Indexed OCR Text

Pages 101-120

=
١٠١
صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
بِهذا الحديثِ: لَيسَ كَمَا ذَكَرَهُ. فَإِنَّ التَّوِيبَ لَيسَ فيهِ تَصرِيحٌ(١) بذلك، وقَد أورَدَ
فیهِ حدیثینِ :
أحَدُهُمَا: [١٩٦/١ظ] هذا الحديثُ، ولَا حُجَّةَ فيهِ لِلوُجُوبِ، فَإِنَّ عَقدَ الشَّيطَانِ
على رَأسِ النَّائِمِ: لَا يُنسَبُ إِلَيهِ، ولَا يُؤَاخَذُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فيهِ صُنعٌ(٢) ولَا تَسَبُّبٌ.
والحديثُ الآخَرُ: حديثُ سَمُرَةَ: ((أمَّا الذِي(٣) يَثَلَغُ رَأْسَهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ
القُرآنَ فَيَرفُضُهُ، وَيَنَامُ عن الصَّلَاةِ(٤) المَكْتُوبَةِ))(٥)، وهذا لَا تَعَلَّقَ لَهُ أيضًا بِصَلَاةِ
الليلِ، وقَد صَرَّحَ فيهِ: بِأَنَّ اللَّمَّ على نَومِهِ عن الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ.
ثَانِيهَا: مَا ذَكَرَهُ ابنُ العَرَبي (٢٨٧/٣)، من حَملِ الصَّلَاةِ التي تَنخَلُّ بِهَا
عُقْدَةُ(٦) الشَّيطَانِ: على (٧) صَلَاةِ الصُّبحِ، لَا بأسَ بِهِ.
ويُؤَيِّدُهُ: أنَّ في رِوايَةِ الإِمَامِ أحمَدَ في (مُسنَدِ) (٨): ((فَإن أصبَحَ ولَم يُصَلِّ
الصُّبحَ: أصبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ)». الحديثَ.
ويُوافِقُ ذلك كَلَامَ ابنِ عَبدِ البَرِّ، فَإِنَّهُ قال(٩): فيهِ الإخبارُ عن حَالٍ مَن لَم
يَقُمْ إِلَى صَلَاتِهِ، وضَيَّعَهَا حَتَّى خَرَجَ وقتُهَا .
ثُمَّ قال: أمَّا مَن كَانَت (١٠) عَادَتُهُ القِيَامَ إلَى صَلَاتِهِ المَكْتُوبَةِ أو إلَى نَافِلَتِهِ من
[الليلِ فَغَلَبَتَهُ عَيْنُهُ، فَقَد جَاءَ عنهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((أَنَّهُ يُكتَبُ لَهُ أجرُ صَلَاتِهِ،
ونَومُهُ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ)). وقال اللهُ رَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآيَةَ [الزمر:
٤٢]. وقال رسولُ الله بَّهِ: ((إنَّ اللهَ قَبَضَ أرواحَنَا، وَلَو شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا)). وقال لَهُ
بِلَالُ: أَخَذَ بِنَفسِي الذِي أَخَذَ بِنَفسِك (١١). وفي هذا كُلِّهِ العُذرُ البَيِّنُ، والمَخرَجُ
الواسِعُ، لِمَن غَلَبَهُ نَومُهُ على صَلَاتِهِ.
في (م): ((التصريح)).
(١)
(٣)
ليس في: الأصل.
البخاري (١١٤٣).
(٥)
في الأصل: ((لا)).
(٧)
(٩) الاستذكار (٣٠٠/٢).
(١١) مسلم (٣٠٩ /٦٨٠).
(٢) في (ح): ((صنيع)).
(٤) في (ح): ((صلاته)).
(٦) في (ح): ((عقد)).
(٨) مسند أحمد (٢٤٣/٢).
(١٠) ليس في: (ح).

=
١٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ثُمَّ قال بَعدَ ذلك: إنَّ الحديثَ نَدَبَ إلَى قِيَام](١) الليلِ، والاستِغفَارِ
بِالأسحَارِ، وأقَلُّ أحوالِهِ: أن يَكُونَ نَدبًا إلَى أن لَا يَطْلُعَ الفَجرُ على المُؤمن، إلا
وقَد ذَكَرَ الله، وتَأَهَّبَ بِالوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ. انتَهَى.
وقَد ظَهَرَ بذلك أنَّهُ(٢) حَصَلَ التَّرَدُّدُ في الصَّلَاةِ المُرَادَةِ في هذا الحديثِ،
هَل هِيَ العِشَاءُ، أو الصُّبحُ، أو تَهَجُّدُ الليلِ، واللهُ أعلمُ.
ثَالِثُهَا: أطلَقَ ابنُ العَرَبي الخِلَافَ في وُجُوبٍ صَلَاةِ الليلِ، وقَّدَ بَعضُهُم
القَولَ بِالوُجُوبِ بِأهلِ [القُرآنِ، فَذَكَرَ التِّرمِذِيُّ في ((جَامِعِهِ))، عن إسحَاقَ بنِ
رَاهويهِ، أَنَّهُ قال: ((إنَّمَا قِيَامُ الليلِ على أصحَابِ القُرآنٍ)) (٣).
ورَوى مُحَمَّدُ بنُ نَصرِ المَروزِيُّ فِي كِتَابِ ((قِيَامِ الليلِ))(٤): أنَّهُ قِيلَ لِلحَسَنِ
البَصرِيِّ: مَا يَقُولُ في رَجُلِ قَد استَظهَرَ](٥) القُرآنَ كلَّهَ(٦) عن ظَهرِ قَلْبِهِ، ولَا يَقُومُ
بِهِ، إِنَّمَا يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟ فقال: لَعَنَ اللّهُ ذَاكَ، إِنَّمَا يَتَوسَّدُ القُرآنَ. قِيلَ لَهُ: قال اللهُ
تعالى: ﴿فَقْرَءُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]؟ قال: نَعَم، ولَو خَمسِينَ آَيَّةً.
وقال مُحَمَّدُ بنُ نَصرِ المَروزِيُّ: ويُقَالُ لِمَن أوجَبَ القِيَامَ بِالليلِ فَرِضًا (٧بِما
قَل٧َّ)، أو كَثُرَ، احتِجَاجًا بِقَولِهِ تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾: خَبِّرنا عنهُ إذَا لَم
يَخِفَّ عَلَيهِ، ولَم يَتَيَسَّر أن يَقرَأْ بِشَيءٍ، هَل يُوجَبُ عَلَيهِ [أن يَتَكَلَّفَ ذلك، وإن لَم
يَخِفَّ ويَتَيَسَّر؟
فَإن قال: نَعَم، خَالَفَ ظَاهِرَ الكِتَابِ، وأوجَبَ عَلَيهِ](٨) مَا لَم يُوجِبهُ اللهُ، وإن
قال: لَا، يَجِبُ عَلَيْهِ تَكَلُّفُ ذلك، إذَا لَم يَتَيَسَّر ولَم يَخَف، فَقَد أسقَطَ فَرِضَهُ، ولَو
كَانَ فَرِضًا لَوجَبَ عَلَيهِ، خَفَّ أو لَم يَخِفَّ، كَمَا قال: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:
٤١]. قال: وقَولُ ﴿مَا تَيَسَرَ﴾: يَدُلُّ على أنَّهُ نَدبٌ واختيارٌ، ولَيسَ بِفَرضٍ. انتَهَى.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩): (٢٨٨/٣) شَذَّ بَعضُ التَّابِعِينَ، فَأوجَبَ قِيَامَ الليلِ،
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣) الترمذي (٤٥٧).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٧ - ٧) في (م): ((بأقل)).
(٩) التمهيد (١٢٤/٨).
(٢) بعده في (م): ((قد)).
(٤) مختصر قيام الليل (١/ ٧).
(٦) ليس في: (م).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).

