Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
كِتَابُ البُيُوعِ
المُتَقَومَاتِ (١) بِالقِيمَةِ من النَّقدَينِ، فَإِن كَانَ اللبَنُ مِثلِيًّا، فَيَنْبَغِي ضَمَانُه بِمِثْلِهِ(٢)
لَنَا، وإن كَانَ مُتَقَوِّمًا ضَمنه (٣) بِقِيمَتِه من النَّقْدَينِ، وقَد ضُمن هنَا (٤).
[بِالثَّمرِ، وهو خَارِجٌ عن الأصلَيْنِ مَعًا.
الثَّاني: أنَّ القَواعِدَ الكُلِّيَّةَ تَقتَضِي أن يَكُونَ الضَّمَانُ بِقَدرِ الثَّالِفِ، وهنَا
ضُمن اللبَنُ](٥) بِمِقدَارٍ واحِدٍ، وهو الصَّاعُ؛ فَلَّ اللبَنُ أو كَثُرَ.
الثَّالِثُ: أنَّ اللبَنَ التَّالِفَ إن كَانَ مَوجُودًا عِندَ العَقدِ فَقَد ذَهَبَ جُزءٌ من
المَعقُودِ عَلَيه. وذلك مَانِعٌ من الرَّدِّ، كَمَا لَو ذَهَبَ ("بَعضُ أعضَاءِ المَبِيع٦ِ) ثم ظَهَرَ
عَيبٌ، فَإِنَّه يَمنَعُ الرَّدَّ، وإن كَانَ حَادِثًا بَعدَ الشِّرَاءِ، فَقَد حَدَثَ عَلى مِلكِ
المُشتَرِي، فَلَا يَضمَنُه، وإن كَانَ مُختَلِطًا فمَا (٧) كَانَ مَوجُودًا منه عِندَ العَقدِ مَنَّعَ
الرَّدَّ، ومَا كَانَ حَادِثًا لَم يَجِب ضَمَانُه.
الرَّابِعُ: إثْبَاتُ الخِيَارِ ثَلَاثًا من غَيرِ شَرطِ مُخَالِفٌ لِلأُصُولِ، فَإِنَّ الخِيَارَاتِ
الثَّابِتَةَ (٨) بِأصلِ الشَّرعِ من غَيرِ شَرطِ لَا تَتَقَدَّرُ بِالثَّلاثِ(٩)؛ كَخِيَارِ العَيبِ، وخِیَارِ
الرُّؤْيَّةِ، وخِيَارِ المَجلِسِ عِندَ القَائِلِ بهمَا .
الخَامِسُ: يَلَزَمُ مَن يَقُولُ بِظَاهِرِه - الجَمِعُ بَيْنَ الثَّمَنِ والمُثَمَّنِ لِلبَائِعِ(١٠) في
بَعضِ الصُّورِ، وهو مَا إذَا كَانَت قِيمَةُ الشَّاةِ صَاعًا من تَمْرٍ، فَإِنَّها تَرجِعُ إلَيه مع
الصَّاعِ الَّذِي هو مِقْدَارُ ثَمَنِها .
السَّادِسُ: أنَّه مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ الرِّبَا في بَعضِ الصُّورِ، وهو مَا إذَا اشتَرَى شَاةً
بِصَاعٍ، فَإِذَا استَرَدَّ معها صَاعَ تَمرٍ، فَقَد استَرجَعَ الصَّاعَ الَّذِي هو الثَّمَنُ، فَيَكُونُ
قَد بَاعَ صَاعًا وشَاةً، وذلك من الرِّبَا عِندَكُم، فَإِنَّكُم تَمنَعُونَ مِثْلَ ذلك.
السَّابِعُ: إِذَا كَانَ اللبَنُ بَاقِيًّا لَم يُكَلَّف رَدَّه عِندَكُم، فَإِذَا أمسَكَه فَالحُكمُ كَمَا
(١) في (م، ح): ((المقومات)).
(٣) في (ك٢): ((ضمن)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٧)
في (م): ((بما)).
ليست في (ش).
(٩)
(٢) في (م): ((ضمان مثله)).
(٤) في الأصل: ((هذا)).
(٦ - ٦) في (ش): ((بعض أعضائه)).
(٨) في (ش): ((الثانية)).
(١٠) ليست في (ش).
=
٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لَو (٢٨٦/٦) تَلِفَ، فَيَرُدُّ الصَّاعَ، وفي ذلك ضَمَانُ الأعيَانِ مع بَقَائِها، والأعيَانُ لَا
تُضمَنُ بِالْبَدَلِ إلَّا مع فَواتِها؛ كَالمَغصُوبِ وسَائِرِ المَضمُونَاتِ.
الثَّامن: قال بَعضُهم: إنَّه (١) أثبَتَ الرَّدَّ من غَيرِ عَيبٍ ولَا شَرطِ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ
اللبَنِ لَو كَانَ عَيْبًا، لَثَبَتَ به الرَّدُّ من غَيرِ تَصرِيَةٍ، ولَا يَثْبُتُّ الرَّدُّ في الشَّرعِ إلَّا
بِعَيبٍ أو شَرطِ. ذَكَرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٢) هَذِهِ الأُمُورَ الثَّمَانيَّةَ،
وأنَّهم رَتَّبوا عَلى ذلك: أنَّ خَبَرَ الواحِدِ إِذَا خَالَفَ قِيَاسَ الأُصُولِ لَم(٣) يُعمَل به؛
لِأَنَّه ظَني، وهيَ قَطعِيَّةٌ. ثم قال: وأجَابَ القَائِلُونَ بِظَاهرِ الحديثِ بِالطّعنِ في
المَقَامَينِ مَعًا، أعني أنَّه مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، [وأنَّه إذَا خَالَفَ الأُصُولَ لَم يَجِب
العَمَلُ به.
أَمَّا المَقَامُ الأولُ: فَقَد فَرَّقَ بَعضُهم بَيْنَ مُخَالَفَةِ الأُصُولِ](٤) ومُخَالَفَةِ قِيَاسِ
الأُصُولِ، [وخَصَّ الرَّدَّ بِخَبَرٍ (٥) الواحِدِ بِمُخَالَفَةٍ (٦) الأُصُولِ، لَا لِمُخَالَفَةِ قِيَاسِ
الأُصُولِ، وهَذَا الخَبَرُ إِنَّمَا يُخَالِفُ قِيَاسَ الأُصُولِ](٧).
قال: وفي هَذَا نَظَرٌ. قال: وسَلَكَ(٨) آخَرُونَ تَخرِيجَ هَذِه الاعتِرَاضَاتِ،
والجَوابُ عنها :
أمَّا الأولُ: فَلَا نُسَلِّمُ أنَّ جَمِيعَ الأُصُولِ تَقْتَضِي الضَّمَانَ بِأحَدِ الأمرَينِ، عَلى
مَا ذَكَرْ تُمُوه، فَإِنَّ الحُرَّ يُضمَنُ بِالإِبِلِ، ولَيسَت بِمِثلٍ لَه ولَا قِيمَةٍ، والجَنينُ يُضمَنُ
بِالغُرَّةِ وَلَيسَت بِمِثلٍ لَه ولا قِيمَةٍ، وأيضًا، فَقَد يُضمَنُ المِثْلِيُّ بِالقِيمَةِ إِذَا تَعَذَّرَت
المُمَاثَلَةُ؛ كَمَن أتلَفَ شَاةً لَبونًا فَعَلَيه قِيمَتُها مع اللبَنِ، ولَا يُجعَلُ بِإِزَاءٍ لَبَنِها
[٨٨/٢ظ] لَبَنٌ آخَرُ، لِتَعَذُّرِ المُمَاثَلَةِ، فَكَذلك هنَا لَا تَتَحَقَّقُ مُمَاثَلَهُ مَا يَرُدُّه من اللبَنِ
عِوضًا عن اللبَنِ التَّالِفِ في القَدرِ، فَيَجُوزُ أَن يَكُونَ أكثَرَ منه أو(٩) أقَلَّ.
(١) في الأصل: ((إذا))، وفي (ح) ((إنه إذا)). (٢) إحكام الأحكام (ص٥١٨، ٥١٩).
(٣)
في (ش): ((لا)).
(٥)
في (ش): (لخبر)).
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٧)
في (ح، ش): ((و)).
(٩)
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٦) في (ش): ((بالمخالفة في)).
(٨) في (ح): ((وشكك)).
٨٣
كِتَابُ البُيُوعِ
=
قُلتُ: ووجَدنَا بَعضَ المِثلِيَّاتِ يُضمَنُ بِالقِيمَةِ، وبَعضَ المُتَقَوِّمَاتِ يُضمَنُ
بِالمِثلِ، وبَعضُ الأشياءِ يُضمَنُ بِالمِثلِ والقِيمَةِ مَعًا، وبَعضُ المُتَقَوِّمَاتِ يُضمَنُ
بِأكثَرَ من القِيمَةِ، ووجَدنَا صُورَةً يَختَلِفُ فيها المَضمُونُ بِحَسَبِ الضَّامن، وذلك
مَعُرُوفٌ بِتَفَاصِيلِهِ في كُتُبِ الفِقه.
