Indexed OCR Text

Pages 381-400

=
بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٨١
ضَبطِ الحَرَمِ فِي رِوايَةِ زُهَيرٍ: فَضَبَطَه جَمَاعَةٌ من المُحَقِّقِينَ بِفَتح الحَاءِ والرَّاءِ؛
أي: الحَرَمِ المَشهورِ، وهو حَرَمُ مَكَّةَ، والثَّانِي بِضَمِّ الحَاءِ والرَّاءِ، ولَم يَذكُر
القَاضِي في ((المَشَارِقِ)) غَيرَه، قال: وهو جَمعُ حَرَامِ، كَمَا قال تَعَالى: ﴿وَأَنْتُمْ
ج
[المائدة: ١]. قال: والمُرَادُ بِه المَواضِعُ المُحَرَّمَّةُ، والفَتحُ أظهَرُ. انتَهَى،
ولَيسَ في رِوايَةِ زُهَيرٍ اختِلافٌ، والذِي ضَبَطَها بِهِ القَاضِي مُتَعَيَّنٌ، ولَو كَانَت
بِالفَتحِ لاتَّحَدَت مَعَ رِوايَةِ ابنِ أبي عُمَرَ، وقد بَيَّنَ مسلمٌ تَّتُهُ المُغَابِرَةَ بَيْنَهمَا .
وكَأَنَّ الشَّيخَ لَُّهُ لَم يَتَأمَّل لَفظَ مسلمٍ، ولا أولَ كَلامِ القَاضِي، وإن كَانَ(١) أحَدٌ
ضَبَطَ رِوايَةَ زُهَيرٍ: ((الحَرَمِ)) بِفَتْحِهِمَا(٢)، فَيَتَعَيَّنُ أن تَكُونَ رِوايَةُ ابنِ أبِي عُمَرَ الحُرُمِ
بِضَمِّهمَا، فَإِنَّ مسلمًا تَظْتُهُ قَد صَرَّحَ بِالمُغَايَرَةِ بَينَ لَفِظَي شَيخَيه، وأنَّ أحَدَهمَا قال
◌ِفَتحِهِمَا(٣) والآخَرُ بِضَمِّهمَا، فَرِوايَةُ ضَمِّهمَا واقِعَةٌ في ((صَحِيحِ مسلم)) بِلا شٌَّ.
واللهُ أعلَمُ. وأمَّا قَولُه في حَدِيثِ عَائِشَةَ: ((في الحل والحَرَم))، فَهِوَ بِفَتحِ الحَاءِ
والرَّاءِ، بِلا شَكِّ.
■ الثَّامنةَ عَشَرَ: قَولُه: ((خَمسٌ فَواسِقَ)). قال النَّووِيُّ في ((شَرِحِ
مسلم)) (٤): هو بِإِضَافَةِ خَمسٍ لا بِتَنوِينِه. وذَكَرَ فيه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ
العُمِدَّةِ)(٥) الوجهَينِ، واستَدَلَّ عَلى التَّنوِينِ بِقَولِه في حَدِيثِ [٢٠/٢ظ] عَائِشَةَ، في
رِوايَةِ أُخرَى في ((الصَّحِيحِ)): ((خَمسٌ من الدَّوابِّ كُلُّهنَّ فَواسِقُ)). وقال: إنَّ رِوايَةً
الإِضَافَةِ رُبَّمَا تُشعِرُ بِالتَّخصِيصِ، ومُخَالَفَةِ حُكمٍ غَيرِها لَها بِطَرِيقِ المَفهومِ، ورِوايَةُ
التَّنوِينِ تَقْتَضِي وصفَ الخَمسِ بِالفِسقِ من جِهَةِ المَعنَى، وقد تُشعِرُ بِأنَّ الحُكمَ
المُرَتَّبَ عَلى ذلك، وهو القَتلُ، مُعَلَّلٌ بِمَا جُعِلَ وصفًا، وهو الفِسقُ، فَيَقْتَضِي
ذلك التَّعميمَ لِكُلِّ فَاسِقٍ من الدَّوابِّ، وهو ضِدُّ مَا اقْتَضَاه الأولُ من المَفهومِ،
وهو التَّخصِيصُ. انتَهَى.
(١) ليس في: الأصل.
(٣) في الأصل: ((بفتحها)).
(٥) إحكام الأحكام (ص٤٦٣).
(٢) في الأصل: ((بفتحها)).
(٤) شرح صحيح مسلم (١١٥/٨).

٣٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ا النَّاسِعَةَ عَشَرَ: قال النَّووِيُّ(١): وأمَّا تَسمِيَةُ(٢) هَذِهِ (٧٢/٥م)
المَذْكُورَاتِ فَواسِقَ فَصَحِيحَةٌ، جَارِيَةٌ عَلى وفقِ اللُّغَةِ، وأصلُ الفِسقِ في كَلَام
العَرَبِ الخُرُوجُ، وسُمِّيَ الرَّجُلُ الفَاسِقُ لِخُرُوجِه عن أمرِ اللهِ تَعَالى وطَاعَتِه؛
فَسُمِّيَتِ هَذِهِ فَواسِقَ، لِخُرُوجِها بِالإيذَاءِ والإفسَادِ عن طَرِيقِ مُعظَمِ الدَّوابِّ، وقِيلَ:
لِخُرُوجِها عن حُكمِ الحَيَوانِ في تَحْرِيمِ قَتلِه في الحَرَمِ والإِحرَامِ، وقِيلَ فيها أقوالٌ
أُخَرُ ضَعِيفَةٌ لا نَرتَضِيها. انتَهَى. وتَقدمَ من ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه)) أنَّه قِيلَ لِلرَّاوِي: ((لِمَ
قِيلَ لَها؛ أي: الفَأْرَة، الفُويسِقَةُ؟ فقال: لأنَّ رسولَ اللهِ وَهِ استَيقَظَ لَها، وقد
أَخَذَتِ الفَتِيلَةَ لِتُحرِقَ بِها البَيتَ)).
العِشرُونَ: قال النَّورِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٣): وفي هَذِه الأحَادِيثِ دَلالَةٌ
لِلشَّافِعِيِّ ومُوافِقِيه في أنَّه يَجُوزُ أن يُقتَلَ في أَلحَرَمِ كُلُّ مَن يَجِبُ عَلَيه قَتلٌ
بِقِصَاصٍ، أو رَجُمُ بِالزِّنَا، أو قَتلٌ في المُحَارَبَةِ، وغَيرُ ذلك، وأنَّه يَجُوزُ إِقَامَةُ كُلِّ
الحُدُودِ فيه، سَواءٌ كَانَ مُوجِب القَتل والحَدَّ، جَرَى في الحَرَمِ أو خَارِجَه، ثُمَّ لَجَأ
صَاحِبُهُ إلى الحَرَمِ، وهَذَا مَذْهَبُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وآخَرِينَ.
وقال أبُو حَنِيفَةَ وطَائِفَةٌ: مَا ارتَكَبَه من ذلك في الحَرَمِ يُقَامُ عَلَيه فيه، ومَا
فَعَلَه خَارِجَهُ ثُمَّ لَجَأْ إلَيه، إن كَانَ إتلافَ نَفْسٍ لَم يُقَم عَلَيه في الحَرَمِ؛ بَل يُضَيَّقُ
عَلَيه، ولا يُكَلَّمُ، ولا يُجَالَسُ، ولا يُبَايَعُ حَتَّى يَضطَرَّ إلى الخُرُوجِ منه، فَيُقَامَ عَلَيه
خَارِجَه، ومَا كَانَ دُونَ النَّفْسِ يُقَامُ فيه.
قال القَاضِي (٤): رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وعَطَاءٍ، والشَّعبي، والحَكَمِ نَحوُه،
لَكِنَّهِم لَم يُفَرِّقُوا بَيْنَ النَّفسِ ودُونِها، وحُجَّتُهم قَولُ اللهِ تَعَالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ
ءَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وحُجَّتُنَا عَلَيهم هَذِهِ الأحَادِيثُ، لِمُشَارَكَةٍ فَاعِلِ الجِنَايَةِ
لِهَذِه الدَّوابِّ في اسم الفِسقِ، بَل فِسقُه أفحَشُ، لِكَونِهِ مُكَلَّفًا، ولأنَّ التَّضِيقَ الذِي
ذَكَرُوه لا يَبقَى لِصَاحِبِهِ أمَانٌ، فَقد خَالَفُوا ظَاهرَ مَا فَسَّرُوا بِهِ الآيَةَ.
(١) شرح صحيح مسلم (١١٤/٨).
(٣) السابق (١١٥/٨، ١١٦).
(٢) في (م): ((تسميته)) .
(٤) إكمال المعلم (٢٠٩/٤).

=
بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلَى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٨٣
قال القَاضِي: ومَعنَى الآيَةِ عِندَنَا وعِندَ أكثَرِ المُفَسِّرِينَ، أَنَّه إخبَارٌ عَمَّا كَانَ
قَبلَ الإسلام، وعَطفٌ عَلى مَا قَبلَه من الآيَاتِ، وقِيلَ: آمن من النَّار، وقالت
طَائِفَةٌ: يُخرَجُ ويُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ، وهو قَولُ ابنِ الزُّبَيرِ، والحَسَنِ، ومُجَاهِدٍ،
وحَمَّادٍ. انتَهَى. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)) (١)، عندَ ذِكرِه هَذَا
الاستِدلالَ: وهَذَا عِندِي لَيسَ بِالهَيِّنِ، وفيه غَورٌ، فَلْيُتَبَّه لَه.
(٧٣/٥م) الحَدِيثُ الرَّابِعُ
وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ القَاسِم، عن أبيه، عن عَائِشَةَ أنَّها قالت:
((كُنت أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ نَّهِ؛ لِإِحْرَامِهَ قَبَلَ أن يُحرِمَ، ولِجِلُّه قَبلَ أن يَطُوفَ
بِالبَيتِ)).
فيه فوائدُ :
الأُولى: أخرَجَه الأَئِمَّةُ السِّنَّةُ؛ فَأخرَجَه الشَّيخَانِ، وأبُو دَاوُد،
والنسائيُّ(٢) من هَذَا الوجه من طَرِيقِ مَالِكِ، إلا أنَّ في رِوايَةِ البخاريِّ: ((حِينَ
يُحرِمُ)). وفي رِوايَةٍ أبي دَاوُد: ((ولإحلالِه)). وفي رِوايَةِ النسائيّ: ((طَيَّبتُ)).
وأخرَجَه مسلمٌ أيضًا، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(٣) من رِوايَةِ مَنصُورٍ، وهو ابنُ زَاذَانَ،
عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ القَاسِم، عن أبيه، عن عَائِشَةً قالت: ((كُنت أُطَيِّبُ النبيَّ ◌َهُ
قَبْلَ أن يُحرِمَ، ويَومَ النَّحرِ قَبلَ أن يَطُوفَ بِالبَيتِ، بِطِيبٍ فيه مِسٌ)).
وأخرَجَه البخاريُّ أيضًا، والنسائيُّ(٤) من رِوايَةٍ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ، عن
عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ القَاسِم، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، قالت: ((طَيِّبْتُ النّبِيَّ وَّ بِيدَيَّ
(١) إحكام الأحكام (ص٤٦٦).
(٢) البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (٣٣/١١٨٩)، وأبو داود (١٧٤٥)، والنسائي (٢٦٨٤).
(٣) مسلم (٤٦/١١٩١)، والترمذي (٩١٧)، والنسائي (٢٦٩١).
(٤) البخاري (٥٩٢٢)، والنسائي (٢٦٨٥).

٣٨٤ م
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لِحَرَمِه، وطَيِّبته بِمنى قَبلَ أن يُفيضَ)). لَفِظُ البخاريِّ، ولَفِظُ النسائيّ: ((كُنت ◌ُطَيِّبُ
[٢١/٢ و] رسولَ الله وَّهُ بِأَطَيَبِ مَا أجِدُ لِحَرَمِه، ولِحِلِّه، وِينَ يُرِيدُ أن يَزُورَ البَيتَ)).
وأخرَجَه مسلمٌ(١) أيضًا من رِوايَةِ أفلَحَ بنِ حُمَيدٍ، (٧٤/٥م) عن القَاسِم، عن
عَائِشَةَ، قالت: ((طَيَّيتُ رسولَ اللهِ وَ ﴿ه بِيدَيَّ لِحَرَمِه حِينَ أحْرَمَ، ولِحِلِّه حِينَ حَلَّ
قَبَلَ أن يَطُوفَ بِالبَيتِ)).
وأخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (٢) من رِوايَةِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن
القَاسِمِ، عن عَائِشَةَ.
وأخرَجَه البخاريُّ، ومسلمٌ(٣) من طَرِيقٍ عُمَرَ بنِ عَبدِ الله بنِ عُروةَ، عن
عُروةَ، والقَاسِمِ، عن عَائِشَةَ قالت: ((طَيَّتُ رسولَ اللهِ وَلَهَ بِيدَيَّ بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةٍ
الودَاعِ لِلحِلِّ والإِحرَامِ)).
وأخرَجَه الشَّيخَانِ أيضًا (٤) من رِوايَةٍ عُثمَانَ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ،
قالت: ((كُنتُ أُطَيِّبُ النِبِيَّ ◌َّهِ عِنْدَ إِحرَامِه بِأَطيَبِ مَا أجِدُ)). لَفِظُ البخاريِّ، وَلَفظُ
مسلم: (بِأطيّبٍ مَا أقدِرُ عَلَيه، قَبلَ أن يُحرِمَ، ثُمَّ يُحرِمُ)). وفي لَفِظِ لَه: ((سَأَلت
عَائِشَةً: بِأَيِّ شَيءٍ طَيَّتِ رسولَ اللهِنَّهَ عِندَ حَرَمِه؟ قالت: بِأَطيَبِ الطَّيبِ)).
وأخرَجَه مسلمٌ أيضًا(٥) من رِوايَةٍ أبي الرِّجَالِ، عن أُمِّه عَمَرَةَ، عن عَائِشَةَ،
أنَّها قالت: ((طَيِّتُ رسولَ اللهِ وَ لِحَرَمِه حِينَ أحْرَمَ، ولِحِلُّه قَبلَ أن يُفيضَ بِأَطيَبٍ
ما وجدت)).
وأخرَجَه النسائيُّ(٦) من رِوايَةِ سَالِم، وهو ابنُ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، عن عَائِشَةَ،
قالت: ((طَيِّبْتُ رسولَ اللهِ نَّهَ عِندَ إحرَامِه حِينَ أَرَادَ أن يُحرِمَ، وعِندَ إحلالِه قَبلَ
أن يُحِلَّ بیدَيَّ)».
(١) مسلم (١١٨٩/ ٣٢).
مسلم (٣٤/١١٨٩)، والنسائي في الكبرى (٤١٦٤)، وابن ماجه (٣٠٤٢).
(٢)
(٣)
البخاري (٥٩٣٠)، ومسلم (٣٥/١١٨٩).
(٤)
البخاري (٥٩٢٨)، ومسلم (٣٦/١١٨٩).
(٥) مسلم (٣٨/١١٨٩).
(٦) النسائي (٢٦٨٣).

=
بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاُ لَه
٣٨٥
وأخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(١) من رِوايَةِ سُفَيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن
عُروةَ، عن عَائِشَةَ قالت: ((طَيِّبْتُ رسولَ اللهِ وَّ لِحَرَمِه حِينَ أحرَمَ، ولِحِلِّه حِينَ
أحَلَّ قَبلَ أن يَطُوفَ بِالبَيتِ)). لَفظُ مسلمٍ، ولَفظُ النسائيّ: ((ولِحِلِّه بَعدَمَا رَمَى
جَمْرَةَ العَقَبَةِ قَبلَ أن يَطُوفَ بِالبَيتِ)).
واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ (٢) من رِوايَةٍ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الأسودِ، عن أبيه، عن
عَائِشَةَ، قالت: ((كُنتُ أُطَيِّبُ النبيَّ وَّهِ بِأَطيَبِ مَا يَجِدُ، حَتَّى أَجِدَ وبيصَ الطَّبِ(٣)
في رَأْسِه ولِحَيَّتِه)). لَفظُ البخاريِّ، ولَفظُ مسلم: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَ إِذَا أَرَادَ أن
يُحرِمَ يَتَطَيِّبُ بِأطيَبِ مَا يَجِدُ، ثُمَّ أَرَى وبيصَ الدُّهنِ فِي رَأْسِهِ ولِحِيَتِهِ بَعدَ ذلك)).
ولَه في ((الصَّحِيحَينِ)) وغَيرِهمَا طُرُقٌ أُخرَى كَثِيرَةٌ، واقتَصَرتُ عَلى إِيرَادِ هَذِهِ
تَحَرِّيًا لِمُتَابَعَةِ الأصلِ فيمَا أورَدَه من الرِّوايَاتِ في ((النُّسخَةِ الكُبرَى))، وقال
ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): لَم يُختَلَف فيه عن عَائِشَةَ، والأسَانِيدُ مُتَواتِرَةٌ بِه(٥)، وهيَ
صِحَاحٌ.
وقال ابنُ حَزمِ الظَّاهريُّ، بَعدَ ذِكرِهِ جُمْلَةً من طُرُقِه عن عَائِشَةَ(٦): فَهَذِهِ آثَارٌ
مُتَواتِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ، رَواه عنها عُروةُ، والقَاسِمُ، وسَالِمُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ،
وعَبدُ اللهِ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ (١٥/٥م)، وعَمرَةُ، ومَسرُوقٌ، وعَلقَمَةُ، والأسودُ،
ورَواه عن هَؤُلاءِ النَّاسُ الأعلامُ.
■ الثَّانِيَةُ: فيه استِحبَابُ التَّطَيُّبِ عِندَ إرَادَةِ الإِحرَامِ، وأنَّه لا بَأسَ
بِاسْتِدَامَتِهِ بَعدَ الإِحرَامِ، ولا يَضُرُّ بَقَاءُ لَونِه ورَائِحَتِه، وإنَّمَا يَحْرُمُ في الإحرَامِ
ابْتِدَاؤُه، وهَذَا مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، وأبي يُوسُفَ، وأحمَدَ بنِ حَنبَلٍ.
وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٧) عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، وابنِ الزُّبَيرِ، وابنِ عَبَّاسٍ،
(١) مسلم (٣١/١١٨٩)، والنسائي (٢٦٨٦).
(٢) البخاري (٥٩٢٣)، ومسلم (٤٤/١١٩٠).
(٣)
في الأصل: ((للطيب)).
(٥)
ليس في: الأصل.
(٧) الإشراف (١٨٥/٣).
(٤) الاستذكار (٢٦/٤).
(٦) المحلى (٨٦/٧).

