Indexed OCR Text
Pages 141-160
بَابُ الدُّعَاءِ ١٤١ = وقَد جَاءَت الأحَادِيثُ بِالأمرِ بِالدُّعَاءِ إلى الله تَعَالى في كُلِّ شَيءٍ، وإن كَانَ قَدْ رُوِيَ عن بَعضِ السَّلَفِ اسْتِحِبَابُ الدُّعَاءِ بِالجَوامِعِ، كَمَا تَقَدَّمَ في الاِسْتِعَاذَةِ من فِتْنَةِ المَحَيَا و](١) المَمَاتِ، وسُؤَالِ العَفرِ والعَافيةِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَلِكُلِّ مَقَامِ مَقَالٌ. انتهى. ■ التَّاسِعَةُ: فيه ذِكرُ العَامِّ بَعدَ الخَاصِّ؛ لِأنَّ عَذَابَ النَّارِ، وعَذَابَ القَبرِ من فِتْنَةِ المَمَاتِ، وذِكرُ الخَاصِّ بَعدَ العَامِّ؛ لِأَنَّ شَرَّ المَسِيحِ الدَّجَّالِ من فِتْنَةِ المَحيا. (١١١/٣م) ■ العَاشِرَةُ: فيه إثْبَاتُ عَذَابِ القَبرِ، وهُو مَذهَبُ أهلِ الحَقِّ، خِلَافًا لِلمُعتَزِلَةِ، وقَد اشتَهَرَت بِهِ الأحَادِيثُ، حَتَّى كَادَت أن تَبلُغَ حَدَّ التَّواتُرِ، والإيمَانُ بِه واجِبٌ. الحديثُ الثَّانِي عن جَابِرٍ: لَمَّا نَزَلَت: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال رسولُ الله ◌َيِ: ((أعُوذُ بِوجهك)). فَلَمَّا نَزَلَت: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((أعُوذُ بِوجهك)). فَلَمَّا نَزَلَت: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال: ((هَذِهِ أهونُ وأيسَرُ)). رَواهُ البُخَارِيُّ (٢). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: هَذِه القِصَّةُ مُرسَلَةٌ؛ لِأَنَّ جَابِرَ بنَ عَبدِ الله ◌َُّه، إنَّمَا صَحِبَ النبيَّ بِالمَدِينَةِ، وكَانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بِمَكَّةَ، وكَذلك [٢٠٣/١ظ] جَمِيعُ سُورَةٍ الأنعَامِ، واستَثْنَى بَعضُهُم منهَا(٣) آيَاتٍ، فَجَعَلَهَا مَدَنِيَّةً(٤)، ولَيسَتِ هَذِهِ الآيَةُ منهَا، (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٣) في (ح): ((فيها)). (٢) البخاري (٤٦٢٨). (٤) ينظر: البرهان في علوم القرآن (١٩٩/١)، الإتقان (٣٦/١). = ١٤٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَلَم يَكُن جَابِرٌ حَاضِرًا وقتَ نُزُولِهَا، حَتَّى يَسمَعَ اسْتِعَاذَةَ النبيِّ نَّهِ. ومُرسَلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عِندَ الجُمهُورِ، وهُو القَولُ الصَّحِيحُ المَشُورُ المَنصُورُ(١). ■ الثَّانِيَةُ: التَّنِيثُ في قَولِه: لَمَّا نَزَلَت. لِأَنَّ المُرَادَ الآيَةُ، ويَدُلُّ لِذلك قَولُهُ في رِوايَةِ التِّرمِذِيِّ(٢): هَذِهِ الآيَةُ. وفي رِوايَةِ البُخَارِيِّ(٣): نَزَلَ. بِتَذْكِيرِ الفِعلِ. ■ الثَّالِثَةُ: الظَّاهرُ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ كَانَ دَفعَةً واحِدَةً ، بَل جَاءَ أنَّ جَمِيعَ السُّورَةِ نَزَلَ دَفْعَةً واحِدَةً، فَبَادَرَ النبيُّ نَّهِ لِلاسْتِعَاذَةِ من العَذَابِ، من فَوقُ(٤)، قَبلَ نُزُولٍ بَقِيَّةِ الآيَةِ، وهُو قَولُهُ: ﴿أَوْ مِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. ثُمَّ بَادَرَ لِلاستِعَاذَةِ من العَذَابِ من تَحتُ، قَبلَ نُزُولٍ قَولِهِ: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا﴾. فإن قُلتَ: فَفي هَذِهِ الاِسْتِعَاذَةِ مَا يُنَافي الإنصَاتَ لِتِلَاوِ المَلَكِ؟ قُلتُ: هيَ كَلِمَةٌ خَفِيفَةٌ، لَا تُنَافي الاِستِمَاعَ والإنصَاتَ؛ عَلى أنَّهُ يُحتَمَلُ سُكُوتُ المَلَكِ عن التِّلَاوةِ بِقَدرِ هَذِه الاِسْتِعَاذَةِ، ويُحتَمَلُ (٣/ ١١٢م) نُزُولُ أجزَاءِ هَذِهِ الآيَةِ فِي دَفَعَاتٍ. وفيه بُعدٌ. الرَّابِعَةُ: فيه أنَّهُ يُستَحَبُّ لِتَالِي القُرآنِ ومُستَمِعِه إذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ أن يَستَعِيذَ منهُ، وقَد صَرَّحَ بذلك أصحَابُنَا وغَيرُهُم(٥)، وقَالُوا: لَا فَرِقَ بَيْنَ أن تَكُونَ القِرَاءَةُ في الصَّلَاةِ وخَارِجِهَا، والصَّحِيحُ عِندَ أصحَابِنَا: أنَّ المَأْمُومَ يَفعَلُ ذلك لِقِرَاءَةِ الإِمَامِ. ■ الخَامِسَةُ: فيه الاِسْتِعَاذَةُ بِوجه الله تَعَالى، وأمَّا الحديثُ الذِي جَاءَ في (٦) أنَّهُ: ((لَا يُسألُ بِوجه اللهِ إلا الجَنَّةُ))(٧). ولَعِنُهُ(٨) مَن فَعَلَ غَيرَ ذلك(٩): فَلَعَلَّهُ (١) ينظر: شرح التبصرة والتذكرة (ص٧٣). (٢) الترمذي (٣٠٦٥). (٣) البخاري (٧٣١٣). (٤) في (م): ((فوقه)). ينظر: الحاوي (١٩٩/٢)، والشرح الكبير (٣٦٠/٣). (٥) (٦) ليس في: (ح). أبو داود (١٦٧١) من حديث جابر، وفيه سليمان بن معاذ التميمي، وهو ضعيف. (٧) (٨) في (ح، م): ((ولعنة)). (٩) ينظر: مجمع الزوائد (٢٣٤/١٠). بَابُ الدُّعَاءِ ١٤٣ = فِي جَانِبٍ طَلَبٍ تَحصِيلِ الشَّيءِ، أمَّا جَانِبُ دَفعِ الشَّرِّ ورَفع الضُّرِّ، فَلَعَلَّهُ لَا بَأسَ بِالإِسْتِعَاذَةِ منهُ بِوجه اللهِ تَعَالى. وقَد تَكَرَّرَ ذلك في الأحَادِيثِ، ولَعَلَّ ذِكرَ الجَنَّةِ في ذلك الحديثِ إِنَّمَا هُو لِلَّنبيه بِهِ عَلى الأُمُورِ العِظَامِ، [ولَم يَرِدِ تَخْصِيصُهَا بذلك، وإنَّمَا أُرِيدَ النَّهيُ عن سُؤَالِ المَخلُوقِينَ بذلك، وكَذَا عن سُؤَالِ الله تَعَالى بِوجهه في الأُمُورِ الهَيِّنَةِ، أمَّا طَلَبُ الأُمُورِ العِظَام](١)، تَحصِيلًا ودَفعًا، فَلَم يَتَنَاولهُ نَهِيٌّ، واللهُ أعلمُ. السَّادِسَةُ: تَكَرُّرُ ذِكرِ وجهِ اللهِ تَعَالى في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، ولِلنَّاسِ في ذلك كَغَيرِهِ من الصِّفاتِ، مَذهَبَانِ مَشهُورَانٍ(٢): أحَدُهُمَا: إمرَارُهَا كَمَا جَاءَت من غَيرِ كَيفٍ، فَنُؤمن بِهَا، ونَكِلُ عِلمَهَا إلى عَالِمِه(٣)، مَعَ الجَزم بِأنَّ اللهَ لَيسَ كَمِثلِه شَيءٌ، وأنَّ صِفاتِه لَا تُشبِهُ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ. وثَانِيهِمَا: تَأْوِيلُهَا عَلى مَا يَلِيقُ بذاتِهِ الكَرِيمَةِ، فالمُرَادُ بِالوجه الوُجُودُ (٤). ■ السَّابِعَةُ: احتُجَّ بِاسْتِعَاذَةِ النبيِّ نَّهِ، من هَذَينِ الأمرَينِ، عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في المُؤمنينَ. وهُو مَحكِيٍّ عن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، وأبي العَالِيَةِ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، وقَتَادَةَ، وغَيرِهم. وذَهَبَ آخَرُونَ: إلى أنَّهَا في الكُفارِ، بِقَرِينَةِ الآيَاتِ التي قَبلَهَا، لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ مُتَصِلًا بِهَا: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤]. وهُو قَولُ مُحَمَّدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ(٥). وقال ابنُ عَطِيَّةَ(٦): إنَّهُ الأَظهَرُ من نَسَقِ الْآيَاتِ. (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٢) المذهب المعتمد عندنا: هو مذهب أهل السُّنّة والجماعة، وهو إثبات الوجه لله تعالى على الحقيقة، إثباتًا يليق بجلال الله تعالى، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. ينظر: التوحيد لابن خزيمة (١٠ - ١٨)، والرد على الجهمية لابن منده (٩٧ - ١٠٦)، والاعتقاد للبيهقي (٢٩، ٣٠)، والتمهيد للباقلاني (٢٩٥، ٢٩٨)، وأصول الدين للبغدادي (١٠٩، ١١٠)، ومختصر الصواعق المرسلة (١٧٤/٢ - ١٨٨). (٣) في (م): ((عالمها)). (٤) في (م): ((الموجود)). (٥) تفسير الطبري (٤٢١/١١ - ٤٢٣). (٦) المحرر الوجيز (٣٥٧/٢). ١٤٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قال الطَّبَرِيُّ: وغَيرُ مُمتَنِعِ أن يَكُونَ النبيُّ وَّه تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ من هَذِهِ الأشْيَاءِ التي تُؤُعِّدَ بِهَا الكُفارُ. وحُكِيَ عن الحَسَنِ البَصرِيِّ أيضًا: أنَّ بَعضَهَا لِلْكُفارِ، وبَعضَهَا لِلمُؤمنينَ؛ بَعثُ العَذَابِ من فَوقُ ومن تَحتُ لِلكُفارِ، وبَقِيَتْهَا لِلمُؤمِنينَ. فإن قُلتَ: مَا وجهُ هَذَا الإِختِلَافِ، والآيَةُ إِنَّمَا دَلَّت عَلى قُدرَةِ الله تَعَالى عَلى ذلك، وهُو قَادِرٌ عَلى ذلك في حَقِّ الفَرِيقَينِ، بِلَا شَكٌّ. قُلتُ: إخبَارُهُ تَعَالى بِقُدَرَتِهِ عَلى ذلك يَتَضَمَّنُ(١) الوعِيدَ بِهِ، فالإِخْتِلَافُ إِنَّمَا هُو في أنَّ المُؤمنينَ هَل خُوطِبوا بذلك وتُؤُعِّدُوا بِهِ؟ و(٢) إِنَّمَا تُوِعِّدَ (٣) بِهِ الكُفارُ خَاصَّةً. ■ الثَّامنةُ: (١١٣/٣م) استُدِلَّ بِاستِعَاذَةِ النبيِّ وَِّ من هَذَينِ الأمرَينِ عَلى أمنٍ أمَتِه من ذلك؛ لِأَنَّ دَعوتَهُ [١/ ٢٠٤ و] مُستَجَابَةٌ، وقال آخَرُونَ: لَيسُوا آمنينَ من ذلك، بَل لَا بُدَّ من وُقُوعِه فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، والاستِعَاذَةُ إِنَّمَا كَانَت لِأهلِ عَصرِ النَّبِيِ، [لَا لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أو لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ، ولَا يُنَافي ذلك أن يَقَعَ لِبَعضِهَا . ورَوى التِّرمِذِيُّ في ((جَامِعِه))(٤) عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، عن النَّبِيِ وٍَّ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ﴾ . فقال النبيُّ وَّهِ: ((أمَا إِنَّهَا كَائَةٌ، ولَم يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعدُ)). قال التِّرمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٥) عن أبي عَامِرٍ، أوِ أبي مَالِكِ الأشعَرِيِّ، سَمِعَ النبيَّى وَه](٦)، يَقُولُ: ((لَيَكُونَنَّ من أُمَّتي أقوامٌ يَستَحِلُّونَ الحِرَ(٧) والحَرِيرَ والخَمرَ والمَعَازِفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أقوامٌ إلى جَنِبٍ عَلَم، يَرُوحُ عليهم بِسَارِحَةٍ لَهُم، يَأتيهم؛ (١) في (م): ((تتضمن)). (٢) في (م): (أو)). بعده في (م): ((الله)). (٣) (٤) جامع الترمذي (٣٠٦٦). البخاري (٥٥٩٠). (٥) (٦) ليس في: (ح). (٧) في (ح): ((الخز)). وقال ابن العربي: هو بالمعجمتين تصحيف. ينظر: فتح الباري (١٠/ ٥٥). بَابُ الدُّعَاءِ ١٤٥ = يعني: الفَقِيرِ لِحَاجَتِهِ، فَيَقُولُونَ: ارجِعوا (١) إِلَينَا غَدًا. فَيُبَيِّتُهُم اللهُ، ويَضَعُ العِلمَ، ويَمسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وخَنَازِيرَ إلى يَومِ القِيَامَةِ». وقال أُبَيّ بنُ كَعبٍ (٢): هيَ أربَعُ خِلَالٍ، وكُلُّهُنَّ عَذَابٌ، وكُلُّهُنَّ واقِعٌ قبلَ يَومِ القِيَامَةِ، فَمَضَت اثْتَانِ بَعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ بِخَمسٍ وعِشِرِينَ سَنَةً؛ لُبِسُوا شِيَعًا، وأُذِيقَ بَعضُهُم بَأسَ بَعضٍ، وثِنْتَانِ واقِعَتَانِ لَا مَحَالَّةً؛ الخَسفُ، والرَّجمُ. ■ التَّاسِعَةُ: اختُلِفَ في المُرَادِ بِالعَذَابِ من فَوقُ، ومن تَحتِ الأرجُلِ : فَتَقَدَّمَ عن أُبَيِّ بنِ كَعبِ نَّهِ: أنَّ العَذَابَ من فَوقُ: الرَّجمُ، ومن تَحتِ الأرجُلِ : الخَسفُ، وكَذَا حَكَى السُّدِّيَّ عن أبي مَالِكِ، وكَذَا حُكِيَ عن سَعِيدٍ بِنِ جُبَيْرٍ، ومُجَاهدٍ . وقال ابنُ عَبَّاسِ ﴿ّ: من فَوقِكُم: [وُلَاةُ الجَورِ، ومن تَحتِ أرجُلِكُم: سَفِلَةُ السُّوءِ، وخَدَمَةُ السُّوءِ. وقال ابنُ عَطِيَّةَ(٣): هَذِهِ كُلُّهَا أمثِلَةٌ، لَا أَنَّهَا هِيَ المَقصُودُ، إذ هَذِه وغَيْرُهَا من القُحُوطِ والغَرَقِ وغَيرِ ذلك، دَاخِلٌ في عُمُومِ اللفظِ. قُلتُ: لَا عُمُومَ في اللفظِ؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِيَاقِ الإثْبَاتِ، وكَأنَّ التَّنكِيرَ لِلتَّعِظِيمِ والتَّفْخِيمِ، والمُرَادُ نَوعٌ من العَذَابِ لَا يُدرَكُ كُنهُهُ. وقال البَغَوِيُّ(٤): قَولُهُ: ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾](٥)؛ يَعنِي: الصَّيحَةَ والحِجَارَةَ والرِّحَ والُّوفان، كَمَا فُعِلَ بِعَادٍ، وثَمُودَ، وقَومٍ شُعَيبٍ، وقَومٍ لُوطِ، وقَومِ نُوحٍ . انتَھَی. وكَأنَّهُ أَرَادَ تعديدَ(٦) الأنواع التي يُمكِنُ أن تَكُونَ مُرَادَةً من اللفظِ، ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ نَوعٌ آخَرُ غَيرُ الأنواعِ المَذْكُورَةِ، مِمَّا عُذِّبَ بِهِ مَن تَقَدَّمَ، أو لَم (١١٤/٣م) يُعَذَّب بِهِ أحَدٌ مِمَّا لَا يَعلَمُهُ إلا اللهُ تَعَالى، واللهُ أعلمُ. (١) في (ح): ((ارجع)). (٣) المحرر الوجيز (٣٥٧/٢). (٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٢) أخرجه أحمد (١٣٤/٥). (٤) تفسير البغوي (١٥٣/٣). (٦) في (م): ((بعدئذٍ)). = ١٤٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ العَاشِرَةُ: إن قُلتَ: مَا مَوقِعُ ((أو)) في هَذِه الْآيَةِ الكَرِيمَةِ، وهيَ لِأحد الشَّيئَينِ أو الأشياءِ، واللهُ تَعَالى قَادِرٌ عَلَى الجَمِيعِ؟ قُلتُ: المُرَادُ من الإخبَارِ بِالقُدَرَةِ عَلى ذلك: التَّوتُدُ بِهِ، فَلَم يُتَوعَّدُوا بِجَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، وإِنَّمَا تُؤُعِّدُوا(١) بِواحِدٍ (٢) منها، وذلك من كَرمِ اللهِ تَعَالى وفَضِلِه، أَلَّا يَجمَعَ عليهم(٣) هَذِهِ الأُمُورَ، ولَمَّ وقَعَت الخَصلَةُ الثَّالِثَةُ؛ وهيَ لَبِسُهُم شِيَعًا، وإِذَاقَةُ بَعضِهم بَأسَ بَعضٍ، حَصَلَ الأمنُ، والحَمدُ للهِ، من الخَصلَتَينِ الأُولَيَينِ، وذلك يَقتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهمَا، خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ عن أَبَيِّ بنِ كَعبٍ وغَيرِهِ، واللهُ أعلمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشرَ: قَولُهُ: ((يَلِسَكُم)). بِفَتح أولِه؛ أي: يَخلِطَكُم، واللبسُ الخَلطُ . وقَولُهُ: ((شِيَعًا)). بِكَسرِ أولِه، وفَتحِ ثَانِيه، جَمعُ شِيعَةٍ، بِكَسرِ أولِه وإسكَانٍ(٤) ثَانِيه، هَيَ الفِرقَةُ، والمَعنَى: يَخْلِطَكُمْ فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ. وقَولُهُ: ((شِيَعًا)). مَنصُوبٌ عَلى الحَالِ؛ أي: يَخلِطَكُم بِالأجسَامِ مَعَ افِرَاقِكُم بِالقُلُوبِ، أو مَنصُوبٌ نَصبَ المَصدَرِ؛ [٢٠٤/١ظ] أي: يَخلِطَكُمْ خَلطَ اضطِرَابٍ واختِلَافٍ، لَا خَلطَ سُكُونٍ واتِّفَاقٍ، فَيَكُونُونَ شِيَعًا عَدِيدَةً، لَا شِيعَةً واحِدَةً. وقُرِئَ شَادًّا: ((يُلبِسَكُم)). بِضَمِّ أولِه من اللبسِ(٥)، فَهِيَ عَلى هَذَا اسْتِعَارَةٌ من اللبَاسِ، والمَعنَى: أن يُلِبِسَكُم الفِتنَةَ، ويَأتي في قَولِه: شِيَعًا مَا تَقَدَّمَ، والبَأسُ القَتلُ ومَا أشبَهَهُ من المَكَارِهِ، واستَعَارَ لَهُ لَفظَ الإذَاقَةِ؛ لِأَنَّ الذَّوقَ من أعظَم الحَواسِّ، وهيَ استِعَارَةٌ مُستَعمَلَةٌ فِي كَلَامِ العَرَبِ، وتَكَرَّرَ ذِكرُهَا في القُرآنِ، قال المُفَسِّرُونَ(٦): والمُرَادُ بذلك افتِرَاقُ الأهواءِ والقِتَالُ بَينَ الأئمَّةِ. (١) في الأصل: ((وعدوا)). (٣) لیس في: (ح). (٢) في (ح): ((بواحدة)). (٤) في (ح): ((وفتح)). (٥) هي قراءة أبي عبد الله المدني، ينظر: إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري (٤٨٦/١)، وتفسير القرطبي (٢٤٤٥/٤)، والبحر المحيط لأبي حيان (١٥١/٤). (٦) ينظر: تفسير الطبري (٤١٩/١١). بَابُ الدُّعَاءِ عدحى ١٤٧ = ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَ: قَولُهُ: ((هَذِه)). كَذَا في رِوايَةِ أحمَدَ في ((مُسنَدِه)) (١) بِافرَادِ الإشَارَةِ، وفي رِوايَةِ الْبُخَارِيِّ، والتِّرِمِذِيِّ (٢): ((هَاتَانٍ)). بِالتَِّيَةِ. وهَذَا المَذكُورُ، وهُو اللبسُ شِيَعًا، وإِذَاقَةُ البَعضِ بَأسَ البَعضِ، يُمكِنُ أن يُعَدَّا خَصلَتَينٍ لاختلافِ (٣) مَدُلُولِهِمَا، فإن اختِلَاطَهُم مُفْتَرَقِي القُلُوبِ [غَيرُ إِذَاقَةٍ البَعضِ بَأسَ البَعضِ، ويُمكِنُ أن يُعَدَّا خَصلَةً واحِدَةً لِتَلَازُمِهمَا غَالِبًا، فإن القُلُوبَ](٤) إِذَا افتَرَقَتْ حَصَلَ لِأصحَابِهَا بَعضِهم من بَعضٍ بَأسٌ، وقَد لَا يَحصُلُ، وذلك نَادِرٌ، فأفرَدَ الإشَارَةَ بِهَذَا الاعتِبَارِ، وثَنَّاهَا بِالاِعتِبَارِ الأولِ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: قَولُهُ: ((أهونُ أو أيسَرُ)). الظَّاهرُ أنَّهُ شَكٌّ من الرَّاوِي في اللفظِ الذِي قالهُ النَّبِي وَّه لِتَقَارُبِ مَعنَى اللفظَينِ. ■ الرَّابِعَةَ عَشرَ: ظَاهرُ الحديثِ أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لَم يَستَعِذْ عَقِبَ نُزُولٍ(٥) قَوله تَعَالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضِ﴾. وكَأَنَّ (١١٥/٣م) سَبَبَ ذلك أنَّهُ عَرَفَ وُقُوعَ ذلك ولا بُدَّ، فَفي ((صَحِيحِ مسلم)) (٦)، وغَيرِه عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصِ رَّهِ، عن النَّبِي وَّهِ: ((سَألتُ رَبِي ثَلاًا؛ فأعطَانِي ثِنْتَينِ، ومَنَعَنِي واحِدَةً، سَألتُ رَبِي أَلَّ يُهلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فأعطَانِيهَا، وسَألته ألَّا يُهلِكَ أُمَّتي بِالغَرَقِ فأعطَانِيهَا، وسَألته ألَّ يَجْعَلَ بَأْسَهُم بَينَهُم فَمَنَعَنِيهَا)). فَلَمَّا عَرَفَ النَّبِيّ ◌َِّ وُقُوعَ ذلك لَم يَكُن لِلاستِعَاذَةِ منهُ فائدَةٌ، وسَهَّلَ الأمرَ عَلى أُمَّتِهِ وسَلَّاهُم، بِقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((هَذِهِ أهونُ أو أيسَرُ)). (١) المسند (٣٠٩/٣). البخاري (٧٣١٣)، الترمذي (٣٠٦٥). (٢) (٣) في (م): ((خلاف)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٥) ليس في: (ح). (٦) مسلم (٢٠/٢٨٩٠). ١٤٨ 22 طرح التثريب في شَرّحِ التَّقْرِیبِ الحديثُ الثَّالِثُ جّ وعن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: («لَا يَقُل أحَدُكُم: اللَّهُمَّ اغَّفِر لِي إن شِئت، أو ارحَمنِي إن شِئت، أو ارزُقْنِي إن شِئْت، لِيَعِزِمِ مَسأَلَتَهُ، إِنَّهُ(١) يَفعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا مُكرِهَ لَهُ)). [وعن الأعرج، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ نَّ، قال: ((لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغَفِرٍ لِي إن شِئت، اللَّهُمَّ ارحَمنِي إِن شِئت، لِيَعِزِمِ المَسْألَّةَ، فإنه لَا مُكرِهَ لَهُ))](٢). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الأُولى: البُخَارِيُّ، في التَّوحِيدِ من ((صَحِيحِه)(٣)، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ. وأخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: البُخَارِيُّ، في الدَّعَواتِ من ((صَحِيحِه))، وأبو دَاوُد، والتِّرمِذِيُّ(٤) من طَرِيقِ مَالِكٍ. وأخرَجَهُ ابنُ مَاجَه(٥) من طَرِيقِ مُحَمَّدٍ بنِ عَجلَانَ؛ كِلَاهُمَا عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ. وقال التِّرمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَواهُ مسلمٌ(٦) من طَرِيقٍ عَطَاءِ بنِ مِينَاءَ، عن أبي هريرةَ، وفيه: ((فإن اللهَ صَانِعُ مَا شَاءَ، لَا مُكرِهَ لَهُ)). ومن طَرِيقِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، بِلَفِظِ: ((إِذَا دَعَا أحَدُكُم، فَلَا يَقُل: اللَّهُمَّ إن شِئت، ولَكِن لِيَعزِمِ ولِيُعَظِّم الرَّغبَةَ، فإن اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ (٧) شَيءٌ أعطَاهُ))(٨). (١) في (ح): ((إن). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٣) البخاري (٧٤٧٧). (٤) البخاري (٦٣٣٩)، وأبو داود (١٤٨٣)، والترمذي (٣٤٩٧). (٥) ابن ماجه (٣٨٥٤). (٦) مسلم (٩/٢٦٧٩). (٧) في (ح): ((يعظمه)). (٨) مسلم (٨/٢٦٧٩). = بَابُ الدُّعَاءِ ١٤٩ ■ الثَّانِيَةُ: فيه أنَّ من آدَابِ الدُّعَاءِ عَزْمَ المَسألَةِ، وهُو الجَدُّ فيهَا، والقَطعُ بِهَا، والجَزمُ لَهَا، فَلَا يُعَلِّق ذلك بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالى، وإن كَانَ مَا يَعِدُ بِه المُؤمنُ(١) من نفسِه يَنبَغِي لَّهُ تَعلِيقُهُ عَلى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالى، لِقَولِه تَعَالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. أمَّا مَا يَطلُبُهُ من اللهِ فَلَا يَنبَغِي لَّهُ تَعلِيقُهُ بِمَشِيئَةِ الله، بَل يَجزِمُ بِطَلَبِهِ. وقال بَعضُهُم: مَعنَى عَزمِ المَسألَةِ: حُسنُ الظَّنِّ بِاللهِ [٢٠٥/١و] تَعَالى في الإِجَابَةِ. حَكَاهُ النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٢)، بَعدَ نَقلِهِ الأولَ عن العُلَمَاءِ. ■ الثَّالِثَةُ: عَلَّلَ ذلك في الحَديثِ، بِأنَّ اللهَ تَعَالى لَا مُكرِهَ لَهُ، ومَعنَاهُ: أنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِلتَّعلِيقِ بِالمَشِيئَةِ، إلا فيمَا إذَا كَانَ المَطلُوبُ منهُ يَتَأْتَّى إكرَاهُهُ عَلى الشَّيءٍ، فَيُخَفِّفُ الأمرَ عليه، ويَعلَمُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَطلُبُ منهُ ذلك الأمرَ بِرِضَاهُ، لَا عَلى سَبيلِ الإكراه، واللهُ تَعَالى مُنَزَّهُ عن ذلك، فَلَيسَ لِهَذَا التَّعلِيقِ مَعَنَّى، فإنه تَعَالى لَا يَفعَلُ إلا مَا يَشَاءُ. وقال بَعضُهُم: سَبَبُ النَّهي عن ذلك: أنَّ فيه صُورَةَ الاستِغنَاءِ عن المَطْلُوبِ، والمطلوبٍ(٣) منهُ. والمُعتَمَدُ هُو المَذكُورُ في الحديثِ. ■ الرَّابِعَةُ: ذَكَرَ في رِوايَةِ الأعرَج: سُؤَالَ المَغْفِرَةِ والرَّحمَةِ، وزَادَ في رِوايَةِ هَمَّامٍ: الرِّزقِ. وهيَ أمثِلَةٌ، فَسَائرُ الأدعِيَةِ كَذلك، ولِذلك عَبَّرَ في رِوايَةِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عِندَ مسلمٍ، بِقَولِه: ((إِذَا دَعَا أحَدُكُمْ). فَتَنَاولَ (٤) سَائرَ الأدعِيَةِ. فإن قُلتَ: قد ورَدَ التَّقِيدُ في قَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((أحيِنِي مَا عَلِمتَ الحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وتَوقَّنِي إِذَا عَلِمتَ الوفاةَ خَيرًا لِي))(٥). قُلتُ: إِنَّمَا قَيَّدَ هُنَاكَ طَلَبَ الحَيَاةِ [بِكَونِهَا خَيْرًا لَهُ، وطَلَبَ الوفاةِ بِكَونِهَا خَيرًا لَهُ، فإنه قَد يُقَدِّرُ لَهُ الحَيَاةَ](٦)، مَعَ كَونِ الخَيرَةِ في قُربٍ وفاتِهِ، لِمَا يَكُونُ (١) في (ح): ((المرء)). (٣) ليست في: الأصل، (م). (٥) البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (١٠/٢٦٨٠). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٢) شرح مسلم (١٧/ ٧). (٤) في (ح): ((فيتناول)). = ١٥٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ في تِلكَ الحَيَاةِ من الفِتنَةِ، وقَد يُقَدِّرُ لَهُ الوفاةَ، مَعَ كَونِ الخَيرَةِ لَهُ في طَلَبٍ الحَيَاةِ، لِمَا فِيهَا من اكتِسَابِ الخَيرَاتِ. وهَذَا مِثلُ الإِسْتِخَارَةِ في الأُمُورِ المُشتَبِهَةِ، وقَد ورَدَ بِهَا الحديثُ الصَّحِيحُ، أمَّا مَشِيئَةُ اللهِ فَلَا تَقَعُ ذَرَّةٌ في الوُجُودِ إلا بِهَا، (٣/ ١١٧م) فَلَا مَعنَى لِتَعلِيقِ الطَّلَبِ بِهَا، واللهُ أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: الظَّاهرُ أنَّ النَّهيَ عن ذلك عَلى سَبيلِ التَّنزِيه والكَرَاهَةِ، وكَذَا ذَكَرَ النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلمٍ))(١). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٢): لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أن يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعطِنِي كَذَا إن شِئت، وارحَمنِي إن شِئت، وتَجَاوز عَنِّي إن شِئت، وهَب لِي من الخَيرِ كَذَا إن شِئت، من أمرِ الدِّينِ والدُّنْيَا، لِنَهي رسولِ اللهِ وََّ عن ذلك، ولِأنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَحِيلٌ (٣لَا وجه٣ً) لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفعَلُ إلا مَا شَاءَ، لَا شَرِيكَ لَهُ. انتَهَى. وظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وقَد يُؤَوّلُ عَلى نَفيِ الجَوازِ المُستَوِي الطَّرَفَيْنِ، وهُو بَعِيدٌ. الحديثُ الزَّابِعُ جَّ وعنهُ أنَّ رسولَ اللهِ وَ ◌ّهِ، قال: ((لِكُلِّ نَبِي دَعوةٌ يَدعُو بِهَا، فأرِيدُ أن أختَبِئَ دَعوتي، شَفاعَةً لِأُمَّتي في الآخِرَةِ). وعن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَيهِ: ((لِكُلِّ (٤) نَبِي دَعوةٌ تُستَجَابُ لَهُ(٥)، فأرِيدُ إن شَاءَ اللهُ أن أدَّخِرَ دَعوتي، شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَومَ القِيَامَةِ)). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَهُ البُخَارِيُّ، في الدَّعَواتِ من ((صَحِيحِه))(٦)، من طَرِيقٍ مَالِكِ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ. (١) شرح مسلم (١٧/ ٧). (٣ - ٣) ليس في: الأصل. (٥) ليست في: الأصل. (٢) التمهيد (٤٩/١٩). (٤) في الأصل: ((كل)). (٦) البخاري (٦٣٠٤). بَابُ الدُّعَاءِ ١٥١ = وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): أنَّهُ هَكَذَا عِندَ رُواةِ ((المُوطًّا))؛ ورَواهُ ابنُ وهبٍ، وأيُّوبُ بنُ سُويد، عن مَالِكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، [قال: وهُمَا إسنَادَانِ صَحِيحَانِ لِمَالِكٍ. انتَهَى. ورِوايَةُ ابنِ وهبِ هَذِه؛ رَواهَا مسلمٌ في الإيمَانِ من ((صَحِيحِه))(٢). ورَوى الحديثَ مسلمٌ أيضًا(٣) من طَرِيقِ (١١٨/٣م) عَمرِو بنِ أبي سُفْيَانَ بنِ أُسَيدِ بنِ جَارِيَةَ، وأبي صَالِحٍ، وأبي زُرعَةَ بنِ عَمرِو بنِ جُرَيجٍ، ومُحَمَّدِ بنِ زِیَادٍ، كُلُّهم عن أبي هريرةَ](٤). وفي رِوايَةٍ أبي صَالِحٍ: (فَعَجَّلَ كُلُّ نَبِي دَعوتَهُ)). وفيهَا: ((فَهِيَّ نَائلَةٌ إن شَاءَ اللهُ، مَن مَاتَ من أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا)» . ■ الثَّانِيَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٥): يُقَالُ: وكَم من دَعوةِ استُجِيبَت لِلرُّسُلِ ولِنَبينَا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَمَا مَعنَى هَذَا؟ فَيُقَالُ: إنَّ المُرَادَ، واللهُ أعلَمُ، أنَّ لَهُم دَعوةً هُم من استِجَابَتِهَا عَلَى يَقِينٍ [وعِلمٍ، بِإِعلَامِ اللهِ تَعَالى لَهُم ذلك، وغَيرُهَا من الدَّعَواتِ بِمَعنَى الطَّمَعِ في الاِسْتِجَابَةِ، وبَينَ الرَّجَاءِ والخَوفِ، ويُبَيِّنُهُ قَولُهُ في رِوايَةٍ أبي صَالِحٍ، عن أبي هريرةَ: ((لِكُلِّ نَبِي دَعوةٌ [٢٠٥/١ظ] مُستَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِي دَعوتَهُ، وإِنِّي اختَبَأْتُ دَعوتي شَفَاعَةً لِأُمَّتي)). الحديثَ. أو تَكُونُ هَذِهِ الدَّعوةُ لِكُلِّ نَبِي مَخْصُوصَةً بِأُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عليه رِوايَةٌ مُحَمَّدٍ بنِ زِيَادٍ، عن أبي هريرةَ في هَذَا الحديثِ: ((لِكُلِّ نَبِي دَعوةٌ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ فاستُجِيبَت لَهُ)). الحديثَ، ونَحوُهُ في حديثٍ أنَسٍ، وجَابِرٍ (٦). انتَهَى. ورَجَّحَ النَّووِيُّ الأولَ، فقال(٧): مَعنَاهَا أنَّ لِكُلِّ نَبِي دَعوةً مُتَيَقَّنَةَ (١) التمهيد (٦٢/١٩، ٦٣). (٢) مسلم (١٩٨/ ٣٣٤). (٣) مسلم (٣٣٦/١٩٨)، (٣٣٨/١٩٩، ٣٣٩، ٣٤٠). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٥) إكمال المعلم (٣٨٢/١، ٣٨٣). (٦) أخرجهما مسلم (٢٠٠، ٢٠١). (٧) شرح مسلم (٥٧/٣). = ١٥٢٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الإِجَابَةِ وعَلى يَقِينٍ](١) من إجَابَتِهَا، وأمَّا بَاقِي دَعَواتِهم فَهُم عَلى طَمَعٍ من إِجَابَتِهَا، وبَعضُهَا يُجَابُ وبَعضُهَا لَا يُجَابُ، ثُمَّ ذَكَرَ الثَّانِي احتِمَالًا عن القَاضِي عِیَاضٍٍ. ■ الثَّالِثَةُ: إن قُلتَ: قَد ذَكَرُوا أنَّ الشَّفَاعَاتِ الأُخرَوِيَّةَ خَمسٌ: أحَدُهَا: في الإرَاحَةِ من هَولِ المَوقِفِ، وتَعجِيلِ الحِسَابِ. الثَّانِيَةُ: في إدخَالِ قَومِ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. الثَّالِئَةُ: الشَّفَاعَةُ لِقَومِ استَوجَبوا النَّارَ ألَّ يَدخُلُوهَا . الرَّابِعَةُ: الشَّفَاعَةُ في إخراجِ قَومٍ من النَّارِ بَعدَ دُخُولِهَا . الخَامِسَةُ: الشَّفاعَةُ في زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ في الجَنَّةِ لِأهلِهَا . وزِيدَ قِسمٌ سَادِسٌ، وهُو الشَّفَاعَةُ في تَخفيفِ العَذَابِ عن بَعضِ أهلِ النَّارِ، كَمَا وَقَعَ لِأَبِي طَالِبٍ، فأيُّ شَفَاعَةٍ اذَّخَرَهَا النَّبِيِ وَِّ لِأُمَّتِهِ؟ أمَّا الأُولى: فَلَا تَخْتَصُّ بِهم، بَل هيَ لِإِرَاحَةِ الجَمعِ كُلُّهم، وهيَ المَقَامُ المَحمُودُ، وكَذلك بَاقِ الشَّفَاعَاتِ، الّاهرُ أنَّهُ يُشَارِكُهُم فيه بَقِيَّةُ الأُمَمِ. قُلتُ: يُحتَمَلُ أنَّ المُرَادَ الشَّفَاعَةُ العُظمَى، التي لِلإِرَاحَةِ من هَولِ المَوقِفِ، وهيَ وإِن كَانَت غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، لَكِن هُم الأصلُ فيهَا وغَيرُهُم تَبَعٌ لَهُم، ولِهَذَا كَانَ اللفظُ المَنْقُولُ عنِ النَّبِيِوَلِ فِيهَا أَنَّهُ قال: ((يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي). فَدَعَا (٢ فيهم فأجِيبَت٢) (١١٩/٣م)، وكَانَ غَيْرُهُم تَبَعًا لَهُم [ِفي ذلك. ويُحْتَمَلُ أنَّ الشَّفَاعَةَ الثَّانِيَة، وهيَ التي في إدخَالِ قَومِ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ، تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، فإن الحديثَ الوارِدَ فيهَا: ((يَدخُلُ من أُمَّتي الجَنَّةَ سَبعُونَ ألفًا)(٣). الحديثَ. ولَم يُنقَل لَنَا ذلك في بَقِيَّةِ الأُمَمِ. ويُحتَمَلُ أنَّ المُرَادَ مُطلَقُ الشَّفَاعَةِ المُشتَرَكِ بَيْنَ الشَّفَاعَاتِ الخَمسَةِ، وكَونُ (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٢ - ٢) في (ح): ((فيها فأجيب)). (٣) أخرجه البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٣١٦/١٩١). بَابُ الدُّعَاءِ ١٥٣ = غَيرِ هَذِه الأمَةِ يُشَارِكُونَهُم فيها أو في بَعضِهَا، لَا يُنَافي أن يَكُونَ عليه الصَّلَاةُ والسَّلامُ ادَّخَرَ دَعوتَهُ شَفَاعَةً لِأُمَّتِهِ، فَلَعَلَّهُ لَا يَشْفَعُ لِغَيرِهم من الأُمَمِ، بَل تَشفَعُ لَهُم أنبیاؤُهُم . ويُحْتَمَلُ أن تَكُونَ الشَّفَاعَةُ لِغَيرِهِم تَبَعًا لَهُم](١)، كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في الشَّفَاعَةِ العُظْمَى. ويُحَتَمَلُ أن يَشِفَعَ لِغَيرِهِم لَا تَبَعًا لَهُم، ولَا تَضيِيقَ في ذلك، فإذا شَفَعَ لَهُم فَقَد حَصَلَ ادِّخَارُ الشَّفَاعَةِ لَهُم، وإن شَفَعَ لِغَيرِهم، واللهُ أعلمُ. ■ الرَّابِعَةُ: فيه رَدِّ عَلى المُعتَزِلَةِ، في إنكَارِهم الشَّفَاعَةَ الثَّانِيَةَ والثَّالِثَةَ والرَّابِعَةَ، وإِنَّمَا اعتَرَفُوا بِالأُولى والخَامِسَةِ(٢) فَقَطِ. وهُم يُجِيبونَ بِحَملِ هَذَا الحديثِ عليهمَا، أو عَلى أحدهمَا، لَكِن قَد جَاءَت الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ بِإِثْبَاتِ مَا أَنكَرُوهُ، واللهُ أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: وفيه بَيَانُ كَمَالِ شَفَقَةِ النبيِّ وَلِّ عَلى [أمَتِهِ، وَرَأْفَتِه بِهم، واعتِنَائه بِالنَّظَرِ في (٣) مَصَالِحِهم المُهمَّةِ، فأخَّرَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعوتَهُ لِأُمَّتِه إلى أهَمِّ أوقَاتِ حَاجَتِهم. السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((إن شَاءَ اللهُ). أتَى بِهِ النبيُّ وَّهَ عَلى سَبيلٍ] (٤) التَّبَرُّكِ والإِمْتِثَالِ، لِقَولِه تَعَالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣٣) إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اَللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. ] السَّابِعَةُ (٥): قَولُهُ في إحدَى الرِّوايَتَينِ: ((في الآخِرَةِ)). وفي الأُخرَى: (يَومَ القِيَامَةِ)). يَدُلُّ عَلى أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ من الآخِرَةِ. وَرَوى القَاسِمُ بنُ الفَضلِ الحُدَّانِيُّ، عن زِيَادِ بنِ مِخرَاقٍ، قال: كَتَبَ الحَجَّاجُ بنُ يُوسُفَ إلى عُثمَانَ بنِ حَيَّانَ: سَل عِكرِمَةَ مَولى ابنِ عَبَّاسٍ، عن يَومِ القِيَامَةِ، أمن الدُّنيَا هُو، أو من (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٣) في (ح، م): ((إلى)). (٥) في (ح): ((السادسة)). (٢) في (ح): ((والأخيرة)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). = ١٥٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الآَخِرَةِ، فَسَأْلَهُ؟ فقال ◌ِكرِمَةُ: صَدرُ ذلك(١) اليَوم من الدُّنيَا، وآخِرُهُ من الآخِرَةِ. حَكَاهُ الحَافِظُ أبو الحَجَّاجِ المِزِيُّ في ((التَّهذِيبِ))(٢). فإن صَحَّ ذلك، [٢٠٦/١ و] فَلَعَلَّ الوقتَ الذِي تَقَعُ فيه الشَّفَاعَةُ من يَومِ القِيَامَةِ، هُو آخِرُهُ الذِي هُو من الآخِرَةِ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّامنةُ: قَولُهُ في بَعضِ طُرُقِهِ: ((فَهِيَ نَائلَةٌ، إن شَاءَ اللهُ تعالى، مَن مَاتَ من أُمَّتي لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا)). فيه دَلِيلٌ لِمَذهَبِ أهلِ الحَقِّ أنَّ كُلَّ مَن مَاتَ غَيرَ مُشرِكٍ بِاللهِ تَعَالى لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، وإِن كَانَ مُصِرًّا عَلى الكَبَائرِ، (١٢٠/٣م) وأدِلَّةُ ذلك كَثِيرَةٌ شَهیرَةُ. ■ النَّاسِعَةُ: إن قُلتَ: مَا الجَمعُ بَينَ هَذَا، وبَينَ مَا ثَبَتَ في ((الصَّحِيح)(٣): أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، قال: ((فَأَقُولُ يَا رَبِّ، ائذَن لِي فيمَن قال: لَا إِلَهَ إلا اللهُ. [قال: لَيسَ ذلك لَك. أو قال: لَيسَ ذَاَ إلَيك، ولَكِن وعِزَّتي وكِبرِيَائي وعَظَمَتي، لَأُخرِ جَنَّ من النَّارِ مَن قال: لَا إِلَهَ إلا الله)] (٤). والمُرَادُ بِالقَائلِ: لَا إلَّهَ إلا اللهُ، مَن مَاتَ عليهَا مُعتَقِدًا لَهَا، فَهُو الذِي مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِالله شَيئًا، فإذا لَم يَكُن ذلك للنبيِّ وَ ﴿ فَكَيفَ قال: إنَّ هَؤُلَاءِ تَنَالُهُم شَفاعَتُهُ؟ قُلتُ: قَدْ قَيَّدَ(٥) النبيُّ وَّهِ مَن تَنَالُهُ شَفَاعَتُهُ مَعَ كَونِه مَاتَ غَيرَ مُشرِكٍ بِاللهِ تَعَالى بِكَونِه من أُمَّتِهِ، والذِي جَاءَ فيه، أنَّهُ لَيسَ إلَيه، لَيسَ فيه تَقِيدُهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَحَصَلَ الجَمعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الذِي تَتَالُهُ شَفَاعَةُ نبِيِّنَا نََّ هُم مُوحِّدُو هَذِهِ الأمَةِ، والذِي استَأثَرَ بِه الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ مُوحِّدُو غَيرِ هَذِهِ الأمَةِ، واللهُ أعلمُ. (١) في الأصل، (م): ((هذا)). (٢) تهذيب الكمال (٢٧٦/٢٠). (٣) في الأصل، (م): ((الصحيحين)). والحديث عند البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (٣٢٦/١٩٣). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٥) في (ح): ((قال)). بَابُ الدُّعَاءِ ١٥٥ = العَاشِرَةُ: ظَاهرُ الحديثِ أنَّهُ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أَخَّرَ الدُّعَاءَ والشَّفَاعَةَ لِيَومِ القِيَامَةِ، فَذلك اليَومُ يَدْعُو ويَشفَعُ، ويُحتَمَلُ أنَّ المُؤَخَّرَ لِيَومِ القِيَامَةِ ثَمَرَةُ تِلكَ الدَّعوةِ ومَنفَعَتُهَا، وأمَّا طَلَبُهَا فَحَاصِلٌ من النبيِّ وَّهِ فِي الدُّنيَا. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: كَرِهَ بَعضُهُم لِلعَبدِ أن يَسألَ اللهَ تَعَالى أن يَرْزُقَهُ شَفَاعَةَ النبيِّ نَّهِ، لِكَونِهَا لَا تَكُونُ إلا لِلمُذْنِبِينَ، وقال النبيُّ وَله: ((شَفاعَتي لِأَهلِ الكَبَائِرِ من أُمَّتي)). رَواهُ التِّرمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه(١) من حديثٍ جَابِرٍ. وقال جَابِرٌ: مَن لَم يَكُن من أهلِ الكَبَائِ فَمَا لَهُ ولِلشَّفَاعَةِ(٢). ورَوى ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٣) عن أسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ؛ أنَّهَا قالت: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ أن يَجعَلَنِي مِمَّن تَشِفَعُ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ. فقال رسولُ اللهِ وَّه: ((إذَا تَخمِشُكَ النَّارُ، فإن شَفَاعَتي لِكُلِّ هَالِك من أُمَّتِي تَخْمِشُهُ النَّارُ)). وقال القَاضِي عِيَاضٌ (٤): لَا يُلتَفَتُ إلى هَذَا القَولِ، فإن الشَّفَاعَةَ قَد تَكُونُ لِتَخفيفِ الحِسَابِ وزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ، ثُمَّ كُلُّ عَاقِلٍ مُعتَرِفٍ بِالتَّقصِيرِ، مُحتَاجٌ إلى العَفوِ، غَيرُ مُعتَدٍّ بِعَمَلِه، مُشِفِقٌ أن يَكُونَ من الهَالِكِينَ. قال: ويَلزَمُ هَذَا القَائِلَ أَلَّ يَدعُو بِالمَغفِرَةِ والرَّحمَةِ؛ لِأَنَّهَا لِأصحَابِ الذُّنُوبِ، وهَذَا كُلُّهُ خِلَافَ مَا عُرِفَ من دُعَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَقَد عُرِفَ بِالنَّقْلِ المُستَفِيضِ سُؤَالُهُم شَفَاعَةَ نَبِّنَا بِّهِ، وَرَغِبَتُهُمْ فِيهَا. انتَهَى(٥). (١) الترمذي (٢٤٣٦)، وابن ماجه (٤٣١٠). (٢) في (ح): ((والشفاعة)). (٤) إكمال المعلم (٣٦٨/١). (٣) التمهيد (٦٨/١٩). (٥) بعده في حاشية (ح): ((والله أعلم، هذا الجزء الأول، والحمد لله أولا وآخرًا، انتهت كتابته رابع شهر ذي الحجة المبارك سنة (١١٣٤هـ)، على يد العبد الفقير إلى الله تعالى، عبد الكريم بن أحمد بن إدريس الشماع، عفا الله عنه ووالديه والمسلمين، آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم)). ١٥٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ه (١) (٢ بسم الله الرحمنِ الرحيمِ، وصلى اللّهُ على نبيِّنا محمدٍ، خيرٍ خلقِه، وآلِه وصحبه وسلِّم٢) (١٢١/٣م) بَابُ الجَمعِ في السَّفَرِ جَ عن سَالِم، عن أبيه، قال: ((رَأيتُ رسولَ اللهِ وَّهُ يَجمَعُ بَينَ المَغرِبِ والعِشَاءِ أَذَا جَدَّ به السَّيرُ)). وعن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَّهِ إِذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمُغرِبِ والعِشَاءِ)). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الأُولى؛ الشيخانِ، والنسائيُّ (٣) من طَرِيقٍ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، بهذا اللفظِ. والبُخَارِيُّ أيضًا (٤) من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ. ومسلمٌ(٥) من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، بِلَفِظِ: ((رَأيتُ رسولَ اللهِ وَّهِ إِذَا أَعجَلَهُ السَّيرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ المَغرِبَ، حَتَّى يَجمَعَ بَيْنَهَا وَبَينَ العِشَاءِ». ثَلَاثَتُهُم عن الزُّهرِيِّ، عن [٢٠٦/١ظ] سَالِمٍ. وأخرَجَهُ النسائيُّ(٦) من طَرِيقٍ كَثِيرِ بنِ فَارَوَنْدَا، عن سَالِمٍ، عن أبيه، في (١) هنا انتهى الخرم في المخطوط (ك)، والذي بدأ في آخر الفائدة الستين في باب السهو في الصلاة. (٢ - ٢) من: (ك). ومن هنا يبدأ خرم في المخطوط (ح) ينتهي بداية كتاب الحج. (٣) البخاري (١١٦٠)، ومسلم (٤٤/٧٠٣)، والنسائي (٥٩٩). (٤) البخاري (١١٠٩). (٥) مسلم (٤٥/٧٠٣). (٦) في الأصل، (م): ((الزهري)). والحديث عند النسائي (٥٩٦). = ١٥٧ بَابُ الجَمعِ في السَّفَرِ جَمِعِه بَينَ الظُّهرِ والعَصرِ، حِينَ (١) كَانَ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ، وبَينَ المَغرِبِ والعِشَاءِ، حِينَ اشْتَبَكَت النُّجُومُ، وفيه: فقال(٢) رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((إِذَا حَضَرَ أحَدَكُم الأمرُ الذِي يَخَافُ فَوَتَهُ، فَلِيُصَلِّ هَذِهِ الصَّلَاةَ)) . وأخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ؛ مسلمٌ، والنسائيُّ(٣) من طَرِيقِ مَالِكِ، عن نَافِعِ. وأخرَجَهُ مسلمٌ أيضًا (٤) من طَرِيقِ يَحيَى القَطَّانِ. والترمذيُّ(٥) من طَرِيقِ عَبدَةَ بنِ سُلَيمَانَ، كِلَاهُمَا، عن عُبَيدِ الله، عن نَافِعٍ؛ أن ابنَ عُمَرَ كَانَ إذَا جَدَّ به السَّيرُ، جَمَعَ بَينَ المَغرِبِ والعِشَاءِ، بَعدَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، ويَقُولُ: ((إنَّ رسولَ الله (١٢٢/٣م) وَ كَانَ إِذَا جَدَّ به السَّيرُ جَمَعَ بَينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ». لَفِظُ مسلمٍ. ولَفظُ الترمذيِّ: أنَّهُ استُغِيثَ عَلى بَعضِ أهلِه، فَجَدَّ به السَّيرُ، وأخّرَ المَغْرِبَ، حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ أخبَرَهُم: ((أنَّ رسولَ الله وَل كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، إِذَا جَدَّ به السَّيُ)). وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَواهُ أبو داودَ(٦) من طَرِيقِ أيُّوبَ، عن نَافِعٍ؛ أنَّ ابنَ عُمَرَ استَصرَخَ عَلى صَفِيةً وهو بِمَكَّةَ، فَسَارَ حَتَّى غَرَبَت الشَّمسُ، وبَدَتَّ النُّجُومُ، فقال: ((إنَّ النبيَّ ◌َهُ كَانَ إِذَا عَجَّلَ به أمرٌ في سَفَرٍ، جَمَعَ بَينَ هَاتَينِ الصَّلَاتَينِ، فَسَارَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ، فَتَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا)). ورَواهُ النسائيُّ(٧) من طَرِيقِ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَّهِ إِذَا جَدَّ به السَّيرُ، أو حَزَبَهُ أمرٌ، جَمَعَ بَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاءِ)). ومن طَرِيقِ ابنِ جَابِرٍ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، في خُرُوجِهِ مَعَهُ إلى صَفيةَ بِنتِ أبي عُبَيدٍ، وفيه: حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ الشَّفَقِ، نَزَلَ فَصَلى المَغرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ (١) في (ك): ((حتى)). مسلم (٤٢/٧٠٣)، والنسائي (٥٩٧). (٣) (٥) الترمذي (٥٥٥). النسائي (٥٩٨). (٧) (٢) بعده في (ك): ((قال)). (٤) مسلم (٤٣/٧٠٣). (٦) أبو داود (١٢٠٩). = ١٥٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ العِشَاءَ، وقَد تَوارَى الشَّفَقُ، فَصَلَى بِنَا ثُمَّ أقبَلَ عَلَيْنَا، فقال: ((إنَّ رسولَ الله وَله كَانَ إِذَا عَجَّلَ به السَّيرُ صَنَعَ هَكَذَا))(١). ومن طَرِيقِ إسمَاعِيلَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، شَيخِ من قُرَيشٍ، عن ابنِ عُمَرَ، في جَمِعِه بَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاءِ، حِينَ ذَهَبَ بَيَاضُ الأُفُقِ، وفَحمَةُ العِشَاءِ، ثُمَّ قال: ((هَكَذَا رَأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ يَفْعَلُ))(٢) . وأخرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، في الحَجِّ والجِهَادِ من(٣) ((صَحِيحِه) (٤)، من طَرِيقِ زَيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه، قال: كُنت مَعَ ابنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عن صَفيةَ بِنتِ أبي عُبَيدٍ شِدَّةُ وجَعٍ، فَأسرَعَ السَّيرَ، حَتَّى كَانَ بَعدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ، نَزَلَ فَصَلى المَغْرِبَ والعَتَمَةَ، جَمَعَ بَينَهُمَا، ثُمَّ قال: ((إنِّي رَأيتُ النبيَّ نَّهِ إِذَا جَدَّ به السَّيرُ أَخَّرَ المَغْرِبَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا)). ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ فِي الرِّوايَةِ الأُولى: ((جَدَّ به السَّيرُ))؛ أي: اشتَدَّ به السَّيرُ. قال في ((المُحكَم))(٥): جَدَّ به الأمرُ؛ أي: اشتَدَّ. وقال القَاضِي عِيَاضُ في ((المَشَارِقِ))(٦): جَدَّ به السَّيرُ؛ أي: أسرَعَ وعَجَّلَ في الأمرِ الذِي يُرِيدُهُ. انتَهَى. ومَا ذَكَرتُه أولى؛ لِأَنَّ الذِي في الحَدِيثِ نِسبَةُ الجَدِّ إلى السَّيرِ، وفي كَلَامِ القَاضِي نِسبَةُ الجَدِّ إلى النَّبِي وَّهِ، فَاللفظُ الواقِعُ في الحَدِيثِ؛ إمَّا أن يُرَادَ به الإِشْتِدَادُ، كَمَا نَقَلته عن صَاحِبِ ((المُحكَم))، وإمَّا أن يُنسَبَ الجَدُّ إلى السَّيرِ، عَلى سَبيلِ التَّوسُعِ، والإسرَاعُ في الحَقِيقَةِ إِنَّمَاَ هو من النبيِّ نَّهِ، ويَكُونُ هَذَا عَلى حَدِّ قَولِهِم: نَهَارُهُ صَائِمٌ، ولَيلُهُ قَائِمٌ. فَيُنسَبُ الصِّيَامُ إلى النَّهَارِ، والقِيَامُ إلى (١٢٣/٣م) الليلِ، لِؤُقُوعِه فيهمَا، وفي الحَقِيقَةِ إِنَّمَا هو من الفَاعِلِ، فَمَعنَى قَولِه: ((جَدَّ به السَّيرُ)): جَدَّ في السَّيرِ، ويُوافِقُ هَذَا قَولَهُ في رِوايَةٍ أُخرَى: ((إِذَا جَدَّ في السَّيرِ)). (١) النسائي (٥٩٤). (٣) في (م): ((في)). (٥) المحكم (١٨٧/٧). (٢) النسائي (٥٩٠). (٤) البخاري (١٨٠٥، ٣٠٠٠). (٦) مشارق الأنوار (١٤١/١). = ١٥٩ بَابُ الجَمعِ في السَّفَرِ قال في ((الصِّحَاح)) (١): الجَدُّ الإِجتِهَادُ في الأُمُورِ، تَقُولُ منهُ: جَدَّ في الأمرِ يَجِدُّ ويَجُدُّ؛ أي: بِكَسرِ الجِيم، وضَمِّهَا، وأجَدَّ في الأمرِ مِثلُهُ. قال الأصمَعِيُّ: يُقَالُ: إِنَّ فُلَانًا لَجَادٌّ مُجِدُّ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا . وقال في ((المُحكَم)): جَدَّ في أمرِهِ يَجِدُّ ويَجُدُّ جَدًّا [٢٠٧/١ و] وأجَدَّ حَقَّقَ. وقال في ((المَشَارِقٍ)): الجَدُّ المُبَالَغَةُ في الشَّيءِ. انتَهَى. ويَأْتِي هَذَانِ الإِحْتِمَالَانِ في قَولِه في الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((عَجَّلَ به السَّيرُ)). إمَّا أن يُضَمَّن عَجَّلَ مَعنَى اشتَدَّ، وإمَّا أن تَكُونَ نِسَبَةُ العَجَلِ إلى السَّيرِ مَجَازًا وتَوسُّعًا، والأصلُ عَجَّلَ في السَّيرِ . ■ الثَّالِثَةُ: فيه جَوازُ الجَمعِ بَينَ صَلَاتَي المَغْرِبِ والعِشَاءِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، وهيَ الجَدُّ فِي السَّفَرِ والاستِعجَالُ فيه. وتَقَدَّمَ من (سُنَنِ النسائيّ)) الجَمِعُ بَينَ الظّهرِ والعَصرِ أيضًا، وفي (الصَّحِيحَينِ))(٢) عن أنَسِ رَظُبه، قال: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَّهِ إِذَا ارتَحَلَ قَبلَ أن تَزِيغَ(٣) الشَّمسُ: أَخَّرَ الظُّهرَ إلى وقتِ العَصرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِن زَاغَت قَبَلَ أن يَرتَحِلَ: صَلى الُهرَ، ثُمَّ رَكِبَ)). وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ(٤): (كَانَ النبيُّ ◌َّهِ يَجمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ المَغرِبِ والعِشَاءِ في السَّفَرِ)). وفي رِوايَةٍ لِمسلم(٥): ((كَانَ النَّبِي ◌َّهِ إِذَا أَرَادَ أن يَجمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ في السَّفَرِ، أَخَّرَ الظُّهرَ حَتَّى يَدخُلَ أولُ وقتِ العَصرِ، ثُمَّ يَجمَعُ بَيْنَهُمَا)). وفي رِوايَةٍ لَهُ(٦): ((إِذَا عَجَّلَ عَلَيه السَّيرُ، يُؤَخِّرُ الظّهرَ إلى أولِ وقتِ العَصرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وبَينَ العِشَاءِ، حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ)). (١) الصحاح (٤٥٢/٢). (٢) البخاري (١١١١، ١١١٢)، ومسلم (٤٦/٧٠٤). (٣) في (ك): ((ترتفع)). (٤) البخاري (١١٠٨). (٥) مسلم (٧٠٤/ ٤٧). (٦) مسلم (٤٨/٧٠٤). = على ١٦٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وفي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ))، تَعلِيقًا، و((صَحِيحِ مسلم) مَوصُولًا(١)، عن ابنِ عَبَّاسٍ: ((كَانَ رسولُ الله ◌َّهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهرِ والعَصِّرِ إذَا كَانَ عَلَى ظَهرِ سَيرٍ، ويَجمَعُ بَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاء)). لَفِظُ البُخَارِيِّ، ولَم يَقُل مسلمٌ: ((إِذَا كَانَ عَلى ظَهرِ سَيرٍ)). وزَادَ: قال سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ: فَقُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: مَا حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ؟ قال: أرَادَ (٢ألَّا يُحْرِجَ(٢) أُمَّتَهُ. فَزَادَ في حَدِيثَي أَنَسٍ، وابنِ عَبَّاسٍ: الجَمعَ بَينَ الظّهرِ والعَصرِ. وأمَّا اقتِصَارُ ابْنِ عُمَرَ ﴿ّ، في الرِّوايَةِ المَشهورَةِ عنهُ، عَلى ذِكرِ الجَمْعِ بَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاءِ، فَسَبَبُهُ أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ جَوابًا لِقَضِيَّةٍ وقَعَت لَهُ، فَإِنَّهُ استُصرِخَ عَلى زَوجَتِهِ، فَذَهَبَ مُسرِعًا، وجَمَعَ بَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاءِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ عَلى وَفَقِ السُّنَّةِ، فَلَا دَلَالَةَ فيه لِعَدَمِ الجَمعِ بَينَ الظّهرِ والعَصرِ، فَقَد رَواهُ أَنَسٌ؛ وابنُ عَبَّاسٍ، ومُعَاذٌ، وغَيرُهُم من (١٢٤/٣م) الصَّحَابَةِ مُه. وفي ((صَحِيحِ مسلم))، وغَيرِه(٣)، عن مُعَاذِ بِنِ جَبَلٍ ◌َُه، قال: ((خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله وَّ فِي غَزوةٍ تَبوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظّهرَ والعَصرَ جَمِيعًا، والمَغرِبَ والعِشَاءَ جَمِيعًا)). وفي لَفِظِ لَهُ(٤): ((جَمَعَ رسولُ الله ◌َّهِ فِي غَزوةٍ تَبوكَ، بَيْنَ الظُّهرِ والعَصرِ، وبَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاءِ». زَادَ في ((المُوطَّ))، و((سُنَنِ أبي داودَ))، والنسائيِّ، و(صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ))(٥): ((فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَومًا، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلى الظُّهرَ والعَصرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلى المَغرِبَ والعِشَاءَ جَمِيعًا)). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦): هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتُ الإسنادِ. (١) البخاري (١١٠٧)، مسلم (٥١/٧٠٥). (٢ - ٢) في الأصل: ((أن يحرج)). وفي (م): ((أن يخرج)). (٣) مسلم (٤/ ١٧٨٤) (١٠/٧٠٦). (٤) مسلم (٧٠٦/ ٥٣). (٥) الموطأ (٣٢٨)، وأبو داود (١٢٠٦)، والنسائي (٦٠٠)، وابن حبان (١٥٩٥). (٦) التمهيد (٢٠٩/١٢).