Indexed OCR Text

Pages 341-360

=
٣٤١
بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
وقال التِّرمِذِيُّ بَعدَ إخرَاجِ رِوايَةِ الليثِ بِتِلكَ الزِّيَادَةِ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ.
وأخرَجَ النسائيُّ(١) رِوايَةَ مُوسَى بنِ عُقبَةَ المَرِفُوعَةَ، من رِوايَةِ عَبدِ الله بنِ
المُبَارَكِ عنه.
وقال ابنُ المُنذِرِ (٢): اختَلَفُوا فِي تُبُوتِ ذلك؛ فَجَعَلَه بَعضُهم من كَلَامِ ابنِ
عُمَرَ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٣): رَفعُه صَحِيحٌ عن ابنِ عُمَرَ، وحَكَى أَبُو عَبدِ الله
الحَاكِمُ، عن شَيخِه الحَافِظِ أبِي عَلِيِّ النَّيسَابُورِيِّ أنَّ قَولَه: ((لا تَنْتَقِبُ)) إلى آخِره،
من قَولِ ابنِ عُمَرَ أُدرِجَ في الحَدِيثِ.
وقال الخَطَّابي(٤): عَلَّلُوه بِأنَّ ذِكرَ القُفَّازَينِ إِنَّمَا هو قَولُ [١٢/٢و] ابنِ
عُمَرَ، لَيسَ عن النَّبِيِ بََّ، وعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ القَولَ في ذلك.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((الإمام))(٥): هَذَا يَحتَاجُ إلى دَلِيلٍ عَلَيهِ، فَإِنَّه
خِلَافُ الظّاهرِ، وكَأنَّ الحَافِظَ أبَا عَلِيٍّ نَظَرَ إلى الاختِلَافِ في رَفعِه ووقفِهِ، فَإن
كَانَ لَيسَ إلَّا ذلك فَالمَسألَةُ مَعلُومَةُ الحُكم عِندَ أهلِ الأُصُولِ، وإن كَانَ حَصَلَ فيه
الطَّرِيقُ التي جَرَتِ العَادَةُ بِأن يُستَدَلَّ بِها عَلَى فَصلِ كَلَامِ الرَّاوِي من كَلَامِ النَّبِيُِّ
في بَعضِ رِوايَاتِ الحَدِيثِ، فَهِيَ طَرِيقٌ مُعتَادَةٌ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ، وهو استِدلَالٌ
(٤٣/٥م) بِالقَرِينَةِ، وإلَّا فَيُمكِنُ أن يَروِيَ الرَّاوِي مَا يُفتي بِهِ وبِالعَكسِ.
قال والِدِي تَُّ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)»: قد نَقَلَ البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) مَا
يَدُلُّ عَلى الإدَرَاجِ، فَحَكَى قَولَه المُتَقدمَ، وقال عُبَيدُ الله: ((ولَا ورسَ)). وكَانَ
يَقُولُ: ((لا تَنْتَقِبُ المُحرِمَةُ، ولا تَلبَسُ القُفَّازَينِ)» قال: وكَذَا قال البَيهَقِيُّ في
((السُّنَنِ))(٦) أنَّ عُبَيدَ اللهِ بنَ عُمَرَ سَاقَ الحَدِيثَ إلى قَولِهِ: ((وَلَا ورسَ)). ثُمَّ قال:
(١) النسائي (٢٦٨٠).
(٢) الإشراف (٢٢١/٣).
(٣) التمهيد (١٠٦/١٥).
(٤) معالم السنن (١٧٦/٢).
(٥) في: (م): ((الإلمام)). ولم نهتد إلى هذا النقل فيه، وينظر: الإلمام (٣٧٥/١ - ٣٧٧).
(٦) السنن الكبرى (٤٧/٥).

=
٣٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وكَانَ يَقُولُ: ((لا تَنتَقِبُ المُحرِمَةُ، ولا تَلْبَسُ الفُفَّازَينِ)). ثُمَّ قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
و(١) لَكِنْ فِي هَذَا الحَدِيثِ قَرِينَةٌ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا دَالَّةٌ عَلى عَكسِه، وهيَ وجهانِ :
أحَدُهمَا: أنَّه ورَدَ إفرَادُ النَّهي عن القُفَّازَينِ، فَذَكَرَ رِوايَةَ إِبرَاهِيمَ بنِ سَعِيدٍ
المُتَقدمَةَ .
الثَّانِي: أنَّه جَاءَ النَّهيُ عن القُفَّازَينِ مَبدُوءًا بِه مُسنَدًا إلى النَّبِيَِّةِ، وهَذَا
يَمنَعُ الإدرَاجَ، فَذَكَرَ رِوايَةَ ابنِ (٢) إسحَاقَ الْمُتَقَدمَةَ.
قال والِدِي تَخْتُهُ: الحَدِيثُ الأولُ ضَعِيفٌ؛ لِجَهالَةِ إبراهيمَ بنِ سَعِيدٍ
المَدَنِيِّ، وقد ذَكَرَه ابنُ عَدِيٍّ في ((الكَامِلِ))(٣): وقال: لَيسَ بِمَعْرُوفٍ. ثُمَّ رَوى لَه
هَذَا الحَدِيثَ، وقال: لا يُتَابِعُ عَلى رَفعِه، و(٤) رَواه جَمَاعَةٌ عن نَافِعِ من قَولِ
ابنِ عُمَرَ. وقال الذَّهَبي(٥): مُنكَرُ الحَدِيثِ غَيرُ مَعرُوفٍ، لَه حَدِيثٌ واحِدٌ في
الإِحرَامِ أخرَجَه أبُو دَاوُد وسَكَتَ عنه؛ فَهو مُقَارِبُ الحَالِ.
قال والِدِي: قد تَعَقَّبَ أَبُو دَاوُدَ الحَدِيثَ بِمَا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ شُهِرَةِ رِاوِيه،
كَمَا تَقدمَ، لَكِن رَواه البَيهَقِيُّ من رِوايَةٍ فُضَيلٍ بِنِ سُلَيمَانَ، عن مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ،
عن نَافِعٍ، ومن رِوايَةٍ جُويرِيَةً(٦) عن نَافِعِ، وإسنَادُهمَا صَحِيحٌ، فَفيه تَرجِيحٌ لِرِوايَةِ
إبرَاهيمَ بنِ سَعِيدٍ، ورَدٌّ لِقَولِ ابنِ عَدِيٍّ: إنَّه تَفَرَّدَ بِرَفعِه.
قُلتُ: وقال المُنذِرِيُّ: رَواه حَفصُ بنُ مَيسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ، وفُضَيلُ بنُ سُلَيمَانَ،
عن مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ فَرَفَعَاه. قال: وكُلُّ مَن رَفَعَه ثِقَةٌ ثَبَتْ مُحتَجُّ بِه. ثُمَّ قال
والِدِي: وأمَّا الوجه الثَّانِي الذِي ذَكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَإِنَّ ابنَ إسحَاقَ لَا شَكَّ
أَنَّه دُونَ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ في الحِفِظِ والإتقَانِ، وقد فَصَلَ المَوقُوفَ من المَرفُوعِ،
وقَولُه: إنَّ هَذَا يَمنَعُ الإدرَاجَ. مُخَالِفٌ لِقَولِه في ((الاقتِرَاحِ))(٧): إنَّه يُضعِفُه، لا
يَمِنَعُه. وقد ذَكَرَ الخَطِيبُ في ((المَدَرَجِ))(٨): حَدِيثَ أبي هُرَيْرَةَ مَرُفُوعًا: ((أسبِغُوا
(١) من: الأصل.
(٣) الكامل (٢٥٧/١).
(٥) ميزان الاعتدال (٣٥/١).
(٧) الاقتراح (ص١١).
(٢) في: (م): ((أبي)).
(٤) من: (ح).
(٦) في (ح): ((جويرة)).
(٨) الفصل للوصل (١٥٨/١).

=
بَابٌ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٤٣
الوُضُوءَ، ويلٌ لِلأعقَابِ من النَّارِ))(١)؛ فَجَعَلَ قَولَه: ((أسبِغُوا)) مُدَرَجًا، ولَم يَمنَعه
من ذلك كَونُه مُتَقدمًا عَلى المَرفُوعِ، فَلَعَلَّ بَعضَ مَن ظَنَّ مَرفُوعًا قدمَه، والتَّقدِيمُ
والتَّأخِيرُ في الحَدِيثِ سَائِغٌ؛ بِنَاءً عَلى جَوازِ الرِّوايَةِ بِالمَعنَى، انتهى (٤٤/٥م) كَلَامُ
والدِي ◌َّتُهُ.
وفي رِوايَةٍ لِلبَيْهَقِيِّ (٢): من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّختيانِيُّ: ((أنَّ رَجُلا سَأْلَ
النَّبِيِّهِ: مَا لا يَلْبَسُ المُحرِمُ؟)) وفي رِوايَةٍ لَه من طَرِيقِ الثَّورِيِّ، عن أيُّوبَ:
(ولا القَبَاءَ)). وقال: هو صَحِيحٌ مَحفُوظٌ من حَدِيثٍ سُفيَانَ الثَّورِيِّ عن أيُّوبَ. ثُمَّ
رَواه(٣) من طَرِيق عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، وفيه: ((والأقبيةَ)). ورَواه الدَّارَقُطِنِيُّ(٤) أيضًا،
وقال والدي: إسناده صحيحٌ.
الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((لا يَلْبَسُ)). الأشهَرُ فيه الرَّفعَ عَلى الخَبَرِ، ويَجُوزُ فيه
الجَزْمُ عَلى النَّهي، وهَذَا الجَوابُ(٥) مُطَابِقٌ لِلسُّؤَالِ عَلى إحدَى الرِّوايَتَينِ التي
نَقَلَها الإمَامُ أحمَدُ، عن سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، وهيَ قَولُ السَّائِلِ: (مَا يَتْرُكُ المُحْرِمُ؟))
وكَذَا هِيَ في ((سُنَنِ أبِي دَاوُد)) كَمَا تَقدمَ، وبِمَعْنَاها قَولُه في رِوايَةٍ لِلْبَهَقِيِّ: ((مَا لَا
يَلْبَسُ المُحرِمُ؟»
وأمَّا عَلى الرِّوايَةِ المَشهورَةِ، فَإِنَّ المَسئُولَ عنه مَا يَلْبَسُه المُحرِمُ، فَأُجِيبُ
بِذِكرِ مَا لا يَلْبَسُه، [١٢/٢ ظ] والحِكمَةُ فيه: أن مَا يَجِتَنِبُه المُحرِمُ ويَمتَنِعُ عَلَيه لُبسُه
مَحصُورٌ، فَذِكرُه أولى، ويَبقَى مَا عَدَاه عَلى الإِبَاحَةِ، بِخِلَافِ مَا يُبَاحُ لَه لُبسُه؛
فَإِنَّه كَثِيرٌ غَيرُ مَحصُورٍ، فَذِكرُه تَطوِيلٌ.
وفيه تَنبيهٌ عَلى أنَّ السَّائِلَ لَم يُحسِنِ السُّؤَالَ، وأَنَّه كَانَ الألْيَقُ السُّؤَالَ عَمَّا
يَتْرُكُه، فَعَدَلَ عن مُطَابِقَتِه إلى مَا هو أولى، وبَعضُ عُلَمَاءِ المَعَانِي يُسَمِّي هَذَا:
أُسْلُوبَ الحَكِيم، وقَرِيبٌ منه قَوله تَعَالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ
(١) البخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٩/٢٤٢)، وابن ماجه (٤٥٢).
(٣) بعده في الأصل: ((له)).
(٢) السنن الكبرى (٤٩/٥).
(٤) سنن الدارقطني (٥٥/٢).
(٥) ليس في: الأصل، (ح).

=
=
٣٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٥]، فَالسُّؤَالُ عن جِنسِ المُنْفَقِ، فَعَدَلَ عنه في
الجَوابِ إلى ذِكرِ المُنفَقِ عَلَيه؛ لأنه أهَمُّ، وكَانَ اعتِنَاءُ السَّائِلِ بِالسُّؤَالِ عنه أولى،
ومِثْلُه قَوله تَعَالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١): قال العُلَمَاءُ: هَذَا من بَدِيعِ الكَلامِ وجَزِلِه،
فَإِنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ سُئِلَ عُمَّا يَلْبَسُه المُحرِمُ فقال: لا تَلْبَسُوا كَذَا وكَذَا،
فَحَصَلَ في الجَوابِ أنَّه لَا يَلْبَسُ المَذكُورَاتِ وَيَلْبَسُ مَا عَدَاها(٢)، فَكَانَ التَّصرِيحُ
بِمَا لا يَلْبَسُ أولى؛ لأنه مُنحَصِرٌ، فَأمَّا المَلْبُوسُ الجَائِزُ لِلمُحرِمِ فَغَيرُ مُنحَصِرٍ،
فَضَبَطَ الجَمِيعَ بِقَولِه: لا يَلْبَسُ كَذَا وكَذَا؛ يعني: ويَلبَسُ مَا سِواه. انتهى.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٣): فيه دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُعتَبَرَ في
الجَوابِ مَا يَحصُلُ منه المَقصُودُ كَيفَ كَانَ، ولَو بِتَغِيرِ أو زِيَادَةٍ، ولا يُشتَرَطُ
المُطَابَقَةُ.
الثَّالِثَةُ: القَمِيصُ مَعْرُوفٌ، وجَمعُه قُمُصِّ، بِضَمِّ القَافِ والمِيمِ، ويَجُوزُ
تَخفيفُ مِيمِه، وهو قِيَاسٌ مُطَّرِّدٌ في الجَمعِ الذِي عَلى وزنِ فُعُلٍ، وجَاءَ في الرِّوايَةِ
الأُولى بِالإفرَادِ، وفي الثَّانِيَةِ بِالجَمعِ، وكَذَا (٤٥/٥م) بَقِيَّةُ المَذكُورَاتِ مَعَه، وكَأَنَّه
مَأْخُوذٌ من الجِلدَةِ التي هيَ غِلَافُ القَلبِ اسمُها القَمِيصُ.
الرَّابِعَةُ: البُرُنُسُ، بِضَمِّ البَاءِ المُوخَّدَةِ، وإسكَانِ الرَّاءِ، وضَمِّ الُّونِ:
كُلُّ ثَوبٍ رَأسُه منه مُلتَزِقٌ بِه من دُرَّاعَةِ (٤)، أو جُبَّةٍ، أو غَيرِهِمَا، ذَكَرَه صَاحِبًا
((المَشَارِقٍ))، و((النِّهَايَةِ))(٥). قال في ((النِّهايَةِ)): وهو من البِرسِ، بِكَسرِ البَاءِ:
القُطْنُ، والُّونُ زَائِدَةٌ، وقِيلَ: إنَّه غَيرُ عَرَبي. انتهى، وحَكى في ((المُحكَمِ)) (٦) في
(١) شرح صحيح مسلم (٧٣/٨).
(٢) في: (ح): ((سواها)). وفي شرح النووي المطبوع: ((سوى ذلك)).
(٣)
إحكام الأحكام (ص٤٤٨).
(٤)
الدُرَّاعة والمدرعة والدرع واحد: ثوب من صوف. القاموس المحيط (د رع).
مشارق الأنوار (٨٥/١)، والنهاية (١٢٢/١).
(٥)
(٦) النهاية (١٢٢/١)، والمحكم (٤٩٠/٨).

=
٣٤٥ م
بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
البُرسِ ضَمَّ البَاءِ أيضًا، وقال: إنَّه القُطنُ أو شَبيةٌ بِه. قال في ((الصِّحَاحِ))(١):
البُرنُسُ: قَلَنسُوةٌ طَوِيلَةٌ، وكَانَ النُّسَّاكُ يَلْبَسُونَها فِي صَدرِ الإسلامِ.
الخَامِسَةُ: نَبَّهَ عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ بِالجَمِعِ بَيْنَ البُرنُسِ والعِمَامَةِ، عَلى
تَحْرِيمِ كُلِّ سَاتِرٍ لِلرَّأسِ، مِخْيَطًا كَانَ أو غَيرَه، حَتَّى الْعِصَابَةُ؛ فَإِنَّها حَرَامٌ، فَإن
احتَاجَ إِلَيها لِشَجَّةٍ أو صُدَاعٍ أو غَيرِهِ شَدَّها ولَزِمَته الفِدِيَةُ، قاله النَّووِيُّ وابنُ دَقِيقٍ
العِيدِ(٢).
وقال المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: ذَكَرَهمَا مَعًا لِيَدُلَّ عَلى أَنَّه لا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ الرَّأسِ، لا
بِالمُعتَادِ في سَتِرِهِ ولا بِالنَّادِرِ، وسَبَقَه إلى ذلك الخَطَّابي(٣)، وذَكَرَ من النَّادِرِ
المِكتَلِ يَحمِلُه عَلى رَأسِه، وقال: إنَّ فيه الفِدَيَة. والمَشهورُ من مَذهَبٍ
الشَّافِعِيِّ(٤): أنَّه لا تَحرِيمَ في حَملِ المِكتَلِ، ولا فِديَةَ فيه، وبِهِ قال أَبُو حَنِيفَةَ،
وأحمَدُ.
وقال المَالِكِيَّةُ: لا بَأسَ أن يَحمِلَ عَلى رَأسِه مَا لا بُدَّلَه منه؛ كخُرجِه
وجِرَابِه، ولا يَحمِلُ ذلك لِغَيرِهِ تَطَوُّعًا، ولا بِإِجَارَةٍ (٥)، فَإِن فَعَلَ افتَدَى(٦)،
ولا يَحْمِلُ لِنَفْسِه تِجَارَةً، قال أشهَبُ: إلا أن يَكُونَ عَيْشُه ذلك.
السَّادِسَةُ: فيه تَحْرِيمُ لُبسِ هَذِهِ الأُمُورِ المَذكُورَةِ ومَا في مَعنَاها عَلى
المُحرِمِ، وهو مُجمَع عَلَيه (٧)، فَنَبَّهَ بِالقَمِيصِ عَلى كُلِّ مَخِيطٍ أو مُحِيطِ مَعمُولٍ عَلى
قدرِ البَدَنِ، وبِالسَّرَاوِيلِ عَلى مَا هو مَعمُولٌ عَلى قدرِ عُضوٍ منه، وبِالعِمَامَةِ عَلى
السَّاتِرِ لِلرَّأسِ، وإن لَم يَكُن مَخِيطًا، وبِالبُرُنُسِ عَلى السَّاتِرِ لَه، وإن كَانَ لُبسُه
نَادِرًا، ومن ذلك يُفْهَمُ تَحرِيمُ سَترِ الرَّأسِ مُطلَقًّا، وكَذلك يَحرُمُ (٨) سَترُ بَعضِه إذَا
كَانَ قدرًا يَقصِدُ سَتَرَه لِغَرَضٍ، بِخِلَافِ الخَيطِ ونَحوِهِ، ولا يَضُرُّ الانغِمَاسُ في
(١) الصحاح (٩٠٨/٣).
المجموع (٢٧٣/٧)، وإحكام الأحكام (ص٤٤٨).
(٢)
(٣)
معالم السنن (١٧٦/٢).
(٤) الأم (٣٧٣/٣).
(٥)
في: (ح): ((بإجازة)).
(٦) في: (ح): ((اقتدى)).
(٧) ينظر: الإشراف (٢٢٠/٣).
(٨) في (ح): (تحريم)) .

