Indexed OCR Text

Pages 581-600

=
٥٨١
بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها
وقال الترمذيُّ(١): العَمَلُ عَلى هَذَا عِندَ أهلِ العِلم، يَستَحِبونَ أن تُذْبَحَ(٢)
يَوَ السَّابِعِ، فَإِن لَم يَتَهَيَّ، فَيَوُ الرَّابِعَ عَشَرَ، فَإِن لَم يَتَهَيَّأْ، فَيَومُ إحدَى وعِشِرِينَ.
وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٣) عن عَائِشَةَ وإسحَاقَ.
قال الشَّافِعِية(٤): فَإِذَا بَلَغَ سَقَطَ حُكمُها في حَقِّ غَيرِ المَولُودِ، وهو مُخَيَّرٌ في
العَقِيقَةِ عن نَفسِه. واستَحسَنَ القَفَّالُ الشَّاشِيُّ أن يَفعلَها(٥)، وقال الحَسَنُ البَصرِيُّ:
إِذَا لَم يُعَقَّ عنك فَعُقَّ عن نَفسِك، وإن كُنتِ رَجُلًا. ويُروى: أنَّ النبيَّ بِّهِ عَقَّ عن
نَفسِه بَعدَ النُّبوةِ، رَواه البَيهَقِيُّ(٦) من حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ مُحَرَّرٍ، عن قَتَادَةَ، عن
أَنَسٍ، وقال: إنَّه حَدِيثٌ مُنكَرٌ. ثم حَكَى عن (٧) عَبدِ الرَّزَّاقِ (٢١٠/٥م) أنَّه قال:
إِنَّمَا تَرَكُوا عَبدَ الله بنَ مُحَرَّرٍ بِسَبَبِ هَذَا [٥٩/٢ظ] الحديثِ. ثم قال البَيهَقِيُّ: وقَد
رُوِيَ من وجهٍ آخَرَ عن قَتَادَةَ، ومن وجهٍ آخَرَ عن أَنَسٍ، وَلَيْسَ بِشَيءٍ.
قُلتُ: لَه طَرِيقٌ لا بَأسَ بها، رَواها أبو الشَيخِ، وابنُ حَزم(٨)؛ من رِوايَةٍ
الهَيثَمِ بنِ جَمِيلٍ، عن عَبدِ الله بن(٩) المُثَنَّى، عن ثُمَامَةَ، عن أَنَسٍ؛ وذَكَرَها
والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)). وقال النَّووِيُّ(١٠): هو حَدِيثٌ بَاطِلٌ، وعَبدُ الله بنُ
مُحَرَّرٍ انَّفَقُوا عَلى ضَعفِه. قال الرَّافِعِيُّ: ونَقَلُوا عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ في رِوايَةٍ
البويطِيِّ: أنَّه لا يُفعَلُ ذلك. واستَغْرَبوه. قال النَّووِيُّ: نَصُّه في ((البويطِيِّ)):
ولا يُعَقُّ عن كَبِيرٍ. ولَيسَ مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ، فَإِنَّ مَعنَاه: لا يَعُقُّ عنه غَيرُه؛ ولَيسَ
فيه نَفْيُ عَقِّه عن نَفسِهِ (١١).
القَولُ الثَّاني: أنَّها مُؤَقََّةٌ بِالسَّابِعِ، فَلا تَقَعُ المَوقِعَ لا(١٢) قَبَلَه ولا بَعدَه، بَل
تَفُوتُ، وهَذَا هو قَولُ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١٣): ورُوِيَ عنه أنَّه يُعَقُّ
الترمذي، عقب حديث (١٥٢٢).
(١)
(٣)
الإشراف (٤٢٠/٣).
(٥)
في (م): ((يعقلها)).
زيادة من الأصل، (ك٢).
(٧)
(٩) ليست في (م).
(١١) ينظر: روضة الطالبين (٢٢٩/٣).
(١٣) التمهيد (٣١٢/٤).
(٢) في (ح): ((يذبح)).
(٤) وفي (م): ((الشافعي)).
(٦) السنن الكبرى (٣٠٠/٩).
(٨) المحلى (٥٢٨/٧).
(١٠) المجموع (٤١٢/٨).
(١٢) ليس في: الأصل.

=
٥٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
عنه يَومَ السَّابِعِ الثَّاني، وحَكَاه ابنُ وهبٍ عنه، (١ وبه قال١) إسحَاقُ بنُ رَاهويه،
وهو مَذْهَبُ ابنِ وهبٍ. انتَهَى.
وقال ابنُ شَاسٍ في ((الجَواهرِ))(٢): ورَوى ابنُ وهبٍ أنَّ الأسَابِيعَ الثَّلاثَةَ في
العَقِيقَةِ كَالأيَّامِ الثَّلاثَةِ في الضَّحَايَا. وفي ((مُختَصَرِ الوقَّارِ)) (٣): يُعَقُّ عنه في
الأسبوعِ الأولِ، فَإن فَاتَ فَفي الثَّانِي، فَإن أخطَأه ذلك فَلا عَقِيقَةَ. انتَهَى.
وقال ابنُ المُنذِر (٤): قال مَالِكٌ في الغَائِبِ يُولَدُ لَه فَيَأْتِي بَعدَ السَّابِعِ فَيُرِيدُ أن
يَعُقَّ عن ولَدِهِ، فقال: مَا عَلِمت أنَّ هَذَا من أمرِ النَّاسِ ولا يُعجِبُني. انتَهَى. وهَذَا
يَقْتَضِي الفَواتَ بَعدَ السَّابِعِ، ولَو تَعَذَّرَ(٥)؛ كَالغَيبَةِ، وقال ابنُ حَزم(٦): لا نَعلَمُ أَحَدًا
قال قَبلَ مَالِكٍ بِالاقتِصَارِ عَلى السَّابِعِ الثَّاني. [وفي ((المُستَدرَك)) لِلحَاكِم(٧)،
وصَحَّحَ إِسنَادَه: ((أَنَّ امَرَأةً نَذَرَت إن ولَدَت امرأةٌ عَبدِ الرَّحمَنِ نَحَرنَا جَزُورًا، فقالت
عَائِشَةُ: ((لا، بَل السُّنَّةُ أفضَلُ، عن الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافَأْتَانٍ، وعن الجَارِيَةِ شَاةٌ،
تُقطَعُ جُذُولًا، ولا يُكسَرُ لَها عَظمٌ، فَيَأْكُلُّ، ويُطعِمُ، ويَتَصَدَّقُ، وليَكُن ذلك يَومَ
السَّابِعِ، فَإِن لَم يَكُن، فَفي أربَعَةَ عَشَرَ، فَإِن لَم يَكُن، فَفي أحدٍ (٨) وعِشِرِينَ))](٩).
القَولُ الثَّالِثُ: أنَّها لا تُجزِئُ قَبلَ السَّابِعِ، ولا تَفُوتُ بِفَواتِهِ، فَتُذْبَحُ (١٠)
بَعْدَه مَتَى أمكَنَ، قاله ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ(١١). وَذلك أنَّه يَرَاها فَرِضًا، فَلا بُدَّ من
فِعِلِها، ولَو قَضَاءً. والله أعلمُ.
(١ - ١) ليست في (م)، و((به)) ليست في النسخ، وهي زيادة من مصدر التخريج، وبها يستقيم
السياق.
(٢) عقد الجواهر (٤٣/٢).
(٣) هو: الحافظ المذهب الإمام الحجة أبي بكر محمد بن أبي يحيى زكريا الوقَّار؛ ألف
مختصرين في الفقه المالكي، الكبير منهما في سبعة عشر جزءًا، وأهل القيروان كانوا
يفضلون مختصره على مختصر ابن عبد الحكم شيخه؛ توفي في رجب سنة تسع وستين
ومائتين. الديباج لابن فرحون (ص ١٩٣).
(٤) الإشراف (٤٢٠/٣).
(٥) في (ح): ((بعذر)).
(٦) المحلى (٥٣٠/٧).
(٨) في (م): ((إحدى)).
(١٠) في (ح): ((فيذبح)).
(٧) الحاكم (٢٣٨/٤).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(١١) المحلى (٥٢٣/٧).

=
بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها
٥٨٣
] التَّاسِعَةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في أَنَّه هَل يُحسَبُ يَومُ الوِلادَةِ [من السَّبعَةِ أم
لا؟ فقال مَالِكٌ(١): لا يُحسَبُ منها. وعِندَ الشَّافِعِيَّةِ في ذلك خِلافٌ، فَالأصَحُ
(٢١١/٥م) عِندَ الرَّافِعِيِّ، وتَبِعَه النَّووِيُّ في العَقِيقَةِ من ((الرَّوضَةِ)) و((شَرحِ
المُهَذَّبِ))(٢): أنَّه يُحسَبُ يَومُ الوِلادَةٍ](٣) منها، وكَذَا صَخَّحَه في ((شَرحِ مسلم)) (٤).
لَكِنَّه صَحَّحَ في ((الرَّوضَةِ))، من زَوائِدِه في مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ(٥): أنَّه لا يُحَسَبُ
منها، وحَكَاه عن الأكثَرِينَ، وكَذَا حَكَاه في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)) في بَابِ السِّواكِ(٦)،
ونَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ في ((البويطِيّ)). وقال شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ
الإسنَوِيُّ: إنَّ الفَتوى عَلَيه. وتَبِعَه والِدِي تَظْهُ، فقال في ((شَرحِ الترمذيِّ)): إنَّه
الصَّحِيحُ. وذَهَبَ ابنُ حَزمِ الظَّاهرِيُّ(٧) إلى أنَّه يُحسَبُ منها، وقال: مَا نَعلَمُ
لِمَالِكِ سَلَفًا في أن لا يُعَذَّ يَومُ الوِلادَةِ. وكَلامُ ابنِ المُنذِرِ يَقْتَضِي انفِرَادَ مَالِكٍ
بذلك، فَإِنَّه اقتَصَرَ عَلى نَفْلِه عنه، وهَذَا مِمَّا يَقتَضِي أنَّ الرَّاحِحَ من مَذهَبٍ
الشَّافِعِيِّ حُسبَانُه منها، وعِندَ المَالِكِيَّةِ قَولٌ: إنَّه يُحسَبُ منها.
■ العَاشِرَةُ: ظَاهرُ قَولِه في حَدِيثِ عَائِشَةَ: ((وسَمَّاهِمَا))، وفي حَدِيثٍ سَمُرَةَ:
((ويُسَمَّى)): أنَّ ذلك(٨) في اليَومِ السَّابِعِ أيضًا، وقَد ورَدَ التَّصْرِيحُ به في أحَادِيثَ،
فَتَقَدَّمَ في الفَائِدَةِ الأُولى، حَدِيثُ عَبدِ الله بنِ عَمرٍو من عِندِ الترمذيِّ:
((أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِّهِ أَمَرَ بِتَسمِيَةِ المَولُودِ يَومَ سَابِعِه))، وفي بَعضِ طُرُقٍ حَدِيثِ سَمُرَةَ
عِندَ أبِي الشَّيخِ ابنِ حَيَّانَ: ((فَإِذَا كَانَ يَومُ السَّابِعِ فَليُحلَق، ويُسَمَّى)). ورَوى أبو الشَّيخ
أيضًا من رِوايَةِ أبِي عَمرِو ابنِ العَلاءِ، عن أبيه، عن جَدِّه، [٦٠/٢و] قال: سَمِعت
عَلِيًّا رَظُهُ يَقُولُ: ((يُسَمَّى الصَّبِيُّ يَومَ سَابِعِه))، كَذَا سَمَّى رَسُولُ اللهِوَّلِ ابنَيهِ(٩)
الحَسَنَ والحُسَينَ)). ورَوى أبو الشَّيخِ أيضًا من رِوايَةِ رَجُلٍ من آلِ أَنَسٍ، عن أَنَسٍ،
(١) ينظر: الإشراف (٤١٩/٣).
(٢) روضة الطالبين (٤٩٧/٢)، والمجموع (٤١١/٨).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٥) روضة الطالبين (٣٨٨/٧).
(٧) المحلى (٥٣٠/٧).
(٩) في الأصل، (ك، ح): ((ابناه)). وهي لغة.
(٤) شرح صحيح مسلم (٢١٧/٩).
(٦) المجموع (٣٥٠/١).
(٨) في الأصل: ((ذاك)).

