Indexed OCR Text

Pages 201-220

=
٢٠
كتابُ الصّيامِ
(صحيح مسلم)) وغَيرِه(١)، عن [٣٠٤/١ظ] عمرَ بنِ أبي سلَمَةَ: أنَّه سألَ
رسولَ اللهَ وَّهِ: أَيُقَبِّلُ الصّائمُ؟ فقالَ له رسولُ الله ◌َلاَ: ((سل هذِه)) لأمِّ سَلَمَةَ.
فأخبَرَته أنَّ رسولَ الله وَله يصنَعُ ذلك. فقالَ: يا رسولَ الله قد غَفَرَ اللهُ لك ما تقَدَّمَ
من ذَنبِكَ وما تأخّرَ، فقالَ له رسولُ اللهِ وَّ ر: ((أما والله إنّي لأتقاكم الله وأخشاكم
لُ)). وهَذا صريحٌ في أنَّ ذلك ليسَ من خصائصِه عليه الصلاةُ والسلامُ.
وعُمَرُ بنُ أبي سلَمَةَ هذا هو الحِميَرِيُّ (٢)، كَذا جاءَ مُبَيَّنًا في ((روايَةٍ
البيهقيّ))(٣) وليسَ هو ابنَ أمّ سلِمَةَ. واحتَجَّ من فرَّقَ بينَ الشَّيخِ والشّابِّ، أو بينَ
من يأمَنُ على نفسِه المواقَعَةَ وبَينَ من لا يأمَنُها، بأنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ كانَ
آمِنًا من ذلك لشِدَّةِ تقواه وورَعِه، فكُلُّ من أمِنَ ذلك كانَ في معناه، فالتَحَقَ به في
حُكمِه، ومَن ليسَ في معناه في ذلك فهو مُغايِرٌ له في هذا الحُكمِ، وهَذا أرجَحُ
الأقوالِ، وقَد ورَدَ التَّصريحُ بالفَرقِ بينَهُما، رواه أحمَدُ، والطَّبَرانِيُّ في ((مُعجَمِه
الكَبيرِ)) (٤) عن عبدِ الله بنِ عمرٍو (٥) قالَ: كُنّا عندَ النبيِّ نَّ فجاءَ شابٌّ فقالَ:
(١) مسلم (٧٤/١١٠٨)، وابن حبان (٣٥٣٨).
(٢) في (ك): ((الحميدي)). قلتُ: لعله وهم من المصنف تبع فيه النوويَّ رَّتْهُ؛ فقد نقل
كلامه هذا بنصه من المجموع (٣٩٥/٦، ٣٩٦)، ولم أجد الحميري هذا في شيء من
الكتب، والأشبه أنه خلَّط نسبته بنسبة من روى عنه، وهو عبد الله بن كعب الحميري،
وهذا هو المبين في مصادر التخريج، أما راوي هذا الحديث: فهو عمر بن أبي سلمة
المخزومي، أبو حفص المدني، ربيب النبي وّل، وليس كما قالا رحمهما الله، قال
ابن حجر في الفتح (١٥١/٤): رواه مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب
النبي ◌َله. وينظر: تحفة الأشراف (١٢٩/٨)، وتهذيب الكمال (٣٧٢/٢١)، وشرح
النووي على مسلم (٢١٩/٧).
(٣) السنن الكبرى (٢٣٤/٤)، وأخرجه أبو عوانة (٢٨٨٠)، وابن حبان (٣٥٣٨)، والطبراني
في الكبير (٢٥/٩) ح (٨٢٩٤)، وفي الأوسط: (١٩٢٣)، وليس في رواية البيهقي بيان
لما ذكره المصنف، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمر بن أبي سلمة، عن أمه
أم سلمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عمرو بن الحارث. انتهى. قلت: ونص الطبراني
هذا يؤيد ما تقدم ذكره، فلينتبه إليه .
(٤) أحمد (١٨٥/٢)، والطبراني (٥٦/١٣/ح ١٣٧).
(٥) في الأصل: ((عمر)). والمثبت الصواب.

٢٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يا رسولَ الله أقَبِّلُ وأنا صائمٌ؟ قالَ: ((لا)). فجاءَ شيخٌ فقالَ: أقَبِّلُ وأنا صائمٌ
قالَ: ((نعَم)). قالَ: فَنَظَرَ بعضُنا إلى بعضٍ، فقالَ رسولُ الله ◌َِله: «قد علِمتُ لَمَ
نظَرَ بعضُكم إلى بعضٍ، إِنَّ الشَّيِخَ يملِكُ نفسَهُ)). في إسنادِه ابنُ لهيعَةً، وهو
مُخْتَلَفٌ في (١) الاحتجاجِ به. ورَوى البيهقيُّ نحو ذلك من حديث أبي هريرةَ، وهو
عندَ أبي داود(٢)، ولَكِن بدَلُ القُبلَةِ المُباشَرَةُ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ(٣): وقَد أجمَعَ
العلماءُ أنَّ من كرِهَ القُبلَةَ لم يكرَهَا لنَفسِها، (١٣٩/٤م) وإنَّما كرِهَها خشيةً ما تؤولُ
إِلَيه من الإنزالِ، وأقَلُّ ذلك المَذيُ. ولَم يختَلِفوا في أنَّ من قبَّلَ وسَلِمَ من قليلٍ
ذلك وكَثِيرِه فلا شيءَ عَلَيه، ثمَّ قالَ: لا أعلَمُ أحَدًا أرخَصَ في القُبَلَةِ للصّائمِ، إلّا
وهو يشتَرِطُ السلامَةَ ممّا يتَوَلَّدُ منها ممّا يُفسِدُ صومَه، ولَو قبَّلَ فأمذَى لم يكُن
علَيه شيءٌ عندَ الشافعيِّ، وأبي حنيفَةَ، والثوريِّ، والأوزاعيِّ. وابنُ عُلَيَّةَ. وقالَ
مالِكٌ: عَلَيه القَضاءُ ولا كفّارَةَ. والمُتأخّرونَ من أصحابٍ مالِكِ البَغدادِيّونَ
يقولون: إنَّ القَضاءَ هُنا استِحبابٌ، انتَهَى.
وحَكَى ابنُ قُدامَةً(٤) الفِطْرُ في صورَةٍ ما إذا قبَّلَ فأمذَى عن مالِكٍ وأحمَدَ.
· الرابعةُ: المُتَبادَرُ إلى الفَهمِ من القُبلَةِ تقبيلُ الفَمِ. وقالَ النوويُّ في
((شرح المُهَذَّبٍ))(٥) سواءٌ قَبَّلَ الفَمَ أو الَخَذَّ أو غَيرَهُما .
الخامِسَةُ: قولُها: ((يُقَبِّلُ))، أو يُقَبِّلُني. الظّاهرُ أنَّه شكٌّ من الرّاوي في
اللفظِ الذي قالَته عائشَةُ مِ﴿هَا، وقَد تقَدَّمَ أنَّ في روايَةِ غَيرِهِ الجَزمَ بِأحَدِ الأمرَينِ،
ورِوايَةُ مسلمٍ في(٦) الجَزمِ بقَولِها: ((يُقَبِّلُني)) أصَُّ من روايَةِ ابنِ ماجَه، ولَها
شواهدُ، وهي أخَصُّ، ومَعَها زيادَةُ علمٍ .
وفيها: جَوازُ الإخبارِ بمِثلِ هذا ممّا يجري بينَ الزَّوجَينِ على الجُملَةِ
للضَّرورَةِ، وأمّا في غَيرِ حالِ الضَّرورَةِ فَمَنهيٍّ عنه، وتَصريحُها بذِكرِ نفسِها تأكيدٌ
(١) ليس في: (م).
(٢) أبو داود (٢٣٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٢/٤).
(٤) المغني (٣٦١/٤).
(٣) الاستذكار (٥٦/١٠، ٥٨).
(٥) المجموع (٣٩٧/٦).
(٦) ليس في: (م).

