Indexed OCR Text
Pages 561-580
بَابُ الأُضحِيَّةِ ٥٦ وحَدِيثُ سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ: اتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ(١) من رِوايَةِ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَید عنه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((مَن ضَخَّى منكُم، فَلا يُصبِحَنَّ(٢) بَعدَ ثَالِئَةٍ، وفي بَيتِهِ منه شَيءٌ))، فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقبِلُ، قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ، نَفعَلُ كَمَا فَعَلنَا العَامَ المَاضِي؟» (١٩٦/٥م) قال: ((كُلُوا، وأطعِمُوا، وادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذلك العَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهِدٌ، فَأَرَدتُ أن تُعِينُوا(٣) فيها)). لَفِظُ البُخَارِيِّ، وقال مسلمٌ: ((أن تَفشُو فیھم)) (٤). وحَدِيثُ جَابِرٍ : رَواه البُخَارِيُّ، ومسلمٌ(٥) من رِوايَةِ عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحٍ عنه، قال: «كُنَّا لا نَأكُلُ من لُحُوم بُدنِنَا فَوقَ ثَلاثِ منى، فَرَخَّصَ لَنَا النبيُّ وَّرَ، فقال: ((كُلُوا، وَتَزَودُوا). فَأَكَلِنَا، وَتَزَودنَا)). قال البُخَارِيُّ (٦ في رِوايَتِه٦): قُلتُ لِعَطَاءٍ: قال: ((حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةَ))؟ قال: ((لا)). وفي رِوايَةٍ مسلم: قال: ((نَعَم)). وفي ((صَحِيحٍ مسلمٍ)(٧) عن أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ، عن النبيِّ وَّرِ: أنَّه نَهَى عن أكلِ لُحُومِ الضَّحَايَاً بَعدَ ثَلاثٍ، ثم قال بَعدُ: ((كُلُوا، وَتَزَودُوا، واذَّخِرُوا)). وحَدِيثُ عَائِشَةَ [٥٥/٢ظ]: رَواه مسلمٌ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ (٨) من رِوايَةٍ مَالِكٍ، عن عَبدِ الله بنِ أبِي بَكرٍ، عن عَمرَةَ، عن عَائِشَةَ، قالت: ((دَفَّ (٩) أهلُ أبيَاتٍ(١٠) من أهلِ البَادِيَةِ حَضرَةَ(١١) الأضحَى، زَمَنَ رَسُولِ اللهِوَّل، فقال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((ادَّخِرُوا ثَلاثًا، ثم تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ))، فَلَمَّا كَانَ بَعدَ ذلك قَالُوا: ((يَا رَسُولَ الله، إنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأسقِيَةَ من ضَحَايَاهم، ويَحمِلُونَ فيها الودَكَ))؟ فقال رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((ومَا ذَاَكَ؟)). قَالُوا: ((نَهَيتَ أن تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعدَ(١٢) (١) البخاري (٥٥٦٩)، ومسلم (٣٤/١٩٧٤). (٢) في الأصل، (٢٥): ((يضحين)). (٤) في الأصل: ((فيكم)). (٥) البخاري (٥٤٢٤)، ومسلم (٣٠/١٩٧٢). (٦ - ٦) ليست في (ك٢). (٧) مسلم (٢٩/١٩٧٢). (٨) مسلم (٢٨/١٩٧١)، وأبو داود (٢٨١٢)، والنسائي (٤٤٤٣). (٩) في (ح): ((وف)). (١٠) ليست في الأصل. (١١) في (ك٢): ((حصره). (٣) في (ح): ((يعينوا)). (١٢) في الأصل: ((فوق)). = كم ٠٥٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثَلاثٍ))، فقال: ((إنَّمَا نَهَيتُكُم من أجلِ الدَّافَّةِ الَّتي دَقَّت، فَكُلُوا، وادَّخِرُوا(١)، وتَصَدَّقُوا)). ورَواه البُخَارِيُّ(٢) من رِوايَةِ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ، عن عَمرَةً، (١٩٧/٥م) عن عَائِشَةَ، قالت: ((الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ منه(٣)؛ فَتَقدُمُ به إلى النبيِّ وَلَهُ بِالمَدِينَةِ، فقال: ((لا تَأْكُلُوا إلا ثَلاثَةَ أَيَّام))، ولَيسَت بِعَزِيمَةٍ وَلَكِن أرَادَ أن يُطعَمَ منه. واللهُ أعلمُ. وفي عَزوِ الشَّيخ تَخْلَمْهُ في ((النُّسَخَةِ الكُبرَى)) من الأحكام اللفظَ الأولَ لِلْبُخَارِيِّ. نَظَرٌ، فَلَم أقِف عِندَه من حَدِيثِ عَائِشَةَ؛ إلا عَلى هَذَا اللفظِ الذِي ذَكَرَتُه ثَانيًا. واللهُ أعلمُ. وحَدِيثُ بُرَيدَةَ: رَواه مسلمٌ وغَيرُهُ (٤) بِلَفِظِ: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نَهَيتُكُم عن لُحُومِ الأضَاحِيِّ فَوقَ ثَلاثٍ، فَأَمسِكُوا مَا بَدَا لَكُم)). وحَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ: رَواه مسلمٌ(٥) بِلَفِظِ: قال رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((يَا أَهْلَ المَدِينَةِ، لا تَأْكُلُوا لَحَمَ الأضَاحِيِّ فَوقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ))؛ فَشَكَوا إلى رَسُولِ اللهِ وَهِ: أنَّ لَهم ◌ِيَالًا، وحَشَمًا، وخَدَمًا، فقال: ((كُلُوا، وأَطَّعِمُوا، واحبِسُوا، و(٦) ادَّخِرُوا)). ا الثّانيةُ: قَولُه: ((لا يَأْكُلُ))؛ أي: المُضَحِّي، فَحَذَفَه لِلعِلمِ به، وقِيَامِ القَرِينَةِ عَلَيه. ■ الثَّالِثَة: اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذَا النَّهيِ عَلى أقوالٍ: أحَدُها: أنَّه كَانَ لِلتَّحرِيم، وأنَّه مَنسُوخٌ بِالأحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرتُها في الفَائِدَةِ الأُولى، وهَذَا هو المَشهورُ. وحَكَاه النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(٧) عن جَمَاهیرٍ العُلَمَاءِ، قال: وهَذَا من نَسخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ. قال: والصحِيحُ (٨) نُّسُ النَّهيِ مُطلَقًّا، وأنَّه لَم يَبقَ تَحرِيمٌ ولا كَرَاهَةٌ، فَيُبَاحُ اليَومَ الإدخَارُ فَوقَ ثَلاثَةٍ والأكلُ إلى مَتَى (١) بعده في (م): ((منها)). (٣) في (ح): ((منها)). (٥) مسلم (١٩٧٣/ ٣٣). (٧) شرح صحيح مسلم (١٢٩/١٣). (٢) البخاري (٥٥٧٠). (٤) مسلم (٣٧/١٩٧٧)، والنسائي (٢٠٣١). (٦) في (ك، ح): ((أو)). (٨) في (م): ((وتصحيح)). بَابُ الأُضحِيَّةِ ٥٦٣ = شَاءَ؛ كَصَرِيحٍ (١) حَدِيثِ بُرَيدَةً وغَيرِهِ. وكَذَا قال في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٢): الصَّوابُ المَعرُوفُ: أَنَّه لا يَحرُمُ الادخَارُ اليَومَ بِحَالٍ. وسَبَقَه إلى ذلك الرَّافِعِيُّ، فقال: والظّاهرُ: أنَّه لا تَحْرِيمَ (٣) اليَومَ بِحَالٍ . وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): لا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ المسلمِينَ في إجَازَةِ أكلٍ لُحُومٍ الأضَاحِيِّ بَعدَ ثَلاثٍ، وأنَّ النَّهيَ عن ذلك مَنسُوخٌ. القَولُ الثَّاني: أنَّ هَذَا لَيسَ نَسخًا، ولَكِن كَانَ التَّحْرِيمُ لِعِلَّةٍ، فَلَمَّا زَالَت زَالَ، ولَو عَادَتِ لَعَادَ، وبهذا قال ابنُ حَزم الظّاهرِيُّ(٥). واستَدَلَّ بِمَا في ((الصَّحِيحَينِ)) عن أبِي عُبَيدِ مَولى ابنِ أزهَرَ، قال: ((صَلَّيتُ مع عَلِيٍّ بنِ أبِي طَالِبٍ، فَصَلَى لَنَا قَبلَ الخُطبَةِ، ثم خَطَبَ النَّاسَ، فقال: ((إنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَد نَهاكُم أن تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوقَ ثَلاثٍ، فَلا تَأْكُلُوا)). ثم قال ابنُ حَزمٍ: هَذَا كَانَ عَامَ حَصرٍ (٦) عُثمَانَ، وكَانَ أهلُ البَوادِي قَد ألجَأتهم الفِتنَةُ إلى المَدِينَةِ، وأصَابَهم جَهِدٌ، فَأَمَرَ بذلك بِمِثلٍ مَا أمَرَ به رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ جَهدَ النَّاسُ، ودَقَّت الدَّاقَّةُ. انتَھَی . ولِلشَّافِعِيِّ تَخْتُ نَصِّ، حَكَاه البَيهَقِيُّ(٧) تَرَدَّدَ فيه بَينَ(٨) هَذَا القَولِ والذِي (١٩٨/٥م) قَبلَه؛ قال بَعدَ ذِكرٍ حَدِيثِ عَائِشَةَ وجَابِرٍ: يَجِبُ عَلى مَن عَلِمَ الأمرَينِ مَعًا أن يَقُولَ: نَهَى النبيُّ نَّهَ عنه لِمَعنَّى، فَإِذَا كَانَ مِثْلَه فَهو مَنهيٍّ عنه، وإذَا لَم يَكُن مِثْلَه لَم يَكُن مَنهيًّا عنه. أو يَقُولَ: نَهَى النّبِيُّ ◌َلَه عنه (٩) في وقتٍ، ثم أرخَصَ فيه بَعدَه، والآخَرُ من أمرِهِ نَاسِخُ لِلأولِ. وقال شَيخُنَا الإمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الإسنَوِيُّ تَظْتُهُ: الصَّحِيحُ (١) في (ح): ((لصريح)). (٣) في (ك٢، ح): ((يحرم)). (٥) المحلى (٣٨٥/٧). (٦) في: الأصل، (ح): ((حصره)). وفي (م): ((حضرة)). (٧) السنن الكبرى (٢٩٣/٩). (٩) من (ك٢). (٢) المجموع (٣٩٥/٨). (٤) التمهيد (٢١٦/٣). (٨) ليست في الأصل. كم ٠٥٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ [٥٦/٢ و] أنَّ النَّهيَ كَانَ مَخصُوصًا بِحَالَةِ الصِّيقِ، والصَّحِيحُ أيضًا أنَّه إذَا حَدَثَ ذلك في زَمَانِنَا أنه يَعُودَ المَنعُ، عَلى خِلافِ مَا رَجَّحَه الرَّافِعِيُّ، فَقَد نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلى ذلك كُلِّه، فقال في ((الرِّسَالَةِ)) في آخِرِ ((بَابِ العِلَلِ في الحديثِ)» (١) مَا نَصُّه: فَإِذَا دَفَّت الدَّافَّةُ ثَبَتَ النَّهيُ عن إمسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعدَ ثَلاثٍ، وإن (٢) لَم تَدِفَّ دَاقَّةٌ، فَالرُّخِصَةُ ثَابِتَةٌ بِالأكلِ، والتَّزَوُّدِ والادِّخَارِ، والصَّدَقَةِ. قال الشَّافِعِيُّ: ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ النَّهيُ عن إمسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعدَ ثَلاثٍ مَنسُوخًا في كُلِّ حَالٍ. انتَهَى. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُيِيُّ (٣): حَدِيثُ سَلَمَةَ وعَائِشَةَ نَصِّ عَلى أنَّ المَنعَ كَانَ لِعِلَّةٍ، ولَمَّا ارتَفَعَت ارتَفَعَ لارتِفَاعِ مُوجِبه، لا(٤) لأنَّ مَنسُوٌ، فَتَعَيَّنَ الأخذُ به، ويَعُودُ الحُكمُ لِعَودِ العِلَّةِ، فَلَو قَدِمَ عَلى أهلِ بَلدَةٍ نَاسٌ مُحتَاجُونَ فِي زَمَانِ الأضحَى، ولَم يَكُن عِندَ أهلِ ذلك البَلَدِ سَعَةٌ يَسُدُّونَ بها فَاقَتَهم إلا الضَّحَايَا: لَتَعَيَّنَ عَلَيهم أن لا يَذَّخِرُوها فَوقَ ثَلاثٍ. القَولُ الثَّالِثُ: كَالذِي قَبلَه في أنَّ هَذَا لَيسَ نَسخًا، ولَكِنَّ التَّحْرِيمَ لِعِلَّةٍ، فَلَمَّا زَالَتِ زَالَ، ولَكِن لا يَعُودُ الحُكمُ لَو عَادَت، وهَذَا وجهٌ لِبَعضِ الشَّافِعِيَّةِ، حَكَاه الرَّافِعِيُّ والنَّووِيُّ(٥). وهو بَعِيدٌ. القَولُ الرَّابِعُ: أَنَّ النَّهيَ الأولَ لَم يَكُن لِلتَّحرِيمِ، وإنَّمَا كَانَ لِلكَرَاهَةِ، وهَذَا ذَكَّرَه أبو عَلِيِّ الطَّبَرِيُّ صَاحِبُ ((الإفصَاحِ)) عَلى سَبِيلِ الاحتِمَالِ، كَمَا حَكَاه الرَّافِعِيُّ. ونَصَّ عَلَيه الشَّافِعِيُّ، كَمَا حَكَاه البَيْهَقِيُّ(٦)، فقال: وقال الشَّافِعِيُّ كَُّ في مَوضِعٍ آخَرَ: يُشبه أن (٧) يَكُونَ نَهِيُّ النبيِّ لنَّ عن إمسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعدَ ثَلاثٍ (١) الرسالة (ص٢٣٩). المفهم (٣٧٨/٥). (٣) (٥) المجموع (٣٩٥/٨). (٧) في (ح): ((وتبين)). (٢) في الأصل: ((فإن)). (٤) ليست في: الأصل. (٦) السنن الكبرى (٢٩٣/٩). = بَابُ الأُضحِيَّةِ ٥٦٥ إِذَا كَانَتِ الدَّافَّةُ، عَلى مَعنَى الاختيارِ، لا عَلى مَعنَى الفَرضِ، لِقَولِه تَعَالى في الْبُدنِ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ﴾ [الحج: ٣٦]. وهَذِه الآيَةُ في البُدنِ التي يَتَطَوعُ بها أصحَابُها، قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١): قال هَؤُلاءِ: والكَرَاهَةُ بَاقِيَةٌ إلى اليَومِ، ولَكِن لا يَحِرُمُ. قَالُوا: ولَوَ وقَعَ مِثلُ تِلكَ العِلَّةِ اليَومَ فَدَقَّت دَافَّةٌ واسَاهم النَّاسُ، وحَمَلُوا عَلى هَذَا مَذْهَبَ عَلِيٍّ وابنِ عُمَرَ. انتَهَى. وإلى هَذَا (١٩٩/٥م) ذَهَبَ المُهَلَّبُ، فقال: إنَّه الَّذِي يَصِحُ عِندِي. انتَهَى. ويَدُلُّ لِهَذَا قَولُه في حَدِيثِ عَائِشَةَ رِّنَا: ((وَلَيسَت بِعَزِيمَةٍ، ولَكِن أرَادَ أن(٢) يُطعِمَ منه)). وقَد تَقَدَّمَ في الفَائِدَةِ الأُولى. وقال ابنُ حَزم(٣): لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ قَولَه: (لَيسَت بِعَزِيمَةٍ)). لَيسَ من كَلامِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، وإِنَّمَا هو ظَنُّ بَعضِ رُواِ الخَبَرِ، ويُبَيِّنُ (٤) ذلك قَولُه بَعدَه: ((ولَكِنْ أَرَادَ أن يُطعِمَ منه))، واللهُ أعلمُ. وأيضًا، فَإِنَّ أَبَا بَكرِ ابنَ أبِي أُويسٍ مَذكُورٌ عنه في رِوايَتِهِ أمرٌ عَظِيمٌ. القَولُ الخَامِسُ: أنَّ هَذَا النَّهيَ لِلتَّحرِيم، وأنَّ حُكمَه مُستَمِرٌّ لَم يُنسَخ، وحُمِلَ عَلى هَذَا مَا تَقَدَّمَ عن عَلِيٍّ ◌َظُّهِ، ومَا رَواه ابنُ أبِي شَيبَةً(٥) عن ابنِ عُمَرَ مُِّهَا، وحَمَلَه عَلى أنَّهمَا رَأْيَا عَودَ الحُكم لِعَودِ عِلَّتِهِ، كَمَا تَقَّدَّمَ في القَولِ الثَّاني أولی. وبِتَقْدِيرٍ أن لا يُؤَولَ عَلى هَذَا فَسَبَبُه عَدَمُ بُلُوعِ النَّاسِخِ، فَإِنَّه لا يَسَعُ أحَدًا العَمَلُ(٦) بِالمَنسُوخِ بَعدَ وُرُودِ النَّاسِخِ، ومَن عَلِمَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَم يَعلَم. الرَّابِعَةُ: ظَاهرُ قَولِه: ((لا يَأْكُلُ من لَحم أُضحِيَّتِهِ فَوقَ ثَلاثٍ))، أنَّ ابْتِدَاءَها من وقتِ التَّضحِيَةِ بها، وهَذَا هو الَّذِي يَنبَغِي الجَزمُ به، وكَذَا قال (١) شرح صحيح مسلم (١٢٩/١٣). (٢) في (م): ((أنه)). (٣) المحلى (٣٨٤/٧). (٤) في (ك، ح): ((أو)). (٥) ابن أبي شيبة (٤ /٥٧). (٦) في الأصل: ((العلم)). = ٥٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ابنُ حَزمِ الظَّاهرِيُّ(١)، بِتَقدِيرِ عَودِ الحُكم لِعَودِ عِلَّتِهِ، كَمَا هو مَذْهَبُه ومَذهَبُ غَيرِهِ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): يَحْتَمِلُ أنَ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الثَّلاثِ من يَومِ ذَبحِها، ويَحتَمِلُ من يَومِ النَّحرِ، وإن تَأْخَّرَ ذَبحُها إلى أيَّامِ التَّشرِيقِ. قال: وهَذَا أَظهَرُ. وحَكَاهِ النَّووِيُّ(٣) عنه وأقَرَّه. وحَكَى أبو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ (٤) ذلك خِلافًا مُحَقَّقًّا، وَرَجَّحَ الأولَ، فقال: وهَذَا الظَّاهرُ من حَدِيثٍ سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ، فَإِنَّه قال فيه: ((مَن ضَخَّى منكُم فَلا يُصبِحَنَّ فِي بَيتِهِ بَعدَ ثَالِئَةٍ شَيءٌ)) . ثم قال: ويَظهَرُ من بَعضِ ألفَاظِ أحَادِيثِ النَّهي، مَا يُوجِبُ قَولًا ثَالِثًا، وهو أنَّ في حَدِيثِ أبِي عُبَيدٍ: ((فَوقَ ثَلاثِ لَيَالٍ)). [٥٦/٢ظ] وهَذَا يُوجِبُ إلغَاءَ اليَومِ الَّذِي ضَخَّى فيه من العَدَدِ، وتُعتَبرُ لَيلَتُه ومَا بَعدَها، وكَذلك حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ، فَإِنَّ فيه: ((فَوقَ ثَلاثٍ))؛ يَعني(٥): الليَالِيَ، وكَذلك حَدِيثُ سَلَمَةَ، فَإِنَّ فيه: ((بَعدَ ثَالِئَةٍ))، وأمَّا حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ فَفيه: (ثَلاثَةُ أَيَّامٍ))، وهَذَا يَقْتَضِي اعتِبَارَ الأيَّامِ دُونَ الليَالِي. انتَهَى. قُلتُ: وكَذَا هو في رِوايَةٍ لِمسلمٍ وغَيرِه من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، كَمَا تَقَدَّمَ في الفَائِدَةِ الأُولى. والظَاهِرُ إِرَادَةُ الأيَّامِ بِلَيَالِيِها، واستَفَدْنَا ذلك من مَجمُوعِ الرِّوايَاتِ، والله أعلمُ. الخَامِسَة: مَفهومُ الحديثِ: أنَّه لا مَنعَ من الأكلِ من لَحم أُضحِيَّةٍ غَيرِه فَوقَ (٢٠٠/٥م) ثَلاثٍ، فَالمُهدَى إِلَيه والمُتَصَدَّقُ(٦) عَلَيهِ لَه ادِّخَارُهُ فَوقَ ثَلاثٍ؛ لأنَّ القَصدَ مُواسَاةُ أصحَابِ الأضَاحِيِّ، وقَد حَصَلَت، وأمَّا الفَقِيرُ فَإِنَّه لا حَجرَ عَلَيه في التَّصَرُّفِ فيه، وقَد يَستَغني عنه مُدَّةَ الثَّلاثِ بِغَيرِهِ، ويَحْتَاجُ إِلَيه بَعدَ الثَّلاثِ. (١) المحلى (٣٨٣/٧). (٣) شرح صحيح مسلم (١٣٠/١٣). (٥) في (م): ((تعني)). (٢) إكمال المعلم (٤٢٤/٦). (٤) المفهم (٣٧٧/٥). (٦) في الأصل، (٢٥): ((أو المتصدق)). بَابُ الأُضحِيَّةِ ٥٦٧ = ويَدُلُّ لِهَذَا مَا رَواه أبو يَعلى المَوصِلِيُّ في ((مُستَدِه))(١) عن الزُّبَيرِ بنِ العَوامِ: أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قَد نَهَى المسلمِينَ أن يَأْكُلُوا لَحمَ نُسُكِهم فَوقَ ثَلاثٍ، قُلتُ: (يَا نَبِيَّ الله، بِأبِي أنتَ وأُمِّي، كَيفَ نَصنَعُ بِمَا أُهدِيَ لَنَا؟)). قال: ((مَا أُهدِيَ إِلَيْكُم فَشَأْتُكُم به)). والحديثُ في ((مُسنَدِ أحمَدَ)(٢) أيضًا. وقَد يُفَرَّقُ في ذلك بَيْنَ الغَنِي؛ فَيَحْرُمُ عَلَيهِ ادِّخَارُهُ بَعدَ ثَلاثٍ، وَلَو كَانَ من لَحم أهدَاه لَه غَيرُه، والفَقِيرُ فَيُبَاحُ لَه؛ لأنَّه لا يَحتَمِلُ حَالُهُ(٣) المُواسَاةَ، واللهُ أعلُّمُ. السَّادِسَةُ: مَفهومُه: أنَّ لَه الأكلَ منها مُدَّةَ الثَّلاثِ، ومَحِلُّه في المُتَطَوعِ بها، أمَّا المَنذُورَةُ فَلَيسَ لَه الأكلُ منها بِحَالٍ، وفي حَدِيثٍ سَلَمَةَ: ((كُلُواَ، وأطعِمُوا، وادَّخِرُوا)). فَأَمَّا الأكلُ منها: فَمُستَحَبُّ عِندَ الجُمهورِ، قال(٤) النَّوِيُّ في (شَرحِ مسلم)) (٥): هَذَا مَذهَبُنَا ومَذهَبُ العُلَمَاءِ كَافَّةً، إلا مَا حُكِيَ عن بَعضٍ السَّلَفِ: أنَّه أوَّجَّبَ الأكلَ منها. وهو قَولُ أبِي الطَيِّبِ ابنِ سَلَمَةَ(٦) من أصحَابِنَا، حَكَاه عنه المَاوردِيُّ (٧)؛ لِظَاهِرِ هَذَا الحديثِ في الأمرِ بِالأكلِ مع قَوله تَعَالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]. وحَمَلَ الجُمهورُ هَذَا الأمرَ عَلى النَّدبِ أو الإِبَاحَةِ. لا سِيَّمَا، وقَد ورَدَ بَعدَ الحَظرِ، فَقَد قال جَمَاعَةٌ من أصحَابِنَا: إنَّه في هَذِه الحَالَةِ لِلإِبَاحَةِ. والجُمهورُ عَلى أنَّه لِلوُجُوبِ، كَمَا لَو ورَدَ ابتِدَاءً، وبِوُجُوبٍ الأكلِ ولَو لُقمَةٌ: قال ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(٨). (١) أبو يعلى (٦٧١). (٣) في (ح): ((حالة)). (٢) أحمد (١٦٦/١). (٤) في الأصل: (و)). (٥) شرح صحيح مسلم (١٣١/١٣). هو: محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم، أبو الطيب الضبي، البغدادي، تفقه على (٦) ابن سريج، وكان من الموصفين بالذكاء، له وجهٌ في المذهب، وله مصنفات، مات وهو شاب، سنة (٣٠٨هـ). طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١٠٢/١). (٧) الحاوي (١٥/ ١١٧). (٨) المحلى (٣٨٣/٧). ٥٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأمَّا الصَّدَقَةُ منها: فَالصَّحِيحُ عِندَ أصحَابِنَا: أنَّها واجِبَةٌ بِمَا يَقَعُ عَلَيها(١) الاسمُ، ويُستَحَبُّ أن يَتَصَدَّقَ بِمُعظَمِها، قال أصحَابُنَا والحَنَابِلَةُ(٢): وأدَنَى الكَمَالِ: أن يَأْكُلَ الثُّلُثَ، ويَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ، ويُهدِيَ الثُّلُثَ. ولِلشَّافِعِيِّ قَولٌ: إنَّه(٣) يَأْكُلُ النِّصفَ ويَتَصَدَّقُ بِالنِّصفِ. وهَذَا الخِلافُ في قَدرِ أدنى (٤) الكَمَالِ في الاستِحِبَابِ، وأمَّا الإجزَاءُ: فَتُجْزِئُه الصَّدَقَةُ بِمَا يَقَعُ عَلَيه الاسمُ كَمَا قَدَّمته، وكذَا (٥) مَذهَبُ الحَنَابِلَةِ. و(٦) في وجهٍ لِبَعضِ أصحَابِنَا، قاله ابنُ سُرَيج(٧)، وابنُ القَاصِّ، والإصطَخرِيُّ، وغَيرُهم: أنَّه لا تَجِبُ الصَّدَقَةُ بِشَيءٍ [منها، وهو مَذهَبُ المَالِكِيَّةِ، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٨): وعَلى هَذَا جَمَاعَةُ العُلَمَاءِ، إلا أنَّهم يَكرَهونَ أَلَّ يَتَصَدَّقَ منها بِشَيءٍ](٩). انتَهَى. والخِلافُ المُتَقَدِّمُ في تَقِيدِ الصَّدَقَةِ بِالُّلُثِ أو النِّصفِ (٢٠١/٥م) هو عِندَ المَالِكِيَّةِ أيضًا، لَكِنَّ المَشهورَ عِندَهم نَفيُ التَّحدِيدِ. وقال الحَنَفيةُ(١٠): يُستَحَبُّ أن يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ، ويَأْكُلَ الثُّلُثَ، ويَدَّخِرَ الثُّلُثَ. وكَذَا قال الغَزَّالِيُّ في ((الوجِيزِ))، وأنكَرَه عَلَيه الرَّافِعِيُّ، والنَّووِيُّ(١١). لَكِن حَكَاهِ القَاضِي حُسَينٌ في (تَعلِيقِه) عن قَولِ الشَّافِعِيِّ في الجَدِيدِ(١٢)، وهو غَرِيبٌ. وأمَّا الادِّخَارُ، فَالأمرُ به لِلإِبَاحَةِ بِلا شَكٍّ. واللهُ أعلمُ. السَّابِعَةُ: قال ابنُ العَرَبِيِّ(١٣): فيه رَدِّ عَلى المُعتَزِلَةِ الَّذِينَ يَرَونَ: أنَّ النَّسْخَ لا يَكُونُ إلا بِالأَخَفِّ لِلأثقَلِ، وقَد كَانَ أكلُها مُبَاحًا، ثم حَرُمَ، ثم أُبِيحَ، وأيُّ هَذَينٍ كَانَ(١٤) أَخَفَّ أو أثقَلَ، فَقَد نُسِخَ أحَدُهمَا بِالآخَرِ . في (ح): ((علیه)). (١) في (ك): ((أن)) . (٣) في (م): ((وهذا)). (٥) (٧) في (ح): ((شريح)). (٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (١٠) ينظر: بدائع الصنائع (١٧٤/٢). (١٢) وكذا نسبه النوويُّ للشافعي في الجديد أيضًا. (١٣) عارضة الأحوذي (٣٠٩/٦). (٢) ينظر: الإفصاح (٣٤٠/١). (٤) في (م): ((أوفي)). (٦) من (ح). (٨) التمهيد (٢١٨/٣). (١١) المجموع (٣٩٦/٨). (١٤) ليس في: الأصل. بَابُ الأُضحِيَّةِ ٥٦٩ قُلتُ: تَحرِيمُها بَعدَ الإِبَاحَةِ لَيسَ نَسخًا؛ لأنَّه رَفعٌ لِلبَرَاءَةِ الأصلِيَّةِ، ورَفعُ البَرَاءَةِ الأصلِيَّةِ لَيسَ بِنَسخِ، عَلى مَا تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. وإن صَحَّ مَا قاله، [٥٧/٢و] فَقَد وقَعَ النَّسخُ هَا مَرَّتَينٍ، وذلك في مَواضِعَ مَحصُورَةٍ، لَم يُذكَرِ هَذَا منها . والله أعلمُ. ■ الثَّامنةُ(١): قَولُه في حَدِيثِ سَلَمَةَ: ((كَانَ بِالنَّاسِ جَهِدٌ)). بِفَتحِ الجِيمِ؛ أي: مَشَقَّةٌ وفَاقَةٌ؛ وقَولُه: ((فَأَرَدت أن تُعِينُوا فيها)). كَذَا في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))، وهو من الإعَانَةِ، والضَّمِيرُ في قَولِهِ: ((فيها)»: يَحتَمِلُ أن يَعُودَ عَلَى السَّنَةِ، وإن لَم يَتَقَدَّم لَها ذِكرٌ؛ لأنَّها بِمَعنَى العَامِ، ويَحتَمِلُ أن يَعُودَ (٢) عَلى المَشَقَّةِ والشّدَّةِ الَّتي فُهمَت من لَفِظِ الجَهدِ، ومن المَعنَى، وفي رِوايَةِ مسلم: ((فَأَرَدت أن يَفشُو فيهم)). وهو بِالفَاءِ، والشِّينِ المُعجَمَةِ؛ أي: تَشِيعُ لُحُومُ الأَضَاحِيِّ فِي النَّاسِ، ويَنْتَفِعُ بها المُحتَاجُونَ، قال القَاضِي عِيَاضٌ في ((المَشَارِقِ))(٣): كِلاهمَا صَحِيحٌ، والذِي في البُخَارِيِّ أوجَه. وعَكسُ ذلك في ((شَرحِ مسلم)) (٤): فقال: الذِي في مسلم( (٥) أشبَهَ. انتَهَى. وفي التَّرجِيحِ بَينَهمَا (٦) نَظَرٌ، فَكِلاَهُمَا رِوايَةٌ ثَابِتَّةٌ صَحِيحَةُ المَعنَى. وقَولُه في حَدِيثٍ عَائِشَةَ: ((إِنَّمَا نَهَيتُكُم من أجلِ الدَّافَّةِ)). هو بِالدَّالِ المُهمَلَةِ، وبِتَشدِيدِ الفَاءِ. قال النَّووِيُّ(٧): قال أهلُ اللغَةِ: الدَّاقَّةُ، بِتَشْدِيدِ الفَاءِ، قَومٌ يَسِيرُونَ جَمِيعًا سَيرًا خَفيفًا، ودَفَّ، يَدِفُّ، بِكَسرِ الدَّالِ، ودَاقَّةُ الأعرَابِ: مَن يَرِدُ منهم المِصرَ، والمُرَادُ هنَا مَن وَرَدَ من ضُعَفَاءِ الأعرَابِ لِلمُواسَاةِ. وقَولُه في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ: ((إنَّ لَهم عِيَالًا وحَشَمًا وخَدَمًا)). قال أهلُ اللغَةِ: الحَشَمُ، بِفَتح الحَاءِ المُهمَلَةِ، والشِّينِ المُعجَمَةِ، اللائِذُونَ بِالإنسَانِ يَخْدُمُونَه، ويَقُومُونَ بِأُمُورِهِ. وقال الجَوهَرِيُّ(٨): هم خَدَمُ الرَّجُلِ ومَن يَغْضَبُ لَه، سُمُّوا بذلك لأنَّهم يَغضَبونَ لَه، والحِشمَةُ الغَضَبُ، وتُطلَقُ (٢٠٢/٥م) عَلى (١) ليس في: (ك): ((أو)). (٣) مشارق الأنوار (١٠٦/٢). (٥) في (ك٢): ((شرح مسلم)). (٧) شرح صحيح مسلم (١٣٠/١٣). (٢) في (ح): ((تعود)). (٤) إكمال المعلم (٤٢٨/٦). (٦) ليست في الأصل. (٨) الصحاح (١٩٠٠/٥). كم ٠٥٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الاستِحيَاءِ أيضًا، ومنه قَولُهم: فُلانٌ لا يَحتَشِمُ؛ أي (١): لا يَستَحِي. ويُقَالُ: حَشَمته وأحشَمتُه، إذَا أغضَبته، وإذا أخجَلته فَاسْتَحِيَا لِخَجَلِه. وقال النَّوِيّ(٢) بَعدَ ذِكرِهِ مَا ذَكَرته: وكَأنَّ الحَشَمَ أعَمُّ من الخَدَمِ، فَلِهَذَا جَمع بَينَهمَا في هَذَا الحديثِ، وهو من بَابِ ذِكرِ الخَاصِّ بَعدَ العَامِّ. وقَولُه: ((واحتَبِسُوا(٣)، أو ادَّخِرُوا)). كَذَا في هَذِهِ الرِّوايَةِ، عَلى الشَّكِّ من الرَّاوِي؛ لأنَّ اللفظَينِ بِمَعنَّى واحِدٍ، وهَذِه الرِّوايَةُ مُوافِقَةٌ لِمَن قال: يَأْكُلُ القُّلُثَ، ويُطعِمُ الثُّلُثَ، ويَدَّخِرُ الثُّلُثَ؛ والمَشهورُ بَيْنَ العُلَمَاءِ أنَّ الادِّخَارَ من حِصَّةٍ الأكلِ، وقَد تَقَدَّمَ ذلك، واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ. (١) في (م، ح): (ولا)). (٢) شرح صحيح مسلم (١٣٣/١٣). (٣) في (م): ((واحتسبوا)). بَابُ العَقِيقَةِ وَغَيرِها ٥٧١ = بَابُ العَقِيقَةِ وَغَيرِها الحديثُ الأولُ عن بُرَيدَةَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِوَ ◌ّهِ عَقَّ عن الحَسَنِ والحُسَينِ)). رَواه أبو دَاوُد والنسائيُّ. فيه فوائدُ: ■ الأُولى: رَواه النسائيّ (١) من رِوايَةٍ حُسَينِ بنِ واقِدٍ، عن عَبدِ الله بنِ بُرَيدَةَ، عن أبِيه. وإسنَادُه صَحِيحٌ، وقَد اقتَصَرَ الشَّيخُ تَخْتُهُ في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)) عَلى عَزوِهِ لِلنسائيِّ، وعَزَاه في ((الصُّغرَى)) لأبِي دَاوُد أيضًا، ولَيسَ عِندَ أبِي دَاوُد من هَذَا الوجه. نَعَم هو عِندَ أبِي دَاوُد من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، كَمَا سَنَذْكُرُه، ولِبُرَيدَةً عند(٢) أبِي دَاوُدُ(٣) حَدِيثٌ آخَرُ، لَفِظُه: ((كُنَّ في الجَاهِلِيَّةِ إذَا وُلِدَ لَنَا غُلامٌ ذَبَحَنَا عنه شَاةً، وحَلَقَنَا رَأْسَه، ولَطَّخْنَا رَأْسَه [بِدَمِها، فَلَمَّا كَانَ الإسلامُ، كُنَّا إِذَا وُلِدَ لَنَا غُلامٌ ذَبَحْنَا عنه شَاةً، وحَلَقْنَا رَأْسَه، ولَطَّخْنَا رَأْسَه](٤) بِالزَّعِفَرَانِ)). ورَواه الحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه))(٥)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرطِ الشَّيخَينِ. فَلَعَلَّ(٦) شُبهَةَ (٢٠٣/٥م) الشَّيخِ كَُّهُ في عَزوِهِ لأَبِي دَاوُد: أحَدُ هَذَيْنِ الأمرَينِ. ورَوى أبو دَاوُدُ(٧) من رِوايَةِ أيُّوبَ، عن عِكرِمَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ رَُّهَا: ((أنَّ (١) النسائي (٤٢٢٤). (٣) أبو داود (٢٨٤٣). (٥) المستدرك (٢٣٨/٤). (٧) أبو داود (٢٨٤١). (٢) في (م) والأصل: ((عن)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٦) في (م): ((ولعل)). = ٥٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَقَّ عن الحَسَنِ والحُسَينِ كَبِشًا كَبِشًا)». ورواه النسائيّ(١) من رِوايَةِ فَتَادَةَ، عن عِكرِمَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ بِلَفِظِ: ((كَبِشَينٍ كَبِشَينٍ)). وكَذَا رَواه أبو الشَّيخ الأصبهاني في ((كِتَابِ الأضَاحِيِّ)). ويُوافِقُهُ مَا رَواه البَزَّارُ(٢) من رِوايَةِ يَزِيدَ بنِ أبِي زِیَادٍ، عن عَطَاءٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ مَرُفُوعًا: ((لِلغُلامِ عَقِيقَتَانٍ، ولِلجَارِيَةِ عَقِيقَةٌ)). قال والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): رِوايَةُ الإفرَادِ أصَحُ؛ لأنَّها من رِوايَةِ أَيُّوبَ، وقَتَادَةُ مُدَلِّسٌ، وتَابَعَ أيُّوبَ يُونُسُ بنُ عُبَيدِ الله؛ عن [٥٧/٢ظ] عِكرِمَةَ، فقال: ((كَبشًا كَبشًا))، إلا أنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وعَبدِ (٣) الله بنِ عَمرٍو يُعَارِضُه. ورَوى ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))، والحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه)) (٤) من رِوايَةِ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ، عن عَمرةً(٥)، عن عَائِشَةَ، قالت: ((عَقَّ رَسُولُ اللهَِّ عن الحَسَنِ والحُسَينِ يَومَ السَّابِعِ، وسَمَّاهَمَا، وأمَرَ أن يُمَاطَ عن رُؤُوسِهِمَا الأَذَى)). قال الحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسنَادِ، ولَم يُخَرِّجَاه بهذِهِ السِّيَاقَةِ. ورَوى الحَاكِمُ(٦) أيضًا من طَرِيقِ ابنِ إسحَاقَ، عن عَبدِ الله بنِ أبِي بَكرٍ، عن مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ بنِ الحُسَينِ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عَلِيٍّ بنِ أبِي طَالِبٍ، قال: ((عَقَّ رَسُولُ اللهِ وَّ عن الحُسَينِ بِشَاةٍ، وقال: ((يَا فَاطِمَةُ، احِلِقِي رَأْسَه، وتَصَدَّقِي بِزِنَةٍ شَعرِه)). فَوزَنَّاه، فَكَانَ وزنُه دِرِهَمًا)). ورَواه الترمذيُّ(٧)، فقال: عن مُحَمَّدٍ، عن عَلِيٍّ. لَم يَذْكُر عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ، ولا أبَاه، وقال: عن الحَسَنِ. وقال: ((أو بَعضَ دِرهَم)). وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وإسنَادُه لَيسَ بِمُتَّصِلٍ، وأبو جَعفَرٍ لَم يُدرِك عَلِيًّا. وفي ((صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ))(٨) عن (٢٠٤/٥م) أَنَسٍ: ((عَقَّ رَسُولُ اللهِوَ ◌ّهَ عن حَسَنٍ وَحُسَينٍ بِكَبِشَينٍ)). ورَوى أصحَابُ السُّنَّنِ الأربَعَةِ، وابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))، والحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه)) (٩) عن أُمِّ ◌ُرزٍ (١) النسائي (٤٢٣٠). (٢) مسند البزار (٥١٥٧). (٣) في (م): ((عبيد)). (٤) ابن حبان (٥٣١١)، والحاكم (٢٣٧/٤). (٦) المستدرك (٤ /٢٣٧). (٥) في (م): ((عروة)). الترمذي (١٥١٩). (٧) (٨) ابن حبان (٥٣٠٩). (٩) أبو داود (٢٨٣٤)، والترمذي (١٥١٦)، والنسائي (٤٢٢٦)، وابن ماجه (٣١٦٢)، وابن حبان (٥٣١٣)، والحاكم (٢٣٧/٤). ٥٧٣ بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها الكَعبِيَّةِ، قالت: ((سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ وَله يَقُولُ: ((عن الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافَأْتَانٍ، وعن الجَارِيَةِ شَاةٌ، لا يَضُرُكُمْ أَذُكرَانًا كُنَّ أَم إِنَاثً)). ولَم يَذكُر ابنُ مَاجَه هَذِه الزِّيَادَةَ، وهيَ قَولُه: ((لا يَضُرُّكُم ... )) إلى آخِرِهِ. وقال الترمذيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قال الثَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبٍ)) (١): و(٢) في إسنَادِهِ عُبَيدُ الله بنُ أبِي يَزِيدَ، وقَد ضَعَّفَه الأَكْثَرُونَ، فَلَعَلَّه اعتُضِدَ عِندَه فَصَخَّحَه. ورَوى النسائيّ والحَاكِمُ (٣) (٤) من رِوايَةٍ دَاوُد بنِ قَيسٍ، عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وََّ عن العَقِيقَةِ، فقال: ((لا يُحِبُّ اللهُ رَ العُقُوقَ)). وكَأَنَّه كَرِهَ الاسمَ، قَالُوا(٥): ((يَا رَسُولَ الله، إنَّمَا نَسألُك أحَدُنَا يُولَدُ لَه)). قال: «مَن أَحَبَّ أن يَنسُلَكَ عن ولَدِهِ فَلَيَفْعَل، عن الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافَأْتَانٍ، وعن الجَارِيَةِ شَاةٌ)). [وقال الحَاكِمُ: صَحِيحُ الإسنَادِ: ولَفِظُه: ((لا أُحِبُّ العُقُوقَ)) ولَيسَ فيه: ((كَأَنَّه كَرِهَ الاسمَ))](٦). ورَواه أبو دَاوُدُ(٧) قال في رِوايَةٍ: ((عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ: أنَّ النبيَّ)). وقال في أُخرَى: ((عن أبيه، أَرَاه عن جَدِّه)). واقتَصَرَ النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)»(٨) عَلى ذِكرِ روايةِ أبِي دَاوُد، وقال: إنَّها ضَعِيفَةٌ. ثم حَكَى عن البَيْهَقِيّ: أنَّها تَقوى بِغَيرِها. وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩): أنَّ رِوايَةَ دَاوُد بنِ قَيسٍ من أحسَنِ أسَانيدِهِ. وَرَواه الترمذيُّ في الاستِئذَانِ من ((جَامِعِه)) (١٠) من رِوايَةِ ابنِ إسحَاقَ، عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: ((أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَ بِتَسمِيَةِ المَولُودِ يَومَ سَابِعِهِ، ووضعٍ الأَذَى عنه، والعَقِّ)). وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ورَواه الحَاكِمُ(١١) من رِوايَةِ سَوارٍ أبي(١٢) حَمزَةَ، (٢٠٥/٥م) عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: ((أنَّ النبيَّ نَّ المجموع (٨/ ٤٠٧). (١) (٣) ليست في (ك٢). (٤) النسائي (٤٢٢٣)، والحاكم (٢٣٨/٤). (٥) في (ح): ((قال)). (٧) أبو داود (٢٨٤٢). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢). (٨) المجموع (٨/ ٤٠٧). (٩) التمهيد (٣٠٥/٤). (١٠) الترمذي (٢٨٣٢). (١١) الحاكم (٢٣٧/٤). (١٢) في (م): ((بن أبي حمزة))، والمثبت من النسخ ومصدر التخريج، وينظر: تهذيب الكمال (٢٣٦/١٢). (٢) من الأصل. = ٥٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عَقَّ عن الحَسَنِ والحُسَينِ عن كُلِّ واحِدٍ منهمَا كَبِشَينِ اثنَيْنِ مِثْلَينٍ مُتَكَافِئَينٍ))](١). ورَوى الترمذيُّ، وابنُ مَاجَه، والحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه))(٢) عن عَائِشَةَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَمَرَهم: عن الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافَأْتَانٍ، وعن الجَارِيَةِ شَاةٌ)). وقال الترمذيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَزَادَ فيه الحَاكِمُ: ((ولا يُكسَرُ لَها عَظمٌ)). وصَحَّحَه. ورَوى أصحَابُ السُّنَنِ الأربَعَةُ، وابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))، والحَاكِمُ في (مُستَدرَكِه) (٣) عن الحَسَنِ، عن سَمُرَةَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِوَ قال: ((كُلُّ غُلامِ رَهينَةٌ بِعَقِيقَتِه؛ تُذْبَحُ عنه يَومَ سَابِعِه، ويُحلَقُ، ويُسَمَّى)). وصَحَّحَه الترمذيُّ والخَاكِمُ. وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)(٤) عن حَبِيبٍ بنِ الشَّهيدِ، قال: قال ◌ِي ابنُ سِيرِينَ: سَل الحَسَنَ مِمَّن سَمِعَ حَدِيثَ العَقِيقَةِ؟ فَسَألته، [٥٨/٢و] فقال: من سَمُرَةَ. وفي رِوايَةٍ لأبِي دَاوُد(٥): ((ويُدَمَّى))، بَدَلُ: (يُسَمَّى)). قال أبو دَاوُد: هَذَا وهمٌّ، ((ويُسَمَّى)) أصَخُّ. قال ابنُ حَزم (٦): بَل وهَمَ أبو دَاوُد؛ لأنَّ هَمَّامًا (٧) ثَبتْ، وبَيَّنَ أنَّهم سَأَلُوا قَتَادَةَ عن صِفَةِ الَّدمِيَّةِ المَذْكُورَةِ، فَوصَفَها لَهم. فَفي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُد)): فَكَانَ قَتَادَةٌ إِذَا سُئِلَ عن الدَّمِ، كَيفَ يَصنَعُ؟ قال: ((إِذَا ذُبِحَتِ العَقِيقَةُ أخَذتَ صُوفَةً، فَاستَقبَلتَ بها أودَاجَها، ثم تُوضَعُ عَلى يَافُوخِ الصَّبِيِّ؛ حَتَّى يَسِيلَ عَلى رَأْسِهِ مِثلُ الخَيطِ، ثم يُغسَلُ رَأْسُه بَعدُ ويُحلَقُ)) . وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ) و((السُّنَنِ الأربَعَةِ))(٨) عن سَلمَانَ بنِ عَامِرٍ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وََّ: ((مع الغُلامِ عَقِيقَتُهُ(٩)، فَأَهرِيقُوا عنه دَمًّا، وأمِيطُوا عنه الأذَى)). وقَد رُوِيَ مَوقُوفًا عَلَيه أيضًا . (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢). الترمذي (١٥١٣)، وابن ماجه (٣١٦٣)، والحاكم (٢٣٨/٤). (٢) (٣) أبو داود (٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي (٤٢٣١)، وابن ماجه (٣١٦٥)، والحاكم (٢٣٧/٤). (٤) (٦) البخاري (٥٧٤٢م). المحلى (٥٢٥/٧). (٥) أبو داود (٢٨٣٧). (٧) في (ح): ((هما مما)). (٨) البخاري (٥٤٧٢)، وأبو داود (٢٨٣٩)، والترمذي (١٥١٥)، والنسائي (٤٢٢٥)، وابن ماجه (٣١٦٤). (٩) في (ك): ((عقيقة)). = كم ٥٧٥ بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها الثّانيةُ: العَقِيقَةُ: الذَّبِيحَةُ الَّتي تُذْبَحُ عن المَوْلُودِ. واختُلِفَ في اشتِقَاقِها، فَقِيلَ: من العَقِّ، وهو الشَّقُّ والقَطعُ؛ لأنَّها يُشَقُّ حَلقُها، قاله الأزهَرِيُّ، وَرَجَّحَه ابنُ عَبدِ البَرِّ، والهَرَوِيُّ، وابنُ الأثِيرِ، (٢٠٦/٥م) وغَيرُهم(١)، وحُكِيَ عن الإمَامِ أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ. وقِيلَ: من العَقِيقَةِ، وهيَ الشَّعرُ الَّذِي يَخرُجُ عَلى رَأسِ المَولُودِ من بَطنٍ أُمِّه؛ لأنَّه يُقَارِنُ ذَبحُها حَلقَه. قاله الأصمَعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، والجَوهَرِيُّ، والزَّمَخشَرِيُّ (٢). ويُقَالُ: عَقَّ عن ولَدِهِ يَعُقُّ، بِضَمِّ العَينِ وكَسرِها، إذا ذَبَحَ عنه يَومَ سَابِعِه، وكَذلك إذَا حَلَقَ عَقِيقَتَه. الثَّالِثَةُ: فيه مَشرُوعِيَّةُ العَقِيقَةِ، واختَلَفَ العُلَمَاءُ في حُكمِها عَلى أقوالٍ: أحَدُها: أنَّها مُستَحَبَّةٌ استِحِبَابًا مُتَأْكِّدًا، وبهذَا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والجُمهورُ(٣)، وهو مَعنَى قَولِ مَالِكِ: إنَّها سُنَّةٌ واجِبَةٌ يَجِبُ العَمَلُ بها . لَم يُرِدِ الوُجُوبَ الَّذِي يَأْثَمُ بِتَركِه، وإنَّمَا أرَادَ بِالوُجُوبِ التَّأكُّدَ، عَلى قَاعِدَتِه في وُجُوبِ السُّنَنِ. القَولُ الثَّاني: أنَّها واجِبَةٌ لِوُرُودِ الأمرِ بها، حَكَاه ابنُ المُنذِرِ(٤) عن بُرَيدَةَ بنِ الحُصَيبِ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، قال: وقال أبو الزِّنَادِ: العَقِيقَةُ من أمرِ المسلمِينَ الَّذِي(٥) كَانُوا يَكرَهونَ تَركَه. وبه قال أهلُ الظَّاهرِ، ومنهم ابنُ حَزم(٦). وحَكَاه عن جَمَاعَةٍ من السَّلَفِ، قال: وهو قَولُ أَبِي سُلَيمَانَ وأصحَابِنَا. قالَ النَّووِيُّ(٧): وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ. وقال ابنُ بَطَّالٍ (٨): لا نَعلَمُ أحَدًا من الأئِمَّةِ أوجَبَها إلا الحَسَنَ البَصرِيَّ. (١) تهذيب اللغة (٤٨/١)، والتمهيد (٣١٠/٤)، والنهاية في غريب الأثر (٢٧٦/٣)، وغريب الحديث للحربي (٥٢/١)، وغريب الحديث لابن الجوزي (١١٥/٢٣). (٢) غريب الحديث لأبي عبيد (٢٨٤/٢)، والصحاح للجوهري (١٥٢٧/٤)، والفائق (٢٢٨/٢). (٣) ينظر: الإفصاح (٣٤٠/١). (٥) في (م): ((الذين)). (٧) المجموع (٤٣٠/٨). (٤) الإشراف (٤١٦/٣ - ٤١٧). (٦) المحلى (٥٢٣/٧). (٨) شرح ابن بطال (٥/ ٣٧٧). كم ٥٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ القَولُ الثَّالِثُ: أنَّها تَجِبُ في السَّبعِ الأُولِ، فَإن فَاتَت لَم تَجِب بَعدَ السَّبعِ. حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ(١) عن الليثِ بنِ سَعدٍ . القَولُ الرَّابِعُ: إنكَارُها، وأنَّها بِدعَةٌ، قاله أبو حَنِيفَةَ، قال الشَّافِعِيُّ(٢): أفرَطَ في العَقِيقَةِ رَجُلانٍ، رَجُلٌ قال: إنَّها واجِبَةٌ، ورَجُلٌ قال: إنَّها بِدعَةٌ. وقال مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ (٣): هِيَ تَطَوُّعُ كَانَ المسلمُونَ يَفْعَلُونَها، فَنَسَخَها ذَبحُ الأضحَى، فَمَنْ شَاءَ فَعَلَ، ومَن شَاءَ لَم يَفعَل. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: ولا وجهَ لَه، وحَكَى ابنُ المُنذِرِ (٤) عن أصحَابِ الرَّأيِ: إنكَارَ أن تَكُونَ سُنَّةً. قال: وخَالَفُوا في ذلك الأخبَارَ الثَّابِتَةَ عن النبيِّ نَّهِ وعن أصحابه والتَّابِعِينَ، وهو مع ذلك أمرٌ مَعمُولٌ به بِالحِجَازِ قَدِيمًا وحَدِيثًا. ذَكَرَ(٥) مَالِكٌ: أنَّه الأمرُ الَّذِي لا اختِلافَ فيه عِندَهم. وقال يَحيَى الأنصَارِيُّ: أدرَكتُ النَّاسَ لا يَدَعُونَ العَقِيقَةَ عن الغُلامِ وعن الجَارِيَةِ. ومِمَّن كَانَ يَرَى العَقِيقَةَ: عَبدُ الله بنُ عُمَرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وعَائِشَةَ، ورَوينَا ذلك عن فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ وَّهَ، وعن بُرَيدَةَ الأسلَمِيِّ، والقَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، وعُروةً بنٍ الزُّبَيرِ، والزُّهرِيِّ، وعَطَاءٍ، وأبِي الزِّنَادِ، وجَمَاعَةٍ يَكثُرُ عَدَّدُهم، وانتَشَرَ استِعمَالُ ذلك في عَامَّةِ بُلدَانِ المسلمِينَ مُتَّبِعِينَ (٢٠٧/٥م) مَا سَنَّه لَهم الرَّسُولُ بَّهِ، ولا يَضُرُّ السُّنَّةَ مَن خَالَفَها. انتهى. وذَكَرَ بَعضُهم أنَّ هَؤُلاءِ احتَجُوا بِقَولِهِ، عَلَيهِ الصَّلاةُ [٥٨/٢ظ] والسَّلامُ، في حَدِيثٍ عَبدِ الله بنِ عَمرِو: (لَمَّا سُئِلَ عن العَقِيقَةِ: ((لا يُحبُّ اللهُ العُقُوقَ)). ولا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه عَقَّبَه بِقَولِه: ((وكَأَنَّ كَرِهِ الاسمَ))، ثم إنَّه قال بَعدَه: ((مَن أَحَبَّ أن يَنسُكَ عن ولَدِهِ فَلَفعَل؛ عن الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانٍ، وعن الجَارِيَةِ شَاءٌ))، فَدَلَّ عَلى أنَّه إنَّمَا كَرِهَ الاسمَ لا الذَّحَ، وكَانَ من شَأْنِهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، تَغِيرُ الاسمِ القَبِيحِ إلى الحَسَنِ. القَولُ الخَامِسُ: أنَّها مَشرُوعَةٌ عن الغُلامِ دُونَ الجَارِيَةِ، فَلا يُعَقُّ عنها، (١) التمهيد (٣١١/٤). (٣) ينظر: التمهيد (٣١٣/٤). (٥) في (م): ((ذكره)). (٢) ينظر: المجموع (٤٣٠/٨). (٤) الإشراف (٤١٧/٣ - ٤١٨). = كم ٥٧٧ بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها حَكَاه ابنُ المُنذِرِ (١) عن الحَسَنِ الْبَصرِيِّ، وقَتَادَةَ. وحَكَاه ابنُ حَزم(٢) عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، وأبِي وائِلٍ شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ. وادَّعَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣) انفِرَادَ الحَسَنِ وقَتَادَةً به. وفي ((سُنَنِ البَيهَقِيّ))(٤) عن أبِي هرَيرَةَ رَُّه: أنَّ النبيَّ وََّ قال: ((إنَّ اليَهودَ تَعُقُّ عن الغُلام، ولا تَعُقُّ عن الجَارِيَةِ، فَعُقُّوا عن الغُلامِ شَاتَينٍ، وعن الجَارِيَةِ شَاةً)) . الرَّابِعَةُ: قال أصحَابُنَا: إنَّمَا يَعُقُّ عن المَولُودِ مَن يَلزَمُه نَفَقَتُه من مَالٍ العَاقِّ، لا من مَالِ المَولُودِ. وحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُ إلى الجَوابِ عن هَذَا الحديثِ، فَإِنَّ الحَسَنَ والحُسَينَ ﴿َّهَا لَم يَكُونَا فِي نَفَقَّةِ النبيِّ بَّه، وإِنَّمَا كَانَا فِي نَفَقَةِ أَبِيهمَا. قال الرَّافِعِيُّ: وكَأنَّه مُؤَولٌ. قال النَّووِيُّ(٥): تَأوِيلُه أنَّ النبيَّ وَ أَمَرَ أَبَاهمَا بذلك، أو أعطَاه مَا عَقَّ به، أو أنَّ أَبَويهمَا كَانَا عند ذلك مُعسِرَينٍ، فَيَكُونَانِ في نَفَقَةِ جَدِّهمَا رَسُولِ الله ◌َلاَد . قال والِدِي تَخْتُهُ في ((شَرح الترمذيِّ)): ويَحتَمِلُ أنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، تَّبَرَّعَ بذلك بإذنِ أبِيهمَا، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ ذلك من خَصَائِصِه، أنَّ لَه التَّبَرُّعَ عَمَّن شَاءَ من الأُمَّةِ، كَمَا ضَخَّى نَّهِ عَمَّن لَم يُضَحِّ من أُمَّتِهِ؛ فَإِنَّه من الخَصَائِصِ عَلى أحَدِ الوجهَينِ. انتهى. الخَامِسَةُ: اختَلَفَت الرِّوايَةُ فيمَا عُقَّ به عن كُلِّ واحِدٍ منهمَا، فَفي حَدِيثٍ عَبدِ الله بنِ عَمرٍو: أنَّه ذَبَحَ عن كُلِّ واحِدٍ منهمَا كَبِشَينٍ، وكَذَا في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ عِندَ النسائيّ، وفي حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ عِندَ أَبِي دَاوُد: («كَبشًا كَبشًا)). وقَد تَقَدَّمَ ذلك، والزِّيَادَةُ مَقبولَةٌ، ويَدُلُّ لَه الأحَادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ: في أنَّ عن الغُلامِ شَاتَينٍ. وقال أصحابُنَا الشَّافِعِيَّةُ(٦): الأكمَلُ أن يُعَقَّ عن الغُلامِ بِشَاتَينٍ، وعن الجَارِيَةِ بِشَاةٍ، ولَو ◌َقَّ عن الغُلامِ بِشَاةٍ جَازَ. (١) الإشراف (٤١٥/٣). (٣) التمهيد (٣١٧/٤). (٥) المجموع (٤١٣/٨). (٢) المحلى (٥٢٩/٧). (٤) السنن الكبرى (٣٠١/٩). (٦) ينظر: المجموع (٤٠٩/٨). ٥٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقال الحَنَابِلَةُ(١): عن الغُلام (٢٠٨/٥م) شَاتَانٍ، وعن الجَارِيَةِ شَاةٌ. وقال المَالِكِيَّةُ(٢): عن كُلِّ واحِدٍ منهمَا شَاةٌ فَقَط. وقال ابنُ المُنذِرِ (٣): رَوينَا القَولَ بِأنَّ عن الغُلامِ شَاتَينٍ وعن الجَارِيَةِ شَاةً؛ عن عَائِشَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وبه قال الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ، وأبو ثَورٍ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): وعَلَيهِ جَمَاعَةُ أصحَابِ الحديثِ. قال ابنُ المُنذِرِ(٥): وكَانَ ابنُ عُمَرَ يَعُقُّ عن الغُلامِ والجَارِيَةِ شَاةً شَاةً، وبه قال أبو جَعفٍَ، ومَالِكُ بنُ أَنَسٍ. وَرَوى جَعفَرٌ، عن أبيه، عن فَاطِمَةً مَّا: أنَّها ذَبَحَت عن الحَسَنِ والحُسَينِ كَبِشًا كَبِشًا. وَرَوى البَيْهَقِيُّ (٦) عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ: أنَّه كَانَ يَعُقُّ عن بَنِيه الذُّكُورِ والإِنَاثِ بِشَاةٍ شَاةٍ. وحَكَاه ابنُ حَزم(٧) عن عَائِشَةَ وأسمَاءَ أُختِها . قال: ولا يَصِحُ عنهما . السَّادِسَةُ: الكَبشُ: فَحلُ الضَّأْنِ في أيِّ سِنِّ كَانَ. وقِيلَ: إنَّمَا يُسَمَّى بذلك إذَا أَثْنَى. وقِيلَ: إذَا أربَعَ، ذَكَرَه في ((المُحكَم))(٨). والشَّاةُ تَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنثَى من الضَّأْنِ والمَعزِ، فَاختَارَ النبيُّ وََّ فِي عَقِيقَةٍ وَلَدَيه الأكمَلَ، وهو الضَّأْنُ والذُّكُورَةُ، مع أنَّ الحُكمَ لا يَختَصُّ بهمَا، فَيَجُوزُ في العَقِيقَةِ الأُنثَى ولَو من المَعزِ، كَمَا دَلَّ عَلَيه إطلاقُ الشَّاةِ في بَقِيَّةِ الأحَادِيثِ. قال أصحَابُنَا وغَيرُهم (٩): حُكمُ العَقِيقَةِ حُكُمُ الأُضحِيَّةِ، فَإِن كَانَت من الغَنَم فَلا يُجزِئُ(١٠) إلا جَذَعَةُ ضَأنٍ أو ثَنيةُ مَعزٍ. [٥٩/٢ ] وحَكَى المَاوردِيُّ (١١) وجهًا بِالإِجَزَاءِ عَلى الإطلاقِ ولَو دُونَ جَذَعَةِ الضَّأْنِ وَثَنيةِ المَعزِ. وقال ابنُ حَزمٍ الظَّاهرِيُّ (١٢): لا تُجزِئُّ جَذَعَةٌ أصلا. قال أصحَابُنَا وغَيرُهم: ويُعتَبَرُ سَلامَتُها من العُيُوبِ المَانِعَةِ من الإجزَاءِ في الأُضحِيَّةِ. قال الرَّافِعِيُّ: وفي ((العُدَّةِ) إشَارَةٌ (١) ينظر: المغني (٣٩٥/١٣). (٣) الإشراف (٤١٥/٣). (٥) الإشراف (٤١٥/٣). (٧) المحلى (٥٣٠/٧). (٩) ينظر: الإفصاح (٣٤١/١). (١١) الحاوي (١٢٨/١٥). (٢) ينظر: المدونة (٥٥٤/١). (٤) التمهيد (٣١٤/٤). (٦) السنن الكبرى (٣٠٢/٩). (٨) المحكم (٦/ ٦٩١). (١٠) في (ح): ((تجزئ)). (١٢) المحلى (٥٢٦/٧). = كم ٥٧٩ بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها إلى وجهٍ مُسَامَحِ بِالعَيبِ هنَا. وقال ابنُ حَزم الظَّاهرِيُّ: يُجزِئُّ المَعِيبُ مُطلَقًا، والسَّالِمُ أفضَلُ. السَّابِعَةُ: وفَى أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ والمَالِكِيَّةُ بِحَقِّ تَشبِيه العَقِيقَةِ بِالأُضحِيَّةِ، فَخَصُّوها بِالأنعَامِ، وهيَ الإِبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وجَعَلَ الشَّافِعِيَّةُ (١) البَدَنَةَ عن سَبعَةٍ، والبَقَرَةَ عن سَبعَةٍ، و(٢) قَالُوا: لَو أرَادَ بَعضُهم العَقِيقَةَ، وبَعضُهم غَيرَها جَازَ، كَمَا في الأُضحِيَّةِ. وقال المَالِكِيَّةُ(٣): لا تُجزِئُ البَدَنَةُ إلا عن واحِدٍ، ولا البَقَرَةُ إلا عن واحِدٍ، كَمَا قَالُوا في الأُضحِيَّةِ. وقال الحَنَابِلَةُ (٤): لا يُجزِئُ في العَقِيقَةِ بَدَنَةٌ ولا بَقَرَةٌ إلا كَامِلَةً، وإن كَانَ يُجزِئُ في الهَدَايَا والضَّحَايَا سُبْعُ بَدَنَةٍ وسُبْعُ بَقَرَةٍ مَوضِعَ شَاقٍ. وَخَصَّ آخَرُونَ: العَقِيقَةَ بِالغَنَمِ لِظَاهرِ الأحَادِيثِ الَّتي فيها عن الغُلامِ شَاتَانٍ وعن الجَارِيَةِ شَاةٌ، وبه قال أبو إسحَاقَ ابنُ شَعبَانَ(٥) من المَالِكِيَّةِ وابنُ حَزمٍ الظّاهرِيُّ(٦). وقال ابنُ المُنذِرِ (٧) - بَعدَ أن ذَكَرَ عن أبي (٢٠٩/٥م) بَكرٍ وأنَسِ العَقَّ بِالجَزُورِ: ومِمَّن أنكَرَ ذلك خَفصَةُ بِنتُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبِي بَكرٍ، فقالت، وقَد ذُكِرَ لَها الجَزُورُ: كَانَت عَمَّتِي عَائِشَةَ تَقُولُ: عن الغُلامِ شَاتَانِ، وعن الجَارِيَةِ شَاءٌ. انتَهَى. ورَوى الطَّبَرَاني في ((مُعجَمِهِ الصَّغِيرِ)) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وأبو الشَّيخِ ابنُ حَيَّنَ في ((الأضَاحِيّ))(٨)، بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عن أنَسِ رَُّبه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((مَن وُلِدَ لَه غُلَامٌ فَلَيَعُقَّ عنه، من الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَم)). وتَوسَّعَ آخَرُونَ في العَقِيقَةِ، (١) ينظر: المجموع (٤٠/٨). (٢) ليس في: (ك). (٣) ينظر: البيان والتحصيل (٣٣٥/٣)، وذكر فيها وجهين عن مالك. (٤) ينظر: الفروع (١١٢/٦). في (ك٢): ((سفيان)). وهو: محمد بن القاسم بن شعبان، العمَّاري، المصري، من ولد (٥) عمار بن ياسر، شيخ المالكية، له التصانيف البديعة، توفي في جمادى الأولى، سنة (٣٥٥هـ). سير أعلام النبلاء (٧٨/١٦). (٦) المحلى (٥٢٣/٧). (٨) المعجم الصغير للطبراني (٢٢٩). (٧) الإشراف (٤١٦/٣). = ٥٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَقَالُوا: يُجزِئُّ فيها العُصفُورُ، حَكَاه ابنُ حَزمُ(١) عن مُحَمَّدٍ بنِ إبرَاهِيمَ التَّيِمِيِّ، فَهَذِهِ خَمسَةُ مَذَاهبَ. الثَّامنةُ: في حَدِيثِ عَائِشَةَ: أنَّ العَقَّ عن الحَسَنِ والحُسَينِ كَانَ يَومَ السَّابِعِ من وِلادَتِهمَا، وفي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِندَ أصحَابِ السُّنَنِ: ((تُذْبَحُ عنه(٢) يَومَ السَّابِعِ)). وهَل ذلك عَلَى سَبِيلِ الأفضَلِيَّةِ، أو التَّعِينِ؟ اختُلِفَ فيه عَلى ثَلاثَةِ أقوالٍ : أحَدُها: أنَّه عَلى سَبِيلِ الأفضَلِيَّةِ، فَلَو ذَبَحَها قَبلَ فَرَاغِ السَّبعَةِ أو بَعدَ السَّابِعِ مَا لَم يَبلُغ أجزَأت قاله الشَّافِعِية(٣)، وبه قال مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ. قال أبو عَبدِ الله البوشَنجِيُّ(٤) منهم: إن لَم تُذبَح في السَّابِعِ ذُبِحَت في الرَّابِعَ عَشَرَ، وإلا فَفي الحَادِي والعِشرِينَ، ثم هَكَذَا في الأسَابِيعِ. وقِيلَ: إذَا تَكَرَّرَت السَّبعَةُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَاتَ وقتُ الاختيار(٥). ورَوى الظَّبَرَاني في ((مُعجَمَيه الأوسَطِ والصَّغِيرِ))، والبَيهَقِيُّ (٦) عن بُرَيدةَ(٧) مَرفُوعًا: ((العَقِيقَةُ تُذبَحُ لِسَبع، أو أربَعَ عَشرَةَ، أو إحدَى وعِشرِينَ)). ورَواه أبو الشَّيخِ بِلَفظِ: (لِسَبعٍ، أو لِتِسَعِ، أو لاحدَى وعِشرِينَ)). وقال الحَنَابِلَةُ(٨): إن فَاتَ، فَفي أربَعَةَ عَشَرَ، وإلا فَفي إحْدَى وعِشِرِينَ. فَلا أدرِي قَالُوا ذلك عَلى سَبِيلِ الاسْتِحِبَابِ، أو عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ؟ (١) المحلى (٥٢٧/٧)، ورواه عنه أيضًا الشافعي في الأم (٥٩٠/٣). (٢) في (ك٢): ((عند)) . (٣) في (م)، والأصل: ((الشافعي))، وينظر: المجموع (٤١١/٨). في (ح): ((البوسحي))، وهو: محمد بن إبراهيم بن سعيد، أبو عبد الله البوشنجي، (٤) العبدي، شيخ أهل الحديث في زمانه بنيسابور، ومناقبه عديدة، توفي سنة (٢٩١هـ). تهذيب الكمال (٣٠٨/٢٤)، وطبقات الشافعية الكبرى (١٨٩/٢). (٥) بعدها في (٢٥): ((قال الشافعية: فإذا بلغ سقط حكمها في حق غير المولود)». وهي في باقي النسخ ستأتي بعد قول المصنف: ((وحكاه ابن المنذر عن عائشة وإسحاق)). (٦) المعجم الأوسط (٤٨٨٢)، والصغير (٧٢٣)، والسنن الكبرى (٣٠٣/٩). في (م): ((بريرة))، والمثبت الصواب. (٧) (٨) ينظر: المغني (٣٩٦/١٣).