Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
22
=
بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ والصَّلَاةِ عَلَيها
والنَّووِيِّ(١): المُرَادُ بالإسرَاعِ فَوقَ المَشيِ المُعتَادِ دُونَ الخَبَبِ. وكَذَا قال الحَنَفيةُ،
وهَذِهِ عِبَارَةُ صَاحِبٍ ((الهدَايَةِ))(٢): ويَمْشُونَ بِه مُسرِعِينَ دُونَ الخَبَبِ. وحَكَی
ابنُ قُدَامَةَ(٣) عن القَاضِي من الحَنَابِلَةِ: أنَّ المُستَحَبَّ إسرَاعٌ لَا يَخرُجُ عن المَشِىِ
المُعتَادِ، قال: وهو قَولُ الشَّافِعِيِّ.
قال: وقال أصحَابُ الرَّأىِ: يَخِبُّ ويَرمُلُ.
وقال ابنُ المُنذِرِ (٤) بَعدَ ذِكرِهِ هَذَا الحديثَ: ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ بنِ
الخَطَّابِ، وعِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، وأبي هريرةَ.
قال: وقال الشَّافِعِيُّ: يُسرَعُ بالجِنَازَةِ إسرَاعَ السَّجِيَّةِ مَشيَ (٢٩٠/٣م)
المَاشِي، وقد حَكَيتُ ذلك عنه بِمَعنَاه قَرِيبًا. قال: وقال أصحَابُ الرَّأيِ: العَجَلَةُ
أحَبُّ إلينا من الإبطَاءِ بها .
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةً(٥): الوصِيَّةَ بالإسرَاعِ به عن عُمَرَ، وعِمرَانَ بنِ حُصَينٍ،
وأبي هريرةَ، وعَلقَمَةَ، وأبي وائِلٍ، وعَلِيٍّ بنِ الحُسَينِ.
وعن أبي الصِّدِّيقِ النَّاجِي: إن كَانَ الرَّجُلُ لَيَنْقَطِعُ(٦) شِسعُه في الجِنَازَةِ، فَمَا
يُدرِكُها أو (٧)مَا يَكَادُ أن يُدرِكَها.
وعن ابنِ عُمَرَ ﴿ّ: لَتُسرِعن بها، أو لَأرجِعن.
وعن الحَسَنِ، ومُحَمَّدٍ: أنَّهمَا كَانَا يُعجِبُهمَا أن يُسرِعَ بالجِنَازَةِ. وكَانَ
الحَسَنُ إذَا رَأى منهم إبطَاءً قال: امضُوا لَا تَحْبِسُوا مَيِّتَكُم.
وعن عَبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العَاصي: أنَّ أباه أوصَاه فقال: إذَا أنتَ حَمَلتِنِي
على السَّرِيرِ، فَامشِ بي مَشيًا بين المَشْيَينِ(٨).
الشرح الكبير (١٤٣/٥)، وروضة الطالبين (٦٣٠/١).
(١)
(٢) الهداية (١/ ٩١).
(٣) المغني (٣٩٥/٣).
(٤) الأوسط (٤٠٩/٥، ٤١٢) نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٥)
المصنف (٢٨١/٣، ٢٨٢).
في (ك، م): ((ليتقطع)). والمثبت موافق لما في مصنف ابن أبي شيبة.
(٦)
(٧) في (م): ((و)).
في (م): ((المشيتين)).
(٨)

٤٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وحَكَى الطَّحَاوِيُّ(١) في المسألةِ خِلَافًا: فَحَكَى عن قَومِ: أنَّ السُّرعَةَ
بالجِنَازَةِ أفضَلُ. قال: وهو قَولُ أبي حَنِيفَةَ، وصَاحِبَيه، وجُمهورِ العُلَمَاءِ. قال:
وخَالفَهم آخَرُونَ، وقَالُوا: المَشْيُ بها مَشيًا لَيِّنَا أفضَلُ.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): مَعنَى هَذَا الإسرَاعِ عِندَ بَعضِهم: تَركُ التَّرَاخِي في
المَشي بها، والتَّباطُؤِ والزَّهوِ في المَشي، ويُكرَه الإسرَاعُ الذِي يَشُقُّ على مَن
تَبِعَها،َ ويُحَرِّكُ(٣) المَيِّتَ، ورُبَّمَا كَانَ سَبَبَ خُرُوجِ شَيءٍ منه، وعلى هَذَا حَمَلُوا
نَهِيَ مَن نَهَى عن الدَّبيبِ بها دَبيبَ اليَهودِ من السَّلَفِ وأمَرَ بالإسرَاعِ، وجَمَعُوا بينه
وبين مَن رُوِيَ عنه الثَّهيُّ عن الإسرَاعِ، واستَدَلَّوا بِمَا جَاءَ في الحديثِ مُفَسَّرًا عنه
عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [٢٥٨/١ و] هو مَا دُونَ الخَبَبِ. وفي حديثٍ آخَرَ: ((عَلَيْكُم
بالقَصدِ في جَنَائِزِكُم)» (٤)، وهذا(٥) قَولُ جُمهورِ العُلَمَاءِ، وأبي حَنِيفَةَ، وأصحابه،
والشَّافِعِيِّ، وابنِ حَبيبٍ من أصحَابِنَا. وحَمَلَ بَعضُهم مَا جَاءَ في ذلك من الآثَارِ
عن السَّلَفِ على الخِلَافِ في المسألةِ والجَمعِ بينهما على مَا تَقْدمَ (٦). انتَهَى.
فَرَجَّحَ القَاضِي عِيَاضٌ نَفيَ الخِلَافِ في المسألةِ، وأنَّ مَن أمَرَ بالإسرَاعِ أَرَادَ
به المُتَوسِّطَ، ومَن نَهَى عنه أرَادَ المُفرِطَ. ويُوافِقُ هَذَا كَلَامَ النَّوِيِّ(٧)، فَإِنَّهِ بَعدَ
أن نَقَلَ عن أصحَابِنَا وغَيرِهم استِحبابَ الإسرَاعِ قال: وجَاءَ عن بَعضِ السَّلَفِ
كَرَاهَةُ الإسرَاعِ. وهو مَحمُولٌ على الإسرَاعِ المُفرِطِ الذِي يُخَافُ مَعَه انفِجَارُها،
أو خُرُوجُ شَيءٍ منها. انتَهَى.
(١) شرح معاني الآثار (٤٧٨/١، ٤٧٩). (٢) إكمال المعلم (٤٠١/٣).
(٣)
في (ك): ((وتحرك)).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨١/٣)، والبزار (٣١٤٧)، والروياني (٤٩١) من طريق ليث،
عن أبي بردة، عن أبي موسى، وهو عند ابن ماجه (١٤٧٩) من هذا الوجه بمعناه.
قال البزار: وهذا الحديث قد رواه جماعة عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى. ولا
نعلم له إلا هذا الطريق.
وقال ابن المنذر في الأوسط (٤١٢/٥): لا يثبت؛ لأن الذي رواه ليث بن أبي سليم،
وليث ليس ممن تقوم الحجه بحديثه. انتهى. وينظر: التلخيص الحبير (١٢٠/٢).
(٦) كتب في حاشية: (ك، م): (لعله أولى)).
(٥) في (م): ((وهو)).
شرح مسلم (١٣/٧).
(٧)