=
٢٠٣
كتابُ الصّيامِ
لما تُخبِرُ به وأنَّها ضابِطَةٌ لذلك؛ لكَونِها صاحِبَةَ الواقِعَةِ لم تُخبِر بذلك عن غَيرِها،
وهو أدعَى القَبولِ ذلك والأخذِ به، واللهُ أعلمُ.
الحديثُ الثامِنُ
عن(١) هَمَّام، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَصُومُ
المَرأةُ وبَعِلُهَا شَاهَّدٌ، إلَّا بِإِذْنِه؛ ولَا تَأْذَنُ في بَيتِه وهُو شَاهدٌ إلَّا بِإِذْنِه،
ومَا أنفَقَت مِن كَسبِهِ مِن(٢) غَيرِ أمرِهِ، فَإِنَّ نِصفَ أجرِهِ لَهُ)).
فيه فوائدُ:
الأُولى: أخرَجَهُ مُسلِمٌ (٣) عن مُحَمَّدٍ بِنِ رَافِعٍ، وأبُو دَاوُد(٤) عن
الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، كِلَاهُمَا عن عَبدِ الرَّزَّاقِ، و(٥) لَفظُ مُسلِّم: ((لَا تَصُم)) بِلَفِظِ
الَّهي، وزَادَ فيه أبُو دَاوُد: ((غَيرَ رَمَضَانَ))، وأخرَجَ البخاريُّ (٦) الجُمْلَةَ الثَّالِثَةَ فَقَط
عن يَحيَى بنِ جَعفَرٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ. وأخرَجَ الحَدِيثَ بِتَمَامِه في ((النِّكَاحِ)) مِن
((صَحِيحِه)(٧) مِن طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةً، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن
أبي هُرَيْرَةَ، بِلَفِظِ: ((لَا يَحِلُّ لِلمَرأةِ أن تَصُومَ وَزَوجُهَا شَاهدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ ولَّا تَأْذَنُ
في بَيتِهِ إلَّا بِإِذْنِه؛ ومَا أَنفَقَت مِن نَفَقَةٍ مِن غَيرِ أمرِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيه شَطْرُهُ»،
وقال والِدِي تَُّ في النُّسْخَةِ الكُبرَى مِن ((الأحكام)) وفي رِوايَةٍ لَهُ - أي:
لِلْبُخَارِيِّ [٣٠٥/١و] -: ((إذَا أطعَمَت المَرأةُ مِن بَيتِ زَوجِهَا غَيرَ مُفسِدَةٍ، كَانَ لَهَا
أجرُهَا ولَهُ مِثْلُهُ، ولِلخَازِنِ مِثلُ ذَلِكَ)). ومُقْتَضَاهُ: أنَّ هَذَا اللفظَ في ((صَحِيحٍ
البُخَارِيِّ)) مِن حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ. وإِنَّمَا وقَفت عَلَيه فيه مِن حَدِيثٍ عَائِشَةَ(٨)
(١) في (ك): ((وعن)).
(٣) مسلم (١٠٢٦ / ٨٤).
(٥)
زيادة من (م).
(٧) البخاري (٥١٩٥).
(٢) في الأصل: ((عن)).
(٤) أبو داود (٢٤٥٨).
(٦) البخاري (٢٠٦٦).
(٨) البخاري (١٤٢٥).

=
=
٢٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَلْيُحَرَّرِ ذَلِكَ(١). واللهُ أعلمُ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: (لَا تَصُومُ المَرأةُ)) كَذَا هُو في رِوايَتِنَا بِالرَّفعِ، لَفْظُهُ خَبَرٌ،
ومَعنَاهُ النَّهيُّ، وهُو في (صَحِيحِ مُسلِمٍ)) بِلَفِظِ النَّهي: ((لَا تَصُم))، كَمَا تَقَدَّمَ. وفي
((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)): ((لَا يَحِلُّ لِلَمَرأةِ أَنْ تَصُومَ)»، وهُو صَرِيحٌ في تَحرِيمِ ذَلِكَ، وبِه
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ، وحَكَاهُ النَّووِيُّ في ((الرَّوضَةِ))، و((شَرحِ مُسلِم))(٢) عن أصحَابِنَا،
وحَكَاهُ في (شَرحِ المُهَذَّبِ))(٣) عن جُمْهُورٍ أصحَابِنَّا، ثُمَّ قال: وقال بَعضُ
أصحَابِنَا: يُكرَهُ. والصَّحِيحُ الأولُ. قال: فَلَو صَامَت بِغَيرِ إذنِ زَوجِهَا صَخَّ،
بِتِّفَاقِ أصحَابِنَا، وإِن كَانَ الصَّومُ حَرَامًا؛ لِأَنَّ تَحرِيمَهُ لِمَعنَّى آخَرَ، لَا لِمَعنَّى يَعُودُ
إلى نَفسِ الصَّومِ، فَهُو كَالصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغصُوبَةٍ، وقال صَاحِبُ ((البَيَانِ))(٤): قَبُولُهُ
إلى الله تَعَالى. قال النَّووِيُّ: ومُقْتَضَى المَذهَبِ فِي نَظَائِرِهَا: الجَزمُ بِعَدَمِ الثَّوَابِ،
كَمَا في الصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ. انتَهَى.
ومَن قال بِالكَرَاهَةِ احتَاجَ إلى تَأْوِيلٍ قَولِه: ((لَا يَحِلُّ)) عَلى أنَّ مَعنَاهُ: لَيسَ
حَلَالًا مُستَوِيَ الطَّرَفَينِ، بَل هُو رَاجِحُ التَّركِ مَكَرُوهٌ. وهُو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مُستَنكَرٌ،
ولَو لَم يَرِدِ هَذَا اللفظُ، فَلَفِظُ النَّهي الَّذِي في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)) ظَاهرٌ في التَّحرِیم،
وكَذَا لَفِظُ المُصَنَّفِ؛ لِأنَّ استِعمَالَ لَفِظِ الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى تَأَكُّدِ (٥) النَّهِي، وتَأكُّدُه
يَكُونُ بِحَمِلِه عَلَى التَّحِيمِ، واللهُ أعلمُ.
قال النَّووِيُّ في ((شَرح مُسلِم)) (٦): وسَبَبُهُ: أنَّ الزَّوجَ لَهُ حَقُّ الاستِمتَاعِ بِهَا
فِي كُلِّ الأيَّامِ، وحَقُهُ واجِبٌ عَلى أَلْفَورِ، فَلَا يَقُوتُهُ(٧) (١٤١/٤ م) بِتَطَوُّعِ ولَا بِواجِبٍ
عَلى الشَّرَاخِي. فَإِن قِيلَ: فَيَنبَغِي أن يَجُوزَ لَهَا الصَّومُ بِغَيرٍ إذنِهِ، فَإِن أَرَادَ
الاِسْتِمتَاعَ بِهَا كَانَ لَّهُ ذَلِكَ، ويَفسُدُ صَومُهَا .
(١) ينظر: تحفة الأشراف (٣٩٧/١٠) ح (١٤٦٩٥).
(٢) روضة الطالبين (٢٥٤/٢)، وشرح صحيح مسلم (١١٥/٧).
(٤) البيان (٥٥٥/٣).
(٣)
المجموع (٤٤٥/٦).
في (م): ((تأكيد)) .
(٥)
(٧) في (ك): ((تفوته)) .
(٦) شرح صحيح مسلم (١١٥/٧).

=
كتابُ الصّيامِ
٢٠٥
فَالجَوابُ أنَّ صَومَهَا يَمنَعُهُ مِن الاِستِمتَاعِ في العَادَةِ؛ لِأِنَّهُ يَهَابُ انتِهَاكَ
الصَّومِ بِالإِفِسَادِ. انتَهَى.
الثَّالِثَةُ: قَيَّدَ النَّهيَ عن الصَّومِ بِأن يَكُونَ بَعلُهَا - أي: زَوُهَا - شَاهدًا؛ أي:
حَاضِرًا مُقِيمًا في البَلَدِ. ومَفهُومُهُ: أَنَّ لَهَا صَومَ النَّطَوُّع في غَيْبَتِه. وهُو كَذَلِكَ،
بِلَا خِلافٍ، كَمَا ذَكَرَهُ النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(١)، وهُو واضِحٌ لِزَوالِ مَعنَى النَّهي.
ومَا المُرَادُ بِغَيَتِهِ هُنَا؟ هَل المُرَادُ الغَيبَةُ المُعتَبَرَةُ في أكثَرِ المَسَائِلِ الشَّرعِيَّةِ،
وهيَ أن يَكُونَ عَلى مَسَافَةِ القَصرِ، أو المُرَادُ أن يَكُونَ فَوقَ مَسَافَةِ العَدوى، أو
المُرَادُ مُطلَقُ الغَيبَةِ عنِ البَلَدِ، ولَو قَلَّتِ المَسَافَةُ، وقَصُرَت مُدَّتُهَا؟ .
مُقْتَضَى إطلاقِ الحَدِيثِ تَرجِيحُ هَذَا الإِحْتِمَالِ الثَّالِثِ، لَكِن لَو ظَنَّت قُدُومَهُ
في بَقِيَّةِ اليَومِ بِسَبَبٍ مِن الأسبَابِ، فَيَنبَغِي تَحْرِيمُ صَومِ ذَلِكَ اليَومِ، وهَذَا لَا
يَخْتَصُّ بِهَذَا الإِحْتِمَالِ، بَل يَجِرِي عَلَى الإِحْتِمَالَاتِ كُلِّهَا، فَمَتَى ظَنَّتَ قُدُومَهُ في
يَومٍ حَرُمَ عَلَيْهَا صَومُهُ، ولَو بَعُدَتِ بَلَدُ الغَيبَةِ، وَطَالَت مُدَّتُهَا، ويُحَمَلُ أن لَا يَحِرُمَ
اسْتِصِحَابًا لِلِغَيبَةِ، والأصلُ استِمِرَارُهَا .
الرَّابِعَةُ: في مَعنَى غَيَتِه أن يَكُونَ مَرِيضًا، لَا يُمكِنُهُ الاستِمتَاعُ بِزَوجَتِهِ،
فَلَهَا حِينَئِذِ الصَّومُ مِن غَيرِ إذنِهِ فيمَا يَظهَرُ .
الخَامِسَةُ: هَل المُرَادُ إذنُهُ صَرِيحًا، أو يَكفي مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِن احتِفَافِ
قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلى رِضَاهُ بِذَلِكَ؟
الظَّاهرُ أنَّ احْتِفَافَ القَرَائِنِ، واطِّرَادَ (٢) العَادَةِ يَقُومُ مَقَّامَ الإِذنِ الصَّرِيحِ.
السَّادِسَةُ: تَقَدَّمَ أنَّ فِي رِوايَةِ أبي دَاوُد: ((غَيرَ رَمَضَانَ))، وهَذَا لَا بُدَّ مِن
اسْتِنَائِهِ، فَلَا يُحتَاجُ في صَومِ رَمَضَانَ إلى إذنِهِ، ولَا يُمتَنَعُ بِمَنِعِه، وفي مَعنَى صَوم
رَمَضَانَ كُلُّ صَوم واجِبٍ مُضَيَّقٍ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، إذَا تَعَدَّتِ بِالإِفِطَارِ، أو كَانَّ
الفِطرُ بِعُذرٍ، ولَكِنْ ضَاقَ وقتُ القَضَاءِ، بِأن لَم يَبقَ مِن شَعبَانَ إلَّا قَدرُ القَضَاءِ،
أو نَذَرَت قَبلَ النِّكَاحِ أو بَعدَهُ بِإِذِنِه صِيَامَ أيَّامٍ بِعَينِهَا، و(٣) المُوسَّعُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ
(١) المجموع (٤٤٥/٦).
(٣) في الأصل: ((أو))، وفي (ك): ((أما)).
(٢) في (ك): ((واطراده)).

