Indexed OCR Text

Pages 521-540

=
بَابُ الإحصَارِ
٥٢١
وقد يُجمَعُ بَينَهمَا بِأنَّها أتَت رسولَ الله وَّل، ولَم يَكُن إذ ذَاكَ في مَنزِلِه، [ثُمَّ
جَاءَ، فَدَخَلَ عَلَيها وهيَ في مَنزِلِه](١)، وفي حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ عند(٢) أبي دَاوُد،
والتّرمِذِيّ أنَّها قالت لَه: ((فَأَشتَرِطُ؟)) فقال لها: ((نَعَم)). وهَذَا يَقْتَضِي أنَّ أمرَه
بِالاشتِرَاطِ مَا كَانَ إلا بَعدَ استِئِذَانِها .
الخَامِسَةُ: قَولُها: ((وأَنَا شَاكِيَةٌ)). بِالشِّينِ المُعجَمَةِ؛ أي: مَرِيضَةٌ،
والشَّكوى والشَّكوُ: المَرَضُ.
السَّادِسَةُ: قَولُه: ((مَحِلِّي)) بِكَسرِ الحَاءِ؛ أي: مَوضِع حُلُولِي، (٣أو وقتُ
حُلُولِي٣ٍ)، والمَحِلُّ يَقَعُ عَلى المَكَانِ والزَّمَانِ، وقَولُه: ((حَبَستِي))؛ أي: مَنَعتِنِي(٤)
من السَّيرِ بِسَبَبِ ثِقَلٍ(٥) المَرَضِ، ويَجُوزُ في قَولِه: ((أنَّ) الفَتحَ، وهو الظَّاهرُ
المَروِيُّ، والكَسرُ، عَلى أن يَكُونَ المَعنَى: ((قُولِي هَذَا اللفظَ، وهو: إنَّ مَحِلِّي
حَیثُ حَبستِي)).
السَّابِعَةُ: فيه أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمَرَها أن تَشْتَرِطَ في إحرَامِها
التَّحَلُّلَ عِندَ المَرَضِ.
وقد اختَلَفَ العُلَمَاءُ في هَذَا الأمرِ، هَل هو عَلى سَبيلِ الإِبَاحَةِ، أو
الاسْتِحِبَابِ، أو الإيجَابِ؟ وهَذِه الأقوالُ مُتَّفِقَةٌ عَلى الاشتِرَاطِ في الجُملَةِ، ومنهم
مَن أنكَرَه، لِعَدَمِ صِحَّةِ الحَدِيثِ عِندَه، كَمَا تَقدمَ، أو لِتَأْوِيلِهِ، كَمَا سَيَأتي،
وحَاصِلُ هَذَا الخِلافِ أقوالٌ:
أحَدُها: جَوازُه، وهو المَشهورُ من مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّه نَصَّ عَلَيه في
القديم، وعَلَّقَ القَولَ بِهِ في الجَدِيدِ عَلى صِحَّتِهِ (٦)، وقد صَحَّ كَمَا تَقدمَ، ولذلك
قَطَعَ الشَّيخُ أبُو حَامِدٍ بِصِخَّتِه، وأجرَى غَيرُه فيه قَولَينٍ في الجَدِيدِ: أظهَرُهمَا
الصِّحَّةُ.
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٣ - ٣) ليس في: (ك).
(٥) في (ك٢): ((فعل)).
(٢) في (م): ((عن)).
(٤) في الأصل، و(ح): ((منعني)).
(٦) في (ك٢): ((صحة)).

٥٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ(١) فِعلَه عن عَلِيٍّ، وعَلقَمَةَ، والأسودِ، وشُرَيح،
وأبي بَكرِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ (١٦٩/٥م) الحَارِثِ، والأمرَ بِه عن عَائِشَةُ،
وعَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ، وعن عُثمَانَ أنَّه رَأَى رَجُلًا واقِفًا بِعَرَفَةَ، فقال له:
أَشَارَطتَ؟ فقال: نَعَم. وعن الحَسَنِ، وعَطَاءٍ، في المُحرِم، قَالا: لَه شَرطُه .
ورَوى البَيهَقِيُّ(٢) الأمرُ بِه عن أُمِّ سَلَمَةَ. وقال ابنُ المُنذِرِ (٣): مِمَّن رُوِّينَا
عنه أَنَّه رَأى الاشتِرَاطَ عِندَ الإحرَامِ: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وعَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ،
وعَبدُ الله بنُ مَسعُودٍ، وعَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ، وهو مَذهَبُ عَبِيدَةَ السَّلمَانِيِّ،
والأسودِ بنِ يَزِيدَ، وعَلقَمَةَ، وشُرَيحِ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وعَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحٍ،
وعِكرِمَةَ، وعَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، وأحمَدَّ، وإسحَاقَ، وأبي ثورٍ، وبِه قال الشَّافِعِيُّ إذ
هو بِالعِرَاقِ، ثُمَّ وقَفَ عنه بِمِصرَ، وبِالأولِ أقُولُ. وحَكَاه ابنُ حَزم(٤) عن جُمهورٍ
الصَّحَابَةِ، وحَكَاه والِدِي ◌َّتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) عن جُمهورِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ
ومَن بَعدَهم.
الثَّانِي: استِحِبَابُه، وهو مَذهَبُ أحمَدَ، فَإِنَّ ابنَ قُدَامَةَ جَزَمَ بِه في
((المُغنِي))(٥). وهو المَفهومُ من قَولِ الخِرَقِيِّ، والمَجدِ بنِ تَيمِيَّةَ في ((مُختَصَرَبهمَا))
عِنْدَ ذِكرِ الإِحرَامِ: ويَشْتَرِطُ؛ أي: المُحرِمُ، إن لَم يُفْهَم منه الوُجُوبُ.
الثَّالِثُ: إِيجَابُه، ذَهَبَ إلَيه ابنُ حَزْمِ الظَّاهِرِيُّ، تَمَسُّكًا بِالأمرِ .
الرَّابِعُ: إنكَارُه، وهَذَا مَذهَبُ الحَنَفيةِ، والمَالِكِيَّةِ، وَرَوى ابنُ أبي شَيبَةً(٦)
عن هشَامِ بنِ عُروةَ، قال: كَانَ أبي لا يَرَى الاشتِرَاطَ في الحَجِّ شَيئًا. وعن
إبرَاهيمَ الَنَّخَعِيّ: كَانُوا لا يَشتَرِطُونَ، ولا يَرَونَ الشَّرطَ شَيئًا. وعن طَاؤُسٍ،
والحَكَم، وحَمَّادٍ: الاشتِرَاطُ في الحَجِّ لَيسَ بِشَيءٍ. وعن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ: إِنَّمَا
الاشتِرَاطُ في الحَجِّ فيمَا بَيْنَ النَّاسِ. وعنه أيضًا: المُستَثنَى وغَيرُ المُستَثنَى
سَواءٌ. وعن إبرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ: كَانَ عَلقَمَةُ يَشتَرِطُ في الحَجِّ، ولا يَرَاه شَيئًا .
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٨٠٢/٣ - ٨٠٤). (٢) السنن الكبرى (٢٢٣/٥).
(٣) الإشراف (١٨٧/٣).
(٤) المحلى (١١٤/٧).
(٦) مصنف ابن أبي شيبة (٨٠٣/٣، ٨٠٤).
(٥) المغني (٩٢/٥).