=
صَلَاةُ الوِترِ وَقِيَامُ الليلِ
١٠٣
ولَو قَدَرَ حَلبٍ شَاةٍ، والذِي عَلَيهِ جَمَاعَةُ العُلَمَاءِ: أنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيهِ.
■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١): قَولُهُ: ((فَأصبَحَ
نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفسِ))، مَعنَاهُ: لِسُرُورِهِ بِمَا وفَّقَهُ اللهُ الكَرِيمُ لَّهُ من الطَّاعَةِ، ووعَدَهُ
بِهِ (٢) من ثَوابِه٢ِ)، مَعَ مَا يُبارَكُ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وتَصَرُّفِهِ في كُلِّ أُمُورِهِ، مَعَ مَا زَالَ عنْهُ
من عُقَدِ الشَّيْطَانِ [وتثبيطِهِ.
وقَولُهُ: ((وإلَّا أصبَحَ خَبيثَ النَّفسِ كَسلَانَ»، مَعنَاهُ: لِمَا عَلَيهِ من عُقَدِ
الشَّيْطَانِ](٣)، وآثَارٍ تَشْبِيطِهِ واستيلائِهِ، مَعَ أنَّهُ لَم يَزُل ذلك عنهُ.
وقال أبو العَباسِ القُرطُبي(٤): نَشِيطًا لِمَا يَرِدُ عَلَيهِ من العِبادَاتِ، لِكَونِهِ ألِفَهَا
طَيِّبَ النَّفْسِ، لِرَجَاءِ ثَوابٍ مَا فَعَلَ.
وقَولُهُ: ((خَبِيثَ النَّفسِ))؛ (°أي: بِشُؤمِ تَفرِيطِهِ، وتَمَامِ خَدِيعَةِ الشَّيطَانِ لَه٥ُ).
((كَسلَانَ))؛ أي: مُتَنَاقِلًا(٦) عن الخَيرَاتِ، وَرُبَّمَا يَحمِلُهُ ذلك [١٩٧/١ و] على تَضيِيعِ
الواجِباتِ. انتَھَی.
وهُو قَرِيبٌ من المَعنَى الذِي ذَكَرَهُ النَّوِيُّ، لَكِنَّهُ أحسَنُ بَيَانًا وإِيضَاحًا .
السَّادِسَةَ عَشَرَ: كَونُهُ يُصبحُ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسلَانَ، هَل يَتَرَتَّبُ على تَركِ
كُلِّ واحِدَةٍ من هَذِهِ الخِصَالِ؛ التي هِيَ الذِّكرُ والوُضُوءُ والصَّلَاةُ، [فَلَا يَنْتَفي عنهُ
ذلك، إلا بِفِعلِ الجَمِيعِ، أو يَتَرَّتَّبُ على تَركِ المَجُوعِ، حَتَّى لَو أتَى بِبَعضِهِ، لَا
يَنْفي عنهُ خَبُثَ النَّفْسِ والكَسَلَ؟
قال النَّووِيُّ في ((شَرح مسلم))(٧): ظَاهِرُ الحديثِ: أنَّ مَن لَم يَجمَعِ بَينَ
الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وهِيَ: الذِّكَرُ والوُضُوءُ والصَّلَاةُ](٨)، فَهُو دَاخِلٌ فيمَن يُصبِحُ(٩)
خَبِيثَ النَّفْسِ كَسلَانَ. انتَهَى.
(١) شرح مسلم (٦/ ٦٧).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٥ - ٥) ليس في: (ح).
(٧) شرح مسلم (٦٧/٦).
(٩) ليس في: (ح).
(٢ - ٢) ليس في: الأصل.
(٤) المفهم (٤٠٩/٢).
(٦) في (م): ((متثاقل)).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).

=
١٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقَد يُقَالُ: إِذَا جَمَعَ بَيْنَ الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ: انتَفَى عنهُ خُبثُ النَّفسِ والكَسَلُ
(١ انتِفَاءَ كَامِلًا، وإِذَا أَتَى بِبَعضِهَا: انتَفَى عنهُ بَعضُ خُبثِ النَّفْسِ والكَسَل١ِ)، بِقَدرِ
مَا أتَى بِهِ منها: فَلَيسَ عند مَن استَقَظَ فَذَكَرَ اللهَ من خُبثِ النَّفْسِ والكَسَلِ، مَا عند
مَن لَم يَذكُر اللهَ أصلًا.
■ السَّابِعَةَ عَشَرَ: إن قُلتَ: كَيفَ الجَمعُ بَيْنَ وصفِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
فَاعِلَ ذلك، بِأنَّهُ ((خَبيثُ النَّفسِ)). وبَينَ قَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ(٢): ((لَا يَقُل
أحَدُكُم: خَبِقَتِ نَفسِي))؟
قلتُ: ذلك الحديثُ نَهَى الإِنسَانَ أن يَقُولَ هذا اللفظَ عن نَفسِهِ، وهذا
إخبارٌ عن صِفَةٍ غَيرِهِ.
■ الثَّامنةَ عَشَرَ: قَولُهُ: ((كَسلَانَ)). غَيرُ مُنصَرِفٍ لِلألِفِ والنُّونِ المَزِيدَتَينِ،
وهُو مُذَكَّرُ ((كَسلَى))، ووقَعَ لِبَعضِ رُواةِ ((المُوطًّا)): ((كَسلَانًا)) مَصرُوفًا. وَلَيسَ
بِشَيءٍ(٣)، والله أعلم.
(٨٩/٣م) الحديثُ الثَّالِثُ
وعنْ هَمَّام، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ الله: ((إذَا قَامَ أحَدُكُم
من الليلِ، فَاسْتَعَّجَمَ القُرآنُ على لِسَانِهِ، فَلَم يَدرِ مَا يَقُولُ: فَلَيَضطَجِع)).
رواهُ مسلمٌ.
فيه فوائدُ:
■ الأُولَى: رَواهُ مسلمٌ، عن مُحَمَّدِ بنِ رَافِعٍ، وأبو دَاوُد، عن أحمَدَ بنِ
حَنْبَلٍ (٤): كِلَاهُمَا، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ.
(١ - ١) ليس في: (ح).
(٢) البخاري (٦١٧٩)، مسلم (١٦/٢٢٥٠).
(٣) قاله صاحب المفهم (٤١٠/٢).
(٤) مسلم (٢٢٣/٧٨٧)، وأبو داود (١٣١١).

=
١٠٥
صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
ورَواهُ النسائيُّ في ((فَضَائِلِ القُرآنِ))، من ((سُنَتِهِ)) (١)؛ من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ
المُبارَكِ، عن مَعمَرٍ .
ويَشْهَدُ لَّهُ مَا في ((الصَّحِيحَينِ))(٢) عن عَائِشَةَ ﴿يَا؛ أَنَّ النَّبِي ◌َِّ، قال: ((إِذَا
نَعَسَ أحَدُكُمْ في الصَّلَاةِ فَلَيَرَقُد، حَتَّى يَذْهَبَ عنهُ الثَّومُ، فَإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى، وهُو
نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَستَغْفِرُ، فَيَسُبَّ نَفسَهُ)). ومَا في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٣) عن أنَسٍٍ،
عن النَّبِيِ وَ ﴿: ((إِذَا نَعَسَ في الصَّلَاةِ: فَلَيَنَم، حَتَّى يَعلَمَ مَا يَقْرَأُ».
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((إِذَا قَامَ أحَدُكُم من الليلِ)) يَحتَمِلُ وجِهَينِ :
أحَدُهُمَا: أن يكون(٤) القِيَامُ هُنَا على بابِهِ، والمُرَادُ القِيَامُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ
يَحتَمِلُ على هذا أن يَكُونَ القِيَامُ على ظَاهِرِهِ، وإن لَم يَشرَع في الصَّلَاةِ، ويَحْتَمِلُ
أن يُرَادَ بِهِ القِيَامُ لِلصَّلَاةِ مَعَ الدُّخُولِ فيهَا، ويَدُلُّ لِذلك: قَولُهُ في حديثَي (٥)
عَائِشَةَ، وأَنَسٍ (٦): ((إِذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ(٧) في الصَّلَاةِ».
ثَانِيهِمَا: أن يُرَادَ بِالقِيَامِ من الليلِ نَفسُ صَلَاةِ الليلِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِصَلَاةِ الليلِ:
قِيَامُ الليلِ .
■ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: ((قام فَاستَعجَمَ القُرآنُ على لِسَانِهِ). بِفَتحِ النَّاءِ من قَولِهِ:
(فَاستَعجَمَ)). ورَفع النُّونِ من قَولِهِ: ((القُرآنُ)). على أنَّهُ فَاعِلٌ؛ أي: استَغلَقَ، ولَم
يَنْطِقِ بِهِ لِسَانُهُ، لِغَلَبَةِ النُّعَاسِ، كَأنَّهُ صَارَت بِهِ عُجمَةٌ، لِاختِلَاطِ حُرُوفِ النَّاعِسِ،
وعَدَمِ بَيَانِهَا .
قال في ((الصِّحَاحِ))(٨): استَعجَمَ عَلَيهِ الكَلَامُ: استَبهَمَ. وقال في
((المُحكَمٍ)) (٩): استَعجَمَ الرَّجُلُ: سَكَتَ، واستَعجَمَت عَلَيهِ (٩٠/٣م) قِرَاءَتُهُ:
(١) النسائي في الكبرى (٨٠٤٤).
(٣)
البخاري (٢١٣).
(٢) البخاري (٢١٢)، مسلم (٧٨٦).
(٤) ليس في: (م).
(٦) البخاري (٢١٢)، ومسلم (٢٢٢/٧٨٦).
(٧)
(٥)
في (م): ((حديث)).
ليس في: الأصل.
بعده في الأصل: ((إذا)). وينظر: الصحاح (١٩٨٢/٥).
(٨)
المحكم (٣٤٣/١).
(٩)

١٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
انقَطَعَت، فَلَم يَقدِر على القِرَاءَةِ من نُعَاسٍ. وقال في ((المَشَارِقٍ))(١): استَعجَمَ عَلَيهِ
القُرآنُ: لَم يُفصِحِ بِهِ (٢لِسَانُهُ. ثُمَّ قال: اسْتَعجَمَ القُرآنُ على٢) لِسَانِهِ؛ أي: ثَقُلَت
عَلَيْهِ القِرَاءَةُ، كَالأعجَمِيٍّ. وقال في ((النِّهَايَةِ))(٣): استَعجَمَ القُرآنُ على لِسَانِهِ؛
أي: أُرْتِجَ عَلَيْهِ، فَلَم يَقدِر أن يَقرَأ، كَأنَّهُ صَارَ بِهِ عُجمَةٌ.
■ الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((فَلَم يَدرِ مَا يَقُولُ)). يَحتَمِلُ مَعنَاهُ أوجُهَا:
أحَدُهَا: أنَّهُ لِنُعَاسِهِ صَارَ لَا يَفْهَمُ مَا يَنطِقُ بِهِ.
والثَّانِي: أنَّهُ لَا يَدرِي، لِشِدَّةِ نُعَاسِهِ، مَا بَعدَ اللفظِ الذِي نَطَقَ بِهِ، حَتَّى
يأتي بِهِ.
[١٩٧/١ظ] والثَّالِثُ: أنَّهُ لِشِدَّةِ نُعَاسِهِ: لَا يَقدِرُ على النُّطْقِ أصلًا، وهَذِهِ
مَرَاتِبُ؛ أخَفُّهَا الأولُ، وأشَدُّهَا الأخِيرُ.
الخَامِسَةُ: الأمرُ بِالاضطِجَاعِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، هَل هُو على سَبيلٍ
الاِستِحبابِ، أو الإِيجَابِ؟
قال والِدِي تَخْذُ: ظَواهِرُ الأحَادِيثِ تَقتَضِي وُجُوبَ [ذلك، فَأَمَّا من حَيثُ
المَعنَى: فَإِن كَانَ النُّعَاسُ خَفيفًا، بِحَيثُ يَعلَمُ المُصَلِّي النَّاعِسُ أنَّهُ أتَى بِواجِباتٍ
الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، فَلَا يَجِبُ عَلَيهِ الخُرُوجُ منهَا. وإن كَانَ بِحَيثُ لَا
يَعلَمُ مَا أتَى بِهِ من الواجِباتِ، فَصَلَاتُهُ غَيرُ صَحِيحَةٍ، فَيَجِبُ الخُرُوجُ منهَا، ثُمَّ إِن
ذَهَبَ عنهُ النَّومُ بِأمرٍ آخَرَ غَيرِ الاضطِجَاعِ، من تَبَرُّدٍ بِمَاءٍ، أو غَيرِ ذلك: فَلَا شَكَّ
أنَّهُ لَا يَجِبُ ذلك؛ لِأَنَّهُ وسِيلَةٌ إلَى ذَهَابِ النَّومِ وقَد ذَهَبَ، فَإِذَا حَصَلَ المَقصِدُ
سَقَطَت الوسَائِلُ، وإن لَم يَذهَب ذلك إلا بِالاضطِجَاعِ: وجَبَ عَلَيهِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمَة
لِلواجب.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): إنَّ مَن اعتَرَاهُ](٥) ذلك في الفَرِيضَةِ، وكَانَ في
(١) مشارق الأنوار (٦٨/٢).
(٢ - ٢) ليس في: (ح).
(٣) النهاية في غريب الحديث (١٨٧/٣). (٤) إكمال المعلم (١٥١/٣).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).

صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
عدى
١٠٧
=
الوقتِ سَعَةٌ: لَزِمَهُ أن يَفعَلَ مِثلَ ذلك ويَنَامَ؛ حَتَّى يَتَفَرَّغَ لِلصَّلَاةِ. انتَهَى. فَحَمَلَ
الأمرَ في ذلك على الوُجُوبِ. انتَهَى كَلَامُ والِدِي ◌َُّ .
والظَّاهِرُ: حَملُ الأمرِ في ذلك على الاستحبابِ مُطلَقًّا، ومَا دَامَ النُّعَاسُ
خَفيفًا فَلَا وجهَ لِلوُجُوبِ، وإِذَا اشْتَدَّ النُّعَاسُ انقَطَعَتِ الصَّلَاةُ لِشِدَّتِهِ، فَلَا يَحتَاجُ
إلَى إِيجَابِ القَطعِ؛ لِأَنَّهُ يَحصُلُ بِغَيرِ اختيارِ المُصَلِّي، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: ظَاهِرُ لَفِظِ الحديثِ اخْتِصَاصُ ذلك بِصَلَاةِ الليلِ، لَكِنَّ
المَعنَى يَقتَضِي أنَّ سَائِرَ الصَّلَواتِ في ذلك سَواءٌ، وأَنَّهُ لَا فَرقَ بَينَ الفَرضِ
والنَّفَلِ. والتَّقِيدُ بِالقِيَامِ من الليلِ إِنَّمَا هُو؛ لِأَنَّ الغَالِبَ غَلَبَةُ النُّعَاسِ فِي صَلَاةِ
الليلِ، دُونَ صَلَاةِ النَّهَارِ، ومَا خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ لَا مَفهُومَ لَهُ.
وقَد يُقَالُ: إنَّ المَعنَى يَقْتَضِي اختِصَاصَ ذلك بِصَلَاةِ الثَّفْلِ، لِجَوازِ الخُرُوجِ
من صَلَاةِ النَّلِ دُونَ الفَرضِ.
حَكَى القَاضِي عِيَاضٌ (١) عن مَالِكِ وجَمَاعَةٍ من العُلَمَاءِ: أنَّهُم حَمَلُوا
الحديثَ على صَلَاةِ (٩١/٣م) الليلِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ (٢) غَلَبَةِ الثَّومِ، إِنَّمَا هِيَ في الليلِ.
وحَكَى النَّووِيُّ(٣)، عن مَذْهَبِنَا ومَذهَبِ الجُمُهُورِ: أنَّهُ عَامٌّ في صَلَاةِ الفَرضِ
والنَّفَلِ، في الليلِ والنَّهَارِ .
■ السَّابِعَةُ: مَحَلُّ هذا الأمرِ: مَا إذَا لَم يَكُنْ فِي فَرِيضَةٍ قَد ضَاقَ وقتُهَا،
فَإِن ضَاقَ الوقتُ، بِأن لَم يَبقَ منهُ إلا (٤) زَمَنٌ يَسَعُ صَلَاةَ الفَرضِ، فَلَيسَ لَهُ
الخُرُوجُ منهَا، كَذَا حَمَلَهُ على ذلك القَاضِي عِيَاضٌ، وقال(٥): إنَّهُ يُصَلِّي على مَا
أمكَنَهُ، ويُجَاهِدُ نَفسَهُ، ويُدَافِعُ النَّمَ جَهدَهُ، ثُمَّ إن تَحَقَّقَ أنَّهُ أَدَّاهَا وعَقَلَهَا أجزَأَتُهُ،
وإلا أعَادَهَا .
قال والِدِي ◌َّتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): ومَا ذَكَرَهُ هُو الذِي يَمْشِي على قَواعِدٍ
(١) إكمال المعلم (١٥١/٣).
(٣) شرح مسلم (٦/ ٧٤).
(٥) إكمال المعلم (١٥١/٣).
(٢) في الأصل، (م): ((الغالب)).
(٤) ليس في: (م).