وقال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١): أجَابَ الجُمهورُ عن هَذَا: بِأَنَّ السُّنَّةَ إِذَا
ورَدَتِ لَا يُعتَرَضُ عَلَيَها بِالمَعقُولِ، وأمَّا الحِكمَةُ في تَقِيدِهِ بِصَاعِ الثَّمرِ: فَلِأَنَّه كَانَ
غَالِبَ قُوتِهم في ذلك الوقتِ، فَاستَمَرَّ (٢) حُكُمُ الشَّرع عَلى ذلك، وإنَّمَا لَم يَجِب
مِثْلُه ولَا قِيمَتُه، بَل وجَبَ صَاعٌ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، لِيَكُونَ ذلك حَدًّا يُرجَعُ إِلَيه،
ويَزُولُ به التَّخَاصُمُ، وكَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ حَرِيصًا عَلَى رَفعِ الخِصَامِ والمَنعِ من كُلِّ
مَا هو سَبَبٌ لَه؛ وقَد يَقَعُ(٣) بَيعُ المُصَرَّاةِ في البَوادِي والقُرَى، وفي مَواضِعَ
(٨٧/٦م) لَا يُوجَدُ بها مَن يَعرِفُ القِيمَةَ ويُعتَمَدُ قَولُه فيها؛ وقَد يَتلَفُ اللبَنُ
ويَتَنَازَعُونَ فِي قِلَّتِهِ وكَثْرَتِه وفي عَينِهِ، فَجَعَلَ الشَّرعُ لَهم ضَابِطًا لَا نِزَاعَ معه، وهو
صَاعُ تَمٍ، ونَظِيرُ هَذَا الدِّيَةُ، فَإِنَّها مِائَةُ بَعِيرِ، ولَا تَخْتَلِفُ بِاختِلَافِ حَالِ (٤) القَتیلِ
قَطعًا لِلنِّزَاعِ؛ ومِثْلُه الغُرَّةُ في الجِنَايَةِ عَلى الجَنينِ سَواءٌ كَانَ ذَكَرًا أو أُنثَى، تَامَ
الخِلقَةِ أو نَاقِصَها، جَمِيلًا أو قَبِيحًا؛ ومِثلُه الجُبرَانُ في الزَّكَاةِ بَيْنَ السِّنينَ جَعَلَه
الشَّرعُ شَاتَينٍ أو عِشِرِينَ دِرهَمَا، قَطعًا لِلنِّزَاعِ، سَواءٌ كَانَ التَّفَاؤُتُ بَيْنَهمَا قَلِيلًا أو
كَثِيرًا، وقَد ذَكَرَ الخَطَّائِيُّ (٥) وآخَرُونَ نَحو هَذَا المَعنَى. انتَهَى.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ (٦): وأمَّا الاعتِرَاضُ الثَّاني، فَقِيلَ في جَوابه: إنَّ
بَعضَ الأُصُولِ لَا يَتَقَدَّرُ بِمَا ذَكَرْتُمُوه؛ كَالمُوضِحَةٍ، فَإِنَّ أرشَها مُقَدَّرٌ مع اختِلَافِها
بِالكِبرِ والصِّغَرِ، والجَنينُ مُقَدَّرٌ، ولَا يَختَلِفُ أرشُه بِالذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ واختِلَافِ
الصِّفَاتِ، والحُرُّ دِيَتُه(٧) مَقدَّرَةٌ، وإن اختَلَفَ بِالصِّغَرِ والكِبرِ وسَائِرِ الصِّفَاتِ،
(١) شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٦٧).
(٣) في (ش): ((منع)).
(٥) معالم السنن (١١٣/٣).
(٧) في (ك٢): (دية)).
(٢) في (ش): ((واستمر)).
(٤) في (ش): ((حالة)).
(٦) إحكام الأحكام (ص٥١٩).
=
٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والحِكمَةُ فيه أنَّ مَا يَقَعُ فيه التَّنَازُعُ والتَّشَاجُرُ يَقصِدُ قَطعَ النِّزَاعِ فيه بِتَقْدِيرِه بِشَيءٍ
مُعَيَّنٍ، وتُقَدَّمُ هَذِهِ المَصلَحَةُ فِي مِثْلِ هَذَا المَكَانِ عَلى تِلكَ القَاعِدَةِ.
قال: وأمَّا الاعتِرَاضُ الثَّالِثُ، فَجَوابُه أن يُقال: مَتَى يَمتَنِعُ الرَُّّ بِالنَّقْصِ
(١) إِذَا كَانَ النَّقص١ُ) لِاستِعلَامِ العَيبِ أو إذَا لَم يَكُن؟ الأولُ مَمنُوعٌ، والثَّاني
تَسَلَّمٌ.
مَ
وأمَّا الاعتِرَاضُ الرَّابعُ، فَإِنَّمَا يَكُونُ الشَّيءُ مُخَالِفًا لِغَيرِهِ إِذَا كَانَ مُمَائِلًا لَه
وخُولِفَ في حُكمِه(٢). وها هنَا هَذِهِ الصُّورَةُ انفَرَدَت عن غَيرِها: بِأنَّ الغَالِبَ أنَّ
هَذِهِ المُدَّةَ هيَ الَّتِي يَتَبَيَّنُ فيها لَبَنُ الحَلْبَةِ المُجتَمِعُ بِأصلِ الخِلقَةِ واللبَنُ المُجتَمِعُ
بِالتَّدلِيسِ، فَهِيَ مُدَّةٌ يَتَوقَّفُ عِلمُ العَيبِ عَلَيها غَالِيًا، بِخِلَافِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ والعَيبِ،
فَإِنَّه يَحصُلُ المَقصُودُ من غَيرِ هَذِه المُدَّةِ، وخِيَارُ المَجلِسِ لَيْسَ لِاستِعلَامِ عَيبٍ.
وأمَّا الإِعْتِرَاضُ الخَامِسُ، فَقَد قِيلَ فيه: إنَّ الخَبَرَ وارِدٌ عَلى العَادَةِ، والعَادَةُ
أَن لَا تُبَاعَ(٣) شَاةٌ بِصَاعٍ. وفي هَذَا ضَعفٌ.
وقِيلَ: إِنَّ صَاعَ الثَّمرِ بَدَلٌ عن اللبَنِ، لَا عن الشَّاةِ، فَلَا يَلزَمُ الجَمِعُ بَيْنَ
العِوضِ والمُعَوضِ.
قُلتُ: هَذَا هو المُعتَمَدُ في الجَوابِ. والله أعلمُ.
قال: وأمَّا الإِعتِرَاضُ السَّادِسُ، فَقَد قِيلَ: إنَّ الجَوابَ عنه: أنَّ الرِّبَا إِنَّمَا
يُعتَبَرُ في العُقُودِ، لَا في الفُسُوخِ، بِدَلِيلِ أنَّهمَا لَو تَّبَايَعَا ذَهَبًا بِفِضَّةٍ، لَم يَجُز أن
يَتَفَرَّقَا قَبَلَ القَبضِ؛ ولَو تَقَايَلَا(٤) في هَذَا العَقدِ لَجَازَ أن يَتَفَرَّقَا قَبَلَ القَبضِ.
وأمَّا الاعتِرَاضُ السَّابِعُ، فَجَوابُه فيمَا قِيلَ: إنَّ (٨٨/٦م) اللبّنَ الَّذِي كَانَ
في الضَّرعِ حَالَ العَقدِ يَتَعَذَّرُ رَدُّه لِاختِلَاطِه بِاللبَنِ الحَادِثِ بَعدَ العَقدِ، وأحَدُهمَا
لِلبَائِعِ والآخَرُ لِلمُشتَرِي، وتَعَذَّرُ الرَّدِّ لَا يَمنَعُ من الضَّمَانِ مع بَقَاءِ العَينِ، كَمَا
(١ - ١) ليس في: (ك٢).
(٢) في (م): ((حكم)).
(٣) في (ح): ((يباع)).
(٤) في الأصل، (م، ك٢): ((تقابلا))، والمثبت من (ح، ش)، وهو الأوفق للسياق، من الإقالة.
كِتَابُ البُيُوعِ
٨٥
لَو غَصَبَ عَبدًا فَأَبَقَ، فَإِنَّه يَضمَنُ قِيمَتَه مع بَقَاءِ عَيْنِهِ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ.
وأمَّا الاعتِرَاضُ الثَّمن، فَقِيلَ فيه: إنَّ الخِيَارَ يَثْبُتُّ بِالتَّدلِيسِ، وهَذَا منه.
قال: وأمَّا المَقَامُ الثَّاني، وهو النِّزَاعُ في تَقدِيمِ قِيَاسِ الأُصُولِ عَلى (١) خَبَرٍ
الواحِدِ، فَقِيلَ فيه: إنَّ خَبَرَ الواحِدِ أصلٌ بِنَفسِه يَجِبُ [٨٩/٢و] اعتِبَارُه؛ لِأَنَّ الَّذِي
أوجَبَ (٢ اعتِبَارَ الأُصُول٢ِ) نَصُّ صَاحِبِ الشَّرعِ عَلَيها، وهو مَوجُودٌ في خَبَرِ
الواحِدِ.
وأمَّا تَقْدِيمُ القِيَاسِ عَلى الأُصُولِ بِاعتِبَارِ القَطعِ، وكَونِ خَبَرِ الواحِدِ مَظْنُونًا،
فَيَتَنَاولُ الأصلَ لِمَحَلِّ خَبَرِ الواحِدِ غَيرُ مَقْطُوعٍ به، لِجَوازِ استِثْنَاءِ مَحَلِّ الخَبَرِ عن
ذلك الأصلِ(٣) .
قال: وعِندِي أَنَّ التَّمَسُّكَ(٤) بهذا الكَلَام أقوى من التَّمَسُّكِ بِالاِعتِذَارَاتِ عن
المَقَامِ الأولِ. ثم قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أيضًا(٥): ومنهم مَن قال: يُحمَلُ الحديثُ
عَلى مَا إذَا اشتَرَى شَاةً بِشَرطِ أنَّها تَحِلُبُ خَمسَةَ أرطَالٍ مَثَلًا، وشَرَطَ الخِيَارَ
فَالشَّرطُ فَاسِدٌ، فَإن اتَّفَقَا عَلى إِسقَاطِه في مُدَّةِ الخِيَارِ صَحَّ العَقدُ، وإن لَم يَتَّفِقَا
بَطَلَ.