=
کے
٢٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
إِذَا كَانَ الفِطرُ بِعُذرٍ وَلَم يَضِقَ الوقتُ، والكَفَّارَةُ والنَّرُ الَّذِي لَيسَ لَهُ وقتٌ مُعَيَّنٌ
فَهُو كَالتَّطَوُّعِ [٣٠٥/١ظ] في أنَّ لَهُ مَنعَهَا مِنْهُ، وقَد صَرَّحَ بِذَلِكَ كُلِّه أصحَابُنَا،
وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(١): هَذَا مَحمُولٌ عَلى صَومِ التَّطَوُّعِ، والمَنذُورَ
الَّذِي لَيسَ لَهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ.
قُلتُ: وكَذَا صَوُ الكَفَّارَةِ، وقَضَاءُ رَمَضَانَ إذَا فَاتَ بِعُذْرٍ، ولَم يَضِق
الوقتُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وقال ابنُ حَزم(٢): تَصُومُ (٤/ ١٤٢م) الفُرُوضَ كُلَّهَا، أحَبَّ أم كَرِهَ. قال:
وصِيَامُ قَضَاءِ رَمَضَانَّ والكَفَّارَاتِ وكُلُّ نَذْرٍ تَقَدَّمَ لَهَا قَبلَ نِكَاحِهَا إِيَّهُ مَضمُومٌ إلى
رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالى افتَرَضَ كُلَّ ذَلِكَ، كَمَا افْتَرَضَ رَمَضَانَ، وقال تَعَالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
[الأحزاب: ٣٦]، فَأَسقَطَ اللهُ رَّمْ الاختِيَارَ فيمَا قَضَى بِهِ، وإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُِّ
الإِسْتِذَانَ فيمَا فيه الخِيَارُ. واللهُ أعلمُ.
السَّابِعَةُ: هَذَا الحَدِيثُ ورَدَ في ابتِدَاءِ الصَّوم. أمَّا دَوامُهُ، كَمَا لَو
نَكَجَهَا وهيَ صَائِمَةٌ، فَهَل لَهُ حَقُّ في تَفِطِيرِهَا؟. هَذِهِ مَسأَلَةٌ فَلَّ مَن تَعَرَّضَ لَهَا،
وقَد ذَكَرَهَا إبرَاهيمُ المَروزِيُّ مِن أصحَابِنَا، وقال: إنَّهُ لَيسَ لَهُ إجبَارُهَا عَلى
الإِفِطَارِ. قال: وفي نَفَقَتِهَا وجهَانِ.
] الثَّامِنَةُ: في ((سُنَنِ أبي دَاوُه)(٣) بَيَانُ سَبَبِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الأُولى مِن
الحَدِيثِ، عن أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ ◌َبه، قال: ((جَاءَت امرأةٌ إلى النَّبِي ◌ََّ، ونَحنُ
عِندَهُ، فَقالت: يَا رَسُولَ الله، إنَّ زَوجِي صَفْوانَ بنَ المُعَظَّلِ يَضرِبُنِي إذَا صَلَّيْتُ،
ويُفطُِّنِي إذَا صُمت، ولا يُصَلِّ صَلَاةَ الفَجرِ (٤) حَتَى تَطلُعَ(٥) الشَّمسُ، قال:
وصَفوانُ عِندَهُ.
(١) شرح صحيح مسلم (١١٥/٧).
(٣) أبو داود (٢٤٥٩).
(٥) في (ك): ((يطلع)).
(٢) المحلى (٣٠/٧).
(٤) في الأصل: ((الصبح)).

=
كتابُ الصّيامِ
٢٠٧
فَسَأَلَهُ عَمَّا قالت؟ فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وفيه: وأمَّا (١) قَولُهَا: يُفطِّرُنِي، فَإِنَّهَا
تَنطَلِقُ فَتَصُومُ، وأنَا رَجُلٌ شَابٌّ، فَلَا أصبِرُ، فَقال رَسُولُ اللهِ وَ يَوْمَئِذٍ :
(لَا تَصُومُ(٢) امرأةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوجِهَا))، فَيَنبَغِي ذِكرُ ذَلِكَ في أسبَابِ الحَدِيثِ، فَقَد
ذَكَرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٣) أنَّ بَعضَ المُتَأْخِّرِينَ شَرَعَ في تَصِنِيفِ
أسَبَابِ الحَدِيثِ، كَأسبَابِ نُزُولِ القُرآنِ .
] التَّاسِعَةُ: قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)) (٤): الأمَّةُ المُستَبَاحَةُ لِسَيِّدِهَا
في صَومِ التَّطَوُّعِ كَالزَّوجَةِ، وأمَّا الأمَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا، بِأَن كَانَت مَحرَمًا لَهُ
كَأُختِهِ أَوَ كَانَت مَجُوسِيَّةً أو غَيرَهُمَا، والعَبدُ، فَإِن تَضَرَّرَا بِصَومِ التَّطَوُّعِ بِضَعفٍ أو
غَيرِه أو بِنَقصٍ، لَم يَجُز بِغَيرِ إذنِ السَّيِّدِ، بِلَا خِلَافٍ، وإِن لَم يَتَضَرَّرَا، ولَم
يَنْقُصَا، جَازَ. انتهى (٥).
وأطلَقَ ابنُ حَزم الظَاهِرِيُّ(٦): أنَّهُ لَا يَجُوزُ لِذَاتِ السَّيِّدِ أن تَصُومَ تَطَوُّعًا إلَّا
بِإِذِنِهِ. وقال: البَعلُ اسمٌ لِلسَّيِّدِ، ولِلزَّوجِ في اللُّغَةِ.
العَاشِرَةُ: قَولُهُ: ((وَلَا تَأْذَنُ في بَيتِهِ وهُو شَاهدٌ إلَّا بِإِذِنِه)). هُو في رِوايَتِنَا
بِالرَّفعِ(٧) كَقَولِه: ((لَا تَصُومُ)). لَفِظُهُ خَبَرٌ، ومَعنَاهُ النَّهيُ، وفي رِوايَةِ ((مُسلِم))
بِالجَزمِ، عَلى النَّهيِ الصَّرِيحِ، كَقَولِه في رِوايَته (٨): ((لَا تَصُم)). قال النَّووِيُّ فَي
(شَرحِ مُسلِمٍ)(٩): فيه إشَارَةٌ إلى أنَّهُ لَا يُفتَاتُ عَلى الزَّوج وغَيرِهِ مِن مَالِكِي البُيُوتِ
وغَيرِهَا، بِالإِذنِ في أملَاكِهم إلَّا بِإِذْنِهم، وهَذَا مَحمُولٌ عَلى مَا لَا يُعلَمُ رِضَا
الزَّوجِ (٤/ ١٤٣م) ونَحوُهُ، فَإِن عَلِمَتِ المَرأةُ ونَحوُهَا رِضَاهُ بِهِ جَازَ، كَمَا سَبَقَ في
النَّفَقَةِ .
(١) في الأصل: ((فأما)).
(٣) إحكام الأحكام (ص٦٦).
(٥)
ليست في (م).
(٧)
في الأصل: (لرفع)).
(٩) شرح صحيح مسلم (١١٥/٧).
(٢) في الأصل: ((يصوم)).
(٤) المجموع (٤٤٥/٦).
(٦) المحلى (٣٠/٧).
(٨) في (م): ((رواية)).