=
٥٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عُقُوا عن المَولُودِ يَومَ سَابِعِه، وسَمُّوه يَومَ سَابِعِه، واحلِقُوا
رَأْسَه يَومَ سَابِعِه)). وبهذا قال الحَسَنُ البَصرِيُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ،
وغَيرُهم. قال أصحَابُنَا: ولا بأسَ أن سُمِّيَ قَبلَه. وقال مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ، وقَتَادَةُ،
والأوزَاعِيُّ: إذَا وُلِدَ وقَد تَمَّ خَلقُه سُمِّيَ في الوقتِ إن شَاءُوا. وقال ابنُ المُنذِرِ (١):
تَسمِيَتُهُ يَومَ السَّابِعِ حَسَنٌ، ومَتَى شَاءَ سَمَّه؛ لأنَّ النبيَّ نَّ قال: ((وُلِدَ لِي الليلَةَ غُلامٌ،
فَسَمَّيته بِاسمِ أبِي: إبرَاهِيمَ)). وسَمَّى الغُلامَ الَّذِي جَاءَ به أنَسٌِّ لَمَّا حَنَّكَه: عَبدَ الله.
قُلتُ: ظَاهرُ هَذَا الحديثِ أنَّ ذلك عَقِبَ وِلَادَتِهِ، لَكِن في رِوايَةٍ: أنَّه إنَّمَا
جِيءَ به إلَيه يَومَ السَّابِعِ، رَواها أبو يَعلى(٢). وقال ابنُ حَزم(٣): يُسَمَّى يَومَ
وِلادَتِه، فَإِن أُخِّرَت تَسمِيَتُه إلى السَّابِعِ فَحَسَنٌ. وقال ابنُ(٤) المُهَلَّبِ: يَجُوزُ
تَسمِيَتُه (٢١٢/٥م) حِينَ يُولَدُ وبَعدَه، إلا أن يَنوِيَ العَقِيقَةَ عنه يَومَ سَابِعِه، فَالسُّنَّةُ
تَأْخِيرُها إلى السَّابع. وأُخِذَ ذلك من قَولِ البُخَارِيِّ في تَبوِيبه(٥): ((بَابُ تَسمِيَةِ
المَولُودِ غَدَاةَ يُولَدُ لِمَن لَم (٦) يَعُقَّ)).
قال والِدِي كَُّهُ: والقَائِلُ بِأنَّه يُسَمَّى حِينَ الوِلادَةِ يُمكِنُ أن يَقُولَ: إنَّ
قَولَه: ((ويُسَمَّى) مَعنَاه: ويُسَمَّى عِندَ ذَبح العَقِيقَةِ، فَيُقَالُ: هَذِه عَقِيقَةُ فُلانٍ.
وقَد ورَدَ التَّصْرِيحُ بذلك في حَدِيثِ عَائِشَةَ رَّهَا، قالت: قال النبيُّ نَّهَ: ((يُعَقُّ
عن الغُلامِ شَاتَانٍ، وعن الجَارِيَةِ شَاةٌ)). وقال: ((اذْبَحُوا عَلى اسمِه، وقُولُوا:
اللَّهُمَّ لَكَ وإلَيك، هَذِه عَقِيقَةُ فُلانٍ)). قالت: وعَقَّ رَسُولُ اللهَِّ عن الحَسَنِ
والحُسَينِ شَاتَينٍ، عن كُلِّ واحِدٍ، وقال: ((اذبَحُوا عَلى اسمِه)) الحديثَ.
رَواه أبو الشَّيخِ ابنُ حَيَّانَ في كِتَابِ ((الأضَاحِيِّ والعَقِيقَةِ))، وفي إسنَادِهِ
عَبدُ المَجِيدِ بنُ عَبدِ العَزِيزِ بنِ أبِي رَوادٍ. انتَهَى. ورَواه البَيهَقِيُّ(٧). أيضًا
بِإسنَادٍ حَسَنٍ، كَمَا قال النَّوِيُّ(٨). وهَذَا الاحتِمَالُ الَّذِي ذَكَرَه والِدِي غَرِيبٌ.
(١) الإشراف (٤٢١/٣).
(٣) المحلى (٥٢٣/٧).
(٥) البخاري عند حديث (٥٤٦٧).
(٧) السنن الكبرى (٣٠٣/٩).
(٢) مسند أبي يعلى (٣٣٩٨).
(٤) ليست في (ك٢).
(٦) ليست في (٢٥).
(٨) المجموع (٤٠٧/٨).

=
بَابُ العَقِيقَةِ وغيرِها
٥٨٥
الحَادِيَةَ عَشْرَة: قَولُه في حَدِيثٍ عَائِشَةَ: ((وأمَرَ أن يُمَاطَ عن رُؤُوسِهِمَا
الأَذَى))؛ أي: يُحلَقُ الشَّعرُ؛ وفي ((سُنَّنِ أبِي دَاوُد))(١) عن الحَسَنِ البَصرِيِّ أنَّه قال:
((إِمَاظَةُ الأَذَى حَلقُ الرَّأسِ)). ورَوى أبو الشَّيخِ ابنُ حَيَّانَ(٢): أنَّ الحَسَنَ البَصرِيَّ
سُئِلَ عن الأذَى؟ فقال: الشّعرُ. وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ به في قَولِه في حَدِيثٍ عَلِيٍّ :
(يَا فَاطِمَةُ احِلِقِي رَأْسَه)). وفي حَدِيثِ سَمُرَةَ: ((يُذْبَحُ عنه يَومَ السَّابِعِ، ويُحلَقُ)).
وكَذَا حَكَى أبو عُبَيدٍ(٣) عن الأصمَعِيِّ: أنَّ المُرَادَ بِإِمَاطَةِ الأَذَى حَلقُ الرَّأْسِ؛
أي: شَعرِهِ، وظَاهرُه: أنَّ ذلك يَكُونُ يَومَ السَّابِعِ أيضًا. وفيه استِحِبَابُ حَلقِ رَأْسٍ
المَولُودِ يَومَ السَّابِعِ، وبه صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ، ومن المَالِكِيَّةِ ابنُ حَبِيبٍ،
وابنُ شَعبَانَ، وغَيْرُهمَا، وابنُ المُنذِرِ، وابنُ حَزم(٤). وجَوزَ والِدِي ◌َّتُهُ في
((شَرحِ الترمذيّ))، في قَولِه في حَدِيثِ سَلمَانَ بنِ عَامِرٍ: ((وأمِيطُوا عنه الأَذَى)): أنَّ
المُرَادَ به إمَاطَةُ مَا عَلى جَسَدِه من الدِّمَاءِ والأقذَارِ. قال: وفي بَعضِ طُرُقِ حَدِيثٍ
عَبدِ الله بنِ عَمرِو : ((وتُمَاطُ عنه أقذَارُه))، رَواه أبو الشَّيخ. قال: ويَدُلُّ لَه قَولُه في
حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسِ الَّذِي رَواه الطَّبَرَاني في ((مُعجَمِه الأَوَسَطِ)) (٥): ((سَبعَةٌ من السُّنَّةِ
في الصَّبِّ يَومَ السَّابِع)). وفيه: ((و(٦) يُمَاطُ عنه الأذَى)). ثم قال: ((ويُحلَقُ رَأْسُه))؛
فَجَعَلَ إِمَاطَةَ الأَذَى غَيرَ حَلقِ الرَّأسِ. قال: ويَحتَمِلُ أنَّ المُرَادَ أَعَمُّ من ذلك.
والله أعلمُ، انتَهَى.
فَإِن صَحَّ ذلك، فَفيه استِحبَابُ تَغْسِيلِ المَولُودِ (٢١٣/٥م) يَومَ السَّابِع. وفي
((سُنَنِ البَيْهَقِيّ))(٧) عن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ: حَرَصتُ عَلى أن [٦٠/٢ظ] أعلَمَ مَا
مَعَنَى (٨): ((أمِيطُوا عنه الأَذَى)). فَلَم أجِد مَن يُخِرُني.
الثّانيةَ عَشَرَ: وفيه استِحبَابُ التَّصَدُّقِ بِزِنَةِ شَعرِهِ. وظَاهرُه: أنَّ المُرَادَ
(١) أبو داود (٢٨٤٠).
(٢) في الأصل: ((حبان)).
غريب الحديث (٢٨٤/٢).
(٣)
(٤) الإشراف (٤١٨/٣٢)، والمحلى (٥٢٣/٧).
(٥)
المعجم الأوسط (٥٥٨).
(٦) ليس في: (ك٢).
(٧) السنن الكبرى (٢٨٩/٩).
(٨) ليس في: الأصل، (ك٢).

