Indexed OCR Text

Pages 41-60

بابُ إذا لم يجِد مَن يقبَلُ صَدَقَتَه فلا حرَجَ عليه
٤١
التاسِعَةُ: ((الهَرجُ)) بفتح الهاءِ وإسكانِ الرّاءِ وآخِرُه جيمٌ، فسَّرَه النبيُّ لِ﴾
بأنَّه القَتلُ وهو أحَدُ مَعانيه، فتَعَيَّنَ الأخذُ به، ولَه مَعانٍ أَخَرُ جمعُها في ((المُحكَم))(١):
شِدَّةُ القَتلِ، وكَثْرَتُه، [٢٧١/١ظ] والاختلاطُ، والفِتنَةُ في آخِرِ الزَّمانِ، وكَثْرَةُ النَّكاحِ،
وكَثرَةُ الكَذِبِ، وكَثرَةُ النَّومِ، وشَيءٌ تراه في النَّومِ ولَيسَ بصادِقٍ، وعَدَمُ الإتقانِ في
الأمرِ (٢). واقتَصَرَ الجَوهَرِيُّ(٣) على أنَّ الهَرجَ الفِتَنَةُ والاختلاطُ. قال: وأصلُ الهَرجِ
الكَثرَةُ في الشيءِ، وفي ((صَحيحِ البخاريِّ))(٤) في حديثٍ أبي موسَى، قال أبو موسَى:
والهَرجُ القَتْلُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ. وقال القاضي في ((المَشَارِقٍ))(٥): قولُه: ((بلُغَةِ الحَبَشَةِ))
وهمٌّ مِن بَعضِ الرّواةِ، وإلّا فهي عربيةٌ صَحيحَةٌ والهَرجُ الاختِلاطُ.
العاشِرَةُ: قولُه: ((أيمَ)) هو بفَتحِ الهَمزَةِ وإسكانِ الياءِ المثناةِ مِن تحتُ
وفَتحِ الميم ومَعناه: ما هو، وأصلُه؛ أيُّ ما هو، بتَشديدِ الياءِ وبِالألفِ في ما؛
أي: أيُّ شيءٍ هو، فخُفِّفَتِ الياءُ وحُذِفَت ألِفُ ما، ذَكَرَه في ((النِّهايَةِ))، وذَكَرَ في
((المشارِقِ)) أنَّه رويَ بتَشديدِ الياءِ وتَخفيفِها، وأنَّهُما لُغَتَانِ (٦).
الحاديةَ عشرَ: فيه أنَّ (٢٩/٤م) مِن أشراطِ الساعةِ كَثرَةُ القَتلِ بِغَيرٍ
حقٍّ، وفي ((صَحيحِ مسلم))(٧) عن أبي هريرةَ رَُّه قال: قال رسولُ اللهِوَهُ:
((والَّذي نفسي بيدِه لَا تذهَبُّ الدُّنيا حتى يأتي على النّاسِ يومٌ لا يدري القائِلُ فيمَ
قتَلَ ولا المقتولُ فيمَ قُتِلَ)). وفي ((سُنَنِ ابنِ ماجَه))(٨) بَعدَ قولِ النّبِيِّ ◌َله: ((إنَّ
الهَرجَ القَتلُ))، فقال بَعضُ المسلمينَ: يا رسولَ الله إنّا نقتُلُ الآنَ في العامِ الواحِدِ
مِن المُشرِكِينَ كَذا وكذا، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ليسَ بقَتلِ المُشرِكِينَ! ولَكِن بقَتلِ
بَعضِكُم بَعضًا؛ حتى يقتُلَ الرجلُ جارَه وابنَ عمِّه وذا قرابَتِه))، فقال بَعضُ القَومِ:
(١) المحكم (١٥٩/٤، ١٦٠).
في (م): ((الإيقان بالأمر))، ولعلها الأشبه.
(٢)
(٣)
الصحاح (٣٥٠/١).
(٤) البخاري (٧٠٦٥).
(٥)
مشارق الأنوار (٢٦٧/٢).
(٦)
النهاية في غريب الحديث (٨٦/١)، ومشارق الأنوار (٥٦/١).
(٧) مسلم (٢٩٠٨/ ٥٦).
(٨) ابن ماجه (٣٩٥٩).

٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يا رسولَ الله ومَعنا عُقولُنا ذلكَ اليَومَ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا، تُنزَعُ عُقولُ أكثَرِ
ذلكَ الزَّمانِ، وتَخلُفُ لها هَباءٌ مِن النّاسِ لا عُقولَ لهُم)).
الحَديثُ الثاني
وعنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((والَّذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لو أنَّ
أَحُدًا عِندي ذَهَبًا: لأحبَبت أن لا يأتي عليه ثَلاثٌ وعِندي مِنه دينارٌ أجِدُ مَن
يقبَلُه مِنّي، ليسَ شيئًا(١) أرصُدُه في دَينٍ عليَّ)).
فيه فوائدُ:
الأولى: أخرَجَه البخاريُّ(٢) في التَّمَنِّي في ((صَحيحِه)) مِن هَذا الوجه مِن
طريقِ عبدِ الرَّزاقِ، وفي الاستِقراضِ والرِّقاقِ مِن طريقِ عُبَيدِ الله بنِ عبدِ الله بنٍ
عُتْبَةَ(٣)، ورَواه مسلمٌ(٤) في الزكاةِ مِن ((صَحيحِه)) مِن طريقِ محمدِ بنِ زيادٍ
كِلاهُما، عن أبي هريرةَ بمَعناه، ولَيسَ في الروايتينِ الأخيرَتَينِ قولُه: ((أجِدُ مَن
يقبَلُه مِنِّي)).
الثانيةُ: في قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((والَّذي نفسُ محمدٍ بيدِه))
جوازُ الحَلِفِ بغَيرٍ تحليفٍ، قال النوويُّ(٥): بَل هو مُستَحَبٌّ إذا كانَ مَصلَحَةً
كَتَوكيدِ أمرٍ مُهمَّ وتحقيقِه ونَفي المَجازِ عنهُ، قال: وقَد كَثُرَت الأحاديثُ (٣٠/٤°م)
الصَّحيحَةُ في حلِفِ رسولِ اللهِنََّ فِي هَذا الَّوعِ لَهَذا المَعنَى. انتَهَى.
الثالِثَةُ: في قولِه: (نَفسُ محمدٍ)» تعبيرُ الإنسانِ عن نفسِه باسمِهِ دونَ
ضَميرِه؛ كَقَولِه في غَيرِ هَذا الحَديثِ: ((نفسي))، وفي الحَلِفِ بهَذِه الْيَمينِ زيادَةٌ
تأكيدٍ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا استَحضَرَ أنَّ نفسَه التي هي أعَزُّ الأشياءِ عليه بيدِ الله تعالى
(١) في (م): ((شيءٌ)).
(٣) البخاري (٢٣٨٩، ٦٤٤٥).
(٥) شرح النووي على مسلم (٧٤/٧).
(٢) البخاري (٧٢٢٨).
(٤) مسلم (٣١/٩٩١).