٢٠٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحَادِيَةَ عَشرَةَ: يُحتَمَلُ أن يَكُونَ المُرَادُ الإِذنَ في الدُّخُولِ عَلَيهَا،
ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ مُطلَقُ دُخُولِ البَيتِ، وإِن لَم يَكُن فيه دُخُولٌ عَلَيهَا، بِأن أذِنَت في
دُخُولِ شَخصٍ في مَكَان لَيسَت فيه. إمَّا مِن حُقُوقِ الدَّارِ الَّتِي هِيَ فيهَا، وإِمَّا في
دَارٍ أُخرَى مُنْفَرِدَةٍ عن سَكْنِهَا، وهَذَا الإِحْتِمَالُ الثَّانِي هُو مُقْتَضَى اللفظِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ
فيه تَقِيدُ ذَلِكَ بِكَونِ الدُّخُولِ عَلَيْهَا. واللهُ أعلمُ
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: في رِوايَةِ ((المُصَنِّفِ)) و((مُسلِمٍ)) تَقِيدُ المَنعِ بِكَونِ الزَّوجِ
شَاهدًا؛ أي: حَاضِرًا، ومُقتَضَاهُ: أَنَّ لَهَا الإِذنَ في غَيِّبَّتِهِ مِن غَيرِ اسْتِئِذَانِه، ولَم
يَذْكُرِ هَذَا القَيدَ في رِوايَةِ ((البُخَارِيِّ))، والأخذُ بِالإِطلَاقِ هُنَا أولى، فَإِنَّ غَيَبَتَهُ في
ذَلِكَ كَحُصُورِهِ، بَل أولى [٣٠٦/١و] بِالمَنعِ، فَقَد يَسمَحُ الإِنسَانُ بِدُخُولِ النَّاسِ
مَنزِلَهُ في حُضُورِهِ، ولَا يَسمَحُ بِذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ. وحِينَئِذٍ: فَذِكرُ القَيدِ في رِوايَةٍ
((المُصَنِّفِ)) و((مُسلِم)) خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ في أنَّ الإِذنَ لِلضِّيفَانِ ونَحوِهم إِنَّمَا
يَكُونُ مَعَ حُضُورٍ صَأَحِبِ المَنزِلِ، أَمَّا إذَا كَانَ مُسَافِرًا، فَالغَالِبُ أن لَا يُطْرَقَ مَنْزِلُهُ
أصلًا، ولَو طُرِقَ، لم تَأْذَن المَرأةُ في دُخُولِه. وقَد قال عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ:
((إِيَّاكُم والدُّخُولَ عَلى المُغَيَّبَاتِ))(١) وهُنَّ اللاتِي غَابَ عنْهُنَّ أزواجُهُنَّ، ومَا خَرَجَ
مَخْرَجَ الغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، كَمَا تَقَرَّرَ في عِلم الأُصُولِ(٢). وقَد يُقَالُ: هَذَا القَيدُ
مَعمُولٌ بِهِ، فَإِنَّهُ إذَا حَضَرَ تَسَّر(٣) استِئِذَانُهُ، وَإِذَا غَابَ تَعَذَّرَ، وقَد تَدعُو الضَّرُورَةُ
إلى الدُّخُولِ عَلَيْهَا، فَيُبَاحُ لَهَا حِينَئِذٍ ذَلِكَ، لِلِاحْتِيَاجِ إِلَيهِ مَعَ عَدَمِ الاِستِئِذَانِ،
لِتَعَذُّرِهِ، والأولُ أقرَبُ. واللهُ أعلمُ.
] الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ: ((ومَا أنفَقَت مِن كَسْبِهِ (٤/ ١٤٠م) مِن غَيرِ أمرِه،
فَإِنَّ نِصفَ أجرٍهٍ لَهُ)). قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم)) (٤): مَعنَاهُ عن غَيرِ أمرِهِ
الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ القَدرِ المُعَيَّنِ، ويَكُونُ مَعَهَا إذنٌّ عَامٌّ سَابِقٌ مُتَناولٌ(٥) لِهَذَا
القَدرِ وغَيرِهِ، إمَّا بِالصَّرِيحِ، وإِمَّا بِالعُرفِ. قال: ولا بُدَّ مِن هَذَا التَّأْوِيلِ؛
(١) أخرجه الترمذي (١١٧٢)، وأخرج نحوه البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢٠/٢١٧٢).
(٣) في (م): ((يعسر)).
(٢) ينظر: الإحكام للآمدي (١٢٤/٣).
(٤) شرح صحيح مسلم (١١٢/٧، ١١٣). (٥) في (م): ((متبادل)).

=
كتابُ الصّيامِ
٢٠٩٤
لأنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ جَعَلَ الأجرَ مُنَاصَفَةً، ومَعلُومٌ أنَّهَا إذَا أنفَقَت مِن غَيرِ(١)
إذنٍ صَرِيحٍ، ولَا مَعُرُوفٍ مِن العُرفِ، فَلَا أجرَ لَهَا، بَل عَلَيْهَا وِزرٌ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ.
قال: واعلم أنَّ هَذَا كُلَّهُ مَفْرُوضٌ في قَدرٍ يَسِيرٍ، يُعلَمُ رِضَى المَالِكِ بِهِ في العَادَةِ،
فَإِنْ زَادَ عَلى المُتَعَارَفِ (٢) لَم يَجُز، وهَذَا مَعنَى قَوْلِهِ وََّ: ((إِذَا أَنفَقَت المَرأةُ مِن
طَعَامٍ بَيْتِهَا غَيرَ مُفسِدَةٍ). فَأَشَارَ بَّهَ إلى أنَّهُ قَدْرٌ يُعلَمُ رِضَا الزَّوجِ بِهِ في العَادَةِ،
ونَبَّهَ بِالطَّعَام أيضًا عَلى (١٤٤/٤م) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسمَحُ بِه في العَادَةِ، بِخِلَافٍ
الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ في حَقِّ أكثَرِ النَّاسِ، وفي كَثِيرٍ مِن الأحوالِ. انتَهَى.
ويُمكِنُ أن يُحمَلَ ذَلِكَ عَلى مَا إذَا أَنفَقَت مِن مَالِهَا الَّذِي اكتَسَبَهُ، وأعطَاهُ
لَهَا فِي نَفَقَتِهَا فَلَهَا الأجرُ، وإِن لَم يَأْذَن لَهَا (٣) في إنفَاقِهِ؛ لِنَّهُ خَالِصُ مِلكِهَا، وَلَهُ
الأجرُ بِاكتِسَابِهِ ودَفعِه لَهَا، كَمَا قال عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((حَتَّى مَا تَجعَلُهُ في فِي
امرَأْتِك)) (٤). فَجَعَلَ لَهُ الأجرَ فيمَا أعطَاهُ لَهَا، فَكَيفَ مَا انضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهَا
تَصَدَّقَت بِهِ، فَكَانَ بِاكتِسَابِهِ سَبَبًا لِتِلكَ الصَّدَقَةِ، ويَدُلُّ لِهَذَا مَا في ((سُنَنٍ
أبي دَاوُد))(٥) عَقِبَ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ هَذَا، عن أبي هُرَيرَةَ: في المَرأةِ تَصَدَّقُ مِن
بَيْتٍ زَوجِهَا؟ قال: ((لَا، إلَّا مِن قُوتِهَا، والأجرُ بَينَهُمَا، وَلَا يَحِلُّ لَهَا أن تَصَدَّقَ مِن
مَالِ زَوجِهَا، إلَّا بِإِذْنِه). وهَذَا: إمَّا مَرُفُوٌ؛ إن كَانَ لَا يُقَالُ مِثلُهُ مِن قِبَلٍ
الرَّأيِ (٦)، وإِمَّا مَوقُوفٌ، لَكِنَّهُ مِن كَلَامِ رَاوِي الحَدِيثِ، فَهُو أعلَمُ بِتَفْسِيرِه والمُرَادِ
بِهِ. وقال ((أَبُو دَاوُد)) عَقِبَ رِوايَتِه: هَذَّا يُضَعِّفُ حَدِيثَ هَمَّام. كَذَا حَكَى المِزِّيّ
في ((الأطرَافِ))(٧)، ولَيسَ ذَلِكَ في أصلِنَا مِن ((السُّنَنِ)). واللهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةَ عَشرَةَ: قَولُهُ: (فَإِنَّ نِصفَ أجرِه لَهُ)).؛ أي: والنِّصفُ الآخَرُ
لَهَا. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُهُ في رِوايَةِ ((أبي دَاوُد)): ((فَلَهَا نِصفُ أجرٍه))، فَحَصَلَ مِن
(١) ليست في: الأصل.
(٢) في الأصل: ((التعارف)).
(٣)
ليست في: الأصل.
(٤) أخرجه البخاري (٥٦)، ومسلم (٥/١٦٢٨).
(٥)
أبو داود (١٦٨٨).
(٦) في الأصل: ((الراوي)).
(٧) تحفة الأشراف (٢٦٢/١٠) (١٤١٨٥)، وهو في مطبوعة السنن.