=
٣٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وإسحَاقَ، وأبي ثَورٍ، وأصحَابِ الرَّأيٍ، وحَكَاه الخَطَّابيُّ (١) عن أكثَرِ الصَّحَابَةِ.
وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢) عن أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ، وعَبدِ الله بنِ جَعفَرٍ، وعَائِشَةَ،
وأُمّ حَبيبَةَ، وعُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، والفَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخَعِيِّ،
وخَارِجَةَ بنِ زَيدٍ، ومُحَمَّدِ ابنِ الحَنَفيةِ، قال: واختُلِفَ في ذلك عن الحَسَنِ، وابنٍ
سِيرِينَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وقال بِهِ الثوريُّ، والأوزَاعِيُّ، ودَاوُدُ.
وحَكَاه النَّوِيُّ(٣) عن جُمهورِ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ والمُحَدِّثِينَ
والفُقَهاءِ، وعَدَّ منهم غَيرَ مَن قدمنًا: مُعَاوِيَةً، وحَكَاه ابنُ قُدَامَةً(٤) عن ابنِ جُرَيجٍ،
قال ابنُ المُنذِرِ (٥): وبِه أقول.
وذَهَبَ مَالِكٌ إلى مَنعِ أن يَتَطَيَّبَ قَبلَ الإِحْرَامِ بِمَا تَبقَى رَائِحَتُه بَعدَه، لَكِنَّه
قال: إن فَعَلَ فَقد أسَاءَ، وَلا فِديَةَ عَلَيه، وحَكَى الشَّيخُ [٢١/٢ظ] أبُو الطَّاهرِ(٦)
قَولًا بِوُجُوبِ الفِديَةِ، وعَلَّلَه: بِأنَّ بَقَاءَ الطِّيبِ كَاستِعمَالِهِ(٧). وقال مُحَمَّدُ بنُ
الحَسَنِ: يُكرَه أن يَتَطَيَّبَ قَبلَ الإحرَامِ بِمَا تَبقَى عَينُه بَعدَه. وحَكَاه صَاحِبُ
((الهدَايَةِ))(٨) من الحَنَفيةِ عن الشَّافِعِيِّ، ولا يُعرَفُ ذلك في مَذهَبِه، وحَكَى ابنُ
المُنذِرِ عن عَطَاءٍ كَرَاهَةَ الطَّيبِ قَبلَ الإِحرَامِ، وحَكَاه النَّوِيُّ عن الزُّهرِيِّ، قال
القَاضِي عِيَاضٌ(٩): وحُكِي أيضًا عن جَمَاعَةٍ من الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ. وقال ابنُ
عَبدِ البَرِّ(١٠): ومِمَّن كَرِهَ الطَّيبَ لِلمُحرِمِ قَبلَ الإحرَامِ: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ،
وعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، وعَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعُثْمَانُ بنُ أبي العَاصِي، وعَطَاءٌ، وسَالِمُ بنُ
عَبدِ الله، عَلى اختِلافٍ عنه، والزُّهرِيُّ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيٍ، والحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ،
عَلى اختِلافٍ عنهم، وهو اختيارُ أبي جَعفَرِ الطَّحَاوِيِّ(١١) إلا أنَّ مَالِكًا كَانَ أَخَفَّهم
(١) معالم السنن (١٥٠/٢).
(٣)
شرح صحيح مسلم (٩٨/٨).
(٧) بنصه في جواهر ابن شاس (١/ ٢٧٣).
(٥)
الإشراف (١٨٥/٣).
(٩) إكمال المعلم (٤ /١٨٨، ١٨٩).
(١١) شرح معاني الآثار (١٣٣/٢).
(٢) التمهيد (٢٥٦/٢).
(٤) المغني (٧٧/٥).
(٦) في الأصل: ((طاهر)).
(٨) الهداية (١/ ١٣٧).
(١٠) الاستذكار (٢٨، ٢٩).

=
بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاُ لَه
٣٨٧
في ذلك قَولًا. ذَكَرَ ابنُ عَبدِ الحَكَم عنه قال: وتَركُ الطَّيبِ عِندَ الإحرَامِ أحَبُّ
إِلَيْنَا. انتَهَى.
قال والِدِي تَخْفُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): والذِي في ((الصَّحِيحِ)) (١) عن ابنٍ
عُمَرَ: أَنَّه قال: ((مَا أُحِبُّ أن أُصبِحَ مُحرِمًا أنضَ طِيبًا)). ولَيسَ فِي هَذَا التَّصرِيحُ
بِالمَنعِ منه. انتَهَى.
وتَأولَ هَؤُلاءِ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا عَلى أنَّه تَطَيَّبَ ثُمَّ (١٦/٥م) اغتَسَلَ
بَعدَه، فَذَهَبَ الطَّيبُ قَبَلَ الإِحرَامِ، قَالُوا: ويُؤَيِّدُ هَذَا قَولُها في الرِّوايَةِ الأُخرَى
في ((صَحِيحِ مسلم))(٢): ((طَيِّبتُ رسولَ اللهِ نَّهِ عِندَ إِحرَامِه، ثُمَّ طَافَ عَلى
نِسَائِه، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحرِمًا)). فَظَاهرُه أنَّه إِنَّمَا تَطَيَّبَ لِمُبَاشَرَةِ نِسَائِهِ، ثُمَّ زَالَ
بِالْغُسلِ بَعدَه، لا سِيَّمَا، وقد نُقِلَ أنَّه كَانَ يَتَطَهَّرُ من كُلِّ واحِدَةٍ قَبلَ الأُخرَى،
فَلا يَبقَى مَعَ ذلك طِيبٌ، ويَكُونُ قَولُها: ((ثُمَّ أصبَحَ يَنضَخُ طِيبًا))؛ أي: قَبلَ
غُسلِه، وقد ثَبَتَ في رِوايَةٍ لِمسلم: أنَّ ذلك الطَّيبَ كَانَ ذَرِيرَةً، وهيَ قَنَاةٌ(٣)
قَصَبِ طِيبٍ يُجَاءُ بِهِ من الهندِ، وهيَ مِمَّا يُذهبُهُ الغُسلُ، قَالُوا: وقَولُها: ((كَأَنِّي
أَنْظُرُ إلى وبيصِ الطَّيبِ في مُفَارِقِ رسولِ اللهِ وَّر وهو مُحرِمٌ)). المُرَادُ بِهِ أثَّرُه
لا جِرِمُه. هَذَا كَلامُ المَالِكِيَّةِ.
قال النَّوِيُّ(٤): ولا يُوافَقُ عَلَيه، بَل الصَّوابُ مَا قاله الجُمهورُ: إنَّ الطَّيبَ
مُستَحَبٌّ لِلإِحرَامِ لِقَولِها: ((طَيِّيتَه لِحَرَمِه))، وهَذَا ظَاهرٌ في أنَّ الطَّيبَ لِلإحرَامِ لَا
لِلنِّسَاءِ، ويُعَضِّدُهَ قَولُها: ((كأني أَنْظُرُ إلى وبيصِ الطّيبِ)). والتَّأْوِيلُ الذِي قَالُوه غَيرُ
مَقْبُولٍ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهَرَ بِلا دَلِيلٍ يَحمِلُنَا عَلَيهِ. انتَهَى.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥)، عَلى لِسَانِ الذَّاهبينَ إلى استِحِبَابِ الطَّيبِ لِلإِحرَامِ:
لا مَعنَى لِحَدِيثِ ابنِ المُنتَشِرِ؛ يعني: الذِي فيه: ثُمَّ طَافَ عَلى نِسَائِهِ، [لأنَّه لَيسَ
(١) مسلم (١١٩٢ / ٤٧).
(٣) في الأصل: ((فتات)).
(٥) التمهيد (٢٥٧/٢)، والاستذكار (٣١/٤).
(٢) السابق.
(٤) شرح صحيح مسلم (٩٨/٨).

=
٣٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مِمَّن يُعَارَضُ بِهِ هَؤُلاءِ الأَئِمَّةُ، لَو كَانَ مَا كَانَ فِي لَفِظِه حُجَّةٌ؛ لأنَّ قَولَه: ((طَافَ
عَلَى نِسَائِه))](١)، يَحتَمِلُ أن يَكُونَ طَوافُه لِغَيرِ جِمَاعِ لِيُعلَمَهِنَّ كَيفَ يُحرِمنَ وكَيفَ
يَعمَلنَ في حَجِّهنَّ أو لِغَيرِ ذلك، والدَّلِيلُ عَلى ذلك مَا رَواه مَنصُورٌ(٢)، عن
إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عَائِشَةَ، قالت: ((كَانَ يُرَى وبيصُ الطَّيبِ في مُفَارِقٍ
رسولِ الله ◌ِّ بَعدَ ثَلاثٍ وهو مُحرِمٌ)).
قَالُوا: والصَّحِيحُ في حَدِيثِ ابنِ المُنتَشِرِ، مَا رَواه شُعبَةُ عنه، عن أبيه،
عن عَائِشَةَ، فقال فيه: ((فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصبحُ مُحرِمًا يَنضَخُ طِيبًا))(٣).
قَالُوا: والنَّضخُ في كَلامِ العَرَبِ اللطخُ والظُّهورُ، ومنه قَولُه رَى: ﴿فِهِمَا عَيْنَانِ
[الرحمن: ٦٦].
٦٦
نَضَّاخَتَانِ
الثَّالِثَةُ: قَولُه في رِوايَتِنَا: ((قَبلَ أن يُحرِمَ))، هو بِمَعنَى قَولِه في رِوايَةٍ
البخاريِّ وغَيرِهِ: ((حِينَ يُحرِمُ))؛ لأنه لا يُمكِنُ أن يُرَادَ بِالإِحرَامِ هنَا فِعلُ الإِحرَامِ؛
فَإِنَّ التَّطَيُّبَ في الإحرَامِ مُمتَنِعٌ بِلَا شَكٍّ، وإنَّمَا المُرَادُ أرَادَ الإِحرَامَ، وقد دَلَّ عَلى
ذلك قَولُه في رِوايَةِ النسائيّ: ((حِينَ أرَادَ أن يُحرِمَ)).
الرَّابِعَةُ: حَقِيقَةُ قَولِها: ((كُنت أُطَيِّبُ [٢٢/٢و] رسولَ اللهِ،وَلَ)). تطييبُ
بَدَنَه، ولا (٧٧/٥م) يَتَنَاولُ ذلك تَطِيبَ ثِيَابِه، وقد دَلَّ عَلى اختِصَاصِ ذلك بِبَدَنِه
الرِّوايَةُ التي فيها: ((حَتَى أجِدَ وبيصَ الطَّيبَ في رَأْسِه ولِحَيَتِه)). وقد اتَّفَقَ أصحَابُنَا
الشَّافِعِيَّةُ عَلى أَنَّه لا يُستَحَبُّ تَطييبُ (٤) الثِّيَابِ عِندَ إِرَادَةِ الإحرَامِ، وشَذَّ المُتَولِّي؛
فَحَكَى قَولًا بِاستِحِبَابِهِ، [وصَحَّحَه في ((المُحَرَّرِ))، و((المنهاجِ))](٥)، وفي جَوازِهِ
(١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٢) كذا في النسخ، والاستذكار، وليست في: التمهيد. ولعله الصواب، فقد أخرجه أحمد
(١٧٣/٦)، والبخاري (٢٧١، ١٥٣٨)، ومسلم (٣٩/١١٩٠)، والنسائي (٢٦٩٣،
٢٦٩٤، ٢٦٩٥)، من طريق منصور، ولم يذكر فيه لفظة: ((ثلاث))، وروى هذه اللفظة
ابن أبي شيبة (٦٠٠/٣)، والنسائي (٢٧٠١، ٢٧٠٢)، من طريق عطاء بن السائب وأبي
إسحاق، عن إبراهيم به .
(٣) النسائي (٢٧٠٣).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٤) في (م): ((تطيب)).