=
٤٢٣
بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها
ولنَذكُر الأحَادِيثَ في ذلك: فَنَقُولُ: رَوى أبو دَاوُدُ(١) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ من
رِوايَةٍ عُيَينَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه: أنَّه كَانَ في (٢٩١/٣م) جِنَازَةٍ
عُثْمَانَ بنِ أبي العَاصِي، وكُنَّا نَمِشِي مَشيًا خَفيفًا، فَلَحِقَنَا أبو بَكرَةَ فَرَفَعَ سَوطَه،
وقال: لَقد رَأيتنَا ونَحنُ مَعَ رسولِ اللهِ وَّ نَرمُلُ رَمَلًا. وفي رِوايَةٍ لَه(٢): في
جِنَازَةِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ بَدَلَ عُثمَانَ بنِ أبي العَاصِي.
ورَواه النسائيّ(٣) وقال في رِوايَتِهِ: عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ سَمُرَةَ، وقال: وإِنَّا لَنَكَادُ
نَرمُلُ بها رَملًا.
ورَواه الحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه)) (٤) مُختَصَرًا بِدُونِ القِصَّةِ التي في أولِه، بلفظ:
((وإِنَّا لَنَكَادُ نرمل))(٥). وصَحَّحَ إِسنَادَه.
ورَوى أبو دَاوُد، والترمذيُّ، وابنُ مَاجَه(٦)، من رِوايَةٍ أبي مَاجِدَةً، عن
ابنِ مَسعُودٍ قال: سَألْنَا رسولَ اللهِ وَّ﴿ عن المَشِي مَعَ الجِنَازَةِ؟ فقال: ((مَا دُونَ
الخَبَبِ)). الحديثَ. قال الترمذيُّ: حديثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعرِفُه من حديثِ ابنِ مَسعُودٍ
إلَّا من هَذَا الوجه، وسَمِعت مُحَمَّدَ بنَ إِسمَاعِيلَ يُضَعِّفُه، وقال: قال الحُمَيدِيُّ:
قال ابنُ عُيَيْنَةَ: قِيلَ لِيَحَيَّى مَن أبو مَاجِدٍ هَذَا؟ قال: طَائِرٌ طَارَ فَحَدَّثَنَا.
وقال النَّووِيُّ: اتَّفَقُوا على ضَعِفِه، وأنَّ أبا مَاجِدَةَ مَجهولٌ مُنكَرُ الحديثِ(٧)
وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٨) عن عَطَاءٍ قال: حَضَرنَا مَعَ ابنِ عَباسٍ جِنَازَةَ مَيمُونَةً مَّا
بِسَرِفٍ، فقال ابنُ عَباسٍ: هَذِهِ مَيمُونَةُ، إذَا رَفَعتُمْ نَعشَها فَلَا تُزَعزِ عُوه، ولا تُزَلِزِلُوه
وارفُقُوا. وفي (مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ))(٩) عن أبي مُوسَى قال: مُرَّ على النبيِّ وَلـ
بِجِنَازَةٍ، وهيَ تُمخَضُ كَمَا يُمْخَضُ الزِّقُّ، فقال: ((عَلَيكُم بالقَصدِ فِي جَنَائِزِكُمْ))
(١) أبو داود (٣١٨٢).
(٢) أبو داود (٣١٨٣).
(٣)
النسائي (١٩١١).
(٤) المستدرك (١٣١١).
(٥)
ليس في: (ك، م).
(٦)
أبو داود (٣١٨٤)، والترمذي (١٠١١)، وابن ماجه (١٤٨٤).
(٧)
المجموع شرح المهذب (٢٣٥/٥).
(٨) البخاري (٥٠٦٧)، ومسلم (١٤٦٥).
(٩) المصنف (٢٨١/٣).

=
٤٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ورَواه البَيَهَقِيُّ في ((سُنَِّهِ))(١)، بلفظِ: ((عَلَيكُم بالقَصدِ في المَشي بِجَنَائِزِكُمْ)).
واستَدَلَّ والدي تَخْتُهُ في ((شَرح الترمذيِّ)) على أنَّ المُرَادَ التَّوسُّطُ بين شِدَّةٍ
السَّعىٍ، وبين المَشىِ المُعتَادِ، بِقَولِهِ(٢) في حديثِ أبي بَكرَة: ((وإِنَّا لَنَكَادُ أن نَرمُلَ))(٣).
قال: ومُقَارَبَةُ الرَّمَلِ ليس بالسَّعيِ الشَّدِيدِ، وقد عَرَفت أنَّ لَفظَ أبي دَاوُد:
((يَرمُلُ)).
وأجَابَ [والدي تَّتُ](٤) عن قَولِ ابنِ عَباسٍ: بأنَّه(٥)، واللهُ أعلمُ، أَرَادَ
الرِّفقَ في كَيفيةِ الحَملِ، لَا في كيفيةِ المَشي بها، فَإِنَّه خَشِيَ أن تَسقُطَ (٦)، أو
تنكَشِفَ، أو نَحو ذلك. قال: وإن أرَادَ الرِّفقَ في السَّيرِ، فَيَحتَمِلُ أنَّه كَانَ حَصَلَ
لها مَا يَخْشَى مَعَه انفِجَارَها إن أزعَجُوها في السَّيرِ، أو أنَّ هَذَا رَأيٌ لِابنِ عَباسٍ.
والحديثُ المَرفُوعُ أولى بالاتباعِ. انتهى.
وجَزَمَ النَّووِيُّ في ((الخُلَاصَةِ)) بِذلك الإِحْتِمَالِ، فَبَوّبَ على هَذِهِ القَضِيَّةِ:
(كَرَاهَةَ شِدَّةِ الإِسرَاعِ مَخَافَةَ انِفِجَارِها))، وكَذَا بَوّبَ عَلَيه قَبَلَه الْبَيْهَقِيُّ(٧) .
■ الخَامِسَةُ: ذَكَرَ أصحَابُنَا (٨): أنَّ مَحَلَّ الإسرَاعِ المُتَوسِّطِ إذَا لَم يُخشَ
على المَيِّتِ من التَّخِيرِ تَغَيُُّ (٩) أو انفِجَارٌ أو انتِفَاخٌ، فَإن خُشِيَ شَيءٌ من ذلك زِيدَ
(٢٩٢/٣م) في الإسرَاعِ.
السَّادِسَةُ: يُستَثنَى من الإسرَاعِ بالجِنَازَةِ: مَا إذَا خِيفَ أن يَحدُثَ من
الإسرَاع لَه تَغَيُّرٌ أو انفِجَارٌ، فَلَا يُسرَعُ به، صَرَّحَ به أصحَابُنَا وغَيرُهم. قال
الشَّافِعِيُّ(١٠) تَخْتُ: فَإِن كَانَ بالميِّتِ عِلَّةٌ يُخَافُ أن يَتَنَجَّسَ منه شَيءٌ أحبَبت أن
يُرِفَقَ بالمشئٍ. انتَهَى.
(١) البيهقي (٢٢/٤).
(٢) في (م): ((لقوله)).
أبو داود (٣١٨٢)، والنسائي (١٩١١). (٤) ليس في: (ك).
(٣)
(٥)
في (م): ((أنه)).
السنن الكبرى (٢٢/٤)، والخلاصة (٩٩٨/٢).
(٧)
(٦) في (ك): ((نسقط)).
(٨) ينظر: روضة الطالبين (٦٣٠/١).
(١٠) ينظر: معرفة السنن (١٥٠/٣).
(٩) في الأصل: ((تغييرًا)).

كم
٤٢٥
بابُّ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها
=
وعلى هَذَا(١) حَملُ مَا يُخَالِفُ ظَاهرُهُ الإسرَاعَ كَمَا تَقدمَ، واللهُ أعلمُ.
السَّابِعَةُ: فيه تَعلِيلُ الأمرِ بالإسرَاعِ بِتَقدِيم [٢٥٨/١ظ] الصَّالِحَةِ إلى
الخَيرِ، والتَّعجِيلِ بِوضعٍ غَيرِ الصَّالِحَةِ عن الرِّقَابِ، وقد أشِيرَ في حديثٍ آخَرَ إلى
تَعلِيلِه بِعِلَّةٍ أخرَى، وهيَ مُخَالفَةُ أهلِ الكِتَابِ أو اليهودِ خَاصَّةً، فَفي ((مُسنَدٍ
أحمَدَ))(٢) عن أبي هريرةَ قال: كَانَ رسولُ اللهِ وَّهِ إِذَا تَبِعَ(٣) جِنَازَةً قال: ((انبَسِطُوا
بها، ولَا تَدِبوا دَبيبَ اليَهودِ بِجَنَائِزِها»، كَذَا حَكَاه عن ((المُسنَدِ)) ابنُ قُدَامَةَ في
((المُغنِي))(٤)، وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيبَةَ))(٥) عن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ أنَّه أوصَى:
إِذَا أَنَا مِتُّ فَأسرِعُوا، ولَا تُهَوِّدُوا كَمَا تُهَوِّدُ اليَهودُ والنَّصَارَى.
وعن ابنِ عُمَرَ: أنَّه سَمِعَ رَجُلًا يَقُولَ: ارفُقُوا بها رَحِمَكُم الله، فقال:
هَوَّدُوا! لَتُسرِعُنَّ (٦) بها أو لَأَرجِعن.
وعن إبراهيمَ النَّخَعِيّ كَانَ يُقَالُ: انْبَسَطُوا بِجَنَائِكُم، ولَا تَدِبوا بها دَبَّ الْيَهودِ.
وعن عَلقَمَةَ: لَا تَدِبوا بالجِنَازَةِ دَبيبَ النَّصَارَى.
■ الثَّامنةُ: قَولُه: ((فَإِن كَانَ صَالِحًا))، يَحتَمِلُ أن(٧) اسمَ (كَانَ)) ضَمِيرٌ(٨)
يَعُودُ على المَيِّتِ.
ويَدُلُّ لَه قَولُه في رِوايَةِ أصحَابِ الكُتُبِ: ((فَإِن تَكُ صَالِحَةً))، ويَبقَى الضَّمِيرُ
في قَولِه: ((إليه)) عَائِدًا على مَا لَم يَتَقدم ذِكرُهُ صَرِيحًا لَكِنَّه مَعلُومٌ، والمَعنَى:
قدمتُمُوه إلى جَزَاءِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ.
ويُحْتَمَلُ أنَّ اسمَ كَانَ ضَمِيرٌ [على العَمَلِ؛ أي: فَإِن كَانَ عَمَلُهُ صَالِحًا. وإن
لَم يَتَقدم لِلعَمَلِ ذِكرٌ لَكِن المَعنَى يَدُلُّ عَلَيه، ويَبقَى الضَّمِيرُ في](٩)، قَولِه: ((إليه))
(١) ليس في: الأصل.
(٣)
في (م): ((اتبع).
المصنف (٢٨٢/٣).
(٥)
(٧)
في (م): ((یکون)).
(٨)
في (م): ((ضميرًا)).
(٩) في الأصل: (يعود على)).
(٢) مسند أحمد (٣٦٣/٢).
(٤) المغني (٣٩٥/٣).
(٦) في (ك): (ليسرعن)).

