Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١ مجم
=
بابٌ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إِلَيها
بِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وهُو مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١)، مِن رِوايَةِ عبدِ اللهِ بنِ الحَارِثِ، قال:
خَطَبَنَا ابنُ عَبَّاسٍ فِي يَومٍ ذِي رَدغٍ. الحديثَ.
فِي أمرِهِ مُؤَذِّنَهُ، أن يَقُولَ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُم.
والرَّدَغُ، والرَّزَغُ: الطِّينُ، وقال في بَعضِ ظُرُقِهِ في ((الصَّحِيحَينِ)): إنَّ
الجُمُعَةَ عَزِمَةٌ، وإنِّي كَرِهت أن أُخرِجَكُمْ (٢)، فَتَمِشُونَ في الطِّينِ والدَّحضِ(٣).
الزَّابِعَةَ عَشرَ: فيه حُجَّةٌ عَلَى (٤) مَالِكٍ، حَيثُ ذَهَبَ إِلَى أنَّ المَطَرَ،
والوحلَ، لَيسَا بِعُذرٍ في الجُمُعَةِ، وعنهُ رِوايَةٌ أَنَّ المَطَرَ الشَّدِيدَ والوحلَ عُذرٌ
فیها .
وقال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: إنَّ المَطَرَ الوابِلَ عُذرٌ، وقَيَّدَ أصحَابُنَا [١٤٦/١ و]
الوحَلَ بِالشَّدِيدِ، [وأطلَقَ أكثَرُهُم: المَطَرَ ولَم يُقَيِّدُوهُ(٥) بِالشَّدِيدِ](٦)، وقَيَّدَه
بَعضُهُم بِمَا يَحصُلُ بِهِ أَذَّى، وقَد أُطلِقَ المَطَرُّ، والرَّدِغُ، في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ،
لَكِن في بَعضِ طُرُقِهِ عِندَ البُخَارِيِّ(٧)، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، قال: كَرِهت أن أُؤْثمَكُم،
فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطَّيْنَ إلَى رُكَبِكُم. فَهذا يَدُلُّ على شِدَّةِ الوحَلِ والمَطَرِ، لَكِن
يَجُوزُ أن يَكُونَ بَعدَ انقِطَاعِ المَطَرِ، وهُو الظَّاهِرُ مِن سِيَاقِ الحديثِ.
ويُستَدَلُّ لِمَا قالهُ أصحَابُنَا: مِن إطلَاقِهِم المَطَرَ في عُذْرِ الجُمُعَةِ والجَمَاعَةِ،
مَا رَواهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ مَاجَه (٨) مِن رِوايَةِ أبِي المَلِيحِ، عن أبِيهِ: (أنه
(١) البخاري (٦٦٨)، ومسلم (٢٧/٦٩٩).
(٢) في (ح): ((أحرجكم)). وهو مروي بالإهمال، والإعجام معًا. ينظر: مسلم بشرح النووي
(٢٠٧/٥)، وفتح الباري (٩٩/٢).
(٣) الدحض، والزلل، والزلق، والرَّدغ، بفتح الراء، وإسكان الدال المهملة، وبالغين
المعجمة -: كله بمعنى واحد، ورواه بعض رواة مسلم: رزغ، بالزاي بدل الدال،
بفتحها وإسكانها، وهو الصحيح، وهو بمعنى الردغ، وقيل: هو المطر الذي يبل وجه
الأرض، قاله النووي في شرح مسلم (٢٠٧/٥، ٢٠٨).
(٤) بعده في (م): ((رواية).
(٥) في الأصل: ((يقيده)).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ت).
(٧) البخاري (٦٦٨).
(٨) أبو داود (١٠٥٩)، والنسائي (٨٥٣)، وابن ماجه (٩٣٦).

٣٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
شَهِدَ النَّبِيَّ وَهَ زَمَنَ الحُدَيِيَةِ، فِي يَومِ جُمُعَةٍ (٣٢٣/٢م)، وأَصَابَهُم مَطَرٌّ، لم تبتل(١)
أسفَلُ نِعَالِهِم، فَأَمَرَهُم أن يُصَلَّوا فِي رِحَالِهِم)). لَفِظُ أبِي دَاوُد.
ولِقائِلٍ أن يَقُولَ: إن في بَعضِ طُرُقِهِ عِندَ أبِي دَاوُد(٢)، أنَّ ذلك كَانَ يَومَ
◌ُنَيْنٍ، وإِذَا كَانَ كذلك فَلَمْ يَكُونُوا مُقِيمِينَ، ولَم يُنقَل أنَّهُم صَلَّوا الجُمُعَةَ، فَيَكُونُ
ظُهرًا، فَلَا يَبقَى فِيها دَلَالَةٌ على الجُمُعَةِ، انتهى.
■ الخَامِسَةَ عَشرَ: حَكَّى ابْنُ بَطَّالٍ(٣)، عن المُهَلَّبِ: أنَّ قَولَهُ: ((الصَّلَاةُ
في الرِّحَالِ)). أبَاحَ التَّخَلُّفَ عن الجَمَاعَةِ، وقَولُهُ: ((إنَّها عَزمَةٌ)). يَدُلُّ على أنه
صَلَّى الجُمُعَةَ وحدَها، ولَم يُصَلِّ بَعدَها العَصرَ، قال: فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ أنه لا (٤)
يَجُوزُ الجَمِعُ بَيْنَ الظُّهرِ والعَصرِ، بِعُذرِ المَطَرِ، انتَهَى.
ولَيسَ كَمَا قال، مِن كَونِهِ حُجَّةً على مَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّ الجُمُعَةَ لَا تُجمَعُ مَعَ
العَصرِ، إِنَّمَا يُجمَعُ مَعَها الُظُهرُ، فَاسْتِدلَالُهُ بِعَدَمِ جَمعِ العَصرِ مَعَ الجُمُعَةِ، لَا يَدُلُّ
على تَركِ الجَمِعِ بَيْنَ الظّهرِ والعَصرِ، على أنَّا نَقُولُ: لِقائِلٍ أن يَقُولُ: لَا يَلزَمُ مِن
عَدَمِ نَقْلِ الجَمِعِ عَدَمُ وُقُوعِهِ، لَو كَانَ جَائِزًا، والله تعالى أعلمُ.
■ السَّادِسَةَ عَشرَ: فيه استِحبَابُ الأذَانِ في السَّفَرِ، وهُو قَولُ أكثَرٍ
العُلَمَاءِ، وإِلَيْهِ ذَهَبَ أبو حَنِيفَةً، وسُفيَانُ الثَّورِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وإسحاقُ،
وأبو ثورٍ .
وقال مَالِكٌ(٥): لَا أَذَانَ على مُسَافِرٍ، وإِنَّمَا الأذَانُ على مَن يَجتَمِعُ إِلَيهِ
لِتَأْذِينِهِ (٦)، ورُوِيَ عن جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ أنه يُقِيمُ المُسَافِرُ ولَا يُؤَذِّنُ، رُوِيَ ذلك
عن مَكحُولٍ، والحَسَنِ، والقاسِمِ.
والأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ حُجَّةٌ لِمَن استَحَبَّ الأذَانَ لِلمُسَافِرِ، مِن ذلك حَدِيثُ
(٢) أبو داود (١٠٥٧).
في (ك): ((يبتل)). وفي (م): ((يبل)).
(١)
(٥)
شرح البخاري لابن بطال (٢٤٦/٢)
(٣)
(٤) ليس في: (ح).
ليس في: الأصل. وينظر: شرح البخاري لابن بطال (٢٥٦/٢).
(٦) في (م): ((لتأديته)).

=
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إلَيها
٣٠٣
أبِي قَتَادَةَ الطَِّيلُ، عِندَ مسلم (١): ((فِي نَومِهِم عن الصَّلَاةِ في الوادِي)). وحَدِيثُ
أبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عِندَ البُخَّارِيِّ(٢): ((إِنِّي أرَاك تُحِبُّ الغَنَمَ والبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ
فِي غَنَمِك، أو في بَادِيَتِك فَأَذَّنت، فَارِفَعِ صَوتَك بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسمَعُ مَدِى صَوتٍ
المُؤَذِّنِ جِنٌّ، ولا إنسٌ، ولَا شَيءٌ، إلَّا شَهِدَ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ». وحَدِيثُ مَالِكِ بنِ
الحُويرِثِ في ((الصَّحِيحَينِ))(٣): ((إِذَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا وأَقِيمًا)). الحديثَ.
بَل زَادَ بَعضُهُم على هذا، وقال بِوُجُوبِ الأَذَانِ في السَّفَرِ، وهُو
عَطَاءُ بنُ أبِي رَبَاحِ، فقال: إذَا كُنت في سَفَرٍ ولَم تُؤَذِّن (٤ ولَم تُقِم٤)، فَأَعِد
الصَّلَاةَ. وقال مُجَاهِدٌ: إذَا نَسِيَ الإِقامَةَ في السَّفَرِ: أَعَادَ(٥).
قال ابنُ بَطَّالٍ(٦): والحُجَّةُ لَهُمَا قَولُهُ: ((أذِّنَا وأقِيمًا)). وأمرُهُ على الوُجُوبِ،
قال: والعُلَمَاءُ على خِلَافِ قَولِ عَطَاءٍ ومُجَاهِدٍ، والأمرُ مَحمُولٌ عِندَ العُلَمَاءِ على
الاستِحبَاب.
(١) مسلم (٣١٣/٦٨١).
(٢) البخاري (٦٠٩).
(٣) البخاري (٦٣٠)، ومسلم (٢٩٣/٦٧٤).
(٤ - ٤) ليس في: (ك).
(٥) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة (٢١٨/١) (٢٢٨٦، ٢٢٨٧).
(٦) شرح البخاري لابن بطال (٢٥٧/٢).