١٠٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مَذْهَبِنَا، كَمَا في مَسألَةٍ: مَا إذَا قُدِّمَ الطَّعَامُ، وقَد بَقِيَ من الوقتِ مَا يَسَعُ قَدرَ
الصَّلَاةِ، [وفيهِ وجهٌ حَكَاهُ المُتَولِّي: أنَّهُ يَأْكُلُ، وإن خَرَجَ الوقتُ، وهُو قَولُ أهلِ
الظَّاهِرِ .
وقَد يُفَرَّقُ بَيْنَ البابَينِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ بِحَضِرَةِ الطَّعَامِ لَا تُؤَدِّي إِلَى حَالَةِ النَّاعِسِ
الذِي لَا يَدرِي مَا يَقُولُ، وأنَّ مَن أدَّاهُ النُّعَاسُ إلَى هَذِهِ الحَالَةِ، لَا يَستَمِرُّ في
صَلَاةِ الفَرضِ، ولَا يَشرَعُ(١) فيهَا، حَتَّى يَكُونَ على حَالَةٍ يَدرِي أَنَّهُ أتَى بِواجِباتِ
الصَّلَاةِ .
وقَد رَوى ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهِيدِ))(٢) بِإِسنَادِهِ إلَى الضَّحَّاكِ، في قَوله
تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]. قال: سُكرُ النَّومِ. قال
ابنُ عَبدِ البَرِّ: ولا أعلَمُ أحَدًا قال ذلك غَيرَ الضَّحَّاكِ.
قال والِدِي تَخْتُ: إلا أنَّ الآيَةَ دَلَّت على أنَّ مَن لَا يَعلَمُ مَا يَقُولُ: لَا
يَدخُلُ في الصَّلَاةِ](٣)، فَمَن أدَّاهُ غَلَبَةُ النَّومِ إلَى ذلك، فَهُو مَنهِيٌّ عن الدُّخُولِ
فيها، وعن (٤) إتمَامِهَا بَعدَ الشُّرُوعِ، حَتَّى يَعلَمَ مَا يَقُولُ. انتَهَى.
■ الثَّامنةُ: على تَقدِيرٍ(٥) أن يُحمَلَ القِيَامُ من الليلِ على نَفسِ الصَّلَاةِ،
فَإِذَا أُمِرَ بِإِيطَالِ الصَّلَاةِ بَعدَ الشُّرُوعِ فيهَا، عند ظُرُوءِ النُّعَاسِ، فَعَدَمُ الدُّخُولِ فيها
أولَى بذلك؛ [لأنَّهُ يُغَفَرُ في الدَّوامِ مَا لَا يُغتَفَرُ في الابتِدَاءِ(٦).
■ التَّاسِعَةُ: [١٩٨/١ و] عُلِّلَ الأمرُ بالرُّقَادِ، في حديثِ عَائِشَةَ بِأنَّهُ: (لَعَلَّهُ
يَذْهَبُ يَستَغفِرُ، فَيَسُبَّ نَفسَهُ)). وقال في حديثٍ آخَرَ(٧): ((حَتَّى بَعلَمَ مَا يَقرَأُ).
والقَدرُ المُشتَرَكُ بَيْنَ العِلَّتَينِ، خَشَةُ التَّخلِيطِ فيمَا يَأتي بِهِ من القِرَاءَةِ والدُّعَاءِ،
والأمرُ في القِرَاءَةِ أَشَدُّ لِوُجُوبِهَا، ولِعِظَمِ المَفسَدَةِ في تَغِيرِ القُرآنِ .
(١) في (م): (يسرع)).
(٢) التمهيد (١١٨/٢٢).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٥) في (م): (تقرير)).
(٤) في الأصل، (م): ((ومن)).
(٦) ينظر: الأشباه والنظائر: للسبكي (٣٣٥/١)، ولابن نجيم (٣٣٣/١).
أخرجه البخاري (٢١٣).
(٧)

صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
كير
١٠٩
=
فَإِن قُلتَ: كَيفَ يُؤَاخَذُ العَبدُ بِمَا لَم يَقصِد النُّطْقَ بِهِ؛ من تَغْيِيرِ نَظِمِ القُرآنِ،
أو دُعَائِهِ على نَفْسِهِ، وهُو نَاعِسٌ؟
قُلتُ: قَال والِدِي تَخُّْهُ: الجَوابُ عنهُ من وجهَينِ:
أحَدُهُمَا: أنَّ مَن عَرَّضَ نَفسَهُ لِلوُقُوعِ في ذلك، بَعدَ النَّهي عنهُ، فَهُو مُتَعَدِّ
بِالصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، فَجِنَايَتُهُ على نَفْسِهِ، وهذا إذَا كَانَ عَالِمًا (٩٢/٣م) بِالنَّهيِ.
والوجه الثَّانِي: أنَّ وإن قُلنَا: إنَّهُ غَيرُ آثِم، لِعَدَم قَصدِهِ ذلك](١)، فَالمَقصُودُ
من الصَّلَاةِ: أدَاؤُهَا على مَا أُمِرَ بِهِ، وتَحصِيلُ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ، بِكَونِهِ أقرَبَ مَا يَكُونُ
من رَبِّهِ وهُو سَاجِدٌ، فَإِذَا فَاتَ المَقصُودُ، بِكَونِهِ لَم يَعلَم مَا أتَى بِهِ من الواجِباتِ،
ولَم يَحصُل لَهُ إِجَابَةُ مَا قَصَدَ أن يَدْعُو بِهِ لِنَفسِهِ، فَهُو مَنِهِيٌّ عن تَكَلِيفِ نَفْسِهِ بِمَا
لَا فَائِدَةَ فيهِ، واللهُ أعلمُ.
العَاشِرَةُ: قَد يُدَّعَى أنَّ في حديثٍ أبي هُرَيْرَةَ زِيَادَةً على حديثَي عَائِشَةً
وأنَسٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ دِرَايَتِهِ لِمَا يَقُولُ قَدْ يَكُونُ لِنُعَاسٍ، وقَد يَكُونُ لِشَغْلِ فِكرٍ، أو
لِغَيرِ ذلك من الأسبابِ، لَكِنَّ الأغلَبَ كُونُهُ للنُّعَاسِ.
الحَادِيَةَ عَشَرَ: على تَقدِيرِ أن يُحمَلَ القِيَامُ من الليلِ على القِيَامِ
لِلصَّلَاةِ، وإن لَم يَشرَع في الصَّلَاةِ، فَفيهِ (٢) مَنِعُ النَّاعِسِ من قِرَاءَةِ القُرآنِ، ولَو
كَانَ في غَيرِ صَلَاةٍ، والمَعنَى فيهِ(٣): مَا يُحذَرُ من تَغيِيرِهِ لِكَلَامِ اللهِ تعالى، وإن
كَانَ في الصَّلَاةِ قَدرُ زَائِدٌ، وهُو أنَّهُ إِذَا لَم يَعلَم مَا قَرَأ من الواجِبِ، لَم يُؤَدِّ
فَرِضَهُ.
■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: أمَرَهُ بِالاضطِجَاعِ؛ لِأَنَّهُ الهَيئَةُ المَحمُودَةُ في النَّومِ
والمَعُهُودَةُ غَالِبًا، فَلَو استَلقَى أو نَامَ فَاعِدًا حَصَلَ الغَرَضُ بذلك.
، الثَّالِثَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ بِهِ على أنَّ النُّعَاسَ لَا يَنقُضُ الوُضُوءَ، فَإِنَّهُ لَم
يُعَلِّل قَطعَ صَلَاةِ النَّاعِسِ بِبُطلَانِ طَهَارَتِهِ، وإِنَّمَا عَلَّلَهُ بِتَوقُّعِ الغَلَطِ منهُ، والنُّعَاسُ
(١) ما بين المعكوفین ليس في: (ح).
(٣) ليس في: (ح).
(٢) في الأصل، (م): ((ففي)).

=
١١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
دُونَ النَّومِ، [وحَقِيقَةُ النَّومِ: استِرِخَاءُ البَدَنِ، وزَوالُ الاستِشعَارِ، وخَفَاءُ الكَلَامِ،
ولَيسَ ذلكَ في النُّعَاسِ.
وأمَّا قَولُ صَاحِبِ ((المُحكَم)) (١): إنَّ النُّعَاسَ النَّومُ] (٢). فَهُو مُخَالِفٌ لِكَلَامِ
أكثَرِ أهلِ اللُّغَةِ(٣)، وقَد صَرَّحَ الشَّاعِرُ، بِأنَّهُ دُونَهُ في قَولِهِ(٤):
وَسْنَانُ أَثْقَلَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ فِي عَينِهِ سِنَةٌ وَلَيسَ بِنَائِمٍ
وقَد قال صَاحِبُ ((المُحكَم)) بَعدَ ذلك: وقِيلَ: مُقَارَبَتُهُ. وهذا هُو المُوافِقُ
لِكَلَامِ غَيرِهِ، واللهُ أعلمُ.
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: استَدَلَّ بِهِ صَاحِبُ ((المُفهِم)) (٥)، على أنَّ النَّومَ لَيسَ
بِحَدَثٍ، من حَيثُ إِنَّهُ لَم يَجعَل ذلك عِلَّةَ نَقْضِ طَهَارَتِهِ.
قال والِدِي كَّلُ: وفيهِ نَظَرٌ، من حيثُ إنَّهُ لَا تَعَرُّضَ في الحديثِ لِلنَّومِ،
وقَد يُؤَدِّي النُّعَاسُ إِلَى النَّومِ، وقَد لَا يُؤَدِّي إلَيهِ، بِأن يَستَمِرَّ المُصَلِّي على صِفَّةِ
النَّاعِسِ حَتَّى يَفْرُغَ.
■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: فيهِ إشَارَةٌ إلَى الحَضِّ على الإقبالِ على الصَّلَاةِ
بِخُشُوعٍ، وفَرَاعٍ قَلْبٍ، ونَشَاطِ، وتَعَقُّلِ، لِمَا يَقرَأهُ ويَدُو بِهِ.
■ السَّادِسَةَ عَشَرَ: الظَّاهِرُ أنَّ المُرَادَ بِسَبِّ نَفسِهِ، في حديثٍ عَائِشَةَ هُو
الدُّعَاءُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ (٩٣/٣م) إِذَا ذَهَبَ يَسْتَغْفِرُ، ويَدْعُو لِنَفْسِهِ، وهُو لَا يَعِقِلُ: رُبَّمَا
قَلَبَ الدُّعَاءَ فَدَعَا على نَفْسِهِ.
أمَّا الشَّتمُ فَلَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا، وفي ((صَحِيحِ مسلم)) (٦) [من حديثٍ
أُمِّ سَلَمَةَ: ((لَا تَدعُوا على أنفُسِكُم إلا بِخَيرٍ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمنونَّ على مَا تَقُولُونَ)).
(١) المحكم (٤٩٤/١).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣) ينظر: الصحاح (٩٨٣/٣)، وتهذيب اللغة (٦٤/٢).
البيت منسوب لعدي بن الرقاع العاملي، وهو من الكامل. وهو في ديوانه (٥٩/١).
(٤)
والترنيق: هو مخالطة النوم للعين. ينظر: أمالى المرتضي (١٥١/١)، ونهاية الأرب
(٥٧/٢)، والمحكم (٣٧٤/٦)، وتاج العروس (٣٧٠/٢٥).
(٥) المفهم (٤١٦/٢).
(٦) مسلم (٧/٩٢٠).

