Indexed OCR Text

Pages 101-120

=
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُفِ
١٠١
الحاديةَ عشرَ: قولُه في رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ: ((وبيدِه الميزانُ))، قال القاضي
عياضٌ: قد يكونُ عِبارَةً عن الرِّزقِ ومَقاديرِهِ، وقَد تكونُ(١) عِبارَةً عن جُمْلَةٍ
المَقاديرِ (٢). انتَهَى، والثاني أظهَرُ، واللهُ أعلمُ.
الثانيةَ عشرَ: خطَرَ لي في قولِه: ((وبيدِهِ الأخرَى القَبضُ يرفَعُ
ويَخفِضُ)) ما لم أرَه لأَحَدٍ، ولَست مِنه على يقينٍ. وهو: أنَّ قولَه:
((الأخرَى))، صِفَةٌ لمَوصوفٍ مَحذوفٍ؛ أي: وبيدِهِ الصِّفَةُ الأخرَى وهي
القَبِضُ (٣)، لئَّا يُتَوهَّمَ بَعدَ ذِكرِه كَثْرَةَ الإنفاقِ مِن الله تعالى: أنه (٤) لا صِفَةَ له
سِوى البَسِطِ، فَبَيَّنَ أنَّ له الصِّفَةَ الأخرَى وهي القَبضُ، فهو الباسِطُ القابِضُ،
ولا يكونُ قولُه: ((الأخرَى)) صِفَةً لليَدِ، وقَولُه: ((يرفَعُ ويَخْفِضُ)) مُتَعَلِّقٌ بالصِّفَتَينِ
مَعًا لا بالثانيةِ فقَط، فَقَولُه: ((يرفَعُ)) بَيَانٌ لصِفَةِ البَسطِ، وقَولُه: ((ويَخْفِضُ)) بَيَانٌ
لصِفَةِ القَبضِ.
الثالِثَةَ عشرَ: إن قُلتَ: ما (٥) وجه دَلالَةِ الحَديثِ الثاني على فضلٍ
الصدقةِ؟
قُلتُ: يُحتَمَلُ أن يكونَ مِن الإخبارِ عن الله بِكَثرَةِ الإنفاقِ، فإنَّه ينبغي
التَّخَلُّقُ بما أمكَنَ مِن أوصافِهِ الحُسنَى، ويُحتَمَلُ أن يكونَ مِن دَلالَتِهِ على إخلافٍ
([ الله تعالى٦) ما يُنفِقُه العَبدُ، كَما في الحَديثِ الأولِ، وذلكَ مأخوذٌ مِن كَثرَةِ
إنفاقِه تعالى، وهو أعلمُ.
(١) في (م، ك): (يكون)).
(٢) إكمال المعلم (٥١١/٣). المؤلف - عفا الله عنه - أوَّلَ صفة اليد، والذي عليه السلف
أنه تعالى له يدان حقيقة كما يليق بجلاله. من غير تكييف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه
ولا تمثيل. وينظر: مقدمة التحقيق، باب ما انتقد على المصنف رَّتْهُ.
(٣) بعدها في (م): ((فهو)).
(٤) في (م): ((أن)).
(٥) ليست في (م).
(٦ - ٦) من: (ك، م).

١٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحَديثُ الثالِثُ
ج وعن سالِم، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا حسَدَ إلّ في
اثْنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ (٤/ ٧٢م) القُرآنَ؛ فهو يقومُ به آناءَ الليلِ والنَّهارِ،
ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا؛ فهو يُنفِقُه في الحَقِّ (١) آناءَ الليلِ والنَّهارِ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه الأئمةُ الستةُ خلا أبا داود (٢) مِن رِوايَةِ سُفيانَ بنِ عُيَيْنَةً.
وأخرَجَه مسلمٌ(٣) مِن رِوايَةِ يونُسَ بنِ يزيدَ، كِلاهُما؛ عن الزهريِّ، عن سالِم، عن
أبيه. وفي ((صَحيحِ البخاريِّ)) عن عليٍّ بنِ المَدينِيِّ: سمِعت مِن سُفيانَ مِرارًا لم
أسمَعه يذكُرُ الخَبَرَ، أي: يذكُرُ أخبارَ الزهريِّ له؛ إنَّما أتَى بَلَفِظِ: قال الزهريُّ.
قال: وهو صحیحٌ مِن حدیثِه.
الثانيةُ: قال النوويُّ(٤): قال العلماءُ: الحسدُ قِسمانٍ: حقیقِيٍّ
ومَجازِيٌّ، فالحَقيقِيُّ: تمَنِّي زوالِ النِّعمَةِ عن صاحِبها، وهَذا حرامٌ بإجماعِ الأمَّةِ
مَعَ النُّصوصِ الصَّحيحَةِ، وأمّا المَجازي: فهو الغِبطَةُ، وهو أن يتَمَنَّى مِثْلَ النِّعمَةِ
التي على غَيرِهِ مِن غَيرِ زوالِها عن صاحِبها، فإن كانَت مِن أمورِ الدُّنيا كانّت
مُباحَةً، وإن كانَت طاعَةً فهي مُستَحَبَّةٌ، والمُرادُ بالحَديثِ: لا غِبِطَةَ مَحمودَةً إلّا
في هاتَيْنِ الخَصلَتَينِ وما في مَعناهُما. انتَهَى. ولِهَذا بَوّبَ البخاريُّ(٥) على حديثٍ
ابنِ مَسعودٍ وهو بمَعنَى حديثِ ابنِ عمرَ هَذا: بابُ الاغتباطِ في العِلمِ والحِكمَةِ،
فأشارَ إلى أنَّ إطلاقَ الحسدِ في هَذا الحَديثِ مَجازٌ، وإنَّما هو اغتِباطُ ويَدُلُّ على
(١) في الأصل: ((الحلق)).
(٢) البخاري (٧٥٢٩)، ومسلم (٢٦٦/٨١٥)، وابن ماجه (٤٢٠٩)، والترمذي (١٩٣٦)،
والنسائي في الكبرى (٨٠٧٢).
(٣) مسلم (٢٦٧/٨١٥).
(٥) البخاري (٧٣).
(٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٧).

=
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَقُّفِ
١٠٣
أنَّه ليسَ المُرادُ في هَذا الحَديثِ تمَنِّي زوالِ نِعمَةِ الإنفاقِ والقِراءَةِ على (١)
صاحِبها، وإنَّما المُرادُ أن يكونَ له مِثلُها، قولُه في حديثٍ أبي هريرةَ وهو في
[٢٨٤/١ظ] ((صَحيح البخاريِّ))(٢): ((لا تحاسُدَ إلّا في اثنتينِ: رجُلٌ آتاه اللهُ القُرآنَ
فَهو يتلوه مِن آناءِ الليلِ وآناءِ النَّهارِ؛ فهو يقولُ: لو أوتيتُ مِثلَ هَذا فعَلت كَما
يفعَلُ(٣) ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا فهو يُنفِقُه في حقِّه؛ فيَقولُ: لو أوتيتُ مِثلَ ما أوتَى
هَذا عمِلتُ فيه(٤) مِثْلَ ما يعمَلُ)).
ورَوى الترمذيُ(٥) بسَنَدٍ صَحيح مِن حديثٍ أبي كَبِشَةَ الأنمارِيِّ مَرفوعًا:
((إنَّما الدُّنيا لأربَعَةِ نفَرٍ، عبدٌ رزَقَه الله(٦) مالًا وعِلمًا؛ فهو يتَّقي فيه ربَّه ويَصِلُ فيه
رحِمَه ويَعلَمُ الله فيه حقًّا؛ فَهَذا بأفضَلِ المَنازِلِ، وعَبدٌ رزَقَه الله(٧) عِلمًا ولَم يرزُقه
مالًا؛ فهو صادِقُ النِّيَّةِ، يقولُ: لو أنَّ لي مالًا لعَمِلت بعَمَلٍ فُلانٍ؛ فهو بِنِيَّتِه،
فأجرُهُما سواءٌ، وعَبدٌ رزَقَه اللهُ مالًّا ولَم يرزُقه عِلمًا، فهو يخبِطُ في مالِه بغَيرِ عِلم؛
لا يثَّقي فيه ربّه، ولا يصِلُ فيه رحِمَه، ولا يعلم(٨) لله فيه حقًّا، فهَذا بأخبَثِ المَنازِلَّ،
وعَبدٌ لم يرزُقه اللهُ مالًا ولا عِلمًا؛ فهو يقولُ لو أنَّ لي مالًا (٧٣/٤) لعَمِلت فيه بعَمَلٍ
فُلانٍ، فهو بنِيَّتِه فوزرُهُما سواءٌ)). وذَكَرَ أبو العَبّاسِ القرطبيُّ(٩): أنَّ الحسدَ الحَقيقِيَّ
الذي هو تمَنِّي زوالِ النِعمَةِ (١٠) قد يكونُ غَيرَ مَذمومٍ، بَل مَحمودٌ مِثْلُ أن يَتَمَنَّى زوالَ
النِّعمَةِ عن الكافِرِ أو عمَّن يستَعينُ بها على المَعصيةِ. ثمَّ قال القرطبيُّ في مَعنَى هَذا
الحَديثِ: فكأنَّه قال: لا غِبِطَةَ أعظَمُ أو أفضَلُ مِن الغِبَطَةِ في هَذَينِ الأمرَينِ .
قُلتُ: فكأنَّ هَذَينِ الأمرَينِ لِعِظَمِ الغِبطَةِ فيهما بولِغَ في شأنِهما حتى نُفيت
الغِبِطَةُ عمّا سِواهُما، كأنَّ الغِبطَةَ في غَيرِهما ليسَت غِبطَةً بالنِّسَبَةِ لِعِظَمِ الغِبِطَةِ
فيهما، واللهُ أعلمُ.
(١) في (م، ك): ((على)).
في الأصل: ((فعل)).
(٣)
(٥)
الترمذي (٢٣٢٥).
(٧)
ليس في (ك).
(٩) المفهم (٤٤٥/٢).
(٢) البخاري (٧٢٣٢، ٧٥٢٨).
(٤) ليس في الأصل.
(٦) ليس في (ك).
(٨) في (م): ((يعمل)).
(١٠) في (م): ((نعمة الغير)).

١٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الثالِثَةُ: قولُه: ((رجلٌ)) مَرفوعٌ على أنَّه خبَرُ مُبتَدأ محذوفٍ بتقديرِ مُضافٍ
مَحذوفٍ؛ أي: هُما خصلَةَ: ((رجلِ آتاه اللهُ [القُرآنَ ورجل آتاه اللهُ](١) مالًا)). ثمَّ
حُذِفَ المُضافُ وأقيمَ المُضافُ إلَيهِ مَقامَهُ.
الرّابِعَةُ: قولُه: ((فَهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النَّهارِ))، يُحتَمَلُ: أن يُرادَ
بالقيام به تِلاوتَه. وعليه يدُلُّ قولُه في حديث أبي هريرةَ: ((فَهو يتلوه مِن آنَاءِ الليلِ
وآناءِ النَّهارِ)). ويَحتَمِلُ: أن يُرادَ بالقيام به تفَهُّمُه والاستنباطُ مِنه والتَّفَقُّه فيه
وتَعليمُه للنّاسِ، وعليه يدُلُّ قولُه في حديثِ ابنِ مَسعودٍ وهو في ((الصَّحيحَينِ))(٢):
((ورجلٌ آتاه اللهُ الحِكمَةَ(٣) فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها)). قال النوويُّ(٤): والحِكمَةُ كلُّ
ما مَنَعَ مِن الجَهلِ وَزَجَرَ عن القَبيحِ. انتهى. عَلى أنَّه يُحتَمَلُ: أن يكونَ قولُه في
حديثٍ أبي هريرةَ: ((فَهو يتلوهُ))، مَعناه يتبَعُه مِن التُّلو لا مِن التِّلاوةِ، وقَد ذُكِرَ
الاحتمالانِ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانٌ﴾ [النمل: ٩٢]. ويُحتَمَلُ: أنَّ
المُرادَ(٥) بالقيام به الأمرانِ معًا (٦) تِلاوتُه والتَّفَقُّه فيه وتَعليمُه، فكُلُّ ذلكَ قيامٌ به،
وقَد قامَ على إرادَةِ كلِّ مِنْهُما دَليلٌ، وهَذا أظهَرُ والاشتِغالُ بالتَّعَلُّم والتَّعليمِ أفضَلُ
مِن الاشتِغالِ بالتِّلاوةِ، واللهُ أعلمُ.
الخامِسَةُ: وبِتَقديرِ أن يجعَلَ تعليمَه للنّاسِ داخِلًا في القيامِ(٧)، فَهَل
يُشتَرَطُ في ذلكَ أن يكونَ مُتَبَرِّعًا به، أم يدخُلُ فيه تعليمٌ (٨) بأجرَةِ أيضًا؟
قال النوويُّ(٩) في قولِه في حديثِ ابنِ مَسعودٍ: ((فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها))،
مَعناه: يعمَلُ بها ويُعَلِّمُها احتِسابًا .
السادِسَةُ: ويَدْخُلُ فيه أيضًا: القَضاءُ بالعِلم وفَصلُ الخُصوماتِ به،
(١) ما بين المعكوفين ليس بالأصل.
البخاري (٧٣، ١٤٠٩، ٧١٤١)، ومسلم (٢٦٨/٨١٦).
(٢)
(٣)
في (ك): ((حكمة)).
(٥)
في (ك): ((يراد)).
(٧)
بعدها في (م، ك): ((به)).
(٩) شرح النووي على مسلم (٩٨/٦).
(٤) شرح النووي على مسلم (٩٨/٦).
(٦) ليس في (م).
(٨) في (ك): ((تعليمه)).

=
١٠٥
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُفِ
ويأتي فيه ما تقَدَّمَ عن النوويِّ: أنَّه لا بُدَّ أن يفعَلَ ذلكَ احتِسابًا .
وقَد بَوّبَ البخاريُّ على حديثِ (٧٤/٤م) ابنِ مَسعودٍ: بابَ أجرٍ مَن قضَى
بالحكمةِ .
السابِعَةُ: قولُه: ((آناءَ الليلِ)) بالمَدِّ؛ أي: ساعاتُه، وواحِدُ الآناءِ: إناءٌ
وأناءٌ بكَسرِ الهَمزَةِ وفَتحِها، وإنوٌ وإنيّ بالواوِ والياءِ، مَعَ كَسرِ الهَمزَةِ فيهما أربَعُ
لُغاتٍ(١).
الثامِئَةُ: قولُه: ((فَهو يُنفِقُه في الحَقِّ))؛ أي: في الطّاعاتِ، والحَقُّ هُنا
واحِدُ الحُقوقِ، وهو يُستَعمَلُ في المَندوبِ كَما يُستَعمَلُ في الواجِبِ، ومِنه
الحَديثُ: ((إنَّ في المالِ حقًّا سِوى الزكاةِ) رواه الترمذيُّ(٢). وقَد يُرادُ بالحَقِّ هُنا
ضِدُّ الباطِلِ، ولَكِن يلزَمُ عليه أن يكونَ المُباحُ باطِلًا [٢٨٥/١و]. وقال ابنُ بَطّالٍ:
إنفاقُ المالِ في حقّه ثَلاثَةُ أقسامٍ :
الأولُ: أن يُنفِقَ على نفسِه وأهلِه ومَن تلزَمُه النَّفَقَةُ عليه غَيرَ مُقَتِّرٍ عمّا يجِبُ
لهُم ولا مُسرِفٍ في ذلكَ، كَما قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ
﴾ [الفرقان: ٦٧]، وهَذِه النَّفَقَةُ أفضَلُ مِن
١٦٧
يَقْتُّرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
الصدقةِ ومِن جميعِ النَّفَقاتِ.
والقِسمُ الثاني: أداءُ الزكاةِ وإخراجُ حقِّ الله تعالى لمَن وجَبَ له.
والقِسمُ الثالثُ: صِلَةُ الأهلِ البُعَداءِ، ومواساةُ الصِّدِّيقِ، وإطعامُ الجائعِ،
وصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ كلُّها؛ فَهَذِهِ نفَقَةٌ مَندوبٌ إلَيها مأجورٌ عليها؛ لقَولِه عليه الصلاةُ
والسلامُ: ((الساعي على الأرمَلَةِ واليَتيمِ كالمُجاهدِ في سبيلِ الله)(٣).
· التاسِعَةُ: أورَدَه البخاريُّ(٤) في كِتابِ الاعتِصامِ، وقال: فَبَيَّنَ النبيُّ ◌َ﴾
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٩٧/٦، ٩٨).
(٢) الترمذي (٦٥٩، ٦٦٠).
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤٠٨/٣، ٤٠٩)، والحديث عند البخاري (٥٣٥٣،
(٣)
٦٠٠٧) من حديث أبي هريرة.
(٤) البخاري قبل حديث (٧٥٢٨).

١٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أنَّ قِراءَتَه الكِتابَ (١) هو فعلُهُ، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَأَخْتِلَفُ أَنْسِنَِكُمْ وَأَلْوَيَكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، وقال: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
■ العاشِرَةُ: لا يخفَى أنَّ ذِكرَ الرجلِ خرَجَ مَخرَجَ الغالِبِ، فلا مَفهومَ له،
فالمَرأةُ كَذلكَ.
الحاديةَ عشرَ: قال ابنُ بَطّالٍ (٢): فيه أنَّ الغَنِيَّ إذا قامَ بِشُروطِ المالِ
وفَعَلَ فيه ما يُرضي ربَّه رَكَ، فهو أفضَلُ مِن الفَقيرِ الذي لا يقدِرُ على مِثلِ حالِه .
الحَديثُ الرّابِعُ
وعن نافع، عن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال وهو على المِنْبَرِ،
وهو يذكُرُ (٤/ ٢/٥°م) الصدقةَ والتَّعَفُّفَ عن المَسأَلَةِ: ((اليَدُ العُليا خيرٌ مِن
اليَدِ السُّفلى، واليَدُ العُليا المُنفِقَةُ، والسُّفلى السائلَةُ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه الشيخانِ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٣) مِن طريقِ مالِكٍ.
وأخرَجَه البخاريُّ(٤) أيضًا مِن طريقٍ حمّادِ بنِ زيدٍ، عن أيّوبَ، كِلاهُما عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ .
وقال أبو داود في ((سُنَتِه))(٥): اختُلِفَ على أيّوبَ في هَذا الحَديثِ؛ قال
عبدُ الوارِثِ: ((اليَدُ العُليا المُتَعَفِّفَةُ)). وقال أكثَرُهُم، عن حمّادِ بنِ زيدٍ، عن أيّوبَ:
(اليَدُ العُليا المُنفِقَةُ)). وقال واحِدٌ: ((المُتَعَفِّفَةُ)). وقال والِدي ◌َّتُ في
(١) في البخاري: ((قيامه بالكتاب))، وبيّن الحافظ ابن حجر أن في رواية الكشمهيني: ((قراءته
الكتاب)). ينظر: فتح الباري (٥٠٢/١٣).
شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٥٨/١).
(٢)
(٣) البخاري (١٤٢٩)، ومسلم (٩٤/١٠٣٣)، وأبو داود (١٦٤٨)، والنسائي (٢٥٣٢).
(٥) أبو داود عقب حديث (١٦٤٨).
(٤) البخاري (١٤٢٩).

=
١٠٧
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُفِ
((شرحِ الترمذيِّ)): بَل قاله عن حمّادٍ: اثنانٍ، أبو الرَّبيع الزَّهرانِيُّ كَما في ((كِتابِ
الزكاةِ» ليوسُفَ القاضي(١)، ومُسَدَّدٌ كَما رواه ابنُ عبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٢).
قال: ورَواه أيضًا عن نافع: موسَى بنُ عُقبَةَ، فاختُلِفَ عليه، فقال إبراهيمُ بنُ
طهمانَ عنه: ((المُتَعَفِّفَةُ)). وقالَ حفصُ بنُ مَيسَرَةَ عنه: ((المُنفِقَةُ))؛ رويناهُما كَذلكَ
في ((سُنَنِ البَيْهَقِيّ)»(٣). انتَهَى.
وقال الخَطّابي(٤): رِوايَةُ مَن قال ((المُتَعَفِّفَةُ)) أشبه وأصَحُّ في المَعنَى؛ وذلكَ
أنَّ ابنَ عمرَ ذَكَرَ أنَّ رسولَ الله ◌ِ ﴿ قال هَذا الكَلامُ، وهو يذكُرُ الصدقةَ والتَّعَفُّفَ
مِنها، فعَطَفَ الكَلامَ على سبَبه الذي خرَجَ عليه وهو ما يُطابِقُه في معناه أولى.
قال(٥) ابنُ عبدِ البَرِّ(٦): لا خِلافَ علمته في إسنادِ هَذا الحَديثِ ولَفِظِه،
أي: على مالِكِ، واختُلِفَ فيه على أيّوبَ. ورِوايَةُ مالِكِ أشبه وأولى بالأصولِ مِن
قولٍ مَن قال: ((المُتَعَفِّفَةُ))؛ بدليلٍ حديثِ طارِقٍ المحاربيِّ (٧)، قال: ((قَدِمنا المَدينَةَ
فإذا رسولُ اللهِ وَ لَّ قائمٌ على المِنْبَرِ يخطُبُ النّاسَ وهو يقولُ: يدُ المُعطي العُليا
وابدأ بمَن تعولُ: أمَّك وأباك وأختَك وأخاك، ثمَّ أدناك أدناك)) ذَكَرَه النَّسوِيُّ(٨).
الثانيةُ: قولُه: ((والتَّعَقُّفُ عن المَسأَلَةِ))، كَذا في ((الموطّأ) و((صَحيحِ
مسلم)) و(سُنَنِ النسائيّ)). وفي ((صَحيحِ البخاريِّ)) و((سُنَنِ أبي داود): ((والمَسأَلَةُ)).
بالواوِّ بَدَلٌ عن قولِه في رِوايَةِ البخاريِّ: ((والتَّعَفُّفُ))، الظواهرُ: أنَّ المُرادَ التَّعَفُّفُ
عن المَسألَةِ؛ بدليلِ الروايةِ الأخرَى، لكِن في رِوايَةِ أبي داود: ((والتَّعَفُّفُ مِنها))،
(١) هو الحافظ الفقيه أبو محمدٍ يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم
الأزدي البغدادي، حرص عليه أهله؛ فإنهم بيت علم، وكان أسند أهل زمانه، ثقةً
فاضلًا، ولي قضاء البصرة وواسط، وتوفي في رمضانً سنة ٢٩٧هـ؛ له كتاب ((العلم))
و((الزكاة)) و((الصيام)). ينظر: سير أعلام النبلاء (٨٦/١٤)، وهدية العارفين (٢٣٢/٢).
(٢) يوسف القاضي، كما في فتح الباري (٢٩٧/٣)، والتمهيد (٢٤٧/١٥).
(٤) معالم السنن (٧٠/٢).
(٣)
البيهقي (١٩٨/٤).
في (م، ك): «وقال)».
(٥)
التمهيد (٢٤٧/١٥، ٢٤٨)، والاستذكار (٤١١/٢٧).
(٦)
في (م): ((الجازمي)).
(٧)
(٨) المجتبى (٢٥٣١)، وفي الكبرى (٢٣٢٣).

=
١٠٨
کے
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والضَّميرُ عائدٌ على الصدقةِ المُتَقَدِّم ذِكرُها؛ أي: والتَّعَفِّفُ مِن أخذِ الصدقةِ، وهَذا
يُرُدُّ على قولِ ابنِ عبدِ البَرِّ أنَّه لم يُختَلَف في لفظِ هَذا الحَديثِ.
] الثالِثَةُ: قال ابنُ عبدِ البَرِّ(١): فيه إياحَةُ الكَلام للخَطيبِ بكُلِّ ما يصلُحُ
وما يكونُ مَوعِظَةً أو عِلمًا أو قُربَةً إلى الله تعالى. [٢٨٥/١ظ]. قُلتُ: لا يلزَمُ مِن
كَونِه عليه الصلاةُ والسلامُ قال ذلكَ على المِنبَرِ أن يكونَ في خُطبَةِ الجُمُعَةِ؛
(٧٦/٤م) فَقَد كانَ يرقَى المِنْبَرَ فيما يُهُمُّ مِن حادِثَةٍ ومَوعِظَةٍ، واللهُ أعلمُ.
الرّابِعَةُ: فيه التَّصريحُ بأنَّ اليَدَ العُليا هي المُنفِقَةُ، وبهذا قال الجُمهورُ
وتَقَدَّمَ عن الخَطّابي: أنَّها المُتَعَفِّفَةُ، وقال النوويُّ(٢): بَعدَ تصحيح رِوايَةِ المُنفِقَةِ:
ويُحتَمَلُ صِحَّةُ الروايتينِ؛ فالمُنفِقَةُ أعلى مِن السائلَةِ، [والمُتَعَفِّفَةُ أعلى مِن
السائلَة](٣). وحَكَى القاضي عياضٌ(٤) عن الخَطّابي أنَّه قال: وفيه تأويلٌ ثالِثٌ،
أنَّ السُّفلى المانِعَةُ، وذَكَرَ غَيرُه: أنَّ العُليا الآخِذَةُ؛ لأنَّها إذا أخَذَت كانَت فوقَ
السُّفلى، قال القاضي: وهَذانِ التأويلانِ يرُدُّهُما ما نصَّ في الحَديثِ مِن التَّفْسيرِ.
وقال النوويُّ(٥) بَعدَ ذِكرِهِ مَقالةَ الخَطّابي إنَّها المُتَعَفِّفَةُ: وقال غَيرُه: العُليا
الآخِذَةُ، والسُّفلى المانِعَةُ حكاه القاضي. انتَهَى. وهذا يقتضي أنَّها (٦) مَقالةٌ
القائلٍ واحِدٍ، وقَد عرَفت مِن كَلامِ القاضي المُتَقَدِّم أنَّهُما مَقالتانٍ، والقَولُ بأنَّ
العُليا هي الآخِذَةُ مَحكِيٍّ عن الصّوفيةِ. ووجَّهوه: بَأنَّها نائبَةٌ عن يدِ الله تعالى،
وهَذا مُصادِمٌ لَنَصِّ الحَديثِ. ثمَّ قال القاضي عياضٌ(٧): وقال الدّاوُدِيُّ: ليسَت
السُّفلى والعُليا المُعطاةُ والمُعطيةُ بغَيرٍ مَسألَةٍ، وإنَّما هي السائلَةُ والمَسئولَةُ،
ولَيسَت كلُّ سائلَةٍ تكونُ خيرًا مِن المسئولَةِ، وإنَّما ذلكَ لمَن سألَ وأظهَرَ مِن
الفَقرِ فوقَ ما به، وأمّا عِندَ الضَّرورَةِ أو ليكافِئَ فَلَيسَ مِن ذلكَ، وَد استَطعَمَ
الخَضِرُ وموسَى أهلَ القَريَةِ. قال القاضي: وما قاله غَيرُ مُسَلَّمٍ في هَذا الفَصلِ
الأخيرِ؛ لأنَّ لفظَ الحَديثِ يدُلُّ على خِلافِه وأنَّ الفَضلَ للَّمُعطيةِ والأجرَ.
(١) التمهيد (٢٥٠/١٥).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في (ك).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٧).
(٧) إكمال المعلم (٥٦٧/٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٧).
(٤) إكمال المعلم (٥٦٦/٣، ٥٦٧).
(٦) في (م، ك): ((أنهما)).