=
بَابُ الإحصَارِ
٥٢٣
ورَوى التِّرمِذِيُّ وصَحَّحَه، والنسائيُّ(١) عن ابنٍ عُمَرَ: أَنَّه كَانَ يُنكِرُ
الاشتِرَاطَ في الحَجِّ، ويَقُولُ: أَلَيسَ حَسبُكُم سُنَّةَ نَبِيكُم بِهِ؟ زَادَ النسائيُّ في
رِوايَتِه: ((إنَّه(٢) لَم يَشتَرِطِ))؛ أي: التَّبِيِّزَ، وهو في ((صَحِيحِ البخاريِّ)»(٣) بِدُونِ
أولِه، وَلَفِظُه: ((أَلَيسَ حَسبُكُم سُنَّةَ رسولِ اللهِوَّهَ، إن حُبِسَ أحَدُكُم عن الحَجِّ
طَافَ بِالبَيتِ، وبِالصَّفَا والمَروةِ(٤)، ثُمَّ حَلَّ من كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا
فَيُهدِي، أو يَصُومَ إِن لَم يَجِد هَديًا)). وحَكَى ابنُ المُنذِرِ(٥) إنكَارَه عن الزُّهرِيِّ
أيضًا، وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦) عن سُفيَانَ الثَّورِيِّ، وحَكَاه المُحِبُّ [٤٨/٢ظ]
الطَّبَرِيُّ عن أحمَدَ، وهو غَلَطٌ، فَالمَعرُوفُ عنه مَا قدمتُه، قال ابنُ قُدَامَةً(٧): وعن
أبي حَنِيفَةَ (١٧٠/٥م): أنَّ الاشتِرَاطَ يُفيدُ سُقُوطَ الدَّم، فَأمَّا التَّحَلُّلُ فَهو ثَابِتٌ عِندَه
بِكُلِّ إِحصَارٍ .
وقال ابنُ حَزم(٨): رُوِينَا عن إبراهيمَ: كَانُوا يَستَحِبُّونَ أن يَشتَرِطُوا عِندَ
الإِحرَامِ، وكَانُوا (٩ لاَ يَرَونَ الشَّرط٩َ) شَيْئًا لَو أنَّ الرَّجُلَ ابتُّلِيَ، وَرُوِّينَا عنه: كَانُوا
يَكرَهونَ أن يَشتَرِطُوا في الحَجِّ. قال ابنُ حَزمٍ: هَذَا تَنَاقُضُ، مَرَّةً كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ،
ومَرَّةً كَانُوا يَكرَهونَ، فَأَقَلُّ مَا فِي هَذَا تَركُ رِوايَةِ إبرَاهِيمَ لاضِطِرَابِها .
الثَّامنَةُ(١٠): فَمَن قال بِالجَوازِ تَمَسَّكَ بِهَذَا الحَدِيثِ، ورَأى أنَّ الأمرَ بِه
تَرخِيصٌ وتَوسِعَةٌ وتَخفيفٌ ورِفقٌ، وأنَّه يَتَعَلَّقُ بِمَصلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، [وهيَ مَا يَحصُلُ لَها
من المَشَقَّةِ بِمُصَابَرَةِ الإِحَرَامِ مَعَ المَرَضِ. ومَن قال بِالاستِحِبَابِ: رَأى المَصلَحَةَ
فيه دِينِيَّةً](١١)، وهو الاحتياطُ لِلعِبَادَةِ، فَإنَّها بِتَقدِيرِ عَدَمِه، قد يَعرضُ(١٢) لَها
مَرَضٌ يُشَعِّثُ العِبَادَةَ، ويُوقِعُ فيها الخَلَلَ، وهَذَا بَعِيدٌ. ومَن قال بِالوُجُوبِ: حَمَلَ
(١) الترمذي (٩٤٢)، والنسائي (٢٧٦٨).
البخاري (١٨١٠).
(٣)
(٥) الإشراف (١٨٧/٣).
(٧) المغني (٩٣/٥).
(٩ - ٩) في الأصل: ((يشترطون)).
(١١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٢) في (ك٢): ((إن)).
(٤) في الأصل: ((وبالمروة)).
(٦) التمهيد (١٩١/١٥).
(٨) المحلى (١١٤/٧).
(١٠) في (م): ((الثانية)).
(١٢) في (ح): ((تعرض)).

=
٥٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الأمرَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو أبعَدُ من الَّذِي قَبلَه، ولَو كَانَ واحِبًا لَمَا أخَلَّ النَّبِيُِّ
بِفِعِلِه، ولا الصَّحَابَةُ ﴿ه، وَلَو فَعَلُوا ذلك في حَجَّةِ النَّبِي وَ لَنُقِلَ، وقد صَرَّحَ
ابنُ عُمَرَ بِأنَّه لَم يَشتَرِطِ، كَمَا تَقدمَ ذِكرُه، ولَمَّا لَم يَأمُر بِه إلا هَذِهِ المَرأةَ(١)
الواحِدَةَ بَعدَ شِكَايَتِها لَه، عَلِمِنَا أنَّ ذلك تَرخِيصٌ حَرَّكَ ذِكرَه هَذَا السَّبَبُ، وهو
شكواها .
ومَن قال بِالإِنكَارِ: منهم مَن ضَعَّفِ الحَدِيثِ، كَمَا تَقدمَ ذِكرُه، ورَدَّه،
ومنهم مَن أولَه، وفي تَأوِيلِه أوجُهُ:
أحَدُها: أنَّه خَاصٌّ بِضُبَاعَةَ، حَكَاهِ الخَطَّابي(٢) عن بَعضِهم، قال: وقال:
يُشبِهِ أن يَكُونَ بِها مَرَضٌ أو حَالٌ كَانَ غَالِبُ ظَنِّها أنَّه يُعَوِّقُها عن إتمَامِ(٣) الحَجِّ،
وهَذَا كَمَا أذِنَ لأصحَابِهِ في رَفضِ الحَجِّ، ولَيسَ ذلك لِغَيرِهم. وقال النَّووِيُّ في
(شَرحٍ مسلم)) (٤) بَعدَ ذِكرِه هَذَا المَذهَبَ: وحَمَلُوا الحَدِيثَ عَلى أَنَّها قَضِيَّةُ عَينٍ،
وأنَّه مَخصُوَّصٌ بِضُبَاعَةَ. وحَكَاه في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٥) عن الرُّويَانِيِّ من أصحَابِنَا،
ثُمَّ قال: وهَذَا تَأوِيلٌ بَاطِلٌ، ومُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّه إنَّمَا قال: لَو صَحَّ
الحَدِيثُ لَم أعدُه. (٦ ولَم يَتَأوله، ولَم يَخْصَّه٦) .
الثَّانِي: أنَّ مَعنَاهِ: مَحِلِّي حَيثُ حَبَستِنِي بِالمَوتِ؛ أي: إذا أدرَكَتَنِي الوفَاةُ
انقَطَعَ إِحَرَامِ، حَكَاه النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٧) عن إمَامِ الحَرَمَينِ، ثُمَّ قال:
وهَذَا تَأْوِيلٌ ظَاهِرُ الفَسَادِ، وعَجِيب(٨) من جَلالَةِ الإِمَامِ كَيفَ قاله؟
الثَّالِثُ: أنَّ المُرَادَ التَّحَلُّلُ بِعُمرَةٍ، لا مُطلَقًّا، حَكَاه المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عن
بَعضِهم، ويَرُدُّه حَدِيثُ ضُبَاعَةَ الذِي سَنَذْكُرُه في الفَائِدَةِ الخَامِسَةَ (١٧١/٥م)
عَشر (٩)، فَإِنَّ فيه التَّصرِيحَ بِالتَّخَلُّلِ المُطلَقِ عن الحَجِّ والعُمَرَةِ مَعًا .
(١)
في (ك٢): ((المرة)».
في (ك٢): ((أيام)).
(٣)
المجموع (٣٠٤/٨).
(٥)
المجموع (٣٠٢/٨).
(٧)
(٩) في (م): ((عشرة)).
(٢) معالم السنن (١٥٩/٢).
(٤) شرح صحيح مسلم (١٣٢/٨).
(٦ - ٦) في (ك٢): ((ولم نتأوله ولم نخصه)).
(٨) في (م، وح): ((عجبت)).

=
بَابُ الإحصَارِ
٥٢٥
وحَكَى ابنُ حَزم(١) عن بَعضِهم أنَّ هَذَا الحَدِيثَ مُخَالِفٌ [لِقَولِه تَعَالى:
﴿وَأَيْقُوْ اَلْحَجَّ وَالْعُهْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولِقَولِه تَعَالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ
الْهَدِيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، (وعن بَعضِهم أنَّه مُخَالِفٌ](٢) لِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ:
(كُلُّ شَرطٍ لَيسَ في كِتَابِ الله فَهو بَاطِلٌ))(٣)(٤). وعن بَعضِهم: أنَّ هَذَا الخَبَرَ
رَواه عُروةُ، وعَطَاءٌ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ، وطَاؤُوسٌ، ورُوِيَ عنهم خِلافُه. ثُمَّ قال
ابنُ حَزم: سَمِعنَاكُمْ تَعتَلُّونَ بِهَذَا في الصَّاحِبِ، فَعَذَّيْتُمُوه إلى التَّابِعِ، وإن دَرَجْتُمُوه
بَلَغَ إِلَيْنَا، وإلى مَن بَعدَنَا فَصَارَ كُلُّ مَن بَلَغَه حَدِيثٌ فَتَرِكُه حُجَّةٌ فِي رَدِّه ولَئِن(٥)
خَالَفَ هَؤُلاءِ مَا رَووا، فَقد رَواه غَيرُهم ولَم يُخَالِفِه. وأطنَبَ ابنُ حَزمٍ فِي رَدِّ هَذِه
المَقَالاتِ، وهيَ حَقِيقَةٌ بِذلك. والله أعلمُ.
والّنُّ بِمَن يُعتَمدُ عَلَيه، مِمَّن خَالَفَ هَذَا الحَدِيثَ، أَنَّه لَم يَبلُغه، قال
البَيْهَقِيُّ(٦): عِندِي أنَّ ابنَ عُمَرَ لَو بَلَغَه حَدِيثُ ضُبَاعَةً في الاشتِرَاطِ لَم يُنكِرِهِ،
(٧ كَمَا لَم يُنكِرِه(١) أبُوه.
] التَّاسِعَةُ: قد يُستَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ المُشتَرِطَ لِذلك يَحِلُّ بِمُجَرَّدِ المَرَضِ
والعَجزِ، ولا يَحتَاجُ إلى إحلالٍ، وقد قال أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ(٨): إن شَرَطَ(٩)
التَّحَلُّلَ بِذلك فَلا يَحِلُّ إلا بِالتَّحَلُّلِ، وإن قال: إذَا مَرِضت فَأنَا حَلالٌ. فَهَل
يَحْتَاجُ في هَذِهِ الصُّورَةِ إلى تَحَلُّلٍ، أو يَصِيرُ حَلالًا بِنَفسِ المَرَضِ؟ فيه لأصحَابِنَا
وجهانٍ، الذِي نَصَّ عَلَيه الشَّافِعِيُّ: أنَّه يَصِيرُ حَلالًا بِنَفسِ المَرَضِ، ودَلالَةُ
الحَدِيثِ مُحتَمَلَةٌ، فَإِنَّ قَولَه: ((فَإِنَّ مَحِلِّي))، يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مَعنَاه: مَوضِعَ حِلِّي،
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مَعنَاه: مَوضِعَ إحلالِي.
(١) المحلى (١١٥/٧، ١١٦).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٣) البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (٨/١٥٠٤). (٤) ما بين القوسين ليس في: (ح).
(٥) بياض في: الأصل بقدار كلمة.
(٦) السنن الكبرى (٢٢٣/٥).
(٧ - ٧) ليس في: الأصل.
(٩) في (م): ((اشترط)).
(٨) ينظر: المجموع (٣٠٣/٨).