=
٤٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عَائِدًا على مَذكُورٍ، وهو العَمَلُ. وقَولُه: ((وإن كَانَ سِوى ذلك))، يَحتَمِلُ تَمَامَ
(كَانَ)) ونُقْصَانَها، وبِتَقدِيرِ نُقْصَانِها، فَيَجِيءُ في اسمِها الاحتِمَالانِ المُتَقْدمَانِ.
وقَولُه: ((فَشَرِّ) خَبَرُ مُبتَدَأٍ مَحذُوفٍ؛ أي: فَهو شَرٌّ. ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ مُبْتَدَأَ
صَحَّ الِاِبْتِدَاءُ به، مَعَ كَونِهِ نَكِرَةً، لِاعتِمَادِه على صِفَةٍ مُقَدَرَةٍ؛ أي: شَرٌّ عَظِيمٌ.
وقَولُه: (تَضَعُونَه)) على هَذَا خَبَرٌ، وعلى الأولِ هَو صِفَةٌ.
وقَولُه في الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((فَإِن يَكُ صَالِحًا)) يَتَرَجَّحُ فيه عَودُ الضَّمِيرِ على
العَمَلِ؛ لِأنَّ المُتَقدمَ قَبلَه الجِنَازَةُ، وهيَ مُؤَنَّئَةٌ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في قَولِه:
(تُقدّمُونَها إليه)) عَائِدًا على مَا تَقْدمَ وهو العَمَلُ(١) أو جَزَاؤُه.
ويَجُوزُ في قَولِه: ((خَيرٌ تُقدمُونَها إليه)) مَا جَوّزنَاه في قَولِه: ((فَشَرٌّ تَضَعُونَه
عن رِقَابِكُم))، وحَذفُ الفَاءِ من قَولِه (٢٩٣/٣م): ((خَيرٌ)) نَادِرٌ؛ لِأَنَّ جَوابَ الشَّرطِ
إذَا كَانَ جُمْلَةً اسمِيَّةً يَجِبُ(٢) اقتِرَانُه بالفَاءِ، ونَظِيرُهُ مَا في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٣)
مِن قَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لِأُبَي (٤) بنِ كَعبٍ في اللُّقَطَّةِ: ((فَإِن جَاءَ صَاحِبُها وإلا
استَمتِع)). والأكثرُونَ على أنَّه لا يَجُوزُ حَذفُ هَذِهِ الفَاءِ إلَّا فِي ضَّرُورَةٍ، ومنه قَولُ
الشَّاعِرِ(٥):
مَن يَفعَلِ الحَسَنَاتِ اللهِ يَشكُرها
وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى جَوازٍ حَذِفِها في الاختيارِ. وقال بَدرُ الدِّينِ بنُ مَالِكٍ: لَا
يَجُوزُ إلَّا في ضَرُورَةٍ أو نُدُورٍ (٦)، ومَثَلَ النُّدُورِ (٧) بالحديثِ المُتَقدمِ، واللهُ
و (٨)
أعلمُ(٨).
(١) في (م): ((العقل)).
(٣)
البخاري (٢٤٣٧).
(٢) في (م): ((يوجب)).
(٤) في (م): (لأبي بكرٍ)).
البيت أنشده سيبويه في كتابه (٦٥/٣)، ونسبه لحسان بن ثابت.
(٥)
(٦)
في (م): ((نذور)).
(٧)
في (م): ((النذور)).
(٨) ينظر: المقتضب (٧١/٢)، والجنى الداني في حروف المعاني (ص٦٩)، وتوضيح
المقاصد والمسالك (١٢٨٣/٣).

=
٤٢٧
بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها
والجِنَازَةُ: بِكَسرِ الجِيم وفَتحِها، الكَسرُ(١) أفصَحُ. ويُقَالُ: بالفَتحِ لِلمَيِّتِ
وبالكَسرِ لِلنَّعشِ عَلَيه مَيِّتٌ، الأعلى لِلأعلى والأسفَلُ لِلأسفَلِ. ويُقَالُ عَكسُه،
والجَمِعُ جَنَائِزُ بِالفَتحِ لَا غَيرُ(٢).
■ التَّاسِعَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): قَولُه: ((فَشَرِّ تَضَعُونَه عن رِقَائِكُم))؛
يَعنِي: المَيِّتَ، قِيلَ: لِكَونِها مَلعُونَةً مَلِعُونَا مَن شَهدَها كَمَا جَاءَ في الحديثِ.
وقِيلَ: لِلتَّعَبِ بها، ومُؤنَّةِ حَملِها. انتَهَى.
وقال النَّووِيُّ(٤): مَعنَاه أنَّها بَعِيدَةٌ من الرَّحمَةِ، فَلَا مَصلَحَةَ لَكُم في
مُصَاحَبَتِها. ويُؤْخَذُ منه تَركُ صُحبَةِ أهلِ البَطالَةِ وغَيرِ الصَّالِحِينَ.
العَاشِرَةُ: قد يُستَدَلُّ بِقَولِه: ((عن رِقَائِكُم))، على أنَّ حَملَ الجِنَازَةِ
يَخْتَصُّ بالرِّجَالِ، لِكَونِه أتَى فيه بِضَمِيرِ المُذَكَّرِ. وقد استَدَلَّ البخاريُّ على ذلك
بِقَولِه في حديثٍ أبي سَعِيدٍ: ((واحتَمَلَها الرِّجَالُ))، وقد يَتَوقَّفُ في الاستِدلَالِ
لِخُرُوجِ ذلك مَخرَجَ الغَالِبِ، لَكِنَّ الحُكمَ مُوافَقٌ عَلَيهِ، فَقد صَرَّحَ العُلَمَاءُ من
أصحَابِنَا وغَيرِهم: بأنَّ حَملَ الجِنَازَةِ فَرِضُ كِفَايَةٍ، وأنَّ ذلك يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ ولَو
كَانَ المَحمُولُ امرأةً؛ لِأنَّهم أقوى لِذلك والنِّسَاءُ ضَعِيفَاتٌ، ورُبَّمَا انكَشَفَ من
الحَامِلِ بَعضُ بَدَنِه(٥) .
■ الحَادِيَةَ عَشَرَ: قال ابنُ بَطالَ(٦)، في قَولِه في حديثٍ أبي هريرةَ،
وأبي سَعِيدٍ: ((إنَّ الصَّالِحَ يَقُولُ: قدمُونِي، وغَيرُهُ يَقُولُ: أينَ تَذْهَبونَ بي)): إنَّمَا
يَتَكَلَّمُ رُوحُ الجِنَازَةِ؛ [٢٥٩/١و] لِأَنَّ الجِنَازَةَ لَا تَتَكَلَّمُ بَعدَ خُرُوجِ الرُّوحِ منها، إلَّا
أن يَرُدَّه الله تعالى فيها. قال: وإنَّمَا يَسمَعُ الرُّوحُ مَن هو مِثْلُه ويُجَانِسُه، وهم
المَلَائِكَةُ والجِنُّ وقَولُه: ((يَسمَعُها كُلُّ شَيءٍ إِلَّ الإِنسَانَ))، لَفُه العُمُومِ والمُرَادُ به
في (م): ((والكسر)).
(١)
ينظر: شرح النووي على مسلم (٢١٩/٦)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص٩٤).
(٢)
(٣)
إكمال المعلم (٤٠٢/٣).
(٤) شرح مسلم (٧/ ١٣).
ينظر: شرح النووي على مسلم (١٢/٧، ١٣)، والمجموع (٢٣٤/٥).
(٥)
(٦) شرح صحيح البخاري (٢٩٧/٣).