=
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُفِ
١٠٩
وأمّا مَن سألَ مُظهرًا للفَقرِ فسُؤالُه حرامٌ، ولَيسَ الحَديثُ في مِثِلِهِ، بَل فيمَن يجوزُ
سُؤالُه انتَھَی.
وحَكَى ابنُ بَطَّالٍ (١) عن الحسنِ البَصرِيِّ أنَّه قال: اليَدُ العُليا المعطية، واليَدُ
السُّفلى المانِعَةُ. وذَكَرَ القاضي عياضٌ أنَّ الخَطّابي رجَّحَ كَونَ العُليا المُتَعَفِّفَةَ
بِحَديثِ حكيمٍ بنِ حِزامٍ لقَولِه لمّا سمِعَ هَذا: ومِنك يا رسولَ الله؟ قال: ((ومِنِّي)»،
فقال: والله لا أرزأ أحَدًا بَعدَك شيئًا. قال: ولا يُتَوهَّمُ على حكيم أن يعتَقِدَ أنَّ
يدَه خيرٌ مِن يدِ رسولِ اللهِ وَّهَ، وإنَّما فَهمَ أنَّها المُتَعَفِّفَةُ. قال القاضي: هَذا لا
يظهَرُ مِن الحَديثِ، ولا يبعُدُ أنَّ حكيمًا إنَّما راعَى ذلكَ في حقِّ غَيرِهِ عَّلاَ لا في
حقّه، والنبيُّ وََّ إنَّما عابَ على حكيم كَثرَةَ السؤالِ؛ لأنَّ فيه: سألته فأعطاني
ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثمَّ قال: ((إنَّ هَذا المالَ خَضِرَةٌ حُلوةٌ))، وذَكَرَ الحَديثَ(٢). انتَهَى.
قُلتُ: فَهِمَ حكيمٌ مِن النبيِّ وَّرَ ذَمَّ الأخذِ، فقال: ومِنك. أي: ولو كانَ
الأخذُ مِنك (٤/ ٧٧م) فيَدُ السائلِ سُفلى، فلَمّا قال له النبيُّ وَّرَ: ((ومَنِّي))(٣)؛ امتَنَعَ
مِن الأخذِ بَعدَ ذلكَ مُطلَقًّا، واللهُ أعلمُ.
· الخامِسَةُ: قال الخَطّابي (٤): قد يتَوهَّمُ كَثيرٌ مِن النّاسِ أَنَّ مَعنَى
((العُليا)) هو أنَّ يدَ المُعطي مُستَعليةٌ فوقَ يدِ الآخِذِ، يجعَلونَه مِن عُلو الشيءٍ إلى
فوقَ، ولَيسَ ذلكَ عِندي بالوجه، وإنَّما هو مِن علاءِ المَجدِ والكَرمِ، يُريدُ به
التَّرَفُعَ عن المَسألَةِ والتَّعَقُّفَ عنها، وأنشَدَني أبو عمرَ، قال: أَنشَدَني أبو العَبّاسِ،
قال: أنشَدَنا ابنُ الأعرابي في مَعناهُ:
إذا كانَ بابُ الذُّلِّ مِن جانِبِ الغِنَى سمَوتُ إلى العَلياءِ مِن جانِبِ الفَقرِ
يُرِيدُ التَّعَزّزَ بَتَركِ المَسألَةِ والتَّنَزُّهَ عنها. انتَهَى.
فَكَلامُه أولًا: على أنَّ ((العُليا)) هي المُعطيةُ. وثانيًا: على أنَّها هي المُتَعَفِّفَةُ. وقَد
عَرَفت ما في ذلكَ وكَونُ العُليا مِن العَلاءِ وهو العُلو المَعنَوِيُّ يأتي على القَولَيْنِ مَعًا .
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤٣٢/٣).
(٢) إكمال المعلم (٥٦٦/٣)، والحديث عند البخاري (١٤٧٢، ٦٤٤١).
(٣) ليست في (م، ك).
(٤) معالم السنن (٢/ ٧٠).

١١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقَد قال النوويُّ(١): والمُرادُ بالعُلوِ(٢): عُلو الفَضلِ والمَجدِ ونَيلُ الثَّوابِ.
السادِسَةُ: فيه الحَتُّ على الإنفاقِ في وُجوه الطَّاعَةِ، وذلكَ يتناولُ
الواجِباتِ والسننَ المُؤَكَّدَةَ والتَّطَوُّعاتِ المُطلَقَةَ(٣).
السابِعَةُ: استُدلَّ به على ترجيحِ الغِنَى مَعَ القيامِ [٢٨٦/١و] بحُقوقِه على
الفَقرِ؛ لأنَّ العَطاءَ إنَّما يكونُ مَعَ الغِنَى، والخِلافُ في ذلكَ مَشهورٌ، ومَن فضَّلَ
الفَقرَ أجابَ بأنَّه ليسَ المُرادُ بالخَيرِيَّةِ الفَضلَ مِن جِهَةِ الدِّينِ، وإنَّما المُرادُ أنَّه خيرٌ
في الإفضالِ والإعطاءِ وأعلى همَّةً وأعظَمُ مَجدًا، واللهُ أعلمُ.
الثامِئَةُ: لم يذكُر في الروايةِ المَشهورَةِ المُتَعَفِّفَةَ عن الآخِذِ ولا الآخِذة
بغَيرِ سُؤالٍ، وإنَّما ذَكَرَ السائلَةَ ويُمكِنُ أن يُقال: إنَّ كلَّا مِن المُتَعَفِّفَةِ عن الأخذِ
والآخِذَةِ بغَيرٍ سُؤالٍ ليسَت عُليا ولا سُفلى؛ فإنَّها لم تأخُذ بمَعالي الأمورِ في
الاكتِسابِ والإفضالِ والإنفاقِ، ولا بتَسَفُّلِ الاكتِسابِ ودَناءَتِه، وقَد يُقالُ: كلٌّ
مِنْهُما عُليا أيضًا، لكِنَّ عُلوها دونَ عُلو المُنفِقَةِ. وقَد يُقالُ: كلٌّ مِنْهُما سُفلى لعَدَم
أخذِها (٤) بمَعالي الأمورِ في الإنفاقِ، ولا شكَّ أنَّ أعلى الدَّرَجاتِ المُنفِقَةُ، ثمَّ
المُتَعَفِّفَةُ عن الأخذِ، ثُمَّ الآَخِذَةُ بِغَيرِ سُؤالٍ، ثمَّ السائلَةُ. ودَرَجاتُ العُلو والتَّسَفُّلِ
مُتَفَاوِتَةٌ واللهُ تعالى هو المُنفِقُ حقيقَةً، وفي ((سُنَنِ أبي داود)) و((مُستَدرَكِ الحاكِم)(٥)
عن مالِكِ بنِ نضلَةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّه: ((الأيدي ثَلاثَةٌ: فَيَدُ الله العُليا، ويَدُ
المُعطي التي تليها، ويَدُ السائلِ السُّفلى، فأعطِ الفَضلَ ولا تعجِزَ عن نفسِك)). وكأنَّ
النبيَّ نَّهَ إنَّما اقتَصَرَ (٧٨/٤م) على المُنفِقَةِ والسائلَةِ لحَضِّه(٦) على اكتِسابِ المالِ
مِن وجهه وذَمِّه الاكتِسابَ بالسؤالِ، فإنَّه أرذَلُ المَكاسِبِ، وإشارَةٌ إلى أنَّه إذا لم
يكتَسِب احتاجَ إلى السؤالِ. ولِهَذا قال قيسُ بنُ عاصِم(٧): وإيّاكُم والمَسألَةَ؛
(١) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٧).
(٢) في (م): ((بالعلوي)).
(٣)
شرح النووي على مسلم (١٢٥/٧).
(٥) أبو داود (١٦٤٩)، والحاكم (٤٠٨/١).
(٦)
في الأصل: ((لحظه)).
(٧) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١١٦٥).
(٤) في (ك): ((أخذهما)).