بابُ إذا لم يجِد مَن يقبَلُ صَدَقَتَه فلا حرَجَ عليه
٤٣
يَتَصَرَّفُ فيها كَيفَ شاءَ (١)، غَلَبَ عليه الخَوفُ فارتَدَعَ عن الحَلِفِ على ما لا
يَتَحَقَّقُه؛ فكانَ في الحَلِفِ بهَذا زيادَةٌ تأكيدٍ على الحَلِفِ بغَيرِهِ.
الرّابِعَةُ: قولُه: ((بيدِه)) مِن أحاديثِ الصِّفاتِ التي فيها مَذْهَبانِ مَشهورانٍ :
أحَدُهُما: تأويلُ اليَدِ بالْقُدرَةِ.
ثانيهما: إمرارُها كما جاءَت مِن غَيرِ تكييفٍ ولا تشبيهِ والكَفُّ عن تفسیرِ
.. (٢)
الصِّفَةِ المَذكورَةِ
.
الخامِسَةُ: قولُه: «لَو أنَّ أُحُدًا عِندي)» يحتَمِلُ أنَّ تقديرَه مِثلُ أحُدٍ؛
ففيه (٣) مُضافٌ حُذِفَ وأقيمَ المُضافُ إلَيه مَقامَه، ويُحتَمَلُ أن يكونَ المُرادُ انقِلابَ
أُحُدٍ نفسِه وصَيرورَتُه ذَهَبًا، ويَدُلُّ للاحتِمالِ الأولِ: قولُه: ((في رِوايَةِ البخاريِّ»
مِن طريقِ عُبَيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن أبي هريرةَ مَرفوعًا: (لَو كانَ(٤) لي مِثلُ أحُدٍ))
[٢٧٢/١ و] الحَديثَ، ويَدُلُّ للاحتِمالِ الثاني: قولُه في حديثٍ أبي ذَرِّ في
((الصَّحِيحِ)) (٥): ((فَلَمّا أبصَرَ يعني: أُحُدًا قال: ما أحِبُّ أن تُحَولَ لي ذَهَبًا يمكُثَ
عِندي مِنه دينارٌ)) الحَديثَ.
السادِسَةُ: فيه الحَثُّ على الصدقةِ والإنفاقِ في القُرُباتِ، وأَنَّ النبيَّ ◌َلّ
كانَ في أعلى دَرَجاتِ الزُّهدِ يُحِبُّ أن لا يبقَى عِندَه مِن جَبَلِ ذَهَبٍ بَعدَ ثَلاثٍ
شيءٌ، وإنَّما قيَّدَ ذلكَ بالثَّلاثِ؛ لأنَّه لا يتأتَّى تفريقُ جبَلِ الذَّهَبِ في أقَلَّ مِن
ثَلاثٍ، ولَو استَغرَقَ في ذلكَ أوقاتَه واستَعانَ عليه بكُلِّ أحدٍ .
السابِعَةُ: فيه أنَّ الإنفاقَ إنَّما يكونُ عِندَ وُجودِ القابِلينَ له(٦)، فأمّا مَعَ
(١)
في (م، ك): ((يشاء)).
(٢) والمذهب الصحيح هو إثباتها كما جاءت في الكتاب والسُّنَّة بما يليق به سبحانه من غير
تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه. ينظر: شرح العقيدة الواسطية للشيخ فوزان
(ص٨، ٩).
(٣) في الأصل: ((وفيه)).
(٤) في الأصل: ((أن)).
(٥) البخاري (٢٣٨٨)، ومسلم (ص ٦٨٧) (٣٢/٩٤).
(٦) في الأصل: ((لهم)).

٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فقدِهم فلا يتأتَّى الإنفاقُ؛ لأنَّ الآخِذَ أحَدُ رُكنَيه ولا يُمكِنُ الإكراه عليه،
واستِدلالُ المُصَنِّفِ تَذَتْهُ به على أنَّه إذا لم يجِد مَن يقبَلُ صَدَقَتَه فلا حرَجَ عليه
استِدلالٌ واضِحٌ؛ فإنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ شرَطَ في إحْبَابِهِ(١) إنفاقَ جِبَلِ الذَّهَبِ
في ثَلاثٍ وُجودَ القابِلِ له، فدَلَّ على أنَّه إذا لم يجِد قابِلًا أخّرَه إلى وُجودِ القابِلِ
له، وأنَّه لا حرَجَ في ذلكَ، ولَم يُفَرِّق فيه بَينَ الصدقةِ الواجِبَةِ وغَيرِها، وهو
واضِحٌ مِن حيثُ المَعنَى أيضًا؛ لأنَّ الوُجوبَ مَعَ الإمكانِ وهو مَفقودٌ مَعَ فقدٍ
القابِلِ، واللهُ تعالى أعلَمُ.
الثامِنَةُ: قولُه: ((لَيسَ شيءٌ أرصُدُه في دَينٍ عليَّ))؛ أي: ليسَ الباقي
شيئًا، (٣١/٤م) وفيه دليلٌ على تقديمٍ وفاءِ الدَّينِ على الصدقةِ، ثمَّ يحتَمِلُ: [أن
يكونَ المُرادُ إرصادَه لصاحِبٍ دَينٍ غائبٍ حتى يحضُرَ فيأخُذَ دَينَهُ، ويَحْتَمِلُ](٢):
أن يكونَ المُرادُ إرصادَه لوفاءِ دَينٍ مُؤَجَّلٍ حتى يحِلَّ فيوفيهُ.
· التاسِعَةُ: وفيه جوازُ الاستِقراضِ والاستِدانَةِ، وقَيَّدَ ابنُ بَطَالٍ ذلكَ
بِالْيَسيرِ؛ للاقتِداءِ بالنبيِّ نَّه في إرصادِه دينارًا لدَينِه قال: ولَو كانَ عليه مِائَةُ دينارٍ
أو أكثَرُ لم يرصُد لأدائها دينارًا؛ لأنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ كانَ أحسَنَ النّاسِ
قضاءً، قال: فبانَ(٣) بِهَذا الحَديثِ أنَّه ينبَغي للمُؤمِنِ أن لا يستَغرِقَ في كَثْرَةِ الدَّينِ
خشيَةَ الاهتمام به والعَجزِ عن أدائه، وقَد استَعاذَ النبيُّ نَّ مِن ضَلَعِ الدَّينِ
واستَعاذَ مِن المأثَمِ والمَغرَمِ. وقال: ((إنَّ الرجلَ إذا غَرِمَ حدَّثَ فَكَذَبَ ووعَدَ
فأخلَفَ)) (٤). انتَھَى.
وما فهمَه مِن أنَّ النبيَّ بَّهَ إنَّما أرادَ إرصادَ دينارٍ واحِدٍ ليسَ في الحَديثِ ما
يدُلُّ عليه، ولَو أطلِقَ الدّينارُ هُنا فلا يُرادُ به التَّوحيدُ، وإنَّما يُرادُ به الجِنسُ،
والمُرادُ: أنَّه يرصُدُ لما عليه مِن الدَّينِ ما يفي به قليلًا كانَ أو كَثيرًا.
(١) في (م، ك): ((استحبابه)).
(٣) في (ك): ((وبان)).
(٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥١٤/٦).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل.

بابُ إذا لم يجِد مَن يقبَلُ صَدَقَتَه فلا حرَجَ عليه
2
٤٥
=
العاشِرَةُ: هَذا الحَديثُ أصلٌ في أداءِ الأماناتِ ووفاءِ الدُّيونِ .
الحاديةَ عشرَ: فيه استِعمالُ التَّمَنِّي في الخَيرِ، وأنَّ النَّهيَ عن ذلكَ في
قولِهِ وَّرَ: ((لا تقولوا: لو، فإنَّ لو تفتَحُ عمَلَ الشيطانِ))(١) إنَّما هو في أمورِ الدُّنيا،
فأمّا تمَنِّي الخَيرَ فَمَحبوبٌ مأجورٌ عليه، واللهُ أعلمُ.
(١) مسلم (٣٤/٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة.

٤٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابٌ بَيانِ المِسكينِ
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّةِ قال: ((لَيسَ
المِسكينُ بهَذا الطَّوّافِ الذي يطوفُ على النّاسِ؛ ترُدُّه اللَّقمَةُ واللَّقمَتانِ
والتَّمرَةُ والتَّمرَتانِ))، قالوا: (٣٢/٤م) فمَن المِسكينُ؟ قال: ((الذي لا يجِدُ
غِنَّى يُغنيه، ولا يُفطَنُ به (١) فيُتَصَدَّقَ عليه، ولا يقومُ فَيَسألُ النّاسَ)).
وعن هَمّام، عن أبي هريرةَ مِثْلُه، ولَم يقُل قالوا: فمَن المِسكينُ. وقال:
((إنَّما المِسكَّينُ الذي لا يجِدُ غِنَّى يُغنيه، ويَستَحيي أن يسألَ النّاسَ،
ولا يُفطَنُ له فيُتَصَدَّقُ عليه».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه البخاريُّ (٢) مِن طريقِ مالِكٍ، ومسلمٌ مِن طريقِ المُغيرَةِ بنِ
عبدِ الرحمنِ الحِزامِيِّ (٣) كِلاهُما، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، وانَّفَقا عليه أيضًا (٤)
مِن طريقِ عطاءِ بنِ يسارٍ وعَبدِ الرحمْنِ بنِ أبي عمرَةَ كِلاهُما، عن أبي هريرةَ بلَفِظِ :
((لَيسَ المِسكينُ الذي ترُدُّه الثَّمرَةُ والتَّمرَتانِ ولا اللُّقمَةُ ولا اللُّقمَتانِ، إنَّما المِسكينُ
الذي يتَعَفَّفُ، واقرَؤُوا إن شِئْتُم يعني قوله تعالى: ﴿لَا يَسْلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَأْ﴾
[البقرة: ٢٧٣])) [لفظُ البخاريِّ، وقال مسلمٌ: ((إنَّ [٢٧٢/١ظ] المِسكينَ المُتَعَفِّفُ،
اقرَؤُوا إن شِئْتُم ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافَاْ﴾ [البقرة: ٢٧٣])](٥). وانفَرَدَ به
(١) في (م، ك): ((له)).
البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠١/١٠٣٩).
(٢)
(٣)
في (ك): ((الحرامي)).
البخاري (٤٥٣٩)، ومسلم (١٠٢/١٠٣٩، ٠٠٠).
(٤)
(٥) ما بين المعكوفين ليس في (ك).