٣٨٩٠
بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاُ لَه
خلافٌ عِندَهم، والأصَحُّ(١) الجَوازُ، وإذَا (٢) قُلنَا بِجَوازِهِ فَنَزَعَه ثُمَّ لَبِسَه، فَفي
وُجُوبِ الفِديَةِ وجهانٍ، صَحَّحَ الْبَغَوِيُّ وغَيْرُه الوُجُوبَ(٣) .
■ الخَامِسَةُ: استُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ ((كَانَ)) لا تَقْتَضِي التَّكرَارَ؛ لأن عَائِشَةَ رِعَّا
لَم تَكُن مَعَه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ في إحرَامِه إلا مَرَّةً واحِدَةً، وهيَ حَجَّةُ الودَاعِ،
ذَكَرَه النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (٤) في غَيرِ هَذَا المَوضِع. وفيه نَظَرٌ؛ لأن المُدَّعَى
تَكرَارُه إنَّمَا هو التَّطييبُ لا الَّإِحرَامُ، ويُمكِنُ تَكرِيرُ التَّطييبِ(٥) لأجلِ الإِحرَامِ مَعَ
كون (٦) الإحرَامِ مَرَّةً واحِدَةً، وقد صَحَّحَ صَاحِبُ ((المَحصُولِ))(٧): أنَّها لا تَقْتَضِي
الشَّكَرَارَ عُرفًا، ولا لُغَةً. وقال النَّووِيُّ: إنَّه المُختَارُ الذِي عَلَيه الأكثَرُونَ
والمُحَقِّقُونَ من الأُصُولِيِّينَ، وصَخَّحَ ابنُ الحَاجِبِ أنَّها تَقتَضِيه. قال: ولِهَذَا
استَفَدَنَاه من قَولِهم: كَانَ حَاتِمٌ يَقرِي الصَّيفَ. وذَكَرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ
العُمدَةِ» (٨): أنَّها تَدُلُّ عَلَيه ◌ُرِفًا لا لُغَةً. واللهُ أعلمُ.
السَّادِسَةُ: فيه دَلِيلٌ عَلى إِبَاحَةِ الثَّطييبٍ(٩) بَعدَ رَمي جَمْرَةِ العَقَبَةِ،
والحَلقِ، وقَبلَ طَوافِ الإِفَاضَةِ، وهو المُرَادُ بِالطَّوافِ هِنَا، وإنَّمَّا قُلْنَا بَعدَ رَمي
جَمِرَةِ العَقَبَةِ والحَلقِ؛ لأنه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ رَتَّبَ هَذِهِ الأفعَالَ يَومَ النَّحرِ
هَكَذَا: فَرَمَى، ثُمَّ حَلَقَ، ثُمَّ طَافَ، فَلَولا أنَّ التَّطَيُّبَ كَانَ بَعدَ الرَّمي والحَلقِ لَمَا
اقتَصَرَت عَلى الطّوافِ في قَولِها: ((قَبلَ أن يَطُوفَ بِالبَيتِ)).
قال النَّوِيُّ في ((شَرح مسلم)) (١٠): وهَذَا مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ والعُلَمَاءِ كَافَّةً، إلا
مَالِكًا، فَكَرِهَه قَبلَ طَوافِ الإِفَاضَّةِ، وهو مَحجُوجٌ بِهَذَا الحَدِيثِ، وكَذَا حَكَاه
القَاضِي عِيَاضٌ(١١) عن عَامَّةِ العُلَمَاءِ، وقال التِّرمِذِيُّ(١٢) في ((جَامِعِه))(١٣): رُوِيَ
(١) في الأصل: ((فالأصح)).
(٣) ينظر: المجموع (٢٢٨/٧ - ٢٢٩).
(٤)
شرح صحيح مسلم (٢١/٦)، (٦٩/٩).
(٥) في (م): ((التطيب)).
(٧) المحصول (٣٩٣/٢ - ٣٩٥).
(٨) إحكام الأحكام (ص١٣٤ - ١٣٥).
(١٠) شرح صحيح مسلم (٩٩/٨).
(١٢) في الأصل: ((النووي)).
(٢) في (م): ((فإذا)).
(٦) ليس في: (م).
(٩) في (م): ((التطيب)).
(١١) إكمال المعلم (٤/ ١٩٣).
(١٣) جامع الترمذي، عقب الحديث (٩١٧).

=
٣٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ أنَّه قال: ((حَلَّ لَه كُلُّ شَيءٍ إلا النِّسَاءَ والطّيبَ)). وقد ذَهَبَ
بَعضُ أهلِ العِلمِ إلى هَذَا من أصحَابِ النَّبِّ وَّهِ وَغَيرِهم، وهو قَولُ أهلِ الكُوفَةِ.
انتَهَى. وهَذَا الَّذِي حَكَاه عن أهلِ الكُوفَةِ لَيسَ بِمَعْرُوفٍ عنهم، وفي كُتُبِ الحَنَفيةِ
كَ (الهدَايَةِ)» وغَيرِها (١) (٧٨/٥م) الجَزمُ بِحِلِّ الطَّيبِ قَبلَ الطَّوافِ، ثُمَّ إِنَّ مَالِكًا، مَعَ
فَولِه بِاستِمرَارِ تَحرِيمِ الطِّيبِ، يَقُولُ: إنَّه لا فِدَةَ عَلَيه لَو تَطَيَّبَ، بِخِلافٍ
الصَّيدِ(٢)، فَإِنَّه مَمنُوعٌ منه(٣) عِندَه قَبلَ الطَّوافِ؛ كالطِّيبِ عِندَه، ومَعَ ذلك فَيَقُولُ
بِلُزُومِ الفِدِيَةِ لَو اصطَادَ، وهو مُحتَاجٌ إلى الفَرقِ بَيْنَهمَا، وحُكِيَ عن بَعضِ أهلِ
الكُوفَةِ القَولُ بِتَحْرِيمِ الطَّبِ قَبلَ الطَّوافِ، وبِلُزُومِ الفِدِيَةِ لَو تَطَيَّبَ، وهو القِيَاسُ،
أعنِي: لُزُومَ الفِديَةِ عَلى القَولِ بِالنَّحرِيمِ، وبِالفِدِيَةِ يَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ، تَفْرِيعًا عَلى قَولٍ
شَاذِّ حَكَاهِ بَعضُهم: أنَّ الطَّيبَ يَستَمِرُّ تَحرِيمُه إلى أن يَطُوفَ، وأنكَرَ جَمَاعَةٌ منهم
هَذَا القَولَ، وقَطَعُوا بِجَوازِهِ. واللهُ أعلمُ.
■ السَّابِعَةُ: هَذَا الذِي ذَكَرِنَاه من تَوقُّفِ حِلِّ الطَّبِ قَبلَ الظّوافِ عَلى
الرَّمي والحَلقِ مَبنِيٌّ عَلى أنَّ الحَلقَ نُسُكٌ، وهو أشهَرُ قَولَي الشَّافِعِيِّ وأصَخُّهمَا،
فَإِن فَرَّعنَا عَلى قَولِه الآخَرِ: إنه لَيسَ بِنُسُكِ، حَلَّ الطَّيبُ بِمُجَرَّدِ الرَّمي، وإن لَم
يَحلِق، وجُمهورُ العُلَمَاءِ عَلى أنَّ الحَلقَ نُسُكُ، وبِه قال مَالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ،
وأحمَدُ. قال النَّووِيُّ في (شَرحِ المُهَذَّبِ)) (٤): وظَاهرُ كَلامِ ابنِ المُنذِرِ والأصحَابِ
أنَّه لَم يَقُل بِأَنَّه لَيسَ بِنُسُكِ غَيرُ الشَّافِعِيِّ في أحَدٍ قَولَيهِ، ولَكِن حَكَاه القَاضِي
عِيَاضٌ(٥) عن عَطَاءٍ، وأبي ثَورٍ، وأبي يُوسُفَ أيضًا. انتَهَى. وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ
مَذْكُورَةٌ في مُختَصَرَاتِ [٢٢/٢ظ] كُتُبِ الحَنَابِلَةِ(٦).
الثَّامنةُ: استُدِلَّ بِقَولِها: ((لِحِلِّه قَبلَ أن يَطُوفَ)). عَلى أَنَّه حَصَلَ لَه
تَحَلُّلٌ قَبلَ الطَّوافِ، قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (٧): وهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيه. ويُوافِقُه
(١) الهداية (١٤٨/١)، والمبسوط (٢٠/٤)، وبدائع الصنائع (١٤٢/٢).
(٢)
ليس في: الأصل.
(٣) ليس في: الأصل.
(٤)
المجموع (١٩١/٨).
(٥) إكمال المعلم (٣٨٦/٤).
(٦) ينظر: المحرر (٢٤٥/١).
(٧) شرح صحيح مسلم (٩٩/٨).