٣٤٦ هـ
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المَاءِ والسَّترُ بِكَفِّه، وكَذَا بيدٍ غَيرِهِ في الأصَحِّ، ولَو طَلا رَأْسَه بِحِنَّاءٍ ونَحوِهِ، فَإِن
كَانَ رَقِيقًا لا يَستُرُ فَلا [١٣/٢ و] فِديَةَ، وإلا وجَبَت عَلى المَذْهَبِ، وحَكَى النَّوِيُّ
في ((الرَّوضَةِ))(١)، عن الرُّويَانِيِّ وغَيرِهِ: أنَّه تَجِبُ الفِديَةُ بِتَغْطِيَةِ البَيَاضِ الذِي وَرَاءَ
الُذُنِ .
ونَبَّهَ عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ بِالخُفِّ عَلى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرِّجلِ من مَدَاسٍ،
وجُمجُم، وجَورَبٍ، وغَيرِها. ويَقدَحُ في (٢٤٦/٥) دَعوى الإجمَاعِ، مَا رَواه
سَعِيدُ بنُ مَنصُورٍ في ((سُنَيِه)) عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ: أنَّه رَأَخَّصَ لِلمُحرِمِ في لُبْسٍ
الخُفِّ فِي الدُّلجَةِ.
قال والِدِي تَظْهُ في ((شَرح التِّرمِذِيِّ)): ولَا نعرِفُ(٢) ذلك لِغَيرِ عَطَاءٍ، إلا أنَّ
الطَّحَاوِيَّ رَوى في (بَيَانِ المُشكِلِ))(٣): أنَّ عُمَرَ رَأى عَلى عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ
خُفَّينِ وهو مُحرِمٌ، فقال: ((وخُفِّ أيضًا وأنتَ مُحرِمٌ؟)) فقال: ((فَعَلته مَعَ مَن هو
خَيرٌ منك)). قال والِدِي: فَلَعَلَّ هَذَا مُستَنَدُ عَطَاء، ويُحتَمَلُ عَدَمُ وِجِدَانِ
عَبدِ الرَّحمَنِ لِلنَّعَلَيْنِ.
السَّابِعَةُ: تَقدمَ أنَّ في رِوايَةِ البَيهَقِيِّ زِيَادَةَ ذِكرِ القَبَاءِ، وعَدَّه مِمَّا يُنْهَى
عنه المُحرِمُ، وظَاهرُها أنَّه لا فَرقَ بَيْنَ أن يُدخِلَ يَدَيه في كُمَّيه أم لا، وبِه قال
مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وحَكَاه [ابنُ المُنذِرِ (٤) عن الأوزَاعِيِّ. وحَكَاه](٥) ابنُ
عَبدِ البَرِّ(٦): عن سُفيَانَ الثَّورِيِّ، والليثِ بنِ سَعدٍ، وزُفَرَ. وخَصَّ(٧) أبُو حَنِيفَةً
ذلك بِمَا إِذَا أدخَلَ يَدَيه في كُمَّيه؛ فَإن اقتَصَرَ عَلى لُبسِه عَلى كَتِفَيْهِ لَم يَحِرُم، وبِهِ
قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ، عن أبي ثَورٍ، وبِه قال الخِرَقِيُّ من
الحَنَاِلَةِ .
(١) روضة الطالبين (٤٠٢/٢).
(٣) مشكل الآثار (٥٤٣٠).
(٢) في (م): ((يعرف)).
(٤) الإشراف (٢٢٠/٣).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٦) التمهيد (١١٧/١٥).
(٧) في الأصل، (م): ((ورخص)). والمثبت الصواب.

=
بَابُ مَا يَحُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٤٧
الثَّامنةُ: جَمِيعُ مَا تَقدمَ إنَّمَا هو في حَقِّ الرِّجَالِ، أمَّ المَرأةُ فَلَها لُبسُ
المَخِيطِ وسَترُ الرَّأسِ، ولَفِظُ الحَدِيثِ غَيرُ مُتَنَاوِلٍ لَها، فَإِنَّ لَفظَ المُحرِمِ مَوضُوعٌ
لِلرَّجُلِ، وإنَّمَا يُقَالُ لِلمَرأةِ مُحرِمَةً، وهَذَا عَلى مَا تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ لَفِظَ
الذُّكُورِ لا يَتَنَاولُ الإِنَاثَ، خِلَافًا لِلحَنَابِلَةِ، ولَم يُخَالِفِ الحَنَابِلَةُ فِي هَذَا الفَرعُ،
لِؤُرُودٍ مَا يَدُلُّ عَلى اختِصَاصِ هَذَا الحُكمِ بِالرِّجَالِ، وهو قَولُهُ بِّهَ فِي بَعضٍ
ظُرُقِهِ: ((ولا تَنتَقِبُ المَرأةُ، ولا تَلبَسُ القُفَّازَينِ)). وهو في ((صَحِيحِ البخاريِّ))
وغَيرِهِ، كَمَا تَقدمَ، وهو دَالٌّ عَلى أنَّ جَمِيعَ مَا تَقدمَ إِنَّمَا هو لِلرِّجَالِ.
قال ابنُ المُنذِرِ (١): أجمع أهلُ العِلمِ عَلى أنَّ لِلمَرأةِ المُحرِمَةِ لُبسَ
القَمِيصِ، والدِّرعِ، والسَّرَاوِيلَاتِ، والخُمُرِ، والخِفَافِ. انتَهَى. فَدَلَّ النَّهيُ عن
الانتِقَابِ عَلى تَحرِيمِ سَترِ الوجه بِمَا يُلاقِيه ويَمَسُّه، دُونَ مَا إذَا كَانَ مُتَجَافِيًا عنه،
وهَذَا قَولُ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ وبِه قال الجُمهورُ، وقال ابنُ المُنذِرِ(٢): لا نَعلَمُ أَحَدًا
من أصحَابِ رسولِ الله وَّ رَخَّصَ فيه؛ يعني: النِّقَابَ، ثُمَّ قال: وكَانَت أسمَاءُ
بِنتُ أبي بَكرٍ تَغَطّي وجهَها وهيَ مُحرِمَةٌ، ورُوِّينَا عن عَائِشَةَ رِ﴿َا أنَّها قالت:
(المُحرِمَةُ تُغَطّ وجهَها إن شَاءَت)). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): وعَلى كَرَاهَةِ النِّقَابِ
لِلمَرأةِ جُمهورُ عُلَمَاءِ المسلمينَ من الصَّحَابَةِ (٤٧/٥م) والتَّابِعِينَ، ومَن بَعدَهم من
فُقَهاءِ الأمصَارِ أجمَعِينَ، إلا شَيءٌ رُوِيَ عن أسمَاءَ بِنتِ أبي بَكرٍ أنَّها كَانَت تَغَِّ
وجهَها وهيَ مُحرِمَةٌ(٤)، وعن عَائِشَةَ أنَّها قالت: ((تَغَطِّي المَرأةُ وجِهَها إن
شَاءَت))(٥). ورُوِيَ عنها: أنَّها لا تَفْعَلُ، وعَلَيه النَّاسُ. انتَهَى.
وأمَّا لُبسُ المَرأةِ القُفَّازَينِ: فَمُخْتَلَفْ فيه، ذَهَبَ مَالِكٌ، وأحمَدُ إلى مَنِعِه،
وهو أصَحُّ القَولَينِ عن الشَّافِعِيِّ، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٦): عن ابنِ عُمَرَ، وعَطَاءٍ،
(١) الإجماع (ص٦٤).
الإشراف (٢٢١/٣)، وقد نبّه المحقق أنه وقع سقط بعد قوله: ((لا نعلم أحدًا من ... )).
(٢)
(٣)
التمهيد (١٠٧/١٥).
(٤) المستدرك (٦٢٤/١)، وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي (٤٧/٥).
(٦) الإشراف (٢٢١/٣).

٣٤٨
كم
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ونَافِعٍ، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ، وقال ابنُ المُنذِرِ: اتِّقَاؤُه أحَبُّ إِلَيَّ؛ لِلِحَدِيثِ الذِي جَاءَ
فيه .
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): الصَّوابُ عِندِي نَهيُ المَرأةِ عنه، ووُجُوبُ الفِديَةِ
عَلَيها بِهِ؛ لِثُبُوتِه عن النَّبِيِ نَّهَ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى جَوازِهِ، وحَكَاه ابنُ الْمُنذِرِ (٢)
عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، وعَائِشَةَ، وعَطَاءٍ، والثَّورِيِّ، ومُحَمَّدٍ بنِ الحَسَنِ،
وحَكَاه النَّوِيُّ وَغَيرُهُ(٣) عن أبي حَنِيفَةً.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): ويُشبِه أن يَكُونَ مَذهَبَ ابنِ عُمَرَ؛ لِنَّه كَانَ يَقُولُ:
إِحرَامُ المَرأةِ في وجهها. انتَهَى. وهو رِوايَةُ المُزَنِيّ(٥) عن الشَّافِعِيِّ، وصَخَّحَه من
أصحَابِنَا الغَزَّالِيُّ، والبَغَوِيُّ [١٣/٢ظ]، قال الرَّافِعِيُّ(٦): لَكِنَّ أكثَرَ النَّقَلَةِ عَلى
تَرجِيحِ الأولِ. وحَكَى الخَطَّابِيُّ(٧) عن أكثَرِ أهلِ العِلمِ: أنَّه لَا فِديَةَ عَلَيها إذَا
لَبِسَتِ القُفَّازَينِ، وهو قَولٌ عِندَ المَالِكِيَّةِ.
وأمَّا سَترُ المَرأةِ يَدَيها بِغَيرِ مَخِيطٍ، كَمَا لَو اختضَبَتِ فَأَلْقَت عَلى يَدِها خِرِقَةً
فَوقَ الخِضَابِ، أو ألفَتها بِلا خِضَابٍ، فَالمَشهورُ من مَذهَبِ الشَّافِعِيَّةِ(٨)
رَحِمَهم الله جَوازُه، وبَعضُهم أجرَى فيه القَولَينِ في القُفَّازَينِ، وقال الشَّيخُ
أبُو حَامِدٍ : إن لَم تَشُدَّ الخِرقَةَ جَازَ وإلا فَالقَولانِ، فَعَلى المَشهورِ: يَكُونُ عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلَامُ نَبَّهَ بِالقُفَّازَينِ عَلى مَا في مَعنَاهمَا من المَخِيطِ أو المُحِيطِ، وعَلى
الثَّانِ: يَكُونُ نَبَّهَ بِهِمَا عَلى مُطلَقِ السَّاتِرِ، واللهُ أعلمُ.
] التَّاسِعَةُ: ظَاهِرُ قَولِهِ بَّهِ: (ولا تَنْتَقِبُ المَرأةُ، ولا تَلبَسُ الفُفَّازَينِ)) .
استِواءُ الحُرَّةِ والأمَةِ في ذلك، وهَذَا هو المَشهورُ من نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ
وأصحَابِهِ(٩).
(١) التمهيد (١٠٨/١٥).
المجموع (٢٨١/٧)، والمغني (١٥٨/٥).
(٣)
(٤)
التمهيد (١٠٨/١٥).
(٦) الشرح الكبير (٤٥٥/٧).
في (م): ((الشافعي)).
(٨)
(٢) الإشراف (٢٢١/٣).
(٥) مختصر المزني (ص٦٥).
(٧) معالم السنن (١٧٦/٢).
(٩) ينظر: المجموع (٢٧٦/٧، ٢٧٧).