٣٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
(٣٢٤/٢م) بَابُ الإمَامَةِ
الحديثُ الأولُ
(١ عنْ هَمَّام١)، عن أبي هريرةَ ◌َُبه، قال: قال رسولُ الله ◌َله :
(أُقِيمُوا الصَّفَّ فِي أَلصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفٌّ مِن حُسنِ الصَّلَاةِ»(٢).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: فيه الأمرُ بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ، والمرَادُ بِالصَّفِّ الجِنسُ،
ويَدْخُلُ في إِقَامَةِ الصَّفِّ استِواءُ القَائِمِينَ به على سَمتٍ واحِدٍ، والتِصَاقُ بَعضِهِم
لِبَعضِ، بِحَيثُ لا يَكُونُ بينهم خَلَلٌ، وتَتَمِيمُ الصُّفُوفِ المقدمَةِ أولًا فَأولًا .
وفي ((صحيح مسلم))، وغَيرِهِ(٣) عن النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ، قال: كَانَ(٤)
رسولُ الله ◌َِّ يُسَوِّي صُفُوفَنًا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بها(٥) القِدَاحَ [١٦٤/١و]، حَتَّى
رَأى أن قد عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَومًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ(٦) يُكَبِّرُ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا
صَدرُهُ مِن الصَّفِّ، فقال: ((عِبَادَ الله، لَتُسَوُّنَ صُفُوفَكُم، أو لَيُخَالِفَنَّ اللهَ بَينَ
وُجُومِكُم)).
وفي (سُنَنِ أبي داودَ))، وغَيرِهٍ(٧) عن النُّعمَانِ: أقبَلَ رسولُ اللهِ وَّال على
(١ - ١) ليس في: (ك).
(٢) البخاري (٧٢٢)، ومسلم (١٢٦/٤٣٥).
(٣) مسلم (١٢٨/٤٣٦)، والحديث: أخرجه أبو داود (٦٦٣، ٦٦٥)، والترمذي (٢٢٧)،
والنسائي (٨٠٩)، وابن ماجه (٩٩٤) من طريق سماك بن حرب، عن النعمان به.
(٤)
في (ك): ((قال)).
في (ك، ت): ((يكاد)). وبعده فى (م): ((أن)).
(٦)
(٥) في الأصل: ((بنا)).
أبو داود (٦٦٢)، والحديث أخرجه أحمد (٢٧٦/٤)، وابن خزيمة (١٦٠)، والبيهقي =
(٧)

بَابُ الإمَامَةِ
٣٠٥
النَّاسِ بِوجهِهِ، فقال: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُم، ثَلَاثًا، والله، لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُم،
أو لَيُخَالِفَنَّ الله بَينَ قُلُوبِكُم)). قال : فَرَأيتُ الرَّجُلَ يُلزِقُ مَنكِبَهُ بِمَنكِبِ صَاحِبِهِ،
ورُكَبَتَهُ بِرُكَبَةِ صَاحِبِهِ، وكَعبَهُ بِكَعبِهِ.
فَهَاتَانِ الرِّوايَتَانِ دَالَّتَانِ بِمَجمُوعِهِمَا على أنَّهُ يَدخُلُ في إقَامَةِ الصَّفِّ استِواءُ
القَائِمِينَ به، وانضِمَامُ بَعضِهِم لِبَعضٍ(١) .
وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)(٢)؛ عن أنَسٍ، عن النَّبِيِّ وََّ: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُم،
فَإِنِّي أَرَاكُم مِن وَرَاءِ ظَهرِي)). وكَانَ أحَدُنَا يُلزِقُ مَنكِبَهُ بِمَنكِبٍ صَاحِبِهِ، وقدمَهُ
بِقدمِهِ. وفي ((صحيح مسلم))، وغَيرِهِ(٣)؛ عن جَابِرٍ بنِ سَمُرَةَ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَا تَصُفُّونَ(٤) كَمَا تَصُفُّ الملَائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟)). قُلْنَا: وكَيفَ
(٣٢٥/٢م) تَصُفُّ الملَائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟ قال: ((تُتِمُّونَ الصُّفُوفَ المقدمَةَ(٥)،
وتَتَرَاصُونَ فِي الصَّفِّ)).
وفي: ((سُنَنِ أبي داودَ))، وغَيرِهِ(٦)؛ عن ابنِ عمرَ؛ أنَّ رسولَ الله وَّر، قال:
((أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وحَاذُوا بَينَ المنَاكِبِ، وسُدُّوا الخَلَلَ، ولِينُوا، ولَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ
لِلشَّيطَانِ، ومَن وصَلَ صَفًّا وصَلَهُ اللهُ، ومَن قَطَعَ صَفَّا قَطَعَهُ اللهُ).
وفي (سُنَنِ أبي داودَ))، وغَيرِهِ(٧)؛ عن أنَسٍ، عن رسولِ اللهِ وَّهِ، قال: ((رُصُّوا
صُفُوفَكُم، وقَارِبُوا بَينَها، وحَاذُوا بِالأعنَاقِ، فَوالذي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ
يَدخُلُ مِن خَلَلِ الصَّفِّ؛ كَأَنَّهَا الحَذَفُ)). والأحَادِيثُ في هَذَا المعنَى كَثِيرَةٌ.
الثانيةُ: هَذَا الأمرُ للاستِحِبَابِ، بِدَلِيلِ قَولِهِ في تَعلِيلِهِ: ((فَإِنَّ إِقَامَةَ
الصَّفِّ مِن حُسنِ الصَّلَاةِ».
(١٠٠/٣، ١٠١) من طريق أبي القاسم الجدلي، عن النعمان به.
=
(١)
في (ك): ((إلى بعض)).
(٢) البخاري (٧١٩).
(٣)
مسلم (١١٩/٤٣٠)، وأبو داود (٦٦١).
(٤)
في الأصل: ((تصفوا)).
(٥) في (ح): ((المتقدمة)).
(٦)
أبو داود (٦٦٦)، والنسائي (٨١٨)، وفي الكبرى (٨٩٣).
(٧) أبو داود (٦٦٧)، والنسائي (٨١٤)، وفي الكبرى (٨٨٩). والحَذَفُ: غنم صغارٌ سود.