=
٤٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الخُصُوصُ، وإِنَّمَا مَعنَاه: يَسمَعُها كُلُّ شَيءٍ مُمَيِّزٍ وهم المَلَائِكَةُ والجِنُّ، دُونَ
الحَيَوانِ الصَّامِتِ. انتهى. وفيه نَظَرٌ.
(٢٩٤/٣م) الحديثُ الخَامِسُ
وعن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ؛ أنَّ رسولَ الله ◌ِ لّهِ خَرَجَ يَومًا، فَصَلى على أهلِ
أحُدٍ كصَلَاتَه على المَيِّتِ، ثُمَّ انصَرَفَ إلى المنبَرِ، فقال: ((إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ
وأَنَا شَهيدٌ عَلَيْكُم، وإِنِّي والله لأنظُرُ إلى حَوضِي الآنَ، وإِنِّي قد أعطِيتُ
مَفَاتِحَ [خَزَائِنِ(١) الأرضِ أو مفاتيح](٢) الأرض، وإِنِّي والله مَا أَخَاف
عَلَيكُم أن تُشرِكُوا بَعدِي، وَلَكِنِّي أخَافُ عَلَيْكُم أن تَنَافَسُوا فيها)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: اتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(٣) من هَذَا الوجه من
رِوايَةِ الليثِ بنِ سَعدٍ، ورِوايَةُ أبي دَاوُد والنسائيّ(٤) مُخْتَصَرَةٌ.
وأخرَجَه البخاريُّ، وأبو دَاوُد(٥) أيضًا من رِوايَةٍ حَيوةَ بنِ شُرَيحِ، بلفظ:
صَلى رسولُ اللهِ وَّهِ على قَتلى أَحُدٍ بَعدَ ثَمَانٍ(٦) سِنِينَ، كَالمُودِّعِ لِلأحيَاءِ
والأمواتِ. الحديثَ، وفيه: (وإنَّ مَوعِدَكُم الحَوضُ))، وفي آخِرِهِ: فَكَانَت آخِرَ
نَظْرَةٍ نَظَرتها إلى رسولِ اللهِ وَّةِ، ولَفظُ أبي دَاوُد مُختَصَرٌ (٧). ورَواه مسلمٌ(٨) أيضًا
من رِوايَةٍ يَحيَى بنِ أيُّوبَ وفيه: ثُمَّ صَعِدَ المنبَرَ كَالمُودِّعِ لِلأحيَاءِ والأمواتِ،
وفيه: ((وإنَّ عَرضَه كَمَا بين أيلَةَ إلى الجُحفَةِ))، وفي آخِرِهِ: ((فَتَقْتَتِلُوا فتهلكوا كَمَا
(١)
ليس في: (م).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٣) البخاري (٤٠٨٥)، ومسلم (٢٢٩٦/ ٣٠)، وأبو داود (٣٢٢٣)، والنسائي (١٩٥٣).
(٤)
ليس في: الأصل.
(٥)
بعده في الأصل: ((والنسائي)). والمثبت الصواب.
(٦)
في (م): ((ثماني)).
مسلم (٣١/٢٢٩٦).
(٨)
(٧) البخاري (٤٠٤٢)، أبو داود (٣٢٢٤).

=
٤٢٩
بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ والصَّلَاةِ عَلَيها
هَلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم)). قال عُقْبَةُ: فَكَانَت آخِرَ مَا رَأيت رسولَ الله وَّ على
المنبَرِ، ثَلَاثَتُهم عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أبي الخَيرِ، عن عُقْبَةً.
■ الثَّانِيَةُ: فيه الصَّلَاةُ على الشُّهَدَاءِ في حَربِ الكُفَّارِ، وقد اختَلَفَ
العُلَمَاءُ في هَذِهِ المَسألةِ: فَذَهَبَ مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ،
والجُمهورُ إلى أنَّه لَا يُصَلى عَلَيهِم. وذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ إلى الصَّلَاةِ عَلَيهم كَغَيرِهم،
وبه قال المُزَنِيّ، وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ اختَارَها الخَلَّالُ، وحَكَاه ابنُ بَطالَ(١): عن
الثَّورِيِّ والأوزَاعِيِّ (٢٩٥/٣م) وعِكرِمَةِ ومَكُولٍ .
وحُجَّةُ الجُمهورِ: أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ لَم يُصَلِّ على قَتلى أحُدٍ، كَمَا
رَواه البخاريُّ في ((صَحِيحِه))(٢) عن جَابِرِ رُه.
وأمَّا هَذِهِ الصَّلَاةُ فَعنها(٣) جَوابانٍ:
أحَدُهمَا: أنَّ المُرَادَ بها الدُّعَاءُ، ولَيسَ المُرَادُ بها صَلَاةَ الجِنَازَةِ المَعهودَةِ.
قال النَّووِيُّ(٤): أي دَعَا لَهِم بِدُعَاءِ صَلَاةِ المَيِّتِ.
والثَّانِي: أنَّها مَخصُوصَةٌ بِشُهَدَاءِ أحُدٍ، فَإِنَّه لَم يُصَلِّ عَلَيهِم قَبلَ دَفيِهم كَمَا هو
المَعهودُ في صَلَاةِ الجِنَازَةِ، وإِنَّمَا صَلى عَلَيهم في القُبورِ بَعدَ ثَمَانِ(٥) سِنِينَ.
والحَنَفيةُ يَمنَعُونَ الصَّلَاةَ على القَبرِ مُطلَقًّا. والقَائِلُونَ بالصَّلَاةِ على القَبرِ يُقَيِّدُونَه بِمُدَّةٍ
مَخْصُوصَةٍ، لَعَلَّها فَائِتَةٌ هِنَا ولَو كَانَتِ الصَّلَاةُ عَلَيهِم واجِبَةً لَمَا تَرَكَها في الأولِ.
ثُمَّ إِنَّ الشَّافِعِيَّةَ اختَلَفُوا في مَعنَى قَولِهم: لَا يُصَلى على الشَّهِيدِ.
فقال أكثرُهم: مَعنَاه تَحرِيمُ الصَّلَاةِ عَلَيه وهو المصحح(٦) عِندَهم. وقال
آخَرُونَ منهم (٧): لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيهم لَكِن تَجُوزُ. وذَكَرَ ابنُ قُدَامَةَ(٨): أنَّ كَلَامَ
أحمَدَ في الرِّوايَةِ التي قال فيها: يُصَلى عَلَيهم. يُشِيرُ إلى أنَّها مُستَحَبَّةٌ غَيرُ واجِبَةٍ.
(١) شرح ابن بطال (٣٣٠/٣).
(٢) صحيح البخاري (١٣٤٣).
(٣) في (م): ((ففيها)). وأشار في الحاشية إلى أنها في نسخة: ((فعنها)).
(٤) شرح مسلم (٥٨/١٥).
(٥) في (م): ((ثماني)).
(٦) في (ك، م): ((الصحيح)).
(٨) المغني (٤٦٧/٣).
(٧) بعدها في (ك، م): ((معناه)).

=
٤٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
قال في مَوضِعٍ: إن صُلِّيَ عَلَيه فَلَا بأسَ. وقال في مَوضِع آخَرَ: يُصَلَّى عَلَيه.
وأهلُ الحِجَازِ لَا يُصَلُّونَ عَلَيهِ ومَا تَضُرُّه الصَّلَاةُ لَا بأسَ به.
وصَرَّحَ بِذلك في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ(١) فقال الصَّلَاةُ عَلَيه أجودُ وإن لَم يُصَلُّوا
عَلَيه أجزَأ. قال ابنُ قُدَامَةَ: فَكَأنَّ الرِّوايَتَينِ في استِحبابِ الصَّلَاةِ لَا فِي وُجُوبها،
إحداهما: تُستَحَبُّ. انتَهَى.
وقال ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(٢): إن صُلَِّ على الشَّهيدِ فَحَسَنٌ وإن لَم يُصَلَّ عَلَيه
فَحَسَنٌ. واستَدَلَّ بِحَديثَي جَابِرٍ وعُقبَةَ [٢٥٩/١ظ]. وقال: لَيسَ يَجُوزُ أن يَتْرُكَ أحَدٌ
الأثَرَينِ المَذكُورَينِ لِلآخَرِ، بَل كِلَاهمَا حَقٌّ مُباحٌ، ولَيسَ هَذَا مَكَانَ نَسخِ؛ لِأنَّ
استِعِمَالهمَا مَعًا مُمكِنٌ في أحوالٍ مُختَلِفَةٍ. انتَهَى.
وقال ابنُ القَاسِم صَاحِبُ مَالِكِ: إِنَّمَا لَا يُصَلى على الشَّهيدِ فيمَا إذَا كَانَ
المسلمُونَ هم الذِينَ غَزَوا الكُفَّارَ، فَإِن كَانَ الكُفَّارُ هم الذِينَ غَزَوا المسلمِينَ في
بِلَادِهِم، فَيُصَلى على مَن قُتِلَ في تِلكَ المَعرَكَةِ. ومُقْتَضَى ذلك أنَّ مَذهَبَه الصَّلَاةُ
على شُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَإِنَّ الكُفَّارَ هم الغَازُونَ لِلمسلمِينَ بِخِلَافٍ بَدٍ، والمَشهورُ
عِندَهم أنَّه لَا فَرِقَ بين الحَالتَينِ كَمَا هو مَذْهَبُ الجُمهورِ، والله تعالى أعلمُ.
قال أصحَابُنَا: والمُرَادُ بالشَّهيدِ هنَا مَن مَاتَ بِسَبَبٍ قِتَالِ الكُفَّارِ حَال قِيَامِ
القِتَالِ، سَواءٌ قَتَلَه كَافِرٌ، (٢٩٦/٣م) أو أصَابَه سِلَاحُ مسلم خَطَأَ، أو عَادَ إليه
سِلَاحُه، أو سَقَطَ عن فَرَسِه أو رَمَحَته دَابَّتُه، أو وُجِدَ قَتِيلًا عِندَ انكِشَافِ الحَربِ،
ولَم يُعلَمِ سَبَبُ مَوتِهِ سَواءٌ كَانَ عَلَيهِ أثَرُ دَم أم لَا، ولِذلك تَفَارِيعُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ
الفِقه لَا نُطَوِّلُ بها(٣).
وأمَّا تَغْسِيلُ الشَّهيدِ: فَنَفَاه الجُمهورُ ومنهم: أبو حَنِيفَةَ. وحُكِيَ عن سَعِيدِ بنِ
المُسَيِّبِ، والحَسَنِ البَصرِيِّ تَغسِيلُه. قال ابنُ بَطالٍ (٤): وهو مُخَالِفٌ لِلآثَارِ، فَلَا
وجهَ لَه.
(١) في (م): ((المروزي)).
(٣) ينظر: روضة الطالبين (٦٣٣/١).
(٢) المحلى (١١٥/٥، ١١٦).
(٤) شرح البخاري (٣٣٣/٣).