٤٧
بابٌ بَيانِ المِسكينِ
البخاريُ(١) مِن طريقِ محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ بلَفِظِ: ((لَيسَ المِسكينُ الذي
ترُدُّه الأكلَةُ والأكلَتانِ، ولَكِنَّ المِسكينَ الذي ليسَ له غِنَّى ويَستَحيي أو لا يسألُ
النّاسَ إلحاقًا)».
الثانيةُ: قال العلماءُ(٢): مَعنَى الحَديثِ: أنَّ المِسكينَ الكامِلَ المَسكَنَّةِ
هو المُتَعَفِّفُ الذي لا يطوفُ على النّاسِ ولا يسألُهُم ولا يُفطَّنُ لحالِه، ولَيسَ
مَعناه نفيَ أصلِ المَسكَنَةِ عن الطَّافِ، وإنَّما مَعناه نفيُ كَمَالِها، وهَذا كَقَولِه عليه
الصلاةُ والسلامُ: ((أَتَدرونَ مَن المُفلِسُ؟» الحَديثَ، وكَقَولِهِ مَّ: «أَتَدرونَ مَن
الرَّقوبُ))، وكَقَولِه تعالى: ﴿لَيْسَ آلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ
مَنْ ءَامَنَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٧]. واستَدَلَّ ابنُ عبدِ البَرِّ(٣) على إطلاقِ اسمِ المَسكْنَةِ
على الطّوّافِ بحَديثِ أمِّ بُجَيدٍ مَرفوعًا: (رُدّوا المِسكينَ ولَو بظِلِفٍ مُحرَقٍ)).
وبِقَولِ عَائِشَةَ مِّنَا: إنَّ (٢٣٣/٤) المِسكينَ ليَقِفُ على بابي. الحَديثَ. قال: وقَد
جعَلَ اللهُ تعالى الصَّدَقاتِ للفُقَراءِ والمَساكينِ، وأجمعوا أنَّ السائلَ الظَّوّافَ
المُحتاجَ مِسكينٌ.
■ الثالِثَةُ: الإشارَةُ التي في قولِهِ: ((بهَذا الطَّوّافِ))، تحتَمِلُ(٤) أن تكونَ(٥)
لحُضورِهِ ومُشاهَدَتِهِ، وتَحتَمِلُ(٦) أن تكونَ(٧) لحَقَارَتِهِ.
الرّابِعَةُ: قولُه: ((فَمَن المِسكينُ)). كَذا هو في رِوايَتِنا مِن طريقٍ
أبي مُصعَبٍ، عن مالِكِ وهو الوجه، وفي رِوايَةٍ يحيى بنِ يحيَى عن مالِكِ: فَما
المِسكينُ، وتابَعَه عليه جماعَةٌ كَما ذَكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ، وكَذا هو في صَحِيحٍ مسلمٍ
مِن طريقِ المُغيرَةِ بنِ عبدِ الرحمُنِ الِزامِيِّ، ولَه ثَلاثُ توجيهاتٍ:
(١) البخاري (١٤٧٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢٩/٧)، والحديث عند مسلم (٥٩/٢٥٨١، ١٠٦/٢٦٠٨).
(٣) التمهيد (١٧٤/٢)، (٤٩/١٨، ٥٠)، وحديث أم بجيد عند أحمد (٣٨٢/٦)، والترمذي
(٦٦٥).
(٤) في (ك): ((يحتمل)) .
(٦) في (ك): ((ويحتمل)).
(٥) في (ك): ((یکون)).
(٧) في (ك): ((يكون)).

٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أحَدُها: أن يكونَ أرادَ فما الحالُ التي يكونُ الإنسان(١) بها السائلُ(٢)
مِسکینًا؟
والثاني(٣): أن تكونَ ((ما)) هُنا بمَعنَى ((مَن)) كَما قيلَ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَآءِ
وَمَا بَنَهَا
(٣)﴾ [الليل: ٣]
[الشمس: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَّ
ذَكَرَهُما ابنُ عبدِ البَرِّ (٤).
والثالِثُ: أنَّ ما تأتَّى كَثِيرًا لصِفاتِ مَن يعقِلُ كَقَولِه تعالى: ﴿فَأَنكِحُواْ مَا طَابَ
لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣]؛ أي: الطَّيِّبِ. ذَكَرَه النوويُّ في ((شرحٍ مسلم))(٥).
الخامِسَةُ: الغِنَى بكسرِ الغَينِ مَقصورٌ: اليسارُ، وقَولُه: ((يُغنيه)) صِفَةٌ
له، وهو قدرٌ زائدٌ على اليسارِ؛ إذ لا يلزَمُ مِن حُصولِ اليَسارِ للمَرِ أن يغنَى به
بحَيثُ لا يحتاجُ إلى شيءٍ آخَرَ، واللفظُ مُحَمِلٌ لأن يكونَ المُرادُ نفيَ أصلِ اليَسارِ
ولأن يكونَ المُرادُ نفيَ اليَسارِ المُقَيَّدِ بأنَّه يُغنيه مَعَ وُجودِ أصلِ اليَسارِ، وهَذا
كَقَولِه تعالى: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَانَأْ﴾ وكَقَولِ الشّاعِرِ:
على لاحِبٍ لا يَهتَدِى بمَنارِه(٦)
وعَلى الاحتِمالِ الثاني: ففيه: أنَّ المِسكينَ هو الذي يملِكُ ما يقَعُ مَوقِعًا
مِن كِفايَتِه لا يكفيه، وهو حينئذٍ أحسَنُ حالًا مِن الفَقيرِ؛ فإنَّه الذي لا يملِكُ شيئًا
أصلًا أو يملِكُ مالًا يقَعُ مَوقِعًا مِن كِفايَتِه، وبهذا قال الشافعيُّ وأبو حنيفَةَ وفُقَهاءُ
الكوفَةِ، وقال به مِن أهلِ اللغةِ: الأصمَعِيُّ وأبو جعفَرٍ أحمدُ بنُ عُبَيْدٍ، واستُدِلَّ له
أيضًا بقَولِه تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]،
فسَمّاهُم مَساكينَ مَعَ أنَّ لهُم سفينَةً لكُونِها لا تقومُ بجَميعِ حاجَتِهم، وعَكَسَ
آخَرونَ ذلكَ فقالوا: الفَقيرُ أحسَنُ حالًا مِن المسكينِ، حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ، عن
(١) ليست في (م، ك).
(٢) ليست في الأصل.
(٤) التمهيد (٤٨/١٨، ٤٩).
(٥)
(٣)
في (ك): ((الثاني)).
شرح النووي على مسلم (١٢٩/٧، ١٣٠).
(٦) صدر بيت لامرئ القيس وعجزه: إذا سافَهُ العَوْدُ النُّبَاطِيُّ جَرْجَرًا. ينظر: ديوان امرئ
القيس (ص٩٦)، ط. دار المعرفة، بيروت.

=
٤٩
بابُ بَيانِ المِسكينِ
يونُسَ بنِ حبيبٍ وابنِ السِّكِيتِ وابنِ قُتَيبَةَ وقَومٍ مِن أهلِ الفِقه والحَديثِ، وقال
آخَرونَ: هُما سواءٌ ولا فرقَ بَينَهُما في المَعنَى (٣٤/٤) وإن افتَرَقا في الاسم،
حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ(١)، عن ابنِ القاسِمِ وسائرٍ أصحابِ مالِكِ. وحَكَى ابنُ بَطَالٍ (٢)
قولًا رابعًا: أنَّ المِسكينَ الذي يسألُ، والفَقيرُ الذي لا يسألُ.
] السادِسَةُ: قولُه: ((فَيَتَصَدَّقَ عليه))، وقَولُه: ((فَيَسألَ النّاسَ))، مَنصوبانٍ في
جوابِ الَّفي، وهَذا واضِحٌ.
] السابِعَةُ: فيه أنَّ الصدقةَ على المُتَعَفِّفِ أفضَلُ مِنها على السائلِ الطّافِ
وهو گَذلكَ.
· الثامِنَةُ: قد يُستَدَلُّ بقَولِهِ: ((ولا يقومُ فَيَسألُ النّاسَ))، على أحَدٍ مَحمَلَي
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافَأْ﴾ على (٣) أنَّ مَعناه نفيُ السؤالِ أصلًا،
وقَد يُقالُ: لفظَةُ: ((يقومُ)) تدُلُّ على التأكيدِ في السؤالِ، فَلَيسَ فيه نفيُ أصلٍ
السؤالِ والتأكيدُ في السؤالِ هو الإلحافُ.
(١) التمهيد (٥٠/١٨ -٥٢)، والاستذكار (٢٠٨/٩).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥١٧/٣، ٥١٨).
(٣) ليس في (م، ك).