2
٣٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
قال ابنُ بَظَّالٍ (١): هَذَا يَدُلُّ على أنَّ إِقَامَةَ الصُّفُوفِ سُنَّةٌ؛ لأنه لو كانَ
فرضًا، لَم يَجعَلُهُ مِن حُسنِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حُسنَ الشَّيءِ زِيَادَةٌ على تَمَامِهِ، وذَلِكَ
زِيَادَةٌ على الوُجُوبِ.
قال: ودَلَّ (٢) هذَا على أنَّ قَولَهُ في حَدِيثِ أنَسِ: («تَسوِيَةُ الصَّفِّ مِن إِقَامَةِ
الصَّلَاةِ». أنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ تَقَعُ على السُّنَّةِ، كَمَا تَقَعُ على الفَرِيضَةِ.
ثم قال ابنُ بَطَّالٍ، في قَولِ أَنَسٍ(٣): مَا أنكَرتُ شَيئًا إلَّا أنَّكُم لا تُقِيمُونَ
الصُّفُوفَ: لما كَانَ تَسوِيَةُ الصَّفِّ مِن السُّنَّةِ التي يَستَحِقُّ فَاعِلُهَا المدحَ عَلَيهَا، دَلَّ
ذَلِكَ أَنَّ تَارِكَهَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعَتبَ، كَمَا قال أنَسِ رَبِهِ، غَيرَ أنَّ مَن(٤) لَم يُقِم
الصُّفُوفَ، لا إعَادَةَ عَلَيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أنَسًا لَم يَأمُرُهُم بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ. انتَهَى.
وهَذَا اللَّفِظُ الذي ذَكَرَهُ في حَدِيثِ أَنَسٍ، وهو قَولُهُ: ((مِن إِقَامَةِ الصَّلَاةِ)).
هو لفظُ الْبُخَارِيِّ(٥)، ولفظُ مُسلِمٍ، وغَيرِهِ(٦): ((مِن تَمَامِ الصَّلَاةِ).
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرح العُمدَةِ)(٧): قد يُؤْخَذُ مِن قَولِهِ: ((مِن تَمَامِ
الصَّلَاةِ»؛ أنَّهُ مُستَحَبٌّ؛ لأنه لَم يَذكُر أَنَّهُ مِن أركَانِهَا، ولا واجِبَاتِهَا، وتَمَامُ الشَّيءِ
أمرٌ زَائِدٌ على حَقِيقَتِهِ، التي لا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهَا، في مَشهُورِ الاصطِلَاحِ، قال: وقد
يَنْطَلِقُ بِحَسَبِ الوضعِ على بَعضِ مَا لا (٨) تَتِمُّ الحَقِيقَةُ إلَّا بِهِ. انتَهَى.
وهَذَا مَذهَبُ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ مِنِ السَّلَفِ والخَلَفِ، وهُو قَولُ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ (٩).
وَذَهَبَ ابنُ حَزمِ الظّاهِرِيُّ إلَى وُجُوبِهِ، فقال(١٠): وفُرِضَ على المأمُومِينَ
شرح صحيح البخاري (٣٤٧/٢).
(١)
(٣)
البخاري (٧٢٤).
(٥)
البخاري (٧٢٣).
(٦) مسلم (١٢٤/٤٣٣)، وأبو داود (٦٦٨).
(٧) إحكام الأحكام (ص٢٢٥). وينظر في الاستحباب: إكمال المعلم (٢٩٧/٢)، والمفهم
(٣٧/٢).
(٨)
ليس في: الأصل.
(٩) ينظر: شرح البخاري لابن بطال (٣٤٤/٢)، وإكمال المعلم (٣٤٦/٢)، وفتح الباري
لابن رجب (٤ /٢٦١).
(١٠) المحلى (٤ /٥٢ - ٦٠).
(٢) في (ك): ((ويدل)).
(٤) ليس في: الأصل.

بَابُ الإمَامَةِ
٣٠٧
=
تَعدِيلُ الصُّفُوفِ الأُوَلِ، والتَّرَاصُّ فيها، والمحَاذَاةُ بِالمنَاكِبِ والأرجُلِ، فَإِن كَانَ
نَقْصِّ كَانَ في آخِرِهَا، ومَن صَلَّى وأمَامَهُ في الصَّفِّ فُرجَةٌ يُمكِنُهُ سَدُّهَا بِنَفْسِهِ، فَلَم
يَفعَل، بَطَلَتِ صَلَاتُهُ، فَإِن لَم يَجِد في الصَّفِّ مَدخَلًا، فَلْيَجتذِب(١) إِلَى نَفسِهِ
رَجُلًا يُصَلِّي مَعَهُ، فَإن لَم يَقدِر فَلَيَرجِعِ، ولَا يُصَلِّ وحدَهُ خَلفَ الصَّفِّ، إلَّ أن
(٢/ ٣٢٦م) يَكُونَ مَمنُوعًا فَيُصَلَِّ ويجزئه.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ النُّعَمَانِ بنِ بَشِيرٍ: ((لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُم [١٤٦/١ظ] أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ
بَينَ وُجُوهِكُم)). وقال: هَذَا وعِيدٌ شَدِيدٌ، والوعِيدُ لا يَكُونُ إلَّا في كَبِيرَةٍ مِن
الكَبَائِرِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَولَ أنَسٍ: «كَانَ أحَدُنَا يُلزِقُ مَنكِبَهُ بِمَنكِبٍ صَاحِبِهِ، وقدمَهُ
بِقدمِهِ». وهُو في ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ))، ثُمَّ قال: هَذَا إجمَاعٌ مِنْهُم.
ثُمَّ قال: وبِقَولِنَا يَقُولُ السَّلَفُ الطَّيِّبُ، رُوِّينَا بِأَصَحِّ إسنادٍ، عن أبِي عُثمَانَ
النَّهدِيِّ، قال: كُنتُ فيمَن ضَرَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ قدمَهُ، لِإِقَامَةِ الصَّفِّ في
الصَّلَاةِ (٢) .
قال ابنُ حَزمٍ: مَا كَانَ رَُّهُ لِيَضرِبَ أحَدًا، ويَستَبِيحَ بَشَرَةً مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِ،
على غَيرِ فَرضٍ، ثُمَّ حَكَى ابنُ حَزمٍ: بَعَثَ عُثمَانَ رَّهِ رَجُلًا(٣) لِذَلِكَ، وأَنَّهُ لا
يُكَبِّرُ حَتَّى يُخبِرُوهُ بِاسْتِوائِهَا (٤).
ثُمَّ قال: فَهَذَا فِعلُ الخَلِيفَتَينِ، بِحَضرَةِ الصَّحَابَةِ، لا يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ أحَدٌ
مِنْهُم، ثُمَّ حَكَى: عن سُويد بنِ غَفَلَةَ، قال: كَانَ بِلَالٌ، هُو مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ وَّ
يَضرِبُ أقدَامَنَا في الصَّلَاةِ، ويُسَوِّي مَنَاكِبَنَا(٥). ثُمَّ قال: فَهَذَا بِلَالٌ مَا كَانَ
لِيَضرِبَ أحَدًا على غَيرِ الفَرضِ.
ثُمَّ حَکَی قَولَهُم لِأَنَسِ بنِ مَالِكِ: أتُنكِرُ شَيئًا مِمَّا کَانَ علی عَهد
رسولِ اللهِ وٌَّ؟ فقال: لَا، إلّا أنَّكُمْ لا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ. قال ابنُ حَزمٍ: المبَاحُ
لَيْسَ مُنكَرًا. انتَهَى.
(١) في (م): ((فليجذب)).
(٣)
في (ك): ((رجالًا)).
(٢) ابن أبي شيبة (١/ ٣٥٢).
(٤) ينظر: موطأ مالك (١٤٨/١).
(٥) مصنف عبد الرزاق (٢٤٣٥)، وابن أبي شيبة (٣٥٢/١).

٣٠٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
[وقد استَدَلَّ البُخَارِيُّ بِكَلَام أنَسِ هَذَا على الوُجُوبِ، فَبَوّبَ عَلَيهِ في
((صَحِيحِهِ)): بَابَ إِثْمِ مَن لَم يُتِمَّ (١) الَصُّفُوفَ(٢).
وقال القَاضِي(٣) أبو بَكرٍ ابنُ العَرَبِيِّ(٤): هَذَا الوعِيدُ؛ يَعنِي: الذي في
حَدِيثِ النُّعمَانِ، لا يَكُونُ إلَّا في تَركِ واجِبٍ، وهَذَا كَانَ(٥) يَقْتَضِي الوُجُوبَ، إلَّا
أنَّ الشَّرعَ سَمَحَ فِي ذَلِكَ. انتهى](٦).
الثالثةُ: ذَكَرَ العُلَمَاءُ في مَعنَى (٧) إِقَامَةِ الصَّفِّ أُمُورًا:
أحَدُهَا: حُصُولُ الإِسْتِقَامَةِ، والاِعتِدَالِ ظَاهِرًا، كَمَا هُو المطلُوبُ بَاطِنًا .
ثَانِيهَا: لِئَلَّا تَتَخَلَّلَهُم الشَّيَاطِينُ، فَيُفسِدوا(٨) صَلَاتَهُم بِالوسوسَةِ، كَمَا جَاءَ
فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ.
ثَالِثُهَا: مَا فِي ذَلِكَ مِن حُسنِ الهَيئَةِ.
رَابِعُهَا: أنَّ في ذَلِكَ تَمَكّنَهُم مِن صَلَاتِهِم مَعَ كَثْرَةٍ جَمِعِهِم، فَإِذَا تَرَاصَّوا
وسِعَ جَمِيعَهُم المسجِدُ، وإِذَا لَم يَفعَلُوا ذَلِكَ، ضَاقَ عَنْهُم.
خَامِسُهَا: ألَّا يَشْغَلَ بَعضُهم(٩) بَعضًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَشْغَلُهُ مِنْهُ، إِذَا كَانُوا
مُختَلِطين(١٠)، وإذَا اصطَقُوا (١١ غَابَت وُجُوه١١ُ) بَعضِهِم عن بَعضٍ، وكَثِيرٌ مِن
حَرَكَاتِهِم، وإنَّمَا يَلِي بَعضُهُم مِن بَعضٍ ظُهُورَهُم.
الرَّابِعَةُ: وجهُ إِيرَادِ المصَنِّفِ كَذَتُهُ، هَذَا الحَدِيثَ فِي بَابِ الإِمَامَةِ، أنَّ
الصُّفُوفَ إِنَّمَا تَحصُلُ مَعَ الجَمَاعَةِ، وذَلِكَ بِالإمَامِ، والمأمُومِينَ، فَهِيَ مِن(١٢)
الأحكَامِ المتَرَتِّبَةِ(١٣) على الإمَامَة، وأيضًا فَتَسوِيَةُ الصُّفُوفِ مِن وظَائِفِ الإمَامِ (١٤).
في (ح): ((یقم)).
(١)
ليس في: (ح).
(٣)
ليس في: (ح).
(٥)
(٧) ليس في: (ح).
(٩) في (م): ((بعضهما)).
(١١ - ١١) في (ح): ((غاب)).
(١٣) في (ك): ((المرتبة)).
(٢) البخاري على حديث (٧٢٤).
(٤) عارضة الأحوذي (٢٦/٢).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٨) في (م): ((فیفسد)).
(١٠) في (م): ((مختلفين)).
(١٢) ليس في: الأصل.
(١٤) في (م): ((الإمامة)).