٥٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
العَاشِرَةُ: الحَدِيثُ ورَدَ في الحَجِّ، والعُمرَةُ في مَعنَاهِ، فَلَو أحرَمَ
بِعُمرَةٍ، فَشَرطُ التَّحَلُّلِ منها عِندَ المَرَضِ، كَانَ كَذلك، ولا خِلَافَ فِي هَذَا بَينَ
المُجَوِّزِينَ لِلاشتِرَاطِ (١)، فيمَا أعلَمُ، ولَعَلَّ العُمرَةَ دَاخِلَةٌ [٤٩/٢ و] في قَولِه في
رِوايَةِ النسائيّ، من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((فَإِنَّ لَك عَلى رَبِّك مَا اسْتَئِنَيت)). وقد
عَزَى ابْنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))(٢) هَذَا الحَدِيثَ لِمسلم، وفيه هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَلَيسَت
عِنْدَ مسلمٍ.
الحَادِيَةَ عَشْرَة: المُرَادُ بِالتَّحَلُّلِ: أن يُصَيِّرَ نَفسَه حَلالًا، فَلَو شَرَطَ أن
يَقْلِبَ حَجَّه عُمرَةً عِندَ المَرَضِ، فَذَكَرَ أصحَابُنَا: أنَّه أولى بِالصِّحَّةِ من شَرطِ
التَّحَلُّلِ، ونَصَّ عَلَيه الشَّافِعِيُّ (٣)، وإِذَا جَازَ إِيطَالُ العِبَادَةِ لِلعَجزِ، فَنَقلُها إلى عِبَادَةٍ
أُخرَى أولى بِالجوازِ .
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةِ: سَبَبُ (١٧٢/٥م) الحَدِيثِ إِنَّمَا هو في التَّحَلُّلِ بِالمَرَضِ،
لَكِنَّ قَولَه: ((حَبَستنِي)) (٤)، يَصدُقُ بِالحَبسِ بِالمَرَضِ(٥)، وبِغَيرِهِ من الأعذَارِ؛
كذَهابِ النَّفَقَّةِ، وفَرَاغِها، وضَلالِ الطَّرِيقِ، والخَطَّإ في العَدَدِ، وقد صَرَّحَ
الشَّافِعِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ بِأنَّ هَذِهِ الأعذَارَ كَالمَرَضٍ في جَوازٍ شَرطِ الَّحَلَّلِ بِها، ومن
الشَّافِعِيَّةِ مَن خَالَفَ فِيه(٦).
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: ظَاهرُ الحَدِيثِ أنَّه لا يَجِبُ عَلَيه عِندَ التَّحَلُّلِ بِالشَّرِطِ
دَمٌ، إذْ لَو وجَبَ لَذَكَرَهِ، فَإِنَّه وقتُ الاحتياجِ إلَيه، وبِهَذَا صَرَّحَ الحَنَابِلَةُ،
والظّاهِرِيَّةُ(٧)، وهو الأصَحُّ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ(٨)، ومَحِلُّ الخِلافِ عِندَهم في حَالَةٍ
الإطلاقِ، فَلَو شَرَطَ النَّحَلَّلَ بِالهَديِ لَزِمَه قَطعًا، وإن شَرَطَه بِلا هَديٍ لَم يَلْزَمه
قَطعًا .
(١) في الأصل: ((لاشتراط)).
(٣) الأم (٣٩٧/٣).
في الأصل: ((وبالمرض)).
(٥)
(٧) المغني (٣/٥).
(٢) المغني (٩٣/٥).
(٤) في (ح): ((حبسني)).
(٦) ينظر: المجموع (٣٠٢/٨).
(٨) المجموع (٣٠٢/٨).

=
بَابُ الإحصَارِ
٥٢٧
الرَّابِعَةَ عَشَرَ: ذَكَرَ الحَنَابِلَةُ: أنَّ هَذَا الشَّرطَ يُؤثِّرُ في إسقَاطِ الدَّمِ فيمَا
إِذَا حَبَسَه عَدُوٌّ، وقال الشَّافِعِيَّةُ: لا يَسقُطُ دَمُ (١) الإحصَارِ بِهَذَا الشَّرطِ؛ لأن
التَّحَلُّلَ بِالإِحصَارِ جَائِزٌ بِلا شَرطِ، فَشَرطُه لاغ، ومن أصحَابِنَا مَن حَكَى فيه
خِلافًا .
الخَامِسَةَ عَشَرَ: رَوى ابنُ خُزَيمَةَ في ((صَحِيحِه))، ومن طريقه(٢)
الْبَيْهَقِيُّ في ((سُنَنِه))(٣) من رِوايَةِ يَحيّى بنِ سَعِيدٍ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن
ضُبَاعَةَ، قالت: قُلتُ: يَا رسولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ، فَكَيفَ أُهلُّ بِالحَجِّ؟ قال:
((قُولِي: اللَّهُمَّ إنِّي أُهُّ بِالحَجِّ، إن أذِنت لِي بِه وأعنتنِي عَلَيهِ ويَسَّرته لِي، وإن
حَبَسْتِي فَعُمرَةٌ، وإن حَبَستِي عنهمَا جَمِيعًا فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَستِ)) وهَذِهِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ
يَجِبُ (٤) الأخذُ بِها .
ويُقَالُ: يَنْبَغِي ألَّا يَجُوزَ لِلحَاجِّ شَرطُ الثَّحَلُّلِ منه مُطلَقًّا، إلا مَعَ العَجزِ عنه
وعن العُمرَةِ، فَمَعَ القُدَرَةِ عَلى العُمرَةِ لا يُنتَفَلُ لِلنَّحَلُّلِ المُطلَقِ، وقد تَقدمَ كَلامُ
أصحَابِنَا فيمَا لَو شَرَطَ قَلبَ الحَجِّ عُمرَةً عِندَ المَرَضِ، والكَلامُ الآنَ فِي وُجُوبٍ
ذلك .
السَّادِسَةَ عَشَرَ: استَدَلَّ بِهِ الجُمهورُ عَلى أنَّه لا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ بِالإحصَارِ
بِالمَرَضِ من غَيرِ شَرطِ، إذا لَو جَازَ التَّحَلُّلُ بِهِ لَم يَكُن لاشتِرَاطِهِ مَعَنَّى.
السَّابِعَةَ عَشَرَ: ظَاهرُ الحَدِيثِ أنَّه لا قَضَاءَ عِندَ التَّحَلُّلِ بِالمَرَضِ
بِالشَّرطِ، وبِهِ صَرَّحَ أصحَابُنَا وغَيرُهم، ويَعُودُ فيه قَولُ مَن قال بِوُجُوبِ الفَضَاءِ عِندَ
الإطلاقِ، عَلى مَا تَقدم بَيَانُه .
الثَّامنةَ عَشَرَ: المَفهومُ من لَفِظِ الشَّرطِ: أنَّه لا بُدَّ من مُقَارَنَتِه
لِلإِحرَامِ، فَإِنَّه مَتَى سَبَقَه أو تَأخَّرَ عنه لَم يَكُن شَرطًا، وقد صَرَّحَ بِذلك في قَولِه في
(١) في (ح): ((الدم)).
(٢) في الأصل،: ((ومن طريق)). وفي (م): ((والبيهقي)).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (٢٢٢/٥).
(٤) في (ك): ((تجب)).

