Indexed OCR Text
Pages 281-300
= ٢٨١ بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ الحَادِيَةُ والخَمسُونَ: قَولُهُ: ((الَّذِي أَنزِلَ على مُوسَى))، كَذَا في ((الصَّحِيحَينِ)) وغَيرِهِمَا، وهو المَشهُورُ، قَالَ النَّووِيُّ(١): ورَوينَاهُ في غَيرٍ الصَّحِيحِ: ((نَزَلَ على عِيسَى))(٢)، وكِلاهُمَا صَحِيحٌ. انتَهَى. وقَالَ السُّهَيِيُّ (٣): إنَّمَا ذَكَرَ مُوسَى، ولَم يَذكُر عِيسَى وهو أقرَبُ؛ لأنَّ ورَقَةَ كَانَ قَد تَنَصَّرَ والنَّصَارَى لا يَقُولُونَ في عِيسَى: إنَّهُ نَبِيِّ يَأْتِهِ جِبرِيلُ، إِنَّمَا يَقُولُونَ فيهِ: إنَّ(٤) أقنُومًا من الأقَانِيمِ الثَّلاثَةِ اللاهُوِيَّةِ حَلَّ بِنَاسُوتِ المَسِيحِ واَّحَدَ به، على اختِلافٍ بَينَهُم في ذَلِكَ الحُلُولِ، وهو أقنُومُ الكَلِمَةِ، والكَلِمَةُ عِندَهُم عِبَارَةٌ عَن العِلمِ، فَلذلك كَانَ المَسِيحُ في عِلمِهِم يَعلَمُ الغَيبَ ويُخبِرُ بِمَا فِي غَدٍ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا من مَذهَبِ النَّصَارَى الْكَذَبَةِ على اللهِ المُدَّعِينَ المُحَالَ، عَدَلَ عَن عِيسَى إِلَى مُوسَى، لاعتِقَادِهِ أنَّ جِبرِيلَ كَانَ يَنْزِلُ على مُوسَى، لَكِن وَرَقَةُ قَد ثَبَتَ إِيمَانُهُ بِمُحَمَّدٍ (٥) عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَوى التِّرمِذِيُّ (٦): ((أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَآهُ في المَنَامِ وعَلَبِهِ ثِيَابٌ بِيضٌ)). قُلت: ورَوى أبُو يَعلَى المَوصِلِيُّ، وأبُو بَكرِ البَزَّارُ في ((مُسنَدَيهِمَا))(٧)؛ من طَرِيقِ مُجَالِدٍ، عَن الشَّعبِيِّ، عَن جَابِرِ بنِ (٨) عَبدِ اللهِ: أنَّ النَّبِيَّي ◌ََّ سُئِلَ عَن ورَقَةَ بنِ نَوفَلٍ، فَقَالَ: ((أبصَرتُهُ في بُطَانِ الجَنَّةِ عَلَيهِ سُندُسٌ))، ورَوى البَزَّارُ(٩) أيضًا بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ من حَدِيثٍ عَائِشَةَ، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تَسُبُّوا ورَقَةَ، فَإِنِّي رَأيت لَهُ جَنَّةً أو جَتَتَينٍ)). والظَاهِرُ: أنَّ ورَقَةً لَم يَكُن مُتَمَسِّكًا بِالمُبدَلِ من النَّصرَانِيَّةِ، (١٩٥/٤م) وإِنَّمَا كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالصَّحِيحِ منها الَّذِي هُو على الحَقِّ، فَلَم يَكُنْ يَعتَقِدُ هَذَا الاعتِقَادَ. شرح صحيح مسلم (٢٠٣/٢). (١) (٢) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (١٨١/٣). (٣) الروض الأنف (٤٠٩/١). (٥) في (ك): ((لمحمد)». (٧) أبو يعلى (٢٠٤٧). (٤) ليست في (م). (٦) الترمذي (٢٢٨٨). (٨) في (الأصل): ((عن)). (٩) البزار، كما في الأحكام الكبرى لعبد الحق الإشبيلي (٤٦٩/٤)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٦٠٩). ٢٨٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَيُحْتَمَلُ عِندِي أن يُجَابَ عَن ذِكِرٍ مُوسَى دُونَ عِيسَى عَّهِ: بِأَنَّ جِبرِيلَ جَاءَ لِمُوسَى بِشَرِيعَةٍ مُبِتَدَأَةٍ، غَيرٍ مَبنِيَّةٍ على شَرِيعَةٍ قَبلَها، وكَذَا كَانَ مَجِيتُهُ لِمُحَمَّدٍ بَلَّهَ بِخِلافٍ عِيسَى، فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَاءَهُ(١) بِشَرِيعَةٍ مُقَرِّرَةٍ لِلشَّرِيعَةِ [٣٢١/١ظ] الَِّي قَبَلَها، وهِيَ شَرِيعَةُ مُوسَى، لا تُخَالِفُها إلا في يَسِيرٍ من الأحكَامِ، ولَعَلَّ هَذَا هُو السَّبَبُ في قَولِ الجِنِّ المُستَمِعِينَ لِلقُرآنِ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠]، فَذَكَرُوا مُوسَى وَلَم يَذْكُرُوا عِيسَى، وهو أقرَبُ، وهو نَظِيرُ هَذَا الحَدِيثِ سَواءً. واللهُ أعلمُ. ] الثَّانِيَةُ والخَمسُونَ: قَولُهُ: ((يَا لَيتَنِي فيها))؛ أي: في أيَّامِ النُّبُوةِ ومُذَّتِها، قَالَهُ النَّووِيُّ(٢)، ويُحتَمَلُ أن يُرِيدَ أيَّامَ المُحَارَبَةِ والدَّعوةِ، فَإِنَّهُ قَد أدرَكَ مَبدَأ الثُّبُوةِ. وقَولُهُ: ((جَذَعًّا))، بِالجِيم والذَّالِ المُعجَمَةِ، يَعِنِي: شَابًّا قَوِيًّا، حَتَّى أَبَالِغَ في نُصرَتِك، والأصلُ في الجَذَع لِلذَّوابِّ، وهو هُنَا اسْتِعَارَةٌ، والرِّوايَةُ عِندَ المُصَنِّفِ، وفي ((الصَّحِيحَينِ)) وغَيرِهِمَا: ((جَذَعًا)) بِالنَّصبِ، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ(٣): ووقَّعَ في رِوايَةِ ابنِ مَاهانَ في مُسلِمٍ: ((جَذَعٌ)) بِالرَّفعِ، وكَذَلِكَ هُو في رِوايَةِ الأصِيلِيِّ في الْبُخَارِيِّ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ ظَاهِرَةُ التَّوجِيهِ. وأمَّا النَّصبُ: فَاختَلَفَ العُلَمَاءُ في تَوجِيهِهِ، فَقَالَ الخَطَّابِيُّ والمَازَرِيُّ وغَيْرُهُمَا (٤): نُصِبَ على أنَّهُ خَبَرُ كَانَ المَحِذُوفَةِ، تَقَدِيرُهُ: لَيْتَنِي أَكُونُ فيها جَذَعًا، وهَذَا يَجِيءُ على مَذهَبِ الكُوفيينَ. قُلتُ: واختَارَ ابنُ مَالِكِ جَوازَهُ على قِلَّةٍ (٥)، (١) في (الأصل): ((جاء)). (٢) شرح صحيح مسلم (٢٠٣/٢). (٣) إكمال المعلم (٤٨٩/١). (٤) أعلام الحديث (١٣١/١)، والمعلم (٩٣/١). (٥) قال ابن مالك: ... ويحذفونها ويبقون الخبر .. وينظر: شرح ابن عقيل (٢٧١/١). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجاورَةِ ٢٨٣ وإن لَم يَكُن ذَلِكَ بَعدَ ((أن))(١) و(لَو))، ومنهُ(٢) قَولُ الشَّاعِرِ: من لَدُ شَولا فَإلَى انتِلائها(٣) أي: من لَدُن كَانَت شَولاً إِلَى أن تَلاها ولَدُها . وقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ (٤): الظَّاهِرُ عِندِي أنَّهُ مَنصُوبٌ على الحَالِ وخَبَرُ لَيتَ قَولُهُ: فيها . قَالَ النَّوِيُّ(٥): وهَذَا الَّذِي اختَارَهُ القَاضِي هُو الصَّحِيحُ الَّذِي اختَارَهُ أهلُ التَّحِقِيقِ والمَعرِفَةِ من شُيُوخِنَا وغَيرِهِم مِمَّن يُعتَمَدُ. الثَّالِثَةُ والخَمسُونَ: قَولُهُ: ((أَكُونُ حَيَّا حِينَ يُخرِجُك قَومُك))؛ أي: يَضطَرُّونَك لِلخُرُوجِ، كَمَا وَقَعَ في الهِجِرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، فَإِنَّهُم لَم يُبَاشِرُوا إخرَاجَهُ؛ بَل حَرَصُوا على عَدَمِ خُرُوجِهِ، ولَكِنَّهُم اضطَرُّوهُ إِلَى ذَلِكَ بِمَا فَعَلُوهُ مَعَهُ من الأَذَى، ومَنِعِهِ إِقَامَةَ الدِّينِ وعِبَادَةِ رَبه، وفي التَّنزِيلِ: ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ قَرْيَةٍ هِىَ﴾ (١٩٦/٤م) ﴿َشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِىّ أَخْرَجَنْكَ﴾ [محمد: ١٣]. الرَّابِعَةُ والخَمسُونَ: قَولُهُ: ((أو مُخرِجِيَّ هُم))، بِفَتْحِ الهَمزَةِ والواوٍ، وكُسرِ الجِيمِ، وفَتحِ اليَاءِ وتَشدِيدِها، وهو جَمعُ مُخرِجٍ، وأصلُهُ: مُخرِجُويَ، فَأَدْغِمَت الواوُ في الْيَاءِ؛ فَاليَاءُ الأولَى يَاءُ الجَمع، والثَّانِيَةُ ضَمِيرُ المُتَكَلِّم، وفُتِحَت لِلتَّخَقُّفِ؛ لِئَلا تَجْتَمِعَ الكَسرَةُ والْيَاءَانِ بَعدَ كَسْرَتَيْنِ. قَالَ النَّووِيُّ(٦): هَكَذَا الرِّوايَةُ، ويَجُوزُ تَخفيفُ اليَاءِ على وجهٍ، والصَّحِيحُ المَشهُورُ تَشدِيدُها، وهو مِثلُ قَوله تَعَالَى: ﴿بِنُصْرِخِىٌ﴾ [إبراهيم ٢٢]. الخَامِسَةُ والخَمسُونَ: قَولُ ورَقَةَ: ((نَعَم))، يَحتَمِلُ أن يَكُونَ عَلِمَهُ من كُتُبِ أهلِ الكِتَابِ وعُلَمَائِهِم، فَقَالَهُ بِنَقلٍ، ويُحتَمَلُ أنَّهُ قَالَهُ بِاسْتِقِرَاءٍ وتَجرِيَةٍ. (١) في (الأصل): ((إذ)). (٢) من هنا يبدأ خرم في (ك) ينتهي في أثناء الفائدة الثامنة والخمسين. (٣) سبق تخريجه. (٤) إكمال المعلم (٤٨٨/١ - ٤٨٩). (٥) شرح صحيح مسلم (٢/ ٢٠٤). (٦) شرح صحيح مسلم (٢٠٤/٢). ٢٨٤ 3 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَعلى الأولِ قَولُهُ: ((لَم يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئتَ به إلا عُودِيَ))، خَرَجَ مَخْرَجَ التَّسلِيَةِ لَهُ، وأنَّ هَذَا شَأْنُ الأنبِيَاءِ قَبلَك، أَذَى قَومِهِم لَهُم وصَبرُهُم على ذَلِكَ، وعلى الثَّانِي: يَكُونُ هَذَا الكَلامُ خَرَجَ مَخرَجَ الدَّلِيلِ والاستشهادِ لصِحَّةٍ(١) مَا قَالَهُ. ■ السَّادِسَةُ والخَمسُونَ: في رِوايَةِ ابنِ إسحَاقَ(٢): أنَّ ورَقَةَ قَالَ: (لَتُكَذِّبَنَّهُ، وَتُؤْذِيَنَّهُ ولَتُخرِ جَنَّهُ))، فَقَالَ: ((أو مُخرِجِيَّ هُم؟))، فَقَالَ السُّهَيِيُّ(٣): في هَذَا دَلِيلٌ على حُبِّ الوطَنِ وشِدَّةِ مُفَارَقَتِهِ على النَّفْسِ، فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: ((لَتُكَذِّبَنَّهُ)) فَلَم يَقُل شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: ((ولَتُؤْذِيَنَُّ))، فَلَم يَقُل لَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: ((وَلَتُخرِ جَنَّهُ))، فَقَالَ: ((أو مُخرِجِيَّ هُم))؟ قَالَ: وأيضًا، فَإِنَّهُ حَرَمُ اللهِ وجِوارُ بَيتِهِ وبَلدَةُ أَبِيهِ إسمَاعِيلَ، فَلذلك تَحَرَّكَت نَفسُهُ [٣٢٢/١و] عِندَ ذِكرِ الخُرُوجِ منهُ مَا لَم تَتَحَرَّك قَبلَ ذَلِكَ. قَالَ: والمَوضِعُ الدَّالُ على تَحَرُّكِ النَّفسِ وتَحَرُّقِها إدخَالُ الواوِ بَعدَ ألفِ الاسْتِفهامِ، مَعَ اختِصَاصِ الإِخِرَاجِ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ الواو تُرَدُّ إلَى الكَلامِ المُتَقَدِّم، وتُشعِرُ المُخَاطَبَ بِأنَّ الاستِهامَ على جِهَةِ الإِنكَارِ أو التفجع (٤) لِكَلامِهِ والتَّالَّم منهُ. انتَهَى. وقَالَ النَّوِيُّ في ((شَرحِ البُخَارِيِّ)): استَبعَدَ النَّبِيُّ وََّ أن يُخرِجُوهُ من غَيرِ سَبَبٍ، فَإِنَّهُ لَم يَكُن منهُ فيمَا مَضَى ولا فيمَا بَعدَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي إخرَاجًا؛ بَل كَانَت منهُ الأسبَابُ المُتَكَاثِرَاتُ والمَحَاسِنُ المُتَظَاهِرَاتُ المُوجِبَاتُ إكرَامَهُ وإنزَالَهُ بِأعلَى الدَّرَجَاتِ. انتَهَى. السَّابِعَةُ والخَمسُونَ: قَولُهُ: ((وإن يُدرِكنِي يَومُك))، كَذَا فِي رِوايَةٍ المُصَنِّفٍ و((الصَّحِيحَينِ)) وغَيرِهِمَا، وفي رِوايَةِ ابنِ إسحَاقَ(٥): ((إن أدرِك ذَلِكَ اليَومَ). قَالَ السُّهَيِيُّ(٦): والأولُ هُو القِيَاسُ؛ لأنَّ ورَقَةَ سَابِقٌ بِالوُجُودِ، والسَّابِقُ هُو الَّذِي يُدرِكُهُ مَن يَأْتِي بَعدَهُ، كَمَا جَاءَ ((أشقَى النَّاسِ مَن أدرَكَتْهُ (١٩٧/٤م) السَّاعَةُ وهو حَيٍّ))(٧). قَالَ: ورِوايَةُ ابنٍ إسحَاقَ لَها أيضًا وجهٌ؛ لأنَّ المَعنَى: إن (١) في (م): ((بصحة)). الروض الأنف (٤١٣/١). (٣) (٥) سيرة ابن هشام (٢٣٨/١). البخاري (٧٠٦٧). (٧) (٢) سيرة ابن هشام (٢٣٨/١). (٤) في (م): ((والتكلف)). (٦) الروض الأنف (٤٠٩/١). = ٢٨٥ بَابُ الاعتِكَافِ والمُجاورَةِ أَرَ ذَلِكَ اليَومَ، فَسَمَّى رُؤيَتَهُ إدراكًا، وفي التَّنزِيلِ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ أي: لا تَرَاهُ على أحَدِ القَولَيْنِ. انتَهَى. وقَولُهُ: ((يَومُك))؛ أي: وقتُ إخرَاجِك، أو وقتُ انتِشَارِ نُبُوتِك. ■ الثَّامنةُ والخَمسُونَ: قَولُهُ: ((مُؤَزَّرًا))، بِضَمِّ المِيمِ، وفَتحِ الهَمزَةِ والزَّاي، وتَشدِيدِها، وبَعدِها رَاءٌ مُهمَلَةٌ؛ أي: قَوِيًّا بَالِغًا من الأزرِ، وهو القُوةُ والعَونُ، وقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ(١): كَذَا جَاءَتِ الرِّوايَةُ مُؤَزَّرًا، قَالَ بَعضُهُم: أصلُهُ مُوزرًا؛ لأنَّهُ من وازَرتُ؛ أي: عَاونت، ويُقَالُ فيهِ: آزَرت. قَالَ: ويُحتَمَلُ أنَّ الألِفَ سَقَطَت، إذ لا أصلَ لِمُؤَزَّرٍ في الكَلامِ، وَرَجَّحَ القَاضِي عِيَاضُ الأولَ، قَالَ: ولَو كَانَ على مَا ذَهَبَ (٢ إلَيهِ هَذَا٢) القَائِلُّ - لَكَانَ صَوابُ الكَلامِ: مُؤَازِرًا(٣) بِكَسرِ الزَّايٍ، وذَكَرَ في ﴾ (٤) ((المَشَارِقٍ))(٥) أنَّ قَولَهُ: ((مُؤَزَّرًا))، يُهمَزُ ويُسَهَّلُ. ■ التَّاسِعَةُ والخَمسُونَ: قَالَ والِدِي تَخْذُهُ في ((نُكَتِ ابنِ الصَّلاحِ)) (٦): يَنْبَغِي أن يُقَالَ: إِنَّ أولَ مَن آمَنَ من الرِّجَالِ ورَقَةُ بنُ نَوفَلٍ، لِهَذَا الحَدِيثِ، فَإِنَّ فيهِ أنَّ الوحيَ نَزَلَ فِي حَيَاةٍ وَرَقَةَ، وأَنَّهُ آمَنَ به وصَدَّقَهُ، وَذَكَرَهُ في الصَّحَابَةِ أبُو عَبدِ اللهِ بنُ مَندَه، وقَالَ: أختُلِفَ في إسلامِهِ. قَالَ والِدِي: ومَا تَقَدَّمَ من الأحَادِيثِ يَدُلُّ على إسلامِهِ. وقَالَ ابنُ إسحَاقَ في ((السِّيرَةِ»(٧): أولُ مَن آمَنَ خَدِيجَةُ، ثُمَّ عَلِيٍّ، وهو ابنُ عَشرِ سِنِينَ، ثُمَّ زَيدُ بنُ حَارِثَةَ، ثُمَّ أَبُو بَكرٍ؛ فَأَظهَرَ إسلامَهُ، وحَكَى والِدِي: كَونَ عَلِيٍّ أولَ ذَكَرٍ (٨) أسلَمَ عَن أكثَرِ الصَّحَابَةِ، وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٩): الاتِّفَاقَ عَلَيهِ. وقَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ الحَاكِمُ (١٠): لا أعلَمُ خِلافًا بَيْنَ أصحَابِ التَّارِيخِ أنَّ عَلِيًّا أولُهُم إسلامًا. وأنكَرَ هَذَا الإجمَاعَ على الحَاكِمِ. (١) إكمال المعلم (٤٨٩/١). (٢ - ٢) ليس في: (الأصل). (٣) في (م): ((موزرا)). (٤) هنا ينتهي الخرم المشار إليه في المخطوط (ك) والذي بدأ أثناء الفائدة الثانية والخمسين. (٥) مشارق الأنوار (٢٩/١). (٦) التقييد والإيضاح (ص٢٦٩). (٧) سيرة ابن هشام (٢٣٥/١ - ٢٤٩). (٨) في (ك): ((مَن)). (٩) الاستيعاب (١٠٩٠/٣). (١٠) ينظر: علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد (ص٢٦٥). ٢٨٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وذَهَبَ آخَرُونَ: إلَى أَنَّ أبَا بَكرِ الصِّدِّيقَ أولُ الصَّحَابَةِ إسلامًا، وقِيلَ: زَيدُ بنُ حَارِثَةَ، وادَّعَى الثَّعلَبِيُّ اتَّفَاقَ العُلَمَاءِ على أنَّ أولَ مَن أسلَمَ خَدِيجَةُ، وأنَّ اخْتِلافَهُم إنَّمَا هُو في أولِ مَن أسلَمَ بَعدَها، قَالَ الشَّيخُ أبُو عَمرٍو بنُ الصَّلاحِ(١): والأورَعُ أن يُقَالَ: أولُ مَن أسلَمَ من الرِّجَالِ الأحرَارِ أَبُو بَكرٍ، ومن الصِّبَيَانِ الأحدَاثِ(٢): عَلِيٍّ، ومن النِّسَاءِ: خَدِيجَةُ، ومن المَوالِي: زَيدٌ، ومن العَبِيدِ: بِلالٌ. والله أعلمُ. الستون: إن قُلتَ: مَا وجهُ إيرَادِ المُصَنِّفِ تَظْهُ هَذَا الحَدِيثَ فِي هَذَا البَابِ، ولَيسَ فيهِ ذِكرُ اعتِكَافٍ ولا مُجَاورَةٍ، وإنَّمَا فِيهِ التَّعَبُّدُ بِحِرَاءَ، ولا يَلزَمُ من التَّعَبدِ الاعتِكَافُ، فَالأَعَمُّ لا يَدُلُّ على الأخَصّ؟ قُلتُ: قَد تَبَيَّنَ بِغَيرِ (١٩٨/٤م) هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّهُ كَانَ يُجَاوِرُ به، فَفي ((الصَّحِيحَينِ))(٣) من حَدِيثِ جَابِرٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَلَ قَالَ: ((جَاورت بِحِرَاءَ شَهرًا، فَلَمَّا قَضَيتِ جِوارِي نَزَلت))، وذَكَرَ الحَدِيثَ، ورَوى ابنُ إسحَاقَ (٤) من حَدِيثِ عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ مُرسَلاً: [٣٢٢/١ظ] كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُجَاوِرُ في حِرَاءَ من كُلِّ سَنَةٍ شَهرًا. وقَد تَقَدَّمَ ذِكرُ ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في أنَّ المُجَاورَةَ بِمَعنَى الاعتِكَافِ أم لا؟ فَإِن كَانَت بِمَعنَى الاعتِكَافِ، فَالحَدِيثُ حِينَئِذٍ مُطَابِقٌ لِلَّبَوِيبِ، ثُمَّ يُحتَمَلُ أن يَكُونَ ذَلِكَ المَكَانُ من حِرَاءَ مَسجِدًا، ويُحتَمَلُ أن يَحتَجَّ به من يُجَوِّزُ اعتِكَافَ الرَّجُلِ فِي مَسجِدٍ بَيتِهِ، وهو المَكَانُ المُهَيَّأْ لِلصَّلاةِ فيهِ، وإن كَانَ مَعنَى المُجَاوَرَةِ غَيرَ مَعنَى الاعتِكَافِ، فَالمُجَاورَةُ مَذكُورَةٌ في تَبِيبِ المُصَنِّفِ أيضًا، ولذلك صَرَّحَ بِذِكرِها في التَّوِيبِ، وعَطَفَها على الاعتِكَافِ. واللهُ أعلَمُ(٥). [٣٢٣/١ و] (١) السابق (ص: ٢٦٦). (٢) في (الأصل): ((أو الأحداث)). (٣) تقدم تخريجه في: الحديث الثالث. (٤) تقدم تخريجه في: الفائدة الثالثة عشر. (٥) قال في حاشية (الأصل): ((كمل الجزء الأول من شرح الأحكام؛ يتلوه في الجزء الذي يليه قول المصنف: كتاب الحج - مواقيت الإحرام)). كِتَابُ الحَجِّ ٢٨٧ (١ بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ وصلى اللهُ على سيدنا محمدٍ وآلِه وصحبِهِ وسلَّم١) كِتَابُ الحَجِّ مَواقِيتُ الإحرَامِ عن سَالِم، عن أبيه: ((أنَّ النَّبي ◌َّهِ وَّتَ. وقال مَرَّةً: ((مُهَلُّ أهلٍ المَدِينَةِ من ذِي الحُلَيفَةِ، وأهلِ الشَّام من الجُحفَةِ، وأهلِ نَجدٍ من قَرٍ)). قال: وذُكِرَ لِي، ولَم أسمَعه: ((وَمُهَلَّ أَهلِ اليَمَنِ من يَلَمَلَمُ)). وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: أنَّ رسولَ الله وَّةِ، قال: «يُهلُّ أهلُ المَدِينَةِ))، فَذَكَرَّه. وقال: وبَلَغَنِي أَنَّ رسولَ اللهِ وَ، قال: ((ويُهُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَملَمَ». فيه فوائدُ: الأُولى: أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأُولى؛ البخاريُّ، ومسلمٌ، والنسائيُّ(٢) من هَذَا الوجه من رِوايَةٍ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، لَفظُ البخاريِّ: ((وقَّتَ)). ولَفظُ مسلم، والنسائيّ: ((يُهلُّ)). بِلَفِظِ الفِعلِ من الإهلالِ. وأخرَجَه الشَّيخَانِ(٣) من رِوايَةٍ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، عن الزُّهرِيِّ، بِلَفِظِ: «مُهَلُّ أهلِ (١ - ١) من: الأصل، (ح). (٢) البخاري (١٥٢٧)، ومسلم (١٧/١١٨٢)، والنسائي (٢٦٥٤). (٣) البخاري (١٥٢٨)، ومسلم (١٤/١١٨٢). ٢٨٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيفَةِ، ومُهَلُّ أهلِ الشَّامِ مَهِيَعَةَ، وهيَ الجُحفَةُ، ومُهَلُّ أهلِ نَجِدٍ قَرنٌ)). قال ابنُ عُمَرَ: وَزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيِّهِ قَال، ولَم أسمَعه: ((ومُهَلُّ أهلِ اليَمَنِ يَلَملَمُ)). وأخرجَه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الأَئِمَّةُ السِّنَّهُ، خَلا التِّرمِذِيَّ(١) من طَرِيقِ مَالِكٍ كَلَفِظِ المُصَنِّفِ، إلا أبَا دَاوُد، فَإِنَّ لَفِظَه: ((وَقَّتَ)). وأخرَجَه البخاريُّ، والنسائيُّ(٢) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ . والثّرمِذِيُّ(٣) من طَرِيقِ أَيُّوبَ السَّختيانِيُّ. كِلاهمَا عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ بِلَفِظِ: ((إنَّ رَجُلًا قَامَ في المَسجِدِ، فقال: يَا رسولَ الله، من أينَ تَأْمُرُنَا أن نُهلَّ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّةَ: ((يُهلُّ أهلُ المَدِينَةِ)). فَذَكَرَه، وفي (٣/٥م) آخِرِه: ((وكَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَم أفقَه هَذِه من رسولِ الله ◌ِ وَّ). لَفظُ الليثِ. والآخَرُ قَرِيبٌ منه، وقال التِّرمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَواه الشَّافِعِيُّ(٤) عن مَالِكِ، من طَرِيقٍ آخَرَ، فَجَعَلَه من حَدِيثِه، عن عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ . ورِوايَةُ عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، انفَرَدَ بِها مسلمٌ(٥) من رِوايَةٍ إسمَاعِيلٍ بِنِ جَعَفَرٍ عنه بِلَفِظِ: ((أمَرَ رسولُ الله ◌َّهِ أَهلَ المَدِينَةِ أن يُهلُّوا من ذِي الحُلَيْفَةِ)) إلى آخِرِهِ. ورَواه(٦) البخاريُّ(٧) من رِوايَةِ زَيدِ بنِ جُبَيرٍ: ((أَنَّه أتَى عَبدَ الله بنَ عُمَرَ في مَنْزِلِه، ولَه فُسطَاطٌ وسُرَادِقُ، فَسَألته: من أينَ يَجُوزُ أن أعتَمِرَ؟ قال: ((فَرَضَها رسولُ اللهِ وَسٌ لِأهلِ نَجدٍ: قَرنًا (٨)، ولأهلٍ(٩) المَدِينَةِ: ذَا(١٠) الحُلَيفَةِ، ولأهلِ الشَّامِ: الجُحفَةَ)). (١) البخاري (١٥٢٥)، ومسلم (١٣/١١٨٢)، وأبو داود (١٧٣٧)، والنسائي (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٩١٤). البخاري (١٣٣)، والنسائي (٢٦٥١). (٢) (٤) مسند الشافعي (٧٥٣ - شفاء). في (ح): ((وروی)). (٨) في الأصل، (ح، ك): ((قرن)). والمثبت موافق للمصادر. (٩) في الأصل: ((وأهل)). (١٠) في الأصل: ((ذو)). (٣) الترمذي (٨٣١). (٥) مسلم (١٥/١١٨٢). (٧) البخاري (١٥٢٢). (٦) كِتَابُ الحَجّ ٢٨٩ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١): واتَّفَقُوا كُلُّهم عَلى أنَّ ابنَ عُمَرَ لَم يَسمَع من النَّبِي ◌َِل قَولَه: ((ويُهلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمَلَمّ))، ولَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ أنَّ مُرسَلَ الصَّحَابي صَحِيحٌ حُجَّةٌ. قُلتُ: قد خَالَفَ في ذلك الأُستَاذُ أبُو إسحَاقَ الإسفَرائِنِي، فَذَهَبَ إلى أنَّه(٢) لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وقد ورَدَ مِيقَاتُ اليَمَنِ مَرفُوعًا من غَيرِ إرسَالٍ من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ في ((الصَّحِيحَينِ))، وغَيرِهمًا (٣)، ومن حَدِيثٍ جَابِرٍ في ((صَحِيحِ مسلم)) (٤)، إلا أنَّه قال: أحسِبُه رَفَعَه، ومن حَدِيثِ عَائِشَةَ عِندَ النسائيّ(٥)، ومن حَدِيثِ الحَارِثِ بنِ عَمرِو عِندَ أبي دَاوُد(٦). ■ الثَّانِيَةُ: فيه: أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ(٧) الأربَعَةَ هيَ مَواقِيتُ الإِحرَامِ لأهلٍ البِلادِ المَذْكُورَةِ فيه، فَلأَهلِ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيفَةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحفَةُ، ولِأهلِ نَجدٍ قَرنٌ، ولِأهلِ اليَمَنِ يَلَملَمُ، وهَذَا مُجمَعٌ عَلَيه: حَكَى الإجمَاعَ في ذلك ابنُ المُنذِرِ، والنَّوِيُّ، وغَيرُهمَا (٨). ومَعنَى التَّوقِيتِ بِها: أنَّه لَا يَجُوزُ لِمَرِيدِ النُّسُكِ (٤/٥م) أن يُجَاوِزَها غَيرَ مُحرِمٍ. والدَّلِيلُ عَلى وُجُوبٍ ذلك من أوجُهِ : أحَدُها: أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ جَعَلَها مِيقَاتًا لِلإِحرَامِ، وقال: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))(٩) . فَلَزِمَنَا الْوُقُوفُ عِندَ ذلك. (١) التمهيد (١٣٧/١٥). (٢) بعدها في (ح): ((حجة)). (٣) البخاري (١٥٢٤)، ومسلم (١١/١١٨١)، وأبو داود (١٧٣٨)، والنسائي (٢٦٥٣). (٤) مسلم (١٨/١١٨٣). (٥) النسائي (٢٦٥٢). أبو داود (١٧٤٢) وفيه التوقيت لأهل العراق. (٦) ليس في: الأصل. (٧) الإجماع لابن المنذر (ص٦١)، وشرح مسلم للنووي (٨/ ٨٢)، وينظر: التمهيد (١٤٠/١٥). (٨) (٩) مسلم (٣١٠/١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٣٠٦٢). = ٢٩٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثَانِيها: أنَّه قال في [الرِّوايَةِ الأُخرَى: ((يُهلُّ أهلُ المَدِينَةِ من ذِي الحُلَيفَةِ)). إلى آخِرِ الحَدِيثِ، فَأَتَّى بِهِ بِلَفِظِ الخَبَرِ وهو هنَا بِمَعنَى الأمرِ، وإنَّمَا يُستَعمَلُ الأمرُ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِتَأْكُّدِهِ، والأمرُ المُتَأْكِّدُ لِلُجُوبِ. ثَالِثُها:](١) أنَّه قد ورَدَ الأمرُ صَرِيحًا (٢ في قَولِه٢) في رِوايَةِ البخاريِّ وَغَيرِهِ: ((من أينَ تَأْمُرُنَا أن نُهلَّ))، وأقَرَّه النَّبِي ◌ِّ عَلى ذلك، وبَيَّنَ لَه مَواضِعَ الإهلَالِ المَأمُورَ بِها، وفي قَولِه في رِوايَةِ مسلم من حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ ((أمَرَ [٢/ ١ظ] رسولُ اللهِ وَّهِ أَهلَ المَدِينَةِ أن يُهلُّوا من ذِي الحُلَيفَةِ))، الحَدِيثَ. رَابِعُها: أنَّ في ((صَحِيحِ البخاريِّ)) من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ بِّهَا: «فَرَضَها رسولُ الله ◌ٍِّ))، وذَكَرَ الحَدِيثَ. وافتِرَاضُ المَواقِيتِ صَرِيحٌ فيمَا ذَكَرْنَاه، ولِذلك بَوبَ عَلَيْه البخاريُّ: فَرِضُ مَواقِيتِ الحَجِّ والعُمرَةِ، وبِهَذَا قال مَالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةً، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والجُمهورُ، وقَالُوا: لَو تَرَكَها لَزِمَه دَمٌّ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ(٣): وإِيجَابُ الدَّم من غَيرِ هَذَا الحَدِيثِ، وكَأنَّه يَحْتَاجُ إلى مُقدمَةٍ أُخرَى، ثُمَّ قال الشَّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وآخَرُونَ: مَتَى عَادَ إلى المِيقَاتِ قَبَلَ التَّلَبُّسِ بِنُسُكِ سَقَطَ عنه الدَّمُ. وقال أبُو حَنِيفَةَ: إِنَّمَا يَسقُطُ عنه الدَّمُ إذَا عَادَ إلَيه مُلَبِيًّا، فَإِن عَادَ(٤) غَيرَ مُلَبِّ استَمَرَّ لُزُومُ الدَّم. وقال عَبدُ الله بنُ (٢٥/٥) المُبَارَكِ، وأحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وزُفَرُ: لَا يَسِقُطُ الدَّمُ بِعَودِهِ إلَيه مُطلَقًا . وقال مَالِكٌ: إن عَادَ إلَيه قَبلَ أن يَبْعُدَ عنه وهو حَلَالٌ سَقَطَ، وإن عَادَ بَعدَ البُعدِ والإِحرَامِ لَم يَسقُط(٥). وحَكَى صَاحِبُ ((البَيَانِ))، عن الشَّرِيفِ العُثمَانِيِّ (٦) من أصحَابِنَا: أنَّ المَدَنِيَّ (١) ما بين المعكوفين، طمس في: (ح). (٢ - ٢) ليس في: الأصل. (٣) إحكام الأحكام (ص٤٤٤). (٤) بعده في (ح): ((إليه)). (٥) ينظر: الإشراف لابن المنذر (١٨٠/٣)، والتمهيد (١٤٨/١٥). (٦) ينظر: المجموع (٢١٥/٧)، والشريف العثماني هو: محمد بن أحمد بن يحيى بن حيي، أبو عبد الله العثماني الديباجي، من ولد الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، كان إمامًا زاهدًا ورعًا، جامعًا بين العلم والعمل، مقدمًا في الفقه وعلم الكلام = = ٢٩١ كِتَابُ الحَجّ إِذَا جَاوزَ ذَا الحُلَيفَةِ غَيرَ مُحرِمٍ وهو مَرِيدٌ لِلنُّسُكِ فَبَلَغَ مََّةَ غَيرَ مُحرِمٍ ثُمَّ خَرَجَ منها إلى مِيقَاتِ بَلَدٍ آخَرَ كَيَلَمَّلَمَ وأحرَمَ منه، فَلَا دَمَ عَلَيه بِسَبَبٍ مُجَاوزَةِ ذِي الحُلَيفَةِ. قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)): وهو مُحتَمَلٌ، وفيه نَظَرٌ. انتَهَى. وورَاءَ ذلك أقوالٌ شَانَّةٌ : أحَدُها: أنَّه إن لَم يَعُد لِلمِيقَاتِ حَتَّى تَمَّ حَجُّه، رَجَعَ لِلمِيقَاتِ وأهَلَّ منه بِعُمَرَةٍ، حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ(١) عن الحَسَنِ البَصرِيِّ. وقال ابنُ المُنذِرِ (٢): رُوِيَ عن ابنِ الزُّبیرِ . ثَانِيها: أَنَّه مَتَى تَرَكَ المِيقَاتَ لَم يَصِحَّ حَجُّه أصلًا، قاله سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ. ثَالِثُها: أنَّه إذَا تَرَكَ المِيقَاتَ لَا شَيءَ عَلَيه، قال ابنُ المُنذِرِ: هَذَا أَحَدُ قَولَي عَطَاءٍ، ورُوِّنَاه عن الحَسَنِ والنَّخَعِيِّ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وهَذِه الأقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ شَاذَّةٌ ضَعِيفَةٌ عِندَ فُقَهاءِ الأمصَارِ؛ لأنها لا أصلَ لَها في الآثَارِ، ولَا تَصِحُ(٣) في النَّظَرِ. الثَّالِثَةُ: قد بَيَّنَا أن مَعنَى التَّوقِيتِ بِهَذِهِ المَواقِيتِ مَنعُ مُجَاوزَتِها بِلَا إحرَامِ إذَا كَانَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، أمَّ الإِحرَامُ قَبلَ الوُصُولِ إِلَيها، فَلَا مَنعَ منه عِندَ الجُمهورِ ونَقَلَ غَيرُ واحِدِ الإجمَاعَ عَلَيهِ، بَل ذَهَبَ طَائِفَةٌ من العُلَمَاءِ إلى تَرجِيحِ الإحرَامِ من دُويرَةِ أهلِه عَلى التَّأْخِيرِ إلى المِيقَاتِ، وهو أحَدُ فَولَي الشَّافِعِيِّ، ورَجَّحَه من أصحَابِهِ القَاضِي أبُو الطَّيِّبِ، والرُّوبَانِيُّ، والغَزَّالِيُّ (٦/٥م)، والرَّافِعِيُّ، وهو مَذهَبُ أبي حَنِيفَةً. ورَوى عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ أنَّهمَا قالا في قَوله تَعَالى: ﴿وَأَنِقُواْ اْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إتمَامُهمَا أن تُحرِمَ بِهِمَا من دُويرَةِ أهلِك. وقال ابنُ المُنذِرِ (٤): ثَبَتَ أنَّ ابنَ عُمَرَ أهَلَّ من إِيلِيَاءَ؛ يَعنِي: بَيتَ على مذهب الأشعري، توفي يوم الأحد ثامن عشري صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة. = طبقات الشافعية الكبرى (٨٨/٦). (١) التمهيد (١٤٩/١٥، ١٥٠). (٣) في (ك، ح): ((يصح)). (٢) الإشراف (١٨٠/٣). (٤) الإشراف (١٧٩/٣). = ٢٩٢ كم طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ المَقدِسِ، وكَانَ الأسودُ، وعَلقَمَةُ، وعَبدُ الرَّحمَنِ، وأبُو إسحَاقَ يُحرِمُونَ من بُيُوتِهم. انتَھَی. لَكِنَّ الأصَحَّ عِندَ النَّووِيِّ(١) من قَولَي الشَّافِعِيِّ: أنَّ الإحرَامَ من المِيقَاتِ أفضَلُ، ونَقَلَ تَصحِيحَه عن الأكثَرِينَ والمُحَقِّقِينَ، وبِه قال أحمَدُ، وإسحَاقُ، وحَكَى [ابنُ المُنذِرِ فِعلَه عن عَوامٌّ أهلِ العِلمِ، بَل زَادَ مَالِكٌ عَلى (٢) ذلك فَكَرِهَ تَقديمَ(٣) الإحرَامِ عَلى المِيقَاتِ. قال] (٤) ابنُ المُنذِرِ: ورُوِّينَا عن عُمَرَ: أنَّه أنكَرَ عَلى عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ إِحْرَامَه من البَصرَةِ، وكَرِهَ الحَسَنُ البَصرِيُّ، وعَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحِ، ومَالِكٌّ: الإِحْرَامَ من المَكَانِ الْبَعِيدِ. انتَهَى. وعن أبي حَنِيفَةَ رِوايَةٌ أَنَّه إن كَانَ يَملِكُ نَفسَه عن الوُقُوعِ في مَحظُورٍ، فَالإِحرَامُ من دُويرَةِ أهلِه أفضَلُ، وإلَّا فَمن المِيقَاتِ، وبِه قال بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ، وشَذَّ ابنُ حَزم الظَّاهرِيُّ، فقال(٥): إن أحرَمَ قَبلَ هَذِهِ المَواقِيتِ وهو يَمُرُّ عَلَيهَا فَلَا [إحرَامَ لَه؛ إلّا أن يَنوِيَ إذَا صَارَ إلى المِيفَاتِ تَجِدِيدَ إحرام، وحَكَاه عن دَاوُد وأصحَابِهِم. وهو قَولٌ مَرُدُودٌ بِالإجمَاعِ قَبلَه عَلى خِلَافِهِ، قاله النَّوِيُّ. وقال ابنُ المُنذِر (٦): أجمَعَ](٧) أهلُ العِلمِ عَلى أَنَّ مَن أحرَمَ قَبلَ أن يَأتي المِيقَاتَ، فَهو مُحرِمٌ. وكَذَا نَقَلَ الإجمَاعَ في ذلك الخَطَّابِي وغَيْرُه(٨) . الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((وَقَّتَ)). قال القَاضِي عِيَاضٌ(٩): أي حَدَّدَ وجَعَلَ لَهم مِيقَاتًا، وحَدَّ الحَدَّ [٢/٢و] الَّذِي يُحرِمُونَ منه، ومنه الوقتُ والمَواقِيتُ كُلُّها حُدُودٌ لِلعِبَادَاتِ، ويَكُونُ(١٠) ((وَقَّتَ)) بِمَعنَى أوجَبَ عَلَيهم الإحرَامَ منه، ومنه ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. المجموع (٢٠٦/٧). (١) (٣) في (ك، م): ((تقدم)). (٧) ما بين المعكوفين، طمس في: (ح). (٥) المحلى (٧٠/٧). (٨) معالم السنن (١٤٧/٢)، والمجموع (٢٠٥/٧). (٩) مشارق الأنوار (٢٩٣/٢). (١٠) في (ح): ((وتكون)). (٢) في (م): ((عن)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٦) الإجماع (ص٦١). ٢٩٣ كِتَابُ الحَجِّ وقال صَاحِبُ ((النِّهايَةِ))(١): التَّوقِيتُ والتَّقِيتُ أن يُجعَلَ لِلشَّيءٍ وقتٌ يُختَصُّ بِه، وهو بَيَانُ مِقَدَارِ المُدَّةِ، يُقَالُ: وقَّتَ الشَّيءَ يُوقّتُه، ووقَّتَه يَقِتُه، إذَا بَيَّنَ مُدَّتَه، ثُمَّ اتُّسِعَ فيه فَأُطلَقَ عَلى المَكَانِ، فَقِيلَ لِلمَوضِعِ: مِيقَاتٌ وهو مِفْعَالٌ منه، وأصلُه مِوقَاتٌ فَقُلِبَت الواوُ يَاءَ (٢لِكَسرِ مَا قَبَلَها٢). وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في (شَرِحِ العُمدَةِ)(٣): قِيلَ: إنَّ الثَّوقِيتَ فِي اللُّغَةِ التَّحدِيدُ لِلشَّيءِ مُطلَقًّا؛ لأن التَّوقِيتَ تَحدِيدٌ بِالوقتِ، فَيَصِيرُ التَّحدِيدُ من لَوازِمِ التَّوقِيتِ فَيُطلَقُ عَلَيْهِ تَوقِيتُ. وقَولُه هنَا: ((وقَّتَ)). يَحتَمِلُ أن يُرَادَ بِه التَّحدِيدُ؛ أي: (٧/٥م) حَدَّ هَذِهِ المَواضِعَ لِلإِحرَامِ، ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ بِذلك تَعلِيقُ الإحرَامِ بِوقتِ الوُصُولِ إلى هَذِه الأمَاكِنِ بشرطِ إِرَادَةِ الحَجِّ أو العُمرَةِ. الخَامِسَةُ: قَولُه: ((مُهَلُّ أهلُ المَدِينَةِ))، بِضَمِّ المِيمِ وفَتحِ الهاءِ وتَشدِيدِ اللام؛ أي: مَوضِعُ إهلَالِهم وهو في الأصلِ رَفعُ الصَّوتِ بِالتَّلبية، والمُرَادُ بِه هنا مُطلَقُ الإِحرَامِ؛ سُمِّيَ بِذلك لِمُلَازِمَتِهِ لَه في عَادَتِهِم غَالِبًا، وقَولُه بَعدَ ذلك في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ: ((يُهِلُّ))، بياءٍ مُثَنَّةٍ من تَحتِ أولِهِ مَضمُومَةٌ، وهاءٌ مَكسُورَةٌ، فِعِلٌ مُضَارِعٌ من ((أهَلَّ)) . ■ السَّادِسَةُ: المُرَادُ بِأهلِ المَدِينَةِ وأهلِ الشَّامِ وأهلِ نَجدٍ : كُلُّ مَن سَلَكَ طَرِيقَ سَفَرِهم؛ بِحَيثُ إِنَّه مَرَّ عَلى