=
بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٩١
كَلامُه في ((شَرح المُهَذَّبِ))(١)؛ فَإِنَّه أورَدَ فيه من ((سُنَنِ أبي دَاوُه))(٢) حَدِيثَ أُمِّ
سَلَمَةَ مَرِفُوعًا: ((فَإِذَا أمسَيْتُمْ قَبَلَ أن تَطُوفُوا هَذَا البَيتَ، صِرتُمْ خُرُمًا كَهَيئَتِكُمْ قَبَلَ
أن تَرمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِه)). وقال: إنَّه حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ثُمَّ حَكَى عن
البَيْهَقِيّ(٣) أنَّه قال: لا أعلَمُ أحَدًا من الفُقَهاءِ قال بِهِ. ثُمَّ قال النَّووِيُّ: فَيَكُونُ
الحَدِيثُ مَنسُوخًا، دَلَّ الإجمَاعُ عَلى نَسخِه، فَإِنَّ الإجمَاعَ لا يَنسَخُ ولا يُنسَخُ،
لَكِن يَدُُّ عَلى نَاسِخِ.
قُلتُ: وكَذَا قال البَيهَقِيُّ في ((الخِلافياتِ)): يُشبِه إن كَانَ قد حَفِظَه ابنُ
يَسَارِ(٤) صَارَ مَنسُوخًا، ويُستَدَلُّ بِالإجمَاعِ في جَوازٍ لُبسِ المَخِيطِ بَعدَ التَّحَلُّلِ
الأولِ عَلى نَسخِه. انتَهَى. لَكِنَّ الخِلافَ في ذلك مَوجُودٌ. قال ابنُ المُنذِرِ في
((الإشرَافِ))(٥)، لَمَّا حَكَى الخِلافَ فيمَا أُبِيحَ لِلحَاجِّ بَعدَ الرَّمي، وقَبلَ الطّوافِ:
وفيه قَولٌ خَامِسٌ، وهو: أنَّ المُحرِمَ (١٩/٥م) إذَا رَمَى الجَمْرَةَ يَكُونُ فِي ثَوبَيْه حَتَّى
يَطُوفَ بِالبَيتِ، كَذلك قال أبُو قِلابَةَ. وقال عُروةُ بنُ الزُّبَير: مَن أخَّرَ الطَّوافَ
بِالبَيتِ يَومَ النَّحرِ إلى يَومِ النَّفْرِ فَإِنَّه لا يَلْبَسُ القَمِيصَ، ولا العِمَامَةَ، ولا يَتَطَيِّبُ.
وقد اختُلِفَ فيه عن الحَسَنِ البَصرِيِّ، وعَطَاءٍ، والثَّورِيِّ. انتَهَى.
وإِذَا قُلنَا بِقَولِ الجُمهورِ، فَاختَلَفَ العُلَمَاءُ في كيفيةِ ذلك التَّحَلُّلِ: فقال ابنُ
حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(٦): حَلَّ من كُلِّ وجهٍ، ولَيْسَ لِلحَجِّ إلا تَحَلُّلٌ واحِدٌ، فَيُبَاحُ لَه سَائِرُ
المُحَرَّمَاتُ عَلى المُحرِمِ إلا الجِمَاعَ، فَإِنَّه مُستَمِرُّ التَّحرِيمِ إلى أن يَطُوفَ طُوافَ
الإفَاضَةِ، ولَيسَ ذلك لأَنَّه بَقِيَ عَلَيه شَيءٌ من إحرَامِهِ، بَلَ انقَضَى إحرَامُه كُلُّه،
ولَكِنَّ الجِمَاعَ مُحَرَّمٌ عَلى مَن هو في الحَجِّ، وإن لَم يَكُن مُحرِمًا، ومَا دَامَ يَبقَى
من فَرَائِضِ الحَجِّ شَيءٌ فَهو يُعَدُّ (٧) في الحَجِّ، وإن لَم يَكُن مُحرِمًا. وسَبَقَه إلى
ذلك الشَّيخُ أبُو حَامِدٍ شَيخُ العِرَاقِينَ من الشَّافِعِيَّةِ، فقال: لَيسَ لِلحَجِّ إلا تَحَلُّلٌ
(١) المجموع (٢٠٥/٨، ٢٠٦).
(٣) السنن (١٣٦/٥).
الإشراف (٣٦١/٣).
(٥)
(٧) في الأصل: (بعد)).
(٢) أبو داود (١٩٩٩).
(٤) يعني: محمد بن إسحاق.
(٦) المحلى (١٣٩/٧).

=
٤٣٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
واحِدٌ، فَإِذَا رَمَى جَمَرَةَ العَقَبَةِ زَالَ إحرَامُه، وبَقِيَ حُكُمُه حَتَّى يَحِلِقَ ويَطُوفَ، كَمَا
أنَّ الحَائِضَ إذَا انقَطَعَ دَمُها زَالَ الحَيضُ وبَقِيَ حُكمُه، وهو تَحرِيمُ وطِئَها حَتَّى
تَغْتَسِلَ. حَكَاه عنه صَاحِبُه القَاضِي أَبُو الطَيِّبِ، وقال(١): هَذَا غَلَطُ؛ لأن الطَّوافَ
أحَدُ أركَانِ الحَجِّ، فَكَيفَ يَزُولُ الإحرَامُ وبَعضُ الأركَانِ بَاقٍ؟ وهَذَانِ القَائِلانِ،
وإن اتَّفَقًّا عَلى تَحَلُّلٍ واحِدٍ، فَقد اختَلَفَا في ذلك التَّحَلَّلِ، فقال الشَّيخُ أبو حَامِدٍ :
هو بِمَا سَنَحْكِيه بَعدَ هَذَا عن الشَّافِعِيَّةِ. وقال ابنُ حَزم: هو دُخُولُ وقتِ الرَّمي
بِطُلُوعِ الشَّمسِ يَومَ النَّحر، فَإِذَا دَخَلَ وقتُ الرَّمي حَلَّ الْمُحْرِمُ، سَواءٌ رَمَّى أو لَم
يَرم؛ لأنه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، صَحَّ عنه جَوازُ تَقْدِيمِ الطّوافِ والذَّبحِ والرَّمي
والحَلقِ، بَعضُها عَلى بَعضٍ، فَإِذَا دَخَلَ وقتُها بَطَلَ الإحرَامُ، وإن لَم يَفعَل شَيئًا
منها. وسَبَقَه إلى ذلك أبو سَعِيدٍ الإصطَخرِيُّ من أئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، فقال: إذَا دَخَلَ
وقتُ الرَّمي حَصَلَ الثَّحَلُّلُ الأولُ، وإن لَم يَرم. وحَكَى صَاحِبُ ((التَّقْرِيبِ)) (٢)
وجهًا شَادًّا: أنَّا إذَا لَم نَجعَل الحَلقَ نُسُكًا حَصَلَ لَه الثَّحَلُّلُ الأولُ بِمُجَرَّدٍ طُلُوع
الفَجرِ يَومَ النَّحرِ، وقَائِلا هَذَينِ القَولَينِ(٣) لا يُوافِقَانِ(٤) ابنَ حَزْمٍ عَلى أَنَّ لِلحَجِّ
(٨٠/٥م) تَحَلُّلاً واحِدًا، فَمَقالتُه مُرَكَّبَةٌ من أمرَينٍ، قال بِكُلِّ منهمَا بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ،
ولا نَعلَمُ لَه سَلَفًا في مَجُمُوعِ مَقالتِه. واللهُ أعلمُ.
وقال جُمهورُ الفُقَهاءِ من أصحَابِ المَذَاهبِ الأربَعَةِ: لِلحَجِّ تَحَلُّلانٍ، ثُمَّ
اختَلَفُوا في أمرَينِ :
أحَدُهَمَا: فيمَا يَحصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ الأولُ، فقال الشَّافِعِيَّةُ: إن قُلْنَا: إنَّ الحَلقَ
نُسُكٌ، وهو الصَّحِيحُ المَشهورُ، حَصَلَ التَّحَلَّلُ الأولُ بِفِعلِ أمرَينِ من ثَلاثَةِ أُمُورٍ،
(١) ينظر: المجموع (٢٠٦/٨).
(٢) في فروع الشافعيه، وهو لأبي بكر القاسم بن محمد بن علي القفال الشاشي على
الراجح، وهو ابن القفال الكبير. وقيل: التقريب من تصنيف والده. ينظر: طبقات
الشافعية لابن السبكي (٤٧٢/٣ - ٤٧٧).
(٣) قال في حاشية (م): ((في نسخة: الوجهين)).
(٤) في الأصل: (يوافق)).