بابٌ فضلِ الصدقةِ والتَّعَقُّفِ
فإنَّها آخِرُ كَسبِ الرجلِ، وفي الصَّحيح (١) عن أبي هريرةَ مَرفوعًا: ((لأن يغدو أحَدُكُم
فيَحتَطِبَ على ظَهرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنه ويَستَغْنِيَ به عن النّاسِ؛ خيرٌ له مِن أن يسألَ رجُلًا
أعطاه أو مَنَعَهُ، ذلك بأنَّ البَدَ العُليا أفضَلُ مِن اليَدِ السُّفْلى، وابدأ بمَن تعولُ)). وقَد
ورَدَ في حديثٍ ضَعيفٍ؛ رواه الطبرانيُّ(٢) في ((مُعجَمِه)) مِن حديثٍ رافِعِ بنِ خديجٍ :
(يَدُ المُعطي العُليا، ويَدُ الآخِذِ السُّعلى إلى يوم القيامَةِ))، فلَم يُقَيِّد الآخِذَ بالسؤالِ،
وهو يقتَضي كَونَ يدِه سُفلى وإن لم يسأل، إلّا أن يُحمَلَ المُطلَقُ على المُقَيَّدِ،
ويُقالُ: المُرادُ الآخِذُ مَعَ السؤالِ بِدَليلٍ بَقِيَّةِ الأحاديثِ، هَذا لو صَحَّ هَذا الحَديثُ.
وفي ((شرحٍ مسلم)) للنَّوِيِّ(٣) في التَبويبِ على هَذا الحَديثِ: والسُّغلى الآخِذَةُ.
■ التاسِعَةُ: فيه كَراهَةُ السؤالِ والتَّنفيرُ عنه بتَسميةِ اليَدِ السائلَةِ سُفلى،
ومَحَلُّه: إذا لم تدعُ إلَيه ضَرورَةٌ، فإن كانَت به ضَرورَةٌ بأن كانَ عاجِزًا عن (٤)
مُكتَسِبٍ وخافَ هَلاكَه فلا بأسَ بالسؤالِ حينَئذٍ، بَل قد يكونُ مَندوبًا، وقَد يكونُ
واجِبًا. وذَكَرَ والِدي ◌َّتُ في ((شرح الترمذيِّ)): أنَّ المَسألَةَ تنقَسِمُ إلى الأحكامِ
الشرعيَّةِ: التَّحريمُ والكَراهَةُ والوُجوبُ والنَّدبُ والإباحةُ.
وقال أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٥): وبالجملةِ: فإنَّ السؤالَ واجِبٌ في مَوضِعِ،
جائزٌ في آخَرَ، حرامٌ في آخَرَ، مَندوبٌ على طريقٍ، فأمّا وُجوبُه فلِلمُريدينَ فَي
ابتِداءِ الأمرِ وظاهرِ حالِهِم، ولِلأولياءِ للاقتِداءِ، وجَريًا على عادَةِ الله في خلقِه؛
ألا ترَى إلى سُؤالٍ موسَى والخَضِرِ لأهلِ القَريَةِ طعامًا، وهُما مِن الله تعالى
بالمَنزِلَةِ المَعلومَةِ؟ فالتَّعريفُ بالحاجَةِ فرضٌ على المُحتاجِ، وإذا ارتَفَعَت الضَّرورَةُ
جازَ له أن يسألَ في الزّائِدِ عليها مِمّا يحتاجُ إلَيه ولا يقدِرُ عليه، ثمَّ أَنشَدَ لَبَعضِهم:
لمَالُ المرءِ يُصلِحْهُ فَيُغِنِي مَفَاقِرَهُ أعفُّ من القُنُوعِ(٦)
قال: وإذا كَمُلَت للمَرءِ مَفاقِرُه وارتَفَعَت حاجاتُه لم يجُز له أن يسألَ تكَثُّرًا،
(١) مسلم (١٠٦/١٠٤٢).
(٢) الطبراني في الكبير (٤٤٠٣).
(٤) في (م، ك): ((غير)) .
شرح النووي على مسلم (١٢٤/٧).
(٣)
(٥) عارضة الأحوذي (١٥٢/٣، ١٥٣، ١٥٦).
(٦) البيت للشماخ بن ضرار، وهو من بحر الوافر، ينظر: ديوانه: (ص٢٢١)، والصحاح
(١٢٧٢/٣)، والعين (١٧٠/١).

١١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ثمَّ قال: وقَد يكونُ السؤالُ واجِبًا أو مَندوبًا. أمّا وُجوبُه فلِلمُحتاج، وأمّا
المَندوبُ فِلِمَن يُعَيِّنُه ويُبَيِّنُ حاجَتَه إن استَحيا هو مِن ذلكَ أو رجا أن يكونَ بَيَانُه
أَنفَعَ وأَنجَحَ مِن بَيَانِ السائلِ؛ كَما كانَ النبيُّ نَ له يسألُ لَغَيرِه(١). انتَهَى.
قال [٢٨٦/١ظ] والِدي ◌َُّهُ: فذَكَرَ أربَعَةً أوجُهٍ مِن الأحكامِ الشرعِيَّةِ في
المَسألَةِ دونَ (١٩/٤م) الخامِسِ وهو قِسمُ المَكروه، فأمّا تمثيلُه للواجِبِ بِسُؤالٍ
المُحتاجِ فواضِحٌ، وأمّا قِسمُ المَكروه فسُؤالُه للسُّلطانِ مَعَ إمكانِ الاستِغناءِ عنهُ،
وقَد جمَعَهما النبيُّ نَّهَ في حديثِ سمُرَةَ بقَولِه: ((إلّا أن يسألَ الرجلُ سُلطانًا، أو
في أمرٍ لا بُدَّ مِنْهُ))(٢). فهَذا الأخيرُ هو السؤالُ الواجِبُ، قال: وأمّا تمثيلُ القاضي
أبي بَكرِ السؤالَ الواجِبَ بالمُريدينَ في ابتِداءِ الأمرِ، وبِسُؤالِ الأولياءِ للاقتِداءِ،
وتَمثيلُه بسُؤالٍ موسَى والخَضِرِ طعامًا مِن أهلِ القَريَةِ. ففيه نظَرٌ، ولا يُطلَقُ على
سُؤالِ المُريدينَ في ابتِدائهم اسمُ الوُجوبِ، وإنَّما جرَت عادَةُ المَشايِخِ الذينَ
يُهَذِّبونَ أخلاقَ المُريدينَ بفِعلِ ذلكَ لكَسرِ أنفُسِهم إذا كانَ في ذلكَ صَلاحُهُم،
فأمّا الوُجوبُ الشرعِيُّ فلا، وأمّا سُؤالُ الخَضِرِ وموسَى: فلا يلزَمُ هَذِهِ الأمَّةَ
الاقتِداءُ بهما في ذلكَ، وإنَّما وقَعَ ذلكَ مِن الخَضِرِ لحِكمَةٍ أطلَعَه اللهُ(٣) عليها
ليُبَيِّنَ لموسَى عليه الصلاةُ والسلامُ ما ينتَهي الحالُ إلَيه في المَرّاتِ الثَّلاثِ.
انتَھَی .
ومِن (٤) الصّورِ التي اختُلِفَ فيها: هَل(٥) السؤالُ حرامٌ أو مكروهٌ ما إذا قدَرَ
على الاكتِسابِ؟ وفي ذلكَ وجهانِ لأصحابِنا الشافعيةِ، أصَحُّهُما: أنَّه حرامٌ لظاهرٍ
الأحاديثِ، والثاني: أنَّه مَكروهٌ. ومِمّا ورَدَ في سُؤالِ المُحتاجِ ما رواه الطَّبَراني
في ((مُعجَمِه الكَبيرِ)) (٦) مِن حديثِ ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّرِ: ((ما المُعطي
مِن سعَةٍ بأفضَلَ مِن الآخِذِ إذا كانَ محتاجًا)).
(١) مثاله ما أخرجه مسلم (٦٩/١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله البجلي
(٢) أخرجه الترمذي (٦٨١)، والنسائي (٢٥٩٩).
(٤) في الأصل: ((وفي)).
(٣)
ليس في الأصل.
(٥) في الأصل: ((هو).
(٦) الطبراني (٤٢٣/١٢/ رقم ١٣٥٦٠).