=
٢١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مَجُمُوعِ الرِّوايَتَينِ: أنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصفَينٍ. ويُوافِقُ ذَلِكَ مَا في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)(١) عن
عُمَيرٍ، مَولى آبي اللحم، قال: كُنت مَملُوكًا، فَسَألت رَسُولَ اللهِ وَهِ: أَتَصَّدَّقُ مِن
مَالِ مَوالِيَّ بِشَيءٍ؟ قالَ: ((نَعَم، والأجرُ بَينَكُمَا نِصِفَانٍ))، وفي لَفِظِ لَهُ: أمَرَنِي
مَولَايَ أن أُقَدِّدَ لَحمًا، فَجَاءَنِي مِسكِينٌ، فَأطعَمته مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَولَايَ،
فَضَرَبَنِي، فَأْتَيتِ رَسُولَ اللهِ وَّهَ، فَذَكَرت ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ، فَقال: ((لِمَ ضَرَبته؟))
قال: يُعْطِي طَعَامِي بِغَيرِ أن آمُرَهُ، قال: ((الأجرُ بَينَكُمَا)). وهَذِهِ المُنَاصَفَةُ المَذكُورَةُ
فِي هَذَينِ الحَدِيثَينِ لَيسَت عَلى حَقِيقَتِهَا وظَاهِرِهَا، بَل المُرَادُ: أنَّ لِهَذَا ثَوابًا،
ولِهَذَا ثَوابًا، وإِن كَانَ أَحَدُهُمَا أكثَرَ، ولَا يَلزَمُ أَن يَكُونَ مِقِدَارُ ثَوابِهِمَا سَواءً، بَل
قَد يَكُونُ ثَوابُ هَذَا أكثَرَ، وقَد يَكُونُ عَكسَهُ. وقَولُهُ هُنَا: ((نِصفَانٍ)) مَعنَاهُ: قِسمَانِ،
وإِن كَانَ أحَدُهُمَا أكثَرَ، كَمَا قال الشَّاعِرُ(٢):
إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصِفَانٍ (٣) شَامِتٌ وآخَرُ مُثٍ بِالذِي كُنتُ أُصنَعُ
فَإِذَا أعطَى المَالِكُ [٣٠٦/١ظ] لِخَازِنِه أو امرَأْتِه أو غَيرِهِمَا مِائَةَ دِرهَمٍ أو
نَحوهَا، لِيُوصِّلَهَا إلى مُستَحِقِّي (٤) الصَّدَقَةِ عَلى بَابِ دَارِه أو نَحوِهِ، فَأجرُ المَالِكِ
أكثَرُ، وإِن أعطَاهُ رُمَّانَةً (١٤٥/٤م) أو رَغِيفًا ونَحوهُمَا، حَيثُ لَيسَ لَهُ كَبِيرُ قِيمَةٍ
لِيَذْهَبَ بِهِ إِلى مُحَاجٍ في مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، بِحَيثُ يُقَابَلُ مَشيُّ (٥) الذَّاهبِ إلَيه بِأُجرَةٍ تَزِيدُ
عَلى الرُّمَّانَةِ والرَّغِيفِ، فَأجرُ(٦) الوكِيلِ أكثَرُ، وقَد يَكُونُ عَمَلُهُ قَدَرَ الرَّغِيفِ مَثَلًا،
فَيَكُونُ مِقَدَارُ الأجرِ (٧) سَواءً، ذَكَرَ ذَلِكَ النَّووِيُّ في (شَرحِ مُسلِم))(٨). ثُمَّ قال: وأَشَارَ
القَاضِي(٩) إلى أنَّهُ يَحتَمِلُ أيضًا أن يَكُونَ(١٠) سَواءً؛ لِأنَّ الأجرُّ فَضلٌ مِن الله تَعَالى،
ولَا يُدرَكُ بِقِيَاسٍ، ولَا هُو بِحَسبِ الأعمَالِ، وَذَلِكَ فَضلُ الله يُؤْتِيه مِن يَشَاءُ.
(١) مسلم (١٠٢٥/ ٨٢).
(٢) البيت من الطويل، للعجير السلولي، خزانة الأدب (٧٥/٩).
في الأصل: ((صنفان)). وجاءت مرفوعةً على أن الجملة خبرٌ، وفيها ضمير شأن محذوف
(٣)
هو اسم كان. وينظر: أسرار العربية لابن الأنباري (ص١١٤).
(٤)
في (م): ((مستحق)).
(٦)
في الأصل: ((فالجر)).
(٨) شرح صحيح مسلم (١١٢/٧).
(١٠) في (م): ((يكونا)).
(٥) في (ك): ((بشيء)).
(٧) في (ك): ((الأجرة)).
(٩) إكمال المعلم (٥٥١/٣).

=
٢
كتابُ الصّيامِ
قال النَّووِيُّ: والمُختَارُ الأولُ. وقال القَاضِي أَبُو بَكرِ ابنُ العَرَبي(١):
المَعنِيُّ بِالمُنَاصَفَةِ هَهُنَا: أنَّهُمَا سَواءٌ في المَثُوبَةِ، كُلُّ واحِدٍ مِنْهُم(٢) لَهُ أجرٌ كَامِلٌ
وهُمَا اثنَانِ فَكَأَنَّهُمَا نِصِفَانِ. انتَهَى.
وقال والِدِي تَخْتُهُ في (شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): ويَدُلُّ عَلَيه قَولُهُ في بَقِيَّةِ حَدِيثٍ
عَائِشَةَ: ((لَا يَنْقُصُ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا مِن أجرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا)).
■ الخَامِسَةَ عَشرَةَ: ذَكَّرَ والِدِي تَظْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) حَدِيثَ
أبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ في خُطِبَتِهِ عَامَ حَجَّةٍ
الودَاعِ: ((لَا تُنفِقُ امرَأَةٌ شَيئًا مِن بَيتِ زَوجِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوجِهَا)). قِيلَ: يَا رَسُولَ الله،
ولَا الْطَّعَامَ؟. قال: ((ذَلِكَ أفضَلُ(٣) أموالِنَا)). رَواهُ التِّرمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه (٤).
ومَا رَواهُ أَبُو دَاوُد(٥)، عن أبي هُرَيْرَةَ: في المَرأةِ تَصَدَّقُ مِن بَيتِ زَوجِهَا، قال:
((لَا، إِلَّا مِن قُوتِهَا، والأجرُ بَينَهُمَا، ولَا يَحِلُّ لَهَا أَن تَصَدَّقَ مِن مَالِ زَوجِهَا
إلَّا بِإِذْنِه))، ومَا رَواهُ ابنُ مَاجَه(٦)؛ عن عَبدِ الله بنِ عَمرٍو، قال: لَمَّا فَتَحَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ مَّةَ، فَامَ خَطِيبًا، فَقال في خُطَبَتِهِ: ((لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ
زَوجِهَا)) ومَا رَواهُ أبُو دَاوُد، والتِّرمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ(٧) عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيَِ،
أنَّهُ قال: ((إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرأةُ مِن بَيتِ زَوجِهَا كَانَ لَهَا أجرٌ، ولِزَوجِهَا مِثلُ ذَلِكَ،
ولِلخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا يُنقِصُ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُم مِن أجرٍ صَاحِبِهِ شَيئًا، لَهُ بِمَا كَسَبَ،
ولَهَا بِمَا أَنفَقَت))، ومَا رَواهُ الأَئِمَّةُ الخَمسَةُ(٨) عن أسمَاءَ: أَنَّهَا جَاءَت النَّبِيَِ،
فَقالت: يَا نَبِي الله، لَيسَ لِي شَيءٌ إلَّا مَا أدخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيرُ، فَهَل عَلَيَّ جُنَاحٌ أن
أرضَخَ مِمَّا يُدخِلُ عَلَيَّ؟ فَقال: ((ارضَخِي مَا استَطَعت، ولَا تُوعِي فَيُوعِيَ الله
(١) عارضة الأحوذي (١٧٨/٣).
(٢) في (م): ((منهما)).
(٣) في الأصل: ((فضل)).
(٤) الترمذي (٦٧٠)، وابن ماجه (٢٢٩٥).
(٥) أبو داود (١٦٨٨).
(٦) ابن ماجه (٢٣٨٨).
(٧) أبو داود (١٦٨٥)، والترمذي (٦٧١)، والنسائي في المجتبى (٢٥٣٨)، وفي الكبرى
(٢٣٣١). ووقع في (م): ((النسائي والترمذي)).
(٨) البخاري (٢٥٩٠)، ومسلم (٨٩/١٠٢٩)، وأبو داود (١٦٩٩)، والترمذي (١٩٦٠)،
والنسائي (٢٥٥٠).

٢١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عَلَيك)). لَفِظُ مُسلِم، وهُو أَتَمُّ. ومَا رَواهُ الأئِمَّةُ السِّنَّةُ(١) عن عَائِشَةَ مِنْهَا، قالت:
قال رَسُولُ اللهِ وََّ: ((إِذَا أعطَت (١٤٦/٤م) المَرأةُ مِن بَيتِ زَوجِهَا بِطِيبٍ نَفسٍ،
غَيْرَ مُفسِدَةٍ، فَإِنَّ لَهَا مِثلَ أجرِهِ لَهَا مَا نَوت حَسَنًا، ولِلخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ)). لَفِظُ
التِّرمِذِيِّ، ومَا رَواهُ الشَّيخَانِ وغَيرُهُمَا عن أبي هُرَيْرَةَ: ((إِذَا أنفَقَت المَرأةُ مِن
كَسبٍ زَوجِهَا، غَيرَ مُفسِدَةٍ، عن غَيرِ أمرِهِ، فَلَهَا نِصفُ أجرِه)»، وهُو حَدِيثُ الْبَابِ،
ومَا رَواهُ أَبُو دَاوُد(٢) عن سَعدِ بنِ أبي وقّاصٍ، قال: لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللهِ وَل
النِّسَاءَ، قَامَت امرأةٌ جَلِيلَةٌ، كَأنَّهَا مِن نِسَاءِ مُضَرَ، فَقالت: يَا نَبيَّ اللهِ، إنَّا كَلٌّ
عَلى آبَائِنَا وأبنَائِنَا. قال أبُو دَاوُد: وأرَى فيه: وأزواجِنَا(٣). فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِن
أموالِهم؟ قال: ((الرُّطَبُ تَأْكُلنَهُ وتُهدِينَهُ)). ثُمَّ قال: أَحَادِيثُ البَابِ، مِنْهَا مَا يَدُلُّ
عَلى مَنعِ المَرأةِ أن تُنفِقَ مِن بَيتِ زَوجِهَا، إلَّا بِإِذِنِهِ، وهُو حَدِيثُ أبي أُمَامَةَ،
وحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الأولُ، وحَدِيثُ عَبدِ الله بنِ عَمرِو.
ومِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلى الإِبَاحَةِ، وهُو حَدِيثُ عَائِشَةَ الأولُ، وحَدِيثُ أسمَاءَ.
ومِنْهَا: مَا قُيِّدَ فيه التَّرغِيبُ في الإِنْفَاقِ؛ بِكُونِهِ بِطِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ، وبِكُونِهَا غَيرَ
مُفسِدَةٍ، وهُو أصَحُّهَا .
ومِنهَا: مَا هُو مُقَيَّدٌ بِكَونِهَا غَيْرَ مُفسِدَةٍ، وإِن كَانَ مِن غَيرِ أمرِهِ، وهُو حَدِيثُ
أبي هُرَيْرَةَ الثَّانِي.
ومِنهَا: مَا قُيِّدَ الحِلُّ فيه بِكَونِهِ رُطَبًا، وهُو حَدِيثُ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ.
قال: وكيفيةُ الجَمعِ بَينَها (٤): أنَّ ذَلِكَ يَختَلِفُ بِاختِلَافِ عَادَاتِ البِلَادِ،
وبِاخْتِلَافِ حَالِ الزَّوجِ [٣٠٧/١و] في مُسَامَحَتِهِ بِذَلِكَ، وكَرَاهَتِهِ لَهُ، وبِاختِلَافِ
الحَالِ في الشَّيءِ المُنفَقِ، بَيْنَ أن يَكُونَ شَيئًا يَسِيرًا يُتَسَامَحُ بِهِ، وَبَيْنَ أن يَكُونَ لَهُ
خَطَرٌ في النَّفْسِ يُبَخَلُ بِمِثْلِه، وبَيْنَ أن يَكُونَ رُطَبًا يُخشَى فَسَادُهُ إن تَأْخَّرَ، وبَينَ أن
(١) البخاري (١٤٢٥)، ومسلم (٨٠/١٠٢٤)، وأبو داود (١٦٨٥)، والترمذي (٦٧١)،
والنسائي (٢٥٣٨)، وابن ماجه (٢٢٩٤).
(٢) أبو داود (١٦٨٦).
(٤) في (م): ((بينهما)).
(٣) في الأصل: ((وأزواجها)).