وأمَّا رَدُّ الصَّاعِ، فَلِأَنَّه كَانَ قِيمَةَ اللَبَنِ في ذلك الوقتِ. وأُجِيبَ عنه: بِأنَّ
الحديثَ يَقْتَضِي تَعلِيقَ (٦) الحُكمِ بِالتَّصرِيَةِ، ومَا ذُكِرَ يَقْتَضِي تَعلِيقَه بِفَسَادِ الشَّرطِ،
سَواءٌ أَوُجِدَت (٧) تَصرِيَةٌ أم لَا. انتَهَى.
■ (*النَّاسِعَةُ والأربَعُون٨َ): قَولُه في أحَدٍ لَفظَي رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ،
عن أبِي هِرَيْرَةَ رَظْلُهُ: ((وصَاعًا من تَمرٍ لَا سَمَرَاءَ)). تَنصِيصٌ عَلى أنَّ السَّمَرَاءَ وهيَ
القَمحُ لَا تُجزِئُ فِي هَذَا، وإِنَّمَا نَصَّ عَلَيه دُونَ غَيرِهِ، لِفَهمٍ غَيرِه من طَرِيقٍ
ليست في (ش).
(١)
(٣)
ليست في (ش).
(٥)
من (ح، ش).
في (م): ((تعلق)). والمثبت موافق للمصدر.
(٦)
(٧) في (م): ((وجدت)).
(٢ - ٢) ليس في: الأصل.
(٤) في (ح): ((المتمسك)).
(٨ - ٨) في الأصل: ((الثانية)).
=
٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الأولى، فَإِنَّه أعلى (١) الأقواتِ وأنفَسُها، فَإِذَا لَم يُجزِئ، فَغَيرُه أولى بذلك. وقَولُه
في اللفظِ الآخَرِ: ((صَاعًا من طَعَام لَا سَمْرَاءَ)). يَحتَمِلُ: أن يُرِيدَ بِالطَّعَامِ
المَذكُورِ (٢) فيه الثَّمَرَ، [بِدَلِيلِ الرِّوايَةِ الَّأُخرَى. وعَلى هَذَا مَشَى البَيْهَقِيُّ(٣)، فقال:
المُرَادُ بِالطَّعَامِ المَذكُورِ فيه الثَّمرُ](٤). واستَدَلَّ عَلى ذلك بِالرِّوايَةِ الأُخرَى،
ويَحْتَمِلُ: أن يُرِيدَ مُطلَقَ الطَّعَامِ ثم أخرَجَ منه السَّمَرَاءَ، وخَرَّجَ مَا هو أدونُ منها
من الأقواتِ و(٥انحصرَ الأمرُ) في الثَّمرِ، كَمَا في الرِّوايَةِ الأُخرَى، وهَذَا
الِحْتِمَالُ يَعُودُ في المَعنَى لِلَّذِي (٦) قَبَلَه، لَكِنَّه يُخَالِفُه في التَّقْدِيرِ(٧).
■ الخَمسُونَ: نَقَلَ ابنُ بَطَّالٍ (٨) عن بَعضِهم أنَّه قال: في حَدِيثِ المُصَرَّاةِ
دَلَالَةٌ عَلى أَنَّ مَن اشتَرَى نَخلًا وفيها تمرُّ(٩) (٨٩/٦م) قَد أُبِّرَ، أو أمَةً حَامِلًا،
فَأْكَلَ التَمرَ (١٠)، أو هَلَكَ الولَدُ، ثم رَدَّ النَّخلَ أو الأمَةَ بِعَيبٍ، أنَّه يَرُدُّ قِيمَةَ
التَّالِفِ؛ لِأَنَّ لَه حِصَّةً من الثَّمَنِ، كَمَا فَعَلَ النبيُّ وَّهِ بِالمُصَرَّةِ، وهو قَولُ
ابنِ القَاسِمِ، وخَالَفَه أشَبُ في الثَّمَرَةِ (١١)، وقال: الثَّمَرَةُ(١٢) لِلمُشتَرِي بِالضَّمَانِ.
قال: وقَولُ ابنِ القَاسِمِ يَشْهَدُ لَه الحديثُ. انتَهَى.
ومُرَادُه في التمرِ (١٣) المُؤَبَّرِ: أَنَّه صَرَّحَ بِإِدخَالِه في البَيعِ، فَإِنَّه عِندَ الإطلَاقِ
يَكُونُ لِلبَائِعِ، ومَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ في ذلك أنَّه يَمتِنِعُ(١٤) الرَُّّ بِالقَهرِ(١٥)، لِمَا فيه من
تَبَعِيضٍ (١٦) الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِع. (١٧ والله أعلم ١٧).
(١) في (م): ((أغلى)).
(٣) السنن الكبرى (٣١٨/٥).
(٥) في (م): ((الخضر، للأمر)).
(٧ - ٧) في (ح، ش): ((التقرير)).
(٩) في (م): (ثمر)).
(٢) من (م).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٦) في (ح، ك٢): ((الذي)).
(٨) شرح صحيح ابن بطال (٦/ ٢٨٠).
(١٠) في (م): ((الثمر)).
(١١) في (ش): ((التمرة)). وهو موافق لما في شرح ابن بطال.
(١٢) في المطبوع من شرح ابن بطال: ((التمرة)).
(١٣) في (م): ((الثمر)).
(١٥) لعله يقصد: الرد بالعيب.
(١٧ - ١٧) من (ش).
(١٤) في (م): ((يمنع)).
(١٦) في (ك٢): ((تنقيص).
كِتَابُ البُيُوعِ
٨٧
=
الحديثُ الزَّابِعُ
وعن سَعِيدٍ، عن أبِي هِرَيرَةَ: ((أنَّ النبيَّ وََّ نَهَى أَن يَبِيعَ حَاضِرٌ
لِبَادٍ، أو تَنَاجَشُوا، أو يَخطُبَ الرَّجُلُ عَلى خِطبَةِ أَخِيه، أو يَبِيعَ عَلى بَيْعِ
أخِيه، ولَا تَسأل المَرأةُ طَلَاقَ أُختها لِتَكتَفِئَ مَا في صَحِفَتِها (١) ولِتُنكِحَ،
فَإِنَّمَا رِزقُها عَلى الله رَاتٌ)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرَجَه الأَئِمَّةُ الستةُ (٢) من طَرِيقٍ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن
الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبِي هرَيرَةَ.
■ الثّانيةُ: قَولُه: ((أو تَنَاجَشُو)). كَذَا(٣) في رِوايَتِنَا، ومُقتَضَاه: أنَّ المَنهيَّ
عنه أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ. ولَيسَ كَذلك، بَل كُلٌّ منها عَلى انفِرَادِهِ مَنهيٌّ عنه، فَـ ((أو)) فيه
بِمَعنَى الواوِ، والتَّقدِيرُ: نَهَى أن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وأن (٤) تَنَاجَشُوا؛ [ويَدُلُّ لِذلك لَفِظُ
البُخَارِيِّ وغَيرِهِ من أصحَابِ الكُتُبِ: ((نَهَى أن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُو١)](٥).
وكَذَا (أو)) بِمَعنَى الواوِ في قَولِه: ((أو يَخطُبَ))، ((أو يَبِيعَ)). وقَولُه: ((يَخطُبَ))،
(ويَبِيعَ)) مَنصُوبَانٍ، بِتَقْدِيرِ ((أن))، كَمَا تَقَدَّمَ، والخِطبَةُ هَا بِكَسرِ الخَاءِ، وأمَّا الخُطبَةُ
(٦/ ٩٠م) في الجُمُعَةِ ونَحوِها فَبِضَمِّها؛ وقَولُه: ((ولَا تَسألِ المَرأةُ) بِكُسرِ اللامِ عَلى
النَّهي، وكُسِرَت اللامُ لِالتِقَاءِ السَّاكِنِينَ، ويَدُلُّ لَه عَطفُه الأمرَ عَلَيه في قَولِه:
(ولتَنكِح)). عَلى أحَدِ الوجهَينِ اللذَينِ سَنَحكِيهمَا. وقال النَّوِيُّ في (شَرحِ مسلمٍ)) (٦):
يَجُوزُ في (تَسأل)) الرَّفِعُ والكَسرُ، الأولُ: عَلى الخَبَرِ الَّذِي يُرَادُ به النَّهيُّ، وهو
المُنَاسِبُ لِقَولِهِ قَبَلَه: ((وَلَا يَخْطُبُ))، ((ولَا يَسُومُ))، والثَّاني: عَلى النَّهىِ الحَقِيقِيِّ.
في الأصل: ((صفحتها)).
(١)
البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (٥١/١٤١٣)، أبو داود (٢٠٨٠)، والترمذي (١١٣٤،
(٢)
١١٩٠)، والنسائي (٣٢٣٩)، وابن ماجه (٢١٧٥).
(٣) في (م): ((وكذا)).
(٤) ليست في الأصل، (ح).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٦) شرح صحيح مسلم (٩/ ١٩٢).
=
٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقَولُه: (لِتَكَتَفِئَ): (١ هو افتِعَال١ٌ) من كَفَأْت(٢) الإِنَاءَ إِذَا قَلَبته، وأفرَغت مَا
فيه؛ وأمَّا أكفَأت الإنَاءَ فَهو بِمَعنَى أَمَلته، هَذَا هو المَشهورُ فيهمَا، وقال
الكِسَائِيُّ: أكفَأت الإِنَاءَ: كَبَيْتُه، وكفأته(٣) وأكفَأْتُه: أمَلتُه.
■ الثَّالِثَةُ: [٨٩/٢ظ] فيه النَّهيُ عن خِطبَةِ الرَّجُلِ عَلى خِطبَةِ أخِيه، وهَذَا
النَّهيُ لِلتَّحرِيم، كَمَا قاله الجُمهورُ(٤).