=
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَقُّفِ
١١٣
· العاشِرَةُ: قَال والِدِي تَّقُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): وَرَدَ التَّخصيصُ(١) في
السؤالِ في أربَعَةِ أماكِنَ، وهي: أن يسألَ سُلطانًا، أو في أمرٍ لا بُدَّ مِنه، [أو ذا
رحِم في حاجَةٍ أو الصّالِحِينَ. فأمّا السُّلطانُ، فهو الذي بيدِه أموالُ المَصالِحِ. وأمّا
الأمرُ الذي لا بُدَّ مِنه](٢)، فهو الحاجَةُ التي لا بُدَّ مِنها. وأمّا ذو الرَّحِمِ؛ فلِما ورَدَ
في الصدقةِ على (٣) الرَّحِمِ مِن الفَضلِ، ولِذَهابِ بَعضِ العلماءِ إلى وُجوبِ النَّفَقَّةِ
عليه مَعَ وصفِ الفَقرِ والعَجزِ، فَرَخَّصَ في سُؤالِه، وأمّا سُؤالُ الصّالِحِينَ [فهو في
حديثِ ابنِ الفِراسِيِّ أنَّه قال: أسألُ يا رسولَ الله؟ فقال: ((لا، وإن كنت سائلًا
لا بُدَّ(٤) فسَل الصّالِحِينَ)](٥) رواه أبو داود والنسائيُّ(٦). ثمَّ يُحتَمَلُ أن يُرادَ
بالصّالِحِينَ: الصّالِحونَ مِن أربابِ الأموالِ الذينَ لا يمنَعونَ ما عليهم مِن الحَقِّ،
وقَد لا يعلمونَ المُستَحَقَّ مِن غَيرِهِ، فإذا عرَفوا بالسؤالِ المُحتاجَ، أعطَوه مِمّا عليهم
مِن حُقوقِ الله تعالى. ويُحتَمَلُ أن يُرادَ بهم مَن يُتَبَرَّكُ بدُعائه وتُرجَى إجابَتُه إذا
دَعا اللّهَ له. ويُحتَمَلُ أن يُرادَ الساعونَ في مَصالِحِ الخَلقِ بِسُؤالِهم لمَن علموا
استحقاقَه مِمَّن عليه حقٌّ فَيُعطيهم (٧) أربابَ الأموالِ بوثوقِهم بصَلاحِهم.
قال والدي: وحَيثُ جازَ السؤالُ، فيُجتَنَبُ فيه الإلحافُ والسؤالُ بوجه الله
تعالى، ففي ((سُنَنِ أبي داود)» (٨) مِن حديثِ جابِرٍ مَرفوعًا: ((لا يُسألُ بوجه الله إلّ الجنة)).
قال: ومَعَ ذلكَ فيَنبَغي إعطاؤُه ما لم يسأل مُمتَنِعًا، لما روى الطبرانيُّ في ((مُعجَمِه
الكَبيرِ))(٩) مِن حديثٍ أبي موسَى الأشعَرِيِّ، بإسنادٍ حسَنٍ، عن النبيِّ وَّ أنَّه قال:
((مَلعونٌ مَن سألَ بوجه الله، ومَلعونٌ مِن سُئلَ بِوجه الله فمَنَعَ سائلَه ما لم يسأل مُجرًا».
(١) في (ك): ((الترخيص)).
(٣) بعده في (م، ك): ((ذي)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس بالأصل.
(٧)
في (ك): ((فيطيعهم)).
(٩) أخرجه الطبراني في الكبير (٩٤٣/٣٧٧/٢٢)، وفي الدعاء (٢١١٢)، وقال الهيثمي:
وإسناده حسن على ضعف في بعضه مع توثيق. انتهى. ثم قال في موضع آخر: رواه
الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح، وهو ثقة. وفيه ضعف وبقية رجاله رجال
الصحيح. انتهى. ينظر: مجمع الزوائد (١٠٦/٣، ١٥٦/١٠).
(٢) ما بين المعكوفين ليس بالأصل.
(٤) في (م): (ولا بد)).
(٦) أبو داود (١٦٤٦)، والنسائي (٢٥٨٦).
(٨) أبو داود (١٦٧١).

S
١١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
(٨٠/٤م) الحَديثُ الخامِسُ
عن هَمّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَيسَ الغِنَى
عن كَثْرَةِ العَرَضِّ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه البخاريُّ والترمذيُّ(١) مِن رِوايَةٍ أبي حُصَينٍ، عن أبي
صالِحٍ، وأخرَجَه مسلمٌ وابنُ ماجَه(٢) مِن رِوايَةِ أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ كِلاهُما،
عن أبي هريرةَ، وقال الترمذيُّ: حسَنٌ صحيحٌ.
■ الثانيةُ: ((العَرَضُ)) بفَتحِ العَينِ والرّاءِ المُهمَلَتَينِ وبِالضّادِ المُعجَمَةِ، مَتَاعُ
الدُّنيا وحُطامُها مِن أيِّ نوعٍ كانَ؛ سُمِّيَ بذلكَ لزَوالِه، ومِنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ
عَرَضَ الذُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]. وفي الحَديثِ: ((الدُّنيا عرَضٌ حاضِرٌ يأْكُلُ مِنه البَرُّ
والفاجِرُ))(٣). أمّا العَرضُ بإسكانِ الرّاءِ، فهو ما عدا النَّقدَ، والنَّقدُ هو الدَّراهمُ
والدَّنانيرُ، قاله أبو زيدٍ والأصمَعِيُّ وغَيرُهُما. وقال أبو عُبَيدٍ: العَرضُ المَتَاعُ الذي
لا يدخُلُهُ كَيلٌ ولا وزنٌ، ولا يكونُ حَيَوانًا ولا عقارًا(٤).
· الثالِثَةُ: ((عن)) هُنا يحتَمِلُ [٢٨٧/١و] معناها أوجُهَا :
أحَدُها: أن تكونَ للتَّعليلِ، كَما قيلَ في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْنُ بِتَارِكِيّ
ءَالِهَيْنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ
إِلَّا عَنْ قَّوْعِدَةٍ﴾(٥) [التوبة: ١١٤]. أي: ليسَ عِلِيَّةُ(٦) الغِنَى وسَبَبُه كَثرَةَ العَرَضِ.
(١) البخاري (٦٤٤٦)، والترمذي (٢٣٧٣).
(٢) مسلم (١٠٥١/ ١٢٠)، وابن ماجه (٤١٣٧).
(٣) أخرجه الطبراني (٢٨٨/٧ / رقم ٧١٥٨)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٢٦٤/١)، والبيهقي
(٢١٦/٣) من حديث شداد بن أوس بظُه، وقال الهيثمي في المجمع (١٩٢/٢): رواه
الطبراني في الكبير، وفيه أبو مهدي سعيد بن سنان وهو ضعيف جدًا. انتهى.
النهاية في غريب الحديث (٢١٤/٣)، وينظر: إكمال المعلم (٥٨٦/٣)، والمفهم (٩٥/٣).
(٤)
(٥) بعدها في (م): ((وعدها إياه)).
(٦) في (ك): ((علة)).

=
كمـ
١١٥
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُفِ
ثانيها: أن تكونَ للّرفيةِ، (٨١/٤م)؛ أي: ليسَ الغِنَى بِكَثْرَةِ العَرَضِ.
ثالِثُها: أنَّها بمَعنَى الباءِ كَما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ
[النجم: ٣]؛ أي: بالهَوى؛ أي: ليسَ الغِنَى بِكَثْرَةِ العَرَضِ.
الرّابِعَةُ: قال النوويُّ(١): مَعنَى الحَديثِ الغِنَى المَحمودُ غِنَى النَّفْسِ
وشِبَعُها وقِلَّةُ حِرصِها، لا كَثرَةُ المالِ مَعَ الحِرصِ على الزّيادَةِ؛ لأنَّ(٢) مَن كانَ
طالِبًا للزّيادَةِ لم يستَغنِ بما مَعَه فلَيسَ له غِنَّى.
وسَبَقَه القاضي عياضٌ(٣) إلى ذلكَ، ثمَّ حكَى عن الإمام المازَرِيِّ أنَّه قال:
يُحْتَمَلُ أن يُرِيدَ الغِنَى النّافِعَ، والذي يكُفُّ عن الحاجَةِ، ولَيسَ ذلكَ على ظاهرِهِ؛
لأنَّه مَعلومٌ أنَّ كَثيرَ المالِ غِنَّی. انتَهَی.
وحاصِلُ هَذا: إثباتُ الغِنَى لغَنِيِّ النَّفْسِ والمُبالَغَةُ فيه حتى ينفي الغِنَى عمَّن
فقَّدَه وإن كَثُرَ مالُه مَعَ أنَّه غِنَّى بالحَقيقَةِ، لكِنَّه نُفي لانتِفَاءِ ثَمَرَتِه؛ فإنَّه وإن وُجِدَ
الغِنَى بالمالِ مَعَ الحِرصِ فهو غَيرُ مَحمودٍ ولا نافِعٍ، كَما يُسَمَّى العالِمُ الذي
لا يعمَلُ بعِلمِه جاهلاً لانتِفاءِ ثَمَرَةِ العِلم في حقِّه، وَاللهُ أعلَمُ.
الخامِسَةُ: فيه فضلُ القَناعَةِ والحَثُّ عليها، والأحاديثُ في هَذا المَعنَى
كَثيرَةٌ (٨٢/٤م).
الحَديثُ السادِسُ
وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((الشيخُ على حُبه اثْنَتَينِ: طولُ
الحَياةِ، وكَثَرَةُ المالِ)). كَذا في رِوايَةِ أحمدَ، وقال الشيخانِ: ((قَلبُ الشيخ
شابٌّ)) الحَديثَ، وهو الصَّوابُ.
فيه فوائدُ :
■ الأولى: أخرَجَه الشيخانِ (٤) مِن رِوايَةِ يونُسَ بنِ يزيدَ، عن الزهريِّ، عن
(١) شرح النووي على مسلم (١٤٠/٧).
(٢) في الأصل: ((لا)).
(٤) البخاري (٦٤٢٠)، ومسلم (١١٤/١٠٤٦).
(٣) إكمال المعلم (٥٨٦/٣).