5
١١١
صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
=
قالهُ فِي قِصَّةٍ وفَاةِ أبِي سَلَمَةَ، حِينَ ضَجَّ نَاسٌ من أهلِهِ.
وفي مسلم أيضًا](١) من حديثٍ جَابِرِ: ((لَا تَدعُوا على أنفُسِكُم، ولا على
أولَادِكُم، ولَا علَى أموالِكُم، لَا تُوافِقُوا من اللّهِ سَاعَةً، يُسألُ فيهَا عَطَاءَ، فَيَسْتَجِيبُ
لگم».
وهُو في ((سُنَنِ أبي دَاوُد))، بِزِيَادَةٍ قَولِهِ: ((ولا على خَدَمِكُم))، وقال في
آخِرِهِ: ((فَيُوافِقُ ذلك من اللّهِ إِجَابَةً)).
وهذانِ الحديثَانِ: فيمَن دَعًا على نَفسِهِ، بِقَصدِ ذلك وحديثُ البابِ: فيمَن
جَرَى(٢) على لِسَانِهِ، لِغَلَبَةِ النُّعَاسِ ونَحوِهِ عَلَيهِ، من غَيرِ قَصدٍ لِذلك.
■ السَّابِعَةَ عَشَرَ: استَدَلَّ بِهِ بَعضُهُم على: أنَّهُ لَيسَ لِلإِنسَانِ أن يَسُبَّ
نَفْسَهُ.
وفيهِ نَظَرٌ [١٩٨/١ظ] لِمَا تَقَدَّمَ من أنَّ مَعنَى سَبِّ نَفسِهِ هُنَا: الدُّعَاءُ عَلَيهَا،
ثُمَّ إِنَّهُ لَيسَ في الحديثِ مَا يَقْتَضِي مَنعَ ذلك، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّامنةَ عَشَرَ: يَجُوزُ فِي قَولِهِ: ((فَيَسُبَّ)). الرَّفعُ: عَطفًا على ((يَذْهَبُ)).
والنَّصبُ: جَوابًا لِلتَّرَجِّي، كَمَا في قوله تعالى: ﴿لَّعَلِّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ
أَسْبَبَ
السَّمَتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]. على قِرَاءَةِ حَفصٍ بِالنَّصبِ(٣).
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). والحديث عند مسلم (٣٠٠٩).
(٢) بعده في (ح): ((ذلك)).
(٣) على أنه جواب التمني؛ كأنه جعله جوابًا بالفاء لكلام غير موجب، والمعنى: أني إذا
اطلعت بلغت. وقرأ شعبة عن عاصم والباقون: بالرفع، نسقًا على قوله: ((أبلغُ))،
والمعنى: لعلى أبلغُ، ولعلى أطلعُ. ينظر: السبعة لابن مجاهد (ص٥٧٠)، الحجة
لابن زنجلة (ص٦٣١)، ولابن خالويه (٣١٥).

١١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بَابُ قِيَامِ رَمَضَانَ
عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ رُّ، قالت: ((صَلى رسولُ اللهِ وَِّ لَيلَةً في
المَسجِدِ فِي شَهرِ رَمَضَانَ ومَعَه نَاسٌ، ثُمَّ صَلى الثَّانِيَةَ، فاجتَمَعَ تِلَكَ الليلَةَ
أكثَرُ من الأُولى، فلَمَّا كَانَت (١) الثَّالِئَةُ، أو (٢) الرَّابِعَةُ، امتَلَأْ المَسجِدُ حَتَّى
اغتَصَّ بِأهلِهِ، فَلَم يَخرُج (٩٤/٣م) إليهِم رسولُ الله ◌َِّ، فَجَعَلَ النَّاسُ
يُنَادُونَه: الصَّلَاةَ، فلَم يَخرُج، فلَمَّا أصبَحَ، قال لَه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: مَا
زَالَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَك البَارِحَةَ؟ قال: ((أمَا إِنَّهم لَم يَخف عَلَيَّ أمرُهم،
ولَكِنِّي(٣) خَشِيتُ أن تُكتَبَ عَلَيهِم)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرَجَه الشيخانِ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٤) [من طَرِيقِ مَالِكٍ.
وأخرَجَه الْبُخَارِيُّ أيضًا(٥) من طَرِيقِ عُقَيلٍ .
وأخرَجَه مُسلِمٌ أيضًا، والنسائيُّ(٦) من طَرِيقٍ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ؛ كُلُّهم عن الزُّهرِيِّ.
وفي رِوايَتَي عُقَيلٍ، ويُونُسَ: الجَزمُ بِأَنَّ الليلَةَ التي لَم يَخرُج فيهَا النَّبِي ◌ِّ
هِيَ الرَّابِعَةُ.
ورِوايَةُ النسائيِّ](٧) هَذِهِ: أورَدَهَا في الصَّومِ، وزَادَ فيهَا: ((وكَانَ يُرَغِّبُهم
(١) بعده في (ح): ((الليلة)).
(٢) في (ح): ((و)).
(٣)
في الأصل: ((ولكن)).
البخاري (١١٢٩)، ومسلم (١٧٧/٧٦١)، وأبو داود (١٣٧٣)، والنسائي (١٦٠٣).
(٤)
(٥)
البخاري (٢٠١٢).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٦) مسلم (١٧٨/٧٦١)، النسائي (٢١٩٢).

=
بَابُ قِيَامٍ رَمَضَانَ
١١٣
في قِيَامِ رَمَضَانَ، من غَيرِ أن يَأْمُرَهم بِعَزِيمَةٍ)). الحَدِيثَ.
وقال في عِدَّةِ أحَادِيثَ، هَذا من جُمْلَتِهَا: كُلُّهَا عِندِي خَطَأُ، ويَنبَغِي أن
يَكُونَ: ((وكَانَ يُرَغِّبُهم)). من كُلَامِ الزُّهرِيِّ، لَيسَ عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: استُلِلَّ بِهِ على أنَّ الأفضَلَ في قِيَامِ شَهرِ رَمَضَانَ، أن يُفْعَلَ في
المَسجِدِ في جَمَاعَةٍ، لِكَونِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ فعَلَ ذَلِكَ، وإنَّمَا تَرَكَه لِمَعَنَّى،
قَد أُمِنَ بِوفاتِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، وهو خَشيَةُ الإِفتِرَاضِ.
وبِهَذا قال الشَّافِعِيُّ، وجُمهورُ أصحَابِهِ، وأبو حَنِيفةَ، وأحمَدُ، وبَعضُ
المَالِكِيَّةِ(١) .
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِهِ))(٢) فِعلَه عن: عَلِيٍّ، وابنٍ مَسعُودٍ، وأُبَيِّ بنِ
كَعبٍ، وسُويدٍ بنِ غَفْلَةَ، وزَاذانَ، وأبي البَختَرِيِّ، وغَيرِهِم. وقَد أمَرَ بِهِ عُمَرُ بنُ
الخَطَّابِ رَبُه، واستَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ ﴿ُه، وسَائِرِ المُسلِمِينَ، وصَارَ من
الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ؛ حَصَلَاةِ العِيدِ.
وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٣) عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ عبدِ القَارِئ، أنَّه قال:
((خَرَجت مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إلى المَسجِدِ، فإذا النَّاسُ أوزَاعٌ
مُتَفرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفسِهِ، ويُصَلِّي الرَّجُلُ، فيُصَلِّ بِصَلَاتِهِ الرَّهطُ، فقال
عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَو جَمَعتُ(٤) هَؤُلَاءِ على قَارِئٍ واحِدٍ لَكَانَ أمثَلَ، (٢٩٥/٣) ثُمَّ
عَزَمَ فَجَمَعَهم على أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، ثُمَّ خَرَجتُ مَعَه لَيلَةً أُخرَى، والنَّاسُ يُصَلُّونَ
بِصَلَاةٍ فَارِئِهِم، فقال عُمَرُ: نِعمَ البِدعَةُ هَذِهِ، والتي يَنَامُونَ عنهَا أفضَلُ من التي
يَقُومُونَ، يُرِيدُ آخِرَ الليلِ، وكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أولَه)).
وفي ((سُنَنِ أبي دَاوُ))(٥) عن أبي هرَيرَةَ نَظُبه: ((أنَّ النَّبِيِ وَ رَأَى نَاسًا
يُصَلُّونَ فِي المَسجِدِ، فقال: مَا هَؤُلَاءِ؟ فقِيلَ: نَاسٌ لَيسَ مَعَهم قُرآنٌ، يُصَلُّونَ
(١) ينظر: شرح ابن بطال على البخاري (١٧٦/٣)، وشرح النووي على مسلم (٦٠/٤).
(٣) البخاري (٢٠١٠).
(٢) المصنف (٣٧٩/٢).
(٤) في (م): ((جمعتم)).
(٥) أبو داود (١٣٧٧).