=
بَابُ مَا يَحِرُمُ عَلَى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٤٩
■ العَاشِرَة: ظَاهرُ قَولِه: ((ولا تَنتَقِبُ المَرأةُ)). اختِصَاصُها بِذلك، وأنَّ
الرَّجُلَ لَيسَ كَذلك، وهو مُقْتَضَى مَا ذَكَرَه أولَ الحَدِيثِ فيمَا يَترُكُه المُحرِمُ، فَإِنَّه
لَم يَذكُر منه(١) سَاتِرَ الوجه، ومَذهَبُ الشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، والجُمهورِ: أنَّه يَجُوزُ
لِلمُحْرِمِ سَترُ وجهه، ولا فِدَيَةَ عَلَيه، وفيه آثَارٌ عن الصَّحَابَةِ. وذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ،
ومَالِكٌ إلى مَنِعِه كَالرَّأسٍ، وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ، وقَالُوا: إذَا حَرُمَ عَلى المَرأةِ
سَترُ وجهها مَعَ احتياجِها إلى ذلك (٤٨/٥م) فَالرَّجُلُ أولى بِتَحرِيمِه، وتَمَسَّكُوا
أيضًا بِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ في المُحرِمِ الذِي وقَصَته نَاقَتُه: ((ولا تُخَمِّرُوا
رَأْسَه ولا وجهَه)»(٢)، وأجَابَ الجُمهورُ عنه بِأَنَّ النَّهيَ عن تَغْطِيَةِ وجهه إنَّمَا كَانَ
لِصِيَانَةِ رَأسِه، لا لِقَصدِ كَشفِ وجهه، ولا بُدَّ من هَذَا التَّأْوِيلِ لأنَّ المُتَمَسِّكِينَ
بِهَذَا الحَدِيثِ، وهم الحَنَفيَةُ، والمَالِكِيَّةُ، لا يَقُولُونَ بِبَقَاءِ أَثَرِ الإِحرَامِ بَعدَ المَوتِ،
لا في الرَّأْسِ ولا في الوجه، والجُمهورُ يَقُولُونَ: لا إحرَامَ في الوجه في حَقِّ
الرَّجُلِ، فَحِينَئِذٍ لَم يَقُل بِظَاهِرِهِ أحَدٌ منهم، ولا بُدَّ من تَأوِيلِهِ، عَلى أنَّ المَالِكِيَّةَ
قَالُوا: إنَّه لا فِديَةَ في تَغْطِيَةِ المُحرِمِ وجهَه، إلا في رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ جَزَمَ بِها
ابنُ المُنذِرِ(٣) عن مَالِكِ. وبَنَى بَعضُهمْ هَذَا الخِلافَ عَلى أنَّ التَّغِطِيَةَ حَرَامٌ أو
مَكَرُوهٌ، وحَكَى ابنُ المُنذِرِ عن مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: أنَّه إن غَطَّى ثُلُثَه أو رُبعَه فَعَلَيه
دَمٌّ، وإن كَانَ أَقَلَّ من ذلك فَعَلَيه صَدَقَةٌ. وفي ((سُنَنِ سَعِيدٍ بِنِ مَنصُورٍ)) عن
عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ: يُغَطِّي المُحرِمُ وجهَه مَا دُونَ الحَاجِبَينِ (٤)، وفي رِوايَةٍ: لَه مَا
دُونَ عَينَيه(٥). وهَذِهِ تَفْرِقَةٌ غَرِيبَةٌ!
قال والِدِي تَّهُ: ويُحتَمَلُ أنَّه أرَادَ الاحتياطَ لِكَشفِ الرَّأْسِ، ولَكِنَّ هَذَا أمرٌ
زَائِدٌ عَلى الاحتياطِ لِذلك، وهو حَاصِلٌ بِدُونِهِ. انتَهَى.
(١)
في الأصل: ((فيه)).
(٢) البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦)، وأبو داود (٣٢٣٨) والترمذي (٩٥١)، والنسائي
(١٩٠٣)، وابن ماجه (٣٠٨٤).
(٣) الإشراف (٢٢٦/٣).
(٤)
وأخرجه ابن أبي شيبة (٧٢١/٣) عن عطاء.
(٥) في الأصل: ((العينين)).

٣٥٠ م
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الحَادِيَةَ عَشَرَة: وأمَّا لُبسُ القُفَّازَينِ: فَإِنَّ تَحرِيمَه ثَابِتٌ في حَقِّ الرَّجُلِ
أيضًا، لِكَونِه في مَعنَى المَنصُوصِ عَلى تَحرِيمِه عَلَيهِ، وهو السَّرَاوِيلُ، فَإِنَّ كُلَّا
منهمَا مُحِيطٌ (١) بِجُزءٍ من البَدَنِ، بَل التَّحْرِيمُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ مُنَّفَقٌّ عَلَيه، وفي حَقِّ
المَرأةِ مُختَلَفٌ فيه، كَمَا تَقدمَ.
الثَّانِيَةَ عَشَرَ: المُرَادُ بِاللُّبسِ المَنهيِّ عنه اللُّبسُ المُعتَادُ، فَلَو ارْتَدَى
القَمِيصَ ونَحوه لَم يُمنَع منه؛ فَإِنَّه لا يُعَدُّ لابِسًا لَه في العُرفِ.
فَإِن قُلتَ: فَفي ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٢): أنَّ ابنَ عُمَرَ ضِّمَا وجَدَ القُرَّ، فقال:
((ألقِ عَلَيَّ ثَوبًا يَا نَافِعُ)) فَألْقَيْتُ عَلَيه بُرُنُسًا، فقال: ((تُلقِي عَليَّ هَذَا؟ وقد نَهَى
رسولُ الله ◌َّهِ أَن يَلْبَسَه المُحرِمُ» .
قُلتُ: قال ابنُ عَبدِ البر (٣): هَذَا من ورَعِه وتَوقُّفِه؛ كرِهَ أن يُلقَيَ عَلَيه
البُرُنُسَ، وسَائِرُ أهلِ العِلم إنَّمَا يَكرَهونَ الدُّخُولَ فيه، ولَكِنَّه تَخْهُ استَعمَلَ العُمُومَ
في اللِّبَاسِ؛ لأن التَّغْطِيَةَ والامتِهانَ قد يُسمَى لِبَاسًا، أَلَم تَسمَع إلى قَولِ
أَنَسٍ رَُه: ((فَقُمتُ إلى حَصِيرٍ لَنَا، قد اسودَ من ◌ُولٍ [٢/ ١٤ و] مَا لُبِسَ)). انتَهَى.
وهو يَقتَضِي أنَّ ابنَ عُمَرَ إِنَّمَا فَعَلَ ذلك احتياطًا، لا لاعتِقَادِهِ الوُجُوبَ،
وقال والِدِي ◌َّتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): ويُحتَمَلُ أنَّ البُرنُسَ (٤٩/٥م) كَانَ مُفَرَّجًا
كَالقَبَاءِ، بِحَيثُ لَو قَامَ عُدَّ لابِسًا له، فَإِنَّ بَعضَ البَرَانِسِ كذلك. وقد حَكَی
الرَّافِعِيُّ(٤) عن إمَامِ الحَرَمَينِ فيمَا لَو ألقَى عَلى نَفْسِهِ قَبَاءً أو فَرَجِيَّةً وهو مُضطَجَعُ:
أَنَّه إن أخَذَ(٥) من بَدَنِهِ مَا إذَا قَامَ عُدَّ لابِسَه (٦)، فَعَلَيهِ الفِديَةُ، وإن كَانَ بِحَيثُ لَو
قَامَ أو قَعَدَ لَم يَستَمسِك عَلَيه إلا بِمَزِيدٍ أمرٍ فَلا. انتَهَى.
الثَّالِثَةَ عَشَرَ: الورسُ: بِفَتحِ الواوِ، وإسكَانِ الرَّاءِ، وبِالسِّينِ المُهمَلَةِ:
(١) في (م): ((يحيط)).
(٢) يعني: أصل الحديث، فهو في البخاري (٥٧٩٤)، والحديث بهذا اللقط أخرجه أحمد
(٣١/٢)، وأبو داود (١٨٢٨).
(٣) التمهيد (١١٦/١٥).
(٥) بعدها في (ح): ((به)).
(٤) الشرح الكبير (٤٤١/٧).
(٦) في (ح): ((لا بسًا له)).