هَذِهِ المَواقِيتِ وإن لَم يَكُن من بِلَادِهم، فَلَو مَرَّ الشَّامِيُّ عَلَى ذِي الحُلَيفَةِ كَمَا يُفْعَلُ الآنَ، لَزِمَه الإحرَامُ منها، ولَيسَ لَه مُجَاوزَتُها إلى الجُحفَةِ التي هيَ مِيقَاتُه، وقد صَرَّحَ بِذلك في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ [في ((الصَّحِيحَينِ))، وغَيرِهمَا، فقال: ((هنَّ لَهِنَّ ولِمَن أتَى عَلَيهنَّ من غَيرِ أهلِهِنَّ مِمَّن أرَادَ الحَجَّ والعُمرَةَ)). وقَولُه: (لَهنَّ)) كَذَا] (٤) في ((الصَّحِيحَينِ))، وغَيرِهمَا؛ أي: لِلأقطَارِ المَذْكُورَةِ؛ وهيَ المَدِينَةُ ومَا مَعَها . (١) النهاية (٢١٢/٥). (٣) إحكام الأحكام (ص ٤٤٣). (٢ - ٢) في (ك، ح): ((لكسرة الميم)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. ٤٢٩٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والمُرَادُ: لِأهلِهِنَّ؛ فَحَذَفَ المُضَافَ وأقَامَ المُضَافَ إلَيه مَقَامَه، وفي رِوايَةٍ أبي دَاوُد في ((سُنَتِه)) لَهم، وكَذَا في مسلمٍ من رِوايَةِ ابنِ أبي شَيبَةَ؛ أي: أهلِ هَذِه المَواضِعِ، وهو أظهَرُ تَوجِيهًا . وقال النَّووِيُّ في ((شَرح مسلم))(١): وهَذَا لَا خِلَافَ فيه. وقال في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٢): إِنَّه مُتَّفَقٌ عَلَيهَ. فَإِن أَرَادَ نَفيَ الخِلَافِ في مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ فَهو صَحِيحٌ، وإن أرَادَ نَفيَ الخِلَافِ مُطلَقًا فَمَرُدُودٌ، فَإِنَّ مَذهَبَ مَالِكِ أنَّ لَه أن يُجَاوِزَ ذَا الحُلَيفَةِ إلى الجُحفَةِ إِذَا كَانَ من أهلِ الشَّامِ أو مِصرَ، وإن كَانَ الأفضَلُ أن يُحرِمَ من ذِي الحُلَيفَةِ، كَمَا نَقَلَه ابنُ القَاسِمِ عَنه، ولا أعلَمُ عِندَهم خِلافًا في ذلك، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ، عن أبي ثَورٍ، وأصحَابِ الرَّأيِ. قال: وبِهَذَا نَقُولُ، وصَرَّحَ بِهِ الحَنَفيةُ في كُتُبِهم. وقد نَكَّتَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٣) بِذلك، ثُمَّ قال ابنُ المُنذِرِ (٤): وقالت عَائِشَةُ مَّا: إذَا أَرَدت الحَجَّ أحرَمت من ذِي الحُلَيفَةِ، وإذَا أَرَدت العُمرَةَ أَحرَمَت من الجُحفَةِ . قُلتُ: لَعَلَّها لَمَّا كَانَت تَعَتَمِرُ لَا تَسلُكُ طَرِيقَ ذِي(٥) الحُلَيفَةِ وَلَا تَمُرُّ عَلَيها، بَل تَسلُكُ طَرِيقًا أُخرَى تَمُرُّ بها عَلى الجُحِفَةِ خَاصَّةً، وقد حَمَلَه عَلى ذلك العِمرَانِيُّ من أصحَابِنَا (٨/٥م) في ((البَيَانِ))، ويَدُلُّ لَه مَا فِي ((صَحِيحِ مسلمٍ)) عن جَابِرٍ أحسَبُه رَفَعَ الحَدِيثَ إلى النَّبِيِوَله فقال: «مُهَلَّ أهلِ المَدِينَةِ مِّن ذِي الحُلَيفَةِ)). والطّرِيقُ الآخَرُ: ((الجُحفَةِ)). الحَدِيثُ. وأمَّا الفَرقُ في ذلك بَيْنَ الحَجِّ والعُمرَةِ فَلَا يَظهَرُ لَه مَعَنَّى، وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في (شَرحِ العُمدَةِ)(٦): هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ، فَإِنَّ قَولَه: ((ولِمَن أتَى عَلَيهنَّ من غَيرِ أهلِهِنَّ)). عَامٌّ فيمَن أتَى، يَدخُلُ تَحتَه من مِيقَاتِهِ بَيْنَ يَدَي هَذِهِ المَواقِيتِ [الَّتِي مَرَّ بِها ومَن لَيْسَ مِيقَاتُه بَيْنَ يَدَيها . (١) شرح مسلم (٨٣/٨). إحكام الأحكام (ص٤٤٥). (٣) (٥) في (م): ((ذا)). (٢) المجموع (٢٠٣/٧). (٤) الإشراف (١٧٩/٣). (٦) إحكام الأحكام (ص ٤٤٥). = كِتَابُ الحَجّ ٢٩٥ وقَولُه: ((ولِأهلِ الشَّامِ الجُحفَةَ))، عَامٌّ بِالنِّسَبَةِ إلى مَن يَمُرُّ بِمِيقَاتٍ آخَرَ أولًا، فَإِذَا قُلنَا بِالعُمُومِ الأولِ دَخَلَ تَحتَه هَذَا الشَّامِيُّ الَّذِي مَرَّ](١) بِذِي الحُلَيفَةِ، فَيَلْزَمُه أن يُحرِمَ منها. وإذَا عَمِلنَا بِالعُمُومِ الثَّانِي - وهو أنَّ لِأهلِ الشَّامِ الجُحفَةَ - دَخَلَ تَحتَه هَذَا المَارُّ أيضًا بِذِي الحُلَيفَةِ، فَيَكُونُ لَه التَّجَاوُزُ إلَيها. ولَكُلِّ منهمَا عُمُومٌ من وجهٍ، فَكَمَا يُحتَمَلُ أن يُقال: ولِمَن أتَى عَلَيهنَّ [٢/٢ظ] من غَيرِ أهلِهنَّ، مَخصُوصٌ بِمَن لَيسَ مِيقَاتُه بَيْنَ يَدَيهِ، يُحتَمَلُ أن يُقال: ولِأهلِ الشَّامِ الجُحفَةُ مَخصُوصٌ بِمَن لَم يَمُرَّ بِشَيءٍ من هَذِه المواقِیتِ. انتھی. ولَو سَلَكَ مَا ذَكَرته أولًا من أنَّ المُرَادَ بِأهلِ المَدِينَةِ مَن سَلَكَ طَرِيقَ سَفَرِهم ومَرَّ عَلى مِيقَاتِهِم، لَم يَرِدِ هَذَا الإشكَالُ، ولَم يَتَعَارَض هنَا دَلِيلَانٍ، ومن المَعلُومِ أنَّ مَن لَيْسَ بَيْنَ يَدَيه مِيقَاتٌ لِأَهلِ بَلَدِهِ الَّتِي هيَ مَحَلُّ سَكَنِه - كَاليَمَنِيِّ يَحُجُّ من المَدِينَةِ - لَيسَ لَه مُجَاوزَةُ مِيقَاتِ أهلِ المَدِينَةِ غَيرَ مُحرِمٍ، وذلك يَدُلُّ عَلى مَا ذَكَّرْنَاه: أنَّه لَيسَ المُرَادُ بِأهلِ المَدِينَةِ سُكَّانَها، وإنَّمَا المُرَادُ بِأهلِها مَن حَجَّ منها وسَلَكَ طَرِيقَ أهلِها، ولَو حَمَلْنَاهَ عَلى سُكَّانِها لَورَدَت هَذِهِ الصُّورَةُ، وحَصَلَ الاضطِرَابُ في هَذَا؛ فَيُفَرَّقُ (٢) في الغَرِيبِ الطَّارِئِ عَلى المَدِينَةِ مَثَلًا بَيْنَ أن يَكُونَ بَيْنَ يَدَيهِ مِيقَاتٌ لِأهلِ بَلَدِه أم لا؟ فَتَحمِلُ أهلَ المَدِينَةِ تَارَةً عَلى سُكَّانِها وتَارَةً عَلى سُكَّانِها والوارِدِينَ عَلَيها، ويَصِيرُ هَذَا تَفرِيقًا (٣) بِغَيرِ دَلِيلٍ، وإِذَا حَمَلْنَا أهلَ المَدِينَةِ عَلى مَا ذَكَرْنَاه، لَم يَحصُل في ذلك اضِطِرَابٌ، ومَشَى اللفظُ عَلى مَدُلُولٍ واحِدٍ في الأحوالِ كُلِّها، واللهُ أعلمُ. وكَلَامُ غَيرٍ واحِدٍ منهم ابنُ شَاسٍ، وابنُ الحَاجِبِ المَالِكِيَّانِ، وابنُ قُدَامَةً الحَنْبَلِيِّ يَقْتَضِي مَا ذَكَرته، من أنَّ الخِلَافَ إنَّمَا هو فيمَن لَه مِيقَاتٌ بَيْنَ يَدَيه كَالشَّامِّ يَمُرُّ بِذِي الحُلَيفَةِ هَل لَه مُجَاوزَتُها إلى الجُحفَةِ؟ أمَّا المَدَنِيُّ فَلَيْسَ لَه ذلك (٩/٥م) قَطعًا، وكَذلك اليَمَنِيُّ ونَحوُه، وجَعَلَ ابنُ (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٣) في الأصل: ((تفريعًا)). (٢) في (ك، م): ((فنفرق)). = ٢٩٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عَبدِ البَرِّ الخِلَافَ في الجَمِيعِ، ومَثَّلَ لِمَوضِعِ الخِلَافِ(١) بِمُجَاوزَةِ المَدَنِيِّ ذَا الحُلَيفَةِ، وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ المُنذِرِ أيضًا، وكَذَا صَرَّحَ بِهِ شَارِعُ القُدُورِيِّ مَحمُودُ بنُ رَمَضَانَ(٢)، فَيَنْبَغِي تَحْقِيقُ ذلك. السَّابِعَةُ: ذُو الحُلَيفَةِ، بِضَمِّ الحَاءِ المُهمَّلَةِ وَفَتحِ اللامِ، تَصغِيرُ الحَلِفَةِ بِفَتحِ اللامِ وكَسرِها، وهيَ واحِدُ الحَلفَاءِ وهو النَّبتُ المَعْرُوفُ، والمُرَادُ بِها مَوضِعٌ بِقُربِ المَدِينَةِ بَيْنَه وبَيْنَها نَحوُ سِتَّةِ أمْيَالٍ، قاله النَّووِيُّ، وقَبلَه الغَزَّالِيُّ، والقَاضِي عِيَاضٌ(٣)، ثُمَّ قال: وقِيلَ: سَبعَةُ أَمْيَالٍ(٤). وقال ابنُ حَزم(٥): أربَعَةُ أميَالٍ. وذَكَرَ ابنُ الصَّبَّاغُ وتَبِعَه الرَّافِعِيُّ(٦) من أصحَابِنَا: أنَّ بَينَهمَاَ مِيلًا، قال المُحِبُّ الطَبَرِيُّ: وهو وَهمٌ، والحِسُّ يَرُدُّ ذلك. وقال شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الإسنَوِيُّ في ((المُهمَّاتِ)): الصَّوابُ المَعرُوفُ المُشَاهَدُ أنَّها عَلى ثَلَاثَةِ أمَيَالٍ أو تَزِيدُ قَلِيلًا . والقَائِلُونَ بِمَا ذَكَرْنَاه أولًا أتقَنُ في ذلك، وقد ذَكَرَه المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَالِمُ الحِجَازِ، وصَوبَه والِدِي تَخْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ))، وهو مَأْمَنُ مِيَاه بَنِي جُشم، بَيْنَهم(٧) وبَينَ خَفَاجَةَ العُقَيلِيِّينَ(٨) - وهو أبعَدُ المَواقِيتِ من مَكَّةَ - بَيْنَهمَا نَحُوُ عَشَرِ (٩) مَرَاحِلَ أو تِسع، أمَّا ذُو الحُلَيفَةِ المَذْكُورُ في حَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجِ: ((كُنَّا مَعَ النَّبِيِ بَهَ بِذِي الخُلَيفَةِ من تِهامَةَ))(١٠)، فَهو مَوضِعٌ آخَرُ، قال الدَّاوُدِيُّ: لَيسَ هو المُهَلُّ الَّذِي بِقُربِ المَدِينَةِ. (١) ليس في: الأصل. (٢) هو: الفقيه الحنفي أبو عبد الله رشيد الدين محمود بن رمضان الرومي، درس في المدرسة الحلاوية بحلب، من آثاره: الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع من شروح مختصر القدوري، في مجلد كبير. كان حيًا سنة (٦١٦هـ). معجم المؤلفين (١٦٤/١٢). شرح مسلم (٨١/٨)، وإكمال المعلم (٩٢/٤). (٣) (٤) في الأصل: ((أمثال)). (٦) الشرح الكبير للرافعي (٧/ ٨٠). (٥) المحلى (٧/ ٧٠). (٧) في (ح): ((بينه)) . (٨) في الأصل: ((العقيلتين)). وينظر: مشارق الأنوار (٢٢١/١). (٩) في الأصل، (م): ((عشرة)). (١٠) البخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨)، والنسائي (٤٣٠٨)، وابن ماجه (٣١٣٧). = كِتَابُ الحَجِّ ٢٩٧ الثَّامنةُ: الجُحفَةُ، بِضَمِّ الجِيمِ وإسكَانِ الحَاءِ المُهمَلَةِ وفَتْحِ الفَاءِ، قَرِيَةٌ عَلى سِتَّةِ أمَيَالٍ من البَحرِ وثَمَانِي مَرَاحِلَ من المَدِينَةِ ونَحوِ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ من مَكَّةً، وسُمِّيَت بِذلك لِأِنَّ السَّيلَ اجتَحَفَها وحَمَلَ أهلَها، وهيَ مَهِيَعَةٌ كَمَا فِي رِوايَةٍ تَقْدَمَ ذِكرُها من (١) ((الصَّحِيحَينِ))، بِفَتحِ المِيمِ وإسكَانِ الهاءِ وَفَتَحِ اليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتٍ والعَينِ المُهمَلَةِ. وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٢) عن بَعضِهم: كَسرَ الهاءِ مَعَ إسكّانِ الْيَاءِ، والصَّحِيحُ المَشهورُ الأولُ، وهو (٣) الآنَ خَرِبَةٌ لَا يَصِلُ إلَيها أَحَدٌ لِوخَمِها، وإِنَّمَا يُحرِمُ النَّاسُ من رَابِغ وهيَ عَلى مُحَاذَاتِها، وذَكَرَ بَعضُهم: أن مَهِيَعَةَ قَرِيبٌ من الجُحفَةِ، والمُعتَمَدُ مَا قَدمنَاه أنَّها هيَ الجُحفَةُ نَفسُها . ] التَّاسِعَةُ: الشَّامُ بِلَادٌ مَعرُوفَةٌ وهيَ من العَرِيشِ إلى بَالِسَ، وقِيلَ: إلى الفُرَاتِ، قاله النَّوِيُّ في ((شَرِحِ أبِي دَاوُد))(٤). و(٥) قال ابنُ (١٠/٥م) السَّمعَانِيِّ(٦): هَيَ بِلَادٌ بَيْنَ الجَزِيرَةِ والغَورِ إلى السَّاحِلِ، ويَجُوزُ فيها التَّذكِيرُ [٢/ ٣و] والتَّأْنِيثُ، والهمزُ وتَركُه. وأمَّا شَآَمٌّ: بِفَتحِ الهَمزَةِ والمَدِّ فَأبَاه أكثَرُهم إلَّ في النَّسَبِ، وفي سَبَبٍ تَسمِيَتِها بِهَذَا الإِسمِ خِلَافٌ لَا نُطَوِّلُ بِذِكرِهِ. العَاشِرَةُ: رَوى النسائيُّ في (سُنَتِه))(٧)، من رِوايَةِ أفلَحَ بنِ حُمَيدٍ، عن القَاسِم، عن عَائِشَةَ مَرَفُوعًا: ((ولِأهلِ الشَّامِ ومِصرَ الجُحفَةُ)). وهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الأخذُ بِها، وعَلَيها العَمَلُ. ■ الحَادِيَةَ عَشَر: نَجدٌ بِفَتحِ النُّونِ وإسكَانِ الجِيمِ وآخِرُه دَالٌ مُهمَلَةٌ، قال في ((الصِّحَاحِ)) (٨): هو مَا ارتَفَعَ من تِهامَةَ إلى أرضِ العِرَاقِ، وقال في ((المَشَارِقِ))(٩): مَا بَينَ جَرَشَ إلى سَوادِ الكُوفَةِ، وحَدُّه مِمَّا يَلِي المَغْرِبَ الحِجَازُ، (١) في الأصل: ((في)). (٣) في (ح): ((وهي)). (٤) وذكره في تهذيب الأسماء واللغات (٤١٩/٢). (٥) لیس في: (ح). (٧) النسائي (٢٦٥٢). (٩) مشارق الأنوار (٣٤/٢). (٢) إكمال المعلم (١٦٩/٤). (٦) الأنساب (٢٦٦/٧). (٨) الصحاح (٥٤٢/٢). = ٢٩٨ كمـ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وعن (١) يَسَارِ الكَعبَةِ اليَمَنُ. قال: ونَجدٌ كُلُّها من عَمَلِ اليَمَامَةِ. وقال في (النِّهايَةِ))(٢) النَّجِدُ مَا ارتَفَعَ من الأرض، وهو اسمٌ خَاصٌّ لِمَا دُونَ الحِجَازُ مِمَّا يَلِي العِرَاقَ. ■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: قَرِنٌ بِفَتحِ القَافِ وإسكَانِ الرَّاءِ المُهمَلَةِ، بِلَا خِلَافٍ(٣) بَينَ أهلِ العِلمِ من أهلِ الحَدِيثِ واللُّغَةِ والتَّارِيخِ والأسمَاءِ وغَيرِهم، كَمَا قال (٤) النَّوِيُّ(٥) قالَ: وغَلِطَ الجَوهَرِيُّ في ((صِحَاحِه)) فيه (٦) (٧ غَلَطَينٍ فَاحِشَينٍ(٧): فقال: بِفَتْحِ الرَّاءِ، وزَعَمَ أنَّ أُويسًا القَرَنِيَّ ◌َّهِ مَنسُوبٌ إلَيه. والصَّوابُ: إسكَانُ الرَّاءِ، وأنَّ أُويسًا مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ مَعرُوفَةٍ يُقَالُ لَهم: بَنُو قَرنٍ، وهم بَطنٌ من مُرَادٍ، القَبِيلَةُ المَعْرُوفَةُ يُنسَبُ إلَيها المُرَادِيُّ. قُلتُ: حَكَى القَاضِي في ((المَشَارِقِ)» (٨) عن تَعلِيقِ، عن القَابِسِيِّ: أنَّ مَن قال: قَرْنٌ بِالإِسكَانِ، أَرَادَ الجَبَلَ المُشرِفَ عَلى المَوضِعِ، ومَن قال: قَرَنٌ بِالفَتحِ أُرَادَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَفْتَرِقُ منه، فَإِنَّه مَوضِعٌ فيه طُرُفٌ مُفتَرِقَةٌ. انتَهَى. وهَذَا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِ خِلَافًا، ويُقَالُ لَه: قَرِنُ المَنَازِلِ، وقَرنُ الثَّعَالِبِ. قال النَّووِيُّ(٩): وهو عَلى نَحوِ مَرحَلَتَينٍ من مَكَّةَ، قَالُوا: وهو أقرَبُ المَواقِيتِ إلى مََّةَ. وقال في ((المَشَارِقٍ)): هو عَلى يَومٍ ولَيلَةٍ من مَكَّةَ، وهو قَرِيبٌ مِمَّا قدمته عن النَّووِيِّ. وفيمَا حَكَاه النَّووِيُّ من أنَّ قُرِنًا أقرَبُ المَواقِيتِ إلى مَكَّةَ نَظَرٌ، فَقد ذَكَرَ ابنُ حَزم (١٠): أنَّ بَيْنَها وبَينَ مَكَّةَ اثنَيْنٍ وأربَعِينَ مِيلًا، وأنَّ بَينَ يَلَمْلَمَ ومَكَّةَ ثَلَائِينَ مِيلًا، فَتَكُونُ(١١) يَلَمَلَمُ حِينَئِذٍ أقرَبَ المَواقِيتِ إلى مَكَّةَ، واللهُ أعلمُ. الثَّالِثَةَ عَشَرَ: يَلَمْلَمُ بِفَتْحِ اليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ واللامَينِ، ويُقَالُ لَه (١) في (ك): ((ومن)). (٣) ليس في: الأصل. (٥) شرح صحيح مسلم (٨١/٨). (٧ - ٧) في (ك، م): ((غلطتين فاحشتين)). (٨) مشارق الأنوار (١٩٩/٢). (١٠) المحلى (٧٠/٧). (٢) النهاية (١٩/٥). (٤) في (ك، م): ((قاله)). (٦) في الأصل، (م): ((في)). (٩) شرح صحيح مسلم (٨١/٨). (١١) في (ك، ح): ((فیکون)). = ٢٩٩ كِتَابُ الحَجّ أيضًا: أَلَمْلَمُ بِهَمِزَةٍ (١) أولَه، وهيَ الأصلُ، واليَاءُ (١١/٥م) بَدَلٌ منها، كَمَا ذَكَرَه في ((المَشَارِقِ))(٢)، وهو جَبَلٌ من جِبَالِ تِهامَةَ عَلى مَرَحَلَتَينٍ من مَكَّةَ، وقال ابنُ السَّيِّدِ(٣): يَلَمَلَمُ ويَرَمَرَمُ بِاللامِ والرَّاءِ. الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قال أصحَابُنَا وغَيرُهم: المُرَادُ بِكُونِ يَلَمَلَم مِيقَاتَ أهلٍ اليَمَنِ بَعضُ الْيَمَنِ وهو تِهِامَةُ، فَأمَّا نَجِدٌ فَإِنَّ مِيقَاتَه قَرنٌ، وذلك لِأَنَّ الْيَمَنَ يَشمَلُ نَجِدًا وتِهامَةَ، فَأَطلَقَ اليَمَنَ وأُرِيدَ بَعضُه وهو تِهامَةُ منه خَاصَّةً، وقَولُه فيمَا تَقْدمَ: نَجِدٌ، يَتَنَاولُ(٤) نَجِدَ الحِجَازِ ونَجدَ الْيَمَنِ، فَكِلَاهمَا مِيقَاتُ أهلِهِ قَرِنٌ. الخَامِسَةَ عَشَرَ: بَقِيَ مِيقَاتٌ خَامِسٌ مُتَّفَقٌ عَلَيه لَم يَتَعَرَّض لَه في هَذَا الحَدِيثِ، وهو ذَاتُ عِرقٍ مِيقَاتُ أهلِ العِرَاقِ، وهو بِكُسرِ العَينِ المُهمَلَةِ وإسكَانٍ الرَّاءِ، سُمِّيَ بِذلك لَأنَ فيه ◌ِرقًا، وهو الجَبَلُ الصَّغِيرُ. وقِيلَ: العِرقُ من الأرضِ سَبِخَةٌ تَنْبُتُ الظُّرَفَاءَ، وبَينَها وبَينَ مَكَّةَ اثْنَانٍ وأربَعُونَ مِيلًا قاله ابنُ حَزم(٥). قال المُنذِرِيُّ: وهيَ الحَدُّ بَيْنَ نَجدٍ وتِهامَةَ. ومَا ذَكَرتُه من الإجمَاعِ عَلى تَوقِيتِ ذَاتِ عِرقٍ لِأهلِ العِرَاقِ تَبِعتُ فيه ابنَ عَبدِ البَرِّ، والنَّووِيَّ(٦) فقالا: إنَّه مُجمَعٌ عَلَيه. لَكِنَّ الْخِلَافَ فيه مَوجُودٌ، فَحَكَى ابنُ حَزمٍ عن قَومِ أنَّهم قَالُوا: إنَّ مِيقَاتَ أهلِ العِرَاقِ العَقِيقُ. قال: واحتَجُوا بِخَبَرٍ لَا يَصِحُّ؛ لأن رَّاوِيَه يَزِيدُ بنُ أبي زِيَادٍ، وهو ضَعِيفٌ، عن مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ. قُلتُ: الخَبَرُ المَذكُورُ رَواه أبُو دَاوُد، والتِّرمِذِيُّ (٧) بِالإسنَادِ المَذْكُورِ، بِلَفِظِ : ((إنَّ النَّبِي وَ لِهِ وقَّتَ لِأهلِ المَشرِقِ العَقِيقَ)). سَكَتَ عَلَيه أبُو دَاوُد، وحَسَّنَه (١) في الأصل: ((بفتح)). (٢) مشارق الأنوار (٥٨/١). (٣) أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، العلّامة النخوي، اللغوي، صاحب التصانيف مَاتَ فِي رَجَب، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمائَةٍ. سير أعلام النبلاء (٥٣٢/١٩). (٥) في (م): ((تناول)). (٤) المحلى (٧٠/٧). (٦) التمهيد (١٤٣/١٥)، وشرح صحيح مسلم (٨٦/٨)، وقد حكى ابن عبد البر الخلاف (١٥/ ١٤٠). (٧) أبو داود (١٧٤٠)، والترمذي (٨٣٢). = ٠٣٠٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ التِّرمِذِيُّ، قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)) (١) ولَيسَ كَمَا قال، فَإنَّه من رِوایَةِ يَزِيدَ بنِ أبي زِيَادٍ [٢/ ٣ظ] وهو ضَعِيفٌ [بِاتِّفَاقِ المُحَدِّثِينَ. وكَذلك اعتَرَضَ عَلَيهِ المُنذِرِيُّ في ((مُختَصَرِ السُّنَنِ)»: بِأنَّ فيه يَزِيدَ بنَ أبي زِيَادٍ وهو ضَعِيفٌ](٢)، والجُمهورُ عَلى أنَّ المِيقَاتَ ذَاتُ عِرقٍ، وبِه قال الأئِمَّةُ الأربَعَةُ، لَكِن اختَلَفُوا: هَل صَارَت مِيقَاتَهم بِتَوقِيتِ النَّبِيِ وََّ، أم(٣) بِاجتِهادِ عُمَرَ بِنِ الخَطَّابِ نَّهُ؟ وفي ذلك خِلَافٌ لِأصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ، حَكَاهِ الرَّافِعِيُّ، والنَّوِيُّ، وجهَينِ، وحَكَاه القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَولَينٍ؛ المَشهورُ منهمَا عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ: أنَّه بِاجتِهادِ عُمَرَ، وهو الَّذِي ذَكَرَه المَالِكِيَّةُ. وَالَّذِي عَلَيه أكثَرُ الشَّافِعِيَّةِ: أنَّه مَنصُوصٌ، وهو مَذْهَبُ الحَنَفيةِ. يَدُلُّ لِلأولِ مَا رَواه البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) (٤) عن ابنِ عُمَرَ ظُّهَا، قال: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصرَانِ، أتَوا عُمَرَ (١٢/٥م) فَقَالُوا: يَا أمِيرَ المُؤمنينَ، إنَّ رسولَ اللهِ اَله حَدَّ لِأهلِ نَجدٍ قَرنٌ وهو جَورٌ عن طَرِيقِنَا، وإنَّا إن أرَدْنَا قَرِنًا (٥) شَقَّ عَلَيْنَا. قال: فَانْظُرُوا حَذوها من طَرِيقِكُم، فَحَدَّ لَهم ذَاتَ عِرقٍ . ويَدُلُّ لِلثَّانِي عِدَّهُ أَحَادِيثَ وهيَ مُتَكَلَّمٌ فيها، قال ابنُ المُنذِرِ (٦): لَا يَثْبُتُّ فيه عن النَّبِي ◌َِّ حَدِيثٌ. قُلتُ: رَوى مسلمٌ في ((صَحِيحِه))، عن أبي الزُّبَيرِ: أنَّه سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبدِ الله يُسألُ عن المُهَلّ؟ فقال: سَمِعتُ، أحسَبُهُ رَفَعَ الحَدِيثَ إلى رسولِ اللهِ وَهِ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفيه: ((ومُهَلُّ أهلِ العِرَاقِ من ذَاتٍ عِرقٍ)). وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (٧): هو غَيْرُ ثَابِتٍ، لِعَدَمِ جَزمِه بِرَفْعِه. (١) المجموع (١٩٨/٧). (٣) في الأصل: ((أو)). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٤) البخاري (١٥٣١). (٥) رسمت في الأصل، (ك، ح): ((قرنَ)). وهي لغة. (٦) الإشراف (١٧٨/٣). (٧) شرح صحيح مسلم (٨١/٨).