S
١١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ لفظُ البخاريِّ: ((لا يزالُ قلبُ الكَبيرِ شابًّا في
اثْنَتَينِ: في حُبِّ الدُّنيا، وطولِ الأمَلِ))، ولَفظُ مسلم: ((قَلبُ الشيخِ شابٌّ على
حُبِّ اثنَتَينِ: طولُ الحَياةِ، وحُبُّ المالِ)) وأخرَجَه مسلمٌ(١) أيضًا مِن رِوايَةٍ
سُفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ، بَلَفِظِ: ((قَلبُ
الشيخ (٢) شابٌّ على حُبِّ اثْنَتَينِ: حُبُّ العَيشِ، والمالِ)). واتَّفَقَ عليه الشيخانِ(٣)
مِن رِوايَةِ هشام الدَّستوائيّ، عن قتادَةً، عن أنَسٍ، بلفظ: ((يَكبُرُ ابنُ آدَمَ، ويَكْبُرُ
مَعَه اثْنَتانِ: حُبُّ المالِ، وطولُ العُمرِ))، لفظُ البخاريِّ. ولَم يسُق مسلمٌ لفظُه.
وأخرَجَه مسلمٌ(٤) مِن رِوايَةِ أبي عوانَةً، عن قتادَةَ، عن أنَسٍ، بَلَفِظِ: ((يَهرَمُ ابنُ آدَمَ
وتَشِبُّ مِنْه اثْنَتَانِ: الحِرصُ على المالِ، والحرصُ على العُمرِ)).
الثانيةُ: قولُه في رِوايَةِ أحمدَ: ((الشيخُ على حُبه اثْنَتَينٍ))؛ أي: كائنٌ
على حُبه اثنَتَينٍ، والمُرادُ: استمرارُه على ذلكَ ودَوامُه عليه، وأنَّ حُبَّه لهاتَينٍ
الخَصلَتَينِ لم ينقَطِع عنه بشَيخوخَتِه. وقَولُه: ((طولُ الحَياةِ وكَثرَةُ المالِ)»: يجوزُ
فيهما الرَّفعُ؛ على أنَّهُما خبَرانِ لمُبتَدأ مَحذوفٍ، ويَجوزُ فيهما النَّصبُ؛ على أنَّهُما
بَدَلٌ مِن قولِه: ((اثنَتَينٍ)). وقَد ظَهَرَ بذلكَ صِحَّةُ معنى هذه(٥) الروايةِ فَقَولُ
الشيخ تَُّهُ: إنَّ الصَّوابَ لفظُ الشيخَينِ، كأنَّه مِن جِهَةِ الروايةِ، أو لأنَّه أظهَرُ في
المَعنَى، وإن كانَ مَعنَى الروايةِ الأخرَى صَحيحًا، وقَولُه في رِوايَةٍ، البخاريِّ:
((لا يزالُ قلبُ الكَبيرِ))؛ أي: في السِّنِّ، وقَولُه: ((شابًّا)) مُجازٌ واستِعارَةٌ، ومعناه:
أنَّ قلبَ الشيخ كامِلُ الحُبِّ للمالِ مُحتَكِمٌ في ذلكَ كاحتِكام قوةِ الشّابِّ في
شبابه. قال النوويُّ (٦): هَذا صَوابُه. انتَهَى.
وقيلَ: وصَفَه بكَونِه شابًّا؛ لوُجودِ هَذَينِ الأمرَينِ فيه، اللذَينِ هُما في الشبابِ
أكثَرُ، وبهم ألْيَقُ للرَّجاءِ في (٧) طولِ أعمارِهم ودَوامِ استمتاعِهم ولَذّاتِهم في الدُّنيا .
(١) مسلم (١١٣/١٠٤٦).
(٣) البخاري (٦٤٢١)، ومسلم (١٠٤٧).
(٥) الكلمتان ليستا في (م).
(٧) في الأصل: ((على)).
(٢) في الأصل: ((المؤمن)).
(٤) مسلم (١١٤/١٠٤٧).
(٦) شرح النووي على مسلم (١٣٨/٧).

بابٌ فضلِ الصدقةِ والتَّعَقُّفِ
١١٧
((وحُبُّ الدُّنيا)) هو كَثْرَةُ المالِ، ((وطولُ الأمَلِ)) هو طولُ الحَياةِ المَذكورانِ
في الروايةِ الأخرَى، وكَذا ((حُبُّ العَيشِ)) المَذكورُ في ((رِوايَةِ مسلم)) هو طولُ
الحَياةِ. وقَولُه في ((رِوايَةِ البخاريِّ)) [٢٨٧/١ظ] مِن حديثٍ أنَسٍ: ((وَتَكْبُرُ مَعَه
اثْنَتانِ)» المُرادُ: كِبرُهُما في المَعنَى وقوتُهُما وعَدَمُ ضَعِفِهما، فهو بمَعنَى قولِه في
رِوايَةٍ مسلم: ((وتَشِبُّ مِنه اثنَتَانِ))، وبِذلكَ يندَفِعُ قولُ القائلِ كَونُهُما تشِبّانِ مُنافٍ
لكِبَرِهما؛ لأنَّ المُرادَ بكِبَرِهما قوتُهُما وذلكَ موافِقٌ لشَبابهما، ولَيسَ المُرادُ كِبَرًا
يُؤَدّي إلى الهَرَمِ والضَّعفِ، واللهُ أعلَمُ.
الثالِثَةُ(١): فيه ذَمُ طولِ الأمَلِ والحِرصِ على جمعِ المالِ، وذلكَ
يقتَضي فضلَ الصدقةِ للغَنِيِّ والتَّعَفُّفِ للفَقيرِ؛ وهُما المُبَوبُ عليهما .
الرّابِعَةُ(٢): قال المازَرِيُّ (٣): فيه إشارَةٌ إلى أنَّ الإرادَةَ في القَلبِ؛
خِلافًا لمَن رأى أنَّ ذلكَ في غَيرِ الأعضاءِ.
الحَديثُ السابِعُ
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وٍَّ قال: ((والَّذي نفسي
بيدِهِ، لأن (٨٣/٤م)َ يأخُذَ أحَدُكُم أحبلَه(٤)، فيَحتَطِبَ على ظَهرِهِ، خيرٌ له مِن
أن يأتي رجُلًا أعطاه اللهُ مِن فضلِهِ فَيَسألَه: أعطاه أو مَنَعَه)).
فيه فوائدُ:
الأولى: أخرَجَه البخاريُّ والنسائيُّ(٥) مِن هَذا الوجه مِن طريقِ مالِكِ،
وفي رِوايَتِهما: ((حبلَه)) بالإفرادِ، وذَكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ (٦): أنَّ في جُلِّ الموظّآتِ:
(ليأخُذَ))، وفي رِوايَةِ ابنِ نافِعٍ ومَعنِ بنِ عيسَى: ((لأن يأخُذَ))، قال: وهو المُرادُ
(١) في الأصل: ((السابعة)).
(٢) في الأصل: ((الثامنة)).
(٣) المعلم بفوائد مسلم (٢٨٨/١).
(٤) في (م): ((حبله)).
(٥) البخاري (١٤٧٠)، والنسائي (٢٥٨٨). (٦) التمهيد (٣٢٠/١٨).

١١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والقَصدُ(١). والمَعنَى مَفهومُ.
قُلت: في رِوايَتِنا مِن طريقِ أبي مُصعَبٍ: ((لأن يأخُذَ)) وكَذا هو في ((موطّأ)
يحيى بنِ بُكَير (٢). وفي ((صَحيحِ البخاريِّ)) عن عبدِ الله بنِ يوسُفَ كلُّهُم، عن
مالِكِ. وأخرَجَه الشيخانِ والنسائيُّ (٣) مِن رِوايَةِ أبي عُبَيدٍ مَولى عبدِ الرحمنِ بنِ
عوفٍ، عن أبي هريرةَ بلَفِظِ: ((لأن يحتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزِمَةً على ظَهرِهِ خيرٌ له مِن أن
يسألَ أحَدًا فيُعطيه أو يمنَعَهُ)) لفظُ البخاريِّ، ولَفظُ مسلم والنسائيِّ بمعناه،
وأخرَجَه مسلمٌ والترمذيُّ(٤) مِن رِوايَةِ قيسٍ بنِ أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ بلَفِظِ:
((لأن يغدو أحَدُكُمْ فَيَحِطِبَ(٥) على ظَهرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ به ويَسْتَغني به مِن النّاسِ، خيرٌ
له مِن أن يسألَ رجُلًا أعطاه أو مَنَعَهُ؛ ذلكَ بأنَّ الْيَدَ العُليا أفضَلُ مِن الْيَدِ السُّفلى،
وابدأ بمَن تعولُ)). قال الترمذيُّ: صَحيحٌ غَريبٌ؛ يُستَغرَبُ مِن حديثٍ بَيانٍ عن
قیسٍ.
الثانيةُ: فيه الحَلِفُ لتَقويةِ الأمرِ وتأكيدِه.
الثالِثَةُ: قولُه: ((أحبُلَهُ)) بفتح الهَمزَةِ وإسكانِ الحاءِ المُهمَلَةِ وضَمِّ الباءِ
الموحَّدَةِ، جمعُ حبلٍ وهو معروفٌ. ويُجمَعُ أيضًا على حِبالٍ، وقَولُه: (فَيَحْتَطِبَ))
بتاءِ الافتِعالِ، وفي رِوايَةِ مسلمٍ ((فَيَحِطِبَ)) بغَيرِ تاءٍ وهو صَحيحٌ.
الرّابِعَةُ: فيه ترجيحُ الاكتِسابِ على السؤالِ، ولَو كانَ بعَمَلٍ شاقٌ
كالاحتِطابِ، ولَو لم يقدِر على بَهِيمَةٍ يحمِلُ الخَطَبَ عليها بَل حمَلَه على ظَهرِهِ.
وذَكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ (٦) عن عمرَ نَّه قال: مَكْسَبَةٌ فيها بَعضُ الدَّناءَةِ خيرٌ مِن مَسأَلَةٍ
النّاسِ.
فإن قُلتَ: لا خيرَ في السؤالِ؛ فما وجه هَذا التَّرجيح؟ (٨٤/٤م).
في (م، ك): ((المقصد)).
(١)
(٢) الموطأ برواية أبي مصعب (٢١١٠).
البخاري (٢٠٧٤، ٢٣٧٤)، ومسلم (١٠٧/١٠٤٢)، والنسائي (٢٥٨٣).
(٣)
(٤)
مسلم (١٠٦/١٠٤٢)، والترمذي (٦٨٠).
(٥) في (م): ((فيحتطب)).
(٦) التمهيد (٣٢٩/١٨، ٣٣٠).