=
٥٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
زِنَتُهُ فِضَّةً، لِقَولِه في بَقِيَّتِه: ((فَوزَنَاه فَكَانَ وزنُه دِرهَمًّا)). وفي رِوايَةٍ: ((أو بَعضَ
دِرهَم)). وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بذلك فيمَا رَواه مَالِكٌ، والبَيهَقِيُّ، وغَيرُهمَا (١) مُرسَلًا
عن مُحَمَّدٍ بنِ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ، قال: ((وزَنَت فَاطِمَةُ بِنتُ النبيِّ وََّ شَعرَ حَسَنٍ
وحُسَينٍ، وزَينَبَ وأُمِّ كُلُومٍ؛ فَتَصَدَّقَت بِزِنَةِ ذلك فِضَّةً)). ورَواه البَيْهَقِيُّ (٢) مَرَفُوعًا
من حَدِيثٍ عَلِيٍّ ◌َّهِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَ فَاطِمَةَ أن تَتَصَدَّقَ (٣) بِزِنَةِ شَعرِ
الحُسَينِ فِضَّةً)). وفي إسنَادِهِ ضَعفٌ، وفي رِوايَةٍ أُخرَى ضَعِيفَةٍ أيضًا: ((تَصَدَّقُوا
بِزِنَتِهِ فِضَّةً))، وكَانَ وزنُه دِرهَمَا أو بَعضَ دِرهَم. وقَد تَرَدَّدَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ في أنَّه
هَل يَتَصَدَّقُ بِزِنَةٍ شَعرِهِ ذَهَبًا، فَكْرِهَه مَرَّةً، وَأَجَازَه أُخرَى، كَذَا في ((الجَواهرِ))
(٤)
لابنِ شَاسٍ (٤).
وقال ابنُ الحَاجِبِ: في كَرَاهَةِ النَّصَدُّقِ بِزِنَةٍ شَعرِ المَولُودِ ذَهَبًا أو فِضَّةً
قَولانِ. وجَزَمَ الشَّافِعِيَّةُ والحَنَابِلَةُ بِاستِحِبَابِ التَّصَدُّقِ بِزِنَتِهِ. لَكِن جَزَمَ الحَنَابِلَةُ
بِالفِضَّةِ(٥)، وقال الشَّافِعِيَّةُ: يَتَصَدَّقُ بِوزنِهِ ذَهَبًا، فَإِن لَم يَتَسَّر فَفِضَّةٌ. قال النَّووِيُّ
في (شَرحِ المُهَذَّبٍ))(٦): رُوِيَ هَذَا الحديثُ من طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها البَيْهَقِيُّ، كُلُّها
مُتَّفِقَةٌ عَلَى التَّصَدُّقِ بِزِنَتِهِ فِضَّةً، لَيسَ فِي شَيءٍ منها ذِكرُ الذَّهَبِ، خِلافَ مَا قاله
أصحَابُنَا .
قُلتُ: قَد ورَدَ ذِكرُ الذَّهَبِ أيضًا، رَواه الطَّبَرَاني في ((مُعجَمِهِ الأوسَطِ))، عن
ابنِ عَبَّاسٍ، قال: ((سَبعَةٌ من السُّنَّةِ في الصَّبِيِّ يَومَ السَّابِع)). فَذَكَرَها إلى قَولِه:
((ويُتَصَدَّقُ بِوزنِ (٧ شَعرِهِ فِي رَأْسِه ٧) ذَهَبًا أو فِضَّةً)).
] الثَّالِثَةَ عَشَرَ(٨): في قَولِه في حَدِيثِ عَائِشَةَ رَّ: ((عَقَّ رَسُولُ اللهِ وَلـ
عن الحَسَنِ والحُسَينِ، وأمَرَ أن يُمَاطَ عن رُءُوسِهمَا الأَذَى)). إشَارَةٌ إلى تَقدِيم
(١) الموطأ (٥٠١/٢)، والبيهقي في الكبرى (٣٠٤/٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢٨١٩).
(٢)
السنن الكبرى (٣٠٤/٩).
(٣) في (ك٢): ((تَصَّدَّق)).
(٤) الجواهر (٢ /٤٤).
(٥) المغني (٣٩٧/١٣).
(٦)
المجموع (٤١٣/٨، ٤١٤).
(٨) في (م): ((إحدى)).
(٧ - ٧) في (م): ((شعر رأسه)).

M
٥٨٧
بَابُ العَقِيقَةِ وَغَيرِها
العَقِيقَةِ عَلى حَلقِ الرَّأْسِ؛ لأنَّ المَقرُونَ بِالعَقِيقَةِ الأمرُ، فَالمَأمُورُ به لا بُدَّ أَن يَكُونَ
فِعلُه مُتَأخِّرًا عن الأمرِ. وبهذا قال جَمَاعَةٌ من الشَّافِعِيَّةِ، عَلى طَرِيقِ الاسْتِحِبَابِ،
منهم أبو إسحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، والبَغَوِيُّ، والجُرجَاني، وصَحَّحَهُ النَّوِيُّ في ((شَرحِ
المُهَذَّبِ))(١). وقال في ((الرَّوضَةِ))(٢) إنَّه أرجَحُ. وقال آخَرُونَ منهم: يُستَحَبُّ كَونُه
قَبلَ الذَّبحِ. وَرَجَّحَه الرُّويَاني(٣)، وَقَلَه عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٤) عن
عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحِ. ويَدُلُّ لِلأولِ قَولُه في بَعضِ طُرُقِ (٢١٤/٥م) حَدِيثٍ سَمُرَةَ:
(يُذْبَحُ عنه يَومَ سَابِعِه، ثم يُحلَقُ عنه). رَواه أبو الشَّيخِ ابنُ حَيَّانَ(٥).
الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قَولُه في حَدِيثٍ أُمِّ كُرزٍ: ((عن الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانٍ)).
قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)) (٦): أي مُتَسَاوِيَتَانِ، وهيَ بِكَسرِ الفَاءِ، وبهمزَةٍ
بَعدَها، هَكَذَا صَوابُه عِندَ أهلِ اللغَةِ، ومِمَّن صَرَّحَ به الجَوْهَرِيُّ في ((صِحَاحِه))(٧)
قال: ويَقُولُ المُحَدِّثُونَ: ((مُكَافَأْتَانٍ))؛ يَعني: بِفَتحِ الفَاءِ، والصَّحِيحُ كَسرُها .
انتَهَى. وقال صَاحِبُ ((النِّهَايَةِ)) (٨): ((مُكَافِئَتَانٍ))؛ [يَعني: مُتَسَاوِيَتَينِ في السِّنِّ؛ أي:
لا يُعَقُّ عنه إلا بِمُسِنَّةٍ، وأقَلُّه أن يَكُونَ جَذَعًا (٩) كَمَا في الضَّحَايَا، وقِيلَ:
مُكَافِئَتَانٍ](١٠)؛ أي: مُستَوِيَتَانٍ، أو مُتَقَارِبَتَانِ. واختَارَ الخَطَّابِيُّ(١١) الأولَ،
واللفظَةُ (١٢): مُكَافِئَتَانِ بِكَسرِ الفَاءِ. قال: والمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ: مُكَافَأْتَانِ، بِالفَتحِ،
وأَرَى الفَتحَ أولى؛ لأنَّه يُرِيدُ شَاتَينٍ قَد سُوِّيَ بَينَهمَا، أو (١٣) مُسَاوَى بَيْنَهمَا، وأَمَّا
بِالكَسرِ فَمَعنَاه: مُسَاوِيَتَانِ(١٤)، فَيَحتَاجُ أن يَذْكُرَ أيَّ شَيءٍ سَاويًا، وإنَّمَا لَو قال:
(مُتَكَافِئَتَانٍ)). كَانَ الكَسرُ أولى. قال الزَّمَخشَرِيّ (١٥): لا فَرقَ بَيْنَ المُكَافِئَتَينِ
(١) المجموع (٤١٤/٨).
في (م): ((الروماني)).
(٣)
(٥)
في الأصل: ((حبان)).
الصحاح (٦٨/١).
(٧)
(٩) في (م): ((جزءًا)).
(١١) معالم السنن (٢٨٤/٤).
(١٣) في (ك٢): ((أي)).
(١٥) الفائق (٢٦٧/٣).
(٢) روضة الطالبين (٥٠١/٢).
(٤) الإشراف (٤١٨/٣).
(٦) المجموع (٤٠٨/٨، ٤٠٩).
(٨) النهاية في غريب الحديث (١٨١/٤).
(١٠) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(١٢) في (ك٢): ((واللفظ)).
(١٤) في (م): ((أنهما متساويتان).