=
=
٥٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسِ رِّ: ((اشتَرِطِي عِندَ إِحرَامِك)). وهو بِهَذَا اللفظِ في مُصَنَّفِ ابنِ
أبي شَيبَةً(١)، وقد صَرَّحَ بِهَذَا المَاوردِيُّ وغَيرُه، كَمَا نَقَّلَه النَّووِيُّ في ((شَرحِ
المُهَذَّبِ))(٢)، وكَذَا قال ابنُ قُدَامَةَ الحَنبَلِيُّ (٣في ((المُغنِي)) (٣) (٤): يُستَحَبُّ أن
يَشتَرِطَ عِندَ إِحْرَامِهِ. انتَهَى. وهو واضِحٌ.
التَّاسِعَةَ عَشَرَ: ظَاهرُ الحَدِيثِ: أنَّه لا بُدَّ من التَّلَفُّظِ بِهَذَا الاشتِرَاطِ؛
كغَيرِهِ من الشُّرُوطِ، وهو ظَاهرُ كَلام أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ، وذَكَرَ فيه ابنُ قُدَامَةَ
الحَنْبَلِيُّ(٥) احتِمَالَينِ :
أحَدُهمَا: هَذَا، قال: ويَدُلُّ عَلَيه ظَاهرُ قَولِهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، في
حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((قُولِي: مَحِلِّي من الأرضِ حَيثُ تَحِسُنِي)).
قُلتُ: وكَذَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مَُِّّا في ((الصَّحِيحَينِ)): ((وقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّ
حَيثُ حَبَستنِي)).
والثَّانِي: أنَّه تَكفي فيه النَّّةُ، ووجهه بِأَنَّه تَابِعٌ لِعَقدِ الإِحرَامِ، والإحرَامُ يَنْعَقِدُ
بِالنِّيَّةِ .
العِشرُونَ: قد يُتَشَوفُ لِحَالِ ضُبَاعَةَ، هَل حَبَسَها المَرَضُ، أم لا؟ وقد
جَاءَ في رِوايَةٍ لِمسلمٍ (٦) في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((فَأْدَرَكَتُ)). ومَعنَاه: أنَّها أدرَكَت
الحَجَّ، ولَم تَتَحَلَّل (٧) حَتَّى فَرَغَت منه.
الحَادِيَةُ والعِشرُونَ: قد يُفهَمُ منه أنَّه يَتَعَيَّنُ في الاشتِرَاطِ اللفظُ
المَذْكُورُ في الحَدِيثِ، ولَيسَ [٤٩/٢ظ] كَذلك، بَل كُلُّ مَا يُؤَدِّي مَعنَاهِ يَقُومُ مَقَامَه
في ذلك، قال ابنُ قُدَامَةَ(٨): وغَيرُ هَذَا اللفظِ، مِمَّا يُؤَدِّي مَعنَاهِ، يَقُومُ مَقَامَه؛ لأن
المَقصُودَ المَعنَى، والعِبَارَةُ إِنَّمَا تُعتَبَرُ لِتَأْدِيَةِ المَعنَى، ثُمَّ استشهدَ بِقَولِ عَلقَمَةَ:
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٨٠٢/٣).
(٣ - ٣) ليست في: (ك).
(٥) السابق (٩٤/٥).
(٧) في الأصل: ((تحلل)).
(٢) المجموع (٣٠٤/٨).
(٤) المغني (٩٢/٥).
(٦) مسلم (١٠٦/١٢٠٨).
(٨) المغني (٩٤/٥).

=
كمـ
٥٢٩
بَابُ الإحصَارِ
اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ العُمرَةَ، إن تَيَسَّرَت، وإلا، فَلا حَرَجَ عَلَيَّ. وبِقَولِ (١) شُرَيحٍ:
اللَّهُمَّ قد عَرَفتَ نِيَّتِي ومَا أُرِيدُ، فَإِن كَانَ أمرًا تُتِمُّه فَهو أحَبُّ إِلَيَّ، وإلا ، فَلا
حَرَجَ عَلَيَّ. ونَحوُه عن الأسودِ، و(٢) قالت عَائِشَةُ لِعُروةٍ: قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ
الحَجَّ، وإِيَّاهِ نَويتُ، فَإِن تَيَسَّرَ، وإلا ، فَعُمرَةٌ. ونَحوُهُ عن عَمَيْرَةَ بنِ زِیَادٍ .
■ الثَّانِيَةُ والعِشرُونَ: في قَولِهِ: ((مَحِلِّي حَيثُ حَبَستنِ)). أنَّ المُحصَرَ
يَحِلُّ حَيثُ يُحبَسُ، وهنَاكَ يَنحَرُ هَديَه، ولَو كَانَ في الحِلِّ، وبِه قال الشَّافِعِيُّ
وأحمَدُ، وقال أبُو حَنِيفَةَ: لا يَنحَرُه إلا في الحَرَمِ. وقد تَقدمَ ذِكرُ هَذَا في
الحَدِيثِ الذِي قَبلَه.
■ الثَّالِثَةُ والعِشرُونَ: خَرَجَ بِقَولِه: ((حَيثُ حَبَستِ)). مَا إذَا شَرَطَ التَّحَلُّلَ
بِلا عُذرٍ، بِأن قال في إحرَامِه: مَتَى شِئت، أو كَسِلت خَرَجت، وهَذَا لا عِبْرَةَ بِهِ
بِالاتِّفَاقِ، ومِمَّن نَقَلَ الاتِّفَاقَ فيه الرُّويَانِيُّ(٣). (١٧٤/٥م). والله أعلم.
(١) في (م): ((ويقول)).
(٣) ينظر: المجموع (٣٠٤/٨).
(٢) ليس في: الأصل.

٥٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بَابُ نُزُولِ المُحَضَّب، وبَطحَاءَ وذِي الحُلَيفَةِ،
ومَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ
الحَدِيثُ الأولُ
عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ: أنَّها لَم تَكُن تَفعَلُ ذلك، وقالت: ((إِنَّمَا
نَزَّلَهُ(١) رسولُ اللهِ وَّوَ لأَنَّه كَانَ مَنزِلًا أسمَحَ لِخُرُوجِهِ)).
فيه فوائدُ:
] الأُولى: رَواه مسلمٌ، والنسائيُّ(٢) من هَذَا الوجه من رِوايَةِ عَبدِ الرَّزَّاقِ،
عن مَعمٍَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم: ((أنَّ النَّبِي وَّهِ، وأبَا بَكرٍ، وعُمَرَ، وابنَ عُمَرَ
كَانُوا يَنْزِلُونَ بِالأبطَح)). قال الزُّهرِيُّ: وأخبرَنَا (٣) عُروةُ، عن عَائِشَةَ: أنَّها لَم تَكُن
تَفْعَلُ ذلك. الحَدِيثَ، واقتَصَرَ النسائيّ عَلى ذِكرِ ابنِ عُمَرَ.
وأخرَجَه الأئِمَّةُ السِّنَّةُ (٤) من رِوايَةِ هشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ،
قالت: ((نُزُولُ الأبطُحِ لَيسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رسولُ الله ◌َّهِ؛ لأنَّه كَانَ أَسمَحَ
لِخُرُوجِه إِذَا خَرَجَ)). لَفْظُ مسلمٍ، والبَاقِي بِمَعنَاه، ولَم يَقُل البخاريُّ، والتِّرمِذِيُّ:
(لَيْسَ بِسُنَّةٍ)).
(١) في (ح): ((ترکه)).
(٢) مسلم (٣٤٠/١٣١١)، والنسائي في الكبرى (٤٢٠٦).
(٣) في (م): ((أنا))، وفي الأصل، (ك): ((وأنا))، والمثبت من (ح).
(٤) البخاري (١٧٦٥)، ومسلم (٣٣٩/١٣١١)، وأبو داود (٢٠٠٨)، والترمذي (٩٣٢)،
والنسائي في الكبرى (٤٢٠٧)، وابن ماجه (٣٠٦٧).

=
بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، وَمَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ
٥٣١
ورَواه النسائيُّ، وابنُ مَاجَه(١) من رِوايَةِ إبراهيمَ، عنِ(٢) الأسودِ، عن
عَائِشَةَ رََّا، قالت: ((أدلَجَ رسولُ اللهِ وَله من البَطحَاءِ لَيلَةَ النَّهْرِ إدلاجًا)).
الثَّانِيَةُ: قد تَبَيَّنَ بِرِوايَةٍ مسلم، والنسائيّ أنَّ الإشَارَةَ في قَولِه: [((لَم
تَكُن تَفْعَلُ ذلك))] (٣) إلى التُّزُولِ بِالأبطَح [الَّذِي تَقْدمَ ذِكرُه في قَولِه: ((كَانُوا يَنْزِلُونَ
بِالأبطَح))] (٤)، والمُرَادُ النُّزُولُ بِهِ عِندَ النَّفْرِ (١٧٥/٥م) من منى.
■ الثَّالِثَةُ: الأبطَحُ: هو الوادِي المَبطُوحُ بِالبَطحَاءِ، والمُحَصَّبُ، بِضَمِّ
المِيمٍ، وفَتحِ الحَاءِ المُهمَلَةِ، والصَّادِ المُهمَلَةِ المُشَدَّدَةِ، الذِي فيه الحَصبَاءُ،
والبَطحَاءُ والحَصَبَاءُ بِمَعنّى واحِدٍ: الحَصَى الصِّغَارُ، والمُرَادُ بِه هنَا: مَوضِعٌ
مَخصُوصٌ، وهو مَكَانٌ مُتَّسِعُ بَيْنَ مَكَّةَ ومنى، وهو إلى منى أقرَبَ، وهو اسمٌ لِمَا
بَيْنَ الجَبَلَينِ إلى المَقبَرَةِ، قال القَاضِي عِيَاضٌ(٥): وحَدُّه من الحَجُونِ ذَاهبًا إلى
منى، وزَعَمَ الذَّاوُودِيُّ(٦) أنَّه ذُو طُوَى، ولَم يَقُل شَيئًا .
قال النَّووِيُّ(٧): المُحَصَّبُ، بِفَتحِ الحَاءِ والصَّادِ المُهمَلَتَينِ، والحَصْبَةُ، بِفَتحِ
الحَاءِ وإسكَانِ الصَّادِ، والأبطُحُ، والبَطحَاءُ، وخَيفُ بَنِي كِنَانَةَ اسمٌ لِشَيءٍ واحِدٍ،
وأصلُ الخَيفِ كُلُّ مَا انحَدَرَ عن الجَبَلِ وارتَفَعَ عن المَسِيلِ .
وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٨): أنَّ الأبطُحَ المَذكُورَ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، وفي
حَدِيثٍ عَائِشَةَ هَذَا، وفي حَدِيثِ أبِي رَافِعِ الآتي ذِكرُه، غَيرُ المُحَصَّبِ والبَطحَاءِ
و(٩) خَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ المَذْكُورُ في حَدِيثِ أبِي هَرَيْرَةَ الآتي ذِكرُه، وأنَّ المُرَادَ بِالأولِ
البَطَاءُ التي بِذِي الحُلَيفَةِ، قال: وهَذِه البَطحَاءُ هيَ المَعرُوفَةُ عِندَ أهلِ المَدِينَةِ
وغَيرِهِم بِالمُعَرَّسِ. انتَهَى.
وهو مَرُدُودٌ، والصَّوابُ مَا ذَكَرَه النَّوِيُّ من أنَّ هَذِهِ المَذكُورَاتِ كُلَّهَا عِبَارَةٌ
(١) النسائي في الكبرى (٤٢٠٥)، وابن ماجه (٣٠٦٨).
(٢) في (م): ((بن)).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٦) في (م): ((الداروردي)).
(٨) التمهيد (٢٤٣/١٥).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٥) مشارق الأنوار (٣٩٣/١).
(٧) شرح صحيح مسلم (٥٩/٩).
(٩) ليس في: (ح).