=
بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٥١
قال في ((الصِّحَاحِ)) (١): نَبتُ أصفَرُ يَكُونُ بِاليَمَنِ، يُتَّخَذُ منه الغَمرَةُ لِلوجه. وقال
في ((النِّهايَةِ))(٢): نَّبتٌ أصفَرُ يُصْبَغُ(٣) بِه. زَادَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَونُ صَبغِه بَيْنَ الحُمرَةِ
والصُّفَرَةِ، ورَائِحَتُهُ طَيَِّةٌ. وقال في ((المُحكَم)) (٤): شَيءٌ أصفَرُ مِثلُ المُلآءِ، يَخرُجُ عَلى
الرِّمثِ بَيْنَ آَخِرِ الصَّيفِ وأولِ الشِّتَاءِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِبَرِّيٍّ يُزرَعُ سَنَةً فَيَجلِسُ
عَشرَ سِنِينَ؛ أي: يُقِيمُ في الأرضِ لَا يَتَعَطَّلُ. قال: ونَبَاتُه مِثْلُ نَبَاتِ السِّمسِمِ، فَإِذَا
جَفَّ عِندَ إدَرَاكِه تَفَتَّقَت (٥) خَرَائِطُه فينفضُ، فَيَنْتَفِضُ منه الورسُ. انتَهَى.
ولا تَنَافِي بَينَ هَذِهِ العِبَارَاتِ، لَكِنَّ في بَعضِها زِيَادَةً عَلى بَعضٍ، فَلِذلك
حَكَيتها، والرِّمثُ: من مَرَاعِي الإِبِلِ، والمَعرُوفُ أنَّ الورسَ طِيبٌ. وقال
الرَّافِعِيُّ(٦): هو فيمَا يُقَالُ أشهرُ طِيبٍ في بِلادِ اليَمَنِ. وذَكَرَ القَاضِي
أَبُو بَكرِ ابنُ العَرَبي أنَّه لَيسَ بِطِيبٍ، فقال(٧): والورسُ، وإن لَم يَكُن طِيبًا، فَلَه
رَائِحَةٌ طَيَِّةٌ، فَأَرَادَ النَّبِي ◌َّهِ أَن يُبَيِّنَ تَجَنُّبَ الطَّيبِ المَحضِ، ومَا يُشبِهِ الطَّيبَ في
مُلَائِمَةِ الشَّمِّ واستِحِسَانِهِ. انتَهَى.
الرابعة عشر: فيه تَحرِيمُ الِطِيبٍ(٨) عَلى المُحرِمِ؛ لأنه إذَا حُرِّمَ الورسُ
والزَّعفَرَانُ؛ فَمَا فَوقَهمَا كالمِسكِ ونَحوِه أولى بِالثَّحرِيم، وإِذَا حَرُمَ لُبسُ الثَّوبِ الذِي
مَسَّهَ أحَدُهمَا، فَالتَّضَمُّخُ بِأحَدِهِمَا أولى بِالتَّحْرِيمِ، وهَذَّا مَجمَعٌ عَلَيه، قال أصحَابُنَا:
والمُرَادُ بِالطَّيبِ مَا يُقصَدُ بِه الطَّيبُ، فَأمَّا الفُّواكِه؛ كَالأُتْرُجِّ، والتُّفَّاحِ، وأزهارِ
البَرَارِيِّ؛ كالشِّيحِ، والقَيصُومِ، ونَحوِهِمَا، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ؛ لأنَّه لا يُقْصَدُ لِلطَّيبِ.
■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: ظَاهرُهُ(٩) تَحْرِيمِ لُبسٍ مَا مَسَّه الورسُ أو الزَّعفَرَانُ
أو مَا في مَعنَاهِمَا، ولَو خَفيت رَائِحَتُهُ بَعدَ ذَلَك لِمُرُورِ الزَّمَانِ أو غَيرِهِ، وقد قال
أصحَابُنَا(١٠): إن كَانَ بِحَيثُ لَو أصَابَه المَاءُ فَاحَتِ رَائِحَتُهُ حَرُمَ استِعمَالُه، وإن
بَقِيَ اللونُ لَم يَحْرُمُ عَلى أَصَحِّ الوجهَينِ .
(١) الصحاح (٩٨٨/٣).
(٣)
في (ح): ((يصنع)).
في المطبوع من المحكم: ((تفتت)).
(٥)
(٧) عارضة الأحوذي (٥٤/٤).
(٩) في الأصل: ((ظاهر)).
(٢) النهاية (١٧٣/٥).
(٤) المحكم (٦١٠/٨).
(٦) الشرح (٤٥٦/٧).
(٨) في (م): ((التطيب)).
(١٠) ينظر: المجموع (٢٨٤/٧).

٣٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال الحَنَفيةُ(١): مَتَى كَانَ غَسِيلًا لا يُنفَضُ لَم يَحْرُم؛ لأن (٥٠/٥م) المَنعَ
لِلطَّيبِ لا لِلَّونِ، وفي ((المُوطَّ)(٢): أنَّ مَالِكًا لمَّا (٣) سُئِلَ عن ثَوبٍ مَسَّه طِيبٌ ثُمَّ
ذَهَبَ رِيحُ الطَّيبِ منه، هَل يُحرِمُ فيه؟ فقال: نَعَم، لا بَأسَ بِذلك، مَا لَم يَكُن فيه
طِيبُ زَعفَرَانٍ أو ورسٍ. وفي رِوايَةٍ: مَا لَم يَكُن فيه صِبَاغُ زَعفَرَانٍ أو ورسٍ .
و(٤)قال مَالِكٌ: وإِنَّمَا يُكرَه لُبسُ المُسَبَغَاتِ؛ لأنَّ المُسبَغَاتِ تُنفَضُ. وفي
((الجَواهرِ)) لابنِ شَاسٍ(٥): لَو بَطَلَتِ رَائِحَةُ الطَّيبِ لَم يُبَح استِعمَالُه.
وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ)(٦) عن ابنِ عَبَّاسٍ ﴿هَا قال: ((انطَلَقَ النَّبِيُّ ◌َ من
المَدِينَةِ بَعدَ مَا تَرَجَّلَ وادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَه ورِدَاءَه هو وأصحابُه، فَلَم يَنهَ عن شَيءٍ
من الأردِيَّةِ والأُزُرِ تُلبَس، إلا المُزَعِفَرَةَ التي تَردَعُ عَلى الجِلدِ)».
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): رَوى(٨) عَبدُ الحَمِيدُ الحِمَّانِيُّ، عن أبي مُعَاوِيَّةَ، عن
عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ النَّبيِ ◌ّه قال: ((لا تَلْبَسُوا ثَوبًا
مَسَّه ورسٌ وزَعَفَرَانٌ، إلا أن يَكُونَ غَسِيلًا)).
وقال الطَّحَاوِيُّ(٩): عن ابنِ أبي عِمرَانَ: رَأيتُ يَحيَى بنَ مَعِينٍ وهو يَتَعَجَّبُ
من الحِمَّانِيِّ كَيفَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الحَدِيثِ، فقال لَه عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ مَهدِيٍّ: هَذَا
عِندِي. ثُمَّ وثَبَ من [١٤/٢ظ] فَورِهِ فَجَاءَ بِأصلِه، فَأخرَجَ منه هَذَا الحَدِيثَ عن
أبي مُعَاوِيَةَ، كَمَا قال الحِمَّانِيُّ. انتهى.
وقال ابنُ حَزم(١٠): رَوى بَعضُ النَّاسِ في هَذَا أَثَرًا، فَإِن صَحَّ وَجَبَ(١١)
الوُقُوفُ عِندَه، ولا نَعلَمُه صَحِيحًا، وإلا فَلا يَجُوزُ لِبَاسُه أصلًا؛ لأنه قد مَسَّه
الزَّعفَرَانُ أو الورسُ. انتهى، وكَأَنَّه أَشَارَ إلى هَذَا الحَدِيثِ.
(١) ينظر: المبسوط (٨/٤).
(٣) من: الأصل.
(٥)
الجواهر (٢٩٢/١).
التمهيد (١٢٢/١٥).
بعده في (م)، والتمهيد: ((يحيى بن)). وهو الصواب.
(٩) شرح معاني الآثار (١٣٦/٢).
(١١) في (ح): ((وجوب)).
(٢) الموطأ (٣٢٦/١).
(٤) ليس في: (م).
(٦) البخاري (١٥٤٥).
(٧)
(٨)
(١٠) المحلى (٨٠/٧).