بَابُ الإمَامَةِ
٣٠٩
=
وفي ((سُنَنِ أبي داودَ))، وغَيرِهِ (١)؛ عن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، قال: كَانَ
رسولُ اللهِ وَّهِ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ، مِن نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، يَمسَحُ صُدُورَنَا ومَنَاكِبَنَا،
ويَقُولُ: ((لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ)). وكَانَ يَقُولُ: ((إنَّ اللهَ رَكُ ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
على الصُّفُوفِ الأُوَلِ)).
ورُوِيَ عن (٢كُلِّ مِن٢) عمرَ، وعُثمَانَ رِ﴿يَا: أنَّهُ كَانَ يَبعَثُ رِجَالًا يُسَوُّونَ
الصُّفُوفَ، فَإِذَا أخبَرُوهُ بِتَسوِيَتِهَا كَبَّرَ (٣)، وكَانَ عَلِيُّ رَظُهُ يَتَعَاهَدُ ذَلِكَ أيضًا،
ويَقُولُ: تَقدم يَا فُلَانُ، تَأَخَّر يَا فُلَانُ(٤).
الحَدِيثُ الثَّانِي
◌َ وعَنْ هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إِنَّمَا(٥)
الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ به، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإِذَا رَكَعَ فَاركَعُوا،
وإذَا قال: سمع اللهُ لِمَنِ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: اللَّهُمَّ (٦) رَبَّنَا لَك (٧) الحَمدُ. وإِذَا
سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجمَعُونَ))(٨).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: استُدِلَّ به على أنَّهُ يَمتَنِعُ اقتِدَاءُ المفتَرِضِ بِالمتَنَفِّلِ، لِاختِلَافِ
نِيَّتِهِمَا(٩)، ويَكُونُ المرَادُ به: لِيُؤْتَمَّ به في الأفعَالِ والنِّيَّاتِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ؛
(١) أبو داود (٦٦٤)، والحديث أخرجه النسائي (٨١٠)، وفي الكبرى (٨٨٧)، وابن ماجه
(٩٩٧).
(٢ - ٢) ليس في: (ح).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٠٤/١)، والشافعي في مسنده (٤٠٦ - شفاء العي).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٧٧) معلقًا، وهو عند عبد الرزاق (٥٣/٢) موصولًا، عن علي.
(٥)
بعدها في (ك): ((جعل)). وهو لفظ البخاري.
(٦)
ليس في: (ك).
(٧) في الأصل: ((ولك)).
(٨) البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤).
(٩) في (ك): ((بينهما)).

٣١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أي: في شَيءٍ مِن ذَلِكَ، وبِهَذَا قال مَالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، وآخَرُونَ، وهُو رِوايَةٌ عن
أحمَد(١) .
وقال الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، في المشهُورِ عَنْهُ، وآخَرُونَ: مَعنَاهُ في الأفعَالِ
الظَّاهِرَةِ، دُونَ النِّيَّاتِ، فَإِنَّهُ لا اطّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيهَا (٢). فَيَجُوزُ أن يُصَلَِّ الفَرضَ
خَلفَ الثَّفلِ، وعَكسَهُ، والظُهرَ خَلفَ العَصرِ، وعَكسَهُ، ويَدُلُّ على ذَلِكَ أنَّهُ عَقَّبَهُ
بِذِكرِ الأَفْعَالِ الّاهِرَةِ، حَيثُ قال: ((فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا)). إِلَى آخِرِهِ.
ويَدُلُّ لِلشَّافِعِيِّ ومُوافِقِيهِ، حَدِيثُ مُعَاذٍ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ، ثُمَّ
يَرجِعُ فَيُصَلَّى بِقَومِهِ(٣)، وقد ذَكَرَهُ [١٤٧/١ و] (٣٢٨/٢م) الشَّيخُ تَظُْهُ، فِي بَابٍ
القِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ، وتَكَلَّمَ على هَذِهِ المسألَةِ هُنَاكَ، بِمَا أغنَى عن إِعَادَتِهِ هُنَا .
■ الثانيةُ: استُدِلَّ(٤) به أيضًا على أنَّهُ لا يَجُوزُ أن يَتَقدمَ المأمُومُ على
الإمَامِ في الموقِفِ؛ لأنه إذَا تَقدمَ عَلَيهِ، فَهُو حِينَئِذٍ غَيرُ مُؤْتَمٍّ به، وبِهَذَا قال
الشَّافِعِيُّ، والثَّورِيُّ(٥)، والكوفيونَ.
وجَوَّزَهُ مَالِكٌ، واللَّيثُ، وطَائِفَةٌ، وأجَابُوا عن الحَدِيثِ بِأنَّ المرَادَ الاِئْتِمَامُ
به في الأفعَالِ، لا في الموقِفِ، وهُو تَقِيدٌ لا دَلِيلَ عَلَيهِ، وقد أنكَرُوا على (٦)
الشَّافِعِيَّةِ تَقِيدَ(٧) الائتِمَامِ به بِالأفعَالِ الظَّاهِرَةِ، وقَيَّدُوهُ هُنَا.
ثُمَّ إِنَّ إخرَاجَ الشَّافِعِيَّةِ النِّيَّاتِ عن ذَلِكَ، سَاعَدَهُ(٨) كَونُهُ بَيَّنَ فِي الحَدِيثِ مَا
أمَرَ بِالاِئْتِمَامِ به فيه، فَلَم يَذكُر مِن ذَلِكَ النِّيَّاتِ، وأنَّ النِّيَّاتِ لا يُمكِن الأمرُ
بِالمتَابَعَةِ فيها، لِكَونِهِ لا يُطَلَعُ عَلَيهَا، وأمَّا إخرَاجُ المالِكِيَّةِ الموقِفَ عن ذَلِكَ، فَهُم
مُطَالَبُونَ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
(١) ينظر: الإشراف (١٤٨/٢)، الإفصاح (١٤٣/١).
ينظر: إكمال المعلم (٣١٣/٢)، إحكام الأحكام (ص٢٣١).
(٢)
(٣)
البخاري (٧٠٥)، ومسلم (١٧٨/٤٦٥). (٤) في (ك): ((يستدل)).
(٥)
في (ك): ((والنووي)).
(٦) في (ح): ((تقیید)).
(٧) في (ك): ((بتقييد)).
(٨) في (ح): ((يساعده)).