=
بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلَى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٩٣
وهيَ: رَميُ جَمَرَةِ العَقَبَةِ، والحَلقُ، وطَوافُ الإِفَاضَةِ مَعَ سَعِهِ، إن لَم يَكُنْ سَعَى
عَقِبَ طَوافِ القُدُومِ، فَإِذَا فَعَلَ اثنَيْنِ منها، أيَّ اثْنَينِ كَانَا، حَصَلَ النَّحَلُّلُ الأولُ،
وإن قُلنَا: إنَّ الحَلقَ لَيسَ نُسُكًا، حَصَلَ الثَّحَلُّلُ الأولُ بِواحِدٍ من الرَّمي [٢٣/٢و]
والطّوافِ، فَأَيُّهمَا فَعَلَه أولًا حَلَّ الثَّحَلُّلُ الأولُ.
وعِندَ أصحَابِنَا: يَجُوزُ تَقدِيمُ بَعضِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى بَعضٍ، وتَرتيبُها بِتَقدِیم
الرَّميِ، ثُمَّ الحَلقِ، ثُمَّ الطّوافِ، مُستَحَبٌّ فَقَطْ. قَالُوا: ولَو لَم يَرمِ جَمْرَةَ العَقَبَةِ
حَتَّى خَرَجَت أيَّامُ التَّشرِيقِ، فَاتَ الرَّميُّ، ولَزِمَه دَمٌ، ويَصِيرُ كَأَنَّهَ رَمَى بِالنِّسَبَةِ
لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِهِ، والأصَحُّ عِندَ الرَّافِعِيِّ والنَّووِيِّ(١): أنَّه يَتَوقَّفُ تَحَلُّلُهُ عَلى
الإتِيَانِ بِبَدَلِهِ، لَكِن نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلى خِلافِه. وحَكَى الرَّافِعِيُّ وجهًا شَاذًّا: أنَّه
يَحصُلُ الَّحَلُّلُ الأولُ بِالرَّمي وحدَه، أو الطّوافِ وحدَه، ولَو قُلنَا: الحَلقُ نُسُكٌ.
وقال الحَنَابِلَةُ(٢): يَحصُلُ الشَّحَلُّلُ الأولُ بِالرَّمىِ والحَلقِ.
وقال المَالِكِيَّةُ(٣): لِلحَجِّ تَحَلُّلانٍ، يَحصُلُ أحَدُهمَا بِرَمي جَمَرَةِ العَقَبَةِ،
والآخَرُ بِطَوافِ الإِفَاضَةِ، ولَو قدمَ طُوافَ الإِفَاضَةِ عَلى جَمْرَةِ العَقَبَةِ. قال مَالِكٌ،
وابنُ القَاسِمِ: يُجزِئُه وعَلَيه هَديٌ. وعن مَالِكٍ أيضًا: لا يُجزِئُه، وهو كَمَن لَم
يُفِض. وقال أصبَغُ: أحَبُّ إِلَيَّ أن يُعِيدَ(٤) الإفَاضَةَ، وهو في يَومِ النَّحرِ آكَدُ.
وقال الحَنَفيةُ(٥): إنَّ التَّحَلُّلَ الأولَ بِالحَلقِ خَاصَّةً دُونَ الرَّمي والطّوافِ،
فَلَيسَا من أسبَابِ التَّحَلُّلِ. وفَرَّقُوا بِأَنَّ التَّحَلُّلَ (٦) هو الجِنَايَةُ فِي غَيرِ أوانِها، وذلك
مُخْتَصِّ بِالحَلقِ، وأمَّا ذَبحُ الهَديِ فَلَيسَ مِمَّا يَتَوقَّفُ عَلَيهِ التَّحَلُّلُ. إلا أنَّ الحَنَفيةَ
والحَنَابِلَةَ قَالُوا: إنَّ المُتَمَتِّعَ إذَا كَانَ مَعَه هَديٌ لا يَحِلُّ من عُمرَتِهِ حَتَّى يَنحَرَ هَديَه
يَومَ النَّحرِ، وقد قدمت بَيَانَ ذلك، ومُخَالَفَةَ الجُمهورِ لَهم.
(١) الشرح الكبير (٣٨٣/٧)، والمجموع (٢٠٨/٨).
(٢) ينظر: المغني (٣٧٥/٥)، والكافي (٢٥٣/١).
(٣)
ينظر: التلقين (٨٨/١)، والذخيرة (٢٦٩/٣).
(٤)
في الأصل: ((يفيض)).
(٦) في الأصل: (المحلل)).
(٥) ينظر: الهداية (١٤٨/١).

٠٣٩٤
كم
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال التِّرمِذِيُّ في ((جَامِعِه))، في الكَلامِ عَلى هَذَا الحَدِيثِ(١): والعَمَلُ عَلى
هَذَا عِندَ أكثَرِ أهلِ العِلمِ من أصحَابِ النَّبِيِ وَلَّهَ وَغَيرِهم، يَرَونَ أنَّ المُحرِمَ إذَا
رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يَومَ النَّحرِ وذَبَحَ وحَلَقَ أو قَصَّرَ، فَقد حَلَّ لَه كُلُّ شَيءٍ حُرِّمَ
عَلَيه، إلا النِّسَاءَ، وهو قَولُ الشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وإسحَاقَ.
قال والِدِي تَخْفُ في ((شَرح التِّرمِذِيِّ)): فيه نَظَرٌ، من حَيثُ إنَّ المَذكُورِينَ
لا يَتَوقَّفُ عِندَهم التَّحَلُّلُ الأولُ عَلى الذَّبح. ثُمَّ حَكَى مَقالةً أبي حَنِيفَةً، وأحمَدَ
في المُتَمَتِّعِ الذِي سَاقَ الهَديَ، وقد تَقْدمَت. انتهى.
وقال شَيخُنَا الإمَام جَمَالُ الدِّينِ الإسنَوِيُّ تَخْتُهُ في ((المُهمَّاتِ)): اتَّفَقَ
الأصحَابُ عَلى أنَّه لا مَدخَلَ لِلذَّبح في الثَّحَلُّلِ .
قُلتُ: يُشكِّلُ عَلى ذلك مَا أجَابَ بِه أصحَابُنَا من حَدِيثٍ عَائِشَةَ في
((الصَّحِيحِ))(٢): ((مَن أحرَمَ بِعُمرَةٍ وأهدَى فَلا يَحِلُّ حَتَّى يَنحَرَ هَدَه)). فَقَالُوا: تَقَدِيرُه:
ومَن أحرَمَ بِعُمَرَةٍ وأهدَى فَلِيُهلِل بِالحَجِّ، ولا يَحِلُّ حَتَّى يَنحَرَ هَديَه. وقد قدمته في
البَابِ قَبلَه، في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ حَفْصَةً، ومِمَّن ذَكَرَه النَّووِيُّ(٣)، وقال: ولا بُدَّ
من هَذَا التَّأْوِيلِ. انتَهَى. ومُقْتَضَاه أنَّ الحَاجَّ لا يَحِلُّ حَتَّى يَنحَرَ هَديَه .
وفي ((سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ))، و((البَيهَقِيّ))(٤) من حَدِيثِ عَائِشَةَ، قالت: قال
رسولُ الله ◌َّهُ: ((إذَا رَمَيْتُم وحَلَقْتُم وذَبَحتُمْ فَقد حَلَّ لَكُم كُلُّ شَيءٍ إلا النِّسَاءَ)).
لَكِنَّه حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، مَدَارُه عَلى الحَجَّاجِ بنِ أرطَاةَ، وهو ضَعِيفٌ، ومَعَ ذلك
فَاضطَرَبَ في إسنَادِه ولَفِظِه، ورَواه أبُو دَاوُد(٥) بِلَفِظِ: ((إِذَا رَمَى أحَدُكُم جَمْرَةَ
العَقَبَةِ فَقد حَلَّ لَه كُلُّ شَيءٍ إلا النِّسَاءَ)). ومُقتَضَى كَلامِ النَّووِيِّ في ((شَرِحِ
المُهَذَّبِ))(٦) أنَّ في رِوايَةِ أبي دَاوُد: ذِكرَ الحَلقِ أيضًا. ولَيسَ كَذلك.
(١) سبق.
البخاري (٣١٩)، ومسلم (١٢١١/ ١١٢).
(٢)
(٣)
شرح صحيح مسلم (١٤٢/٨).
سنن الدارقطني (٢٧٦/٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٣٦/٥).
(٤)
(٥) أبو داود (١٩٧٨).
(٦) المجموع (٢٠٣/٨).

=
بَابُ مَا يَحِرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاُ لَه
٣٩٥
الأمرُ الثَّانِي فيمَا يَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الأولِ: وقد اتَّفَقَ هَؤُلاءِ عَلى أنَّه يَحِلُّ بِهِ مَا
عَدَا الجِمَاعَ، ومُقدمَاتِهِ، وعَقدَ النِّكَاحِ، والصَّيدَ، والطِّيبَ، وأجمَعُوا عَلى أنَّه
لا يَحِلُّ الجِمَاعُ، واختَلَفُوا في بَقِيَّةِ هَذِهِ الأُمُور، فقال الشَّافِعِيَّةُ: يَحِلُّ الصَّيدُ
والطِّيبُ، واختَلَفُوا في عَقدِ النِّكَاحِ، والمُبَاشَرَةِ فيمَا دُونَ الفَرجِ، وفيه قَولانِ
لِلشَّافِعِيِّ، أصَخُّهمَا: التَّحرِيمُ. كَذَا صَحَّحَه النَّووِيُّ(١) ونَقَلَه عن الأكثَرِينَ، وَذَكَرَ
الرَّافِعِيُّ (٢) أنَّ القَائِلِينَ بِهِ أكثَرُ عَدَدًا، وقَولُهم أوفَقُ لِظَاهِرِ النَّصِّ، في ((المُختَصَرِ))،
لَكِنَّه صَحَّحَ في ((الشَّرحِ الصَّغِيرِ)) [٢٣/٢ظ] الحِلَّ، واقتَضَى كَلامُه في ((المُحَرَّرِ))
التَّفْصِيلَ بَينَ المَسألَتَيْنِ، فَصَرَّحَ بِبَاحَةٍ عَقدِ النِّكَاحِ بِالأولِ، وجَعَلَ المُبَاشَرَةَ دَاخِلَةً
فيمَا يَحِلُّ بِالثَّانِي. وكَلَامُ الحَنَابِلَةِ مُوافِقٌ لِلْمُرَجَّحِ عِندَنَا، وعِبَارَةُ الشَّيخ
مَجدِ الدِّينِ بنِ تَيمِيَّةَ في ((المُحَرَّرِ))(٣): ثُمَّ قد حَلَّ من كُلِّ شَيءٍ إلا النِّسَاءَ، وعنه
يَحِلُّ إلا من الوطءِ في الفَرجِ. وكَذَا مَذْهَبُ الحَنَفيةِ، قال صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٤):
وقد حَلَّ لَه كُلُّ شَيءٍ إلا النِّسَاءَ. ثُمَّ قال: ولا يَحِلُّ الجِمَاعُ فيمَا دُونَ الفَرجِ عِندَنَا،
خِلافًا لِلشَّافِعِيِّ. فَنَصَبَ الخِلافَ مَعَه عَلى أحَدٍ قَولَيه، وأمَّا عَقدُ النِّكَاحِ فَهو جَائِزٌ
عِندَهم في الإحرَامِ، وقَال المَالِكِيَّةُ: يَستَمِرُّ تَحْرِيمُ النِّسَاءِ، والصَّيدِ، والطِّيبِ، إلا
أنَّهم أوجَبُوا في الصَّيدِ الجَزَاءَ، ولَم يُوجِبُوا في الطِّيبِ الفِديَةَ، كَمَا تَقْدمَ.
قال ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ(٥): وهَذَا عَجَبٌ! فَإن احتَجُوا بِالأثَرِ الوارِدِ في
تَطِيبٍ(٦) النَّبِي ◌ََّ قَبَلَ أن يَطُوفَ بِالبَيتِ. قُلنَا: لا يَخْلُو هَذَا الأَثَرُ من أن يَكُونَ
صَحِيحًا، فَفَرْضٌ عَلَيْكُم ألا تُخَالِفُوه، وقد خَالَفْتُمُوه، أو غَيرُ صَحِيحٍ، فَلا
تُرَاعُوه، وأوجِبُوا الفِديَةَ عَلى مَن تَطَيَّبَ كَمَا أوجَبتُمُوها عَلى مَن تَصَيَّدَ.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): رَاعَى مَالِكٌ الاختِلافَ في هَذِهِ المَسألَةِ، فَلَم يَرَ الفِدِيَةَ
(١) المجموع (٢٠٥/٨).
(٢) الشرح الكبير (٣٨٥/٧).
المحرر (٢٤٧/١، ٢٤٨).
(٣)
(٤)
الهداية (١٤٨/١).
(٥) المحلى (١٤٠/٧).
(٦)
في الأصل: («تطيب)»، وفي مصدر التخريج: ((طيب)).
(٧) الاستذكار (٢٥/٤).