وقال الخَطَّابِيُّ(٥): هو نَهِيُ تَأْدِيبٍ، ولَيسَ بِنَهى تَحرِيمٍ يُبِطِلُ العَقْدَ، وهو
قَولُ أكثَرِ الفُقَهَاءِ .
قُلتُ: كَأنَّ الخَطَّابِيَّ فَهمَ (٦) من كَونِ العَقدِ لَا يَبطُلُ عِندَ أكثَرِ الفُقَهاءِ: أنَّ
النَّهيَ عِندَهم لَيسَ لِلتَّحرِيم. ولَيسَ كَذلك، بَل هو عِندَهم لِلتَّحرِيم، وإن لَم يَبطُل
العَقدُ، وقَد صَرَّحَ بهذَا الفُقَهاءُ من أهلِ المَذَاهبِ المُتبوعَةِ (٧). وحَكَى النَّوِيُّ في
(شَرحِ مسلم))(٨) الإجمَاعَ عَلى التَّحِيمِ بِشُرُوطِه.
■ الزَّابِعَةُ: قال الشَّافِعِيَّةُ والحَنَابِلَةُ(٩): مَحَلُّ التَّحرِيمِ مَا إذَا صُرِّعَ
لِلخَاطِبِ (١٠) بِالإِجَابَةِ، بِأن يَقُولَ: أَجَبتُك إلى ذلك. أو تأذَنَ(١١) لِولِيِّها في أن
يُزَوِّجَها إِيَّه وهيَ مُعتَبَرَةُ الإذنِ.
فَلَو لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِالإِجَابَةِ لَكِنْ وُجِدَ تَعرِيضٌ؛ كَقَولِها: لَا رَغِبَةَ عنك.
فَفيه قَولَانِ لِلشَّافِعِيِّ وأحمَدَ، [قال الشَّافِعِيُّ في القَدِيمِ: تَحرُمُ الخِطبَةُ. وقال في
الجَدِيدِ: تَجُوزُ. وحَكَى والِدِي ◌َُّ في ((شَرحِ الترمذيِّ»: عن مَالِكِ وأَبِي حَنِيفَةً
تَحْرِيمَ الخِطبَةِ عِندَ التَّعرِيضِ أيضًا] (١٢). وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١٣) بَعدَ
ذِكرِهِ قَولَي(١٤) الشَّافِعِيِّ عِندَ التَّعرِيضِ، وتَصحِيحِ التَّحرِيمِ: واستَدَلُّوا لَّمَا ذَكَرنَاه
(١ - ١) ليست في (ش).
(٣) ليست في (م).
(٤) في (ش): ((الجوهري)).
(٥) معالم السنن (١٩٤/٣).
(٦) ليس في: الأصل.
(٧) في (م): ((المتنوعة)).
(٨) شرح صحيح مسلم (٩/ ١٩٧).
(٩) الحاوي (٢٥٢/٩)، والمغني (٥٦٧/٩). (١٠) في (ش): ((المخاطب)).
(١١) في (م): ((يأذن)).
(١٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(١٣) شرح صحيح مسلم (٩/ ١٩٧).
(١٤) في (م): ((قول)).
(٢) في (ش): ((اكتفأت)).
=
محمـ
٨٩
كِتَابُ البُيُّوعِ
من أنَّ التَّحرِيمَ إنَّمَا هو إذَا حَصَلَتِ الإِجَابَةُ بِحَدِيثٍ(١) فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ، فَإِنَّها
قالت: ((خَطَبَنِي مُعَاوِيَةُ وأبو جَهمٍ))(٢). فَلَم يُنكِر النبيُّ ◌َّهِ خِطبَةَ بَعضِهم عَلى
بَعضٍ، بَل خَطَبَها لِأُسَامَةَ. قال النَّوِيُّ: وقَد يُعتَرَضُ عَلى هَذَا الدَّلِيلِ، فَيُقَالُ:
لَعَلَّ الثَّانِي لَم يَعلَم بِخِطْبَةِ الأولِ، وأمَّا النبيُّ ◌َهَ فَأَشَارَ بِأُسَامَةَ لَا أنَّه خَطَبَ لَه.
انتَھَی.
وقال والِدِي تَّثُ في ((شَرح الترمذيِّ)): وفيه نَظَرٌ. وقال قَبلَ ذلك: لَعَلَّه لَمَّا
ذَكَرَ لَها مَا في أبِي جَهم ومُعَاوِيَةً مِمَّا يُرَغَبُ(٣) عنهمَا رَغِبَت عنهمَا (٩١/٦م)،
فَخَطَبَهَا حِينَئِذٍ عَلى أُسَامَةً.
وقال أيضًا: في الاستِدلَالِ به نَظَر؛ لِأَنَّه لَم يُنقَل أنَّ واحِدًا من أبِي الجَهمِ
ومُعَاوِيَةَ أُجِيبَ لَا تَصرِيحًا (٤) ولَا تَعرِيضًا.
قُلتُ: والشَّافِعِيُّ ◌َخْفُ لَم يَذكُر هَذَا الاستِدلَالَ في صُورَةِ التَّعرِيضِ، وإنَّمَا
ذَكَرَه عِندَ عَدَمِ الرِّضَا والرُّكُونِ، فقال الترمذيُّ في ((جَامِعِه))(٥): قال الشَّافِعِيُّ:
مَعنَى هَذَا الحَديثِ ((لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطبَةِ أخِيه)): هَذَا عِندَنَا إذَا خَطَبَ
الرَّجُلُ المَرأةَ، فَرَضِيَت به ورَكَنَت إلَيه، فَلَيسَ لِأحَدٍ أن يَخْطُبَ عَلى خِطَتِهِ، وأمَّا
قَبلَ أن يَعلَمَ رِضَاها أو رُكُونَها إِلَيه، فَلَا بَأسَ أن يَخطُبَها، والحُجَّةُ في ذلك
حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ. فَذَكَرَه، ثم قال: فَمَعنَى هَذَا الحديثِ عِندَنَا، والله
أعلَمُ، أنَّ فَاطِمَةَ لَم تُخبِرِه بِرِضَاها بِواحِدٍ منهمَا، ولَو أخبَرَته لَم يُشِر عَلَيها بِغَيرِ
الَّذِي ذَكَرَت. انتَهَى.
قال أصحَابُنَا(٦): ولَو رَدَّته، فَلِلِغَيرِ خِطبَتُها قَطعًا. ولَو لَم يُوجَد إِجَابَةٌ ولَا
(١) في (ش): ((الإباحة لحديث)).
(٢) البخاري (٥٣٢١)، ومسلم (١٤٨٠)، واللفظ له، وأبو داود (٢٢٨٤)، والترمذي
(١١٣٤)، والنسائي (٣٢٢٢).
(٣)
في (ك٢): ((يرغب به)).
(٤)
في النسخ: ((لا صريحًا)). والمثبت من (م). وهو أجود.
(٥) الترمذي عقب حديث (١١٣٤).
(٦) ينظر: روضة الطالبين (٣٧٨/٥).
=
٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
رَدٌّ، فَقَطَعَ بَعضُ أصحَابِنَا بِالجَوازِ، وأجرَى بَعضُهم فيه القَولَينِ المُتَقَدِّمَينِ، قَالُوا:
ويَجُوزُ الهُجُومُ عَلى خِطبَةٍ مَن لَم يَدرِ أَخُطِبَت أم لا؛ ومَن لَم يَدرِ أُجِيبَ خَاطِبُها
أم رُدَّ؛ لِأنَّ الأصلَ الإِبَاحَةُ. وقال الحَنَابِلَةُ(١): إن لَم يَعلَمْ أُجِيبَ أم لَا، فَعَلى(٢)
وجهَينٍ. قال أصحَابُنَا: والمُعتَبَرُ رَدُّ الولِيِّ وإِجَابَتُه، إن كَانَت مُجَبَرَةً، وإلَّ فَرَدُّها
وإِجَابَتُها؛ وفي الأمَةِ رَدُّ السَّيِّدِ وإِجَابَتُه، وفي المَجُونَةِ رَدُّ السُّلطَانِ وإِجَابَتُه.
و(٣) قال شَيخُنَا العلَّمَةُ(٤) الإمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عبد الرحيم(٥) الإسنَوِيُّ في
((المُهمَّاتِ)): هَذَا الإطلَاقُ غَيرُ مُستَقِيم، فَإِنَّه إذَا كَانَ الخَاطِبُ غَيرَ كُفءٍ، يَكُونُ
النِّكَاحُ مُتَوقِّقًا عَلى رِضَى الولِيِّ والمَرَأَةِ مَعًا، وحِينَئِذٍ فَيُعتَبَرُ في تَحرِيمِ الخِطبَةِ
إِجَابَتُهمَا مَعًا، وفي الجَوازِ رَدُّهمَا أو رَدُّ أحَدِهمَا .
قال: وأيضًا، فَيَنبَغِي فيمَا إذَا كَانَت بِكرًا أن يَكُونَ الاعتِبَارُ بِالولِيِّ مُخَرَّجًا
عَلى الخِلَافِ (٦فيمَا إذَا٦) عَيَّنَتِ كُفْؤًا، وعَيَّنَ المُجبِرُ كُفْوًّا آخَرَ، هَل المُجَابُ
تَعِينُها أم تَعِينُه؟
وهَذَا الَّذِي ذَكَرُوه في اعتِبَارٍ تَصرِيحِ الإِجَابَةِ هو في الثَّيِّبُ، أمَّا البِكرُ
فَسُكُوتُها كَصَرِيحٍ إذنِ الثَّيِّبِ، كَمَا نَصَّ عَلَيهَ الشَّافِعِيُّ في ((الأُمِ)) (٧)، قال: فَوجَدنَا
الدَّلَالَةَ عن رسول الله ◌َّهِ عَلى أنَّ النَّهيَ أن يَخطُبَ الرَّجُلُ عَلى خِطَبَةِ أخِيه إذَا
كَانَتِ المَرأةُ رَاضِيَةً. قال: ورِضَاها إذَا كَانَت ثَيِّبًا أن تَأْذَنَ في النِّكَاحِ بِنِعَمٍ، وإن
كَانَت بِكرًا أن تَسكُتَ [٩٠/٢ و]، فَيَكُونَ ذلك إذنًا. انتَهَى.