=
١١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بِصَلَاةِ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، فقال: أصَابوا، ونِعمَ مَا صَنَعُوا)). قال أبو داودَ: ولَيسَ هَذا
الحَدِيثُ بِالقَوِيِّ، مُسلِمُ بنُ خَالِدٍ ضَعِيفٌ(١).
وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد))، والتِّرمِذيِّ، والنسائيِّ(٢) عن أبي ذَرِّ ◌َظُبه، قال:
صُمِنَا مَعَ رسولِ الله ◌ِ ◌ّهِ رَمَضَانَ، فَلَم يَقُم بِنَا شَيئًا من الشَّهرِ(٣)، حَتَّى بَقِيَ سَبعٌ،
فَقَامَ بِنَا (٤)، حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ الليلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَم يَقُم بِنَا، فَلَمَّا كَانَت
الخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ الليلِ، فقلتُ: يَا رسولَ الله، لَو نَفلتنَا قِيَامَ(٥)
هَذِهِ الليلَةِ ؟ فقال: ((إنَّ الرَّجُلَ إذا صَلى مَعَ الإِمَام [١٩٩/١و]، حَتَّى يَنصَرِف،
حُسِبَ لَه قِيَامَ لَيْلَةٍ)). فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَم يَقُم بِنَا (٦)، فَلَمَّا كَانَت الثَّالِئَةُ جَمَعَ
أهلَه ونساءَه(٧) والنَّاسَ، فقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أن يَفُوتَنَا الفلاحُ. قال الرَّاوِي:
قلتُ: ومَا الفلاحُ؟ قال: السَّحُورُ، ثُمَّ لَم يَقُم بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهرِ. قال التِّرمِذي:
حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قال ابنُ عبدِ البَرّ(٨): وهَذا كُلُّه يَدُلُّ على أنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ جَائِزٌ أن يُضَاف
إلى النَّبِيِّهِ، لِحَضِّهِ عَلَيهِ، وعَمَلِهِ بِهِ، وأنَّ عُمَرَ إِنَّمَا سَنَّ منه مَا قَد سَنَّه
رسولُ الله ◌َله .
وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ فِعلَهَا فُرَادَى(٩) في البَيتِ أفضَلُ، لِكَونِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ
والسَّلَامُ واظَبَ على ذَلِكَ قَبلَ هَذِهِ الليَالِي وبَعدَهَا، وتُوُفي والأمرُ على ذَلِكَ، ثُمَّ
كَانَ الأمرُ على ذَلِكَ في خِلَافةِ أبي بَكرٍ، وصَدرًا من خِلَافةِ عُمَرَ.
وإِنَّمَا وقَعَ تَغيِيرُه في خِلَافَةِ عُمَرَ، سَنَةَ أربَعَ عَشرَةَ من الهِجرَةِ، واعتَرَف
عُمَرُ ◌َهُ: بِأَنَّهَا مَفضُولَةٌ، [كَمَا تَقَدَّمَ من ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)).
(١) أبو خالد المكي الزنجي، ينظر: تهذيب الكمال (٥٠٨/٢٧)، وميزان الاعتدال (١٠٢/٤).
أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (١٦٠٤)، وهو عند ابن ماجه (١٣٢٧).
(٢)
(٣)
في (م): «السَّهر)».
ليس في: (ح).
(٥)
(٧)
ليس في: (م).
ليست في: (ح).
(٩)
(٤) في الأصل: ((بها)).
(٦) ليس في: (ح).
(٨) الاستذكار (٥٠/٢).

=
=
١١٥
بَابُ قِيَامٍ رَمَضَانَ
وفي ((الصَّحِيحَينِ)) (١) عن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ قال: احتَجَرَ رسولُ اللهِ وَُّ حُجَيرَةً
بِخُصفةٍ أو حَصِيرَةٍ، فخَرَجَ رسولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّي فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إليهِ رِجَالٌ، وجَاؤُوا
يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، ثُمَّ جَاؤُوا لَيلَةً فَحَضَرُوا، فأبطَأ رسولُ اللهِوَ ◌ّ عنهم، فلَم
يَخرُج إليهِم، فرَفعُوا أصواتَهم، وحَصَبوا البَابَ، فخَرَجَ إليهِم رسولُ اللهِ وَلِّ
مُغضَبًا، فقال لَهم: ((مَا زَالَ بِكُم صَنِيعُكُم، حَتَّى ظَنَنتُ أنَّه سَيُكتَبُ عَلَيْكُم،
فِعَلَيكُم بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُم، فإنَّ خَيرَ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلا الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ)).
لَفظُ مُسلِمٍ.
وبِهَذا قال مَالِكٌ، وأبو يُوسُف (٩٦/٣م)، وبَعضُ الشَّافِعِيَّةِ، وحَكَاه
ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): عن الشَّافِعِيِّ.
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في (مُصَنَّفِهِ)(٣) عن ابنِ عُمَرَ، وابنِهِ سَالِمٍ، والقَاسِمِ
ابنِ مُحَمَّدٍ، وعَلقَمَةَ، وإبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أنَّهم كَانُوا لَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ في شَهرِ
رَمَضَانَ.
وعن الحَسَنِ البَصرِيِّ، أنَّه سُئِلَ عن ذَلِكَ؟ فقال: تَكُونُ أنتَ تَفُوه بِالقُرآنِ
أحَبَّ إليَّ من أن يُفاهَ عَلَیك بِهِ.
وعن ابنِ عُمَرَ : تَنصَبُ (٤) كَأَنَّك (٥) حِمَارٌ.
وعن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: لَو لَم يَكُن مَعِي إلا سُورَةٌ أو سُورَتَانٍ؛ لأن
أُرَدِّدَهما(٦) أحَبُّ إليَّ من أن أقُومَ خَلف الإمَامِ فِي شَهرِ رَمَضَانَ.
وفصَّلَ بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ، فقال: إن كَانَ حَافِظًا لِلقُرآنِ، ولَا يَخَافُ الكَسَلَ
عنهَا، ولَا تَختَلُّ الجَمَاعَةُ في المَسجِدِ بِتَخَلُّفِهِ فالاِنفِرَادُ، وإن فُقِدَ بَعضُ هَذا
فالجَمَاعَةُ أفضَلُ.
(١) البخاري (٦١١٣)، ومسلم (٢١٣/٧٨١).
(٢) التمهيد (١١٦/٨)، والاستذكار (١٥٨/٥)، وقال في حاشية (ت): ((حكاه الترمذي
(١٦٩/٣) عن الشافعي، وتابعه البغوي في شرح السُّنَّة (١٢٣/٤)).
(٣) المصنف (٣٩٦/٢).
(٤) في المصنف: ((تنصت)).
في الأصل: ((أنك)).
(٥)
(٦) في (م): ((أرددها)).

