهارَةٍ(٧) كَذَا وكَذَا، فَمَا نَقَصَ من ذلك فَعَلَيَّ غُرِمُه [١٠١/٢ظ]، ومَا زَادَ عَلى ذلك فَهو لِي. ثم ذَكَرَ أمثِلَةً أُخرَى. ثم قال: فَهَذَا كُلُّه ومَا أَشبَهَه من الأشياءِ من (١٤٣/٦م) المُزَابَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ (٨). انتَهَى، مع إسقَاطِ بَعضِه اختِصَارًا. وفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ(٩) كَتُهُ المُزَابَنَةَ بِأَنَّه: بَيعُ مَا حَرُمَ فيه التَّفَاضُلُ جُزَافًا بِجُزَافٍ أو مَعلُومًا بِجُزَافٍ أو مع التَّسَاوِي وَلَكِنَّ أحَدَهمَا رُطَبِّ يَنقُصُ إذَا جَفَّ. قال: وأمَّا إذَا قال: أضمَنُ لَك صُبرَتَك هَذِهِ بِعِشْرِينَ صَاعًا، فَمَا زَادَ فَلِي، ومَا نَقَصَ فَعَلَيَّ تَمَامُها. فَهَذَا من القِمَارِ، ولَيسَ من المُزَابَنَةِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١٠): ومَا (١) الموطأ (٦٢٥/٢). في (م): ((مثمر))، والمثبت من النسخ ومصدر التخريج. (٢) (٣) في (ح، ش): ((الخبط)). (٤) في (ش)، ومصدر التخريج: ((الكرسف)). (٥ - ٥) ليس في: (ش). (٧) في (م): ((طهارة)). (٩) الأم (١٣٤/٤). (٦) في (م): ((طهارة)). (٨) في (ش): ((يجوز)). (١٠) التمهيد (٣١٧/٢). = ١٥٢ 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قَدَّمَنَا عن أبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ، وابنِ عُمَرَ، وجَابِرٍ في تَفْسِيرِ المُزَابَةِ يَشْهَدُ لِمَا قاله الشَّافِعِيُّ، وهو الَّذِي تَدُلُّ(١) عَلَيه الآثَارُ المَرفُوعَةُ في ذلك. قال: وَيَشْهَدُ لِقَولِ مَالِكٍ - والله أعلَمُ - أصلُ مَعنَى المُزَابَنَةِ في اللغَةِ؛ لِأَنَّه لَفظُ مَأْخُوذٌ من ((الزَّبنِ)) (٢) وهو المُقَامَرَةُ(٣)، والدَّفِعُ، والمُغَالَبَةُ، وفي مَعنَى القِمَارِ الزِّيَادَةُ والنَّقصُ أيضًا، حَتَّى قال بَعضُ أهلِ اللغَةِ: إِنَّ القَمَرَ مُشتَقٌّ من القِمَارِ، لِزِيَادَتِهِ ونُقْصَانِهِ. فَالمُزَابَنَةُ والقِمَارُ والمُخَاطَرَةُ شَيءٌ واحِدٌ، حتى (٤) يُشبه أن يَكُونَ أصلُ اشتِقَاقِهما(٥) واحِدًا، يَقُولُ العَرَبُ: حَربٌ زَبونٌ؛ أي: ذَاتُ دَفعٍ وقِمَارٍ ومُغَالَبَةٍ. قال أبو الغولِ الظُّهَوِيُّ(٦): إِذَا دَارَتِ رَحَى الحَربِ الزَّبونِ فَوارِسُ لَا يَمَلُّونَ المَنَابَا وقال مَعمَرُ بنُ لَقِيطِ الإِيَادِيُّ(٧): في الحَربِ يَختِلُ (٩) الرِّئْبَالَ والسَّقْبَا عَبْلُ(٨) الذِّرَاعِ أبِيًّا ذَا مُزَابَئَةٍ وقال مُعَاوِيَةٌ (١٠): ومُستَعجِبٌ مِمَّا رَأى من أَنَاتنَا(١١) ولَو زَبَنَته الحَربُ لَم يَتَزَمزَمِ(١٢). ■ الثَّالِثَةُ: فيه حُبَّةٌ لِلجُمهورِ عَلى تَحرِيمِ بَيعِ الرُّطَبِ من الرِّبَوِيِّ بِاليَابِ منه، ولَو تَسَاويًا في الكَيلِ أو الوزنِ، وهَذَا مَدلُولُ الْمُزَابَنَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. والمَعنَى (١) في (ح): ((يدل))، وفي (ش): ((يدلي)). (٢) في (ش): ((المزين)). (٣) في (ش): ((المغامرة)). ليست