وحَيثُ اشتَرَطنَا التَّصرِيحَ بِالإِجَابَةِ، فَلَا بُدَّ معه من الإذنِ لِلولِيِّ في
زَواجِھا(٨) لَه، فَإن لَم يأَذَن(٩) في ذلك لَم تَحرُم الخِطبَةُ، كَمَا نَصَّ عَلَيه الشَّافِعِيُّ
في ((الرِّسَالَةٍ))(١٠) (٦/ ٩٢م)، في بَابِ الثَّهي عن مَعنَى يَدُلُّ عَلَيه مَعنَى في حَدِيثٍ
(١) المغني (٥٦٩/٩).
(٣)
ليس في: الأصل.
(٥)
ليست في (م)، والأصل.
(٧) الأم (٤١٨/٦).
(٩) في (م): («تأذن)).
(٢) في (ك٢): ((فهي)).
(٤) من (ش).
(٦ - ٦) في (ش): ((فإذا)).
(٨) في الأصل: ((جوازها)).
(١٠) الرسالة (ص٣١١).
كِتَابُ الْبُيُوعِ
٩١
=
غَيرِه. وحَكَاه عنه الخَطَّابِيُّ (١)، واستشكَّلَه القُرطُبِيُّ في ((المُفهم)) (٢)، فقال: وهَذَا
فيه بُعدٌ، فَإِنَّه حَمَلَ العُمُومَ الَّذِي قَصَدَ به تَقعِيدَ قَاعِدَةٍ عَلى صُورَةٍ نَادِرَةٍ. قال:
وهَذَا مِثْلُ مَا أنكَرَه الشَّافِعِيُّ من حَمَلِ قَولِه: ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِولِيٍّ)) عَلى المُكَاتَبَةِ(٣).
قُلتُ: لَيسَ مِثلَه، ولَم يَحمِلِ الشَّافِعِيُّ النَّهيَ فيمَا نَحنُ فيه عَلى صُورَةٍ
نَادِرَةٍ، بَل هو عَلى عُمُومِه في كُلِّ مَخْطُوبَةٍ، لَكِن إِذَا لَم يَأْذَن(٤) في تَزوِيجِها،
فَلَيْسَ بِيَدِ الخَاطِبِ شَيءٌ يَتَمَسَّكُ به، وزَادَ بَعضُ المَالِكِيَّةِ عَلى الرِّضَا بِالزَّوجِ:
تَسمِيَةَ المَهرِ، وهَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيه، والعَقدُ صَحِيحٌ من غَيرِ تَسمِيَةِ مَهرٍ .
■ الخَامِسَةُ: ومَحَلُّ الثَّحرِيمِ أيضًا إذَا لَم يَأَذَن الخَاطِبُ لِغَيرِهِ في الخِطْبَةِ،
فَإن أذِنَ ارَفَعَ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ المَنِعَ كَانَ لِحَقِّه. وفي ((صَحِيحِ مسلم)(٥) من حَدِيثِ
ابنِ عُمَرَ التَّصرِيحُ بذلك، بِقَولِه: ((إلَّا أن يَأْذَنَ لَه)). لَكِن يَبقَى النَّظَرَّ في أنَّه إذَا أذِنَ
لِشَخصِ مَخصُوصٍ في الخِطبَةِ، هَل لِغَيرِهِ الخِطبةُ أيضًا؟ لِأنَّ الإذنَ لِشَخصِ يَدُلُّ
عَلى الإعرَاضِ عن الخِطبَةِ، إذ لا يُمكِنُ تَزوِيجُ المَرأةِ لِخَاطِبَينِ، أو لَيسَ لِغَيْرِهِ
الخِطبَةُ إذا لَم يُؤذَن لَه وزَوالُ المَنعِ إِنَّمَا كَانَ لِلإذنِ(٢)؟ هَذَا مُحتَمَلٌ، والأرجَحُ
الأولُ.
السَّادِسَةُ: ومَحَلُّ التَّحْرِيم أيضًا إذَا لَم يَترُك الخَاطِبُ الخِطبَةَ ويُعرِض
عنها، فَإِن تَرَكَ جَازَ لِغَيْرِهِ الخِطِبَةُ، وَإِن لَم يَأذَن لَه. وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٧) من
رِوايَةِ الأعرَجِ، عن أبِي هِرَيرَةَ رَظُه: ((حَتَّى يَنكِحَ أو يَتْرُلَكَ)). وفي ((صحيح(٨)
مسلم))(٩) من حَدِيثِ عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ: ((المُؤمن أخُو المُؤْمن، فَلَا يَحِلُّ لِلمُؤمن أن
يَبْتَاعَ عَلى بَيعِ أخِيه، ولَا يَخطُبَ عَلى خِطبَةِ أخِيه حَتَّى يَذَرَ)). وقَولُه: ((حَتَّى يَذَرَ))
يَعُودُ لِلجُملَتَينِ مَعًا، كَمَا هو مُقْتَضَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ كَلَُّ. وقَد ورَدَ التَّصْرِيحُ به
(١) معالم السنن (١٩٥/٣).
(٣)
في (ش): ((المكاتب)).
(٥)
مسلم (٥٠/١٤١٢).
(٧)
البخاري (٥١٤٣).
مسلم (٥٦/١٤١٤).
(٩)
(٢) المفهم (١٠٨/٤).
(٤) في (م): ((تأذن)).
(٦) في (ش): ((الإذن)).
(٨) في (م)، والأصل: ((حديث)).
=
٩٢
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
في ((سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ))(١) قال فيه: ((حتى يذر)) بَعدَ كُلِّ من الجُمْلَتَيْنِ.
] السَّابِعَةُ: ومَحَلُّ الثَّحرِيم أيضًا أن تَكُونَ الخِطبَةُ الأُولى جَائِزَةً، فَإن
كَانَت مُحَرَّمَةٌ كَالواقِعَةِ في العِذَّةِ، لَمْ تَحرُمُ الخِطبَةُ عَلَيها، كَمَا صَرَّحَ به الرُّويَاني
(٢)في ((البَحرِ))(٢).
■ الثَّامنةُ: ومَحَلُّ الثَّحرِيمِ أيضًا إذَا لَم تَأْذَن المَرأةُ لِولِيِّها أن يُزَوِّجَها مِمَّن
يَشَاءُ(٣)، فَإِن أذِنَت لَه كَذلك صَحَّ، وحَلَّ لِكُلِّ أحَدٍ أن يَخْطُبَها عَلى خِطَةِ الغَيرِ،
كَمَا نَقَلَه الرُّويَاني في ((البَحرِ)) عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ في ((الأُمِ)) (٤).
ولَك أن تَقُولَ: إن كَانَ الضَّمِيرُ في قَولِهِ: مِمَّن يَشَاءُ(٥). عَائِدًا عَلى الولِيُّ،
فَيَنْبَغِي إِذَا أَجَابَ الولِيُّ الخَاطِبَ الأولَ أن يَحْرُمَ (٩٣/٦م) عَلَى غَيرِهِ الخِطبَةُ، وإن
كَانَ عَائِدًا عَلى الخَاطِبِ، فَإِذَا خَطَبَها شَخصِّ، فَقَد شَاءَ تَزوِيجَها، وقَد أذِنَت في
تَزوِيجِها مِمَّن يَشَاءُ(٦) هو تَزوِيجَها، فَيَجِبُ عَلى الولِيِّ إجَابَتُه، ويَحرُمُ عَلَى غَيرِهِ
خِطِبَتَها؛ لِأَنَّها قَد أجَابَته بِالوصفِ، وإن لَم تُجِبِه بِالتَّعِينِ. والله أعلمُ.
■ التَّاسِعَةُ: قال الخَطَّابِيُّ وغَيرُهُ(٧): ظَاهرُه اختِصَاصُ النَّحرِيمِ بِمَا إذَا كَانَ
الخَاطِبُ مسلمًا، فَإِن كَانَ كَافِرًا، فَلَا تَحرِيمَ(٨). وبه قال الأوزَاعِيُّ، وحَكَاه الرَّافِعِيُّ
عن أبِي عُبَيدِ ابنِ حَرَبَويه، قال والِدِي ◌َّتُهُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): ويُقَوِّي ذلك قَولُه في
أولِ حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ عِندَ مسلم: ((المُؤْمن أخُو المُؤمن)). فَهو ظَاهرٌ في
اختِصَاصِ ذلك بِخِطَبَةِ المسلم. انتَهَى. وقال الجُمهورُ: تَحرُمُ الخِطبَةُ عَلى خِطبَةٍ
الكَافِرِ أيضًا. قال النَّوِيُّ(٩): وَلَهم أن يُجِيبوا عن الحديثِ بِأنَّ التَّقِيدَ بِـ ((أخِيه) خَرَجَ
عَلى الغَالِبِ، فَلَا يَكُونُ لَه مَفهومٌ يُعمَلُ به، كَمَا في قَوله تَعَالى: ﴿وَلَ نَقْتُلُواْ أَوَلَدَّكُمْ﴾
[الأنعام: ١٥١]، وقَوله تَعَالى: ﴿وَرَبَيِّئُكُمُ الَّتِى فِىِ حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ونَظَائِرِه.