=
بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها
٤٣١
■ الثَّالِثَةُ: قال أهلُ اللُّغَةِ: الفَرَطُ بِفَتحِ الفَاءِ والرَّاءِ، والفَارِطُ هو الذِي
يَتَقدُمُ ورَّادَ(١) المَاءِ، لِيُصلِحَ لَهم الحِيَاضَ والدِّلَاءَ ونَحوها من أمُورِ الاستِسِقَاءِ(٢).
فَمَعنَى قَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ))؛ أي: سَابِقُكُم إلى
الخَوضِ كَالمُهَيِّئِ لَه، ولِهَذَا قال في رِوايَةِ للبخاريِّ(٣): ((وإنَّ مَوعِدَكُم الحَوضُ))(٤)
ولِهَذَا المَعنَى ذَكَرَه فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ فقال: ((وإِنِّي(٥) والله لَأَنظُرُ إلى حَوضِي الآنَ))،
وفي هَذَا إشَارَةٌ إلى قُربٍ وفَاتِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ وتَقدمِه (٦) أصحابه، ولِهَذَا
قال في رِوايَةِ ((الصَّحِيحَينِ)): ((كَالمُودِّعِ لِلأحيَاءِ والأمواتِ)).
وكَانَ ذلك(٧) قبيل(٨) وفَاتِه في السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشَرَ (٩)، فَإِنَّه بَعدَ ثَمَانِ(١٠)
سِنِينَ من وقعَةِ أَحُدٍ وكَانَت سَنَّةَ ثَلَاثٍ، ولِهَذَا قال عُقْبَةُ: فَكَانَت آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرتها
إلى رسولِ الله وَّل، وفي رِوايَةٍ لَه تَقِيدُ ذلك بِكَونِه على المنْبَرِ. ويُحتَمَلُ أَلَّا يَكُونَ
قَيدًا بَل حِكَايَةً لِلواقِعِ ولَعَلَّه أظهَرُ، واللهُ أعلمُ.
■ الرَّابِعَةُ: فيه إثباتُ حَوضِ النبيِّ بَِّ، وأنَّه حَوضٌ حَقِيقِيٌّ على ظَاهرِهِ،
مَخلُوقٌ مَوجُودٌ اليَومَ، وهو كَذلك عِندَ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، لَا يَتَأولُونَه ويَجعَلُونَ
الإِيمَانَ به فَرِضًا، وأحَادِيثُه قد بَلَغَت الثَّواتُرَ.
قال القَاضِي عِيَاضٌ، بَعدَ الإشَارَةِ إلى كَثِيرٍ منها: وفي بَعضِ هَذَا مَا يَقْتَضِي
كَونَ الحديثِ مُتَواتِرًا، وقد عَرَفت أنَّ في رِوايَةٍ مسلم: ((وأنَّ عَرضَه كَمَا بين [أيلَةَ
إلى الجُحْفَةِ)). وفي رِوايَةٍ: ((بين نَاحِيَتَيْه كَمَا بين جَرَباءَ وأذرُعَ (١١))). وفي رِوايَةٍ:
((عَرضُه مِثلُ طُوله مَا بَين] (١٢) عُمَانَ إلى المَدِينَةِ)). وفي رِوايَةٍ: ((من مَقَامِي إلى
في (م): ((رواد)).
(١)
ينظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٣).
(٢)
(٣)
في (م): ((البخاري)).
(٥)
في (م): ((إني)).
(٧) في (ك، م): ((هذا)).
(٩) في (م): ((عشرة)).
(١١) هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال.
(١٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٤) البخاري (٤٠٤٢).
(٦) في (ك، م): ((وتقدم)).
(٨) في (م): ((قبل)).
(١٠) في (م): ((ثماني)).

=
٤٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عُمَانَ))، وفي رِوايَةٍ: (قَدَرَ حَوضِي مَا بين أيلَةً وصَنعَاءِ اليَمَنِ)). وفي رِوايَةٍ: ((مَا
بين نَاحِيَتَي حَوضِي كَمَا بین صَنعَاءَ والمَدِينَةِ)). وفي رِوايَةٍ: ((حَوضِي مَسِيرَةُ شَهٍ
وَزَوايَاهِ سَواءٌ)). وكُلُّ هَذِهِ الرِّوايَاتِ في الصَّحِيحِ.
قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): وهَذَا الاختِلَافُ في قدرٍ عَرضِ الحَوضِ لَيْسَ مُوجِبًا
للاضطِرَابِ، فَإِنَّه لَم يَأتِ في حديثٍ واحِدٍ، بَل في أحَادِيثَ مُختَلِفَةِ الرّواية(٢)،
عن جَمَاعَات(٣) من الصَّحَابَةِ، سَمِعُوها في مَواطِنَ مُختَلِفَةٍ، ضَرَبَها النبيُّ وَّ فِي
كُلِّ منها (٢٩٧/٣م) مَثَلًا، لِبُعدِ أقطَارِ الحَوضِ وسَعَتِه، وقُربِ ذلك من الأفهامِ،
لِبُعدٍ مَا بين البِلَادِ المَذكُورَةِ، لَا على التَّقْدِيرِ المَوضُوعِ لِلتَّحدِيدِ، بَل لِلإعلَامِ
بِعِظَمِ بُعدِ المَسَافَةِ، فَبَهذَا تَجتَمِعُ الرِّوايَاتُ.
وقال النَّووِيُّ بَعدَ حِكَايَتِه(٤): ولَيسَ في القَلِيلِ من هَذِهِ المَسَافَاتِ (٥) مَنعُ
الكَثِيرِ، فَالكَثِيرُ ثَابِتٌ على ظَاهِرِ الحديثِ ولَا مُعَارَضَةَ، واللهُ أعلمُ.
الخَامِسَةُ: قَولُه: ((وأَنَا شَهيدٌ عَلَيْكُم)) مُوافِقٌ لِقَولِه تعالى: ﴿وَجِئْنَا
[٢٦٠/١ ] بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولِقَولِه تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ
عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقد ذُكَرَ في التَّفسِيرِ: أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ
يَشهَدُ على جَمِيعِ الأمَّةَ(٦) مَن رَآه ومَن لَم يَرَه. وقد أخبَرَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ
في هَذَا الحديثِ بأمرَينٍ: كُونُه فَرَطًا لَهم يَتَقدمُهم بِعَمَلِ مَصلَحَتِهم، وشَهيدًا
عَلَيهِم يَشْهَدُ(٧) بأعمَالِهم، فَكَأنَّه باقٍ مَعَهم لَم يَتَقدمهم، بَل يَبقَى بَعدَهم حَتَّى
يَشْهَدَ بأعمَالِ آخِرِهم، فَجَمَعَ الله تعالى لَه (٨) بين هاتَينِ الصِّفَتَيْنِ اللتَينِ تَتَنَافَيَانِ
في حَقِّ غَيرِهِ، فَهو عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَائِمٌ بأمرِهم في الدَّارَينِ في حَالتَي
حَيَاتِهِ ومَوتِه.
(١) إكمال المعلم (٢٥٨/٧، ٢٥٩)، وينظر: شرح النووي على مسلم (٥٨/١٥، ٥٩).
(٣) في (م): ((جماعة)).
(٢)
في (ك، م): ((الرواة)).
(٤)
شرح مسلم (٥٨/١٥).
(٥) في الأصل: ((المسافة)).
(٦) في الأصل: ((الأمم)). وينظر: تفسير البغوي (٢١٧/٢).
(٧)
ليس في: (ك).
(٨) بعدها في (م): ((ما)).

بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلاَةِ عَلَيها
ورَوى أبو بَكرِ البَزَّارُ في ((مُسنَدِه)) (١)، بإسنادٍ جَيِّدٍ، عن ابنِ مَسعُودٍ
Ese
قال: قال رسولُ الله وَّ: ((حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُم، تُحدِثُونَ ويُحدَثُ لَكُم، ووفَاتي خَيرٌ
لَكُم، تُعرَضُ عَلَيَّ أعمَالُكُم، فَمَا رَأيت من خَيرِ حَمِدت الله عَلَيهِ، ومَا رَأيت من شَرِّ
استغفرت الله لَكُم)).
السَّادِسَةُ: فيه الحَلِفُ من غَيرِ اسْتِحِلَافٍ، بَل لِتَفْخِيمِ الأمرِ وتَوكِيدِه.
■ السَّابِعَةُ: قَولُه: ((وإِنِّي قد أعطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأرضِ، أو مَفَاتِحَ
الأرضِ)). هَكَذَا هو في رِوايَةِ المُصَنِّفِ تَظُّهُ وغَيرِهِ من أصحَابِ الكُتُبٍ، وكَأنَّه
شَكٌّ من بَعضِ الرُّواةِ في اللفظِ المَقُولِ، وأَشَارَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِذلك إلى مَا
فَتَحَ الله(٢) على أمَّتِهِ من المُلكِ والخَزَائِنِ.
وقَولُه: ((وإِنِّي والله مَا أخَاف عَلَيكُم أن تُشرِكُوا بَعدِي))؛ أي: مَجمُوعُكُم،
وإِن كَانَ قد يَقَعُ ذلك لِبَعضِهم.
وقَولُه: ((ولَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم أن تَنَافَسُوا فيها))؛ أي: في خَزَائِنِ الأرضِ
المُتَقدمِ ذِكرُها .
ويُحْتَمَلُ أن يَعُودَ الضَّمِيرُ على الدُّنيَا، وإن لَم يَتَقدم ذِكرُها صَرِيحًا. ويَدُلُّ
لِذلك قَولُه في رِوايَةٍ لمسلم (٣): ((ولَكِنِّي أخشَى عَلَيكُم الدُّنيَا أن تَنَافَسُوا
فيها))(٤)، وفي هَذَا الحديثِ مُعجِزَاتٌ لِلنَّبِي وَلِّ، فَإِنَّ مَعنَاه الإخبارُ بأنَّ أمَّتَه
تَملِكُ خَزَائِنَ الأرضِ. وقد وقَعَ ذلك، وأنَّها لَا تَرتَدُّ جُمْلَةً، وقد عَصَمَهم الله
تعالى من ذلك، وأنَّها تَنَافَسُ في الدُّنيَا وتَقْتَتِلُ عَلَيها، وقد وقَعَ ذلك، عَصَمَنَا الله
منه، آمِينَ. (٢٩٨/٣م)
(١) مسند البزار (١٩٢٥).
(٢)
ليس في: (ك، م).
(٣)
في (م): ((مسلم) .
(٤) مسلم (٢٢٩٦/ ٣١).

٤٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابُ الدَّفنِ [في الأرضِ] (١) المُقدسَةِ
فجّ عن هَمَّام، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((جَاءَ مَلَك
المَوتِ إلى مُوسَى بِّهِ فقال لَه: أجِب رَبَّك. قال: فَلَطَّمَ مُوسَى عَينَ مَلَّكِ
المَوتِ فَفَقَأها. قال: فَرَجَعَ [مَلَكُ الموت] (٢) إلى الله رَتْ، فقال: إنَّك
أرسَلتنِي إلى عَبدٍ لَا يُرِيدُ المَوتَ، وقد(٣) فَقَأْ عَينِي. قال: فَرَدَّ الله ◌َت إليه
عَينَه، وقال: ارجع إلى عَبدِي، فَقُل: الحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِن كُنت تُرِيدُ الحَيَاةَ،
فَضَعِ يَدَك على مَتنِ ثَورٍ، فَمَا تَوارَت بيدِك من شَعرَةٍ فَإِنَّك تَعِيشُ بها سَنَّةً.
قال: ثُمَّ مَه؟ قال: تَمُوتُ. قال: فَالآنَ من قَرِيبٍ. قال: رَبِّ أدنُنِي من
الأرضِ المُقدسَةِ رَميَّةً بِحَجَرٍ)).
وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((والله لَو أَنِّي عِندَه لَأَرَيتُكُم قَبْرَه إلى
جَانب (٤) الطَّرِيقِ عِندَ الكَثِيبِ الأحمَرِ)). (٢٩٩/٣م)
فيه فوائد:
■ الأولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ(٥) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ بهذَا الإسنَادِ، واتَّفَقَ
عَلَيه الشَّيخَانِ أيضًا، والنسائيُّ(٦)، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن
ابنِ طَاؤُسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((تَحتَ الكَثِیبِ
الأحمَرِ)). وقد جَمَعَ هَؤُلَاءِ الأئِمَّةُ بين هَذَينِ الحديثَينِ في مَتنٍ واحِدٍ، وهمَا في
(١) في (ك، م): ((بالأرض)).
(٣)
في (ك، م): ((فقد)).
(٢) في (ك، م): ((الملك)).
(٤) في (ك، م): ((جنب)).
البخاري عقب (٣٤٠٧)، ومسلم (١٥٨/٢٣٧٢).
(٥)
البخاري (٣٤٠٧)، ومسلم (١٥٧/٢٣٧٢)، والنسائي (٢٠٨٨).
(٦)

٤٣٥ م
بابُ الدَّفنِ في الأرضِ المُقدسَةِ
=
(مُسنَدِ أحمَدَ)) حديثَينٍ(١) كَمَا تَرَى، وقد ظَهَرَ بِذلك [٢٦٠/١ظ] أنَّ لِمَعمَرٍ فيه
إسنادین.
■ الثَّانِيَةُ: قال المَازَرِيُّ(٢): هَذَا الحديثُ مِمَّا تَطْعن به المُلحِدَةُ وتَتَلَاعَبُ
بِنَقلِةِ الآثَارِ لِسَبَبه، وتَقُولُ: كَيفَ يَجُوزُ على نَبي مِثلِ مُوسَى أن يَفقَأْ عَينَ مَلَكِ،
وكَيفَ تُفقَأْ عَيْنُ المَلَكِ؟ ولَعَلَّه لَمَّا جَاءَ عِيسَى أذهَبَ عَينَه الأخرَى فَعَمِيَ!
ولِأصحَابِنَا عن هَذَا ثَلَاثَةُ أجوِيَةٍ :
قال بَعضُهم: إنَّ المَلَكَ يَتَصَورُ في أيِّ الصُّورِ شَاءَ مِمَّا يُقدرُه الله رَ عَلَيها،
وقد قال الله سُبحَانَه وتعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾.
[مريم: ١٧]. وقِيلَ(٣): إنَّه تَمَثَّلَ لَها فِي صُورَةِ رَجُلٍ يُسَمَّى تَقِيًّا، ولِهَذَا قالت: ﴿إِنِّ
أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَفِيًّا﴾ [مريم: ١٨] وقد تَمَثَّلَ جِبرِيلُ عَلَّهُ بِصُورَةِ دِحِيَةَ(٤).
وقال أصحَابُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: إنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ قد تَكُونُ تَخَيُّلًا؛ فَيَكُونُ
مُوسَى عَلَّهُ فَقَأْ عَيْنَا مُخَيَّلَةً لَا عَيْنَا حَقِيقَةً(٥).
وهَذَا الجَوابُ عِندِي قد لَا يُقنِعُهم، ويَقُولُونَ: إنَّه عَلِمَ أنَّه مَلَكٌ وأنَّ ذلك
تَخَيُّلٌ، فَكَيفَ يَصُكُّه ويُقَابِلُه بهذِه المُقَابَلَةِ، وهَذَا لَا يَلِيقُ بالنبيِّينَ؟
وقال آخَرُونَ من أصحَابِنَا: الحديثُ فيه تَجَوُّزٌ إِذَا حُمِلَ عَلَيه اندَفَعَ طَعنُ
المُلحِدَةِ، ومَحمَلُه: أنَّ مُوسَى عَلَّهُ حَاجَّه وأوضَحَ الحُجَّةَ لَدَيه، يُقَالُ: فَقَأْ عَينَ
قُلَانٍ إِذَا غَلَبَه بالحُجَّةِ، ويُقَالُ: عَورتُ هَذَا الأمرَ: إِذَا أدخَلت نَقصًا فيه. وهَذَا قد
يُبعِدُ من ظَاهرِ اللفظِ، لِقَولِه: ((فَرَدَّ الله إليه عَينَه)). فَإن قَالُوا: فَرَدَّ الله إليه حُجَّتَه،
كَانَ ذلك بَعِيدًا عن مُقْتَضَى سِيَاقِ اللفظ(٦).
وجَوابٌ ثَالِثٌ: مَال إليه بَعضُ أَئِمَّتِنَا (٧) المُتَكَلِّمِينَ، وهو أمثَلُ(٨) مَا قَالُوه
(١) كذا بالنسخ.
(٢) ينظر: إكمال المعلم (٣٥١/٧، ٣٥٢).
(٣) نقله الطبري في تفسيره (١٦٤/١٨) عن وهب بن منبه.
(٤)
مسلم (٤٤١).
(٥) في (م): ((حقيقية)).
(٦) في (ك، م): ((الكلام)).
(٧) بعدها في (ك، م): ((من)).
(٨) في (م): ((مثل)).