=
بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٥٣
وقال ابنُ المُنذِرِ: اختَلَفُوا في لُبسِ الثَّوبِ الذِي مَسَّه زَعفَرَانٌ أو ورسٌ
فَغُسِلَ وذَهَبَ رِيحُه ونَفضُه، فَمِمَّن رَخَّصَ فيه سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ،
والنَّخَعِيُّ، ورُوي عن عَطَاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُجَاهِدٍ، وبِهِ قال الشَّافِعِيُّ، وأبُو ثَورٍ،
وأصحَّابُ الرَّأي، وكَانَ مَالِكٌ يَكرَه ذلك، إلا أن يَكُونَ غُسِلَ وذَهَبَ لَونُه.
انتهى. واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةَ عَشَرَ: مَورِدُ النَّصِّ في اللُّبسِ، فَلَو أكَلَ مَا فيه زَعفَرَانٌ أو
غَيرُه من أنواعِ الطّيبِ قال أصحابُنَا (١): إن استَهلَكَ الطِّبَ فَلَم يَبْقَ لَه طَعمٌ ولا
لَونٌ ولا رِيحٌ لَم يَحِرُم بِلا خِلافٍ، وإن ظَهَرَتِ هَذِهِ الأوصَافُ حَرُمَ بِلا خِلَافٍ،
وإن بَقِيَتِ الرَّائِحَةُ وحدَها حَرُمَ أيضًا؛ لأنه يُعَدُّ طِيبًا، وإن بَقِيَ الطَّعمُ وحدَه
فَالأَظهَرُ [التَّحرِيمُ، وإن بَقِيَ اللونُ وحدَه فَالأَظهَرُ](٢) عَدَمُ التَّحرِيمِ. وقال
المَالِكِيَّةُ (٣): لا شَيءَ عَلَيه في أكلِ الخَبيصِ (٤) بِالزَّعفَرَانِ. وقِيلَ: إن صَبَغَ الفَمَ
فَعَلَيهِ الفِديَةُ، ومَا خُلِطَ بِالطِّيبِ من غَيرِ طَبخٍ فَفي إِيجَابِ الفِدِيَةِ بِهِ رِوايَتَانٍ. وقال
الحَنَفيةُ: إن أكَلَ الطَّيبَ في طَعَامِ (٢٥١/٥) قَد ◌ُبِخَ وتَغَيَّرَ فَلَا شَيءَ عَلَيه، وإن لَم
يُطبَخ ورِيحُه مَوجُودٌ كُرِهَ لَه ذلك. وقد يُقَالُ: إنَّ تَحرِيمَ الأكلِ حَيثُ حَرُمَ مَأْخُوذٌ
من طَرِيقِ الأولى؛ لأن الأكلَ أبَلَغُ فِي مُخَالَطَةِ الجَسَدِ من الُّبسِ.
■ السَّابِعَةَ عَشَرَ: ظَاهِرُه اختِصَاصُ تَحْرِيمِ الطَّيبِ بِالرَّجُلِ كَالمَذْكُورَاتِ
قَبلَه، لَكِنَّ جَمِيعَ العُلَمَاءِ عَلى أنَّ المَرأةَ في ذلك كَالرَّجُلٍ، وهيَ مُسَاوِيَةٌ لَه في
سَائِرٍ مُحَرَّمَاتِ الإِحرَامِ إلا في لُبسِ المَخِيطِ، وتَقدمَ في(٥) ((سُنَنِ أبِي دَاوُد))،
و (مُستَدرَكِ الحَاكِم)) عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِوَّهُ نَهَى النِّسَاءَ في
إِحرَامِهنَّ عن القُفَّازَينِ والنِّقَابِ، ومَا مَسَّ الورسَ والزَّعِفَرَانَ)). وهَذَا صَرِيحٌ في
تَحرِيمِ الطَّيبِ عَلى النِّسَاءِ، وهو واضِحٌ من حَيثُ المَعنَى، فَإِنَّ الحِكمَةَ في تَحرِیم
(١) ينظر: المجموع (٢٨٤/٧).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣) المدونة (٤٥٩/١).
(٤) الخبيص: حلواء من السمن والتمر يخلطان معًا. القاموس المحيط: (خ ب ص).
(٥) في (ح): ((من)).

=
٣٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الطَّيبِ أَنَّه دَاعِيَةٌ إلى الجِمَاعِ، ولأنَّه يُنَافي تَذَلُّلَ (١) الحَاجِّ، فَإِنَّ الحَاجَّ أشعَثُ
أَغَبَرُ، وهَذَا مُشتَرَكٌ بَينَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ.
الثَّامنةَ عَشَرَ: ظَاهرُهُ إِيَاحَةُ لُبسِ المُورَّسِ والمُزَعفَرِ لِغَيرِ المُحرِمِ، وهو
كَذلك لِلمَرأةِ، ويُعَارِضُه في المُزَعَفَرِ لِلرَّجُلِ مَا في ((الصَّحِيحَينِ))(٢) عن أنَسِ رَضُه :
((أنَّ النَّبِي ◌ََّ نَهَى أَن يَتَزَعفَرَ الرَّجُلُ)). قال الشَّافِعِيُّ(٣): وأنهَى الرَّجُلَ الحَلالَ
بِكُلِّ حَالٍ أَن يَتَزَعِفَرَ، وآمُرُه إذَا تَزَعفَرَ أن يَغْسِلَه. وحَمَلَ الخَطَّابي، والبَيهَقِيُّ(٤)
النَّهيَ عَلى مَا صُبِغَ من الثَِّابِ بَعدَ نَسجِه؛ فَأمَّا مَا صُبِغَ ثُمَّ نُسِجَ فَلا يَدخُلُ في
النَّهي، وحَكَى والِدِي تَظْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) عن بَعضِهم: أنَّه حَمَلَ النَّهيَ عن
التَّزَعِفُرِ عَلى المُحرِمِ، قال: وفيه بُعدٌ. وجَوزَ والِدِي ◌َّهُ أمَرَينٍ آخَرِينَ:
أحَدُهمَا: أنَّ النَّهيَ عن لُبسٍ مَا مَسَّه الورسُ والزَّعفَرَانُ لَيسَ دَاخِلًا في
جَوابِ السُّؤَالِ عَمَّا يَجِتَنِبُه المُحرِمُ، بَل هو كَلامٌ مُنفَصِلٌ مُستَقِلٌّ. ثُمَّ استَبعَدَه،
وهو حَقِيقٌ بِالاسْتِعَادِ، ومِمَّا رَدَّه بِهِ مَا في ((الصَّحِيحَينِ))(٥) عن عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ ،
عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ النَّبي ◌َِّ نَهَى أن يَلْبَسَ المُحرِمُ ثَوبًا مَصبُوغًا بِورسٍ أو
زَعَفَرَانٍ)). قال: فَقَّدَ ذلك بِالمُحرِمِ.
ثَانِيهمَا: حَمَلَ النَّهيَ عَلى لَطخِ الْبَدَنِ بِالزَّعفَرَانِ دُونَ لُبسِ الثَّوبِ المَصْبُوعِ
بِهِ، وأيَّدَه بمَا (٦) في ((سُنَنِ النسائيِّ))(٧) بِإسنَادٍ صَحِيحِ عن أَنَسِ رَُّه، قال: ((نَهَى
رسولُ اللهِ وَ ل﴿ أَن يُزَعِفِرَ الرَّجُلُ جِلدَ)) .
وفي (سُنَنِ أبِي دَاوُد))، و((ابنِ مَاجَه)) وغَيرِهمَا (٨) عن قَيسٍ بِنِ سَعدٍ قال:
((أتَانَا النَّبِيُّ ◌َه فَوضَعْنَا لَه مَاءً يَتَبَرَّدُ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أتَيته بِمِلحَفَةٍ صَفْرَاءَ، فَرَأيتُ أَثَرَ
(١) في (ح): ((بذلك)).
(٣) ينظر: معرفة السنن والآثار (٥٧٦/١).
البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١).
(٢)
(٤)
معرفة السنن والآثار (٥٧٦/١).
(٥)
البخاري (٥٨٤٧)، ومسلم (٣/١١٧٧). (٦) في الأصل: (ما)).
(٧)
النسائي (٥٢٧٢).
أبو داود (٥١٨٥)، وابن ماجه (٤٦٦)، وأحمد (٤٢١/٣).
(٨)

=
بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٥٥
الورسِ عَلى عُكَنِه)). لَفظُ ابنِ مَاجَه. ورَوى أَبُو دَاوُد(١) من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ
مَرفُوعًا (٢٥٢/٥) ((كَانَ يَصبُغُ بِالصُّفْرَةِ ثِيَابَه كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَه)).
ورَواه النسائيُّ(٢) وفي لَفِظِ لَه: ((إنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يَصبُغُ ثِيَابَه [١٥/٢ و]
بِالزَّعفَرَانِ)). وأصلُه في ((الصَّحِيحِ)) (٣) ولَفظُه: ((وأمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأيتُ
رسولَ اللهِ ◌َّ﴿ يَصُغُ بِها».
■ التَّاسِعَةَ عَشَرَ: فيه أنَّه يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ لُبسُ الخُفَّينِ، إلا إذَا لَم يَجِد
نَعَلَيْنٍ، فَيَجُوزُ لَه حِينَئِذٍ لُبسُ الخُفَّينِ، بشرطِ أن يَقْطَعَهمَا حَتَّى يَكُونَا أسفَلَ من
الكَعَبَينِ، وبِهَذَا قَال مَالِكٌ، وأَبُو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيُّ، والجُمهورُ، وهو رِوايَةٌ عن
أحمَدَ(٤) والمَشهورُ عنه: جَوازُ لُبِهمَا بِحَالِهِمَا عِندَ فَقدِ النَّعلَينِ، ولَا يَجِبُ
قَطْعُهمَا(٥)، واستَدَلَّ لَه بِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وجَابِرٍ: ((مَن لَم يَجِد نَعلَينٍ فَليَلْبَس
خُفَّينٍ)). وهمَا في ((الصَّحِيحِ)) (٦). ولَيسَ فيهمَا ذِكرُ القَطع، وزَعَمَ أصحَابُه أنَّ
حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ المُصَرِّحَ بِقَطعِهِمَا مَنسُوخٌ، وقَالُوا: قَطعُهمَا إضَاعَةُ مَالٍ. وقال
عَمُرُو بنُ دِينَارٍ(٧): و(٨) لا أدرِي أيُّ الحَدِيثَيْنِ نَسَخَ الآخَرَ؟ انْظُرُوا أيُّهمَا قَبلُ.
وقال الجُمهورُ: يَجِبُ حَمَلُ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وجَابِرٍ، عَلى حَدِيثِ ابنِ
عُمَرَ؛ لأنهمَا مُطلَقَانٍ، وفي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ زِيَادَةٌ لَم يَذْكُرَاها، يَجِبُ الأخذُ
بِها، قال الشَّافِعِيُّ كَُّ (٩): ابنُ عُمَرَ، وابنُ عَبَّاسِ طِشُهَا كِلاهمَا صَادِقٌ حَافِظٌ،
ولَيسَ زِيَادَةُ أحَدِهمَا عَلى الآخَرِ شَيئًا لَم يُؤَدِّه الآخَرُ؛ إمَّا عَزَبَ عنه، وإمَّا شَكَّ
فيه فَلَمْ يُؤَدِّه، وإمَّا سَكَتَ عنه، وإمَّا أدَّاه فَلَم يُؤَدِّ عنه لِبَعضِ هَذِهِ المَعَانِي
اختَلَفَا. انتهى. وقَولُهم: إنَّه إضَاعَةُ مَالٍ مَردُودٌ، فَإِنَّ الإضَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ في
(١) أبو داود (٤٠٤٦).
(٢) النسائي (٥١٣٠).
(٣)
البخاري (١٦٦)، ومسلم (٢٥/١١٨٧). (٤) ينظر: الإشراف (٢٢٣/٣).
(٥)
ينظر: المغني (١٢٠/٥).
(٦) البخاري (١٨٤٣)، ومسلم (٤/١١٧٨) عن ابن عباس، ومسلم (٥/١١٧٩) عن جابر.
(٧) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (٥١/٥). (٨) ليس في: (ح).
(٩) الأم (٣٦٨/٣).