(١) السنن الكبرى (٣٤٦/٥).
(٢ - ٢) ليست في (ش).
(٣)
في (ش): ((تشاء)).
(٤) الأم (١٠٩/٦).
(٥)
في (ش): ((تشاء)).
(٦) في (ش): ((تشاء)).
(٧)
معالم السنن (١٩٥/٣)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٩٨/٩).
(٨) في الأصل: ((فلا تحرم)).
(٩) شرح صحيح مسلم (١٩٨/٩).
كِتَابُ البُّيُوعِ
٩٣
==
■ العَاشِرَةُ: ظَاهرُ الحديثِ أنَّه لَا فَرِقَ بَيْنَ أن يَكُونَ الخَاطِبُ الأولُ فَاسِقًا
أو لَا. وهَذَا هو الصَّحِيحُ الَّذِي تَقْتَضِيه الأحَادِيثُ وعُمُومُها، وذَهَبَ ابنُ القَاسِمِ
صَاحِبُ [٢/ ٩٠ظ] مَالِكٍ إلى تَجوِيزِ الخِطبَةِ عَلى خِطِبَةِ الفَاسِقِ. واختَارَه ابنُ العَرَبِيِّ
المَالِكِيُّ (١)، وقال: لَا يَنبَغِي أن يُخْتَلَفَ فِي هَذَا. انتهى.
قال والِدِي رَّتُهُ: وهو مَردُودٌ، لِعُمُوم الحديثِ، إذ الفِسقُ لَا يُخرِجُ عن
الإِيمَانِ والإسلَامِ عَلى مَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ، فَلَا يَخرُجُ بذلك عن كَونِهِ خَطَبَ عَلى
خِطبَةِ أخِيه المسلمِ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: حَيثُ مَنَعنَا الخِطبَةَ عَلى الخِطِبَةِ، فَارْتَكَبَ النَّهيَ(٢)،
وخَطَبَ وتَزَوجَ أثِمَ بِفِعلِه، وصَحَّ النِّكَاحُ ولَم يُفسَخ، هَذَا مَذهَبُنَا ومَذْهَبُ
الجُمهورِ، وقال دَاوُد: يُفْسَخُ(٣) النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ النَّهيَ يَقْتَضِي الفَسَادَ.
وعن مَالِكٍ رِوايَتَانِ كَالمَذهَبَينِ، وقال جَمَاعَةٌ من أصحَابٍ مَالِكٍ: يُفْسَخُ
النكاح(٤) قَبلَ الدُّخُولِ لَا بَعدَه. وهو رِوايَةٌ عن مَالِكٍ(٥).
واحتِجَاجُ القَائِلِ بِالبُطلَانِ بِأنَّ النَّهيَ يَقتَضِي الفَسَادَ مَرَدُودٌ؛ لِأنَّ المَنهيَّ عنه
الخِطبَةُ، والخِطِبَةُ لَيسَت شَرطًا في صِحَّةِ النِّكَاحِ، بِحَيثُ إذَا فَسَدَت فَسَدَ النِّكَاحُ؛
لِأَنَّه لَو تَزَوجَ من غَيرِ تَقَدُّمِ خِطَةٍ جَازَ، فَتَحْرِيمُ الخِطبَةِ لَا يَقْتَضِي فَسَادَ النِّكَاحِ.
والله أعلمُ.
] الثّانيةَ عَشْرَةَ: الحديثُ إِنَّمَا وَرَدَ في النَّهي عن خِطبَةِ الرَّجُلِ عَلى
خِطبَةِ أخِيه، ويَنْبَغِي أن يُلحَقَ به خِطبَةُ المَرأةِ عَلى خِطبَةِ امرأةٍ أُخرَى، بِأن تَرغَبَ
امرأةٌ في تَزوِيجِ رَجُلٍ من (٩٤/٦م) أهلِ الفَضلِ، وتَخطُبُه، فَيَركَنُ (٦) إلى التَّزَوُّج(٧)
(١) عارضة الأحوذي (٧١/٥).
(٢) في (ح): ((المنهي)).
(٣) في (ح): ((ینفسخ)).
(٤) من (ش).
ينظر: البيان والتحصيل (١٥٠/١٨).
(٥)
(٦) في (ك٢): ((وركن))، وفي (ش): ((فركن)).
(٧) في الأصل، (ش): ((التزويج)).
=
٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بها، فَتَجِيءُ امرأةٌ أُخرَى فَتَخطُبُه، وقَد ذَكَرَ ذلك(١) شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ
الإسئَوِيُّ في ((المُهمَّاتِ)) فقال: نَصُّوا عَلى استِحِبَابِ خِطبَةِ أهلِ الفَضلِ من
الرِّجَالِ، فَإِذَا وقَعَ ذلك، فَلَا شَكَّ أنَّه يَأتي في التَّحرِيمِ مَا سَبَقَ في المَرأةِ.
انتَھَی.
فَإِن قُلتَ: الفَرقُ بَينَهمَا أنَّه لَا يُمكِنُ تَزْوِيجُ المَرأةِ لِرَجُلَيْنٍ، ويُمكِنُ تَزْوِيجُ(٢)
الرَّجُلِ بِامَرَأْتَينِ.
قُلتُ: الصُّورَةُ فيمَا إذَا لَم يَكُنْ عَزَمَ الرَّجُلُ أن يَتَزَوجَ إلَّا بِامْرَأَةٍ واحِدَةٍ،
بِحَيثُ إن عَرَضَت (٣) الثَّانيَةُ عَلَيه نَفسَها يَصرِفُه (٤) عن التَّزَوُّجِ بِالأُولى؛ لِتَمَيُّزِها
عَلَيها في الأوصَافِ المُقْتَضِيَةِ لِلرَّغَةِ.
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: قال النَّوِيُّ في ((شَرِحِ مسلم))(٥): مَعنَى هَذَا الحديثِ؛
يَعني: قَولَه: ((وَلَا تَسألِ المَرأةُ طَلَاقَ أُختِها)). نَهْيُ (٢) المَرأةِ الأجنَبِيَّةِ أن تَسألَ
الزَّوجَ طَلَاقَ زَوجَتِه وأن يَنكِحَها، ويُصَيِّرَ لَها من نَفَقَتِهِ ومَعرُوفِه ومُعَاشَرَتِهِ ونَحوِها
مَا كَانَ لِلمُطَلَّقَةِ، فَعَبَّرَ عن ذلك بِاكتِفَاءِ مَا في الصَّحِفَةِ (٧) مَجَازًا، والمُرَادُ(٨)
بِأُختِها غَيرُها، سَواءٌ كَانَت أُختَها من النَّسَبِ، أو أُختَها في الإسلام، أو كَافِرَةً.
انتَھَی.
وحَمَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩) الأُختَ هنَا (١٠) عَلى الضَّرَّةِ، فقال: فيه من(١١) الفِقه
أنَّه لَا يَنْبَغِي أن(١٢) تَسألَ المَرأةُ زَوجَها أن يُطَلِّقَ ضَرَّتَها لِتَنَفَرِدَ به. انتَهَى.
ورَدَّه والِدِي ◌َظْهُ في ((شَرحِ الترمذيّ)) بِقَولِه في آخِرِ الحديثِ: ((ولتَنكِح))؛
ليس في: (ش).
(١)
(٢) في (ح): ((تزوج)).
(٣)
في (ش): ((عرض)).
في (ش): ((تصرفه)). والمثبت من باقي النسخ، وله وجه.
(٤)
(٥)
شرح صحيح مسلم (٩/ ١٩٣).
في الأصل، (ش): ((الصفحة)).
(٧)
(٩) التمهيد (١٦٥/١٨).
(١١) في (ش): ((في)).
(١٢) بعدها في (ش): ((لا)).
(٦) في (ش): ((هي).
(٨) في (ك٢): ((المرأة)).
(١٠) ليس في: (ش).
كِتَابُ البُيُوعِ
٩٥
=
فَإِنَّها في هَذِهِ الصُّورَةِ نَاكِحَةً. وحَمَلَ الشَّيخُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ الأُختَ عَلى
الأُختِ في الدِّينِ، فقال: أرَادَ أُختَها من الدِّينِ، فَإِنَّها من النَّسَبِ لَا تَجتَمِعُ
معها. قال والِدِي: ويَدُلُّ عَلَيه مَا زَادَه(١) ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))(٢) في
الحديثِ: ((فَإِنَّ المسلمَةَ أُختُ المسلمَةِ)). وحَمَلَ الشَّيخُ مُحِبُّ الدِّينِ المَذكُورُ
الحديثَ عَلى اشتِرَاطِ(٣) ذلك في النِّكَاحِ، فَذَكَرَ الحديثَ في ((أحكَامِه)) بِلَفِظِ:
(نَهَى أن تَشتَرِطَ المَرأةُ طَلَاقَ أختها))(٤)، وتَرجَمَ عَلَيه: ((ذِكرُ مَا نُهيَ عنه من
الشُّرُوطِ))، وعَزَاه ((لِلصَّحِيحَينِ)).
قال والِدِي ◌َخُّْهُ: ولَيسَ هَذَا لَفظَه عِندَ واحِدٍ منهمَا، وإنَّمَا ذَكَرَه البَيْهَقِيُّ (٥)
بِلَفِظِ: ((لَا يَنبَغِي لِمرَأَةٍ أن تَشْتَرِطَ طَلَاقَ أُختِها لِتُكَفِئَ إِنَاءَها)). ثم قال البَيهَقِيُّ:
رَواه البُخَارِيُّ في ((الصَّحِيحِ)).
