Indexed OCR Text

Pages 281-300

=
=
٢٨١
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشىِ إلَيها
رِوايَتَانِ؛ رِوايَةٌ في الجُمُعَةِ، ورِوايَةٌ في الجَمَاعَةِ، في سَائِرِ الصَّلَواتِ، وكِلَاهُمَا
صَحِيحٌ.
■ الثَّامِنَةُ(١): اعتَرَضَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ على مَنِ احتَجَّ لِلظَّاهِرِيَّةِ بِهذا
الحديثِ، على شَرطِيَّةِ الجَمَاعَةِ في الصَّلَواتِ كُلُّها(٢): بِأنَّ هذا الوعِيدَ(٣) إذَا وَرَدَ
بِالتّحريق(٤) في صَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ، وهِيَ العِشَاءُ أو الجُمُعَةُ أو الفَجرُ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ على
وُجُوبِ الجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الصَّلَوات (٥)، فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ: أنه لَا يَدُلُّ على
وُجُوبِها في غَيرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، عَمَلًا بِالّاهِرِ وتَركِ اتِّبَاعِ المَعنَى، اللَّهُمَّ إلَّا أن
نَأْخُذَ (٦) قَولَهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((أن آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ)). على عُمُومِ الصَّلَاةِ،
فَحِينَئِذٍ يُحتَاجُ في ذلك إلَى اعتِبَارِ لَفِظِ ذلك الحديثِ وسِيَاقِهِ، ومَا يَدُلُّ عَلَيهِ،
فَيُحْمَلُ(٧) لَفِظُ الصَّلَاةِ عَلَيهِ، إن أُرِيدَ التَّحقِيقُ بِطَلَبٍ (٨) الحَقِّ.
التَّاسِعَةُ(٩): اختُلِفَ أيضًا في هَمِّ النَّبِّ وَّهَ بِمَا هَمَّ بِهِ مِنَ التَّحريق(١٠)،
هَل هُو لِكَونِهِم لَا يَعلَمُ أنَّهُم صَلَّوا أصلًا، فَهُو مِن بَابِ التحريق(١١) على تَركِ
الصَّلَاةِ رَأْسًا، أو هُو لِتَركِ الجَمَاعَةِ، وإن عَلِمَ أنَّهُم صَلَّوا في بُيُوتِهِم؟
والقَول الثَّانِي أظهَرُ؛ لأنه قال: (لَا يَشِهَدُونَ الصَّلَاةَ). وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ
بِأَنَّهُم كَانُوا يُصَلُّونَ في بُيُوتِهِم، فِيمَا رَواه أبو دَاوُد(١٢)، فَقال فيه: ((ثُمَّ آتِي قَومًا
يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِم، لَيسَت بِهِم(١٣) عِلَّةٌ، فَأُحَرِّقُها عَلَيهِم)). قُلتُ لِيَزِيدَ بنِ الأصَمِّ :
يَا أبَا عَوفٍ، الجُمُعَةَ عنيَ أو غَيرَها؟ فَذَكَرَ بَقِيَّةَ القِصَّةِ المَذكُورَةِ في الأصلِ، مِن
عِندِ أبِي دَاوُد.
(١) في الأصل: ((التاسعة)).
(٣)
ليس في: (ح).
(٥)
في (م): ((الصلاة)).
في (ح): ((يأخذ)). وفي الإحكام: ((يؤخذ)).
(٦)
(٧)
في (ك): ((فنحمل)).
(٩) في الأصل: ((العاشرة)).
(١١) في (م): ((التخويف)).
(١٣) في الأصل: ((به)).
(٢) إحكام الأحكام (ص٢٠٢، ٢٠٣).
(٤) في (م): ((بالتخويف)).
(٨) في (ح): ((بتطلب)).
(١٠) في (م): ((بالتخويف)).
(١٢) أبو داود (٥٤٩).

٢٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
قال القُرطُبِيُّ(١): وعَلَى هذا تَكُونُ هَذِهِ الجَمَاعَةُ المُهَدَّدُ على التَّخَلُّفِ عنها
هِيَ الجُمُعَةُ، كَمَا قَد نَصَّ عَلَيهِ في حَدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، [١٤٢/١ظ] فَيُحْمَلُ
المُطلَقُ مِنْهُمَا على المُقَيَّدِ، واللهُ تعالى أعلمُ.