=
٣٩٦ كم
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عَلى مَن تَطَيَّبَ بَعدَ رَمي جَمَرَةِ العَقَبَةِ وَقَبلَ الإفَاضَةِ. وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(١):
اعتَذَرَ بَعضُ أصحَابِنَا عِن هَذَا الحَدِيثِ بِادِّعَاءِ خُصُوصِيَّةِ النَّبِيِ وَّ بِذلك.
قُلَنَا: الأصلُ التَّشرِيعُ وعَدَمُ التَّخصِيصِ، والقَولُ بِالتَّخصِيصِ يَحتَاجُ إلى
دَلِيلٍ، ولَيسَ ثَمَّ دَلِيلٌ عَلى ذلك، فَإِن قَالُوا: الطّيبُ من مُقدمَاتِ الجِمَاعِ والدَّواعِي
إِلَيه، والنَّبِي وَلّهِ يَملِكُ إربَه، بِخِلافٍ غَيرِهِ، كَمَا قالت عَائِشَةُ فِي حَقِّه ◌ِوَّ في
القُبَلَةِ لِلصَّائِمِ: ((وأيُّكُم يَملِكُ إربَه، كَمَا كَانَ رسولُ اللهِ وَهِ يَمِلِكُ إربَه))(٢).
وقال ابنُ المُنذِرِ: اختَلَفَ أهلُ العِلم فيمَا أُبِيحَ لِلحَاجِّ بَعدَ رَميٍ جَمْرَةِ
العَقَبَةِ، قَبلَ الطّوافِ بِالبَيتِ. فقال عَبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ، وعَائِشَةُ، وعَلقَمَةُ، وسَالِمُ بنُ
عَبدِ الله، وطَاؤُسٌ، والنَّخَعِيُّ، وعَبدُ الله بنُ حَسَنٍ، وخَارِجَةُ بنُ زَيدٍ، والشَّافِعِيُّ،
وأحمَدُ، وإسحَاقُ، وأَبُو ثَورٍ، وأصحابُ الرَّأيِ: يَحِلُّ لَه كُلُّ شَيءٍ، إلا النِّسَاءَ.
ورُوِّينَا ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُ عُمَرَ: يَحِلُّ كُلُّ شَيءٍ،
إلا النِّسَاءَ والطَّيبَ. وقال مَالِكٌ: لَه كُلُّ شَيءٍ، إلا النِّسَاءَ والطَّيبَ والصَّيدَ. وقد
اختُلِفَ فيه عن إسحاقَ، فَذَكَرَ إسحَاقُ بنُ مَنصُورٍ عنه مَا ذَكَرِنَاه، وذَكَرَ أَبُو دَاوُد
الخَفَّافُ عنه أَنَّه قال: يَحِلُّ لَه كُلُّ شَيءٍ، إلا النِّسَاءَ والصَّيدَ. ثُمَّ قال: وفيه قَولٌ
خَامِسٌ: فَذَكَرَ كَلامَه الَّذِي قدمته في صَدرِ هَذِهِ الفَائِدَةِ.
(٨٣/٥م) التَّاسِعَةُ: فيه استِحبَابُ الطَّيبِ بَعدَ التَّحَلُّلِ الأولِ قَبلَ
الطَّوافِ، لِمَا دَلَّ عَلَيه لَفظُ: ((كَانَ)) من تَكرِيرِ ذلك، وقد نَصَّ عَلَيه الشَّافِعِيُّ،
وتَابَعَه أصحَابُه، وفيه استِحبَابُ الطَّيبِ مُطلَقًا؛ لأنه إذَا فَعَلَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، التي
من شأنِها الشُّعثُ، فَغَيرُها أولى.
العَاشِرَةُ: وفيه طَهارَةُ المِسكِ، وهو مُجمَعٌ عَلَيه، إلا في قَولٍ شَاةِ
لا يُعتَدُّ بِه.
(١) المفهم (٢٧٥/٣).
(٢) البخاري (٣٠٢)، ومسلم (٢/٢٩٣)، وأبو داود (٢٧٣)، وابن ماجه (٦٣٥).

بَابُّ دُخُولٍ مَكَّةَ بِغَيرِ إحرَامٍ
٣٩٧
بَابُ دُخُولِ مَڪَّةَ بِغَيْرِ إِحرَامِ
عن أنَسِ بنِ مَالِكِ: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ دَخَلَ مَّةَ عَامَ الفَتحِ وعَلى
رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَه جَاءَه رَجُلٌ، فقال: يا رسولَ الله، ابنُ خَطَلٍ
مُتَعَلِّقٌ بِأستَارِ الكَعبَةِ. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((اقتُلُوه)). قال ابنُ شِهابٍ:
ولَم يَكُن رسولُ اللهِ وَلَّ مُحرِمًا.
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرَجَه الأئِمَّةُ السِّئَّةُ (١) من طَرِيقِ جَمَاعَةٍ عن مَالِكِ، وقال
التِّرمِذِيُّ: لا نَعرِفُ (٢ كثيرَ [٢٤/٢و] أحد٢ٍ) رَواه غَيرُ مَالِكِ، عن الزُّهرِيِّ.
وقال ابنُ عَبدِ البَر(٣): لا يَثبُتُ عِندَ أهلِ العِلمِ بِالنَّقلِ في هَذَا الحَدِيثِ
إسنَادٌ غَيرُ حَدِيثِ مَالِكِ، وقد رَواه عن مَالِكِ، واحتَاجَ إلَيه فيه جَمَاعَةٌ من الأئِمَّةِ
يَطُولُ ذِكرُهم، ومن أجلِّ مَا رَواه عنه ابنُ جُرَيجٍ. انتَهَى.
وقال والِدِي رَّتُهُ: ورَدَ من عِدَّةِ طُرُقٍ غَيرِ (٢٨٤/٥) طَرِيقِ مَالِكٍ، من رِوايَةٍ
ابنِ أخِي الزُّهرِيِّ، وأبي أويسٍ عَبدِ الله بنِ عَبدِ الله بنِ (٤أبي عَامِر٤ٍ)، ومَعمَرٍ ،
والأوزَاعِيِّ، كُلِّهم عن الزُّهرِيِّ؛ فَرِوايَةُ ابنِ أخِي الزُّهرِيِّ، رَواها أَبُو بَكرِ البَزَّارُ
(١) البخاري (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧)، وأبو داود (٢٦٨٥)، والترمذي (١٦٩٣)، والنسائي
(٢٨٦٨)، وابن ماجه (٢٨٠٥).
(٢ - ٢) في الأصل و(ك): ((كبير أحد))، وفي (م): ((كبيرًا قد)).
(٣) التمهيد (١٩٥/٦ - ١٦٠).
(٤ - ٤) في النسخ: ((ابن عامر)). وهو تصحيف، وينظر: تهذيب الكمال (١٦٦/١٥).

=
٣٩٨ ٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
في ((مُسنَدِه))(١)، ورِوايَةُ أبي أُويسٍ رَواها ابنُ سَعدٍ في ((الطََّقَاتِ))، وابنُ عَدِيٍّ في
((الكَامِلِ)) (٢) في تَرجَّمَةِ أبي أُويسٍ، ورِوايَةُ مَعمَرٍ ذَكَرَها ابنُ عَدِيٍّ في ((الكَامِلِ))(٣)،
ورِوايَةُ الأوزَاعِيِّ ذَكَرَها المِزِّيُّ في ((الأطرَافِ))(٤). قال: وقد بيَّنتُ(٥) ذلك في
(شَرحِ التِّرمِذِيِّ)). قال: ورَوى ابنُ مُسدِي في ((مُعجَم شُيُوخِه)): أنَّ أَبَا بَكرِ ابنَ
العَرَبي قال لأبي جَعْفَرِ بنِ المُرَخِّي، حِينَ ذَكَرَ أنَّه لا يُعرَفُ إلا من حَدِيثِ مَالِكِ،
عن الزُّهرِيِّ: قد رَويتُه من ثَلاثَةَ عَشَرَ طَرِيقًا غَيرِ طَرِيقِ مَالِكٍ. فَقَالُوا لَه: أفِدنَا
هَذِهِ الفوائدَ. فَوعَدَهم، ولَم يُخرِجِ لَهم شَيئًا. ثُمَّ تَعَقَّبَ ابنُ مُسدِي هَذِهِ الحِكَايَةَ
بِأنَّ شَيخَه فيها، وهو أبُو العَبَّاسِ العَشَابُ(٦) كَانَ مُتَعَصِّبًا عَلى ابنِ العَرَبِي، لِكَونِه
كَانَ مُتَعَصِّبًا عَلى ابنِ حَزمٍ. فَالله أعلَمُ. انتَهَى.
وقال الحَافِظُ أبُو ذرٍّ، (٧ عَبدُ بنُ(٧) أحمَدَ الهَرَوِيُّ: لَم يَروِ حَدِيثَ المِغفَرِ عن
الزُّهرِيِّ إلا مَالِكٌ وحدَه. قال: وقد رَواه عنه صَالِحُ بنُ أبي الأخضَرِ، ولَيسَ
صَالِحٌ بِذَاكَ، وزَادَ فيه: [((وعَلَيه ◌ِمَامَةٌ سَودَاءُ)). انتهى.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٨): رَواه رَوحُ بنُ عُبَادَةَ، عن مَالِكِ، وزَادَ فيه](٩):
((وطَافَ وعَلَيه المِغفَرُ)). ولَم يَقُله غَيرُه. قال: ورَواه عنه جَعفَرُ بنُ عَبدِ الله
المَدَنِيُّ، وزَادَ فيه: ((واستَلَمَ الحَجَرَ بِمِحجَنٍ)». وهَذَا أيضًا لَم يَقُله عن مَالِكٍ غَيرُ
عَبدِ الله بنِ جَعفَرٍ. قال: وقال بَعضُهم فيه: ((مِغفَرٌ من حَدِيدٍ)). رَواه بُسرُ بنُ عُمَرَ،
عن مَالِكِ. انتَھَی.
(١) مسند البزار (٦٢٩١).
(٢) الطبقات الكبرى (١٣٩/٢)، والكامل (٤ /١٥٠٠).
(٣) السابق.
(٤) تحفة الأشراف (٣٨٩/١) ح (١٥٢٧).
(٥)
في (م): ((یثبت)) .
(٦) أبو العباس العشاب: أحمد بن محمد بن مفَرِّج الإشبيلي، الأُموي، مولاهم، الظاهري،
النباتي، العشَّاب، كان ظاهريًّا متعصبًا لابن حزم، وكان بصيرًا بالحديث ورجاله، قال
ابن نقطة: كتبت عنه، وكان ثقة حافظًا صالحًا. (ت٦٣٧هـ). ينظر: السير (٥٨/٢٣).
(٨) التمهيد (١٥٩/٦).
(٧) في الأصل: ((عندي)).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.