=
=
٥٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والمُكَافَأتَينِ(١)؛ لأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ إِذَا كَافَأْت أُختَها فَقَد كُوفِئَت، فَهِيَ مُكَافِئَةٌ
ومُكَافَأةٌ، أو يَكُونُ مَعنَاه معادلتان(٢) لِمَا يَجِبُ في الزَّكَاةِ والأُضحِيَّةِ من الأسنَانِ،
ويَحْتَمِلُ مع الفَتحِ أن يُرَادَ: مَذبوحَتَانٍ، من كَافَأْ الرَّجُلُ بَيْنَ بَعِيرَينٍ، إذَا نَحَرَ هَذَا
ثم هَذَا مَعًا من غَيرِ تَفْرِيقٍ؛ كَأنَّه يُرِيدُ شَاتَيْنِ يَذَبَحُهمَا في وقتٍ واحِدٍ. انتَهَى كَلامُ
صَاحِبِ النِّهايَةِ .
وهَذَا الَّذِي ذَكَرَه آخِرًا مُوافِقٌ لِمَا حُكِي(٣) عن زَيدِ بنِ أسلَمَ أَنَّ مَعنَى
مُكَافَأْتَانٍ؛ أي: تُذبَحَانِ (٤) جَمِيعًا. وفي ((سُنَنِ النسائيّ))(٥): قال دَاوُد بنُ قَيسٍ:
سَألْتُ زَيدَ بنَ أسلَمَ عن: ((المُكَافَأْتَانِ))(٦)، فقال: الشَّاتَانِ المُشتَبهتَانِ يُذبَحَانِ
جَمِيعًا. وفي رِوايَةٍ لِلطَّبَرَاني وابنٍ حِبَّانَ والبَيهَقِيّ (٧): قال ابنُ جُرَيج: قُلتُ
لِعَطَاءٍ: مَا المُكَافَأتَانِ؟ قال: المِثْلانِ. وقال أبو دَاوُد وابنُ المُنذِرِ (٨) عن أحمَدَ بنِ
حَنبَلٍ: المُكَافَأْتَانِ: المُتَسَاوِيَتَانِ أو المُتَقَّارِبَتَانِ. ويَحْتَمِلُ أن يُرَادَ: تَسَاوِيهمَا في
السِّمَنِ ونَحوِهِ، وحِكمَتُهُ حَتَّى [٦١/٢و] يَسْتَوِيَ النَّاسُ في الأكلِ، فَلا يَأْكُلُ بَعضُهم
الطَّيِّبَ، وبَعضُهم الرَّدِيءَ؛ فَهَذِه احتِمَالاتٌ، هَل المُرَادُ: تَكَافُؤُهمَا في السِّنِّ،
وفي السِّمَنِ، أو مُكَافَأْتُهمَا لِبَقِيَّةِ مَا شُرِعَ ذَبحُه في غَيرِ هَذَا الْبَابِ، أو ذَبحُهمَا في
وقتٍ واحِدٍ من غَيرِ تَفْرِيقٍ. والله أعلمُ.
الخَامِسَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((لا يَضُرُّكُم أذُكرَانًا كُنَّ أم إنَانًّا))؛ أي: إنَّ
المَذبوحَ تَحصُلُ به سُنَّةُ (٢١٥/٥م) العَقِيقَةِ، سَواءٌ كَانَ(٩) ذَكَرًا أم أُنْثَّى، وقَد صَرَّحَ
الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم بذلك، لَكِن قَالُوا: إنَّ الأفضَلَ الذَّكَرُ؛ كَالأُضحِيَّةِ،
ولا يَصِحُّ حَمِلُه عَلى المَولُودِ، وإن كَانَ الحُكمُ لا يَختَلِفُ بِذُكُورَةِ المَولُودِ
(١) في (ك٢): ((والمكافأتان)).
(٣)
في (م): ((حکاہ).
(٤) في الأصل: ((تذبحهما)).
(٥)
النسائي (٤٢٢٣).
(٦) في (م): ((المكافئتين)).
الطبراني في الكبير (١٦٥/٢٥) (٤٠٠)، وابن حبان (٥٣١٣)، والبيهقي في الكبرى
(٧)
(٣٠١/٩).
(٨) أبو داود (٢٨٣٤)، والإشراف (٤١٥/٣).
(٩) في (م): ((أكان)).
(٢) من (م)، ومصدر التخريج.

=
٥٨٩
بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها
وأُنُوثَتِه؛ لأنَّه لا (١) يُقَالُ في الذُّكرَانِ من العُقَلاءِ: (كُنَّ))، وإنَّمَا يُقَالُ: ((كَانُوا))
بِخِلافٍ غَيرِ العُقَلاءِ، فَإِنَّه لا يُعَبَّرُ عنه بِالواوِ والنُّونِ، لا مع الذُّكُورَةِ، ولا مع
الأُنُوثَةِ. والله أعلمُ.
] السَّادِسَةَ عَشَرَ: فيه النَّهيُ عن كَسرِ عِظَامِ العَقِيقَةِ. والحِكمَةُ فيه التَّفَاؤُلُ
بِسَلامَةِ أعضَاءِ المَولُودِ، وبهذا قال الشَّافِعِيَّةُ والحَنَابِلَةُ(٢)، وحَكَاهُ(٣) ابنُ الْمُنذِرِ (٤)
عن عَائِشَةَ وعَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحِ، وذَهَبَ مَالِكٌ(٥) إلى أنَّه لا بَأسَ بذلك، وحَكَاه(٦)
ابنُ المُنذِرِ عن الزُّهرِيِّ، وقالَ به ابنُ حَمِ الظَّاهرِيُّ(٧)، وقال أصحَابُنَا: إنَّ ذلك
خِلافُ الأولى فَقَط. واختَلَفُوا في كَرَاهَتِهِ عَلى وجهَينٍ، أصَحُّهمَا: أنَّه لا يُكرَه،
وعَلَّلَه النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)) (٨): بِأَنَّه لَم يَثْبت فيه نَهِيٌّ مَقصُودٌ. وفيه نَظَرٌ،
فَإِنَّ النَّهيَ الصَّرِيحَ قَدْ رَواه الحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه)) وصَحَّحَه كَمَا تَقَدَّمَ (٩). ولَعَلَّ
النَّووِيَّ لا يُوافِقُ عَلى صِحَّتِه. وقال ابنُ حَزمٍ (١٠): لَم يَصِحَّ في المَنعِ من كُسرِ
عِظَامِها شَيءٌ .
■ السَّابِعَةَ عَشرَ: قَد عَرَفتَ أنَّ في رِوايَةٍ لأَبِي دَاوُد من حَدِيثٍ سَمُرَةَ:
((ويُدَمَّى)). وأنَّ قَتَادَةَ رَاوِيه ذَكَرَ صِفَةَ التَّدمِيَةِ، وأنَّ أَبَا دَاوُد حَكَمَ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ
بِالوهم. وقال ابنُ المُنذِرٍ (١١): تُكُلِّمَ في حَدِيثِ سَمُرَةَ الَّذِي فيه: ((ويُدَمَّى)). وانتَصَرَ
ابنُ حَزمٍ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ، وثَبَّتها(١٢)، وقال: لا بَأْسَ أن يُمَسَّ بِشَيءٍ من دَمِ العَقِيقَةِ.
وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ عن الحَسَنِ وقَتَادَةَ. ثم قال: وأنكَرَ ذلك غَيرُهم(١٣) وكَرِهَه،
ومِمَّن كَرِهَه الزُّهرِيُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ، وكَذلك نَقُولُ. وفي
حَدِيثٍ عَائِشَةَ: ((إنَّ أهلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُخَضِّبونَ قُطنَةً بِدَمِ العَقِيقَةِ، فَإِذَا حَلَقُوه
(١) ليست في (ك٢).
(٣)
في الأصل: ((وحکی)).
(٥) الموطإ (٥٠١/٢).
(٧) المحلى (٥٢٣/٧).
(٩) تقدم في الفائدة الأولى.
(١١) الإشراف (٤١٩/٣).
(١٣) بعدها في الأصل: ((كذا)).
(٢) ينظر: الإفصاح (٣٤١/١).
(٤) الإشراف (٤٢٠/٣).
(٦) في الأصل: ((وحكى)).
(٨) ينظر: المجموع (٤١٠/٨).
(١٠) المحلى (٥٢٨/٧).
(١٢) في (م): ((ويثبتها)).

٠٥٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وُضِعَ عَلى رَأْسِه، فَأَمَرَهم رَسُولُ اللهِ وَِّ أن يَجعَلُوا مَكَانَ الدَّمِ خَلُوفًا)). وثَبَتَ أنَّه
قال: ((أهرِيقُوا عنه دَمًّا، وأمِيطُوا عنه الأَذَى)). فَإِذَا كَانَ النبيُّ وَ قَد أمَرَ بِإِمَاطَةِ الأَذَى
عنه، والدَّمُ أَذَّى، وهو من أكبَرِ الأَذَى، فَغَيْرُ جَائِزٍ أن يُنَجَّسَ رَأسُ الصَّبِيِّ. انتَهَى.
وحَدِيثُ عَائِشَةَ رَواه البَيْهَقِيُّ في ((سُنَنِه))، وابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))،
وغَيرُهمَا(١)، وتَقَدَّمَ حَدِيثُ بُرَيدَةَ الَّذِي فيه جَعلُ الزَّعفَرَانِ بَدَلَ الدَّم الَّذِي كَانَ
يَفْعَلُه أهلُ الجَاهِلِيّةِ. وقال البَيْهَقِيُّ: قَولُه في حَدِيثِ سَلِمَانَ: ((أمِيطُوا عنه الأَذَى))،
يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ المُرَادُ به حَلقَ الرَّأْسِ، والنَّهيَ عن أن يُمَسَّ رَأْسُه بِدَمِها. ورَوى
ابنُ مَاجَه(٢) [من رِوايَةِ (٢١٦/٥م) يَزِيدَ بنِ عَبدِ (٣) المُزَني](٤) مُرسَلًا: أنَّ النبيَّ وَّ
قال: ((يُعَقُّ عن الغُلامِ ولا يُمَسُّ رَأْسُه بِدَمِ).
ورَواه البَزَّارُ وغَيرُهُ(٥) بِزِيَادَةٍ: ((عن أبِيه)). وهو مُرسَلٌ أيضًا، كَمَا قاله
الْبُخَارِيُّ وغَيرُه. وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦) أنَّ الحَسَنَ وقَتَادَةَ انفَرَدا(٧) بِمَا تَقَدَّمَ عنهمًا،
وأنكَرَ شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإسنَوِيُّ عَلى أصحَابِنَا اقْتِصَارَهم
عَلَى كَرَاهَةٍ لَطخِ رَأسِ المَولُودِ بِدَمِ العَقِيقَةِ. وقال: المَشهورُ تَحرِيمُ التَّضَمُّخ
بِالنَّجَاسَةِ، ويَحرُمُ عَلى الولِيِّ أن يَفعَلَ به شَيئًا من المُحَرَّمَاتِ عَلى المُكَلَّفينَ؛
كَسَقِهِ الخَمَرَ، وإدخَالِ فَرجِه في فَرِجِ مُحَرَّمٍ، ونَحوِ ذلك، فَيَنْبَغِي في اللطخِ مِثْلُه.
قال: ويَنبَغِي أن تَكُونَ الكَرَاهَةُ جَوابًا عَلى طَرِيقَةِ الجَوازِ. قَال: وقَد بَالَغَ
المَاوردِيُّ في ((الإقتَاعِ)) (٨) فَجَزَمَ بِأَنَّه لا يُكرَه لَطخُ جَبهَتِهِ، وحِينَئِذٍ (٩) فَلا يُكرَه لَطُ
رَأْسِهِ بِطَرِيقِ الأولى. انتَهَى.
(١) البيهقي في الكبرى (٣٠٣/٩)، وابن حبان (٥٣٠٨)، وعبد الرزاق (٧٩٦٣).
(٢) ابن ماجه (٣١٦٦).
في الأصل، (ح): ((عبد الله))، وكذا في السنن الكبرى للبيهقي، والمثبت هو الصواب،
(٣)
وينظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٠٠/٣٢).
(٤) ما بين المعكوفين نقل من (ك٢) إلى السطر الذي بعده.
(٥)
الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٠٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٣٠٣/٩).
التمهيد (٣١٨/٤).
(٦)
(٧) في (م): ((انفردوا)).
(٨) الإقناع (ص١٨٦).
(٩) ليست في (ك٢).