العَاشِرَةُ: اختُلِفَ أيضًا في الذين تَوَّدَهُم النبي ◌ِّهِ بِالتَّحْرِيقِ، هَل هُم
مُنَافِقُونَ، أو قَومٌ مِنِ المُؤمِنِينَ؟ ومِمَّن حَكَى الخِلَافَ في ذلك ابنُ بَطَّاٍ،
والقاضِي عِيَاضٌ، واستَدَلَّ ابنُ بَطَّالٍ، لِلقَولِ بِأَنَّهُم مُنَافِقُونَ: بِأَنَّ النَّبِيَّ وَِّ أَقَسَمَ
أنه: «لَو يَعلَمُ أحَدُهُم أنه يَجِدُ عَرَقًّا سَمِينًا، أو مِرمَاتَينٍ (٣١١/٢م) حَسَنَتَينٍ، لَشَهِدَ
العِشَاءَ)). ولَيسَ هذا مِن صِفَاتِ المُؤمِنِينَ.
قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ(٢): ويَشهَدُ لَهُ سِيَاقُ الحديثِ مِن أولِهِ، وهُو قَولُهُ:
(أثقَلُ الصَّلَاةِ على المُنَافِقِينَ)). ورَجَّحَهُ أيضًا بِأنَّ هَمَّهُ بِالتَّحْرِيقِ يَدُلُّ على الجَوازِ،
وتَركَهُ لِلَّحرِيقِ يَدُلُّ على جَوازِ الثَّركِ، وهذا لَا يَكُونُ في المُؤمِنِينَ، وقال قَبلَ
ذلك: إنَّ تَرْكَ عِقَابِ المُنَافِقِينَ وعِقَابَهُم كَانَ مُبَاحًا لِلنَّبِّ ◌َِّ، مُخَيَّرًا فِيهِ.
واستَدَلَّ القُرطُبِيُّ لِلقَولِ بِأَنَّهُم مُؤمِنُونَ(٣): بِحَدِيثِ أبِي دَاوُد المُتَقَدِّمِ، الذي
قال فيه: ((يُصَلُّونَ في بُيُوتِهِم)). قال: والمُنَافِقُونَ لَا يُصَلَّون في بُيُوتِهِم، إنَّمَا
يُصَلُّونَ فِي الجَمَاعَةِ، رِيَاءً وسُمعَةً.
قُلتُ: ولَيسَ فيه حُجَّةٌ لِذَلِكَ، فَقَد قال ◌َِّ(٤): ((تِلك صلاةُ المُنَافِقِينَ،
يَجلِسُ أحَدُهُم؛ حَتَّى إِذَا كَانَت الشَّمسُ بَينَ قَرِنَي الشَّيْطَانِ: قامَ فَنَقَرَ أربَعًا، لَا
يَذْكُرُ الله فِيها إلَّا قَلِيلًا)). وقَد تَكُونُ الصَّلَاةُ المُشَارُ إلَيها فِي بُيُوتِهِم؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ
أنَّهُم لَا يُرَاءُونَ بِمِثلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ المَذْمُومَةِ، والله تعالى أعلمُ.
الحَادِيَةَ عَشرَ: فيه أنَّ الجَمَاعَةَ لَا تَجِبُ على النِّسَاءِ، ولَا تَتَأكَّدُ في
حَقِّهِنَّ، مِن قَولِهِ: (ثُمَّ أُخَالِفُ إلَى رِجَالٍ)). وهُو كذلك.
(١) المفهم (٢٧٧/٢).
(٢) ينظر: إحكام الأحكام (ص٢٠١).
(٣) ينظر: المفهم (٢٧٧/٢)، وشرح البخاري لابن بطال (٢٧٠/٢).
(٤) مسلم (٦٢٢ /١٩٥).

بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيٍ إِلَيها
٢٨٣
] الثَّانِيَةَ عَشرَ: المُرَادُ بِالعَظمِ السَّمِينِ هُو أن يَكُونَ عَلَيهِ لَحمٌ، بِدَلِيلِ
قَولِهِ في رِوايَةِ البُخَارِيِّ(١): ((عرقًا سَمِينًا)). والعَرقُ: بِفَتح العَينِ، وإسكانِ الرَّاءِ،
هُو العَظْمُ، إذَا كَانَ عَلَيهِ لَحمٌ، فَإِن كَانَ العَظمُ لَا لَحمَ عَلَيهِ، فهو عُرَاقٌ بِضَمِّ
العَينِ، وزِيَادَةِ الألفِ، هَكَذَا في ((كِتَابِ العَينِ))(٢).