في (م)، والأصل. (٤) (٥) في (م): ((اشتقاقها)). (٦) في النسخ: ((أبو العول))، والبيت نسبه إليه القالي في الأمالي (٢٦٠/١) وصاحب ديوان الحماسة (٨/١)، وغيرهما . (٧) كذا في النسخ، وصوابه: ((لقيط بن يعمر))، والبيت من البسيط، وهو في ديوانه (ص٧)، ويروى شطره الثاني: في الحربِ لا عاجزًا نكسًا ولا ورعًا. (٨) في (ك٢): ((غبل)). وفي (ش): ((غيل)). (٩) في (م): ((يختيل)). ينظر: الأغاني لأبي الفرج (٣٥٩/٢٢). (١٠) البيت لأوس بن حجر، كما في شرح نهج البلاغة (٩٥/٣)، ونثر الدر (٥٠/٣)، والبيت من الطويل. (١١) في (م، ح): ((إناثنا)). (١٢) في (ش)، ومصدر التخريج: (يترمرم)). = ١٥٣ بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثَّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا فيه أنَّ الإِعتِبَارَ بِالتَّسَاوِي حَالَةُ الكَمَالِ، ولَا يَلزَمُ من مُسَاواةِ الرُّطَبِ لَه فِي حَالَةٍ الرُّطُوبَةِ مُسَاواتُهُ(١) فِي حَالَةِ الجَفَافِ، إذ قد (٢) يَنقُصُ بِجَفَافِه كَثِيرًا، وقَد يَنقُصُ قَلِيلًا، وهَذَا مَذهَبُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ، وأكثَرِ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ(٣)(٤)؛ وجَوزَ أبو حَنِيفَةً(٥) البَيعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مع التَّسَاوِي، واكتَفَى بِالمُسَاواةِ حَالَةَ الرُّطُوبَةِ. وهَذَا الحديثُ حُجَّةٌ عَلَيه. وقال النَّورِيُّ في (شَرحِ مسلم)) (٦): اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلى تَحرِيمِ بَيعِ الرُّطَبِ بِالثَّمرِ(٧) في غَيرِ العَرَايَا، وأنَّه رِبَا،َ وعَلى تَحرِيمٍ بَيعِ العِنَبِ بِالزَّبِيبِ (١٣٥/٦م)، وسَواءٌ عِندَ جُمهورِهم كَانَ الرُّطَبُ والعِنَبُ عَلى الشَّجَرِ أو مَقطُوعًا. وقال أبو حَنِيفَةَ: إِن كَانَ مَقْطُوعًا جَازَ بَيعُه بِمِثْلِه من اليَابِسِ. انتَهَى. ولم أرَ في كُتُبِ الحَنَفيةِ تَقِيدَ ذلك عن أبِي حَنِيفَةَ كَذَلُ، بِالمَقطُوعَةِ. ■ الزَّابِعَةُ: قَولُه: ((كَيلًا)) لَيسَ تَقَيُّدًا (٨) لِلنَّهي بهذِهِ الحَالَةِ، فَإِنَّه مَتَى كَانَ جُزَافًا، بلَا كَيلَ(٩) كَانَ أولى بِالمَنعِ، وكَأنَّه إِنَّمَا قُيِّدَ بذلك؛ لِأَنَّها صُورَةُ المُبَايَعَةِ (١٠) الَّتِي كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بها (١١)، فَلَا مَفهومَ لَه؛ لِخُرُوجِه عَلى سَبَبٍ، وهو (١٢) من مَفهوم المُوافَقَةِ؛ لِأَنَّ المَسكُوتَ عنه أولى بِالحُكمِ من المَنْطُوقِ. ■ الخَامِسَةُ: وفيه أنَّ مِعِيَارَ الثَّمرِ(١٣) والزَّبِيبِ الكَيلُ، وهو كَذلك. ■ السَّادِسَة: وفيه تَسمِيَةُ العِنَبِ كَرمًا، وقَد ورَدَ النَّهيُ عنه (١٤). وتَبَيَّنَ بهذَا الحديثِ جَوازُه، وأنَّ ذلك النَّهيَ إنَّمَا هو لِلأدَبِ والتَّنزِيه، دُونَ المَنعِ والتَّحرِيمِ. والله أعلمُ. (١) في (ش): ((مساواته له)). في (ك٢، ش): ((السلف والخلف)). (٣) (٥) المبسوط (١٦٤/١٢، ١٦٥). شرح