بَابُ الإمَامَةِ
٣١١
=
■ الثَّالِثَةُ: قد يُستَدَلُّ به على أنَّهُ لا تَتَوقَّفُ صِحَّةُ صَلَاةِ المأمُومِ على
صِحَّةٍ صَلَاةِ الإِمَام، إذَا بَانَ جُنُبًا، أو مُحدِثًا، أو عَلَيهِ نَجَاسَةٌ، لِكَونِهِ حَصر(١)
الإمَامَ في الاقتِدَاءِ به، فَدَلَّ على أنَّهُ لا يُعتَبَرُ فيه أمرٌ آخَرُ سِوى ذَلِكَ، والاقتِدَاءُ به
في هَذِهِ الصُّورِ (٢) مُمكِنٌ مَعَ الجَهلِ بِحَالِهِ، وبِهَذَا صَرَّحَ أصحَابُنَا. وقَّدَ الرَّافِعِيُّ
في ((المحَرَّرِ))(٣) النَّجَاسَةَ بالخفيةِ (٤)، [وفي النَّجَاسَةِ (٥) الظَّاهِرَةِ احتِمَالٌ لِلإِمَامِ.
وقال بَعضُ أصحَابِنَا: إنَّمَا يَصِحُ الاقتِدَاءُ به، إذَا لَم يَعلَم هُو بِحَدَثِ نَفْسِهِ،
فَإِن عَلِمَ؛ فَفيه](٦) قَولَانِ .
أَمَّا إِذَا عَلِمَ المأمُومُ بِحَدَثِ الإِمَامِ، ثُمَّ نَسِيَهُ، فَاقْتَدَى به، فَعَلَيهِ الإِعَادَةُ
لِتَفرِيطِهِ، وإِذَا صَحَّحْنَا الإِقتِدَاءَ بِالإِمَامِ المحدِثِ، حَصَلَ لِلمَأْمُومِ الجَمَاعَةُ على
الأصَحِّ؛ لأنه ائتَمَّ بِإِمَامٍ يَظُنُّهُ مُتَطَهِّرًا، فَلَا يَضُرُّ كَونُهُ في الْبَاطِنِ مُحدِثًا، أمَّا إِذَا
ظَهَرَ الإمَامُ كَافِرًا، أو امرأةً، أو خُنثَى، أو مَجنُونًا، فَإِنَّهُ تَجِبُ الإِعَادَةُ، خِلَافًا
لِلمُزَنِيِّ في الكَافِرِ، وصَحَّحَ الْبَغَوِيُّ، وجَمَاعَةٌ، أنَّهُ إِن كَانَ يُسِرُّ(٧) الكُفرَ لَم تَجِب
الإِعَادَةُ، وهُو قَوِيٌ دَلِيلًا، كَمَا قال النَّوِيُّ (٨).
الرَّابِعَةُ: استَدَلَّ البُخَارِيُّ بِقَولِهِ: ((فإذَا(٩) كَبَّرَ فَكَبِّرُوا)). على إِیجَابِ
تَكبِيرِةٍ (١٠) الإحرام، فَبَوّبَ عَلَيهِ: بَابَ إِيجَابِ التَّكبِيرِ، وافتِتَاحِ الصَّلَاةِ (١١)، فَرَدَّ
بِذَلِكَ على مَن يَقُولُ مِن السَّلَفِ: إِنَّهُ يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِغَيرِ لَفِظِ، بَل
بِالنِّيَّةِ فَقَط(١٢). وعلى أبِي حَنِيفَةَ في قَولِهِ: إنَّهُ يَجُوزُ الدُّخُولُ في الصَّلَاةِ بِكُلِّ لَفِظٍ
يَدُلُّ على التَّعِظِيمِ، ولَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالتَّكَبِ (١٣).
في (م): ((حضر)).
(١)
(٢) في (ك، ح): ((الصورة)).
(٣) وينظر: الشرح الكبير (٣٢٠/٤)، والمجموع (١٥٦/٤).
(٤)
في (ك): ((الخفيفة)).
قال في حاشية (ت): ((بما إذا كانت خفيفة، وهي الظاهرة)).
(٥)
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٨) المجموع (١٥٦/٤).
(٧) في (م): (يسير).
(٩) في (م): ((إذا)).
(١١) البخاري على حديث (٧٣٢).
(١٠) في (م): (تكبير)).
(١٢) ينظر: الإشراف (٧/٢).
(١٣) ينظر: بدائع الصنائع (١٣٠/١).

٣١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقد يُقَالُ: إنَّ في دَلَالَتِهِ على ذَلِكَ نَظَرًا؛ لِأِنَّ(١) غَايَةَ مَا دَلَّ عَلَيهِ، الأمرُ
بِمُتَابَعَةِ الإِمَامِ في التَّكِيرِ، فَأمَّا كَونُ التَّكبِيرِ واجِبًا، أو غَيرَ (٣٢٩/٢م) واجِبٍ،
فَلَيسَ في الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيهِ، ولَا شَكَّ أنَّ قَولَهُ: ((فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا)). يَتَنَاولُ
تَكبِيرَاتِ الاِنْتِقالاتِ أيضًا، وهِيَ غَيرُ واجِبَةٍ قَطعًا .
وقد ذُكِرَ في الحَدِيثِ قَولُ المأمُومِ: ((رَبّنَا لَك(٢) الحَمدُ)). عِندَ قَولِ الإمَامِ:
(سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ). وهُمَا غَيرُ واجِبَينٍ، ثُمَّ لو كَانَت جَمِيعُ الأُمُورِ المذكُورَةِ
فيه واجِبَةً، لَم يَدُلَّ (٣) ذَلِكَ على (٤) أنَّ التَّكبِيرَ واجِبٌ، لِضَعفِ دَلَالَةِ الاقتِرَانِ،
كَمَا تَقَرَّرَ في الأُصُولِ(٥).
■ الخَامِسَةُ: استُدِلَّ به على أنَّ أفعَالَ المأمُومِ تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عن أفعَالِ
الإمَامِ، فَيُكَبِّرُ لِلإِحرَامِ بَعدَ فَرَاغِ الإمَامِ مِن التَّكبِيرِ، ويَركَعُ بَعدَ شُرُوعِ الإمَامِ في
الرُّكُوعِ، وقَبَلَ رَفعِهِ مِنْهُ، وكَذَا سَائِرُ الأَفْعَالِ .
وبِهَذَا صَرَّحَ أصحَابُنَا، فقالوا (٦): إن قَارَنَهُ في تَكبِيرَةِ الإِحْرَامِ لَم تَنعَقِد
صَلَاتُهُ، أو في غَيرِهِ مِن الأفعَالِ، فَهُو مَكَرُوهٌ، وتَفُوتُ به فَضِيلَةُ الجَمَاعَةِ، وفي
المقَارَنَةِ فِي السَّلَامِ وجهَانٍ؛ أصَحُّهُمَا أنَّهُ لا تَبْطُلُ(٧) به الصَّلَاةُ.
وقال ابنُ بَطَّالٍ (٨): اختَلَفَ العُلَمَاءُ، هَل يَكُونُ عَمَلُ المأمُومِ، والإمَامِ مَعًا،
أو بَعدَهُ؟
فقال ابنُ حَبِيبٍ: قال مَالِكٌ: ويَفعَلُ المأمُومُ مَعَ الإمَامِ، إلَّا في الإحرَامِ،
والقِيَامِ مِن اثْتَتَينٍ(٩)، والسَّلام، فَلَا يَفعَلُهُ إلَّا بَعدُهُ.
ورَوى سُحنُونُ، عن ابنِ القَاسِمِ في ((العُنبِيَّةِ))(١٠): إن أحرَمَ مَعَهُ أجزَأْهُ،
(١)
في (ح): ((إلا أن)).
(٣)
في (ك): ((یذکر)).
(٢) في الأصل: ((ولك)).
(٤) في (م): ((عليه)).
ينظر: البحر المحيط (٣٩٧/٤)، وإرشاد الفحول (١٩٧/٢).
(٥)
ينظر: روضة الطالبين (٤٧٣/١).
(٦)
شرح صحيح البخاري (٣١٠/٢، ٣١١).
(٨)
في (ح): ((الثنتين)).
(٧) في (م): ((يبطل)).
(١٠) البيان والتحصيل (٩٣/٢).
(٩)

بَابُ الإمَامَةِ
كمـ
٣١٣
=
وبَعدَهُ أصوبُ. وهُو قَولُ عَبدِ العَزِيزِ بنِ أبِي سَلَمَةَ، وفي ((المجمُوعَةِ)) عن مَالِكِ:
إن أحرَمَ مَعَهُ، أو سَلَّمَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ. و(١)قالهُ أصبَغُ.
وقال ابنُ أبِي زَيدٍ: والعَمَلُ بَعدَهُ في كُلِّ شَيءٍ أحسَنُ، لِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ
والسَّلامُ: ((إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإِذَا رَكَعَ فَاركَعُوا)).
وقال أبو حَنِيفَةَ، وزُفَرُ، ومُحَمَّدٌ، والثَّورِيُّ: يُكَبِّرُ في الإحرَامِ(٢) مَعَ الإمَامِ.
وقال أبو يُوسُفَ، والشَّافِعِيُّ: لا يُكَبِّرُ المأمُومُ حَتَّى يَفرَغَ الإمَامُ مِن
التَّكبِيرِ(٣).
وتَوجِيهُ(٤) قَولِ مَن جَوزَ تَكَبِيرَهُ(٥) مَعَهُ: [أنَّ الإِئْتِمَامَ مَعنَاهُ: الامتِثَالُ لِفِعلِ
الإمَامِ، فَهُو إِذَا فَعَلَ مِثْلَ [١٤٧/١ظ] فِعِلِهِ، فَسَواءٌ أُوقَعَهُ مَعَهُ](٦)، أو بَعدَهُ، فَقد
حَصَلَ مُمَئِلًا لِفِعِلِهِ. انتَهَى.
وذَكَرَ ابنُ حَزم(٧): أنَّهُ مَتَى قَارَنَ(٨) الإمَامَ فِي شَيءٍ مِن الأفعَالِ بَطَلَت
صَلَاتُهُ. انتَهَى.
ووجهُ الدَّلِيلِ مِن الحَدِيثِ على تَأخّرٍ أفعَالِ المأمُوم عن أفعَالِ الإمَامِ: أنَّهُ
رَتَّبَ فِعلَهُ على فِعلِ الإِمَامِ بِالفَاء المقتَضِيَةِ [للتَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ، كَذَا ذَكَرَ ابنُ بَطَالٍ،
والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ»(٩).
وفيه نَظَرٌ، فَإِنَّ الفَاءَ المقتَضِيَةَ] (١٠) لِلتَّعقِيبِ هِيَ العَاطِفَةُ، أمَّا الواقِعَةُ في
جَوابِ الشَّرطِ فَإِنَّمَا هِيَ لِلرَّبِطِ، والظَّاهِرُ: أَنَّهُ لا دَلَالَةَ لَهَا (١١) على التَّعَقِيبِ(١٢)،
على أنَّ في دَلَالَتِهَا على الثَّعْقِيبِ مَذْهَبَينٍ؛ حَكَاهُمَا الشَّيخُ أبو حَيَّنَ الأَندَلُسِيُّ في
(١) ليس في: (م).
(٣)
في الأصل: ((التكبيرة)).
(٥) في الأصل: ((تكبيرة الإحرام)).
(٧) ينظر: المحلى (٦٠/٤ - ٦٢).
(٩) شرح صحيح البخاري (٣١١/٢)، إحكام الأحكام (ص٢٣١).
(١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(١٢) في (ك): ((التعقب)).
(٢) ليس في: (ك).
(٤) في الأصل: ((ووجهه)).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٨) في (م): ((فارق)).
(١١) ليس في: (ح).