ولَم يُفَرِّق صَاحِبُ ((المُفهِم))(٣): بَينَ العَرقِ والعُرَاقِ، وقال: إنَّهُمَا العَظمُ
الذي عَلَيهِ لَحمٌ. وقال صَاحِبُ ((النِّهايَةِ)) (٤): إنَّ العُرَاقَ جَمعُ عَرقٍ، قال: وهُو
جَمِعٌ نَائِرٌ.
■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: ((المِرمَاتَانٍ)). بِكَسرِ المِيم وفَتحِها أيضًا، واحِدَتُهُمَا(٥)
مِرمَاةٌ، واختُلِفَ في المُرَادِ بِهِمَا، فَقال أبو عُبَيدٍ (٦): يُقالُ: إنَّ المِرمَاتَينِ (٧ما
بين٧) ظِلفَي الشَّاةِ، قال: وهذا حَرفٌ لَا أدرِي مَا وجهُهُ؟
وقال إبرَاهِيمُ الحَربِيُّ(٨): إنه قَولُ الخَلِيلِ أيضًا (٩)، قال الحَربِيُّ: ولَا
أحسِبُ هذا مَعنَى الحديثِ، ولَكِنَّهُ كَمَا أخبَرَنِي أبو نَصرٍ، عن الأصمَعِيِّ، قال:
المِرمَاةُ: سَهِمُ الْهَدَفِ.
قال الحَربِيُّ: ويُصَدِّقُ هذا مَا حَدَّثَنِي بِهِ عُبَيدُ الله بنُ عُمَرَ، عن مُعَاذٍ، عن
أبِيهِ، عن قَتَادَةَ، (١٠ عنِ الحسنِ "١)، عن أبِي رَافِعٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبِيَّ لَه
قال: ((لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعِي، كَانَ لَهُ عَظِمٌ مِن شَاةٍ سَمِينَةٍ، أو سُهمَانٍ،
لَفَعَلَ». وقال أبو عَمروٍ: مِرمَاةٌ، ومَرَامٍ: وهِيَ الدِّقاقُ (١١) مِنِ السِّهامِ المُستَوِيَةِ.
(١) البخاري (٦٤٤).
(٣) المفهم (٢٧٨/٢).
(٥) في الأصل: ((واحدتها)).
(٧ - ٧) ليس في: (م).
(٩) ينظر: كتاب العين (٢٩٣/٨).
(١٠ - ١٠) ليس في النسخ. والمثبت من غريب الحديث (٩٦/١) هو الصواب، والحديث
أخرجه كذلك أحمد (٢٩٩/٢)، والبيهقي في الشعب (٢٥٩٥) من طريق الحسن به.
وينظر: شرح ابن بطال (٢٧١/٢).
(١١) في (ك): ((الرقاق)).
(٢) العين للخليل (١٥٤/١).
(٤) النهاية (٢٢٠/٣).
(٦) غريب الحديث لابن سلّام (٢٠٢/٣).
(٨) غريب الحديث للحربي (٩٦/١).
=

٢٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقال صَاحِبُ ((النِّهايَةِ)) (١): وقِيلَ: المِرمَاةُ بِالكَسرِ (٢) السَّهمُ الصَّغِيرُ، الذي
يُتَعَلَّمُ بِهِ الرَّميُّ، وهُو أحقَرُ السِّهام وأرذَلُها؛ أي: لَو دُعِيَ إلَى (٣١٢/٢م) أن يُعطَّى
سَهَمَينِ مِن هَذِهِ السِّهامِ لَأسرَعَ الإِجَابَةَ.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ(٣): وهذا لَيسَ بِوجهٍ، وَتَدفَعُهُ(٤) الرِّوايَةُ الأُخرَى: ((لَو دُعِيَ
إِلَى مِرِمَاتَينِ أو عَرقٍ)). انتَهَى.
وقِيلَ: إنَّ المِرمَاةَ ظِلِفُ الشَّاةِ نَفسُهُ، وبِهِ صَدَّرَ صَاحِبُ ((النِّهَايَةِ)) كَلَامَهُ.