٥٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عن شَيءٍ واحِدٍ، ويَرُدُّ مَا ذَكَرَه ابنُ عَبدِ البَرِّ أنَّ لَفظَ حَدِيثِ أبِي رَافِعٍ عِندَ
مسلم (١): (لَم يَأْمُرنِي رسولُ اللهِ وَ أَن أَنزِلَ الأبطَحَ حِينَ خَرَجَ من منَّى، ولَكِن
جِئْتُ فَضَرَبَت قُبََّه فَجَاءَ فَنَزَلَ)). فَهَذَا صَرِيحٌ في أنَّ المُرَادَ بِالأبطَحِ: المَكَانُ الذِي
عِندَ منَّی .
الرَّابِعَةُ: إذَا تَقَرَّرَ أنَّ الأبطَحَ هو المُحَصَّبُ الذِي عِندَ منَّى، فَكُونُ(٢)
عَائِشَةَ مَِّا لَم تَكُن تَنزِلُه عِندَ النَّفرِ، يَحتَمِلُ أن يَكُونَ لاعتِقَادِها أنَّه لَيسَ من
المَنَاسِكِ، وإن كَانَ سُنَّةً مُستَقِلَّةً، ويَحْتَمِلُ أنَّه لاعتِقَادِها أنَّه لَيسَ مُستَحَبًّا أصلًا،
(١٧٦/٥م) وحِينَئِذٍ فَنُزُولُ [٥٠/٢و] النَّبِي ◌َّهُ بِه يَحْتَمِلُ أَن يَكُونَ جَرَى اتّفَاقًا،
لا عن قَصدٍ كَغَيرِه من مَنَازِلِ الحَجِّ، ويَحتَمِلُ أنَّه مَقصُودٌ، لَكِن لِمَصلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ،
ويُؤَيِّدُ الاحتِمَالَ الأولَ حَدِيثُ أبي رَافِعِ المُتَقدمُ، فَإِنَّه ذَكَرَ فيه أنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ
والسَّلامُ، [لَم يَأْمُرُه بِذلك، ويُؤَيِّدُ الاحْتِمَالَ الثَّانِيَ قُولُ عَائِشَةً مِ﴿ّا: ((إنَّه، عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلامُ](٣)، إنَّمَا نَزَلَه (٤) لِكَونِه أسمَحَ لِخُرُوجِه)). فَدَلَّ عَلى أنَّه قَصَدَ ذلك
لِهَذَا المَعنَى، لا لِكَونِهِ قُرِبَةً.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ النُّزُولَ فيه كَانَ بِالقَصدِ حَدِيثُ أبي هُرَيرَةَ، وهو في
((الصَّحِيحَينِ))(٥) قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ من الغَدِ يَومَ النَّحرِ، وهو بِمِنِّى: «نَحنُ
نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ كِنَانَةَ، حَيثُ تَقَاسَمُوا عَلى الكُفرِ)). وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ)) (٦)
أيضًا عن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، قال: قُلتُ: ((يَا رسولَ الله؛ أينَ تَنزِلُ؟)) وذلك في
حَجَّتِه، قال: ((وهَل تَرََ لَنَا عَقِيلٌ مُنزَلًا؟ نَحنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيفِ بَنِي ◌ِنَانَةَ، حَيثُ
تَقَاسَمُوا عَلى الكُفرِ))؛ يَعنِي: بِذلك المُحَصَّبَ، وحِينَئِذٍ فَنَحْتَاجُ(٧) إلى الجَوابِ عن
حَدِيثٍ أبي رَافِعٍ، وقد يُجَابُ عنه: بِأَنَّه إِنَّمَا نَفَى أمرَ النَّبِيِّ نَ﴿ لَه بِذلك، ولَعَلَّه
بَلَغَه كَلامُ النَّبِيِّ نََّ أو سَمِعَ كَلامَه، فَفَعَلَ ذلك بِغَيرِ أمرِهِ، أو وُفِّقَ لِمَا أَرَادَه
(١) مسلم (٣٤٢/١٣١٣).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٥) البخاري (١٥٩٠)، ومسلم (٣٤٣/١٣١٤).
(٦) البخاري (٣٠٥٨).
(٢) في (ك): «فتكون».
(٤) في (ك): ((تر که)).
(٧) في (م): ((فيحتاج)).

=
بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، وَمَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ
٥٣٣
التَّبِيُّ وََّ من غَيرِ أن يَأْمُرَه بِهِ، وأيضًا فَإِنَّه إنَّمَا نَفَى أمرَه بِذلك حِينَ خُرُوجِه من
مِنَّى، فَلَعَلَّه أمَرَه بِذلك في وقتٍ آخَرَ، وهَذَا بَعِيدٌ.
فَإِن قُلتَ: في رِوايَةٍ أُخرَى لِلبخاريِّ(١) من حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ: ((مُنزَلْنَا إن
شَاءَ الله - إذَا فَتَحَ الله - الخَيفُ، حَيثُ تَقَاسَمُوا عَلى الكُفرِ)). وهَذِهِ تَدُلُّ عَلى
أنَّه قاله في الفَتحِ، وذَكَرَ البخاريُّ(٢) في حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ أيضًا: أنَّ ذلك كَانَ
حِينَ أَرَادَ النَّبيُّ وَلَه ◌ُنَيْنَا، فَهَذِهِ تَقتَضِي أنَّ المُرَادَ نَصرُه في حُنَينٍ، لا في
الفَتحِ، وفي رِوايَةٍ لِلبخاريِّ في حَدِيثِ أُسَامَةَ: ((مُنزَلُنَا - إن شَاءَ الله - إذَا
فَتَحَ الله الخَیفُ)).
قُلتُ: قد جَمَعَ بَيْنَهما (٣) المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، بِأنَّ ذلك جَرَى منه، عَلَيه الصَّلاةُ
والسَّلامُ، مَرَّاتٍ، فقال: تَكَرَّرَ منه هَذَا القَولُ في اسْتِقِبَالِ فَتَحِ مَكَّةَ، وهو أولُ
أوقَاتِ غَلَبَةِ دِينِ اللهِ تَعَالى عَلى الكُفرِ، وتَنكِيسِ رَأسِ (٤) الكُفرِ بِها، ثُمَّ قاله حِينَ
أرَادَ غَزْوَ هَوازِنَ بِحُنَينٍ(٥)، ثُمَّ قاله في حَجَّةِ الودَاعِ، وقال ذلك في الأوقَاتِ
المَذكُورَةِ شُكرًا لِلَّه تَعَالى، وإظهارًا لِلدِّينِ، وحُكمِ الإسلامِ، حَيثُ تَقَاسَمُوا عَلى
الكُفرِ، وحَيثُ أظهَرُوا(٦) الكُفرَ. انتَهَى.
ومَعنَى قَولِه: ((حَيثُ تَقَاسَمُوا عَلى الكُفرِ)): تَحَالَفُوا وتَعَاهَدُوا عَلَيه، وهو
تَحَالُفُهم عَلى إخرَاجِ النَّبِيِّوَ، وبَنِي هاشِمٍ، وبَنِي المُطَّلِبِ من مَكَّةَ إلى هَذَا
الشِّعبِ، وهو (١٧٧/٥م) خَيفُ بَنِي كِنَانَةَ، وكَتَبُوا بَينَهم الصَّحِيفَةَ المَشهورَةَ، وكَتَبُوا
أنواعًا من البَاطِلِ، وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ والكُفرِ، فَأرسَلَ اللهُ تَعَالى عَلَيها الأَرَضَةَ،
فَأْكَلَت كُلَّ(٧) مَا فيها من كُفْرٍ، وقَطِيعَةِ رَحِمٍ، وبَاطِلٍ، وتَرَكَت مَا فيها من ذِكرِ الله
تَعَالَى، فَأَخِبَرَ جبريلُ عَلَه، النَّبِيَّ وَ لَّ بِذلكَ، فَأَخِبَرَ بِهِ النَّبِيُّ بَ عَمَّه أَبَا طَالِبٍ،
فَجَاءَ إِلَيهم أبُو طَالِبٍ فَأخبَرَهم عنهِ وَ ل ◌َ بِذلك، فَوجَدُوه كَمَا أخبَرَ، والقِصَّةُ
(١) البخاري (٤٢٨٤)، وهي أيضًا عند مسلم (٣٤٥/١٣١٤).
(٣) في (م): ((بينها)).
(٢) البخاري (٣٨٨٢).
(٤)
في (ح، ك٢): ((رأي)).
(٦) في (ك، ح): ((أظهر)).
(٥) ليست في: (ك).
(٧) ليست في (ك).