=
ء
كم
١١٩
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُّفِ
قُلتُ: يحتَمِلُ وجهَينِ :
أحَدُهُما: أنَّ ذلكَ حيثُ اضطُرَّ إلى السؤالِ بحَيثُ لا يصيرُ فيه ذمِّ(١) أصلًا،
فَتَركُه مَعَ ذلكَ خيرٌ مِن فعلِه. وفي هَذا الجَوابِ نظَرٌ؛ لأنَّ مَن أمكَنَه الاحتِطابُ
لم يضطَرَّ إلى السؤالِ .
ثانيهما: أنَّ هَذِه الصّيغَةَ - وهي خيرٌ -، قد تُستَعمَلُ في غَيرِ التَّرجيحِ، كَما
في قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّأَ﴾ [الفرقان: ٢٤].
الخامِسَةُ: في الاكتِسابِ فائدَتانِ: الاستِغناءُ عن السؤالِ(٢) والتَّصَدُّقُ،
وقَد ذَكَرَهُما في قولِه في رِوايَةٍ لمسلم: ((فَيَتَصَدَّقُ به ويَستَغني مِن النّاسِ))، كَذا هو
في أكثَرِ نُسَخِ (صَحيحِ مسلمٍ)) بالميمِ، وفي بَعضِها عن النّاسِ: بالعَينِ، قال
النوويُّ(٣): وكِلاهُما صَحيحٌ، والأولُ مَحمولٌ على الثاني.
· السادِسَةُ: فيه فضيلَةُ الاكتِسابِ بعَمَلِ الْيَدِ، وقَد ذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّه أفضَلُ
المَكاسِبِ. وقال الماوردِيُّ(٤): أصولُ المَكاسِبِ: الزِّراعَةُ والتِّجارَةُ والصَّنْعَةُ.
وأيُّها أطيَبُ؟ فيه مَذاهبُ للنّاسِ أشَبَهُها بمَذهَبِ الشافعيّ: أنَّ التِّجارَةَ أَطيَبُ. قال
والأشبَه ◌ِندي: أنَّ الزِّراعَةَ أَطيَبُ؛ لأنَّها أقرَبُ إلى التَّوكُلِ.
قال النوويُّ في ((شرحِ المُهَذَّبِ))(٥): في ((صَحيحِ البخاريِّ))(٦) عن المِقدامِ بنِ
مَعدي [٢٨٨/١ و] كَرِبَ رَّه، عن النبيِّ وَّ قال: ((ما أكَلَ أحَدٌ طعامًا قطَّ خَيرًا
مِن أن يأْكُلَ مِن عمَلِ يدِهِ، وإنَّ نبي الله داود عل ◌َّا كانَ يأكُلُ مِن عمَلِ يدِه)). قال
النوويُّ: فالصَّوابُ ما نصَّ عليه رسولُ الله ◌َّهَ وهو عمَلُ اليَدِ، فإن كانَ زرّاعًا
فهو أطيَبُ المَكاسِبِ وأفضَلُها؛ لأنَّه عمَلُ يدِه وأنَّ(٧) فيه توُّلًا كَمَا ذَكَرَه
الماوردِيُّ، ولأنَّ فيه نفعًا عامًّا للمسلمينَ والدَّوابِّ، ولأنَّه لا بُدَّ في العادَةِ أن
(١) في (م): ((دم).
(٢) في (ك): ((الناس)).
شرح النووي على مسلم (١٣١/٧).
(٣)
الحاوي (١١/٥)، وينظر: المجموع شرح المهذب (٥٩/٩).
(٤)
(٥)
المجموع شرح المهذب (٥٩/٩).
(٧) في (م، ك): ((ولأن)).
(٦) البخاري (٢٠٧٢).

=
=
١٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يُؤكَّلَ مِنْه بغَيرِ عِوضٍ فَيَحصُلُ له أجرُه، وإن لم يكُن مِمَّن يعمَلُ بيدِهِ، بَل يعمَلُ له
غِلمانُه وأجَراؤُه، فاكتِسابُه بالزِّراعَةِ أفضَلُ لما ذَكَرناهُ. وقال في ((الرَّوضَةِ))(١) بَعدَ
ذِكرِهِ الحَديثَ المُتَقَدِّمَ: فَهَذا صَريحٌ في ترجيحِ الزِّراعَةِ والصّنْعَةِ(٢)؛ لكَونِهما مِن
عمَلِ يدِهِ، ولَكِنَّ الزِّراعَةَ أفضَلُهُما لعُمومِ النَّفْعِ بها للآدَمِيِّ وغَيرِهِ، وعُمومِ الحاجَةِ
إِلَيها، واللهُ أعلمُ.
وغايَةُ ما في حديثِ البابِ: تفضيلُ الاحتِطابِ على السؤالِ، ولَيسَ فيه أنَّه
أفضَلُ المَكاسِبِ، فَلَعَلَّه ذَكَرَه لِتَسُّرِه؛ ولا (٣) سِيَّما في بلادِ الحِجَازِ لِكَثْرَةِ ذلكَ فيها .
السابِعَةُ: وفيه الاكتِسابُ بالمُباحاتِ: كالحَطَبِ والحَشيشِ النّابِتَينِ في
مَواتٍ. واستَدَلَّ به المُهَلَّبُ على الاحتِطابِ والاحتِشاشِ مِن الأرضِ المَملوكَةِ
حتى يمنَعَ مِن ذلكَ مالِكُ الأرضِ، فترتفَعُ (٤) حينَئذٍ الإباحَةُ، وهو مَردودٌ؛ فإنَّ
النّابِتَ في الأرضِ (٨٥/٤م) المَملوكَةِ مِلكٌ لمالِكِها، فلا يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه بِغَيرِ
إذنِه، ثمَّ حكَى المُهَلَّبُ عن ابنِ المَوّازِ، أنَّه حكى عن ابنِ القاسِمِ، عن مالِكِ،
قال: من(٥) كانَت له أرضٌ يملِكُها ليسَت بأرضٍ خرِبَةٍ، [فإن أرادَ](٦) أن يبيعَ
ما ينبُتُ فيها مِن المَرعَى بَعد طيبه أنَّه لا بأسَ به. وقال أشهَبُ: لا يجوزُ ذلكَ؛
لأنَّه رِزقٌ مِن رِزقِ الله تعالى، ولا يحِلُّ لرَبِّ الأرضِ أن يمنَعَ مِنه أحَدًا لقَولِه ◌ِلَّى:
((لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ ليمنَعَ به الكَلأ»(٧). ولَو كانَ النَّبَاتُ في حائطِ إنسانٍ لما حلَّ
له أن يمنَعَ مِنه أحَدًا؛ لقَولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لا حِمَّى إلّا لله ولِرَسولِه))(٨)،
وقال الكوفيونَ كَقَولٍ أَشهَبَ(٩). انتَهَى.
الثامِنَةُ: أشارَ في رِوايَةٍ مسلمٍ إلى العِلَّةِ في تفضيلِ الاكتِسابِ على
(١) روضة الطالبين (٢٨١/٣).
(٢) في (م): ((والصناعة)).
(٣) في (ك): ((لا)).
(٤) في (م): ((فترفع)) .
(٥)
ليس في (م).
(٦) في (ك): ((فأراد)).
(٧)
البخاري (٢٣٥٣، ٢٣٥٤)، ومسلم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة.
(٨)
البخاري (٢٣٧٠، ٣٠١٢) من حديث الصعب بن جثامة.
(٩) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٠٨/٦).