=
بَابُ دُخُولٍ مَكَّةَ بِغَيرِ إِحرَامٍ
٤٣٩٩
] الثَّانِيَةُ: قَولُه: قال ابنُ شِهابٍ: ((ولَم يَكُن رسولُ اللهِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ
مُحرِمًا))، كَذَا في ((المُوطَّا))، ولَم يَروِهِ أحَدٌ من أصحَابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، وفي
(صَحِيحِ البخاريِّ))، في المَغَازِي(١)، عَقِبَ هَذَا الحَدِيثِ، قال مَالِكٌ: ولَم يَكُن
النَّبِيُّ وَِّ، فِيمَا نَرَى، واللّهُ أعلَمُ، يَومَئِذٍ مُحرِمًا. وهو عِندَ البخاريِّ ثَمَّ من رِوايَةٍ
يَحْيَى بِنِ فَزَعَةَ عنه، ويَشْهَدُ لَه مَا في (صَحِيحٍ مسلمٍ))(٢) من رِوايَةِ أبي الزُّبَيرِ، عن
جَابِرٍ: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهِ دَخَلَ يَومَ فَتْحِ مَكََّ وعَلَيه ◌ِمَامَةٌ سَودَاءُ بِغَيرِ إِحرَامِ)) .
■ الثَّالِثَةُ: استُلِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيرِ إِحْرَامٍ، وذلك من كَونِهِ،
عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَانَ مَستُورَ الرَّأْسِ بِالمِغفَرِ، والمُحرِمُ يَجِبُ عَلَيهِ كَشفُ
رَأْسِه، ومن تَصْرِيحِ جَابِرِ نَّهِ، والزُّهرِيِّ، (٢٨٥/٥) ومَالِكِ: بِأَنَّه لَم يَكُن مُحرِمًا،
وأبدَى الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٣) في سَترِ الرَّأسِ احتِمَالًا، فقال:
يُحتَمَلُ أن يَكُونَ لِعُذرٍ. انتَهَى. ويَرُدُّه تَصرِيحُ جَابِرٍ وَغَيرِهِ، وهَذَا الاستِدلال في
غَيرِ مَوضِعِ الخِلافِ المَشهورِ من وجهَينِ :
أحَدُهمَا: أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَانَ خَائِفًا من القَتلِ (٤) مُتَأْهبًا لَه، ومَن
كَانَ كَذلك، فَلَه الدُّخُولُ بِلا إِحرَامِ، بِلا خِلافٍ عِندَنَا، ولا عِندَ أحَدٍ نَعلَمُه، وقد
استَشْكَلَ النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٥) ذلك: بِأَنَّ مَذهَبَ الشَّافِعِيِّ أنَّ مَكَّةَ فُتِحَت
صُلحًا، خِلافًا لأبي حَنِيفَةَ في قَولِه: إنَّها فُتِحَت عنوة، وحِينَئِذٍ فَلا خَوفَ، ثُمَّ
أجَابَ عنه بِأَنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، صَالَحَ أبَا سُفيَانَ، وكَانَ لا يَأْمَنُ غَدرَ أهلِ
مَكَّةَ، فَدَخَلَها صُلحًا، وهو مُتَأهبٌ لِلِقِتَالِ إن غَدَرُوا.
ثَانِيهما: أنَّ أصحَابَنَا عَدُّوا من خَصَائِصِه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، جَوازَ
دُخُولِ مَّةَ [٢/ ٢٤ظ] بِغَيرِ إِحرَام مُطلَقًّا، ذَكَرَه ابنُ القَاصِّ وغَيرُه، فَأَمَّا غَيرُه إذَا لَم
يَكُن خَائِفًا، فقال أصحَابُنَا: إن لَم يَكُن ممن(٦) يَتَكَرَّرُ دُخُولُه، فَفي وُجُوبٍ
(١) البخاري (٤٢٨٦).
(٣) إحكام الأحكام (ص ٤٦٧).
(٥) المجموع (١٨/٧).
(٢) مسلم (١٣٥٨).
(٤) في الأصل: ((القتال)).
(٦) من الأصل.

=
٤٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الإِحرَام عَلَيه قَولانِ: أَصَخُّهمَا عِندَ أكثَرِهم: أنَّه لا يَجِبُ. وقَطَعَ بِهِ بَعضُهم، فَإن
تَكَرَّرَ دُخُولُه؛ كالحَطَّابِينَ، ونَحوِهم، فَفيه خِلافٌ مُرَتَّبٌ وأولى بِعَدَمِ الوُجُوبِ،
وهو المذهبُ.
وقال الحَنَابِلَةُ(١) بِوُجُوبِ الإِحْرَامِ، إلا عَلى الخَائِفِ، وأصحَابِ الحَاجَاتِ
المُتَكَرِّرَةِ، هَذَا هو المَشهورُ عِندَهم، ولَم يُوجِبه بَعضُهم، وعن أحمَدَ مَا يَدُلُّ
عَلَيه. وأوجَبَه المَالِكِيَّةُ(٢)، في المَشهورِ عِندَهم، عَلى غَيرِ ذَوِي الحَاجَاتِ
المُتَكَرِّرَةِ، ولَم أرَهم استَئِنَوا الخَائِفَ، والّاهرُ أنَّهم لا يُنَازِعُونَ في استِثنَائِهِ، فَهو
أولى بِعَدَمِ الوُجُوبِ من ذَوِي الحَاجَاتِ المُتَكَرِّرَةِ، وَذَهَبَ أبُو مُصعَبٍ إلى عَدَمِ
وُجُوبِهِ، وهو رِوايَةُ ابنِ وهبٍ، عن مَالِكِ، ورُوِيَ عنه أيضًا مِثلُ رِوايَةٍ غَيرِه من
أصحَابِهِ، حَكَاهمَا ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٣). وأوجَبَه الحَنَفيةُ مُطلَقًّا، ولَم أرَهم استَثْنَوا من
ذلك إلا مَن كَانَ دَاخِلَ المِيقَاتِ، فَلَم يُوجِبُوا عَلَيه الإحرَامَ، والظَّاهرُ أنَّهم أيضًا
لا يُنَازِعُونَ في الخَائِفِ، بَل ولا في ذَوِي الحَاجَاتِ المُتَكَرِّرَةِ، وإن لَم يُصَرِّحُوا
بِاسْتِنَائِهِم، فَإِنَّهم عَلَّلُوا مَنعَ الوُجُوبِ فيمَن هو دَاخِلَ المِيقَاتِ بِأنَّه يَكثُرُ دُخُولُهم
مَكَّةَ، وفي إِيجَابِ الإِحرَامِ كُلَّ مَرَّةٍ حَرَجٌ بَيِّنٌ، فَصَارُوا كَأهلٍ مَكَّةَ، حَيثُ(٤) يُبَاحُ
لَهم الخُرُوجُ منها ثُمَّ دُخُولُها بِغَيرِ إحرَامِ(٥)، لَكِن مُقْتَضَى كَلامِ ابنِ قُدَامَةً في
((المُغنِي)) مُنَازَعَتُهم في هاتَينِ الصُّورَتَينِ (٢٨٦/٥) أيضًا .
وقد تَحَرَّرَ من ذلك(٦): أنَّ المَشهورَ من مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ الوُجُوبِ
مُطلَقًا، ومن مَذَاهبِ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ الوُجُوبُ، إلا فيمَا يُستَثنَى، وحَكَاه ابنُ
عَبدِ البَرِّ، والقَاضِي عِيَاضٌ(٧) عن أكثَرِ العُلَمَاءِ، وعَدَمُ الوُجُوبِ مَحكِيٍّ عن
عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، وبِه قال الزُّهرِيُّ، والحَسَنُ البَصرِيُّ، وزَعَمَ ابنُ عَبدِ البَرِّ
(١) ينظر: المغني (٧١/٥، ٧٢).
(٢) ينظر: البيان والتحصيل (٧١/٤)، والذخيرة (٢١٠/٣).
(٤) ليس في: الأصل.
(٣)
التمهيد (٦/ ١٦٢).
(٥)
ينظر: بدائع الصنائع (١٦٦/٢).
(٧) التمهيد (١٦١/٦)، وإكمال المعلم (٤٦٨/٤).
(٦) في الأصل: ((هذا)).