=
٢١٣
كتابُ الصّيامِ
يَكُونَ يُدَّخَرُ، ولا يُخشَى عَلَيه الفَسَادُ، فَقال الخَطَّابي في ((المَعَالِمِ))(١) عَقِبَ
حَدِيثٍ عَائِشَةَ: هَذَا الكَلَامُ خَارِجٌ عَلى مَذهَبِ النَّاسِ بِالحِجَازِ، وبِغَيرِهَا مِن
البُلدَانِ فِي أَنَّ رَبَّ البَيتِ قَد يَأْذَنُ لِأهلِه وعِيَالِهِ ولِلخَادِمِ في الإِنْفَاقِ مِمَّا يَكُونُ في
البَيتِ مِن طَعَامِ وإِدَامٍ ونَحوِه، ويُطلِقُ أمرَهُم في الصَّدَقَّةِ مِنْهُ إذَا حَضَرَهُم السَّائِلُ،
ونَزَلَ بِهِم الضَّيفُ، فَحَضَّهُم رَسُولُ الله ◌ِ يهَ عَلى لُزُوم هَذِهِ العَادَةِ(٢)، واستِدَامَةِ
ذَلِكَ (٣) الصَّنِيعِ، ووعَدَهُم الأجرَ والثَّوابَ عَلَيه، وأفرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُم بِاسمِهِ،
لِيَتَسَارَعُوا إِلَيهِ، ولَا يَتَقَاعَدُوا عنهُ.
قال: ولَيسَ ذَلِكَ بِأن تَفتَاتَ المَرأةُ والخَازِنُ عَلَى رَبِّ البَيتِ بِشَيءٍ، لَم
يُؤْذَن لَهُمَا فيه، ولَم يُطلِقِ لَهُمَا الإِنفَاقَ مِنْهُ، بَل يُخَافُ(٤) أن يَكُونَا آئِمَينٍ إِذَا فَعَلَا
ذَلِكَ. واللهُ أعلمُ.
وقال القَاضِي أبُو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٥): اختَلَفَ النَّاسُ في تَأْوِيلِ هَذَا (٤/
١٤٧م) الحَدِيثِ عَلى قَولَينِ: فَمِنْهُم مَن قال: إنَّهُ في اليَسِيرِ الَّذِي لَا يُؤثِّرُ نُقْصَانُهُ
ولَا يَظهَرُ. وقِيلَ في الثَّانِي: ذَلِكَ إذَا أَذِنَ الزَّوجُ فِي ذَلِكَ، وهُو اختِيَارُ البُخَارِيِّ.
قال: ويُحتَمَلُ أن يَكُونَ عِندِي مَحمُولًا عَلى العَادَةِ، و(٦) أنَّهَا إذَا عَلِمَت مِنْهُ أَنَّهُ لَا
يَكرَهُ العَطَاءَ والصَّدَقَةَ، وفَعَلَت مِن ذَلِكَ القَلِيلَ، ولَم تُجحِف، وعَلى ذَلِكَ عَادَةٌ
النَّاسِ في غَيرِ بِلَادِنَا، وهَذَا مَعنَى قَولِه: ((بِطِيبٍ نَفسٍ)) ومَعنَى: ((غَيرَ مُفسِدَةٍ))،
فَطِيبُ النَّفسِ يَقتَضِي إذنَهُ صَرِيحًا، أو عَادَةً، وقَولُهُ: ((غَيرَ مُفسِدَةٍ)) يَقْتَضِي الْيَسِيرَ
الَّذِي لَا يُجِفُ بِهِ. انتَهَى.
وقال المُنذِرِيُّ في ((حَواشِيه)): فَرَّقَ بَعضُهُم بَينَ الزَّوجَةِ والخَادِمِ، بِأنَّ
الزَّوجَةَ لَهَا حَقٌّ في مَالِ الزَّوجِ، ولَهَا النَّظَرُ في بَيْتِهَا، فَجَازَ لَهَا أَن تَتَصَدَّقَ بِمَا
(١) معالم السنن (٧٨/٢).
(٣) في الأصل: ((هذا)).
(٥) عارضة الأحوذي (١٧٧/٣، ١٧٨).
(٢) في (ك): ((العبادة)).
(٤) في الأصل: (تخاف)).
(٦) ليست في: الأصل.

٢١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لَا يَكُونُ إسرَافًا، لَكِن بِمِقْدَارِ العَادَةِ، ومَا تَعلَمُ أنَّهُ لَا يُؤْلِمُ زَوجَهَا، فَأَمَّ الخَادِمُ:
فَلَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي مَتَاعِ مَولَاهُ(١).
(١) ينظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢٩٢/٨).

بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
٢١٥
=
بَابُ لَيْلَةِ القَدرِ
الحَدِيثُ الأولُ
عن سَالِم، عن أبيه: رَأى رَجُلٌ أنَّ لَيلَةَ القَدرِ لَيلَةُ سَبع وعِشرِينَ،
أو كَذَا وكَذَا، فَقَّال رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَرَى رُؤْيَاكُم قَد تَواطَأْت،ً فَالتَمِسُوهَا
في العَشرِ البَواقِي في الوِتِرِ مِنْهَا)).
الحَدِيثُ الثَّانِي
وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رِجَالًا مِن أصحَابِ رَسُولِ اللهِوَل
رَأوا لَيلَةَ القَدرِ فَي المَنَام في السَّبْعِ الأَواخِرِ، فَقال رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنِّي
أَرَى رُؤيَاكُم قَد تَواطَأْت (١٤٨/٤م) في السَّبع الأواخِرِ، فَمَن كَانَ مُتَحَرِّيهَا،
فَلَيَتَحَرَّهَا في السَّبِعِ الأواخِرِ)).
فيه فوائدُ:
الأُولى: حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ الأولُ: أخرَجَهُ مسلمٌ(١) عن عَمروِ النَّاقِدِ،
وزُهَيرِ بنِ حَربٍ، كِلَاهُمَا عن سُفيَانَ بِنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيه،
قَالَ: رَأى رَجُلٌ أنَّ لَيلَةَ القَدرِ لَيلَةُ سَبعٍ وعِشرِينَ، فَقال رَسُولُ اللهِ وٍَّ: ((أَرَى
رُؤْيَاكُمْ في العَشرِ الأواخِرِ، فَاطلُبُوهَا في الوِتِرِ مِنْهَا)). وأخرَجَهُ ((البخاريُّ))(٢) أيضًا
مِن طَرِيقِ عُقَيلِ بنِ خَالِدٍ. وأخرَجَهُ مسلمٌ أيضًا، و((النَّسَائِيُّ))(٣) مِن طَرِيقِ يُونُسَ،
(١) مسلم (٢٠٧/١١٦٥).
(٢) البخاري (٦٦٩١).
(٣) مسلم (٢٠٨/١١٦٥)، والنسائي في الكبرى (٣٣٩٧).

=
٢١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
كِلَاهُمَا عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن أبيه، قال: سَمِعت رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ لِلَيلَةِ
القَدر: ((إنَّ نَاسًا مِنكُم قَد أُرُوَّا أَنَّهَا في السَّبعِ الأُولِ، وأُرِيَ نَاسٌ مِنكُم أنَّهَا في
السَّبعِ الغَوابِرِ، فَالتَمِسُوهَا في العَشرِ الغَوابِرِ)). لَفظُ مُسلِم، ولَفظُ البُخَارِيِّ عن
ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ(١) نَاسًا(٢) أُرُوا لَيلَةَ القَدرِ في السَّبع الأواخِرِ، وأنَّ نَاسًا أُرُوا أَنَّهَا
في العَشرِ الأواخِرِ، فَقال النَّبِي بََّ: ((التَمِسُوهَا في السَّبَعِ الأواخِرِ)). ويُوافِقُ
[٣٠٧/١ظ] الأولَ مَا في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ))(٣) أيضًا عن جَبَلَةَ بنِ سُحَيم، عن
ابنِ عُمَرَ مَرفُوعًا: ((مَن كَانَ مُلْتَمِسَهَا، فَليَلَّتَمِسهَا في العَشرِ الأواخِرِ)). وفيه(٤) أيضًا
عن جَبَلَةَ ومُحَارِبٍ، عن ابنِ عُمَرَ مَرَفُوعًا: (تَحَيَُّوا لَيلَةَ القَدرِ في العَشرِ الأواخِرِ .
أو قال: في التّسعِ الأواخِرِ)).
وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ الثَّانِي: اتَّفَقَ عَلَيهِ الشَّيخَانِ، والنَّسَائِيُّ(٥) مِن طَرِيقِ مَالِكٍ،
عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ. واعلَم أنَّ هَذَا هُو المَوجُودُ عِندَ أكثَرِ رُواةٍ ((المُوطَّ))،
كَمَا ذَكَرَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦)، ورَواهُ يَحيّى بنُ يَحيَى الأَندَلُسِيُّ(٧) عن مَالِكٍ بَلَاغًا،
مِنْ غَيرِ ذِكرِ نَافِعٍ، ولَا ابْنِ عُمَرَ .
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وتَابَعَهُ قَومٌ. قال: وهُو مَحفُوٌ مَعلُومٌ مِن حَدِيثِ نَافِعِ،
عن ابنِ عُمَرَ، لِمَالِكٍ وغَيرِهِ. انتَهَى.
وأخرَجَهُ مسلمٌ، و((أبُو دَاوُد))، و(النَّسَائِيُ))(٨) مِن طَرِيقِ مَالِكِ، عن عَبدِ الله بنِ
دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ مَرفُوعًا: (تَحَرَّوا لَيلَةَ القَدرِ في السَّبعِ الأواخِرِ))، ورَوى
((البَيهَقِيُّ)) (٩) مِن طَرِيقِ شُعبَةَ، قال: عَبدُ الله بنُ دِينَارٍ أخبَرَنِي، قال: سَمِعت ابنَ
عُمَرَ يُحَدِّثُ عن النَّبِيِنَ ◌ّهِ فِي لَيْلَةِ القَدرِ: ((مَن كَانَ مُتَحَرِّيًّا، فَلَيَتَحَرَّهَا لَيلَةَ سَبع
(١) في (م): ((لأن)).
(٢) في (ك): ((أناسًا)).
(٣)
مسلم (٢١٠/١١٦٥).
(٤) مسلم (١١٦٥/ ٢١١).
(٥)
البخاري (٢٠١٥)، ومسلم (٢٠٥/١١٦٥)، والنسائي في الكبرى (٣٣٩٩).
(٦)
التمهيد (٣٨٢/٢٤).
(٧)
الموطأ برواية يحيى بن يحيى (٨٩٥/٤٣٠/١)، بشار.
مسلم (٢٠٦/١١٦٥)، وأبو داود (١٣٨٥)، والنسائي في الكبرى (١١٦٨٦).
(٨)
(٩) السنن الكبرى (٣١١/٤).

=
٢١٧
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
وعِشرِينَ)). قال شُعبَةُ: فَذَكَرَ لِي رَجُلٌ ثِقَةٌ عن سُفيَانَ، (١٤٩/٤م) أنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
إِنَّمَا قال: ((مَن كَانَ مُتَحَرِّيًّا، فَلَيَتَحَرَّهَا في السَّبعِ البَواقِي). فَلَا أدرِي ذَا أم ذَا؟
شَكَّ شُعبَةُ. ثُمَّ قال البَيهَقِيُّ: الصَّحِيحُ رِوايَةُ الجَمَاعَةِ، دُونَ رِوايَةٍ شُعبَةً.
ورَوى مسلمٌ (١) عن عُقبَةَ بنِ حُرَيثٍ، عن ابنِ عُمَرَ مَرفُوعًا: ((التَمِسُوهَا في
العَشرِ الأواخِرِ))؛ يَعنِي: لَيلَةَ القَدرِ، ((فَإِن ضَعُفَ أحَدُكُم أو عَجَزَ فَلَا يُغلَبَنَّ عَلى
السَّبعِ البَواقِي».
] الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((أَرَى))، بِفَتح الهَمزَةِ، الظّاهرُ أنَّهُ بِمَعنَى: أَعلَمُ،
ويُحتَمَلُ أنَّهُ مِن الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ مَجَازًا، وقَولُهُ: ((رُؤيَاكُم)) أي: في المَنَامِ،
والمَشهُورُ اختِصَاصُ الرُّؤْيَا بِالمَنَامِ، فَلَا تُستَعمَلُ في غَيرِهِ، وذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّهَا
تُستَعمَلُ مَصدَرًا لِ((رَأى)) مُطلَقًّا، ولَوَ كَانَتَ في الْيَقِظَةِ، وهيَ (٢ هُنَا لِلمَنَام٢) قَطعًا،
وقَولُهُ: ((قَد تَواطَأْت))؛ أي: تَوافَقَت، والمُوطَأَةُ: المُوافَقَةُ، كَأنَّ كُلَّ مِنْهُمَا وطِئَ
مَا وطِئَهُ الآخَرُ، ورُوِيَ: (تَواطَت)) (٣) بِتَركِ الهَمْزِ، وقَولُهُ: ((فَالتَمِسُوهَا))؛ أي:
اطلُبُوهَا، استَعَارَ لَهُ اللمسَ، وقَولُهُ: ((في العَشرِ البَواقِي))؛ أي: فِي الليَالِِ العَشرِ
البَواقِي مِن الشَّهرِ، وهيَ العَشرُ الأخِيرَةُ مِن الشَّهرِ. وقَولُهُ: ((في الوِتِرِ)) بَدَلْ مِن
العَشرِ بِإِعَادَةِ العَامِلِ، وهُو بَدَلُ بَعضٍ مِن كُلِّ، والوِتَرُ: الفَردُ، وفي واوِهِ لُغَتَانِ:
الكَسرُ، والفَتحُ، وقَولُهُ في الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((رَأْوا)) كَذَا في رِوايَتِنَا، بِتَقدِيمِ الرَّاءِ،
وفي رِوايَةِ الشَّيخَينِ: ((أُرُوا)) بِتَقدِيمِ الهَمزَةِ وَضَمِّهَا وضَمِّ الرَّاءِ. وَقَولُهُ:
((فَلَيَتَحَرَّهَا))؛ أي: فَليَتَعَمَّد طَلَبَهَا، والتَّحَرِّي: القَصدُ والاجتِهَادُ في الطَّلَبِ، والعَزمُ
عَلى تَخصِيصِ الشَّيءٍ بِالفِعلِ والقَولِ.
■ الثَّالِثَةُ: (لَيلَةُ القَدرِ)) بِفَتَحِ القَافِ، وإِسكَانِ الدَّالِ، ويَجُوزُ فَتَحُهَا، كَمَا
سَأُبَيْنُهُ، سُمِّيَت بِذَلِكَ لِعِظَمْ قَدرِهَا لِمَا لَهَا مِن الفَضَائِلِ؛ أي: ذَاتُ القَدرِ العَظِيمِ،
أو لِمَا يَحصُلُ لِمُحيِيهَا بِالعِبَادَةِ مِن القَدرِ العَظِيمِ، أو لِأَنَّ الأشياءَ تُقَدَّرُ فيهَا
(١) مسلم (٢٠٩/١١٦٥).
(٢ - ٢) في الأصل: ((هي في المنام)).
(٣) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٥٣/٤)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٥٨/٨).