=
٤٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
فيه، وهو أنَّه لَا يَبعُدُ أن يَكُونَ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ الله لَه في هَذِهِ
اللطمَةِ، مِحنَةً لِلمَلُوم، وهو سُبحَانَه يَتَعَبَّدُ خَلقَه بِمَا شَاءَ، ولَا أَحَدَ من عِبادِه
تَمنَعُهُ(١) فَضِيلَتُه من أن يَتَصَرَّفَ فيه بِمَا شَاءَ.
ويَظهَرُ لِي جَوابٌ رَابِعٌ: وهو أن يَكُونَ مُوسَى عَلَّا لَم يَعلَم أنَّه مَلَكٌ من
قِبَلِ الله ◌َ، وظَنَّ أنَّه رَجُلٌ أَاهِ يُرِيدُ نَفسَه، فَدَافَعَه عنها مُدَافَعَةً أَدَّت إلى فَقءٍ
عَيْنِهِ. وهَذَا سَائِغٌ في شَرِيعَتِنَا أن يُدَافِعَ الإنسَانُ عن نَفسِه مَن أرَادَ قَتْلَه، وإن أدَّى
إلى قَتلِ الطالَبِ (٣/ ٣٠٠م) لَه فَضلًا عن فَقءٍ عَيْنِه.
وفي ((الصَّحِيح))(٢) إباحَتُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ فَقءَ عَينٍ مَن اطَّلَعَ على قَومٍ
بِغَيْرِ إِذْنِهم.
وإِنَّمَا يَبقَى على هَذَا الجَوابِ أن يُقال: فَقد رَجَعَ إليه ثَانِيَةً، واستَسلَمَ لَه
مُوسَى، فَدَلَّ على مَعرِفَتِه به؟
قُلْنَا: قد يَكُونُ أَتَاه في الثَّانِيَةِ بِعَلَامَةٍ عَلِمَ بها أنَّه مَلَكُ المَوتِ، وأنَّه من
قِبَلِ الله، فَاستَسلَمَ لِأمرِ الله.
وأحسَنُ مَا أعتُمِدَ عَلَيه في هَذِهِ المَسألةِ: هَذَا الجَوابُ الذِي ظَهَرَ لَنَا،
والجَوابُ الثَّالِثُ الذِي ذَكَرِنَاه عن بَعضٍ أئِمَّتِنَا. وعِندِي أَنَّ جَوابَنَا أرجَحُ منه،
انتهى كَلَامُ المَازَرِيِّ.
قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): قال بَعضُ الشُّيُوخِ: لَيسَ في لَطمِ مُوسَى لِمَلَكِ
المَوتِ مَا يُعَّمُ ويُشَنَّعُ، ولَيسَ ذلك بأعظَمَ من أخذِهِ بِرَأْسِ أخِيه ولِحِيَتِهِ، وجَرِّه ◌ِيَّاه
وهو نَبِي مُكَرَّمٌ، كَمَا ذلك مَلَكٌ مُعَظّمٌ، والنبيُّ عِندَ المُحَقِّقِينَ أفضَلُ من المَلَكِ،
ومُوسَى فَاعِلٌ باجتِهادِه في ذَاتِ الله مَا رَآهَ من جَرِّ هَذَا إليه ودَفع ذَاكَ(٤) عنه.
(١) في (م): ((يمنعه)).
البخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨/ ٤٣).
(٢)
إكمال المعلم (٣٥٢/٧). وينظر: التوحيد لابن خزيمة (ص٥٣ - ٥٥).
(٣)
(٤) في (م): ((ذلك)).

=
٤٣٧
بابُ الدَّفنِ في الأرضِ المُقدسَةِ
وأمَّا فَقؤُه عَينَه: فَلَمْ يَتَعَمَّد ذلك، لَكِن لَمَّا لَطَمَه حَدَثَ بِقَدَرَةِ الله عِندَ ذلك
فَقَءُ عَينِهِ، فَهو الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.
قال: والوجه الذِي ذَكَرَ(١) المَازَرِيُّ أنَّه ظَهَرَ لَه وحَسَّنُه، هو حَسَنٌ. وهو
تَأْوِيلُ أبي بَكرِ ابنِ خُزَيمَةَ، وغَيرِهِ من المُتَقْدِمِينَ. انتهى.
وقال أبو العَباسِ القُرطُبي (٢): ظَهَرَ لِي وجهٌ حَسَنٌ يَحسِمُ مَادَّةَ الإشكَالِ،
وهو أنَّ مُوسَى عَلَّهُ عَرَفَ مَلَكَ المَوتِ(٣)، وأنَّ جَاءَ لِيَقبِضَ رُوحَه، لَكِنَّه جَاءَ
مَجِيءَ الحَازِمِ (٤) بأنَّه قد أمِرَ بِقَبضِ رُوحِه من غَيرِ تَخيِيرٍ، وعِندَ مُوسَى مَا قد نَصَّ
عَلَيْهِ نَبِينَا وَلِّ من: ((أنَّ الله تعالى لَا يَقْبِضُ رُوحَ نَبِي حَتَّى يُخَيِّرَه))(٥)، فَلَمَّا جَاءَه
على غَيرِ الوجه الذِي أعلِمَ به، بادَرَ بِشَهامَتِهِ وقُوةٍ نَفسِه إلى أدَبِ مَلَكِ المَوتِ،
فَلَطَمَه فَانفَقَأْت عَيْنُه امتِحَانًا لِمَلَكِ المَوتِ، إذا لَم يُصَرِّح لَه بالتَّخِيرِ .
ومِمَّا (٦) يَدُلُّ على صِحَّةٍ [١/ ٢٦١و] هَذَا: أنَّه لَمَّا رَجَعَ إليه مَلَكُ المَوتِ،
فَخَيَّرَه بين الحَيَاةِ والمَوتِ، اختَارَ المَوتَ واستَسلَمَ .
وهَذَا الوجه، إن شَاءَ الله، أصَحُّ مَا قِيلَ فيه وأسلَمُ.
وقال القُرطُبي أيضًا، في الوجه المُتَقدمِ عن ابنِ خُزَيمَةَ والمَازَرِيِّ: هو وجهٌ
حَسَنٌ، غَيرَ أنَّه اعتَرَضَ بِباقِي الحديثِ وهو: أنَّ مَلَكَ المَوتِ لَمَّا رَجَعَ إلى الله
قال: يَا رَبِّ أرسَلتنِي إلى عَبدٍ لَا يُرِيدُ المَوتَ، فَلَو لَم يَعرِفِه مُوسَى، وإِنَّمَا دَافَعَه
عن نَفْسِه، لَمَا صَدَقَ هَذَا القَولُ من مَلَكِ المَوتِ، انتهى.
فَإِن قُلتَ: إِذَا كَانَ أجَلُ مُوسَى عَلَيه الصلاة والسَّلامُ قد حَضَرَ، فَكَيفَ تَأْخَّرَ
مُدَّةَ هَذِهِ المُرَاجَعَةِ؟، وإن كَانَ لَم يَحضُر فَكَيفَ جَاءَ المَلَكُ لِقَبضِ (٧) رُوحَه قَبلَ
حُضُورِهِ، وقد قال الله تعالى: (٣٠١/٣°م) ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِّمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؟
(١) في (م): ((ذكره)).
بعدها في (م): ((فَلطمه فَانفقأت عينه امتحانًا)).
(٣)
(٤) في (م): ((الجازم)).
في الأصل: ((وهو مما)).
(٦)
(٢) المفهم (٢٢١/٦).
(٥) أخرجه أحمد (٣٧٤/٦).
(٧) في (ك، م): ((ليقبض)).

=
٤٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
قُلتُ: لَم يَكُن أجَلُ مُوسَى قد حَضَرَ، ولَم يُبعَث إليه مَلَكُ المَوتِ لِقَبِضِ (١)
رُوحَه، وإِنَّمَا بُعِثَ إليه اختبارًا وابتِلَاءً، كَمَا أمَرَ الله تعالى خَلِيلَه إِبرَاهِيمَ عَلَّا بِذَبِحِ
ابنِهِ(٢)، ولَم يُرِد وَكَ إمضَاءَ الفِعلِ، فَفَدَاه بِذِبحٍ عَظِيم. ولَو أرَادَ الله تعالى قَبِضَ
رُوحِ مُوسَى حِينَ لَظَمَ مَلَكَ المَوتِ، لَكَانَ مَا أَرَادَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا
لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ (٣)﴾ [النحل: ٤٠]، وقد أجَابَ بِمَا ذَكَرته
الإمَامُ أبو بَكرِ ابنُ خُزَيمَةَ، وهو حَسَنٌ.
■ الثَّالِثَةُ: مَتنُ الثَّورِ، بالتَّاءِ المُثَنَّةِ: ظَهرُه. وقَولُه: ((فمَا تَوارَت))؛ أي:
تغطّت.
وقَولُهُ(٣): (ثُمَّ مَه)): هيَ مَا الاستِفِهامِيَّة دَخَلَت عَلَيها هاءُ السَّكتِ لِلوقفِ
عَلَيها، وهيَ لُغَةُ العَرَبِ إِذَا وقَفُوا على أسمَاءِ الاسْتِفِهامِ، فَإِذَا وصَلُوا حَذَفُوها.
وقَولُه: ((فَالآنَ)): ظَرفُ زَمَانٍ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مَبنِيٌّ على الفَتحِ، وهو اسمٌ لِزَمَانِ
الحَالِ التي يَكُونُ المُتَكَلِّمُ عَلَيها، وهو الزَّمَانُ الفَاصِلُ بين المَاضِي والمُستَقْبَلِ.
■ الرَّابِعَةُ: في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَا يَدُلُّ على أنَّ مُوسَى عَّا لَمَّا خَيَّرَه الله بين
الحَيَاةِ والمَوتِ، اختَارَ المَوتَ طَلَبًا للقَاءِ الله تعالى، واستِعِجَالًا لِمَا لَه عِندَه من
الثَّوابِ والخَيرِ، واستِرَاحَةً من أكدَارٍ (٤) الدُّنيَا، وهَذَا كَمَا أنَّ نَبينَا عَلَيهِ الصَّلَاةُ
والسَّلامُ لَمَّا خُيِّرَ عِندَ مَوتِه قال: ((اللهمَّ الرَّفيقَ الأعلى))(٥)، وكَذلك(٦) سَائِرُ
الأنبياءِ عَلَيهم الصَّلاةُ والسَّلَامُ.
] الخَامِسَةُ: قَولُه: ((رَبِّ أدنِي من الأرضِ المُقدسَةِ رَميَّةً بِحَجَرٍ))؛ أي:
مِقْدَارَ رَميَةٍ، فَهو مَنصُوبٌ على أنَّه ظَرفُ مَكَان.
و((الأرضُ المُقدسَةُ)) هيَ بَيتُ المَقدِسِ، وقال المُهَلَّبُ: إِنَّمَا سَأل ذلك
في (م): ((ليقبض)).
(١)
(٣)
ليس في: الأصل.
(٢) في الأصل: ((ولده)).
(٤) في (ك): (دار)).
أخرجه البخاري (٤٤٦٣)، ومسلم (٢٤٤٤/ ٨٧).
(٥)
(٦) في (م): ((فكذلك)).