كم
٣٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المَنهيِّ عنه، وأمَّا مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرعُ فَهو حَقٌّ يَجِبُ الإذْعَانُ لَه. والله أعلَمُ.
وحَكَى الخَطَّابِيُّ(١) عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ أنَّه لا يَقطَعُهمَا؛ لأن في قَطْعِهِمَا
إفسادًا، ثُمَّ قال: يُشبِه أن يَكُونَ لَم يَبلُغه حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ، قال: والعَجَبُ من
أحمَدَ في هَذَا فَإِنَّه لا يَكَادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبلُغُه، وقَلَّت سُنَّةً لَم تَبلُغه.
وقال ابنُ العَرَبي(٢): أمَّا عَطَاءٌ فَيَهمُ في الفَتوى، وأمَّا أحمَدُ فَعَلى صِرَاطِ
مُستَقِيم. قال: وهَذِه القَولَةُ لَا أرَاها صَحِيحَةً؛ فَإِنَّ حَمَلَ المُطلَقِ عَلى المُقَيَّدِ أصلُ
أحمَدَ. انتهى. وفي ((سُنَنِ النسائيّ))(٣) بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ في حَدِيثٍ ابن عَبَّاسٍ: ((وإذَا
لَم يَجِد النَّعلَينِ فَلَيَلبَس الخُفَّينِ، ولَيَقطَعهمَا أسفَلَّ من الكَعبَينِ)). ولِلشَّيخِ تَقِيِّ
الدِّينِ(٤) هنَا بَحثٌ رَدَّه الوالِدُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) وبَسَطَ فيه هَذِهِ المَسألَةَ.
(٥الفَائِدَةُ العِشرُونَ(٥): ظَاهرُه أنَّه إذَا فَعَلَ مَا ذَكَرْنَاه من لُبسِ الخُفَّينِ
مَقْطُوعَينِ لِعَدَمِ النَّعَلَينِ لَم تَكُنْ عَلَيهِ فِديَّةٌ، فَإِنَّها لَو وجَبَت لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ ◌َهِ، وَهَذَا
مَوضِعُ بَيَانِها، وهو من جِهَةِ المَعنَى واضِحٌ، فَإِنَّه لَم يَرتَكِب مَحْظُورًا، وبِهَذَا قال
مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وآخَرُونَ، وقال أبُو حَنِيفَةَ وأصحابُه: عَلَيه الفِديَةُ، كَمَا إِذَا
احتَاجَ إلى حَلقِ الرَّأسِ يَحلِقُه ويقدِي .
الحَادِيَةُ والعِشرُونَ(٦): قال الجُمهورُ: المُرَادُ بِالكَعبَينِ في هَذَا
المَوضِعِ وغَيرِهِ: العَظمَانِ النَّاتِثَانِ عِندَ مِفصَلِ السَّاقِ والقدم، وقال مُحَمَّدُ بنُ
الحَسَنِ: المُرَادُ بِالكَعبِ هنَا المِفصَلُ الذِي في وسَطِ القدمِ عِندَ مَعقِدٍ
الشِّرَاكِ، وتَبِعَه عَلى ذلك الحَنَفيةُ(٧). ولا يُعرَفُ عِندَ أهلِ اللَّغَةِ اسْتِعمَالُ الكَعبِ
في هَذَا .
الثَّانِيَةُ والعِشرُونَ(٨): فيه أنَّه لا يَجُوزُ لُبسُ الخُفَّيْنِ مَقْطُوعَينٍ إلا عِندَ
فَقدِ النَّعَلَينِ، وهو الأصَحُّ عِندَ أصحَابِ الشَّافِعِيِّ، وبِه قال مَالِكٌ، والليثُ. وكَذَا
(١) معالم السنن (١٧٦/٢).
(٣) النسائي (٢٦٧٨).
(٥ - ٥) في الأصل: ((العشرين)).
(٧) ينظر: المبسوط السرخسي (١٣/١).
(٢) عارضة الأحوذي (٥٥/٤، ٥٦).
(٤) ينظر: إحكام الأحكام (ص ٤٥٠).
(٦) في الأصل: ((والعشرين)).
(٨) في الأصل: ((والعشرين).

=
بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاُ لَه
٣٥٧
قال الحَنَابِلَةُ: لَو لَبِسَ واجِدُ النَّعلِ خُقَّ مَقْطُوعًا تَحتَ الكَعبِ لَزِمَته الفِديَةُ، وَذَهَبَ
بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ إلى جَوازٍ لُبِه مَعَ وُجُودِهمَا؛ لأنه صَارَ في مَعنَاهمَا، وهو قَولُ
أبي حَنِيفَةً، أو بَعضِ أصحابِهِ (١)، حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ، وابنُ العَرَبي(٢) عن أبي
حَنِيفَةَ، وحَكَاه المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عن بَعضِ أصحَابِهِ، وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ نَفسِه
مُوافَقَةُ مَالِكٍ والجُمهورِ، وقال ابنُ العَرَبي: والذِي أَقُولُ: إنَّه إن كَشَفَ الكَعبَ
لَبِسَهِمَا إِن لَم يَجِد نَعلَينٍ، وإن وجَدَ النَّعلَينِ لَم يَجُز لَه لُبسُهمَا، حَتَّى يَكُونَا كَهَيْئَةٍ
النَّعَلَينِ لا يَستُرَانِ من ظَاهرِ الرِّجلِ شَيْئًا .
] الثّالثةُ والعِشرُونَ: هَذَا الحُكمُ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ، أمَّا المَرأةُ فَلَها لُبسُ
الخُفَّينِ مُطلَقًّا، قال ابنُ المُنذِرِ (٣): وبِه قال كُلُّ مَن يُحفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ.
انتَهَى. لَكِن [١٥/٢ظ] في ((سُنَنِ أبي دَاوُد))(٤): ((أنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يَصنَعُ ذلك؛
يعني: يَقطَعُ الخُفَّيْنِ لِلمَرأةِ المُحرِمَةِ، ثُمَّ حَدَّثَتَه صَفيةُ بِنتُ أبي عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ
حَدَّثَتَها أنَّ رسولَ اللهِوَّه قد كَانَ رَأَخَّصَ لِلنِّسَاءِ في الخُفَّيْنِ، فَتَرَكَ ذَلِك)) .
وقال ابنُ عَبدِ البَرّ(٥): لا يَقُولُ بِه أحَدٌ من أهلِ العِلم(٦)، فيمَا عَلِمتُ،
وهَذَا إِنَّمَا كَانَ من ورَعِ ابنِ عُمَرَ وكَثَرَةِ اتِّبَاعِه؛ فَاستَعمَلَ مَا حَفِظَ عَلى عُمُومِه
حَتَّى بَلَغَه فيه الخُصُوصُ.
الزَّابِعَةُ والعِشرُونَ: في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ في ((الصَّحِيحَينِ))، وجَابٍِ
في ((صَحِيحٍ مسلم)) زِيَادَةٌ لَيسَت في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، وهيَ لُبسُ السَّرَاوِيلِ لِمَن لَم
يَجِد إِزَارًا، ولَم يُّبلُغ ذلك مَالِكًا فَأَنْكَرَه؛ فَفي ((المُوطَّ)(٧): أنَّه سُئِلَ عَمَّا ذُكِرَ عن
النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ أَنَّه قال: ((مَن لَم يَجِد إزَارًا فَليَلبَس سَرَاوِيلَ)). فقال مَالِكٌ: لَم أسمَع
بِهَذَا، ولا أرَى أن يَلبَسَ المُحرِمُ سَرَاوِيلَ؛ لأن رسولَ اللهِ ◌َّ نَهَى عن لُبسٍ
(١) ينظر: الإشراف (٢٢٣/٣).
(٢) التمهيد (١١٤/١٥)، وعارضة الأحوذي (٥٦/٤).
(٣)
الإجماع (ص٦٤).
(٤) أبو داود (١٨٣١).
التمهيد (١١٦/١٥).
(٥)
(٧) الموطأ (٣٢٥/١).
(٦) ليس في: (ح).