=
WN
٥٩١
بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها
] الثَّامنةَ عَشَرَ: إن قُلتَ: كَانَ يَنبَغِي العُدُولُ عن لَفِظِ العَقِيقَةِ
إلى لَفِظِ النَّسِيكَةِ ونَحوِها، لِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ
[٢/ ٦١ظ] عَمرٍو، لَمَّا سُئِلَ عن العَقِيقَةِ: ((لا يُحِبُّ اللهُ العُقُوقَ)). وكَأنَّه كَرِهَ
الاسم .
قُلتُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١): كَانَ الواجِبُ (٢لِظَاهِرِ هَذَا الحديث٢ِ) أن يُقال
لِذَبِيحَةِ المَوْلُودِ: نَسِيكَةٌ، ولا يُقَالُ: عَقِيقَةٌ، لَكِني لا أعلَمُ أحَدًا من العُلَمَاءِ قال
به وكَأنَّهم، والله أعلَمُ، تَرَكُوا العَمَلَ به لِمَا صَحَّ عِندَهم في غَيرِهِ من لَفِظِ العَقِيقَةِ.
انتَھَی.
قُلتُ: لَفِظُ: ((نَسِيكَة)) لا يَدُلُّ عَلى العَقِيقَةِ؛ لأنَّه أعَمُّ منها، ولا دَلالَةَ لِلأعَمِّ
عَلى الأَخَصِّ، ولَيسَ في الحديثِ تَصرِيحٌ بِأنَّه كَرِهَ الاسمَ، وإنَّمَا هَذَا من فَهم
الرَّاوِي، ولَم يَجزِمِ به، وكَأَنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، إِنَّمَا ذَكَرَ قَولَه: ((لا يُحِبُّ الله
العُقُوقَ)). عِندَ ذِكرِ العَقِيقَةِ لِثَلا يَستَرسِلَ السَّائِلُ في استِحسَانِ كُلِّ مَا اجتمع مع
العَقِيقَةِ في الاشتِقَاقِ، فَبَيَّنَ لَه أنَّ بَعضَ هَذِهِ المَادَّةِ مَحبوبٌ، وبَعضَها مَكَرُوهٌ،
وهَذَا من الاحتِرَاسِ الحَسَنِ، وإنَّمَا سَكَتَ عنه في وقتٍ آخَرَ، لِحُصُولِ الغَرَضِ
بِالبَيَانِ الَّذِي ذَكَرَه في هَذَا الحديثِ، أو بِحَسَبِ أحوالِ المُخَاطَبِينَ في العِلمِ
وضِدِّه، فَيُبَيِّنُ(٣) لِلجَاهلِ، ويَسكُتُ عن البَيَانِ لِلْعَالِمِ، ولَعَلَّه كَانَ مع عَبدِ الله بنِ
عَمَرٍو مَن احتَاجَ إلى البَيَانِ لأجلِه، فَإِنَّ عَبدَ الله بنَ عَمرٍو صَاحِبُ فَهِمٍ وعِلمٍ.
والله أعلمُ.
(١) التمهيد (٣٠٦/٤).
(٢ - ٢) ليس في: الأصل، (ح).
(٣) ليس في: الأصل.

٥٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
(٢١٧/٥م) الحديثُ الثَّاني
عن سَعِيدٍ، عن أبِي هرَيرَةَ قال: قال رَسُولُ اللهِ وَهِ: (( لا فَرَعَةَ ولا
عَتِيرَةَ)).
فيه فوائدُ:
الأُولى: أخرَجَه الأَئِمَّةُ الستةُ (١)، فَرَووه خَلا الترمذيَّ من هَذَا الوجه،
من رِوايَةِ ابنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ. زَادَ البُخَارِيُّ: ((قال: والفَرَعُ أولُ
نِتَاجِ كَانَ يُنتَجُ لَهم؛ كَانُوا يَذْبَحُونَه لِطَواغِيتِهِم، والعَتيرَةُ فِي رَجَبٍ)). وزَادَه
ابنُ مَاجَه أيضًا بِلَفِظَةٍ (٢): ((والفَرَعَةُ أولُ النِّتَاجِ، والعَتيرَةُ الشَّةُ يَذْبَحُها أهلُ
البَيتِ)). هَكَذَا رَويَا هَذَا التَّفسِيرَ مَوصُولًا بِالحديثِ، وفَصَلَه أبو دَاوُد عنه، فَرَوى
الحديثَ أولا مُقتَصِرًا عَلى المَرفُوعِ، ثم رَوى من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمٍَ،
عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، قال: ((الفَرَعُ أولُ النِّتَاجِ كَانَ يُنتَجُ لَهم فَيَذْبَحُوه))(٣).
ورَوى مسلمٌ والترمذيُّ(٤) الحديثَ من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ بِتَفْسِيرِ الفَرَعِ مَوصُولًا
بِالحديثِ، وَرَواه البُخَارِيُّ(٥) من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ، عن مَعمَرٍ؛ بِالزِّيَادَةِ
كُلِّها مَوصُولَةً بِالحديثِ، ورَوى النسائيّ(٦) من طَرِيقِ شُعبَةَ، قال: حَدَّثتُ أبَا إسحَاقَ،
عن مَعَمَرٍ وسُفيَانَ؛ يعني: ابنَ حُسَينٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبِي هَرَيرَةَ، قال
أحَدُهمَا: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ◌َّّ عن الفَرَعِ والعَتيرَةِ»، وقال الآخَرُ: ((لا فَرَعَ،
ولا عَتِيرَةَ)). وفي البَابِ أيضًا عن نُبَيْشَةَ، والحَارِثِ بنِ عَمرٍو، ومِخْنَفِ بنِ سُلَيمٍ،
وعَبدِ الله بنِ عَمرو (٧)، (٨ وأَبِي هَرَيْرَةً(٨)، وغَيرِهم.
(١) البخاري (٥٤٧٤)، ومسلم (٣٨/١٩٧٦)، وأبو داود (٢٨٣١)، والنسائي (٤٢٣٣)،
وابن ماجه (٣١٦٨).
(٢)
في (ك٢): ((بلفظ)).
(٣) أبو داود (٢٨٣٢).
(٤)
مسلم (٣٨/١٩٧٦)، والترمذي (١٥١٢).
(٥)
البخاري (٥٤٧٣).
(٦) النسائي (٤٢٣٤).
في (م)، والأصل: ((بن عمر)).
(٧)
(٨ - ٨) ليست في (ك٢).

=
كحر
٥٩٣
بَابُ العَقِيقَةِ وَغَيرِها
فَحَدِيثُ نُبَيْشَةَ: بِضَمِّ النُّونِ، وفَتح البَاءِ المُوحَّدَةِ، وإسكَانِ اليَاءِ المُثَنَّةِ من
تَحتٍ، (٢١٨/٥م) وفَتح الشِّينِ المُعجَمَةِ، رَواه أبو دَاوُد، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (١)
قال: (نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ وَّهِ: إنَّا كُنَّا نَعَتِرُ عَتِيرَةً في الجَاهِلِيَّةِ (٢ في رجب ٢)،
فَمَا تَأْمُرُنَا؟)). قال: ((اذبَحُوا لِلَّه في أِّ شَهرٍ كَانَ، وبَرُوا اللهَ رَى، وأطعِمُوا)).
قال: ((إِنَّا كُنَّا نَفْرَعُ فَرَعًا في الجَاهِلِيَّةِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟)). قال: ((في كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ،
تَغْذُوهِ مَاشِيَتُك، حَتَّى إِذَا استَحمَلَ، ذَبَحتَه(٣)، فَتَصَدَّقْتَ بِلَحمِه، فَإِنَّ ذلك خَيْرٌ)) .
وفي رِوايَةِ أبِي دَاوُد، بَعدَ قَولِه: ((فَتَصَدَّقت بِلَحمِه)). قال خَالِدٌ: أحسِبُه
قال(٤): ((عَلى ابنِ السَّبِيلِ)). وفي رِوايَةِ ابنِ مَاجَه: أَرَاه قال: ((عَلى ابنِ السَّبِيلِ)).
وفي رِوايَةٍ لِلنسائيِّ: ((عَلى ابنِ السَّبِيلِ)) بِالجَزمِ، وفي رِوايَةٍ لَه إسقَاطُها، وفي
رِوايَةِ أبِي دَاوُد: قال نَصرٌ؛ يَعني: الجَهِضَمِيَّ: ((استَحمَلَ لِلحَجِيج)). وفيها أيضًا:
قال خَالِدٌ: قُلتُ لأبِي قِلابَةَ: ((كَم السَّائِمَةُ؟» قال: ((مِائَةٌ)).
ورَوى الحَاكِمُ (٥) قِصَّةَ العَتيرَةِ فَقَط، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسنَادِ.
وقال ابنُ المُنذِرِ (٦): هو حَدِيثٌ ثَابِتٌ.
وحَدِيثُ الحَارِثِ بنِ عَمرٍو: رَواه النسائيّ(٧)، بِلَفِظِ: ((إنَّه [٦٢/٢و] لَقِيَ
رَسُولَ اللهِ وَّ فِي حَجَّةِ الودَاعِ)) الحديثَ، وفيه: فقال رَجُلٌ من النَّاسِ:
(يَا رَسُولَ الله، العَتَائِرُ والفَرَائِعُ؟)). قال: ((مَن شَاءَ عَتَرَ، ومَن شَاءَ لَم يَعتِر، ومَن
شَاءَ فَرَعَ، ومَن شَاءَ لَم يَفرَع)). ورَواه الحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه))(٨)، وقال: صَحِيحُ
الإسنادِ.
وحَدِيثُ مِختَفٍ: بِكَسرِ المِيم، وإسكَانِ الخَاءِ المُعجَمَةِ، وفَتحِ النُّونِ،
(١) أبو داود (٢٨٣٠)، والنسائي (٤٢٣٩)، وابن ماجه (٣١٦٧).
(٢ - ٢) زيادة من (ك٢، ح).
(٣) في (ح): ((ذبيحته)) .
(٤) في الأصل، (ح): ((وقال)).
(٥) الحاكم (٢٣٥/٤).
(٦) الإشراف (٤٢٥/٣).
(٨) الحاكم (٢٣٦/٤).
(٧) النسائي (٤٢٣٧).