=
٤٣٩
بابُ الدَّفنِ في الأرضِ المُقدسَةِ
لِيَقْرَبَ عَلَيهِ المَشِيُّ إلى المَحشَرِ، وتَسقُطَ عنه المَشَقَّةُ الحَاصِلَةُ لِمَن بَعُدَ عنه.
وقال غَيرُه: إنَّمَا سَأل ذلك لِفَضلٍ مَن دُفِنَ في الأرضِ المُقدسَةِ من الأنبياءِ
والأولِيَاءِ، فَأَحَبَّ مُجَاورَتَهم في المَمَاتِ كَمَا يُستَحِبُّ مُجَاورَتُهم في الحَيَاةِ
ولِشَرَفِ البُقعَةِ وفَضلِها .
قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): وهَذَا أَظهَرُ.
قُلتُ: و(٢) خَطَرَ لِي في ذلك وجهٌ لَم أرَ مَن ذَكَرَه، وهو: أنَّ مُوسَى عَلَيه
الصلاة والسَّلامُ إِنَّمَا سَأل الإدنَاءَ من الأرضِ المُقدسَةِ، مُسَارَعَةً لِامتِثَالِ أمرِ الله
تعالى في (٣) قِتَالِ الجَبارِينَ الذِينَ كَانُوا بِبَيْتِ المَقدِسِ، فَأَمَرَ بَنِي إسرَائِيلَ بالدُّخُولِ
عَلَيهم، فَعَصَوا فَعُوقِبوا بالتيه أربَعِينَ سَنَّةً.
وهَذَا بِنَاءً على أنَّ مُوسَى عَلَّا مَاتَ في التيه قَبلَ فَتحِ الأرضِ المُقدسَةِ،
وكَانَ فَتحُها على يَدِ يُوشَعَ (٢٣٠٢/٣) عَ*، وهو أحَدُ القَولَينِ. والقَولُ الآخَرُ:
أَنَّه كَانَ فَتَحَها على يَدِ مُوسَى عَها. والخِلَافُ في ذلك مَعْرُوفٌ، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: حَكَى ابْنُ بَطالَ(٤) عن بَعضِهم: أنَّ مَعنَى بُعدِه منها رَميَةً
بِحَجَرٍ(٥)، لِيُعَمِّيَ قَبَرَه، لِئَّلَا يَعْبُدَه جُهالُ أهلِ مِلَّتِهِ ويَقصِدُوه(٦) بالتَّعظِيمِ؛ لِأنَّ
النبيَّ وَّهِ أخبَرَ أنَّ اليَهودَ تَفْعَلُ ذلك بِقَولِه: ((لَعن الله اليهودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائِهم
مَسَاجِدَ))، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. انتَهَى.
قُلتُ: هَذَا الكَلَامُ مُقْتَضَاه أنَّ مُوسَى عَلَّهُ سَأل الإدنَاءَ من الأرضِ المُقدسَةِ
حَتَّى يَكُونَ بينه وبينها رَميَّةٌ بِحَجَرٍ ولَا يَدخُلُها، والذي [١/ ٢٦١ظ] يَقْتَضِيه الحديثُ
أنَّه سَأل تَقرِيبَه من المَكَانِ الذِي هو فيه إلى جِهَةِ بَيتِ المَقدِسِ بِمِقْدَارٍ رَميَةَ
حَجَرٍ (٧)، ومَا نَدرِي مَا يَبقَى بَعدَ ذلك بينه وبين الأرضِ المُقدسَةِ، قد (٨) تَكُونُ
(١) إكمال المعلم (٣٥٣/٧).
(٣) في الأصل: ((من)).
(٥)
في الأصل: ((بحجر)).
(٧) في (م): ((بحجر)).
(٢) في (م): ((وقد)).
(٤) شرح صحيح البخاري (٣٢٥/٣).
(٦) في (م): ((ويقصدونه)).
(٨) في (م): ((فقد)).

=
٤٤٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المَسَافَةُ بَعِيدَةً، وقد تَكُونُ قَرِيبَةً، وإِذَا طَلَبَ التَّقرِيبَ من بَيتِ المَقدِسِ بِمِقْدَارِ رَميَّةٍ
حَجَرٍ (١)، فَتَقِرِيبُه إليها بأكثرَ من ذلك أبلَغُ في مَقصُودِهِ، بَل إيصَالُهُ(٢) إلى نَفسِ
الأرضِ المُقدسَةِ أبلَغُ وأعظَمُ.
ومَا كَانَ مُوسَى عَلَُّ في الأرضِ المُقدسَةِ، فَطَلَبَ البُعدَ منها، وإِنَّمَا كَانَ
بَعِيدًا(٣) فَطَلَبَ القُربَ منها.
وذَكَرَ ابنُ حِبانَ في ((صَحِيحِه))(٤): أنَّ قَبرَ مُوسَىلِلَّا بِمَديَنَ بين المَدِينَةِ
وبَيتِ المَقدِس.
واعتَرَضَ عَلَيه الحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ المَقدِسِيُّ، وقال: فيه نَظَرٌ. واستَدَلَّ بهذا
الحديث.
قال: ومَدَيَنُ لَيسَت قَرِيبَةً من بَيتِ المَقدِسِ ولَا من الأرضِ المُقدسَةِ، وقد
اشتُهرَ أنَّ قَبْرًا قَرِيبًا من أرِبِحَاءَ وهيَ من الأرضِ المُقدسَةِ يُزَارُ، ويُقَالُ: إنَّه قَبِرُ
مُوسَى وعِندَه كَثِيبٌ أحمَرُ وطَرِيقٌ، وقد حَدَّثَنَا عنه غَيرُ واحِدٍ مِمَّن زَارَه. انتَهَى.
السَّابِعَةُ: إنَّمَا سَأل مُوسَى عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ التَّقرِيبَ من الأرضِ
المُقدسَةِ؛ لِأَنَّه لَا يُمكِنُ نَقلُه إليها بَعدَ وفَاتِهِ، فَإِنَّ الأنبياءَ عَلَيهم الصَّلاةُ والسَّلامُ
إِنَّمَا يُدفَنُونَ في البُقعَةِ التي مَاتُوا فيها، بِخِلَافِ غَيرِهم، فَإِنَّهم يُنقَلُونَ من بُيُوتِهم
التي مَاتُوا فيها إلى مَدَافِهِم ومَقَابِرِهم، كَمَا هِيَ عَادَةُ النَّاسِ.
وإِنَّمَا يَمتَنِعُ نَقلُ المَيِّتِ من بَلدٍ إلى بَلَدٍ. واختَلَفَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ في
حُكمِه: فَنَقَلَ المَاوردِيُّ في ((الحَاوِي))(٥) عن الشَّافِعِيِّ أنَّه قال(٦): لَا أحِبُّه. وقال
أبو نَصرِ البَندَنِيجِيُّ والبَغَوِيُّ في ((التَّهذِيبِ)) يُكرَه نَقلُه. وقال القَاضِي (٣٠٣/٣م)
حُسَيْنٌ، وأبو الفَرَجِ الدَّارِمِيُّ، والمُتَولِّي في ((النَِّمَّةِ)): يَحِرُمُ نَقلُه.
(١) في (م): ((بحجر)).
(٣) بعدها في (ك، م): ((منها)).
(٥) الحاوي الكبير (٢٦/٣).
(٦) بعده في (م): ((إني)).
(٢) في (ك، م): ((اتصاله)).
(٤) صحيح ابن حبان (٥٠).