٥٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابٌ لا تحِلَّ الصدقةُ للنّبي
صَلى الله
وستلا
الحَديثُ الأولُ
عن هَمّام، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((والله إنِّي
أنقَلِبُ إلى أهليَّ فأجِدُ [٢٧٣/١و] الثَّمرَةَ ساقِطَةً على فراشي أو في بَيتي
فأرفَعُها لَآَكُلَها، ثُمَّ أخشَى أن تكونَ صَدَقَةً فألقيها)). رواه مسلمٌ.
فيه فوائدُ :
■ الأولى: أخرَجَه مسلمٌ(١) مِن هَذا الوجه مِن طريقِ عبدِ الرَّزاقِ ومِن
طريقِ عمرٍو بنِ الحارِثِ، عن أبي يونُسَ مَولى أبي هريرةَ، عن أبي هريرةَ. ويَشْهَدُ
له ما رواه الشيخانِ(٢) مِن حديثٍ أَنَسٍ بنِ مالِكِ قال: مَرَّ النبيُّ نَّ هُ بِتَمَرَةٍ
مَسقوطَةٍ، فقال: ((لولا أن تكونَ مِن صَدَقَةٍ لأَكَلتها)). وما رواه الشيخانِ(٣) أيضًا
عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةً قال: أخَذَ الحسنُ بنُ عليٍّ تمرَةً مِن تمرٍ
الصدقةِ فجَعَلَها في فيه، فقال له رسولُ الله وَلّر: ((كِخ ◌ِخ ارم بها، أما علمت أنّا
لا نأكُلُ الصدقةَ؟» لفظُ مسلم، وفي لفظِ له (٤) أيضًا: ((إنّا لاَ تحِلُّ لنا الصدقةُ))،
ولَفِظُ البخاريِّ: ((أما شعَرتَ أَنّا لا نأكُلُ صَدَقَةً)). وفي لفظِ له: ((أما علمت أنَّ
آلَ محمدٍ لا يأكلونَ الصدقةَ».
(١) مسلم (١٠٧٠ / ١٦٢، ١٦٣).
(٢) البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١ / ١٦٤).
(٣)
البخاري (١٤٨٥، ١٤٩١، ٣٠٧٢)، ومسلم (١٠٦٩ /١٦١).
ليس في الأصل.
(٤)

=
٥
بابٌ لا تحِلُّ الصدقةُ النَّبي ◌ِّ
الثانيةُ: فيه تحريمُ الصدقةِ على النبيِّ بَّه، وظاهرُه: أنَّه لا فرقَ بَينَ
الصدقةِ الواجِبَةِ وصَدَقَةِ التَّطَوُّع، فأمّا الأولى: فلا خِلافَ فيها. وأمّا الثانيةُ: فهو
الأصَحُّ مِن قَولَي الشافعيِّ(١). وقال ابنُ قُدامَةَ في ((المُغني))(٢): إنَّه الظّاهرُ، ثمَّ
قال: ورويَ عن أحمدَ: أنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لم تكُن مُحَرَّمَةً عليه، ثمَّ حكَى لفظَ
هَذِهِ الروايةِ ثمَّ قال: والصَّحيحُ أنَّ هَذا لا يدُلُّ على إباحَةِ الصدقةِ له. انتَهَى.
وإياحَةُ صَدَقَةِ التَّطَوُّع له قولٌ للشّافِعِيِّ، كَما تَقَدَّمَت الإشَارَةُ إلَيه، وفي رِوايَةِ
محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ زيادَةٌ أخرَى؛ وهي تحريمُ (٣) الصدقةِ على آلِ النبيِّي وَلـ
- والصَّحيحُ عِندَ أصحابِنا: أنَّ المُحَرَّمَ عليهم الزكاةُ دونَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وكَذا هو
الصَّحيحُ عِندَ الحنابلةِ، وبه قال الحنفيةُ، وهو رِوايَةُ أصبَغَ عن ابنِ القاسِمِ في
((العُنبية)) - وعَكَسَ بَعضُ المالِكِيَّةِ ذلكَ فقال: تحِلُّ لهُم الصدقةُ الواجِبَةُ ولا تَحِلُّ
لهُم التَّطَوُّعُ؛ لأنَّ المِنَّةَ قد يقَعُ(٤) فيها. وقال آخَرونَ مِنْهُم: بتَحريمِهما(٥) عليهم،
وقال أبو بَكرِ الأَبهَرِيُّ مِنْهُم بعَكسِه: إنَّه يحِلُّ لهُم الزكاةُ وصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ.
واختَلَفَ العلماءُ في المُرادِ بالآلِ فقال الشافعيُّ: هُم (٦) بَنو هاشِم
وبَنو المُطَّلِبِ وبه قال بَعضُ المالِكِيَّةِ، وقال أبو حنيفَةَ ومالِكٌ: بَنو هاشِم فقَط،
وعن أحمدَ رِوايَتانِ كالمَذهَبَينِ، وقال أشهَبُ: هُم بَنو(٧) غالِبٍ. وقال أصبَغُ: هُم
بَنو (٨) قُصَيٍّ، قال القاضي عياضٌ(٩): وقال بَعضُ العلماءِ: هُم قُرَيشٌ كلُّها .
الثالِثَةُ: وفيه استِعمالُ الوَرَعِ، وهو تركُ الشُّبُهاتِ؛ فإنَّ هَذِهِ الثَّمرَةَ لا تحرُمُ
بِمُجَرَّدِ الاحتِمالِ؛ ولِهَذا رفَعَها النبيُّ ◌َ﴿ ليأْكُلَها، ولا يقدُمُ إلّا على ما يجوزُ له
فعلُه، لكِن ترَجَّحَ عِندَه الورَعُ وهو تركُها، ومِثلُه قولُه في حديثٍ أنَسٍ: مَرَّ النبيُّ وَّل
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٧٧).
(٣) في (ك): ((تحرم)).
(٢)
المغني (٤ /١١٧).
رسمت في الأصل، و(ك): من غير نقط أسفل الياء، ولعل الأشبه: ((تقع)).
(٤)
في (م): ((بتحريمها))، وفي (ك): ((بتحرمها)).
(٥)
(٦)
في الأصل: ((هو)).
(٨)
في الأصل: ((بنوا)).
(٧) في الأصل: ((بنوا)).
(٩) إكمال المعلم (٦٢٥/٣، ٦٢٦)، وينظر: شرح النووي على مسلم (١٧٦/٧).

٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بتَمرَةٍ مَسقوطَةِ الحَديثَ، وفي ذلكَ الحَديثِ زيادَةٌ أخرَى، وهي أنَّ تِلكَ الثَّمرَةَ
[ليسَت مِلكًا له وإنَّما يتَمَلَّكُها بالالتِقاطِ، وقَد صَرَّحَ في رِوايَةِ مسلم: بأنَّها في الطّريقِ
واستَدَلَّ به على أنَّ الثَّمرَةَ](١) ونَحوها مِن مُحَقَّراتِ الأموالِ لا يَجِبُ تعريفُها، بَل
يُباحُ أكلُها والتَّصَرُّفُ فيها في الحالِ؛ لأنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ إنَّما ترَكَها؛ خشيةَ أن
تكونَ مِن الصدقةِ لا لكَونِها لُقَطَّةً - قال النوويُّ(٢): وهَذا الحُكمُ متفقٌ عليه، وعَلَّلَه
أصحابُنا وغَيرُهُم: بأنَّ صاحِبَها لا يطلُبُها، ولا يبقَى له فيها مَطمَعٌ. (٣٦/٤م)
(٣٦/٤م) الحَديثُ الثاني
وعن بُرَيدَةَ قال: جاءَ سلمانُ إلى رسولِ اللهِ وَلاَ حِينَ قدِمَ المَدِينَةِ
بمائدَةٍ عليها رُطَبٌ، فوضَعَها بَينَ يدَي رسولِ اللهِ وََّ، فقال رسولُ الله ◌َ -:
((ما هذا يا سلمانُ))؟ قال: صَدَقَةٌ عليك وعَلى أصحابِك، قال: ((ارفَعها فإنّا
لا نأكُلُ الصدقةَ))، فَرَفَعَها وجاءَ مِن الغَدِ بمِثلِه فوضَعَه بَينَ یدیه، فقال: ((ما
هَذا يا سلمانُ))؟ قال: صَدَقَةٌ عليك وعَلى أصحابِك، قال: ((ارفَعها فإنّا لا
نأكُلُ الصدقةَ))، فجاءَ مِن الغَدِ بمِثلِه فوضَعَه بَيْنَ يدَيه يحمِلُه، فقال(٣): ((ما
هَذا يا سلمانُ))؟ فقال: هَدِيَّةٌ لك، فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((انشطو!)). قال:
فَنَظَرَ إلى الخاتم الذي على ظَهرِ رسولِ الله ◌َلاَ فَآمَنَ به، وكانَ لليهودِ
فاشتَراه رسولُ اللهَ وَِّ [٢٧٣/١ظ] بكَذا وكَذا دِرِهَمًّا، وعَلى أن يغرِسَ نخلًا
فَيَعمَلَ سلمانُ فيها حتى تُطْعِمَ، قال: فَغَرَسَ رسولُ اللهِ وَّةِ النَّخَلَ إلّ نخلَةً
واحِدَةً غَرَسَها عمرُ فحَمَلَت، النَّخلُ مِن عامِها [وَلَم تحمِلِ النَّخِلَةُ، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما شأنُ هَذِه)»؟ قال عمرُ: أنا غَرَستها يا رسولَ الله،
(١) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، ولعل الأظهر: أنه سقط من الناسخ؛ فقد أحال على
الحاشية ولم یذکر کلامًا .
(٢) شرح النووي على مسلم (١٧٧/٧، ١٧٨).
(٣) في الأصل: ((قال)).

بابُ لا تحِلُّ الصدقةُ للَّبِي ◌ِ﴾
٥٣
قال: فَنَزَعَها رسولُ اللهِ وَرَ، ثمَّ غَرَسَها فَحَمَلَت مِن عامِها](١). رواه
الترمذيُّ في ((الشمائلِ)».
فيه فوائدُ:
] الأولى: رواه الترمذيُّ في ((الشمائلِ))(٢) مِن طريقِ عليٍّ بنِ الحُسَينِ بنِ
واقِدٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدَةَ، عن أبيه. ولَيسَ في رِوايَتِهِ (٣٧/٤) مَجِيتُه
بمِثلِه ثاني يوم. وقَولُه: ((إنَّه صَدَقَةٌ))، بَل اقتَصَرَ على مَرَّتَينٍ، وقال في الثانيةِ:
((إِنَّها هَدِيَّةٌ)) والزّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقبولَةٌ، وَزَيدُ بنُ الحُبَابِ ثِقَةٌ حافِظٌ.
ا الثانيةُ: قال في ((الصِّحاح) (٣): ماذَّهُم، يُميدُهُم: لُغَةٌ في مارَهُم مِن
الميرَةِ، ومِنه المائدَةُ وهي خوانٌ عليه طعامٌ، فإذا لم يكُن عليه طعامٌ فَلَيسَ بمائدَةٍ
وإنَّما هو خوانٌ. قال أبو عُبَيدَةَ: مائدَةٌ فَاعِلَةٌ بمَعنَى: مَفعولَةٍ مِثلُ عيشَةٍ راضيةٍ
بمَعنَى مَرضيةٍ. وقال في ((المُحكَم)) (٤): المائدةُ(٥) الطَّعامُ نفسُه وإن لم يكُن هُناكَ
خوانٌ. وقيلَ: هي نفسُ الخوانِ. قال الفارِسِيُّ(٦): لا تُسَمَّى مائدَةً حتى يكونَ
عليها طعامٌ وإلّا فهي خوانٌ. انتَهَى. وهَذا الحَديثُ يرُدُّ تفسيرَ المائدَةِ بالطَّعامِ
نفسِه .
الثالِثَةُ: فِي هَذِه الروايةِ أنَّ هَدِيَّةً سلمانَ كانَت رُطَبًا. وفي رِوايَةٍ أخرَى
أنَّها تمرٌ، رواها الطبرانيُّ في ((مُعجَمِه الكَبيرِ)) مِن حديثِ سلمانَ: مِن طريقَينِ في
إحداهما ضَعِيفٌ، وفي الأخرَى مَجهولٌ (٧). وفي رِوايَةٍ أخرَى عن سلمانَ أيضًا:
فاحتَطَبت حطَبًا فبِعته، فصَنَعت طعامًا، فأتَّيت به النبيَّ بَّه. رواه أحمدُ والبَزّارُ(٨)
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، ولا في مصدر التخريج.
(٣) الصحاح (٢/ ٥٤١).
(٢) الترمذي في الشمائل (٢١).
(٤)
المحكم (٩/ ٤١٢).
(٥) ليست بالأصل.
الصاحبي في فقه اللغة (ص٦٠).
(٦)
(٧) الطبراني (٢٢٨/٦) رقم (٦٠٧٣)، (٢٣١/٦) رقم (٦٠٧٦).
(٨) أحمد (٤٣٨/٥)، والبزار (٢٥٠٠).

٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
في (مُسنَدَيهما)) بإسنادٍ جيِّدٍ. وفي رِوايَةٍ عنه: فاشتَرَيت لحمَ جَزُورٍ (١) بدِرهَم ثمَّ
طبَخته، فجَعَلت قصعَةً مِن ثَريدٍ فاحتَمَلتها حتى أتَيتُه بها على عاتِقي حتى وضَعتُها
بَيْنَ يدَيه. رواه الطبرانيُّ (٢) بإسنادٍ جيّدٍ، ولَعَلَّ الهَدِيَّةَ كانَت (٣٨/٤م) طعامًا
ورُطَبًا، فالإسنادُ بهما صَحيحٌ، وأمّا رِوايَةُ التَّمرِ فضَعِيفَةٌ كَما تقَدَّمَ.
الرّابِعَةُ: ظاهرُ هَذِهِ الروايةِ أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ لمّا ذَكَرَ له سلمانُ
أنَّها صَدَقَةٌ لم يأكُلها هو ولا أصحابُه، لكِن المَعروفُ أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ
قال لأصحابه: ((كلوا)) وأمسَكَ يدَه فلَم يأكُل. رواه الإمامُ أحمدُ في ((مُسنَدِه))
والطبرانيُّ في ((مُعجَمِه)(٣) وغَيرُهُما مِن طُرُقٍ عديدَةٍ، وهو أصَحُّ. ويَحتَمِلُ أن
يكونَ قولُه: ((ارفَعها))؛ أي: عنّي لا مُطلَقًا .
الخامِسَةُ: هَذا الذي في هَذِه الروايةِ مِن أَنَّه جاءَه بصَدَقَةٍ مَرَّتَيْنٍ، تقَدَّمَ
أنَّه ليسَ في رِوايَةِ الترمذيِّ في ((الشمائلِ)) مِن هَذا الوجه ولا رأيته في شيءٍ مِن
الرِّواياتِ، فإن صَحَّ، فكأنَّه قصَدَ بتَكريرِ ذلكَ أن يتأكَّدَ عِندَه العِلمُ بأنَّه لا يأكُلُ
الصدقةَ ولَم يحتَج إلى تكريرِ الهَدِيَّةِ؛ لأنَّ الذي مِن خصائصِه الامتِناعَ مِن أكلٍ
الصدقةِ، أمّا أكلُ الهَدِيَّةِ: فمُشتَرَكْ بَينَه وبَينَ غَيرِهِ، وإنَّما يحرُمُ قبولُ الهَدِيَّةِ
لعارِضٍ واللهُ أعلمُ.
السادِسَةُ: فيه تحريمُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ على النبيِّ بَّرَ. وهو الصَّحیحُ
المَشهورُ المَنصورُ، وقَد تقَدَّمَ ذِكرُه في الحَديثِ الذي قبلَهُ، ومَن يقولُ بإباحَتِها
له، يقولُ: لا يلزَمُ مِن امتِناعِه مِن أكلِها تحريمٌ، وكَذا قولُه: «إنّا لا نأكُلُ
الصدقةَ))، ليسَ فيه ما يدُلُّ على تحريم ذلكَ، فَلَعَلَّه يترُكُ ذلكَ تنَزُّهَا عنه مَعَ إباحَتِهِ
لهُ، وهَذا خِلافُ ظاهرِ الحَديثِ، وعَلى كلِّ حالٍ ففيه أنَّ مِن خصائصِه عليه
الصلاةُ والسلامُ الامتناعَ من أكلِ الصدقةِ إمّا وُجوبًا وإمّا تَنَزُّهَا .
السابِعَةُ: فيه الفَرقُ بَيْنَ الصدقةِ والهَدِيَّةِ، وأنَّهُما حقیقَتانِ مُتَغابِرَتانِ،
(١) في (م): ((جذور)).
(٢) الطبراني (٦١١٠).
(٣) أحمد (٤٤٣/٥)، والطبراني (٢٢٢/٦) رقم (٦٠٦٥).