=
٠٥٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وآخِرُه فَاءٌ، ابنِ سُلَيم، بِضَمِّ السِّينِ، رَواه أصحَابُ السُّنَنِ الأربَعَةِ (١)؛ من رِوايَةٍ
عَبدِ الله بنِ عَونٍ، عَن أبِي رَمَلَةَ، عنه قال: كُنَّا وُقُوفًا مع النبيِّ ◌َّهِ بِعَرَفَاتٍ،
(٢١٩/٥م) فَسَمِعته يَقُولُ: ((يَا أيُّها النَّاسُ، عَلى كُلِّ أهلٍ بَيتٍ فِي كُلِّ عَام ◌ُضحِيَّةٌ
وعَنِيرَةٌ(٢)، هَل تَدِرُونَ مَا العَتيرَةُ؟ هيَ الَّتي تُسَمُّونَها الرَّجَبِيَّةَ)). لَفِظُ الَّترمذيِّ،
وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ، ولا نَعرِفُ هَذَا الحديثَ إلا من هَذَا الوجه من حَدِيثٍ
ابنِ عَونٍ. وقال الخَطَّابِيُّ(٣): أبو رَملَةَ مَجهولٌ، وهَذَا الحديثُ ضَعِيفُ المَخْرَجِ.
انتَهَى. وقَد نُكِتَ عَلَى كَلامِ الترمذيِّ: بِأَنَّ أبَا نُعَيمِ ذَكَرَ في («تَارِيخِ أصبَهَانَ»(٤) أَنَّه
رِواه(٥) سُلَيمَانُ الثَّيمِيُّ، عن رَجُلٍ، عن أبِي رَملَّةَ، ولَكِنَّه قِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ هو
ابْنُ عَونٍ. وذَكَرَ أبو نُعَيمِ أيضًا: أنَّه رَواه ابنُ جُرَيجٍ، عن حَبِيبٍ بِ مِخْتَفِ بنِ سُلَيمِ،
عن أبِيه. قال والِدِي كَُّهُ: والمَعرُوفُ أنَّ بَينَّهمَا واسِطَةً، وهو عَبدُ الكَرِيمِ
الجَزَرِيُّ، (٦كَذَا رَواه٦) عَبدُ الرَّزَّاقِ في ((المُصَنِّفٍ))(٧) عن ابنِ جُرَيجٍ،
ورَواه الطََّرَاني في ((مُعجَمِه الكَبِيرِ)»(٨) من طَرِيقِه، وقِيلَ من هَذَا الوجه عن
حَبِيبٍ بنِ مِخَفٍ، من غَيرِ ذِكرِ أبِيه. وذَكَرَ ابنُ أبِي حَاتِم (٩) عن عَبدِ الرَّزَّاقِ أنَّه
قال: لا أدري عن أبيه أم لا؟
وحَدِيثُ عَبدِ الله بنِ عَمرو (١٠): رَواه الحَاكِمُ في ((المُستَدرَك))(١١) من رِوايَةِ
دَاوُد بنِ قَيسِ الفَرَّاءِ، قال: سَمِعت عَمرَو بنَ شُعَيبٍ، يُحَدِّثُ عن أبيه، عن جَدِّه
عَبدِ الله بنِ عَمرو، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ عنِ الفَرَع، قال: ((الفَرَعُ حَقٌّ، وأن
تَتْرُكَهُ(١٢) حَتَّى يَكُونَ بِنتَ مَخَاضٍ أو ابنَ لَيونٍ فَتَحمِلَ عَلَيه في سَبِيلِ الله، أو تُعطِيَه
أرمَلَةً، خَيرٌ من أن تَذْبَحَه(١٣)؛ يَلْصَقُ لَحمُه بِوبَرِه، وتُولِه نَاقَتَك)). (٢٢٠/٥م)
(١) أبو داود (٢٧٨٨)، والترمذي (١٥١٨)، والنسائي (٤٢٣٥)، وابن ماجه (٣١٢٥).
(٣) معالم السنن (٢٢٦/٢).
(٢) بعدها في (م): ((قال)).
(٤) تاريخ أصبهان (٧٣/١).
(٦ - ٦) في (م): ((رواه كذا ورواه)).
(٨) المعجم الكبير (٣١١/٢٠) (٧٤٠).
(١٠) في (م): ((بن عمر).
(١٢) في (ح): ((يتركه)).
(٥) في (م): ((أن رواية)).
(٧) عبد الرزاق (٨٠٠١).
(٩) الجرح والتعديل (١٠٨/٣).
(١١) الحاكم (٢٣٦/٤).
(١٣) في (ح): ((یذبحه)).

=
بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها
٥٩٥
قال الحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ورَواه أبو دَاوُد في ((سُنَتِهِ))(١). وفي أولِه
ذِكرُ العَقِيقَةِ، وقال: أُراه عن جَدِّه. ورَواه النسائيّ(٢) من رِوايَةِ دَاوُد بنِ فَيسٍ،
قال: سَمِعت عَمَرَو بنَ شُعَيبٍ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الله بنِ عَمرو (٣)، عن أبيه وزَيدِ بنِ
أسلَمَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، الفَرَعُ؟ قال: ((حَقٌّ، فَإِن تَرَكتَه حَتَّى يَكُونَ بَكرًا،
فَتَحمِلَ عَلَيه في سَبِيلِ الله أو تُعطِيَه أرمَلَةً، خَيرٌ من أن تَذْبَحَه، فَيَلصَقَ لَحمُه بِوبَرِهِ،
فَتُكِفِئَ إِنَاءَكَ، وتُولِه نَاقَتَكَ)). قَالُوا: ((يَا رَسُولَ الله، فَالعَتيرَةُ؟)). قال: ((العَتيرَةُ
حقٌّ».
و(٤حَدِيثُ أبِي هرَيرَة٤َ) رَواه الحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه))(٥) [من رِوايَةِ عَمرِو بنٍ
دِينَارٍ، عن ابنِ أبِي عَمَّارٍ، عن أبِي](٦) [هرَيرَةَ، أنَّه قال في الفَرَعَةِ: ((هيَ (٧) حَقٌّ،
ولا يَذْبَحُها وهيَ (٨غَرَاةٌ من الغَرَاةِ(٨)، تَلصَقُ(٩) في يَدِك، ولَكِن أمكِنها من اللبَنِ؛
حَتَّى إِذَا كَانَت من خِيَارِ المَالِ فَاذَبَحها)). وقال: صَحِيحٌ بهذا الإسنَادِ](١٠).
■ الثّانيةُ: الفَرَعُ، بِفَتحِ الفَاءِ، والرَّاءِ، وبِالعَينِ المُهمَلَةِ، والفَرَعَةُ، بِزِيَادَةٍ
هاءِ التَّأنيثِ، قَد عَرَفتَ تَفسِيرَه في الحديثِ بِأنَّه: أولُ النَّتَاجِ. وأمَّا كَونُهم كَانُوا
يَذْبَحُونَه لِطَواغِيتِهِم، فَلَيسَ من تَتِمَّةِ تَفْسِيرِهِ، فَإِنَّ الاسمَ صَادِقٌ عَلَيه، وإن لَم
يُذْبَح، وتَقَدَّمَ أنَّ ظَاهرَ رِوايَةِ الْبُخَارِيِّ وغَيرِهِ: أنَّ التَّفسِيرَ من نَفسِ الحديثِ، وأنَّ
أَبَا دَاوُد فَصَلَه، فَجَعَلَه من قَولِ سَعِيدٍ بنِ المُسَيِّبِ، فَيَكُونُ وصلُه بِالحديثِ من
الإدَرَاجِ. ونَقَلَ النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبٍ)) (١١) عن أهلِ اللغَةِ: أنَّه أولُ نِتَاجٍ
البَهِيمِةِ (١٢) كَانُوا يَذْبَحُونَه، ولا يَملِكُونَه؛ رَجَاءَ البَرَكَةِ في الأُمِّ وكَثرَةِ نَسلِها.
ثم قال: هَذَا تَفسِيرُ الشَّافِعِيِّ وأصحَابِنَا وغَيرِهم. وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))
(١) أبو داود (٢٨٤٢).
في (م): ((بن عمر)).
(٣)
(٥) الحاكم (٢٣٦/٤).
(٦) مكانها في (ك٢): ((فوصله من حديث أبي هريرة، وصححه)).
(٧) في الأصل: ((إنه)).
(٩) في (ح): ((يلصق)).
(١١) المجموع (٤٢٥/٨).
(٢) النسائي (٤٢٣٦).
(٤ - ٤) ليس في: (ك٢).
(٨ - ٨) في (ح): ((غزاة من الغزاة)).
(١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (٢٥).
(١٢) في (م): ((البهيم)).