وقال الأخفَشُ(٥): المِرمَاةُ لُعبَةٌ كَانُوا يَلعَبُونَها بِنِصَالٍ مُحَدَّدَةٍ، يَرِمُونَها في
كُومٍ مِن تُرَابٍ، فَأَيُّهُم أثبَتَها في الكَومِ غَلَبَ.
■ الرَّابِعَةَ عَشرَ: وفِي قَولِهِ فِي رِوايَةٍ مُسلِمٍ: ((فَقَد (٦) نَاسًا في بَعضٍ
الصَّلَواتِ، فَقال))(٧). إشَارَةٌ إلَى سَبَبِ الحديثِ، فلذلك ذَكَرَ في الزِّيَادَاتِ، وعِندَ
أبِي دَاوُد، والنَّسَائِيِّ، وابنِ مَاجَه(٨) مِن حَدِيثٍ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، مَا يَقتَضِي أنَّ
الصَّلَاةَ المُبهَمَةَ، عِندَ مُسلِم، هي الصُّبحُ، فقال: صَلَّى بِنَا رسولُ اللهِ وَّه يَومًا
الصُّبحَ، فَقال: ((أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟)) قالُوا: لَا. قال: ((أشَاهِدٌ فُلَانٌ؟)) قالُوا: لَا(٩).
قال: ((إنَّ هاتَينِ الصَّلَاتَينِ أثقَلُ الصَّلَواتِ على [١٤٣/١ و] المُنَافِقِينَ))، الحديثَ.
■ الخَامِسَةَ عَشرَ: قَولُ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ، في رِوايَةٍ أَبِي دَاوُدَ(١٠): ((صُمَّتَا
أُذُنَايَ)). كَذَا وقَعَ في سَمَاعِنَا مِنَ ((المُسنَدِ))، وهُو على لُغَةِ بَنِي الحَارِثِ، المُتَقَدِّمِ
ذِكرُها، عِندَ قَولِهِ: ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ)). فِي الحديثِ قَبلَهُ.
(١) النهاية (٢٦٩/٢).
(٢) بعده في (م): ((هو)).
الفائق للزمخشري (٨٤/٢).
(٣)
(٤) في (ك، ح): ((يدفعه).
ينظر: شرح الترمذي لابن سيد الناس (١٨١/٤)، والمفهم (٢٧٨/٢)، وفتح الباري
(٥)
(١٢٩/٢).
في (م): ((فقدنا)).
(٦)
(٧) مسلم (٢٥١/٦٥١).
أبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٨٤٢)، وابن ماجه (٧٩٠) وليس فيه موضع الشاهد.
(٨)
وينظر: تحفة الأشراف ٢١/١ (٣٦).
(٩) بعدها في (م): ((قال: أشاهدٌ فلانٌ؟ قالوا: لا)).
(١٠) أبو داود (٥٤٩).

٢٨٥
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشىِ إلَيها
] السَّادِسَةَ عَشرَ: قَولُهُ: ((أثقَلُ صَلَاةٍ(١) على المُنَافِقِينَ؛ صلاةُ العِشَاءِ،
وصَلَاةُ الفجرِ(٢)). وإنَّمَا كَانَت هاتَانِ الصَّلَاتَانِ ثَقِيلَتَينِ على المُنَافِقِينَ، لِأمرَينِ:
أحَدُهما: لِلمَشَقَّةِ المَوجُودَةِ في حُضُورِ المَسَاجِدِ فِيهِمَا؛ مِنِ الظُّلمَةِ، وَونِ
وقتِهِمَا وقتَ رَاحَةٍ، أو غَلَبَةِ نَومِ، أو خَلوةٍ بِأهالِيهِم، فَلَا يَتَجَشَّمُ تِلكَ المَشَاقَّ إلَّا
مَن وثِقَ(٣) بِثَوابِ اللهِ تَعَالَى، والمُنَافِقُ إمَّا شَاٌّ في ذلك، أو لَا يُصَدِّقُه(٤)، فَيَشُقُّ
عَلَيهِ ذلك.