=
بابٌ لا تحِلُّ الصدقةُ النَّبِي ◌ُِّ
وقَد ذَكَرَ أصحابُنا الشافعيَّةُ في الفَرقِ بَينَهُما: أنَّه يُعتَبَرُ في الهَدِيَّةِ حملُها إلى مَكانٍ
المُهداةِ له إعظامًا له وإكرامًا، وأنَّه يُعتَبَرُ في الصدقةِ تمليكُ المُحتاجِ تقَرُّبًا إلى الله
تعالى وطَلَّبًا لثَوابِ الآخِرَةِ مَعَ اشتِراكِهما في أنَّ كلَّ مِنهُما تمليكٌ بلا عِوضٍ، وقَد
اعتَرَضَ بَعضُ شُيوخِنا تقييدَ الصدقةِ بالاحتياج وقال: إنَّ الإعطاءَ بقَصدِ التَّقَرُّبِ
صَدَقَةٌ سواءٌ كانَ لغَنِيٍّ أو فقيرٍ، كَما هو [٢٧٤/١و] مُقَرَّرٌ في مَوضِعِه. وصَرَّحَ النوويُّ
في ((شرحِ المُهَذَّبِ)) (١) بنَفيِ الخِلافِ في ذلكَ وبِحُصولِ الثَّوابِ في إعطاءِ الغَنِيِّ.
ولَك أن تقولَ: كَيفَ تتَحَقَّقُ المُنافاةُ بَينَهُما مَعَ إمكانِ اجتماعِ الأمرَینِ؛
أعني: حملَها إلى مَكانِ المُهداةِ له على سبيلِ التَّعظيمِ له والإكرامِ، وكَونُ الإعطاءِ
بقَصدِ التَّقَرُّبِ إلى الله تعالى لاستِمالَتِهِ ذلكَ المُعطَى، بَل هَذا (٣٩/٤م) أبلُغُ في
التَّقَرُّبِ إلى الله تعالى، وهو تهيئَةُ العَطِيَّةِ للفَقيرِ وإراحَتُه مِن التَّعَبِ والحَملِ، وأبعَدُ
عن كَسرِ نفسِه بِمَجيئه إلى بابِ المُتَصَدِّقِ فِيَتَهَنّا ويَنحَفِظُ عليه صَوتُهُ، وقَد يُقالُ:
هُما أمرانِ مُتَنافيانٍ، فإنَّه إذا كانَ القَصدُ التَّقَرُّبَ إلى الله تعالى فلا نظَرَ إلى
خُصوصِيَّةِ شخصٍ بعَينِه حتى يُعَّمَ ويُكَرَّمَ، بَل القَصدُ إرفاقُ المُتَصَدَّقِ عليه كائنًا
مَن كانَ، وفي تعظيمِ المُهدَى له ما يُنافي قصدَ التَّقَرُّبِ بإعطائه وهو النَّظَرُ إلى
خُصوصِيَّتِه، فلا يجتَمِعُ قصدُ التَّقَرُّبِ مَعَ النَّظَرِ إلى شخصٍ بخُصوصِهِ(٢)، فإن
اجْتَمَعا كانَ مِن بابِ التَّشريكِ في العِبادَةِ، ويَبقَى النَّظَرُ والحُكمُ للدّاعيةِ القَوِيَّةِ
التي هي بحَيثُ لو فُقِدَت لم توجَّد تِلكَ العَطِيَّةُ.
فإن قُلتَ: ففي الحَديثِ: ((كُلُّ مَعروفٍ صَدَقَةٌ)). رواه الطبرانيُّ(٣) في
(مُعْجَمِه)) مِن حديثٍ بلالٍ، وهَذا يقتَضي صِدقَ اسمِ الصدقةِ على مُطلَقِ العَطِيَّةِ.
قُلتُ: لم يُرِد بالصدقةِ هُنا مَدلولَها الأصلِيَّ الذي هو الإعطاءُ بقَصدِ التَّقَرُّبِ
إلى الله تعالى، وإنَّما استَعمَلَ الصدقةَ في مُطلَقِ العَطِيَّةِ على سبيلِ المَجازِ،
واللهُ أعلمُ.
(١) المجموع شرح المهذب (٣٧٠/١٥).
(٢) فى الأصل: ((بخصوصيته)).
(٣) الطبراني (٣٦٦/١)، رقم (١١٢٦).

٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الثامِنَةُ: فيه حُجَّةٌ لما يقولُه الفقهاءُ مِن أصحابِنا وغَيرِهم: أنَّ العِبرَةَ في
العَطاءِ بنِيَّةِ الدّافِعِ، فمَن عليه دَينانِ بأحَدِهما رهنٌ فدَفَعَ ما يُؤَدِّي أَحَدَهُما، وقال:
أَرَدت الدَّفعَ عن الدَّينِ الذي به الرَّهنُ لينفَكَّ، وقال الآخِذُ: إنَّما أخَذته عن الذي
لا رهنَ به، فالقَولُ قولُ الدّافِع. وكذا لو قال: أَرَدت الدَّفعَ عن دَينِك عليَّ،
وقال الآخِذُ: إنَّما أخَذته تبَرُّعًا، ووجه الدَّليلِ: أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ سألَ
سلمانَ عن نِيَّتِه فيما أحضَرَه، ورَتَّبَ الحُكمَ على ذلكَ مِن غَيرِ نظَرٍ للآَخِذِ، وهو
استدلالٌ واضِحٌ(١).
التاسِعَةُ: فيه أنَّه لا يُشتَرَطُ في كلٍّ مِن الهَدِيَّةِ والصدقةِ الإيجابُ
والقَبولُ باللفظِ، بَل يكفي القَبضُ وتُملَكُ به؛ فإنَّ سلمانَ رَُّهَ اقتَصَرَ على مُجَرَّدٍ
وضعِه، والنبيُّ بَّهِ إِنَّما سألَه ليتَمَّيَّزَ له الهَدِيَّةُ المُباحَةُ عن الصدقةِ المُحَرَّمَةِ علیه،
ولَم يوجَد مِن النبيِّ وََّ لفظٌ في قبولِ الهَدِيَّةِ، وهَذا هو الصَّحيحُ الذي عليه قرارُ
مَذْهَبِ الشافعيِّ، وقَطَعَ به غَيرُ واحِدٍ مِن الشافعيَّةِ، واحتَجّوا بهَذا الحَديثِ وغَيرِهِ
مِن الأحاديثِ التي فيها حملُ الهَدايا إلى رسولِ اللهِ وَسَلَ فِيَقبَلُها ولا لفظَ هُناكَ،
قالوا: وعَلى هَذا(٢) جرَى النّاسُ في الأعصارِ؛ ولِذلكَ كانوا يبعَثونَ بها على
أيدي الصِّبيانِ الذينَ لا عِبارَةَ (٤٠/٤م) لهُم. وفي المَسألَةِ وجهٌ لَبَعضٍ أصحابِنا:
أنَّه يُشتَرَطُ فيها (٣) الإيجابُ والقَبولُ كالبَيعِ والهبَةِ والوصِيَّةِ، وهو ظاهرُ كَلامِ
الشيخ أبي حامِدٍ والمُتَلَقِّينَ عنهُ(٤).
العاشِرَةُ: فيه أنَّه لا يُشترَط(٥) في صِدقِ اسمِ الهَدِيَّةِ أن يكونَ بَينَ
المُهدي والمُهدَى إلَيه رسولٌ ومُتَوسٌِّ، وهو الأصَحُّ عِندَ أصحابِنا، وحَكَى
أبو عبدِ (٦) الله الزُّبَيرِيُّ مِن أصحابِنا فيما إذا حلَفَ لا يُهدي إلَيه فوهَبَ له خاتَمًا
(١) ينظر: روضة الطالبين (١٢٣/٤).
(٢) في (ك): ((ذلك)).
(٣) في (ك): ((فيهما)) .
(٤) الوجيز (٤٢٩/١)، ط. دار الأرقم، وينظر: روضة الطالبين (٤٢٨/٤)، ط. دار الكتب
العلمية .
(٥) في (م): ((بشرط)).
(٦) في الأصل: ((عبيد)).