=
=
٥٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مَشهورَةٌ. وهَذَا يَقْتَضِي أَنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعَلَ النُّزُولَ هِنَاكَ (١) قَصدًا
لِهَذِهِ المَصلَحَةِ الدِّينِيَّةِ، وهو (٢) الشُّكرُ لِلَّهِ تَعَالى عَلى إظهارِ الدِّينِ، ودَحضٍ
الكُفرِ، وإعلاءِ كَلِمَةِ الله تَعَالى، وإتمَام نِعمَتِهِ عَلى المسلمِينَ، وقد تَقدمَ كَلامُ
المُحِبِّ الطَّبَرِيِّ في ذلك، وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٣) قال بَعضُ العُلَمَاءِ
كَانَ نُزُولُه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، هنَا (٤) شُكرًا للهِ تَعَّالَى عَلى الظُهورِ بَعدَ
الاختِفَاءِ، وعَلى إظهارِ دِينِ اللهِ تَعَالی.
الخَامِسَةُ: ذَهَبَ أكثَرُ العُلَمَاءِ إلى أنَّه يُستَحَبُّ لِلحَاجِّ إذَا فَرَغَ من
الرَّمي، ونَفَرَ من منَّى أن يَأتي المُحَصَّبَ، وهو المَكَانُ المُتَقدمُ ذِكرُه، ويَنزِلَ بِهِ،
ويُصَلَّيَ بِهِ (٥) الظهرَ والعَصرَ، والمَغرِبَ والعِشَاءَ، ويَبيتَ بِهِ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشرَ، وفي
((صَحِيحِ البخاريِّ)) وغَيرِه (٦) عن [٥٠/٢ظ] أنَسِ بنِ مَالِكِ: ((أنَّ النبيَّ نَّهِ صَلى
الظُّهرَ وَالعَصرَ، والمَغرِبَ والعِشَاءَ، ثُمَّ (٧) رَقد رَقَدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلى
البَيتِ فَطَافَ بِهِ».
وفي ((صَحِيحِ مسلم) (٨) عن نَافِع: ((أنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحصِيبَ سُنَّةً،
وكَانَ يُصَلِّي الظُهُرَ يَومَ النَّفرِ بِالحَصْبَةِ، قال نَافِعٌ: قد حَصَّبَ رسولُ اللهِ وَه
والخُلَفَاءُ بَعدَه)). وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ)(٩) من رِوايَةٍ خَالِدِ بنِ الحَارِثِ، قال:
سُئِلَ عُبَيدُ اللهِ عن الحُصَيبِ؛ فَحَدَّثَنَا عن نَافِعِ، قال: نَزَلَ بِها رسولُ اللهِ وَهِ،
وعُمَرُ، وابنُ عُمَرَ. وعن نَافِعٍ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ بِّهَا كَانَ يُصَلِّي بِها؛ يعني:
المُحَصَّبَ، الظُهرَ والعَصرَ، أحسِبُه قال: والمَغرِبَ. قال خَالِدٌ: لا أشُكُ(١٠) في
العِشَاءِ. ويَهجَعُ هَجعَةً، ويَذْكُرُ ذلك عن النَّبِي وَلَ.
في الأصل: ((هنا)).
(١)
شرح صحيح مسلم (٩/ ٦٢).
(٣)
(٥)
ليست في: (ك).
(٦)
البخاري (١٧٦٥)، وابن خزيمة (٩٦٢)، والبيهقي في الكبرى (١٦٠/٥).
(٧)
لیس في: (ح).
(٩) البخاري (١٧٦٨).
(٢) في (ك، ح): ((هي)).
(٤) في (م): ((هناك)).
(٨) مسلم (٣٣٨/١٣١٠).
(١٠) في الأصل: ((شك)).

=
بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، وَمَا يَقُولُ إذَا قَفَلَ
٥٣٥
قَالُوا: ولَو تَرَكَ النُّزُولَ بِهِ فَلا شَيءَ عَلَيه، ولا يُؤْثِّرُ في نُسُكِه؛ لأنه سُنَّةٌ
مُستَقِلَّةٌ، لَيسَ من سُنَنِ الحَجِّ، ومَا ذَكَرته من استِحِبَابِ النُّزُولِ بِهِ هو قَولُ الأَئِمَّةِ
الأربَعَةِ(١)، وتَقدمَ من ((صَحِيحِ مسلم)) عن أبي بَكرٍ، وعُمَرَ، وابنِهِ: أنَّهم كَانُوا
يَفْعَلُونَ ذلك، (١٧٨/٥م) وإن كَانَت تَّلَكَ الرِّوايَةُ مُرسَلَةً؛ لأنها من رِوايَةِ سَالِمِ،
فَقد رَوى مسلمٌ(٢) أيضًا من رِوايَةِ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ الَّبِيِّهِ، وأَبَا بَكرٍ،
وعُمَرَ، كَانُوا يَنزِلُونَ بِالأبطَحِ)). ورَواهُ التِّرمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه(٣)، وفيه زِيَادَةُ ذِكرِ
(عُثْمَان))، وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ))(٤) أنَّ عُمَرَ قال: ((يَا آلَ خُزَيمَةَ، حَصِّبُوا
لَيْلَةَ النَّهْرِ)». وعن الأسودِ: أنَّ نَزَلَ بِالأبطَحِ، فَسَمِعَ دُعَاءً، فَنَظَرَ، فَإِذَا هو ابنُ عُمَرَ
يَرتَحِلُ. وعن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ: أَنَّه لَمَّا نَفَرَ أتَى الأبطَحَ، حِينَ أقبَلَ من منى. وعن
إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ: إذَا انتَهَى إلى الأبطَحِ فَلَيَضَعِ رَحِلَه(٥)، ثُمَّ لِيَزُر البَيتَ،
وليَضطَجِع فيه هنَيهَةً، ثُمَّ لِيَنْفِر. وعن طَاوُسٍ: أنَّه كَانَ يَحصِبُ في شِعبٍ
الخَورِ (٦) .
وأنكَرَ التَّحصِيبَ جَمَاعَةٌ(٧) من السَّلَفِ؛ فَرَوى الشَّيخَانِ وغَيرُهمَا (٨) عن
ابنِ عَبَّاسِ رِّ، قال: ((لَيسَ الثَّحصِيبُ بِشَيءٍ، إِنَّمَا هو مَنزِلٌ نَزَلَه
رسولُ الله ◌ِّ﴾)). وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيبَةَ))(٩): أنَّه كَانَ لا يَنزِلُ الأبطَحَ،
وقال: إنَّمَا فَعَلَه رسولُ اللهِ وَّهِ؛ لأنَّه انتَظَرَ عَائِشَةَ. وعن ◌َاؤُسٍ، وعَطَاءٍ،
ومُجَاهِدٍ، وعُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ: أنَّهم كَانُوا لا يَحصِبُونَ. وعن
مُجَاهِدٍ أيضًا أنَّه أنكَرَه.
وقال ابنُ المُنذِرِ (١٠): كَانَت عَائِشَةُ لا تَحِصِبُ، هيَ ولا أسمَاءُ، وكَانَ
(١) ينظر: الإشراف (٣٧٥/٣).
(٢) مسلم (٣٣٧/١٣١٠).
(٣) الترمذي (٩٢١)، وابن ماجه (٣٠٦٩). (٤) مصنف ابن أبي شيبة (٥٧٧/٣، ٥٧٨).
(٥)
في (ك): ((رجله)).
(٦) في (ح): ((الخوز))، وفي (ك): ((الحور)).
(٧)
في (م): ((وجماعة)).
(٨) البخاري (١٧٦٦)، ومسلم (٣٤١/١٣١٢)، والترمذي (٩٢٢).
(٩) ابن أبي شيبة (٥٧٨/٣).
(١٠) الإشراف (٣٧٥/٣)، وفيه: وكذا قالت عائشة، وهو قول عامة أهل العلم.