٣٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
(٥٤/٥م) السَّرَاوِيلَاتِ فيمَا نَهَى عنه من لُبسِ الفَِّابِ التي لا يَنبَغِي لِلمُحرِمِ أن
يَلْبَسَها، ولَم يَستَثنِ فيها كَمَا(١) استَثْنَى في الخُفَّيْنِ. وبِهِ قال أَبُو حَنِيفَةَ، كَمَا حَكَاه
ابنُ المُنذِرِ، والخَطَّبيُّ(٢) .
قال(٣) ابنُ عَبدِ البَرّ(٤): وقال عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحِ، والشَّافِعِيُّ، وأصحابُه،
والثَّورِيُّ، وأحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، وإسحَاقُ بنُ رَاهويه، وأبُوَ ثَورٍ، ودَاوُد: إذَا لَم يَجِد
المُحرِمُ إِزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، ولا شَيءَ عَلَيه. وحَكَاه النَّووِيُّ(٥) عن الجُمهورِ،
قال: ولا حُجَّةَ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ لأنه ذَكَرَ فيه حَالَةَ وُجُودِ الإزَارِ، وذَكَرَ في
حَدِيثَي ابنِ عَبَّاسٍ، وجَابِرٍ حَالَةَ العَدَمِ فَلا مُنَافَاةَ. والله أعلمُ.
وقال الرَّازِيُّ من الحَنَفيةِ: يَجُوزُ لُبسُه وعَلَيه الفِديَةُ. وأجَابَ بَعضُ الحَنَفيةِ
عن هَذَا الحَدِيثِ: بِأَنَّه مَترُوكُ الظَّاهِرِ، ثُمَّ حَكَى عن القُدُورِيِّ أنَّه قال في
((التَّجرِيدِ)(٦): وافَقُونَا عَلى أنَّ السَّرَاوِيلَ لَو كَانَ كَبِيرًا يُمكِنُ أن يَتَّزِرَ بِهِ من غَيْرِ
فَتَقٍ، لَم يَجُز لُبسُه لأنَّه واجِدٌ الإزَارِ، وكَذَا لَو خَاطَ إزَارَه سَرَاوِيلَ قِطعَةً واحِدَةً،
لا يَجُوزُ لُبسُه، وإن لَم يَجِد إزَارًا غَيرَه؛ لأنه إزَارٌ في نَفسِه إذَا فَتَقَه .
قال والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): لا يَحسُنُ الاعتِرَاضُ بِهاتَينٍ
الصُّورَتَينِ؛ لأنه واجِدٌ لِلإِزَارِ فيهمَا، وقد عَلَّلَه القُدُورِيُّ بِذلك، وإِنَّمَا يَجُوزُ لُبسُ
السَّرَاوِيلِ عِندَ عَدَمٍ وِجِدَانِ الإزَارِ، فَلَيسَ الحَدِيثُ إذَا مَترُوكَ الظَّاهِرِ.
الخَامِسَةُ والعِشرُونَ: إن قُلتَ: مَا المُرَادُ بِعَدَمٍ وِجَدَانِ الإِزَارِ
والنَّعلَينِ؟
(١) في الأصل: ((ما)).
(٢) الإشراف (٢٢٢/٣)، ومعالم السنن (١٧٧/٢).
(٣)
في الأصل، (ح): ((و)).
(٥)
المجموع (٢٧٨/٧).
(٤) التمهيد (١١٢/١٥).
(٦) هو: ((التجريد في الفروع))، أفرد فيه ما خالف الشافعي من المسائل، وهو لأبي الحسن
أحمد بن محمد بن أحمد القدوري البغدادي، توفى سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. كشف
الظنون (٣٤٦/١)، هدية العارفين (٣٩/١).

=
بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه
٣٥٩
قُلتُ: قال الرَّافِعِيُّ (١): المُرَادُ منه أن (٢) لَا يَقدِرَ عَلى تَحصِيلِه، إمَّا لِفَقدِه
في ذلك المَوضِعِ، أو لِعَدَمِ بَذلِ المَالِكِ إِيَّهِ، أو لِعَجزِه عن الثَّمَنِ إِن بَاعَه، أو
الأُجرَةِ إن آجَرَه. قال: ولَوَ بيعَ بِغَبنِ أو نَسِيئَةٍ لَم يَلزَمه شِرَاؤُه، ولَو أُعِيرَ منه
وجَبَ قَبُولُه، ولَو وُهبَ(٣) لَم يَجِب، ثُمَّ قال: ذَكَرَ هَذِهِ الصُّورَ القَاضِي ابنُ كَجِّ .
وحَكَاه النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٤) عن أصحَابِنَا .
السَّادِسَةُ والعِشرُونَ: لَم يَأمُر بِقَطعِ السَّرَاوِيلِ عِندَ عَدَمِ الإزَارِ كَمَا في
الخُفِّ، وبِه قال أحمَدُ(٥)، وهو الأصَحُّ عِندَ أكثَرِ الشَّافِعِيَّةِ (٦)، وقال إمَامُ الحَرَمَينِ
والغَزَّالِيُّ(٧): لا يَجُوزُ لُبسُ السَّرَاوِيلِ عَلى حَالَةٍ، إلا إذَا لَم يَتَأْتَّ فَتْقُه وجَعلُه
إِزَارًا، فَإِن تَأَتَّى ذلك لَم يَجُز لُبسُه، وإن لَبِسَه لَزِمَتَه الفِديَةُ. وقال الخَطَّابي(٨):
يُحْكَى عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّه قال: يَشُقُّ السَّرَاوِيلَ ويَّزِرُ بِهِ.
قال الخَطَّابي: والأصلُ فِي المَالِ أنَّ تَضيِيعَه مُحَرَّمٌ، والرُّخصَةُ إذَا جَاءَت
في لُبسِ السَّرَاوِيلِ فَظَاهرُها اللُّبسُ (٢٥٥/٥) المُعتَادُ، وسَترُ العَورَةِ واجِبٌ، فَإِذَا
فَتَقَ السَّرَاوِيلَ واتَّزَرَ بِهِ لَم تَستَتِرِ العَورَةُ، فَأمَّا الخُفُّ: فَإِنَّه لا يُغَطِّ عَورَةً، وإنَّمَا
هو لِبَاسُ رِفقٍ وزِينَةٍ، فَلا يَشَبِهانِ. قال: ومُرسَلُ الإذنِ فِي لِيَاسِ السَّرَاوِيل إِيَاحَةٌ
لا تقتضي غَرَامَةً. انتَهَى. وحَكَى الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)) (٩): أنَّ غَيرَ
أحمَدَ من الفُقَهاءِ لا يُبيحُ السَّرَاوِيلَ عَلى هَيئَتِهِ إذَا لَم يَجِد الإزَارَ. قال والِدِي ◌َّهُ
في (شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): وكَأنَّه يُشِيرُ إلى مَا حُكِيَ عن أبي حَنِيفَةً، والإمَامِ،
والغَزَّالِيِّ، وإلا فَالأكثَرُونَ عَلى [١٦/٢ و] الجَوازِ. واللهُ أعلمُ.
ا السَّابِعَةُ والعِشرُونَ: قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (١٠): قال العُلَمَاءُ:
الحِكمَةُ في تَحرِيمِ اللَّبَاسِ المَذكُورِ عَلى المُحرِمِ ولِبَاسِه الإَّزَّارَ والرِّدَاءَ، أن يَبْعُدَ
عن الثَّرَقُّه، ويَتَّصِفَ بِصِفَةِ الخَاشِعِ الذَّلِيلِ، ولَيَتَذَكَّر أنَّه مُحرِمٌ في كُلِّ وقتٍ،
(١) الشرح الكبير (٤٥٤/٧).
بعده في الأصل: ((له)).
(٣)
(٥)
ينظر: المغني (١٢١/٥).
(٧) الوسيط (٢ /٦٨١).
إحكام الأحكام (ص ٤٥٠).
(٩)
(٢) في (م): ((أنه)).
(٤) المجموع (٢٧٥/٧).
(٦) ينظر: المجموع (٧ /٢٧٤).
(٨) معالم السنن (١٧٧/٢).
(١٠) شرح صحيح مسلم (٧٤/٨).

=
=
٤٣٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَيَكُونُ أقرَبَ إلى كَثرَةِ أذكَارِهِ، وأبلَغَ في مُرَاقَبَتِه وصِيَانَتِهِ لِعِبَادَتِهِ، وامتِنَاعِه من
ارتِكَابِ المَحْظُورَاتِ، ولَيَتَذَكَّر بِهِ المَوتَ ولِبَاسَ الأكفَانِ، ويَتَذَكَّرَ(١) البَعثَ يَومَ
القِيَامَةِ؛ حُفَاةً عُرَاةً مُهطِعِينَ إلى الدَّاعِي.
الحَدِيثُ الثَّانِي
وعنه؛ أنَّ رسولَ اللهِ وََّ، قال: «خَمسٌ من الدَّوابِّ لَيسَ عَلى
المُحرِمِ في قَتلِهِنَّ جُنَاحٌ: الغُرَابُ، والحِدَأَةُ، والعَقرَبُ، والفَأْرَةُ، والكَلبُ
العَقُورُ).
و(٢) عن سَالِم، عن أبيه، قال: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ عَمَّا يَقتُلُ المُحرِمُ من
الدَّوابِّ؟ فقال: ((خَمسٌ لَا جُنَاحَ في قَتلِهِنَّ عَلى مَن قَتَلَهنَّ في الحَرَمِ
والمُحرِمِ: العَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، والغُرَابُ، والحِدَأَةُ، والكَلِبُ العَقُورُ)).
(٥٦/٥م) الحَدِيثُ الثَّالِثُ
وعن عُروةَ، عن عَائِشَةَ، قالت: ((أمَرَ رسولُ اللهِ وَّهُ بِقَتلِ خَمسِ
فَواسِقَ في الحِلِّ(٣) والحَرَمِ: الحِدَأَةُ، والغُرَابُ، والفَأْرَةُ، والعَقرَبُ،
والكَلبُ العَقُورُ)).
فيهما فوائدُ:
الأُولى: حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأُولى الشَّيخَانِ
والنسائيُّ(٤) من طَرِيقِ مَالِكٍ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، وفي رِوايَةِ البخاريِّ ضَمَّ
(١) في الأصل، (م): ((وليتذكر)).
(٣) بعده في الأصل: ((فيه)).
(٢) ليس في: الأصل.
(٤) البخاري (١٨٢٦)، ومسلم (٧٦/١١٩٩)، والنسائي (٢٨٢٨).