5
٥٧
بابٌ لا تحِلُّ الصدقةُ النَّبِي ◌ِّ
=
أو نحوه يدًا بيدٍ هَل يحنَثُ؟ وجهَينٍ، والمَشهورُ ما تقَدَّمَ(١).
الحاديةَ عشرَ: فيه قبولُ الهَدِيَّةِ مِمَّن يدَّعي أنَّها مِلكُه؛ اعتِمادًا على
مُجَرَّدِ يدِهِ مِن غَيرِ تنقيبٍ [٢٧٤/١ظ] على باطِنِ الأمرِ في ذلكَ ولا تحَقُّقِ مِلكِه
لها .
الثانيةَ عشرَ: قولُه: ((فَوضَعَه بَينَ يدَيه))، يحمِلُه مُشكِلُ الظَّاهرِ؛ لأنَّ
الحَمَلَ غَيرُ الوضعِ، فكَيفَ يكونُ الحَملُ حالًا مِن الوضع؟ فَيَحتَمِلُ أن يُقال: إنَّ
في الكَلام تقديمًا وتأخيرًا، وأصلُه فجاءَ مِن الغَدِ بمِثْلِهِ يَحمِلُه فوضَعَه بَيْنَ يدَيه،
ويَحتَمِلُ أَنَّه لمّا وضَعَه بَيْنَ يدَيه لم يجعَل استِقرارَه على الأرضِ، بَل صارَ مَعَ
ذلكَ حامِلًا له مُستَوفِزًا به؛ فإنَّه مُتَوقَّعٌ ردُّه كَما فَعَلَ في المَرَّتَينِ الأولَيَينِ، ويَحْتَمِلُ
أن يكونَ هَذا زيادَةٌ في تأكيدِ كَونِه هَدِيَّةً لحُصولِ المُبالَغَةِ في الإكرامِ باستِمرارٍ
صورَةِ الحَملِ له مَعَ وضعِه على الأرضِ، واللهُ أعلمُ.
الثالِثَةَ عشرَ: قولُه: ((انشَطوا)) بإسكانِ النّونِ وفَتحِ الشِّينِ المُعجَمَةِ،
فعلُ أمرٍ مِن النَّشاطِ، والمُرادُ الأمرُ بالنَّشاطِ للأكلِ مَعَه، وكُلُّ ما خفَّ المَرءُ
لِفِعِلِه ومالَ إلَيه وآَثَرَه فَقَد نشِطَ له، وكانَت هَذِهِ الهَدِيَّةُ خاصَّةً بالنبيِّ وَ لّ فإنَّه خصَّه
بها وقال: ((هَدِيَّةٌ لك))، بخِلافِ الصدقةِ التي أحضَرَها في اليَومَينِ الأولَينِ(٢)،
فإِنَّه قال فيها: ((صَدَقَةٌ عليك وعَلى أصحابِك))، ففيه أنَّه يُستَحَبُّ للمُهدَى له أن
يُطعِمَ الحاضِرِينَ مِمّا أهدِيَ له وذلكَ حسَنٌ مَعدودٌ مِن مَكارِمِ الأخلاقِ.
الرّابِعَةَ عشرَ: وفيه قبولُ هَدِيَّةِ الكافِرِ؛ فإنَّ سلمانَ رَؤُّه لم يكُن أسلَمَ
إذ ذاكَ، وإنَّما أسلَمَ بَعدَ استيعابِ العَلاماتِ الثَّلاثِ التي كانَ علمَها مِن علاماتِ
النُّبوةِ وهي امتناعُه مِن الصدقةِ وأكلُه للهَدِيَّةِ وخاتَمُ النُّبوةِ، وإنَّما رأى خاتَمَ النُّبوةِ
بَعدَ قبولِ هَدِيَّتِه .
الخامِسَةَ عشرَ: الخاتَمُ فيه لُغَتانِ فتحُ التّاءِ وكَسرُها، وقَد ذَكَرَ فِي هَذِه
الروايةِ أنَّه على ظَهرِ رسولِ اللهِ وَّه وَلَم يُبَيِّن مَحِلَّه مِن ظَهرِهِ وفي سائرِ الأحاديثِ
(١) ينظر: روضة الطالبين (٣٦٤/٥).
(٢) في (م): ((الأوليين)).

=
٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
أَنَّه بَينَ كَتِفَيه. وقَد اختَلَفَت الأحاديثُ في صِفَتِهِ، وقَدرِهِ ففي حديثِ السائبِ بنِ
يزيدَ: أَنَّه مِثلُ ذَرِّ الحَجَلَةِ. وهو في (٤١/٤م) (الصَّحيحَينِ))(١).
وفي حديثٍ جابِرِ بنِ سمُرَةً: كأنَّه بَيضَةُ حمام. رواه مسلمٌ، وفي رِوايَةٍ
الترمذيِّ: كأنَّه غُدَّةٌ حمراءُ مِثلُ بَيْضَةِ الحَمامَةِ(٢).
وفي حديثِ أبي زيدِ بنِ أخطَبَ، أنَّه قيلَ له: وما الخاتَمُ؟ قال: شُعَيراتٌ
مُجتَمِعاتٌ. رواه الترمذيُّ في ((الشمائلِ)) ورَواه الحاكِمُ بلَفِظِ: شَعرٌ مُجَمِعٌ. وقال
صَحِيحُ الإسنادٍ(٣).
وفي حديثِ عبدِ الله بنِ سرجِسَ: فَنَظَرت إلى خاتَمِ النُّبوةِ بَينَ كَتِفَيه عِندَ
ناغِضِ كَتِفِه اليُسرَى جُمعًا عليه خيلانٌ كأمثالِ الثآليلِ. رواه مسلمٌ وَغَيرُه(٤)،
والمُرادُ بالجُمعِ: بضَمِّ الجيمِ جُمْعُ الكَفِّ أو الأصابعِ.
وقال أبو الرَّبيعِ سُلَيمانُ بنُ سبُعِ(٥) في ((شِفاءِ الصُّدورِ)): هو شامَةٌ سوداءُ
تضرِبُ إلى الصُّفْرَةِ حولَها شعَراتٌ مُتَوالياتٌ، كأنَّها عُرفُ فَرَسٍ بِمَنكِبِه الأيمَنِ.
وفي حديثٍ أبي رِمِثَةَ: مِثلُ السِّلعَةِ (٦)، وفي رِوايَةٍ عنه: مِثْلُ التُّفَاحَةِ(٧) وفي
((الشمائلٍ)) للتّرمِذِيِّ(٨) عن أبي سعيدِ الخُدرِيِّ: بَضعَةٌ ناشِزَةٌ.
وروي عن ابنِ عمرَ ﴿ّ: مِثْلُ البُندُقَةِ مِن لحم، عليه مَكتوبٌ محمدٌ
(١) البخاري (١٩٠)، ومسلم (١١١/٢٣٤٥).
مسلم (١١٠/٢٣٤٤)، والترمذي (٣٦٤٤).
(٢)
(٤) مسلم (١١٢/٢٣٤٦)، وأحمد (٨٢/٥).
(٣)
الترمذي في الشمائل (٢٠)، والحاكم (٦٠٦/٢).
(٥) هو الشيخ الخطيب أبو الربيع سليمان بن سَبْع، وقد تضم السين، السَبْتي؛ نسبة إلى ((سبتة))
مدينة بالمغرب وجزم الرشاطي إلى أن النسبة إليها ((السِبْتي)) بالكسر، وهو جدُ القاضي
عياض لأمه. وكتابه ((شفاء الصدور في إعلام نبوة الرسول وخصائصه)) في مجلدات، وفيه
مناكير كثيرة، واختصره بعض الأئمة. ينظر: الإلمام في ختم سيرة ابن هشام للسخاوي
(ص٧٩ - دار البشائر)، الرسالة المستطرفة (ص١٣٧)، وتاج العروس (١٧٨/٢١).
(٦) في (م): ((الطلعة)).
(٨) الشمائل (٢٢).
(٧) أحمد (٢٢٦/٢، ٢٢٧)، (١٦٣/٤).