صحيح مسلم (١٨٨/١٠). (٦) (٨) في (ش): ((بقيد)). (١٠) في الأصل: ((المبالغة))، وفي (ح): ((المتابعة)). (١١) في (ش): ((يتبايعونها)). (١٣) في (ش): ((الثمر)). (٢) من (ك٢، ش). (٤) ينظر: المغني (٦٨/٦). (٧) في (ش): ((بالثمر)). (٩) في (م): ((فلا كيل، بل)). (١٢) في (ك٢، ش): ((أو هو)). (١٤) البخاري (٦١٨٣)، ومسلم (٢٢٤٧). ١٥٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ] السَّابِعَة: فيه التَّرخِيصُ في العَرَايَا، واستِثنَاؤُها من المُزَابَنَةِ المَنهيِّ عنها، وهيَ فَعِيلَةٌ بِمَعنَى مَفعُولَةٍ، كَمَا قال(١) الهَرَوِيُّ(٢) وغَيرُه(٣). أو بِمَعنَى فَاعِلَةٍ، كَمَا قاله الأزهَرِيُّ والجُمهورُ(٤). فَمَنْ جَعَلَها بِمَعنَى مَفْعُولَةٍ قال: هيَ من عَرَى النَّخلُ، بِفَتحِ العَينِ والرَّاءِ مَعًا عَلى أَنَّه مُتَعَدٍّ، يَعرُوها: إذَا أفرَدَها عن غَيرِها من النَّخلِ بِبَيْعِها رُطَبًا. وقِيلَ: من عَرَاه يَعرُوه: إِذَا أَتَاه وتَرَدَّدَ إِلَيه؛ لِأَنَّ صَاحِبَها يَتَرَدَّدُ إلَيها. ومَن جَعَلَها بِمَعنَى فَاعِلَةٍ قال: هيَ من عَرِيَ، بِكَسرِ الرَّاءِ، يَعرَى بِفَتحِها عَلى أنَّه قَاصِرٌ، فَكَأنَّها عَرِيَت من التَّحْرِيمِ، والمُرَادُ بها في الشَّرعِ عِندَ الشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، والجُمهورِ: أن يَخْرُصَ الخَارِصُ نَخَلَاتٍ، فَيَقُولَ: هَذَاَ الرُّطَبُ الَّذِي عَلَيهَا إذَا جَفَّ يَجِيءُ منه [٢/ ١٠٢ و] ثَلَاثَةُ أوسُقٍ من الثَّمرِ مَثلًا(٥). فَيَبِيعُه صَاحِبُه ◌ِإِنسَانٍ بِثَلَاثَةِ أوسُقٍ من الثَّمرِ، ويَتَقَّابَضَانِ في المَجلِسِ فَيُسَلِّمُ المُشتَرِي الثَّمَنَ (٦)، ويُسَلِّمُ بَائِعُ الرُّطَبِ الرُّطَبَ (٧) بِالتَّخِيَةِ. وفي تَفْسِيرِها أقوالٌ أُخَرُ: أحَدُها: أنَّ مَدلُولَ العَرَايَا لُغَةً (٨): عَطِيَّةُ ثَمَرَةِ النَّخلِ(٩) دُونَ رِقَابها، كَانَت العَرَبُ إذَا دَهَمَتهم سَنَّةٌ، تَطَوعَ أهلُ النَّخلِ منهم عَلى مَن لَا نَخلَ لَه، فَيُعطِيهم من ثَمَرٍ (١٠) نَخْلِه، ومنه قَولُ بَعضِهم(١١): ولَكِن عَرَايَا في السِّنينَ الجَوائِحِ ولَيسَت بِسَنهاءَ ولَا رُجَبِيَّةٍ(١٢) (١) في (م): ((قاله)). (٢) في (ش): ((الأزهري)). ينظر: الصحاح (٢٤٢٤/٦)، ولسان العرب (٤٤/١٥). (٣) (٤) تهذيب اللغة (٩٩/٣)، والنهاية في غريب الأثر (٢٢٥/٣). (٥) لیست في (م، ح). في (ك٢): ((التمر))، وفي (ش): ((الثمر)). والثمن هو التمر فلا إشكال. (٨) ليست في (ش). (٦) (٧) ليست في (ش). (٩) في (ش): ((النخلة)). (١٠) فى الأصل: ((تمر)). . (١١) البيت من الطويل، وهو لسويد بن الصامت، نسبه إليه ابن سيده في المحكم (٤٠٩/٧)، والقرطبي في المفهم (٣٩٢/٤)، وغيرهما. (١٢) في (ش): ((الرحيبة)). = بَابٌ بَيعِ الأُصُولِ والثَّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا ١٥٥ والسَّنهاءُ: الَّتي تَحمِلُ سَنَةً دُونَ سَنَةٍ، والرُّجَبِيَّةُ (١): الَّتي تَمِيلُ لِضَعِفِها، فَتُدَقَّمُ (٢). ثم ذَكَرَ أَنَّه يُعَرَّى ثَمَرَتُها في سِني الجَائِحَةِ(٣)، والمُرَادُ بها شَرعًا: بَيعُ ذلك المُعَرَّى الرُّطَبَ الَّذِي مِلكُه بِالإعرَاءِ لِلمُعرِي بِتَمرِ، ولَا تَجُوزُ هَذِهِ المُعَامَلَةُ إلَّا بَيْنَهمَا (٤) خَاصَّةً، لِمَا يَدخُلُ (٦ /١٣٦م) عَلى صَاحِبِ النَّخلِ من الضَّرَرِ بِدُخُولِ غَيرِهِ حَائِطَه، أو لِقَصدِ المَعْرُوفِ بِقِيَامِ صَاحِبِ النَّخلِ بِالسَّقيِ والكُلَفِ، وهَذَا هو المَشهورُ من مَذهَبِ مَالِكٍ(٥). وشَرطُه عِندَهم: أن يَكُونَ البَيعُ بَعدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وأن يَكُونَ بِتَمرٍ (٦) مُؤَجَّلٍ إلى الجُذاذ، ولَا يَجُوزُ كَونُه حَالًا . واستَدَلُّوا عَلى هَذَا التَّفسِيرِ بِقَولِه في حَدِيثِ سَهلِ بنِ أبِي حَتمَةَ، وهو في ((الصَّحِيحَينِ))(٧): ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَهَى عن بَيْع (٨الثَّمَرِ بِالثَّمرُِ)، وَرَخَّصَ في العَرِيَّةِ أن تُبَاعَ بِخَرصِها، يَأْكُلُها أهلُها رُطَبًا)). قَالُوا: فَالمُرَادُ بِأهلِها [صاحبها الذي أعراها، فيختص شراؤها به. وجواب الشافعية(٩) عن ذلك أن المراد](١٠) بأهلها: الَّذِينَ يَشتَرُونَها، فَقَد صَارُوا بِشِرَائِها أهلَها، ولَا يَتَوقَّفُ ذلك عَلى أن تَكُونَ أُصُولُ النَّخلِ مِلكُهم، وفي ((صَحِيحِ مسلمٍ)) من هَذَا الوجه: ((رَخَّصَ فِي بَيع العَرِيَّةِ النَّخْلَةِ والنَّخَتَينِ، يَأْخُذُها (١١) أهلُ البَيتِّ بِخَرصِها تَمْرًا، يَأْكُلُونَها رُطَبًا)). فَلَمْ يُقَيِّد ذلك بِأهلِها. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(١٢) يَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ مَالِكٍ أمرَانِ : أحَدُهمَا: أنَّ العَرِيَّةَ مَشهورَةٌ بَيْنَ أهلِ المَدِينَةِ مُتَدَاوَلَةٌ بَينَهم، وقَد نَقَلَها مَالِكٌ مَكَذَا . (١) في (ش): ((الرحيبة)). (٣) في (ش): ((الحاجة)). (٤) في (ش): ((منهما)). (٥) المدونة (٢٨٤/٣). (٦) في (ش): ((بثمر)). (٧) البخاري (٢١٩١)، ومسلم (١٥٤٠/ ٦٧). (٨ - ٨) في (ش): ((التمر بالثمر)). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (م)، والأصل. (١١) في (ش): ((يأخذهما)). (٢) في (م): ((فیدعم)). (٩) ينظر: المجموع (٣٤٢/١٠). (١٢) إحكام الأحكام (ص٥٢٦). = ١٥٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والثَّاني: قَولُه ((لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ))، فَإِنَّه يُشعِرُ بِاخْتِصَاصِه بِصِفَةٍ يَتَمَيَّزُ بها عن غَيرِهِ، وهيَ الهبَةُ الواقِعَةُ. القَولُ الثَّاني: رَوى ابنُ نَافِعِ عن مَالِكٍ(١) في رَجُلٍ لَه نَخلَتَانِ فِي حَائِطِ رَجُلٍ، فقال لَه صَاحِبُ الحَائِطِ: أنَا آخُذُها بِخَرصِها إلى الجُدَادِ(٢). إِن كَانَ ذلك لِلمرفقِ(٣): يُدخِلُه عَلَيه؛ يَعني: عَلى صَاحِبِ النَّخلَتَينِ، فَلَا بَأسَ به، وإن كَرِهَ دُخُولَه، ولَم يُرِدِ أن يَكفيه مُؤْنَةَ السَّقِي، فَهَذَا(٤) عَلى وجه البَيعِ، ولَا أُحِبُّه. قال ابنُ عَبدِ البَرُّ: فَهَذِهِ الرِّوايَةُ عن مَالِكِ عَلى خِلافِ أصلِه في العَرِيَّةِ أنَّها هبَةُ الثَّمَرَةِ، وأنَّ الواهبَ هو الَّذِي رَخَّصَ لَه في(٥) شِرَائِها. قال: وهيَ رِوايَةٌ مَشهورَةٌ عنه بِالمَدِينَةِ وبِالعِرَاقِ، إلّا أنَّ العِرَاقِينَ رَووها عنه بِخِلَافِ شَيءٍ من مَعنَاها، فَذَكَرَها الطَّحَاوِيُّ (٦) عن ابنِ أبِي عِمرَانَ، عن مُحَمَّدِ بنِ شُجَاعٍ، عن ابنِ نَافِعٍ، عن مَالِكِ: أنَّ العَرِيَّةَ: النَّخلَةُ والنَّخلَتَانِ لِلرَّجُلِ في حَائِطِ غَيرِه(٧). والعَادَةُ بِالمَدِينَةِ أنَّهم يَخرُجُونَ بِأهلَيهم في وقتِ الثِّمَارِ إلى حَوائِطِهم، فَيَكرَه صَاحِبُ النَّخلِ الكَثِيرِ دُخُولَ الآخَرِ عَلَيه، فَيَقُولُ: أنَا أُعطِيك خَرصَ نَخْلِك تَمرًا. فَرَخَّصَ لَهمَا في ذلك. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: هَذِهِ الرِّوايَةُ ومَا أشبَهَها عن مَالِكِ يُضَارِعُ مَذهَبَ الشَّافِعِيِّ في العَرَايَا . القَولُ الثَّالِثُ: أنَّ صُورَتَها فيمَن أعرَى نَخلَةٌ أو نَخلَتَينٍ، لَكِن لَا يَختَصُّ البَيعُ بِالمُعَرَّى، فَلَه بَيعُ تِلكَ الثَّمَرَةِ مِمَّن (١٣٧/٦م) شَاءَ، فَإِذَا بَاعَها بِمِثلٍ خَرصِها تَمَرًا فَهو العَرَايَا، وحُكِيَ هَذَا (٨) عن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، وعَبدِ رَبِه بِنِ سَعِيدٍ، ومُحَمَّدِ بنِ (١) ينظر: التمهيد (٣٢٨/٢). (٢) في (ش): ((الجذاذ)). (٣) في (م)، والأصل: ((للرفق)). (٤) في (ش): ((فهو)). (٥) ليست في (ك٢). ذكره عنه ابن عبد البر في التمهيد (٣٢٩/٢)، وهو في شرح المعاني (٣٠/٤) بدون (٦) إسناد، وإنما ذكر هذا الإسناد لقولٍ نقله عن أبي حنيفة، وفيه ((محمد بن سماعة، عن أبي يوسف))، بدل ((محمد بن شجاع، عن نافع)). (٧) في (ش): ((لغيره)). (٨) ليست في (ش). = إسحَاقَ. وإِلَيه ذَهَبَ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، كَمَا ذَكَرَه ابنُ عَبدِ البَرِّ (١)، فَحَكَى عنه أبو بَكرِ الأثرَمُ أنَّه قال: أنَا لَا أَقُولُ فيها بِقَولِ مَالِكٍ: لِلمُعرِي أن يَبِيعَها فيمَن(٢) شَاءَ. نَهَى رَسُولُ اللهِ﴿ عن المُزَابَنَةِ أن يُبَاعَ(٣) من كُلِّ واحِدٍ، ورَخَّصَ في العَرَايَا أن تُبَاعَ من كُلِّ واحِدٍ، ومَالِكٌ يَقُولُ: يَبِيعُها من الَّذِي أعرَاها، ولَيسَ هَذَا وجه الحديثِ عِندِي، ويَبِيعُها مِمَّن شَاءَ، وكَذلك فَسَّرَه لِي(٤) ابنُ عُيَينَةً وَغَيْرُه، قِيلَ لَه: فَإِذَا بَاعَ المُعرَى العَرِيَّةَ [١٠٢/٢ ظ]، أَلَه(٥) أن يَأْخُذَ الثَّمرَ السَّاعَةَ، أو حَتَّى يَجِدَّ (٦)؟ قال: بَل يَأْخُذُهُ السَّاعَةَ، عَلى ظَاهِرِ الحديثِ. القَولُ الرَّابعُ: قال الحَنَفيةُ(٧): العَرِيَّةُ هيَ النَّخِلَةُ يَهَبُ صَاحِبُها تَمرَها(٨) لِرَجُلٍ، ويَأْذَنُ لَه في أخذِها، فَلَا يَفْعَلُ حَتَّى يَبْدُو لِصَاحِبها أن يَمنَعَه من ذلك، فَلَه مَنْعُه؛ لِأَنَّها هبَةٌ غَيرُ مَقبوضَةٍ؛ لِأَنَّ المُعرَى لَم يَكُن مَلَكَها، فَأَبِيحَ لِلمُعرِي أن يُعَوِّضَهُ بِخَرصِها تَمْرًا ويَمنَعَه، وقال عِيسَى بنُ أبَانَ(٩) منهم: الرُّخصَةُ في ذلك لِلمُعرَى أن يَأْخُذَ بَدَلًا(١٠) من رُطَبٍ لَم يَملِكه تَمرًا. وقال غَيرُه منهم: الرُّخصَةُ في ذلك لِلمُعرِي؛ لِأَنَّه كَانَ يَكُونُ مُخْلِفًا لِوعِدِهِ، فَرَخَّصَ لَه في ذلك، وأُخرِجَ به من إخلَافِ الوعدِ. حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ(١١)، وقال: و(١٢ ) لَيسَ لِلعَرِيَّةِ عِندَهم مَدخَلٌ في البُيُوعِ، ولَا يَجُوزُ عِندَهم ◌ِأحَدٍ أن يَشتَرِيَ تَمرَ (١٣) العَرِيَّةِ غَيرَ المُعطِي وحدَه عَلى الصِّفَةِ المَذكُورَةِ، والعَرِيَّةُ عِندَهم هبَةٌ غَيْرُ مَقبوضَةٍ. (١) التمهيد (٣٣١/٢). (٢) في (ك٢، ش): ((ممن)). (٣) في (ش): ((تباع)). (٥) في (م): ((له)). (٤) في (ح): ((له لي)). (٦) في (ك٢): «نجذ)». (٧) في (ش): ((أبو حنيفة))، وينظر: المبسوط (١٦٥/١٢)، وبدائع الصنائع (١٩٤/٥). (٨) في (ك٢، ش): «ثمرها». (٩) هو: عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى، فقيه العراق، تلميذ محمد بن الحسن، وقاضي البصرة، له تصانيف، وذكاء مفرط، وجود زائد، توفي سنة (٢٢١هـ). تاريخ بغداد (١٥٧/١١)، وسير أعلام النبلاء (٤٤٠/١٠). (١٠) في (ش): ((بذلًا)). (١٢) ليس في: (م). (١٣) في (ش): ((ثمر)). (١١) التمهيد (٣٣٢/٢). بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا ١٥٧ = ١٥٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قال: واحتَجَّ بَعضُهم بِحَدِيثٍ مَعمَرٍ، عن ابنِ طَاوُسٍ، عن أبِي بَكرِ ابنِ مُحَمَّدٍ، قال: ((كَانَ النبيُّ وَّهِ يَأْمُرُ أصحَابَ الخَرصِ أن لَا يَخرُصُوا(١) العَرَايَا))(٢). قال: والعَرَايَا أن يَمنَحَ الرَّجُلُ من حَائِطِه نَخلًا، ثم يَبتَاعُها الَّذِي مَنَحَها إِيَّاه من المَمنُوحِ بِخَرصِها . قَالُوا: فَالعَرِيَّةُ (٣): منحَةٌ وعَطِيَّةٌ لَم تُقبَض، فَلِذلك(٤) جَازَ فيها هَذِهِ الرُّخصَةُ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): الآثَارُ الصِّحَاحُ تَشْهَدُ بِأنَّ العَرَايَا بَيعُ (٦ الثَّمَرِ بِالثَّمر٦ِ) في مِقدَارٍ مَعلُومٍ مُستَئنّى من المَحُورِ في ذلك عَلى حَسَبِ مَا تَقَّدَّمَ من الوصفِ في العَرَايَا، ومُحَالٌ أن يَأْذَنَ رَسُولُ اللهِوَّه لِأحَدٍ فِي بَيعِ مَا لَم يَملِك. وقال قَبلَ ذلك: قَالُوا فِي العَرَايَا قَولًا لَا وجهَ لَه؛ لِأَنَّه مُخَالِفٌ لِصَحِيحِ الأثَرِ في ذلك، فَوجَبَ أن لَا(٧) يُعَرَّجَ عَلَيه. قال: وإنكَارُهم لِلعَرَايَا كَإِنْكَارِهِم لِلمُسَاقَاةِ مع صِحَّتِها، ودَفعِهم لحديثِ التَّفلِيسِ إلى أشياءَ من (١٣٨/٦م) الأُصُولِ، رَدُّوها بِتَأْوِيلٍ لَا مَعنَى لَه. وقال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم)(٨) بَعدَ أن ذَكَرَ القَولَ المَبدُوءَ به في تَفسِيرِ العَرَايَا: وتَأولَها مَالِكٌ وأبو حَنِّيفَةَ عَلى غَيرٍ هَذَا، وظَواهرُ الأحَادِيثِ(٩) تَرُدُّ تَأْوِيلَهما(١٠). انتَهَى. وقَد رَدَّ مَا قاله الحَنَفيةُ بِأوجُهٍ : أحَدُها: أنَّ المَنهيَّ عنه (١١) في أولِ الخَبَرِ البَيعُ، واستَثنَى منه بَيعَ العَرَايَا، ولَو كَانَ المُرَادُ الهبَةَ، لَمَا احتَاجَ إلى استِثنَائِهِ من جُمْلَةِ الخَبْرِ. الثَّاني: أنَّه قال فيه أُرَخِّصُ في بَيعِ العَرَايَا، والرُّخصَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عن (١) في (ش): ((يخرص)). (٣) في (ش): ((والعرية)). (٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٢٣/٤). (٤) في (ش): ((فكذلك)). (٥) التمهيد (٣٣٣/٢). (٦ - ٦) في الأصل: ((التمر بالتمر))، وفي (ش): ((الثمر بالثمر)). (٧) ليست في (ش). (٨) شرح صحيح مسلم (١٨٩/١٠). (٩) في (ك٢، ش): ((الحديث)). (١١) ليست في: (ش). (١٠) في (م): ((تأويلها)). ١٥٩ بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا حَظِرِ، والحَظرُ إِنَّمَا كَانَ في البَيعِ(١) ذلك، لَا في الرُّجُوعِ عن الهِبَةِ قَبلَ(٢) القَبضِ . و(٣) الثَّالِثُ: أَنَّهِم لَم يُفَرِّقُوا هنَا بَيْنَ ذِي رَحِمِ مَحرَمِ (٤) وغَيرِهِ، حَتَّى يَجُوزَ لَه الرُّجُوعُ في حَقِّ الأجنَبِيِّ دُونَ غَيرِهِ، فَإن كَانَ الرُّجُوعُ جَائِزًا، فَلَيسَ إعطَاؤُه التَّمرَ (٥) بَدَلَه بَيْعًا، فَإِنَّمَا (٦) هو تَجدِيدُ هبَةٍ أُخرَى. و(٧) الرَّابِعُ: أنَّ الرُّخصَةَ قُيِّدَت بِمَا دُونَ خَمسَةٍ أوسُقٍ، والرُّجُوعُ في الهِبَةِ لَا يَتَقَيِّدُ بذلك عِندَهم، ولَا عِندَ غَيرِهم. وفَسَّرَها ابنُ حَرمِ الظَّاهِرِيُّ (٨) بِمِثلِ تَفْسِيرٍ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أنَّه حَكى (٩) عن الشَّافِعِيِّ تَقِيدَ ذلك بِأنْ يَكُونَ المُشتَرِي فَقِيرًا لَا مَالَ لَه، وخَالَفَه في هَذَا التَّقِيدِ، وقال: إنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ فيه حَدِيثًا لَا يَدرِي أَحَدٌ مَنشَأْهُ ولَا مَبدَأه ولَا طَرِيقَه؛ ذَكَرَه بِغَيرِ إسنادٍ. قُلتُ: والحديثُ المَذكُورُ: قال الشَّافِعِيُّ: قِيلَ لِمَحمُودِ بنِ لَبِيدٍ، أو قال مَحمُودُ بنُ لَبِيدٍ لِرَجُلٍ من أصحَابِ النبيِّ نَّهِ، إِمَّا زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وإمَّا غَيرُه: ((مَا عَرَايَاكُم هَذِه؟)). قال: ((قُلَانٌ وفُلَانٌ، وسَمَّى رِجَالًا مُحتَاجِينَ من الأنصَارِ شَكُوا إلى النبيِّ ◌َ﴿ أَنَّ الرُّطَبَ يَأتي، ولَا نَقدَ بِأيدِيهم يَبتَاعُونَ به رُطَبًا، يَأْكُلُونَه مع النَّاسِ، وعِندَهم فُضُولٌ من قُوتِهم من الثَّمرِ، فَرَخّصَ لَهم أن يَبتَاعُوا العَرَايَا بِخَرصِها من الثَّمرِ الَّذِي في أيديهم، يَأْكُلُونَها (١٠) رُطَبًّا)). وجَزَمَ في مَوضِعِ آخَرَ: بِأنَّ المَسؤُولَ زَيدُ بنُ ثَابِتٍ، حَكَاه البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(١١)، ثم قال(١٢). (١) في (ك٢، ش): ((بيع)). (٣) ليس في: (ش). في الأصل، (ك٢، ش): ((ومحرم)). (٤) (٦) في (ك٢): ((وإنما)). (٨) المحلى (٨ / ٤٦٢، ٤٦٣). (٩) في (م): ((حتى)). وقال في الحاشية: ((لعله: نقل)). (١٠) في (ش): ((بها)). (١١) معرفة السنن والآثار (٣٤٢/٤ - ٣٤٤) ح (٣٤٤٦، ٣٤٥١). (١٢) ليست في: (ش). (٢) في (ك٢، ح، ش): ((عن)). (٥) في (ش): ((الثمر)). (٧) ليس في: (ش). = ١٦٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قال الشَّافِعِيُّ: وحَدِيثُ سُفْيَانَ يَدُلُّ عَلى مِثلِ هَذَا الحديثِ، فَإنَّ قَولَه: ((يَأْكُلُها أهلُها رُطَبًا)) [٢/ ١٠٣ و] خَبَرُ: ((أن مُبتَاعَ (١) العَرِيَّةَ، يَبَتَاعُها(٢) لِيَأْكُلَها))، وذلك يدل(٣) عَلى أن لَا رُطَبَ لَه في مَوضِعِها يَأْكُلُهُ غَيرِها، ولَو كَانَ صَاحِبُ الحَائِطِ هو المُرَخِّصَ لَه أن يَبتَاعَ العَرِيَّةَ لِيَأْكُلَها، كَانَ لَه حَائِطُه معها أكثرَ من العَرَايَا يَأْكُلُ من خَائِطِهِ، ولَم يَكُن عَلَيهِ ضَرَرٌ إلى ابتياعِ(٤) العَرِيَّةَ، الَّتِي هِيَ دَاخِلَةٌ في مَعنَى مَا وصَفْت من النَّهى. انتَهَی. واعتِبَارُ الفَقرِ في (١٣٩/٦م) جَوازٍ ذلك هو أحَدُ قَولَي الشَّافِعِيِّ. والقَولُ الآخَرُ أنَّه لَا يَخْتَصُ بِالفَقِرِ (٥)، بَل هو عَامٌّ في حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وهَذَا هو الأظهَرُ الَّذِي به الفتوى في مَذْهَبه، ثم لَيسَ المُرَادُ بِالفَفرِ هِنَا مَا يَتَبَادَرُ إلى الفَهم منه (٦)، وإنَّمَا المُرَادُ به عَدَمُ النَّقْدِ، كَمَا صَرَّحَ به المُتَولِّي، والجُرجَاني من أصحَابِنَا. قال الإمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ: وقِصَّةُ مَحمُودِ بنِ لَبِيدٍ في سُؤَالِهِ زَيدَ بنَ ثَابِتٍ تُرْشِدُ لَه. قال: ونَقَلَ الرُّويَاني عن المُزَني: أنَّه لَا يَجُوزُ ذلك(٧) إلَّا لِلمُعسِرِ المُضطَرِّ. قال: ولَعَلَّ هَذَا تَسَمُّحٌ في العِبَارَةِ. قُلتُ: لَا شَكَّ في(٨) أنَّه لَم يُرِد ظَاهرَ الإعسَارِ والاضطِرَارِ، والظّاهرُ: أنَّ مُرَادَه الإعسَارُ من النَّقدِ، فَهو مُوافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ. والله أعلمُ. ■ الثَّامنةُ: قَولُه: ((بِخَرصِها)). ضَبَطَه القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(٩) بِكَسرِ الخَاءِ. وقال: إنَّه لَا يَجُوزُ الفَتحُ. وقال النَّوِيُّ(١٠): هو بِفَتحِ الخَاءِ وكَسرِها، و(١١) الفَتحُ أشهرُ، ومَعنَاه بِقَدرِ مَا فيها إذَا صَارَ تَمْرًا، فَمَن فَتَحَ قال: هو مَصدَرٌ؛ أي: اسمٌ لِلفِعلِ. ومَن كَسَرَ قال: هو اسمٌ لِلشَّيءِ المَخرُوصِ. انتَهَى. والخَرصُ هو التَّخِمِينُ والحَدسُ. في (م): ((يبتاع)). (١) (٣) ليست في: (م). (٥) في (ح): ((الفقراء)). (٧) ليست في (ش). عارضة الأحوذي (٣٦/٦). (٩) (٢) في (م): ((أي: يبتاعها)). (٤) في (م): ((أن يبتاع)). (٦) من (ح، ش). (٨) ليست في (ش). (١٠) شرح صحيح مسلم (١٨٤/١٠، ١٨٥). (١١) من (ك٢).