قال والِدِي تَخْذُهُ: وإِنَّمَا يُرِيدُ البَيهَقِيُّ أصلَ الحديثِ، لَا مُوافَقَةَ اللفظِ، كَمَا
هو مَعْرُوفٌ في عُلُومِ الحديثِ. قال: نَعَم، تَرجَمَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ:
(بَابُ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ في النِّكَاحِ»، وذَكَرَ قَولَ ابنِ مَسعُودٍ مَوقُوفًا: ((لَا
تَشْتَرِطِ المَرأةُ طَلَاقَ أُختِها)). ثم ذَكَرَ حَدِيثَ (٩٥/٦م) أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفِظِ: ((لَا يَحِلُّ
لِمرَأةٍ تَسألُ(٦) طَلَاقَ أُختِها))(٧) .
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: يَنبَغِي أن يَعُودَ هنَا الخِلَافُ المُتَقَدِّمُ في قَولِه: ((لَا
يَخطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أخِيه)) [٩١/٢و]، فَعَلى مَذْهَبِ الأوزَاعِيِّ وابنِ حَربُويه:
لَا يَحِرُمُ أن تَسألَ المسلمَةُ(٨) طَلَاقَ الكَافِرَةِ. وعَلى مَذهَبِ الجُمهورِ: لَا فَرقَ.
وقَد تَقَدَّمَ عن النَّورِيِّ: أنَّه سَوى في هَذَا الحُكمِ بَينَ المسلمَةِ والكَافِرَةِ، وهو
مُوافِقٌ لِمَا نَقَلْنَاه عن مُقْتَضَى (٩ مَذهَبِ الجُمهور٩ِ).
(١)
في (ش): ((رواه)).
(٣)
في (ش): ((إسقاط)).
(٥) السنن الكبرى (٢٤٩/٧).
(٧) البخاري (٥١٥٢).
(٩ - ٩) في (ش): ((مذهبه)).
(٢) ابن حبان (٤٠٧٠).
(٤) ليست في (م)، والأصل.
(٦) في (ش): ((أن تسأل)).
(٨) في (ش): ((المرأة)).
=
٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الخَامِسَةَ عَشرَ: ويَنبَغِي عَلى مَذهَبِ ابنِ القَاسِم: أن يُستَثنَى مَا إذَا
كَانَ المَسؤُولُ طَلَاقَها فَاسِقَةً. وعَلى مَذْهَبِ الجُمهورِ: لَا فَرَقَ، كَمَا تَقَدَّمَ. والله
أعلمُ.
■ السَّادِسَةَ عَشرَ: خَرَجَ بِقَولِه: ((لِتَكَتَفِئَ مَا فِي صَحِفَتِها))(١). مَا إِذَا سَأَلَت
طَلَاقَها لِمَعنّى(٢) آخَرَ (٣)؛ كَرِيبَةٍ فيها، لَا يَنبَغِي لِأجلِها أن تُقِيمَ مع الزَّوجِ، أو
لِضَرَرٍ يَحصُلُ لَها من الزَّوجِ، أو يَحصُلُ لِلزَّوجِ منها، وقَد يَكُونُ سُؤَالُهاَ ذلك
بِعِوضٍ، فَيَكُونُ خُلعًا (٤) مع أجنَبِيِّ.
■ السَّابِعَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((ولتَنكِح)). رُوِيَ بِالجَزمِ عَلى الأمرِ، وحِينَئِذٍ
فَيَجُوزُ في اللامِ الإسكَانُ والكَسرُ، ورُوِيَ بِالنَّصبِ عَلى أنَّه مَعْطُوفٌ عَلى قَولِه:
((لِتَكْتَفِئَ)) فَيَكُوَنُ تَعلِيلًا لِسُؤَالِها طَلَاقَ أُختِها؛ أي: تَفعَلُ ذلك لِتَكتَفِئَ مَا في
إِنَائِها، ولِتَنكِحَ زَوجَها، وحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ في اللامِ الكَسرُ.
■ الثَّامنةَ عَشَرَ: عَلى الأولِ، وهو الأمرُ، يَحتَمِلُ أن يَكُونَ المُرَادُ:
ولتَنكِح ذلك الرَّجُلَ مع وُجُودِ الضَّرَّةِ، وحِينَئِذٍ فَيَمتَنِعُ معه أن يَكُونَ المُرَادُ الأُختَ
من النَّسَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ عن المُحِبِّ الطَّبَرِيِّ، ويُرَدُّ ذلك عَلى النَّوِيِّ في إدخَالِه
الأُختَ من النَّسَبِ تَحتَ اللفظِ، ولَعَلَّه لَا يَرَى هَذَا الإِحْتِمَالَ، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ
المُرَادُ: ولتَنكِحِ غَيرَه، وتُعرِض عن نِكَاحِ هَذَا الرَّجُلِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ المُرَادَ الأعَمُّ
من الإِحْتِمَالَينِ؛ أي: ولتَنكِح مَن تَسَّرَ لَهَا، هَذَا الرَّجُلَ أو غَيرَه، مع انكِفَافِها عن
سُؤَالِ الطَّلَاقِ، وعَلى هَذَا الإِحْتِمَالِ الثَّالِثِ، فَيَمتَنِعُ أيضًا إرَادَةُ أُختِ النَّسَبِ.
والله أعلمُ.
(١) في الأصل: ((صفحتها)).
في الأصل، (ح): ((بمعنى)).
(٢)
(٣)
ليس في: الأصل.
في (ش): ((خلعها)).
(٤)
كِتَابُ البُيُوعِ
٩٧
=
الحديثُ الخَامِسُ
وعن هَمَّام، عن أبِي هرَيرَةَ رَُّبه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا مَا
اشتَرَى أحَدُكُمْ لِقَّحَةً (١٩٦/٦) مُصَرَّاةً، أو شَاةً مُصَرَّةً، فَهو بِخَيرِ النَّظَرَينِ (١)
بَعدَ أن يَحِلُبَها، إمَّا رَضِيَ، وإلَّا فَلَيَرُدَّها وصَاعَ تَمر))(٢).
فيه فوائدُ سِوى مَا تَقَدَّمَ:
■ الأُولى: أخرَجَه مسلمٌ(٣) من هَذَا الوجه عن مُحَمَّدِ بنِ رَافِعٍ، عن
عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ .
■ الثّانيةُ: قَولُه: ((إذا مَا اشتَرَى)). كَذَا هو في رِوايَتِنَا، وفي رِوايَةٍ مسلمٍ،
و(مَا)) زَائِدَةٌ، وَكَذَا هيَ زَائِدَةٌ (٤في قَولِه٤): ((إِمَّا رَضِيَ)). والأصلُ: إن رَضِيَ،
والجَوابُ مَحذُوفٌ تَقدِيرُه: أخَذَها، أو: لَم يَرُدَّها.
■ الثَّالِثَةُ: ((اللقحَةُ)): بِكَسر اللام وفَتحِها، لُغَتَانِ، الكَسرُ أفصَحُ، بَعدَها
قَافٌ ثم حَاءٌ مُهمَلَةٌ، وهيَ النَّاقَةُ القَرِيبَةُ العَهدِ بِالوِلَادَةِ، نَحو شَهرَينٍ أو ثَلَاثَةٍ،
جَزَمَ به الثَّورِيُّ في (شَرحِ مسلم)(٥)، وحَكَاه في ((الصِّحَاحِ)) (٦) عن أبِي عَمرٍو.
وفي ((المَشَارِقٍ))(٧) عن ثَعَلَبٍ، بَّعدَ أن صَدَّرَا كَلَامَهمَا: بِأنَّها ذَاتُ اللبَنِ من غَيرِ
تَقِيدٍ، والجَمِعُ لِفَحْ؛ كَقِرِبَةٍ وَقِرَبٍ. وحَكَى في ((المُحكَم)) (٨) جَمِعَه أيضًا عَلى
◌ِفَاحِ، قال: فَأمَّا لِفَحْ فَهو القِيَاسُ. وأمَّا لِقَاحٌ، فقال سِيبَويه: كَسَّرُوا ((فِعلَةَ)(٩)
عَلَى ((فَعَالٍ)) كَمَا كَسَّرُوا ((فُعلَةَ))(١٠) عَلَيه حِينَ قَالُوا: جُفرَةٌ وجِفَارٌ. انتَهَى.
ثم اعرِف شَيئَينٍ، أحَدُهمَا: أنَّ المَشهورَ في اللغَةِ اختِصَاصُ اللقحَةِ بِالإِبِلِ،
في الأصل: ((النظيرين)).
(١)
(٣)
مسلم (٢٨/١٥٢٤).
(٥)
شرح صحيح مسلم (١٢/ ١٧٣).
مشارق الأنوار (٣٦٢/١).
(٧)
في النسخ: ((فعله)).
(٩)
(٢) في (ش): ((ثمر)).
(٤ - ٤) ليست في (ح).
(٦) الصحاح (٤٠١/١).
(٨) المحكم (١٣/٣).
(١٠) ضبطها في الأصل بالضم.
=
٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لَكِن جَاءَ في الحديثِ إطلاقُها عَلى البَقَرِ والغَنَم في قَولِه: ((واللقحَةُ من البَقَرِ،
واللقحَةُ من الغَنَم))، نَبَّهَ عَلَيه في ((المَشَارِقِ)).
ثَانِيهِمَا (١): ذَكَرَ الجَوهَرِيُّ وغَيرُهُ(٢): أنَّ اللقحَةَ المُتَقَدِّمَ ذِكرُها، واللقُوحَ
بِفَتَحِ اللامِ بِمَعنَى واحِدٍ. وغَايَرَ بَيْنَهمَا في ((المُحكَم)) (٣) فقال: قال ابنُ الأعرَابِيِّ:
النَّاقَةُ لَقُوَحٌ(٤) أولُ نِتَاجِها شَهرَينٍ أو ثَلَاثَةً. وقِيَلَ: اللقُوحُ: الحَلُوبَةُ، وجَمعُ
اللقُوحِ: لِقَحْ، ولَقَائِحُ، ولِقَاحٌ(٥). ثم قال: واللقحَةُ: النَّقَةُ من حِينٍ يَسمُنُ سَنَامُ
ولَدِهَا، لَا يَزَالُ (٦) ذلك اسمُها حَتَّى يَمِضِيَ لَها سَبعَةُ أشهرٍ، ويُفصَلُ ولَدُها،
وذلك عِندَ طُلُوعِ سُهَيلٍ، والجَمِعُ: لِفَحُ ولِقَاحٌ. ثم قال: وقِيلَ: اللقحَةُ واللقحَةُ:
النَّاقَةُ الحَلُوبُ. انتَهَى.