=
=
٥٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ يَفعَلُ ذلك، ثُمَّ تَرَكَه. وقال النَّووِيُّ في ((شَرح مسلم))(١): كَانَ
أَبُو بَكرٍ، وعُمَرُ، وابنُ عُمَرَ، والخُلَفَاءُ ﴿ُهِ يَفعَلُونَه، وكَانَت عَائِشَةُ، وَابنُ عَبَّاسٍٍ
لا يَقُولانِ بِه، ويَقُولانِ: هو مُنزَلٌ انِّفَاقِي، لا مَقصُودٌ. فَحَصَلَ خِلافٌ بَيْنَ
الصَّحَابَةِ ﴿ّمه، ومَذهَبُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، والجُمهورِ استِحِبَابُه، وأجمَعُوا عَلى
أنَّ مَن تَرَكَه لا شَيءَ عَلَيه. انتَهَى.
لَكِنَّه في ((شَرحِ المُهَذَّبٍ)»(٢): حَكَى عن القَاضِي عِيَاضِ أنَّه قال: النُّزُولُ
بِالمُحَصَّبِ مُستَحَبُّ عِندَ جَمِيعِ العُلَمَاءِ، وهو عِندَ الحِجَازِيِّينَ آكَدُ منه عِندَ
الكُوفيينَ، وأجمَعُوا عَلى أنَّه لَيسَ بِواجِبٍ. انتَهَى. ولَم يَعتَرِضه في نَقلِ الاتِّفَاقِ،
وأخَذَ ذلك منه الحَافِظُ زَكِيُّ الدِّينِ عَبدُ العَظِيمِ، فقال: وهو مُستَحَبٌّ عِندَ جَمِيع
العُلَمَاءِ .
قال والِدِي تَتُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): وفيمَا قاله نَظَرٌ، فَإِنَّ الِّرمِذِيَّ(٣)
حَكَى اسْتِحْبَابَه عن بَعضِ أهلِ العِلمِ. ثُمَّ حَكَى كَلامَ النَّووِيِّ المُتَقدمَ، ثُمَّ قال:
وهَذَا هو الصَّوابُ.
قُلتُ: وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستِذكَارِ))(٤): هو عِندَ مَالِكٍ وجَمَاعَةٍ من
أهلِ العِلمِ مُستَحَبٌّ، إلا أنَّه عِندَ مَالِكٍ والحِجَازِيِّينَ أوكَدُ(٥) منه عِندَ الكُوفيينَ،
والكُلُّ مُجَمِعٌ عَلى أنَّه (١٧٩/٥م) لَيسَ من مَنَاسِكِ الحَجِّ، وأنَّه لَيسَ عَلى تَارِكِه
فِدِيَّةٌ ولا دَمٌ. والظَاهرُ أنَّ القَاضِيَ عِيَاض إنَّمَا أَخَذَ كَلامَه المُتَقَدمَ من ابنِ عَبدِ البَرِّ،
وسَقَطَت عَلَيه لَفِظَةُ: ((من))، فَبَقِيَ: وجَمَاعَةُ أهلِ العِلمِ. والخِلافُ في ذلك
مَوجُودٌ، عَلى أنَّ بَعضَ العُلَمَاءِ أولَ كَلامَ مَن أنكَرَه عَلى أنَّه (٦) أنكَرَ كُونَه من
المَنَاسِكِ، لا أصلَ اسْتِحِبَابِهِ، فَحَكَى التِّرمِذِيُّ، عن الشَّافِعِيِّ أنَّه قال: نُزُولُ
الأبطَحِ لَيسَ من النُّسُكِ فِي شَيءٍ، إِنَّمَا هو مُنزَلٌ نَزَلَه رسولُ اللهِ وَهُ.
(١) شرح صحيح مسلم (٥٩/٩).
المجموع (٢٣٢/٨)، وكلام القاضي في إكمال المعلم (٣٩٣/٤).
(٢)
(٣)
سنن الترمذي، عقب حديث (٩٢١).
(٤) الاستذكار (٣٣٩/٤).
(٥) في (م): ((آكد)).
(٦) بعده في (ح): ((لو)).

=
بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، ومَا يَقُولُ إذَا قَفَلَ
٥٣٧
وقال والِدِي تَّتُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ: لَيسَ التَّحصِيبُ
بِشَيءٍ؛ أي: لَيسَ بِشَيءٍ من المَنَاسِكِ، كَمَا هو [٥١/٢و] مُفَسَّرٌ في كَلامِ الشَّافِعِيِّ،
فَقَد وعَدَهم النَّبِيِ وَ ﴿ِ أن يَنْزِلَ بِهِ، كَمَا في حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ، وأُسَامَةً. وقال
ابنُ المُنذِرِ في كَلامِ عَائِشَةَ المُتَقدمِ: فَدَلَّ قَولُها هَذَا عَلى أَنَّ نُزُولَ(١) المُحَصَّبِ
لَيسَ من المَنَاسِكِ، ولا شَيءَ عَلى مَن تَرَكَه من فِدِيَةٍ ولا غَيرِها .
وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٢)، في الكَلام عَلى(٣) حَدِيثِ بَطحَاءَ ذِي الحُلَيفَةِ، عن
بَعضِ أهلِ العِلمِ أنَّ جَعَلَه من المَنَاسِكِ [التي يَنبَغِي لِلحَاجِّ نُزُولُها، والمَبيتُ فيها .
وكَلامُ صَاحِبٍ ((الهدَايَةِ)) من (٤) الحَنَفيةِ (٥) يَقتَضِي أَنَّه من المَنَاسِكِ](٦)؛ فَإِنَّه(٧)
صَحَّحَ أنَّ(٨) النُّزُولَ بِهِ كَانَ قَصدًا، إِرَاءةٌ(٩) لِلمُشْرِكِينَ لَطِيفَ صُنعِ الله بِهِ. وقال:
فَصَارَ سُنَّةً؛ كالرَّمَلِ في الطّوافِ. وحَكَى أَبُو عَمرِو ابنُ الحَاجِبِ، عن مَالِكِ أنَّه
وسَّعَ في النُّزُولِ بِالمُحَصَّبِ عَلى مَن لا يُقْتَدَى بِهِ، وكَانَ يُقْتِي بِهِ سِرًّا، فَحَصَلَ من
ذلك أربَعَةُ مَذَاهبَ: إنكَارُه، واستِحِبَابُه نُسُكًا، أو غَيرَ نُسُكٍ، والفَرقُ بَينَ المُقتَدَى
بِهِ وغَيرِهِ.
السَّادِسَةُ(١٠): قال والِدِي تَّتُهُ في ((شَرِحِ التِّرمِذِيِّ)): إذَا تَقَرَّرَ أنَّ نُزُولَ
المُحَصَّبِ لا تَعَلَّقَ لَه بِالمَنَاسِكِ، فَهَل يستحب (١١) لِكُلِّ أَحَدٍ أن يَنْزِلَ فيه إذَا مَرَّ
بِه؟ يَحْتَمِلُ أن يُقال بِاستِحبَابِهِ مُطلَقًا، ويَحتَمِلُ أن يُقال بِاسْتِحِبَابِهِ لِلجَمْعِ
الكَثِيرِ (١٢)، وإظهارِ العِبَادَةِ فيه، إظهارًا لِشُكرِ اللهِ تَعَالى عَلى رَدِّ كَيدِ الكُفَّارِ،
وإيطَالٍ مَا أَرَادُوه .
في الأصل: ((نزوله)).
(١)
(٣)
في (م): ((عن)).
الهداية (١٥٠/١).
(٥)
في الأصل: ((فإن)).
(٧)
(٩) في (م): ((أراه)).
(١٠) ليس في: الأصل.
(١٢) في (ك٢): ((الكبير)) .
(٢) التمهيد (٢٤٣/١٥).
(٤) في (م): ((عن)).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٨) فى الأصل: ((أن يكون)).
(١١) ليس في: (م).

٥٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحَدِيثُ الثَّانِي
عن نَافِعٍ، عن ابنٍ عُمَرَ: ((أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ أَنَاخَ بِالبَطحَاءِ التي بِذِي
الحُلَيفَةِ، وصَلىَّ بِها)). قال نَافِعُ: ((و(١) كَانَ عَبدُ الله بنُ عُمَرَ يَفعَلُ ذلك)).
فيه فوائدُ:
ا الأُولى: (١٨٠/٥م) اتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ، وأبُو دَاوُد، والنسائيُّ(٢) من هَذَا
الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ.
وأخرَجَه الشَّيخَانِ(٣) من طَرِيقِ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، عن نَافِعِ: ((أنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ
إِذَا صَدَرَ عن الحَجِّ، أو العُمرَةِ، أَنَاخَ بِالبَطحَاءِ التي بِذِي الحُلَيفَةِ، التي كَانَ
النَّبِي ◌َلْ يُنِيخُ بِها)) .
وأخرَجَه مسلمٌ (٤) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، (°عن نافع، عن ابن عمر٥).
ولَيسَ فيه: ((إِذَا صَدَرَ عن الحَجِّ أو (٦) العُمَرَةِ)).
ورَواه البخاريُّ(٧) من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ:
((أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يَخْرُجُ من طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، ويَدْخُلُ منَ طَرِيقِ المُعَرَّسِ،
وأنَّ رسولَ اللهِ نَّوَ كَانَ إِذَا خَرَجَ من (٨) مََّةَ يُصَلِّ فِي مَسجِدِ الشَّجَرَةِ، وإِذَا رَجَعَ
صَلَى بِذِي الحُلَيفَةِ، بِبَطنِ الوادِي، وبَاتَ حَتَّى يُصبحَ)).
■ الثَّانِيَةُ: البَطحَاءُ التي بِذِي الحُلَيفَةِ تُسَمَّى: المُعَرَّسَ أيضًا، وهيَ
بِضَمِّ المِيمِ، وفَتحِ العَينِ، والرَّاءِ المُهمَلَتَينِ، مَعَ تَشدِيدِ الرَّاءِ، وآخِرُهُ سِينٌ مُهمَلَةٌ،
وأصلُ المُعَرَّسِ: مَوضِعُ النُّزُولِ مُطلَقًّا، أو في آخِرِ الليلِ، قال أبُو زَيدٍ :
(١) ليس في: (م).
(٢) البخاري (١٥٣٢)، ومسلم (٤٣٠/١٢٥٧)، والنسائي (٢٦٦٠).
(٣)
البخاري (١٧٦٧)، ومسلم (١٢٥٧/ ٤٣٢).
(٤)
مسلم (٤٣١/١٢٥٧).
(٦) في (ك): ((و)).
(٨) في (ح): ((إلى)).
(٥ - ٥) ليست في: (م).
(٧) البخاري (١٥٣٣).