٣١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
((شَرحِ التَّسهِيلِ))(١)، وَلَعَلَّ أصلَهما (٢) (٣٣٠/٢م) أنَّ الشَّرطَ مَعَ الجَزَاءِ، أو مُتَقدمٌ
عَلَیهِ.
وهَذَا يَدُلُّ على أنَّ التَّعقِيبَ، إن قُلنَا به، فَلَيسَ مِن الفَاءِ، وإنَّمَا هُو مِن
ضَرُورَةٍ تَقَدمِ الشَّرطِ على الجَزَاءِ، والله تعالى أعلمُ.
قال والِدِي تَخْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): فَإن قِيلَ: قد قُلتُم في قَولِهِ عَلَيهِ
الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا)): إنَّ المستَحَبَّ أن يُؤَمِّنَ مَعَ الإمَامِ مُقَارِنًا
لَّهُ، مَعَ كَونِهِ بِالفَاءِ أيضًا في (٣) جَوابِ الشَّرطِ، كَمَا فِي هَذَا الحَدِيثِ؟
فَالجَوابُ: أنَّ الذي صَرَفَنَا عن الثَّعقِيبِ هُنَا قَولُهُ وَّهِ: ((إِذَا قال الإمَامُ:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ وَ الضَّآلّينَ﴾. فَقُولُوا: آمِينَ)). فَعَقَّبَ قَولَ الإمَامِ : .
الضَّالِّينَ﴾ بِتَأْمِينِ المأمُومِ، وهُو مَحَلُّ تَأْمِينِ الإمَامِ، وصَرَفَنَا عن (٤) القَولِ بِمِثلٍ
هذا في(٥) حَدِيثِ البَابِ، قَولُهُ في حَدِيثِ أبي هريرةَ، عِندَ أبي داودَ (٦): ((فَإِذَا كَبَّرَ
فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ)). وكَذَا قال في الرُّكُوعِ: (وَلَا تَركَعُوا حَتَّى يَركَعَ))،
وقال في السُّجُودِ: ((وَلَا تَسجُدُوا حَتَّى يَسجُدَ)). وفَائِدَةُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، عِندَ أبي داودَ،
نَفْيُ احتِمَالِ إِرَادَةِ المِقَارَنَةِ، انتَهَى.
■ السَّادِسَةُ: استُدِلَّ به على أنَّهُ يُستَحَبُّ لِلإِمَامِ الجَهرُ بقَولِهِ: سمع اللهُ
لِمَن حَمِدَهُ؛ لأنه رَّبَ عَلَيهِ قَولَ المأمُومِينَ: رَبَّنَا وَلَك الحَمدُ. فَدَلَّ على أنَّهُ يَجْهَرُ
به، بِحَيثُ يَسمَعُهُ المأمُومُون(٧)، وبِهَذَا صَرَّحَ أصحَابُنَا، وغَيْرُهُم(٨).
السَّابِعَةُ: واستَدَلَّ به مَن ذَهَبَ إلَى أنَّ الإمَامَ يَقْتَصِرُ على قَولِهِ: سمع اللهُ
لِمَن حَمِدَهُ. وأنَّ المأمُومَ يَقتَصِرُ(٩) على قَولِهِ: رَبَّنَا لَك الحَمدُ. وهُو مَذْهَبُ
(١) اسمه: التذييل والتكميل، في شرح كتاب التسهيل، وقد حقق قطعة منه: الدكتور حسن
هنداوي، طبعة دار القلم، بيروت، ولم أهتد إلى ذلك النقل فيه.
(٢) في (م): ((أصلها)).
(٤) في (م): ((من).
(٦) أبو داود (٦٠٣).
(٨) ينظر: الحاوي (١٥٤/٢).
(٣) في الأصل: ((من)).
(٥) ليس في: (ك).
(٧) في الأصل، (م): ((المأموم)).
(٩) ليس في: (ح).

بَابُ الإمَامَةِ
٣١٥
=
مَالِكِ، وأبِي حَنِيفَةَ(١).
وفيه قَوِلٌ ثَانٍ: أنَّ الإمَامَ يَجمَعُ بَيْنَهُمَا، والمأمُومُ يَقْتَصِرُ على قَولِهِ: رَبَّنَا لَك
الحَمدُ، وهُو قَولُ أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمَا
صَاحِبُ ((الهِدَايَةِ))(٢)، وأنَّهُمَا قالا في قَولِهِ: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ. إنَّ الإمَامَ
يَقُولُهَا فِي نَفسِهِ، وهُو قَولٌ في مَذهَبِ مَالِكٍ أيضًا، حَكَاهُ ابنُ شَاس في
((الجَواهِرِ))(٣)، أعني: جَمعَ الإمَامِ بَينَهُمَا، واقتِصَارَ المأمُومِ على قَولِهِ: رَبَّنَا لَك
الحمدُ.
وفيه قَولٌ ثَالِثٌ: وهُو جَمعُ الإمَامِ، والمأمُومِ بَينَ اللَّفِظَينِ مَعًا، فَقَولُهُ:
سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ. ذِكرُ الإِنِقَالِ، وقَولُّهُ: رَبَّنَا لَكَ الحَمِدُ. ذِكرُ الإِعْتِدَالِ؛ لأنه
عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وقال: ((صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي)) (٤).
وغَايَةُ مَا في حَدِيثِ البَابِ: السُّكُوتُ عن قَولِ المأمُومِ: سمع اللهُ لِمَن
حَمِدَهُ. وعَن قَولِ الإمَامِ: رَبَّنَا لَك الحَمدُ. فَيُستَفَادُ ذَلِكَ مِن (٥) دَلِيلٍ آخَرَ.
فَأَمَّا جَمِعُ الإمَامِ بَنَهُمَا؛ فَفي ((الصَّحِيحَينِ))(٦)؛ عن أبي هريرةَ حُبه، قال:
كَانَ رسولُ اللهِ وَهَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ (٢٣٣١/٢) يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ
يَركَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ)). حِينَ يَرفَعُ صُلبَهُ مِن الرَّكعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ،
وهُو قَائِمٌ: (رَبَّنَا وَلَك الحَمدُ)).
وفي (الصَّحِيحَينِ))(٧)؛ عن أبي هريرةَ أيضًا، قال: كَانَ رسولُ اللهِ وَ﴿ إِذَا
قال: ((سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ)). قال: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الحَمدُ)).
وفي ((صحيح مسلم)(٨)؛ عن عَبدِ الله بنِ أبِي أوفَى، قال: كَانَ رسولُ اللهَ وَّل
(١) ينظر: المبسوط (٣٥/١)، والثمر الداني (١٠٩/١)، وبداية المجتهد (١٥١/١).
(٣) الجواهر (١٠٢/١).
(٢) الهداية (٤٩/١).
(٤)
البخاري (٦٣١).
(٥) ليس في: (ك).
(٦)
البخاري (٧٨٩)، مسلم (٢٨/٣٩٢).
البخاري (٧٩٥)، وأحمد (٣١٩/٢)، وبنحوه عند مسلم (٤٧٧)، عن أبي سعيد الخدري.
(٧)
(٨) مسلم (٢٠٢/٤٧٦).