=
١١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ففي المَسألَةِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ ثَلَاثَةُ أوجُهِ (١)، وقال العِرَاقِيُّونَ، والصَّيدَلَانِيُّ،
وغَيرُهم: الخِلَافُ في ذَلِكَ إِنَّمَا هو فيمَن كَانَ حَافِظًا لِلقُرآنِ، آمنًا من الكَسَلِ، لَا
تَخْتَلُّ الجَمَاعَةُ فِي المَسجِدِ بِتَخَلُّفِهِ، فإن فقَدَ بَعضَ هَذِهِ فالجَمَاعَةُ أفضَلُ قَطعًا .
وهَذا الخِلَافُ الذي عِندَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ، الأشهَرُ أنَّه وجهَانِ لِلأصحَابِ،
وقِيلَ: إِنَّه قَولَانِ لِلشَّافِعِيِّ ◌َُّهُ.
وأجَابَ الأولُونَ: بِأنَّ تَركَ المُواظَبَةِ على الجَمَاعَةِ في التَّرَاوِيحِ: إِنَّمَا كَانَ
لِمَعَنَّى، وقَد زَالَ كَمَا تَقَدَّمَ، وقَالُوا: لَم يَعتَرِفِ عُمَرُ ﴿ه، بِأَنَّهَا مَفضُوْلَةٌ](٢).
وقَولُه: ((والتي يَنَامُونَ عنهَا أفضَلُ)). لَيسَ فيهِ تَرجِيحُ الاِنفِرَادِ، ولَا تَرجِيحُ
فِعِلِهَا في البَيتِ، وإِنَّمَا فيهِ تَرجِيحُ آخِرِ الليلِ على أولِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّاوِي،
بِقَولِهِ: يُرِيدُ آخِرَ الليلِ.
قال الطّحَاوِيُّ(٣): وكُلُّ مَن اختَارَ التَّفرُّدَ فيَنبَغِي أن يَكُونَ ذَلِكَ على ألَّ
يَنْقَطِعَ مَعَه القِيَامُ في المَسجِدِ، فأمَّا الذي يَنْقَطِعُ مَعَه القِيَامُ في المَسجِدِ فلا، قال:
وقَد أجمَعُوا على أنَّه لَا يَجُوزُ تَعطِيلُ المَسَاجِدِ عن قِيَامِ رَمَضَانَ، فصَارَ هَذا القِيَامُ
واجِبًا [١٩٩/١ظ] على الكِفايَةِ، فمَن فعَلَه كَانَ أفضَلَ مِمَّن انفرَدَ؛ كَالفُرُوضِ التي
على الكفاية. انتهى.
وفيمَا ذَكَرَه من الوُجُوبِ (٤) على الكِفايَةِ نَظَرٌ، والذي ذَكَرَه صَاحِبُ ((الهِدَايَةِ))
من الحَنَفيةِ(٥)، إنَّمَا هو السُّنَّهُ على الكِفايَةِ، وعِبَارَتُه: والسُّنَّةُ فِيهَا الجَمَاعَةُ، لَكِن
على وجهِ الكِفايَةِ، حَتَّى لَو امتَنَعَ أهلُ المَسجِدِ عن (٦) إِقَامَتِهَا كَانُوا مُسِيئِينَ، ولَو
أَقَامَهَا البَعضُ فالمُتَخَلِّفُ عن الجَمَاعَةِ تَارِكٌ لِلفضِيلَةِ؛ لِأَنَّ أفرَادَ الصَّحَابَةِ ﴾
رُوِيَ عنهم التَّخَلُّفُ. انتَهَى.
وكَلَامُ الليثِ بنِ سَعدٍ(٧): مُوافِقٌ لِكَلَامِ الطَّحَاوِيِّ، حَيثُ قال: لَو قَامَ
(١) ينظر: الشرح الكبير (٢٦٧/٤، ٢٦٨). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣) مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١١٢/١).
(٤)
في (ح): ((الفروض)).
(٦) في (ح): ((من)).
(٥) الهداية (٢٣٦/٢).
(٧) ذكره في التمهيد (١١٧/٨) عن الليث.

=
١١٧
بَابُ قِيَامٍ رَمَضَانَ
النَّاسُ في بُيُوتِهِم، ولَم يَقُم أحَدٌ في المَسجِدِ، لَا يَنبَغِي (٩٧/٣م) أن يَخْرُجُوا إليهِ،
حَتَّى يَقُومُوا فيهِ، فأمَّا إذا كَانَتِ الجَمَاعَةُ قَد قَامَت في المَسجِدِ، فَلا بَأسَ أن يَقُومَ
الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ ولِأهلِ بَيْتِهِ فِي بَيْتِهِ. انتَهَى.
[وقال أبو العباسِ القُرطُبي(١)، بَعدَ ذِكرِهِ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ في
جَمَاعَةٍ: ومَالِكٌ أحَقُّ النَّاسِ بِالتَّمَسُكِ بِهَذا، بِنَاءً على أصلِهِ في التَّمَسُّكِ بِعَمَلٍ
أهلِ المَدِينَةِ. انتَهَى](٢).
وحَكَيَ عن مَالِكِ، قَبَلَ ذَلِكَ: أَنَّه كَانَ أولًا يَقُومُ في المَسجِدِ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ.
قلتُ: فَيَكُونُ لَه في المَسأَلَةِ قَوْلَانٍ، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: لَم يُبَيَّن فِي هَذا الحَدِيثِ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ التي صَلَّاهنَّ النَّبِي وَلِّ
تِلكَ الليَالِيَ في المَسجِدِ، وقَد قالت عَائِشَةُ رَّ: ((مَا زَادَ النَّبِيُّ وَ ◌ّهُ فِي رَمَضَانَ،
ولَا غَيرِهِ، على إحدَى عَشرَةَ رَكعَةً))(٣). فالظَّاهِرُ أنَّه كَذَلِكَ فعَلَ فِي هَذا المَحَلِّ،
لَكِنَّ عُمَرَ رَهُ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ على صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، في شَهرِ رَمَضَانَ، مُقْتَدِينَ
بِأَبَيِّ بنِ كَعبٍ، صَلى بِهِم ◌ِشِرِينَ رَكعَةً غَيرَ الوِتِرِ، وهو ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ.
وفي ((سُنَنِ البَيْهَقِيّ)» (٤)، بِإِسنَادٍ صَحِيحِ، عن السَّائِبِ بنِ یَزِيدَ هُه، قال:
كَانُوا يَقُومُونَ على عَهدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَُّهُ، فِي شَهرِ رَمَضَانَ، بِعِشِرِينَ رَكْعَةً.
ورَوى مَالِكٌ في ((المُوطَّ)(٥) عن يَزِيدَ بنِ رُومَانَ، قال: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ
فِي زَمَنِ عُمَرَ رُِّ بِثَلَاثٍ وعِشرِينَ رَكَعَةً. وفي رِوايَةٍ: بِإِحدَى عَشْرَةَ.
قال البَيهَقِيُّ: يُجمَعُ بَيْنَ الرِّوايَاتِ بِأَنَّهم كَانُوا يَقُومُونَ بِإحدَى عَشرَةَ، ثُمَّ
قَامُوا بِعِشرِينَ، وأوتَرُوا بِثَلَاثِ، ويَزِيدُ بنُ رُومَانَ لَم يُدرِك.
وبِهَذا أخَذَ أبو حَنِيفةَ، والثَّورِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والجُمهورُ(٦).
(١) المفهم (٣٨٨/٢، ٣٨٩).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣) البخاري (١١٤٧)، مسلم (١٢٥/٧٣٨). (٤) السنن للبيهقي (٤٩٦/٢).
(٥) الموطأ (١١٥/١).
(٦) ينظر: التمهيد (١١٤/٨)، وشرح البخاري لابن بطال (١٤٨/٤)، وإكمال المعلم (٨٩/٣).

١١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ورَواه (١) ابنُ أبي شَيبَةً في ((مُصَنَّفِهِ)(٢) عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وأُبَيِّ، وشُتير(٣) بنِ
شَكَلٍ، وابنِ أبِي مُلَيكَةَ، والحَارِثِ الهَمدَانِيِّ، وأبي البَختَرِيِّ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ(٤): وهو قَولُ جُمهورِ العُلَمَاءِ، وهو الاختيارُ عِندَنَا.
انتَھَی .
وعَدُّوا مَا وقَعَ في زَمَنِ عُمَرَ ◌ّهُ كَالإِجِمَاعِ، [وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أَبِي شَيْبَةً))،
و(سُنَنِ البَيهَقِيّ)(٥) عن ابنِ عباسٍ، قال: ((كَانَ النَّبِيِ وَِّ يُصَلِّي، في رَمَضَانَ في
غَيْرِ جَمَاعَةٍ، بِعِشِرِينَ رَكِعَةً والوِتَرَ)). ضَعَّفه البَيْهَقِيُّ، وغَيْرُه، بِرِوايَةِ أبِي شَيْبَةً، جَدِّ
ابنِ أبِي شَيبةٌ(٦).
واختَارَ مَالِكٌ تَخْتُ: أن يُصَلِّيَ سِتًّا وثَلَاثِينَ رَكعَةً غَيرَ الوِتِرِ، وقال: إنَّ عَلَيهِ
العَمَلَ بِالمَدِينَةِ](٧).
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ)) (٨) عن دَاوُد بنِ قَيسٍ، قال: أدرَكت النَّاسَ
بِالمَدِينَةِ، في زَمَنِ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، وأبَانَ (٩٨/٣م) بنِ عُثمَانَ: يُصَلُّونَ سِتَّا
وثَلَاثِينَ رَكعَةً، ويُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ.
وقال صَالِحٌ، مَولى التَّوأمَةِ: أدرَكتُ النَّاسَ يَقُومُونَ بِإحدَى وأربَعِينَ رَكعَةً،
يُوتِرُونَ منهَا بِخَمسٍٍ.
قال ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي)) (٩): وصَالِحٌ ضَعِيفٌ(١٠)، ثُمَّ لَا يُدرَى مَن النَّاسُ
الذينَ أخبَرَ عنهم، فلَعَلَّه قَد أدرَكَ جَمَاعَةً من النَّاسِ يَفعَلُونَ ذَلِكَ، ولَيسَ ذَلِكَ
(١) في الأصل: ((ورواية)).
(٢) المصنف (٣٩٢/٢، ٣٩٣).
(٣) في (م): ((شكيل)). وهو تصحيف.
(٤) الاستذكار (٥٥/٢).
(٥)
مصنف ابن أبي شيبة (٣٩٤/٢)، وسنن البيهقي (٤٩٦/٢).
قال البيهقي: تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، وهو ضعيف.
(٦)
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٨) المصنف (٣٩٣/٢).
(٩) المغني (٢/ ٦٠٤).
(١٠) صالح بن نبهان، أبو محمد المدني، المعروف بمولى التوأمة بنت أمية بن خلف
القرشي، قيل: سميت التوأمة؛ لأنها ولدت ومعها أخت لها في بطن واحدة. ينظر:
الجرح والتعديل (٤١٦/٤)، وتهذيب الكمال (٩٩/١٣).