وكَذَا غَايَرَ بَيْنَهمَا صَاحِبُ ((النِّهَايَةِ))(٧)، فقال: اللقحَةُ: النَّاقَةُ القَرِيبَةُ العَهدِ
بِالنِّتَاجِ، ونَاقَةٌ لَقُوحٌ: إذَا [٩١/٢ظ] كَانَت غزِيرةً(٨)، ونَاقَةٌ لَاقِحُ: إِذَا كَانَت
حَامِلًا، ونُوقٌ لَواقِحُ، واللقَاحُ: ذَواتُ الألْبَانِ، و(٩) الواحِدَةُ لَقُوحٌ. انتَهَى.
■ الرَّابِعَةُ: قَولُه (٩٧/٦م): ((فَلَيَرُدَّها)»، ذَكَرَ النَّوِيُّ في الحَجِّ في(١٠)
((شَرحٍ مسلم))(١١) في نَظِيرِهِ: أنَّه مَفتُوحُ الدَّالِ بِالاِتِّفَاقِ. ولَيسَ کَذلك، بَل یَجُوزُ
فيه الضَّمُّ وَالفَتحُ والكَسرُ، كَمَا حَكَاه هو وغَيْرُه في قَولِهِ: ((إنَّا لَم نَرُدَّ عَلَيك إلَّا
أَنَّا حُرُمٌ))(١٢).
(١) في (م): ((وثانيهما)).
(٢)
الصحاح (٤٠١/١)، ومشارق الأنوار (٣٦٢/١).
(٣)
المحكم (١٢/٣).
(٥)
ليست في (ك٢).
(٧)
النهاية (٢٦٢/٤).
في (م، ح، ك٢): ((عزيزة))، وفي الأصل بلا نقط، والمثبت من (ش)، ومصدر
(٨)
التخريج.
(٩) ليس في: (ح، ش).
(١١) شرح صحيح مسلم (١٠٤/٨).
(١٠) في (ح): ((من)).
(١٢) البخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣)، والترمذي (٨٤٩)، والنسائي (٢٨١٨)، وابن ماجه
(٣٠٩٠).
(٤) كذا ضبطها في (ح).
(٦) في (م، ش): ((ثم لا يزال)).
=
كم
٩٩
كِتَابُ البُيُّوعِ
ومَا ذَكَرَه - هو والقَاضِي عِيَاضٌ(١) قَبلَه: من(٢) أنَّ الضَّمَّ في مِثلِ ذلك
مُرَاعَاةٌ لِلواوِ الَّتِي تُوجِبُها ضَمَّةُ الهاءِ بَعدَها لِخَفَاءِ الهاءِ، فَكَأنَّ مَا قَبلَها ولِيَ (٣)
الواو، ولَا يَكُونُ مَا قَبلَ الواوِ إلَّا مَضمُومًا - لَيْسَ کَذلك.
وإِنَّمَا هو مُرَاعَاةٌ لِلصَّمَّةِ الَّتِي قَبلَ الحَرفِ المُضَاعَفِ، حَتَّى يَطَّرِدَ فيمَا إذَا
دَخَلَ عَلَيهِ ضَمِيرٌ مُؤَنَّثٌ، كَمَا فِي هَذَا الحديثِ، أو ضَمِيرٍ مُثَنَّى(٤)، أو جَمعٍ، أو
لَم يَدخُل عَلَيه ضَمِيرٌ (٥) بِالكُلِيَّةِ. وكَلَامُ أهلِ اللغَةِ يَدُلُّ عَلى مَا ذَكَرته.
وقَد مَثَّلَ ثَعَلَبٌ في ((الفَصِيحِ))(٦) ذلك بِقَولِه: ((مَذَّ ومَدٌ ومَدُّ)(٧). ولَم يَدخُل
عَلَيه ضَمِيرٌ أصلًا.
وقال أبو البَقَاءِ(٨) في قَوله تَعَالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، قِيلَ:
حَقُّه الجَزمُ عَلى جَوابِ الأمرِ، ولَكِنَّهِ حُرِّكَ بِالضَّمِّ اتِبَاعًا لِضَمَّةِ الضَّادِ.
وقال مَكِّيٌّ: حَكَى النَّحوِيُّونَ: ((لَم نَرُدُّها))(٩) بِضَمِّ الدَّالِ، وهو مَجزُومٌ. لَكِنَّه
لَمَّا احتَاجَ إلى حَرَكَةِ الدَّالِ أتبَعَها (٢٩٨/٦) مَا قَبلَها، وهو حَرَكَةُ الضَّادِ (١٠).
انتَھَی.
فَنُقِلَ عن النُّحَاةِ الضَّمُّ اتبَاعًا، مع دُخُولِ الضَّمِيرِ لِلمُفرَدِ المُؤَنَّثِ.
وفي ((الإِفصَاحِ)): حَكَى الكُوفيونَ ((رَدُّها)) بِالضَّمِّ والكَسرِ، و((رَدَّه)) بِالكُسرِ
والفَتحِ. انتَهَى. وإنَّمَا حَكَيت عِبَارَاتِهِم لِيَتَّضِحَ الرَّدُّ عَلى النَّوِيِّ، فَإِنَّه يُتَمَسَّكُ
بِكَلَامِه لِجَلَالَتِهِ (١١ وعظم قدره ١١). والله أعلمُ.
(١) إكمال المعلم (١٩٧/٤، ١٩٨).
(٢) في الأصل، (ح، م): ((في)). والمثبت أجود.
(٣)
في (ح): ((أولى)).
(٥)
ليس في: (ش).
(٤) في (ش): ((مبني)).
(٦) ينظر: شرح صحيح مسلم (١٠٤/٨).
(٧)
في (م): «مد مدمد)).
التبيان في إعراب القرآن (٤٦٥/١، ٤٦٦).
(٨)
(٩) في (م): ((تردها))، وفي (ش): ((يردها)). (١٠) في (م): ((الصاد)).
(١١ - ١١) من (ش).
١٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ السَّادِسُ
وعن الأعرج، عن أبِي هرَيرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهُ نَهَى عن لِيسَتَينِ،
وعن بَيعَتَينِ: عن المُلَامَسَةِ، والمُنَابَذَةِ، وعن أن يَحتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوبٍ
واحِدٍ لَيسَ عَلى فَرجِه منه شَيءٌ، وعن أن يَشتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوبِ الواحِدِ
عَلى أحَدِ شِقَّیه)).
وعن هَمَّام، عن أبِي هرَيرَةَ عَظُبه، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِوَلِّ عن
بَيعَتَيْنٍ، ولِيسَتَيْنِّ: أن يَحتَبِيَ أحَدُكُم في الثَّوبِ الواحِدِ لَيسَ عَلى فَرجِه منه
شَيءٌ، وأن يَشتَمِلَ في إزَارِهِ إِذَا مَا صَلى، إلّا أن يُخَالِفَ بَينَ طَرَفَيه عَلى
عَائِقِهِ، ونَهَى عن اللمسِ والنَّجشِ)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: الرِّوايَةُ الأُولى في ((المُوطَّ))(١) عن مَالِكِ، عن مُحَمَّدٍ بِنِ
يَحْيَى بِنِ حِبَّنَ، وأبِي الزِّنَادِ، كِلَاهمَا (٩٩/٦م) عن الأعرج، عن أبِي هَرَيرَةَ. قال
ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢): هو في ((المُوطًّا)) عند (٣) جَمَاعَةِ رُواتِهِ(٤) بِهَذَا الإسنَادِ. انتَهَى.
وأسقَطَ الشَّيخُ تَُّهُ ذِكرَ مُحَمَّدٍ بنٍ يَحيّى بنِ حِبَّانَ؛ لِأَنَّه لَيسَ من التَّرَاجِمِ
الَّتِي ذَكَرَها في خُطبَةِ الكِتَابِ، وقَد عُرِفَ أنَّ الحديثَ إذَا كَانَ جَمِيعُه عن
رَاوِيَينِ(٥) ثِقَتَينٍ (٦) جَازَ حَذْفُ أحَدِهمَا، وَرَواه البُخَارِيُّ، والنسائيُّ (٧) من طَرِيقٍ
مَالِكِ عنهمَا؛ مُقْتَصِرَينٍ عَلى النَّهي عن المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ. وَرَواه البُخَارِيُّ،
ومسلمٌ (٨) من طَرِيقِ مَالِكٍ، عن أبِي الزَّنَادِ فَقَط. وأخرَجَه مسلمٌ (٩) من رِوايَةِ مَالِكٍ
عن ابنِ حِبَّنَ فَقَط مُقتَصِرًا عَلى المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ. واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ،
(١) الموطأ (٦٦٦/٢، ٩١٧).
(٣)
في (م): ((عن)).
(٢) التمهيد (٨/١٣).
(٤) في (م): ((رواية)).
(٥)
في (م): ((روایتین)).
(٦) في (ح): ((تقيين)).
(٧)
البخاري (٢١٤٦)، والنسائي في الكبرى (٦١٠٠).
البخاري (٥٨٢١)، ومسلم (١/١٥١١). (٩) مسلم (١٥١١).
(٨)