كم
٢١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وتُقضَى، أقوالٌ، ويُؤَيِّدُ الأولَينِ قَوله تَعَالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
٣
[القدر: ٣]. ويؤيِّدُ الأخيرَ قولُه: ﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمْيِ
[القدر: ٤]. وقَولُه: ﴿فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾ [الدخان: ٤]، وإِنَّمَا
جَوزتُ فَتحَ الذَّالِ؛ لِأَنَّهَا إِن كَانَت سُمِّيَت بِذَلِكَ لِعِظَم قَدرِهَا، فَقَد قال في
((الصِّحَاحِ)) (١): قَدرُ الشَّيءِ: مَبلَغُهُ، وقَدرُ الله، وقَدَرُهُ بِمَعنّى، وهُو في الأصلِ
مَصدَرٌ، وقال تَعَالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ أي: مَا عَظِّمُوا الله
حَقَّ تَعِظِيمِه. وإِن كَانَ مِن التَّقْدِيرِ، فَقَد قال في ((الصِّحَاحِ)) عَقِبَهُ: والقَدرُ، والقَدَرُ
أيضًا: مَا يُقَدِّرُهُ اللهُ مِن القَضَاءِ، وأنشَدَ الأخفَشُ: (٤/ ١٥٠م)
أَلَا يَا لَقَومٍ لِلنَّوائِبِ والقَدرِ ولِلأمرِ(٣) يَأْتِي المَرَءَ مِن حَيثُ لَا يَدرِي(٣)
وكَذَا قال في ((المُحكَمِ)) (٤): القَدرُ والقَدَرُ القَضَاءُ. انتَهَى.
وقال ابنُ العَرَبي في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ))(٥): هيَ لَيلَةُ القَدرِ والقَدَرِ، فَأَمَّا
الأولُ، فَالمُرَادُ بِه: الشَّرَفُ، كَقَولِهم: لِفُلَانٍ قَدْرٌ فِي النَّاسِ. يَعنُونَ بِذَلِكَ: مَزِيَّةً
وشَرَفًا، والثَّانِي: القَدرُ، بِمَعنَى التَّقْدِيرِ، قال اللهُ تَعَالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
[الدخان: ٤]، [١ / ٣٠٨ و] قال عُلَمَاؤُنَا: يُلقِي الله فيهَا لِمَلَائِكَتِهِ(٦) دِيوانَ
العَامِ. انتَهَى.
وهُو يُوهمُ أنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ تَسكِينِ الدَّالِ إِرَادَةُ التَّقدِيرِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا
عَلِمتَ، وقَد جَوزَ المُفَسِّرُونَ في الآيَةِ إِرَادَةَ الشَّرَفِ والتَّقَدِيرِ مَعَ كَونِه لَم يُقرَأ إلَّا
بِالإِسْكَانِ، وجَزَمَ الهَرَوِيُّ، وابنُ الأثِيرِ(٧) في تَفسِيرِهَا بِالتَّقْدِيرِ، فَقالا: وهيَ الليلَةُ
الَّتِي تُقَدَّرُ فيهَا الأرزَاقُ وتُقضَى. وصَحَّحَهُ النَّوِيُّ، فَقال في (شَرحِ المُهَذَّبِ))(٨):
الصحاح (٧٨٦/٢).
(١)
(٢) في الأصل: ((والأمر)).
(٣) البيت من الطويل، لهدبة بن خشرم، ينظر: لسان العرب (٧٤/٥).
(٤)
المحكم (٣٠٠/٦).
(٥) عارضة الأحوذي (٧/٤).
(٦)
في (ك): ((للملائكة)) .
(٧)
الغريبين (١٥٠٩/٥) النهاية في غريب الأثر (٢٢/٤).
المجموع (٤٨٨/٦).
(٨)

=
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
٢١٩
سُمِّيَت لَيلَةَ القَدرِ أي: لَيلَةَ الحُكمِ والفَصلِ، هَذَا هُو الصَّحِيحُ المَشهُورُ. وحَكَاهُ
في ((شَرحِ مُسلِمٍ))(١) عن العُلَمَاءِ.
· الرَّابِعَةُ: فيه فَضِلُ لَيلَةِ القَدرِ، وذَلِكَ مِن اسمِهَا، ومِن الأمرِ بِتَحَرِّيهَا
وطَلَبِهَا(٢)، وقَد أفصَحَ بِهِ القُرآنُ الكَرِيمُ في قَوله تَعَالى: ﴿إِنَّا أَنَزَلْتَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
جَ﴾ الآيَةَ [القدر: ١]. وهُو مُجمَعٌ عَلَيه، وقَد خَصَّ الله تَعَالى بِهَا هَذِهِ الأُمَّةَ،
فَلَمْ تَكُن لِمَن قَبَلَّهُم عَلى الصَّحِيحِ المَشهُورِ .
واختُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ: فَرَوى التِّرمِذِيُّ(٣)، عن الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ ◌َلُهِ: أنَّ
النَّبِيِ وَ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنَبَرِهِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ
[الكوثر: ١]، يَا مُحَمَّدُ؛ يَعنِي: نَهرًا في الجَنَّةِ، ونَزَلَت: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ
اُلْقَدْرِ
وَمَا أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾﴾ [القدر: ١ -
٣]، يَملِكُهَا بَعدَك بَنُو أُمَيَّةَ يَا مُحَمَّدُ. قال القَاسِمُ بنُ الفَضلِ الحَرَّانِيُّ - أحَدُ
رُواتِه -: فَعَدَدْنَا، فَإِذَا هيَ ألفُ شَهرٍ، لَا تَنقُصُ يَومًا، ولَا تَزِيدُ يَومًا .
ورَوى مَالِكٌ في ((المُوطَّ)(٤) أنَّهُ سَمِعَ مَن يَثِقُ بِهِ مِن أهلِ العِلمِ يَقُولُ: إنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أُرِيَ أعمَارَ النَّاسِ قَبلَهُ، أو مَا شَاءَ الله مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ تَقَاصَرَ
أعمَارَ أُمَّتِهِ ألَا يَبْلُغُوا مِن العَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيرُهُم في طُولِ العُمرِ، فَأَعطَاهُ اللهُ
لَيلَةَ القَدرِ خَيرٌ(٥) مِن ألفِ شَهرٍ. وَرَوى البَيْهَقِيُّ في ((سُنَتِه)»(٦) عن مُجَاهِدٍ مُرسَلًا:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّهَ ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إسرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ في سَبيلِ الله ألفَ
شَهرٍ، فَعَجِبَ المُسلِمُونَ مِن ذَلِكَ، فَأَنزَلَ الله: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) وَمَّ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ (١٥١/٤م) أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ -٣] الَّتِي
أَدْرَنْكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
لَبِسَ فيهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ السِّلَاحَ في سَبيلِ الله ألفَ شَهرٍ. وقال القَاضِي أَبُو بَكرِ
ابنُ العَرَبي(٧)، بَعدَ ذِكرِهِ حَدِيثَ التِّرمِذِيِّ الذِي بَدَأْنَا بِه: وهَذَا لَا يَصِحُ،
(١) شرح صحيح مسلم (٨/ ٥٧).
(٣)
الترمذي (٣٣٥٠).
(٥)
في (م): «خیرًا».
عارضة الأحوذي (١١/٤).
(٧)
(٢) في (ك): ((لطلبها)).
(٤) الموطأ (٣٢١/١).
(٦) السنن الكبرى (٣٠٦/٤).

=
٢٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والَّذِي رَوى مَالِكٌ مِن أَنَّ النَّبِيِ وَّهِ تَقَاصَرَ أعمَارَ أُمَّتِهِ، أصَحُ مِنْهُ وأولى، ولِذَلِكَ
أدخَلَهُ، لِيُبَيِّنَ بِذَلِكَ الفَائِدَةَ فيه، ويَدُلُّ عَلى بُطلَانِ هَذَا الحَدِيثِ. انتَهَى.
وفيه نَظَرٌ؛ فَإِنَّ البَلَاغَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ لَا يُعرَفُ لَهُ إسنَادٌ. قال
ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): لَا أعلَمُ هَذَا الحَدِيثَ يُروى مُسنَدًا وَلَا مُرسَلًا مِن وجهٍ مِن
الوُجُوه، إلَّا مَا(٢) في ((المُوطَّا))، وهُو أحَدُ الأربَعَةِ الأحَادِيثِ الَّتِي لَا تُوجَدُ في
غَيرِ المُوظٍّ. قال: ولَيسَ مِنهَا حَدِيثٌ مُنكَرٌ، ولَا مَا يَدِفَعُهُ أصلٌ.
قُلتُ: حَتَّى يَثبُتَ لَهُ أصلٌ، نَعَم المُرسَلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِن عِندِ البَيهَقِيّ
يَشِهَدُ لَهُ.
الخَامِسَةُ: فيه بَقَاءُ لَيلَةِ القَدرِ واستِمِرَارُهَا، وأنَّهَا لَم تُرفَع. قال النَّووِيُّ
في ((شَرحِ مُسلِمٍ)(٣): وأجمَعَ مَن يُعتَدُّ بِه عَلى وُجُودِهَا ودَوامِهَا إلى آخِرِ الدَّهرِ،
لِلأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَشْهُورَةِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): وشَذَّ قَومٌ، فَقَالُوا:
رُفِعَت، لِقَولِه عَلَيه السَّلَامُ، حِينَ تَلَاحَى الرَّجُلَانِ: ((فَرُفِعَت)). وهَذَا غَلَطُ مِن
هَؤُلَاءِ الشَّاذِينَ؛ لِأَنَّ آخِرَ الحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَيهم، فَإِنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ، قال:
(وعَسَى أَن يَكُونَ (٥) خَيرًا لَكُم، التَمِسُوهَا (٦) في السَّبعِ والتّسعِ)). هَكَذَا هُو في أولِ
((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٧)، وفيه تَصرِيحٌ بِأنَّ المُرَادَ بِرَفِعِهَا رَفعُ بَيَانِ عِلمٍ عَيْنِهَا، ولَو
كَانَ المُرَادُ رَفعَ وُجُودِهَا، لَم يَأْمُر بِالتِمَاسِهَا. انتَهَى.
وقال في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٨): وكَذَا حَكَى أصحَابُنَا هَذَا القَولَ عن قَومٍ لَم
يُسَمِّهم الجُمُهُورُ. وسَمَّاهُمْ صَاحِبُ ((التَِّمَّةِ) فَقال: هُو قَولُ الرَّوافِضِ.
ا السَّادِسَةُ: في الرِّوايَةِ الأُولى الأمرُ بِطَلَبِهَا في [أوْتَارِ العَشرِ الأواخِرِ،
وفي الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ الأمرُ بِطَلَبِهَا في](٩) السَّبعِ الأواخِرِ، وبَيْنَهُمَا تَنَافٍ، وإِن انَّفَقَتَا
(١) الاستذكار (٤١٥/٣، ٤١٦).
شرح صحيح مسلم (٨ / ٥٧).
(٣)
(٥)
في (ك): ((تكون)).
البخاري (٤٩).
(٧)
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٢) ليست في: الأصل.
(٤) إكمال المعلم (١٤٦/٤).
(٦) في الأصل: ((فالتمسوها)).
(٨) المجموع (٤٩٣/٦).