=
١١٩
بَابُ قِيَامٍ رَمَضَانَ
بِحُجَّةٍ، ثُمَّ لَو ثَبَتَ أنَّ أهلَ المَدِينَةِ كُلَّهم فعَلُوه، لَكَانَ مَا فَعَلَه عُمَرُ رَُّه، وأجمَعَ
عَلَيهِ الصَّحَابَةُ في عَصرِهِ أولى بِالاِتِبَاعِ. انتَهَى.
وقال بَعضُ أهلِ العِلم: وإِنَّمَا فَعَلَ هَذا أهلُ المَدِينَةِ؛ لِأنَّهم أرَادُوا مُسَاواةَ
أهلِ مَكَّةَ، فإنَّ أهلَ مَكَّةَ كَانُوا يَطُوفُونَ سَبعًا بَيْنَ كُلِّ تَروِيحَتَينٍ، فَجَعَلَ أهلُ
المَدِينَةِ مَكَانَ كُلِّ سَبِعٍ أَربَعَ رَكَعَاتٍ.
وقال الحَلِيمِيُّ من أصحَابِنَا، في ((مِنْهَاجِهِ))(١): فمَن اقتَدَى بِأهلِ مَكَّةً، فقَامَ
بِعِشرِينَ فَحَسَنٌ، ومَن [٢٠٠/١و] اقتَدَى بِأهلِ المَدِينَةِ، فَقَامَ بِسِتِّ وثَلَاثِينَ فحَسَنٌ
أيضًا؛ لِأنَّهم إِنَّمَا أَرَادُوا بِمَا صَنَعُوا الاقتِدَاءَ بِأهلِ مَكَّةَ في الاستِكثَارِ من الفضلِ،
لَا المُنَافسَةَ كَمَا ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ.
قال: ومَن اقتَصَرَ على عِشرِينَ، وقَرَأ فيهَا بِمَا يَقرَؤُه غَيْرُه في سِتٌّ وثَلَاثِينَ
كَانَ أفضَلَ؛ لِأنَّ ◌ُولَ القِيَامِ أفضَلُ من كَثَرَةِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، قال: والسِّرُّ في
العِشرِينَ: أنَّ الرَّاتِبَةَ في غَيرِ رَمَضَانَ عَشرُ رَكَعَاتٍ، فضُوعِفت فيهِ؛ لِأَنَّه وقتُ جِدِّ
وتَشمِيرٍ . انتَهَى.
ولَمَّا ولِيَ والِدِي تَخْتُ إِمَامَةَ مَسجِدِ المَدِينَةِ: أحَيا سُنَّتَهم القَدِيمَةَ في ذَلِكَ،
مَعَ مُرَاعَاةِ مَا عَلَيهِ الأكثَرُ، فَكَانَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ أولَ الليلِ بِعِشرِينَ رَكعَةً على
المُعتَادِ، ثُمَّ يَقُومُ آخِرَ الليلِ في المَسجِدِ بِتَّ عَشرَةَ رَكَعَةً، فَيَخْتِمُ في الجَمَاعَةِ في
شَهرِ رَمَضَانَ خَتمَتَينٍ، واستَمَرَّ على ذَلِكَ عَمَلُ أهلِ المَدِينَةِ بَعدَه، فهم عَلَيهِ (٢) إلى
الآنَ.
وكَانَ الأسودُ بنُ يَزِيدَ يُصَلِّي أربَعِينَ رَكعَةً، ويُوتِرُ بِسَبعٍ، رَواه
ابنُ أبي شَيبَةَ(٣).
(١) منهاج الدين في شعب الإيمان (٣٠٤/٢، ٣٠٥) للإمام الفقيه أبي عبد الله الحسين بن
الحسن بن محمد بن حليم الجرجاني الشافعي (ت٤٠٣هـ). سير أعلام النبلاء
(٢٣١/١٧)، وكشف الظنون (١٠٤٧/٢).
(٢) ليس في: (ح).
(٣) المصنف (٣٩٣/٢) عن عبد الرحمن بن الأسود.

=
MA
١٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال الشَّافِعِيُّ تَخُّْ(١): ولَيسَ في شَيءٍ من هَذا ضِيقٌ ولَا حَدٌّ يُنتَهَى
إليهِ(٢)؛ لِأَنَّ نَافِلَةٌ، فإن أطَالُوا القِيَامَ وأقَلُّوا السُّجُودَ فحَسَنٌ، وهو أحَبُّ إليَّ، وإن
أكثَرُوا الرُّكُوعَ والسُّجُود: فحَسَنٌ.
ا الزَّابِعَة: قَولُه: ((اغتَصَّ المَسجِدُ بِأهلِهِ))؛ أي: امتَلَأْ بِهِم، وضَاقَ
عنهم. قال في ((المَشَارِقٍ))(٣): غَصَّ البَيتُ: امتَلَأ. وقال في ((الصِّحَاحِ)) (٤):
المَنزِلُ غَاصٌّ بِالقَومِ؛ أي: مُمتَلِئٌّ بِهِم. وقال في ((المُحكَم)» (٥): غَصَّ المَكَانُ
بِأهلِهِ : ضَاقَ.
واعلَم أنَّا كُنَّا ضَبَطنَا هَذِهِ اللفظَةَ، وهِيَ قَولُه: ((اغتَصَّ)). عن شَيخِنَا،
والِدِي تَخْتُهُ بِضَمِّ التَّاءِ على البِنَاءِ لِلمَفعُولِ، ثُمَّ لَم أجِد لِذَلِكَ أصلًا (٩٩/٣م) في
اللغَةِ، ولَم أرَ أحَدًا ذَكَرَ ذَلِكَ من الأفعَالِ التي لَم تُستَعمَل، إلا مَبنِيَّةً لِلمَفْعُولِ،
فالصَّوابُ: أَنَّ بِفتحِ التَّاءِ على البِنَاءِ لِلفاعِلِ، واللهُ أعلمُ.
الخَامِسَةُ: فيهِ جَوازُ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً، وإن كَانَ الاختيارُ فيهَا الإِنفِرَادُ،
إِلا في نَوافِلَ مَخصُوصَةٍ، وهِيَ العِيدُ والكُسُوفُ والاستِسقَاءُ، وكَذا التَّرَاوِيحُ عِندَ
الجُمهورِ(٦) .
وذَهَبَ ابنُ حَزْمِ الظَاهِرِيُّ(٧): إلى استِحِبَابِ الجَمَاعَةِ في مُطلَّقِ الَّوافِلِ.
■ السَّادِسَة: قال النَّووِيُّ(٨): وفيهِ جَوازُ النَّافِلَةِ فِي المَسجِدِ، وإن كَانَ
البَيتُ أفضَلَ، ولَعَلَّ النبيَّ ◌َّهِ إِنَّمَا فَعَلَهَا في المَسجِدِ لِبَيَانِ الجَوازِ، أو أنَّه كَانَ
مُعتَكِفًا .
قلتُ: قَد تَقَدَّمَ استِدلَالُ الجُمهورِ بِهِ على استِحبَابِ الجَمَاعَةِ في صَلَاةِ
التَّرَاوِيحِ في المَسجِدِ، واللهُ أعلمُ.
(١) ذكره عنه البيهقي في المعرفة (٣٠٥/٢). (٢) ليس في: (ح).
المشارق (١٣٧/٢).
(٣)
(٥)
المحکم (٣٥٣/٥).
(٧) المحلى (٣٨/٣).
(٤) الصحاح (١٠٤٧/٣).
(٦) ينظر: مسلم بشرح النووي (٤١/٦).
(٨) شرح مسلم (٤١/٦).