=
٥٩
بابٌ لا تحِلُّ الصدقةُ للنَّبِي ◌ََّ
رسولُ الله. رواه ابنُّ عساكِرَ(١)، وعن ابنِ هشامٍ تشبيهُه بالمِحجَم (٢)، وشَبَّهَه
بَعضُهُم بِرُكَبَةِ العنزِ(٣). وقيلَ في تشبيهه غَيرُ ذلكَ.
وذَكَرَ أبو العَبّاسِ القرطبيُّ(٤) بَعضَ هَذِه الأقوالِ، وقال: وهَذِه كلُّها مُتَقارِبَةُ
المَعنَى، مُفيدَةٌ أَنَّ خاتَمَ النُّوةِ كانَ نُتوءًا قائمًا أحمرَ تحتَ كَتِفِه الأيسَرِ، قدرُه إذا قُلِّلَ
كَبَيَضَةِ الحَمامَةِ وإذا كُبِّرَ جُمْعُ الْيَدِ. ثمَّ إنَّ السُّهَيلِيَّ قال: لم ندرِ هَل خُلِقَ بالنبيِّ أَ
أم وُضِعَ فيه بَعدَ ما وُلِدَ أو حينَ نُبِّئَ؟ فَبَّنَ لنا ما رواه ابنُ أبي [٢٧٥/١ و] الدُّنيا بِسَنَدِهِ
إلى أبي ذَرِّ في حديثِ المَلَكَينِ: ((قال أحَدُهُما لصاحِبِه: اغسِل بَطنَه غَسلَ الإناءِ،
واغسِل قلبَه غَسلَ المُلاءِ، ثمَّ قال أحَدُهُما لصاحِبِه: خِط بَطنَه، فخاطَ بَطني وجَعَلَ
الخاتَمَ بَينَ كَتِفَي کَما هو الآنَ». فَبَّنَ في هذا الحَديثِ مَتَی وُضِعَ وکَیفَ وُضِعَ ومَن
وضَعَهُ(٥)، وذَكَرَ عبدُ الكَريمِ الحَلَبي في ((شرحِ السِّيرَةِ)) (٦) رِوايَةً فيها: ((وأقبَلَ الثالِثُ
وفي يدِه خاتَمٌ له شُعاعٌ، فوضَعَه بَيْنَ كَتِفَيِه وثَّدَيَبِه ووجَدَ بَردَه زمانًا)).
وقال القرطبيُّ(٧) أيضًا: قال القاضي عياضٌ: الخاتَمُ هَذا شقُّ المَلَكَينِ بَينَ
كَتِفَيه. قال القرطبيُّ: وهَذِه غَفلَةٌ؛ فإنَّ الشقَّ إنَّما كانَ في الصَّدرِ، وأَثَرُه إنَّما كانَ
خطًّا واضِحًا في صَدرِه إلى مَراقٌّ بَطنِهِ، كَما هو مَنصوصٌ عليه في كِتابَي البخاريِّ
ومسلم، ولَم يثبُت قظُ (٨) في رِوايَةٍ (٩) صَحيحَةٍ ولا حسَنَةٍ ولا غَرِيبَةٍ: أَنَّه بَلَغَ
بالشقِّ حتى نفَذَ إلى ظَهرِهِ. ولَو كانَ كَذلكَ (١٠) لزِمَ أن (٤٢/٤م) يكونَ مُستَطِيلًا
مِن بَينَ كَتِفَيه إلى أسفَلَ مِن ذلكَ؛ لأنَّه الذي يُحاذي الصَّدَرَ مِن مَسرُبَتِهِ (١١)
(١) أخرجه ابن حبان (٦٣٠٢)، وأورده السيوطي في الخصائص (٦٠/١)، ونسبه للحاكم في
تاريخ نيسابور وابن عساكر، وينظر: الفتح (٥٦٣/٦).
(٢) السيرة النبوية (١٨٢/١).
أخرجه الطبراني، كما في مجمع الزوائد (٤٩٩/٨) من حديث عبّاد بن عمرو، وفيه:
(٣)
((وكان الخاتم على طرف كتفه الأيسر كأنه ركبة عنز)).
(٤)
المفهم لما أشكل (١٣٦/٦).
الروض الأنف (٢٨٩/١، ٢٩٠)، والحديث عند ابن أبي الدنيا في الهواتف (٣).
(٥)
السيرة الحلبية (١٥٩/١).
(٦)
(٨) في الأصل: ((خط)).
(١٠) في الأصل: ((ذلك)).
(٧) المفهم (١٣٧/٦).
(٩) ليست في الأصل، و(ك).
(١١) في (ك): ((مسربيه)).

٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
إلى مَراقٌّ بَطِنِهِ ولَعَلَّ هَذا وقَعَ غَلَطًا مِن بَعضِ النّاسِخِينَ لكِتابِه، انتَهَى.
وعن جابرٍ: قال: أردَفَني رسولُ اللهِ وَّ﴿ خلفَه، فالتَّقَمت خاتَمَ النُّبوةِ بِفَمي
فكانَ يَنِمُ(١) [عليَّ مَسكًا](٢).
السادِسَةَ عشرَ: في هَذِه الروايةِ أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ اشتَرَى
سلمانَ رَّهِ بِكَذا وكَذا دِرِهَمًا، وعَلى أن يغرِسَ نخلاً فيَعمَلَ سلمانُ فيها. وفي
ذلكَ إشكالٌ؛ لأنَّ البائعَ لسَلمانَ يكونُ حينَئذٍ قد استَثنَى جُزءًا مِن مَنفَعَتِه وأبقاها
النَفسِه وهو غَرسُه لِتِلكَ النَّخلِ(٣) وعَمَلُه فيها. وذلكَ مَنهيٌّ عنه، والمَعروفُ في
بَقِيَّةِ الرِّواياتِ: أنَّ سلمانَ كاتَبَ مَولاه على ذَهَبٍ وعَمَلٍ في نخلٍ، ففي ((مُسنَدِ
أحمدَ» وغَيرِه (٤) عن سلمانَ أنَّه قال: قال لي رسولُ اللهِ وََّ: ((كاتِب يا سلمانُ»،
فكاتَبت صاحِبي على ثَلاثِمِائَةِ نخلَةٍ أحييها له بالفَقارِ(٥) وبِأربعينَ أوقِيَّةً، فقال
رسولُ اللهِ وَّ لأصحابه: ((أعينوا أخاكُم))، فأعانوني بالنَّخلِ الرجلُ بثَلاثينَ ودِيَّةً
والرجلُ بعِشرينَ ودِيَّةً والرجلُ بِخَمسَ عشرَةً ودِيَّةً والرجلُ بعَشرٍ يُعينُ الرجلَ بقَدرٍ
ما عِندَه، حتى إذا اجتَمَعَت لي ثَلاثُمِائَةِ ودِيَّةٍ، قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((اذهب يا
سلمانُ ففَقِّر لها، فإذا فرَغت فأتِني فأكونُ أنا أضَعُها بيدَيَّ)) قال: فَفَقَّرتُ لها،
وأعانَني أصحابي، حتى إذا فرَغت مِنها جِئته فأخبَرته فخَرَجَ رسولُ اللهِ بَّلِ مَعي
إِلَيها، فَجَعَلنا نُقَرِّبُ إلَيه الودِيَّ ويَضَعُه رسولُ اللهِ وَّرَ بِيدِهِ، فوالَّذي نفسُ سلمانَ
بيدِه ما ماتَ مِنها ودِيَّةٌ واحِدَةٌ، فأدَّيت النَّخْلَ وبَقِيَ عليَّ المالُ، فأُتِيَ رسولُ اللهِ وَل
بِمِثلٍ بَيضَةٍ دَجاجَةٍ مِن ذَهَبٍ مِن بَعضِ المَعادِنِ فقال: ((ما فعَلَ الفارِسِيُّ
المُكاتَبُ))، قال: فدُعيت لهُ، قال: ((خُذ هَذِه فأدِّ بها ما عليكَ يا سلمانُ))، قال:
(١) في (م): ((يتم))، وذكره السيوطي في مناهل الصفا (٦٧)، كما أثبتناه، وعند ابن عساكر
في التاريخ: ((ينفح)). ونَمَّ المسكُ يَنِمُّ، بالكسرِ: إذا سطعَ وظهرَ. ينظر: القاموس
المحيط (٢٥٩/٤)، وتاج العروس (٨٥/٩).
(٢) ليس بالأصل، والحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٢٣٠/١١).
(٣)
في (م): ((النخلة)).
(٤) أحمد (٤٤٣/٥)، والبزار (٤٦٢/٦) رقم (٢٥٠٠)، والطبراني (٢٢٢/٦) رقم (٦٠٦٥).
(٥) في (ك): ((بالفقير)) وكذا بالمسند.