=
٣١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِن الرُّكُوعِ، قال: ((سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك(١) الحَمدُ،
مِلءَ السَّمَواتِ، ومِلءَ الأرضِ، ومِلَ مَا شِئتَ مِن شَيءٍ بَعدُ». وفي البَابِ أحَادِيثُ
أُخَرُ (٢)، وفي هَذِهِ كِفَايَةٌ.
وقد ورَدَ في جَمعِ المأمُومِ بَينَهُمَا أَحَادِيثُ في إسنَادِهَا ضَعفٌ، فَتَذْكُرُهَا مَعَ
أنَّ الإِعتِمَادَ على قَولِهِ وََّ: ((صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّ)).
فَرَوى الدَّارَقُطْنِيُّ في ((سُنَِّهِ))(٣) عن أبي هريرةَ رَّبه، قال: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلفَ
رسولِ اللهِ وَّ، فقال: ((سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ)). قال مَن ورَاءَهُ: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ.
قال الدَّارَقُطْنِيُّ: [١٤٨/١و] والمحفُوظُ بِهَذَا الإسنَادِ: ((إِذَا قال الإِمَامُ:
سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ. فَلَيَقُل مَن ورَاءَهُ: رَبَّنَا لَك(٤) الحَمدُ(٥)).
ورَوى الدَّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (الخِلافياتِ))(٦) عن بُرَيدَةَ، قال: قال لِيَ
النَّبِيُّ وَّهِ: ((يَا بُرَيدَةَ، إِذَا رَفَعَتِ رَأْسَك مِن الرُّكُوعِ فَقُل: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ،
رَبَّنَا وَلَك الحَمدُ، مِلءَ السَّمَواتِ، ومِلءَ الأرضِ، ومِلءَ مَا شِئت مِن شَيءٍ بَعدُ».
وهَذَا عَامٌّ في جَمِيع أحوالِهِ، إمَامًا كَانَ، أو مَأْمُومًا، أو مُنفَرِدًا، قال البَيهَقِيُّ: فيه
جَابِرُ الجُعفيُّ، لا يُحتَجُّ به، ومَن دُونَهُ أكثَرُهُم ضُعَفاء.
وقال ابنُ المنذِرِ(٧): اختَلَفُوا في المأمُوم، إذَا قال الإمَامُ: سمع اللهُ لِمَن
حَمِدَهُ. فقالت طَائِفَةٌ، يَقُولُ: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الحَمدُ. كَذَلِكَ
قال مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ، وأبو بُردَةً(٨)، والشَّافِعِيُّ، وإسحَاقُ، ويَعْقُوبُ، ومُحَمَّدٌ (٩).
(١) في الأصل: ((ولك)).
(٢) قال في حاشية (ت): ((في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر: وإذا رفع رأسه من
الركوع، قال: ((سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد)))). والحديث أخرجه البخاري
(٧٣٥، ٧٣٦، ٧٣٨، ٧٣٩)، واللفظ له، ومسلم (٣٩٠).
(٣) سنن الدارقطني (١٣٩/٢).
(٤) في (ح): ((ولك).
(٦) سنن الدار قطني (١٣٨/٢).
(٥)
ليس في: (ك).
(٧)
الإشراف (٣٠/٢، ٢٩)، والأوسط (١٦١/٣، ١٦٢).
في الإشراف: ((وأبو ثور». وهو في الأوسط على الصواب. وينظر: مصنف ابن أبي شيبة
(٨)
(٢٥٣/١)، وسنن البيهقي (٩٦/٢).
(٩) في (ك): ((وأحمد)).

بَابُ الإمَامَةِ
٣١٧
=
وقال عَطَاءٌ: يَجمَعُهُمَا مَعَ الإمَامِ أَحَبُّ إِلَيَّ. وقالت طَائِفَةٌ: إذَا قال:
سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ. فَلَيَقُل مَن خَلفَهُ: اللَّهُمَّ(١) رَبَّنَا وَلَك الحَمدُ. هَذَا قَولُ
عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هريرةَ، والشَّعبِيِّ، وبه قال مَالِكٌ.
وقال أحمَدُ: إِلَى هَذَا انْتَهَى أمرُ النَّبِيِّ نَّهِ. قال ابنُ المنذِرِ: وبه أَقُولُ.
قُلْتُ: لَم يَحِكِ صَاحِبُ ((الهِدَايَةِ))(٢) عن أبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، أنَّ الجَمعَ
بَينَهُمَا في حَقِّ المأمُومِ، وإنَّمَا حَكَى عَنْهُمَا الجَمِعَ بَيْنَهُمَا في حَقِّ الإمَامِ، وهُو
أعرَفُ بِمَذهَبِهِ.
ورَوى ابنُ أَبِي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه)(٣) عن عَلِيٍّ: أنَّهُ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِن
الرُّكُوعِ قال: سمع اللّهُ لِمَن حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك(٤) الحَمدُ، بِحَولِك وقُوتِك أَقُومُ
وأقعُدُ.
ورَوى (٢ / ٣٣٢°م) البَيهَقِيُّ(٥) عن سَعِيدِ بنِ أبِي سَعِيدٍ، أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ،
وهُو إِمَامٌ لِلنَّاسِ في الصَّلَاةِ، يَقُولُ: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ، [اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك
الحَمدُ، الله أكبرُ. يَرفَعُ بِذَلِكَ صَوتَهُ، ويُتَابِعُهُ مَعًا .
وعَن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، إذَا قال الإمَامُ: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ](٦) قال مَن
خَلفَهُ: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الحَمدُ.
قال: ورُوِي عن(٧) أبِي بُردَةَ بنِ أبِي مُوسَى، أنَّهُ كَانَ يَقُولُ خَلفَ الإمَامِ:
سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ.
وقال عَطَاءٌ: (٨ُيَجمَعُهُمَا مَع٨َ) الإمَامِ أحَبُّ إلَيَّ.
وحَكَى بَعضُهُم عن القَاضِي مُجَلِّي(٩)، أنَّهُ قال في ((الذَّخَائِرِ)): اذَّعَى
(١) ليس في: (م).
(٣)
ابن أبي شيبة (١/ ٢٤٧).
(٢) الهداية (٤٩/١).
(٤) في الأصل: ((ولك)).
(٥)
البيهقي (٩٦/٢).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٧)
في (م): ((ابن)).
(٨ - ٨) في (ك): ((يجمع بينهما)).
(٩) القاضي أبو المعالي مجلّي بن جميع بن نجا المخزومي، كان من أئمة أصحاب
الشافعي، وكبار الفقهاء، وإليه ترجع الفتيا بمصر (ت٥٥٠هـ). طبقات الشافعية الكبرى =

٣١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ابنُّ المنذِرِ(١): أنَّ الشَّافِعِيَّ خَرَقَ الإجمَاعَ في جَمعِ المأمُومِ بَيْنَ سمع اللهُ لِمَن
حَمِدَهُ، وَرَبَّنَا لَك(٢) الحَمدُ. ولَيسَ كَذَلِكَ، فَقد قالَ بِقَولِهِ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحِ،
وابنُ سِيرِينَ، وإسحَاقُ، وغَيْرُهُم.
قُلتُ: وفي هَذَا النَّقلِ عن ابنِ المنذِرِ نَظَرٌ، فَقد عَرَفتَ أنَّهُ في ((الإشرَافِ))
حَكَى ذَلِكَ عن غَيرِ (٣) الشَّافِعِيِّ، كَمَا تَقدمَ (٤).
ومَعنَى حَدِيثِ الْبَابِ، على مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ، إذَا قال الإمَامُ: سمع اللهُ لِمَن
حَمِدَهُ. في انِتِقَالِهِ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَك الحَمدُ. في اعتِدَالِكُم، بَل نَزِيدُ(٥) على هَذَا،
ونَقُولُ(٦): إنَّ في (٧) الحَدِيثِ دَلَالَةٌ على أنَّ المأمُومَ يَقُولُ: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ.
مِن قَولِهِ: ((إنَّمَا الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». والله تعالى أعلمُ.
وأمَّا المنفَرِدُ، فقال الشَّافِعِيُّ: يَجمَعُ بَيْنَهُمَا؛ كَالإمَامِ والمأمُومِ، فَكُلُّ مُصَلِّ
كَذَلِكَ، وبه قال ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ(٨)، وعَزَاهُ لِطَائِفَةٍ مِن السَّلَّفِ الصَّالِحِ، ومِمَّن
قال: يَجمَعُ المنفَرِدُ بَينَهُمَا: مَالِكٌ، وأحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، وإن لم يَقُولًا ذَلِكَ في
المأمُومِ، وقال صَاحِبُ ((الهِدَايَةِ))(٩)، مِن الحَنَفيةِ: والمنفَرِدُ يَجمَعُ بَيْنَهُمَا، في
الأصَحِّ، وإن كَانَ يُروى الاكتِفَاءُ بِالتَّسمِيعِ، ويُروى بِالتَّحمِيدِ. انتَهَى. وقال
ابنُّ عَبدِ البَرِّ(١٠): لا أعلَمُ خِلافًا في جَمعِ المنفَرِدِ بَيْنَهُمَا.
■ الثَّامِنَةُ: في هَذِهِ الرِّوايَةِ: ((رَبَّنَا لَك الحَمدُ)). بِغَيرِ واوٍ، وفي حَدِيثٍ
أَنَسِ المذكُورِ بَعدَهُ: ((وَلَك الحَمدُ)). بِإِثْبَاتِ الواوِ.
(٢٧٨/٧)، وطبقات ابن قاضي شهبة (٣٢١/١).
(١) قال في حاشية (ت): ((المنقول عنه ذلك إنما هو الطحاوي، لا ابن المنذر)). قلت: وقد
أخذ الطحاوي بما ذهب إليه الشافعي، وينظر: شرح معاني الآثار (٢٣٨/١ - ٢٤١).
(٢) في (ك، ح): ((ولك)).
(٣) ليس في: (ك).
الإشراف (٢٩/٢، ٣٠)، وينظر: الأوسط (١٦١/٣، ١٦٢).
(٤)
(٥)
في (ك، ح): ((یزید)).
بعده في (ك): ((هذا)).
(٧)
(٩) الهداية (٤٩/١).
(٦) في (ك، ح): ((ويقول)).
(٨) المحلى (٢٥٩/٣ - ٢٦٣).
(١٠) التمهيد (١٤٨/٦). وقال في حاشية (ت): ((حكى الاتفاق على ذلك الطحاوي)).

بَابُ الإمَامَةِ
٣١٩
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ» (١): كَأنَّ إثباتَ الواوِ دَالٌّ على
مَعَنَّى زَائِدٍ(٢)؛ لأنه يَكُونُ التَّقَدِيرُ: رَبَّنَا استَجِب، أو مَا قَارَبَ ذَلِكَ، ولَك الحَمدُ،
فَيَكُونُ الكَلَامُ مُشتَمِلًا على مَعنَى الدُّعَاءِ، ومَعنَى الخَبَرِ، وإِذَا قِيلَ بِإسقَاطِ الواوِ،
دَلَّ على أَحَدِ هَذَينٍ. انتَهَى.
وإسقَاطُ الواوٍ قد حُكِيَ عن الشَّافِعِيِّ، حَكَاهُ عَنْهُ ابنُ قُدَامَةَ(٣)، وقال:
لِأَنَّ(٤) الواو لِلعَطفِ، ولَيسَ هُنَا شَيءٌ يُعطَفُ عَلَيهِ.
وعَن مَالِكٍ وأحمَدَ في ذَلِكَ خِلَافٌ، رَوى ابنُ القَاسِم، عن مَالِكِ: أنَّ
الأفضَلَ إِثْبَاتُهَا، ورَوى عن عَلِيٍّ بنِ زِيَادٍ: أَنَّ (٣٣٣/٢م) الأفضَلَ إسقَاطُهَا، وهِيَ
ڕِوایةُ ابنِ وهبٍ (٥) .
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): قال الأثرَمُ: سَمِعتُ أحمَدَ بنَ حَنبَلٍ يُثبِتُ الواو في:
((رَبَّنَا [١٤٨/١ظ] ولَك الحَمدُ)). وقال: رَوى(٧) الَزهَرِيُّ فيه ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ؛
أحَدُهَا: عن أنَسٍ. والثَّانِي: عن (٨) سَعِيدِ بنِ المَسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ. والثَّالِثُ:
عن سَالِمٍ، عن أبِيهِ. يَعنِي: حَدِيثَ رَفعِ اليَدَين. وقال في حَدِيثِ عَلِيٍّ الطَِّيلِ:
(رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ)). بِالواوِ، ونَقَلَ فيه ابنُ قُدَامَةَ خِلَافًا عن أحمَدَ.
وقال النَّوِيُّ(٩): كِلَاهُمَا جَاءَت به رِوايَاتٌ كَثِيرَةٌ، والمختَارُ: أنَّهُ على وجهِ
الجَوازِ، وأنَّ الأمرَينِ جَائِزَانٍ، ولَا تَرجِيحَ (١٠) لِأحَدِهِمَا على الآخَرِ.
■ التَّاسِعَةُ: قَولُهُ: ((وإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجمَعُونَ)). كَذَا في
هَذِهِ الرِّوايَةِ، وكَذَا هُو في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)) (١١)، وهُو تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ فِي قَولِهِ:
((فَصَلُّوا)). ورَواهُ بَعضُهُم: (أجمَعِينَ))(١٢)، وهُو تَأْكِيدٌ لِلحَالِ، وهُو قَولُهُ: ((جُلُوسًا)).
(١) إحكام الأحكام (ص٢٣٢).
(٣)
المغني (١٨٨/٢).
(٢) في (ك): ((زيادة)).
(٤) في (ح): ((إن)).
(٥) ينظر: الموطأ بشرح الزرقاني (٣٣٢/١). (٦) التمهيد (١٥٠/٦).
(٧)
ليس في: (ك).
(٨) ليس في: (ك).
(١٠) في (ك، ت، ح): ((ترجّح)).
(٩) شرح صحيح مسلم (١٢١/٤).
(١١) البخاري (٦٨٩).
(١٢) هو لفظ ابن ماجه (٨٤٦).

٣٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
العَاشِرَةُ: استُدِلَّ به على أنَّ الإمَامَ إِذَا صَلَّى قَاعِدًا لِعُذرٍ، صَلَّى
المأمُومُونَ ورَاءَهُ قُعُودًا، وإن لَم يَكُن بِهِم مَانِعٌ يَمنَعُهُم مِن القِيَامِ، وهُو مَذهَبُ
أحمَدَ بنِ حَبَلٍ، وقال(١): كَذَا قالهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ، وَفَعَلَهُ أَربَعَةٌ مِن الصَّحَابَةِ.
وقال التِّرمِذِيُّ(٢): ذَهَبَ إلَيهِ بَعضُ الصَّحَابَةِ؛ مِنْهُم جَابِرُ بنُ عَبدِ الله،
وأُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وأبو هريرةَ، وغَيرُهُم. ورَواهُ(٣) ابنُ أَبِي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِهِ))(٤)،
عن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ.
وعَن قَيسٍ بنِ قَهدٍ، بِالقَافِ، قال(٥): كَانَ لَنَا إِمَامٌ فَمَرِضَ، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ
قُعُودًا. وهُو الصَّحَابِيُّ الرَّابِعُ الذي عَنَاهُ الإمَامُ أحمَدُ.
وقال ابنُ المنذِرِ (٦)، بَعدَ حِكَايَتِهِ هَذَا المذهَبُ عن الصَّحَابَةِ الثَّلَاثَةِ الأولِينَ،
وحِكَايَتِهِ كَلَامَ أحمَدَ الرَّابِعُ: هُو في (٧) الخَبَرِ الذي رُوِّينَاهُ، عن قَيسِ بنِ قَهِدٍ: ((أنَّ
إِمَامًا لَهُم اشتَكَى، على عَهدِ رسولِ اللهِ نَّهِ، فَكَانَ يَؤُمُّنَا جَالِسًا، ونَحنُ جُلُوسٌ)).
انتَھَی.
وكَذَا رَواهُ عَبدُ الرَّزَّاقِ في (مُصَنَّفِيهِ)) (٨)، إلّا أنَّهُ قال: قال قَيسُ بنُ قَهدٍ .
وهَذَا يَدُلُّ على أنَّ ابنَ المنذِرِ فَهِمَ أنَّ الصَّحَابِيَّ هُو(٩) الذي كَانَ إِمَامًا في
عَهدٍ رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ. وَلَيسَ في رِوايَةِ ابنِ أبِي شَيبَةَ: أنَّ هَذَا كَانَ على عَهدٍ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَيَكُونُ الصَّحَابِيُّ قَيسَ بنَ فَهدٍ. ويَجتَمِعُ مِن مَجمُوعِ ذلك(١٠)
خَمسَةٌ مِن الصَّحَابَةِ.
وذَكَرَ ابنُ بَطَالٍ (١١): أنَّ عَبدَ الرَّزَّاقِ رَواهُ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ، فَهُو صَحَابِيٌّ
سَادِسٌ.
(١) ينظر: المغني (٦١/٣).
(٣) في (ك): ((وروی)).
(٥)
مصنف ابن أبي شيبة (٣٢٦/٢).
ليس في: (ك، ح).
(٧)
(٩) ليس في: (ك).
(١١) شرح صحيح البخاري (٣١٤/٢).
(٢) جامع الترمذي (١٩٤/٢).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (٣٢٦/٢).
(٦) الأوسط لابن المنذر (٢٠٥/٤).
(٨) مصنف عبد الرزاق (٤٠٨٤).
(١٠) في الأصل، (م): ((هذا)).