=
٥٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
و((سُنَنِ (٢٢١/٥م) أبِي دَاوُد): أنَّه أولُ النِّتَاجِ كَانُوا يَذْبَحُونَه لِطَواغِيتِهم. وَكَذَا غَايَرَ
في ((شَرحِ مسلم))(١) بَيْنَهمَا .
ولا مَعنَى لِهَذَا، لِمَا قَرَرته من أنَّ الذَّبحَ لَيسَ دَاخِلًا في مُسَمَّاه، سَواءٌ
كَانَ لِلطَّاغِيتِ أو غَيرِها، وأطلَقَ النَّوِيُّ تَبَعًا [٦٢/٢ظ] لِلحديثِ: النَّاجَ. وقَّدَه
الجَوهَرِيُّ والقَاضِي عِيَاضٌ وابنُ الأثِيرِ (٢): بِنِتَاجِ النَّافَةِ، وقَيَّدَه ابنُ سِيدَه في
((المُحكَمِ)) (٣): بِنَتَاجِ الإِبِلِ والغَنَمِ. فَمَا أدرِي هو قَيدٌ أو مِثَالٌ؟ ثم حَكَى القَاضِي
عِيَاضٌ، وابنُ الأثِيرِ، والنَّووِيُّ في ((شَرحٍ مسلمٍ)) قَولَا آخَرَ في الفَرَعِ، وهو: أنَّ
أهلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا تَمَّت (٤) إِبِلُ الواحِدِ منهُم مِائَةً قَدَّمَ بَكرًا، فَذَبَحَه لِصَنَمِهِ،
فَهو الفَرَعُ، ولَم يَجعَل صَاحِبُ ((المُحكَم)) ذلك خِلافًا، بَل جَعَلَه من المُشتَرَكِ
بَينَ معانٍ، فقال: الفَرَعُ والفَرَعَةُ: أوَّلُ نِتَاجِ الإِبِلِ والغَنَم، وكَانَ أهلُ(٥)
الجَاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَه(٦) لآلِهَتِهم، وجمعُه: فُرُعٌ(٧). ثم قال: والَفَرَعُ(٨) والفَرَعَةُ:
ذَبِحٌ كَانَ يُذْبَحُ إذَا بَلَغَت الإِبِلُ مَا يَتَمَّنَّهِ صَاحِبُها، وجَمعُها فِرَاعٌ. والفَرَعُ: بَعِيرٌ
كَانَ يُذْبَحُ في الجَاهِلِيَّةِ، إذَا كَانَ لِلإِنسَانِ مِائَةُ بَعِيرٍ نَحَرَ منها بَعِيرًا كُلَّ عَامٍ،
فَأَطْعَمَ النَّاسَ، ولا يَذُوقُه هو ولا أهلُه، والفَرَعُ: طَعَامٌ يُصنَعُ لِنِتَاجِ الإِبِلِ؛
كَالخُرسِ لِوِلادَةِ المَرأةِ. ثم ذَكَرَ معاني أُخَرَ لَيسَت مُلائِمَةً لِهَذَا المَعنَى الَّذِي
نَحنُ فیه .
الثَّالِثَةُ: العَتيرَةُ، بِفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ، وكُسرِ التَّاءِ المُثَنَّةِ من فَوقٍ،
بَعدَها يَاءٌ مُثَنَّاةٌ من تَحتٍّ، فَسَّرَها في حَدِيثِ أبِي هِرَيرَةَ بِأنَّها: الَّتِي تُذبَحُ في
رَجَبٍ. وفي حَدِيثِ مِخْنَفٍ بِأنَّها: الَّتِي تُسَمَّى الرَّجَبِيَّةَ، وقَيَّدَ أبو دَاوُد في ((سُنَّنِهِ))
(١) شرح صحيح مسلم (١٣٦/١٣).
الصحاح (١٢٥٧/٣)، ومشارق الأنوار (١٥٢/٢)، والنهاية في غريب الأثر (٤٣٥/٣).
(٢)
(٣)
المحكم (١٢٣/٢).
(٤)
في الأصل: ((نمت))، وفي (م): ((أتمت))، والمثبت من (ح، ك٢).
(٥)
(٦) في (ك٢): ((يذبحون)).
ليست فس (ك٢).
ليست في (٢٥).
(٧)
(٨) في (ك٢): ((فرع والفرع)).

=
ك
٥٩٧
بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها
والنَّووِيُّ ذلك: بِأن تُذبَحَ(١) في العَشرِ الأُولِ منه. قال النَّووِيُّ (٢) (٣): واتَّفَقَ
العُلَمَاءُ عَلى تَفسِيرِها بهذا. وفيمَا ذَكَرَه نَظَرٌ، فَإِنَّ الخَطَّابِيَّ (٤) بَعدَ ذِكرِهِ حَدِيثَ
مِخْنَفٍ قال: هذا(٥) الَّذِي يُشبه مَعنَى الحديثِ، ويَلِيقُ بِحُكمِ الدِّينِ. فَأَمَّا العَتيرَةُ
الَّتِي كَانَ يَعتَرِها أهلُ الجَاهِلِيَّةِ، فَهِيَ الذَّبِيحَةُ تُذبَحُ لِلصَّنَمِ، فَيُصَبُّ دَمُها عَلى
رَأْسِهِ، والعَتْرُ بِمَعَنَى الذَّبحِ. انتهى.
فَدَلَّ عَلى أنَّ لِلعَتيْرَةِ مَعنَى آخَرَ، وهو اللائِقُ بِتَفسِيرِ المَنفي في حَدِيثٍ
أَبِي هُرَيْرَةَ، وجَعَلَ آخَرُونَ في ذلك خِلافًا، قال في ((المَشَارِقِ))(٦): قال أبو عُبَيْدٍ :
هِيَ الرَّجَبِيَّةُ: ذَبِيحَةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَها في الجَاهِلِيَّةِ في رَجَبٍ، يَتَقَرَّبونَ بها، وكَانَت
في أولِ الإسلامِ فَنُسِخَ ذلك. وقال بَعضُ السَّلَفِ بِبَقَاءِ حُكمِها. ثم قال: وقِيلَ:
العَتيرَةُ نَذرٌ كَانُوا يَنْذِرُونَه لِمَن بَلَغَ مَالُه كَذَا رَأْسًا، أن يَذَبَحَ من كُلِّ عَشرَةٍ منها
رَأْسًا، في رَجَبٍ. وجَزَمَ في ((النِّهايَةِ)) (٧) بهذَا (٢٢٢/٥م) القَولِ، وحَكَاه
ابنُ المُنذِرِ (٨) عن أبِي عُبَيدٍ، وقال في ((المُحكَم)) (٩): العَتيرَةُ أولُ مَا يُنْتَجُ(١٠)،
كَانُوا يَذْبَحُونَه لَآلِهَتِهِم. ثم ذَكَرَ أنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَقُولُ فِي الجَاهِلِيَّةِ: إن بَلَغَت إِي
مِائَةً عَتَرتُ منها عَتيرَةً. وفي ((الصِّحَاحِ))(١١): العِترُ: العَتيرَةُ، وهيَ شَاءٌ كَانُوا
يَذْبَحُونَها فِي رَجَبٍ لَآلِهَتِهِم، مِثَالُ ذِبِحٍ وَذَبِيحَةٍ. انتَهَى. فَقَيِّدَها بِالشَّاةِ، وقَد ظَهَرَ
بذلك الخِلافُ في تَفسِيرِ العَتيرَةِ، وهو فَادِحٌ فِي دَعوى الاتِّفَاقِ. والله أعلمُ.
ا الرَّابِعَةُ: في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: نَفَى الفَرَعَ والعَتيرَةَ، وفي رِوايَةٍ :
النَّهي عنهمَا، وفي حَدِيثِ الحَارِثِ بنِ عَمرِو: التَّخِيرُ بَيْنَ فِعلِهمَا وتَركِهمَا، وفي
حَدِيثٍ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ: أنَّهمَا حَقٌّ، وفي حَدِيثٍ مِخْنَفِ: الإلزَامُ بِالعَتيرَةِ.
(١) في (ح): ((يذبح)).
شرح صحيح مسلم (١٣٦/١٣).
(٣)
(٥)
في (م): ((هو)).
(٧) النهاية في غريب الأثر (٤٣٥/٣).
(٩) المحكم (٤٣/٢، ٤٤).
(١١) الصحاح (٧٣٦/٢).
(٢) ليست في (٢٥).
(٤) معالم السنن (٢٢٦/٢).
(٦) مشارق الأنوار (٦٥/٢).
(٨) الإشراف (٤٢٦/٣).
(١٠) في الأصل: ((تنتج)).

٥٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وفي حَدِيثِ نُبَيْشَةَ: الأمرُ بِالعَتيرَةِ؛ من غَيرِ تَقِيدٍ بِكُونِها في رَجَبٍ، والإلزَامُ
بِالفَرَعِ، وأنَّ تَأخِيرَ ذَبحِه إلى كِبَرِهِ أفضَلُ.
قال والِدِي ◌َّتُهُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): حَدِيثُ النَّهي أصَحُ، وأحَادِيثُ
الإِبَاحَةِ أكثَرُ. انتَهَى. وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ في ذلك: فَذَهَبَتَ طَائِفَةٌ إلى أنَّ النَّهِيَ
نَاسِخٌ لأحَادِيثِ الإِبَاحَةِ. قال ابنُ المُنذِرِ (١): كَانَتِ العَرَبُ تَفعَلُ ذلك في
الجَاهِلِيَّةِ، وَفَعَلَهمَا(٢) بَعضُ أهلِ الإسلامِ بِأمرِ النبيِّ وَّهِ، ثم نَهَى عنهمَا، فقال:
((لا فَرَعَةَ ولا عَتيْرَةَ)». فَانتَهَى النَّاسُ عنهمًا لِنَهِهِ، ومَعلُومٌ أنَّ النَّهيَ لا يَكُونُ إلا
عن شَيءٍ قَد كَانَ يُفْعَلُ، ولا(٣) نَعلَمُ أَحَدًا من أهلِ العِلمِ يَقُولُ: إنَّ النبيَّ وَ كَانَ
نَهاهم عنهمَا، ثم أذِنَ لَهم فيهمَا (٤)، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الفِعلَ كَانَ قَبَلَ النَّهي قَولُه
في حَدِيثِ نُبَيشَةَ: ((إِنَّا كُنَّا نَعتِرُ عَتيرَةً في الجَاهِلِيَّةِ، وإنَّا كُنَّا نَفرَعُ فَرَعًا في
الجَاهِلِيَّةِ)). وفي إجمَاعِ عُلَمَاءِ الأمصَارِ [٦٣/٢و] عَلى النَّهي عن استِعمَالِها (٥)، مع
ثُبوتِ النَّهي عن ذلك بَيَانٌ لِمَا قُلْنَاه، وكَانَ ابنُ سِيرِينَ من بَيْنِ أهلِ العِلمِ يَذْبَحُ
العَتِيرَةَ فِي رَجَبٍ، وكَانَ يَروِي فيها شَيئًا. انتَهَى. وتَبِعَه ابنُ بَطَّالٍ(٦)، وقال بَعدَ
قَولِه: وكَانَ يَروِي فيها شَيئًا: لا يَصِحُ وأظُنُّه حَدِيثَ ابنِ عَونٍ، عن أبِي رَمَلَةَ، عن
مِخْتَفِ بنِ سُلَيم. ولا حُجَّةَ فيه لِضَعِفِه، ولَو صَحَّ لَكَانَ حَدِيثُ أبِي هرَيرَةَ نَاسِخًا
لَه، والعُلَمَاءُ مُجمِعُونَ عَلى القَولِ بِحَدِيثٍ أبِي هرَيرَةَ. انتَهَى. وذَكَرَ القَاضِي
عِيَاضٌ(٧): أنَّ جَمَاهيرَ العُلَمَاءِ عَلى نَسخِ الأمرِ بِالفَرَعِ والعَتيْرَةِ. وَكَذَا ذَكَرَ أبو بَكرٍ
الحَازِمِيُّ(٨): أنَّ حَدِيثَ النَّهيِ نَاسِخُ لأَحَادِيثِ الإذنِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى استِحبَابِ الفَرَعِ والعَتيرَةِ، وأولُوا النَّهيَ.
(١) الإشراف (٤٢٥/٣، ٤٢٦).
(٣) في (ك٢): ((ولم)).
(٢) في (ح): ((فعلها)).
(٤) في (ك٢): ((فيها)).
(٥) في (ك٢): ((استعمالهما)).
(٧) إكمال المعلم (٤٣٠/٦).
(٦) شرح صحيح البخاري (٣٧٨/٥).
(٨) الاعتبار للحازمي (ص١٥٧، ١٥٨)، وقد ذكر عن قوم أنهم قالوا بالنسخ، وذهب هو
إلى الجمع .

بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها
٥٩٩
=
قال الشَّافِعِيُّ ◌َّله، فيمَا رَواه عنه المُزَني: الفَرَعُ شَيءٌ كَانَ أهلُ الجَاهِلِيَّةِ
يَطلُبونَ بِه البَرَكَةَ في أموالِهم، فَكَانَ أحَدُهم يَذبَحُ بَكرَ نَافَتِه أو شَاتِه،
ولا يَغذُوه رَجَاءَ البَرَكَّةِ فيمَا يَأْتي بَعدَه، فَسَأْلُوا النبيَّ ◌َِّ عنه، فقال:
((فَرِّعُوا(١) إن شِئْتُم))؛ أي: اذبَحُوا إن شِئْتُم، وكَانُوا يَسألُونَه عَمَّا كَانُوا يَصنَعُونَه
في الجَاهِلِيَّةِ خَوفًا أن يُكرَّهَ في الإسلامِ، فَأعلَمَهم أنَّه لا كَرَاهَةَ عَلَيهم فيه،
وأمَرَهم استِحبَابًا أن يُغَذُّوهُ (٢)، ثم يُحَمَلَ عَلَيه(٣) في سَبِيلِ اللهِ، وقَولُه:
((الفَرَعَةُ حَقٌّ))؛ مَعنَاه: أنَّها لَيسَت بِبَاطِلٍ، ولَكِنَّه كَلامٌ عَرَبِيٌّ، خَرَجَ عَلى جَوابٍ
السَّائِلِ، وقَد رُوِيَ عنه عَلَيه الصلاة والسَّلامُ: ((لا فَرَعَةَ ولا عَتيرَةَ)). ولَيسَ هَذَا
باختِلاف(٤) من الرِّوايَةِ، إنَّمَا هَذَا لا فَرَعَةَ واجِبَةٌ، ولا عَتِيرَةَ واحِبَةٌ، والحديثُ
الآخَرُ يَدُلُّ عَلى مَعنَى ذَا أنَّه أبَاحَ لَه الذَّبحَ، واختَارَ أن يُعطِيَه أرمَلَةً، أو
يَحمِلَ عَلَيه في سَبِيلِ الله، والعَتيرَةُ هيَ الرَّجَبِيَّةُ، وهيَ ذَبِيحَةٌ كَانَ أهلُ الجَاهِلِيَّةِ
يَتَبَرَّرُونَ(٥) بها في رَجَبٍ، فقال النبيُّ وَّ: ((لا عَتِيرَةَ)). عَلى مَعنَى: لا عَتِيرَةَ
لازِمَةٌ، وقَولُه عَلَيه الصلاة والسَّلامُ، حَيثُ سُئِلَ عن العَتيرَةِ: ((اذبَحُوا لِلَّه في
أَيِّ شَهرٍ))(٦). مَا كَانَ، لا(٧) أنَّها في رَجَبٍ دُونَ مَا سِواه من الشُّهورِ، هَذَا
كُلُّ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ حَكَاه عنه البَيْهَقِيُّ في ((سُنَتِه)» (٨)، وذَكَرَ ابنُ كَجِّ والدَّارِمِيُّ:
أنَّهمَا لا يُستَحَبَّانِ. وهَل يُكرَهانِ؟ فيه وجهانِ:
أحَدُهمَا: يُكرَهانِ لِلخَبَرِ .
والثَّاني: لا كَرَاهَةَ فيهمَا. وحَكَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَُّ قال: إن تَيَسَّرَ ذلك
كُلَّ شَهرٍ كَانَ حَسَنًا. قال النَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ))(٩): هَذَا النَّصُ لِلشَّافِعِيِّ في
(١) في (م): ((افرعوا)).
(٢) في الأصل، (ح): ((يعدوه)).
(٤) في (م): ((اختلافًا)).
(٣) في (ك٢): ((عليها)).
(٥)
في (م): ((يتبركون)). والمثبت من باقي النسخ والتخريج.
في المطبوع من السنن الكبرى بعدها: ((أي: اذبحوا إن شئتم، واجعلوا الذبح لله لا
(٦)
لغيره، في أي شهرٍ ما كان ... )). انتهى. وبها يتضح المعنى المراد.
(٧)
ليست في (م).
(٩) روضة الطالبين (٥٠٢/٢).
(٨) السنن الكبرى (٣١٣/٩).

=
S
٦٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
((سُنَنِ حَرَمَلَةَ))، وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد)» وغَيرِهِ حَدِيثٌ يَقْتَضِي التَّرخِيصَ فيهمَا، بَل
ظَاهرُه النَّبُ، فَالوجه الثَّاني يُوافِقُه، فَهو الرَّاحِحُ.
وقال في ((شَرحِ مسلم))، بَعدَ نَقلِه نَصَّ الشَّافِعِيِّ المُتَقَدِّمَ(١): والصَّحِيحُ عِندَ
أصحَابِنَا، وهو نَصُّ الشَّافِعِيِّ، استِحبَابُ الفَرَعِ والعَتيرَةِ. ثم حَكَى نَصَّ حَرمَلَةَ.
وقال في (شَرحِ المُهَذَّبٍ))(٢): الصَّحِيحُ(٣)، وهو الَّذِي نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ، واقتَضَته
الأحَادِيثُ، أَنَّهِمَا لا يُكرَهانِ بَل يُستَحَبَّانِ. وقال الحَنَابِلَةُ(٤): إنَّهمَا لا يُستَحَبَّانِ.
الخَامِسَةُ: الَّذِينَ قَالُوا بِنَفىِ اسْتِحِبَابِ الفَرَعِ والعَتيرَةِ - حَمَلُوا قَولَه:
(لا فَرَعَ ولا عَنيرَةَ»، عَلى أنَّ مَعنَاه مُستَحَبَّانِ. وأَلَّذِينَ قَالُوا بِاسْتِحِبَابِهمَا أجَابوا
عن هَذَا الحديثِ بِأَجوِيَةٍ :
أحَدُها: أنَّ المَعنَى: لا فَرَعَ واجِبٌ ولا عَتيرَةَ واجِبَةٌ، وهَذَا تَأْوِيلُ
الشَّافِعِيِّ تَظْهُ، كَمَا (٢٢٤/٥م) تَقَدَّمَ، ويُشكِلُ عَلَيه وعَلى جَوابِ الأولِينَ: النَّهيُ
الَّذِي في رِوايَةٍ لِلنسائيّ(٥)، فَإِنَّه لا يَجِيءُ معه نَفيُ الوُجُوبِ ولا الاستِحِبَابِ،
ولَعَلَّ رَاوِيَه رَوى بِالمَعنَى في ظَنِّه فَأخطأ، ظَنَّ أنَّ مَعنَى النَّفيِ النَّهِيُّ، ولَيسَ
كَذلك، بَل مَعنَاه نَفْيُ الاستِحِبَابِ أو الوُجُوبِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
ثَانيها: أنَّ المُرَادَ أنَّهمَا لَيسَا كَالأُضحِيَّةِ في الاسْتِحِبَابِ المُتَأْكِّدِ، أو (٦) في
ثَوابٍ إِرَاقَةِ الدَّمِ، فَأمَّا تَفْرِقَةُ اللحمِ عَلى المَسَاكِينِ فَبِرٍّ وصَدَقَةٌ.
ثَالِثُها: أنَّ المُرَادَ نَفيُ مَا كَانُوا يَذْبَحُونَه لأصنَامِهم، فَأَمَّا الذَّبِيحَةُ لا بِقَيدِ
كَونِها لِلأصنَامِ فَلا بَأسَ بها .
السَّادِسَةُ: النِّتَاجُ، بِكَسرِ النُّونِ، وقَولُه: ((يُنتَجُ)) بِضَمِّ أولِه، وفَتحٍ
ثَالِثِه، عَلى صِيغَةِ البِنَاءِ لِلمَفْعُولِ، [٢/ ٦٣ظ] ثم يَحتَمِلُ أن يَكُونَ مَبنيًا لِلفَاعِلِ،
(١) شرح صحيح مسلم (١٣/ ١٣٧).
(٢) المجموع (٤٢٨/٨).
(٣) ليس في: (ك٢).
(٤) ينظر: المغني (٤٠٢/١٣).
(٥) في الأصل: ((النسائي))، وقد سبق تخريجه في الفائدة الأولى.
(٦) في الأصل: (و)).