=
بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، وَمَا يَقُولُ إذَا قَفَلَ
٥٣٩
عَرَّسَ القَومُ في المُنزَلِ: إِذَا نَزَلُوا بِهِ أيَّ وقتٍ كَانَ من لَيلِ أو نَهارٍ .
وقال الخَلِيلُ، والأصمَعِيُّ: التَّعرِيسُ: النُّزُولُ آخِرَ الليلِ. وصَارَ هَذَا اللفظُ
عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى مَوضِعِ مُعَيَّنٍ، وهو عَلى سِتَّةِ أمْيَالٍ من المَدِينَةِ، كَمَا حَكَاه
أَبُو دَاوُد في ((سُنَنِه))(١) عن مُحَمَّدِ بنِ إسحَاقَ المَدِينِيِّ، وجَزَمَ بِه في
((المَشَارِقِ))(٢)، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٣) من حَدِيثٍ مُوسَى بِنِ (٤) عُقْبَةَ، عن سَالِمٍ،
عن أبيه: ((أَنَّ النَّبيِ نَّهَ أتَى، وهو في مُعَرَّسِه من ذِي الحُلَيفَةِ، في بَطنِ الوادِي،
فَقِيلَ لَه: ((إِنَّك بِبَطحَاءَ مُبَارَكَةٍ))، قال مُوسَى: وقد أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالمُنَاخِ من
المَسجِدِ الذِي كَانَ عَبدُ الله يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رسولِ اللهِوَّه وهو أسفَلَ
من(٥) المَسجِدِ الذِي بِبَطنِ الوادِي، بَينَه وبَيْنَ القِيلَةِ وسَطٌّ من ذلك)). وفي عَزوٍ
الشَّيخ تَّتُهُ في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)) هَذِه الزِّيَادَةَ لِمسلم فَقَط نَظَرٌ، فَقد عَرَفت أنَّها
عِندَ البخاريِّ أيضًا، ذَكَرَها (١٨١/٥م) في أوائلِ الحَجِّ.
■ الثَّالِثَةُ: اختُلِفَ في نُزُولِهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِبَطِحَاءَ ذِي الحُلَيفَةِ
عَلى أقوالٍ :
أحَدُها: أنَّ ذلك جَرَى اتِّفَاقًا، لا عن قَصدٍ، فَهو كَبَقِيَّةِ مَنَازِلِ الحَجِّ، وهو
ظَاهرُ مَا حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦) عن مُحَمَّدٍ بنِ الحَسَنِ، أَنَّه قال: إنَّمَا هو مِثلُ
المَنَازِلِ التي نَزَلَ بِها رسولُ اللهِ وَ مِن مَنَازِلٍ طَرِيقِ مَكَّةَ، وبَلَغَنَا: أنَّ ابنَ عُمَرَ
كَانَ يَتْبَعُ آثَارَه تِلكَ، فَيَنْزِلُ بِها، فَلذلك(٧) فعلَ (٨) مِثلُ ذلك بِالمُعَرَّسِ. وذَكَرَ
مُحَمَّدٌ هَذَا تَوجِيهًا لِقَولِ أبي حَنِيفَةَ: مَن مَرَّ بِالمُعَرَّسِ من ذِي الحُلَيفَةِ رَاجِعًا من
مَكَّةَ، فَإِن أَحَبَّ أن يُعَرِّسَ بِهِ حَتَّى يُصَلِّي فَعَلَ، ولَيسَ ذلك عَلَيهِ.
ثَانِيها: أنَّه قَصَدَ النُّزُولَ بِهِ، لَكِن لا لِمَعنّى فيه، حَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٩) عن
(١) أبو داود، عقب حديث (٢٠٤٥).
(٢) مشارق الأنوار (٣٩٣/١).
(٣) البخاري (٢٣٣٦)، ومسلم (١٣٤٦ /٤٣٤).
(٥) ليست في: (ك).
(٤)
ليست في: الأصل.
(٦)
التمهيد (٢٤٤/١٥).
(٧) في (م): ((فكذلك)).
(٨) في (م): ((قيل)).
(٩) إكمال المعلم (٤/ ٤٥٧).

=
٥٤٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بَعضِهم: أَنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، إِنَّمَا نَزَلَ بِه في رُجُوعِه حَتَّى يُصْبِحَ لِئَلا
[٥١/٢ظ] يَفْجَأ النَّاسُ أهالِيهم لَيْلًا، كَمَا نَهَى عنه صَرِيحًا في الأحَادِيثِ المَشهورَةِ.
ثَالِثُها: أنَّه نَزَلَ بِهِ قَصدًا لِمَعنّى فيه، وهو الثَّبَرُّكُ بِهِ، [ويَدُلُّ لَه أنَّهِ، عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلامُ أتَى بِهِ فَقِيلَ لَه: ((إنَّك بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ)). وهو في ((الصَّحِيحَينِ))،
كَمَا تَقَدمَ] (١)، ويَدُلُّ لَه أيضًا صَلاتُه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِهِ ومَا فُهمَ من لَفِظِ
الحَدِيثِ من مُواظَبَتِهِ عَلى النُّزُولِ بِه، لَكِنَّه لَيسَ من مَنَاسِكِ الحَجِّ، بَل هو سُنَّةٌ
مُستَقِلَّةٌ، وبِهَذَا قال الجُمهورُ.
قال مَالِكٌ في ((المُوطَّأ)(٢): لا يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يُجَاوِزَ المُعَرَّسَ إذَا قَفَلَ حَتَّى
يُصَلِّيَ فيه، وأنَّه مَن مَرَّ بِهِ في غَيرِ وقتٍ صَلاةٍ فَلَيَقُم حَتَّى تَحِلَّ(٣) الصَّلاةُ، ثُمَّ يُصَلِّيَ
مَا بَدَا لَه؛ لأنه بَلَغَنِي: أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه عَرَّسَ بِهِ، وأنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ أَنَاخَ بِهِ.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): واستَحَبَّه الشَّافِعِيُّ، ولَم يَأمُر بِهِ، وقال إسمَاعِيلُ بنُ
إسحَاقَ القَاضِي: لَيْسَ نُزُولُه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِالمُعَرَّسِ كَسَائِرِ مَنَازِلِ طَرِيقٍ
مَكَّةَ؛ لأنه كَانَ يُصَلِّيِ الفَرِيضَةَ حَيثُ أمكَنَه، والمُعَرَّسُ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي فيه نَافِلَةً،
ولا وجهَ لِتَزهيدِ النَّاسِ في الخَيرِ، ولَو كَانَ المُعَرَّسُ كَسَائِرِ المَنَازِلِ مَا أنكَرَ
ابنُ عُمَرَ عَلى نَافِع تَأْخُّرَه عنه. وذَكَرَ حَدِيثَ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عن نَافِعٍ: أنَّ
ابنَ عُمَرَ سَبَقَه إلى المُعَرَّسِ فَأْبِطَأْ عَلَيه، فقال: مَا حَبَسَك؟ فَذَكَرَ عُذرًا، فقال:
ظَنْتُ أنَّك أخَذت الطّرِيقَ، ولَو فَعَلتَ لأوجَعتُك ضَربًا .
رَابِعُها: أنَّه من مَنَاسِكِ الحَجِّ، وهَذَا شَيءٌ اقْتَضَت عِبَارَةُ ابْنِ عَبدِ البَرِّ في
((التَّمهيدِ))(٥) حِكَايَتَه عن ابنِ عُمَرَ، فَإِنَّه قال: ولَيسَ ذلك من سُنَنِ الحَجِّ
ومَنَاسِكِه، التي يَجِبُ عَلى تَارِكِها فِديَةٌ أو دَمٌ عِندَ أهلِ العلمِ، (١٨٢/٥م) ولَكِنَّه
حَسَنٌ عِندَ جَمِيعِهِم، إلا ابنَ عُمَرَ فَإِنَّه جَعَلَه سُنَّةً. انتَهَى.
(١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٢) الموطأ (٤٠٥/١).
(٣) في (ح): ((يحل)).
(٥) التمهيد (٢٤٣/١٥).
(٤) الاستذكار (٣٤٠/٤).