والمعنَى الثَّانِي: أنَّ المُنَافِقِينَ كَمَا قال الله تعالى: ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا
يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وهاتَانِ الصَّلَاتَانِ في لَيلٍ، فَرُبَّمَا خَفِيَ مَن
غَابَ عنهُمَا، واستَتَرَ حَالُهُ، بِخِلَافِ بَاقِي الصَّلَواتِ، فَإِنَّها بِحَيثُ يَرَاهُ النَّاسُ،
ويَتَفَقَّدُونَ غَيِبَتَهُ فَكَانَ رِيَاؤُهُ يَحُضُّهُ على حُضُورِها(٥)، لِيَرَاهُ النَّاسُ.
والمَعنَى الأولُ أظهَرُ، لِقَولِهِ تَعَالَى، في أولِ الآيَةِ: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ
قَامُواْ كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. ولَا مَانِعَ، أن يَكُونَ الأمرَانِ المَذكُورَانِ فِي الآيَةِ،
كِلَاهُمَا حَامِلٌ لَهُم على تَركِ الجَمَاعَةِ في الصَّلَاتَينِ المَذكُورَتَينِ، واللهُ تعالى
أعلمُ.
السَّابِعَةَ عَشرَ: وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ(٦): ((لَا يَشْهَدُونَ الجُمُعَةَ)). وكَذَا فِي
حَدِيثٍ ابنِ مَسعُودٍ عِندَ مُسلِمٍ(٧): حُجَّةٌ على أبِي حَنِيفَةَ، في أنه جَعَلَ المُكَلَّفَ
مُخَيَّرًا بَيْنَ الجُمُعَةِ والظّهرِ بِغَيْرِ عُذرٍ (٨)، إذ لَو كَانُوا مُخَيَّرِينَ لَمَا هَمَّ بِتَحرِيقِهِم،
فدلَّ(٩) أنَّ حُضُورَ الجُمُعَةِ فَرضُ (٣١٣/٢م) عَينٍ، إلَّا لِأصحَابِ الأعذَارِ الشَّرعِيَّةِ،
واللهُ تعالى أعلمُ.
(١) في (م): ((الصلاة)).
(٣)
في (م): ((وفق)).
(٢) في (م): ((الصبح)).
(٤) في (م): ((يصدق)).
في الأصل: ((حضورهما)).
(٥)
(٦) البيهقي (٥٦/٣).
(٧)
مسلم (٢٥٤/٦٥٢).
ينظر: المبسوط (٥٨/٢)، والمحيط البرهاني (١٥٠/٢).
(٨)
(٩) في (م): ((قيل)).
=
=

٢٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الثَّامِنَةَ عَشرَ: قَولُهُ: (وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لَأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًّا))؛ أي:
يَزْحَفُونَ على أليَاتِهِم، مِن مَرَضٍ أو آفَةٍ، قالهُ صَاحِبُ ((المفهم)) (١)، وفِيهِ نَظَرٌ،
والحَبوُ غَالِبًا إِنَّمَا يُطلَقُ على الحَبِ على الرُّكَبِ، وإِن كَانَ قَد يُطلَقُ أيضًا على
الزَّحفِ، فَالمُرَادُ هُنَا الحبو (٢) على الرُّكَبِ، كَمَا هُو مُصَرَّحٌ بِهِ عِندَ أَبِي دَاوُد(٣)
مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ: ((ولَو يَعلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوهُمَا، ولَو حَبوًّا على الرُّكَبِ)).
وفِيهِ دَلِيلٌ على استِحِبَابِ حُضُورِ الجَمَاعَةِ لِأِصحَابِ الأعذَارِ، مِن مَرِيضٍ أو
نَحوِهِ، وإن لم يَتَأكَّد في حَقِّهِ، وعِندَ مُسلِم (٤) أنَّ ابنَ مَسعُودٍ، قال: ((وَلَقَد كَانَ
الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ بَيْنَ الرَّجُلَينِ: يُهادَى بَينَ الرَّجُلَينِ، حَتَّى يُقامَ فِي الصَّفِّ)).
■ التَّاسِعَةَ عَشرَ: فيه حُجَّةٌ لِأَحَدِ القَولَينِ، في أنه يُقاتَلُ أهلُ بَلَدٍ تَمَالَؤوا
على تَركِ السُّنَنِ ظَاهِرًا، بِنَاءً على القَولِ بِأنَّ الجَمَاعَةَ سُنَّةٌ لَا فَرِضٌ.
قال القاضِي عِيَاضٌ(٥): والصَّحِيحُ قِتَالُهُم؛ لِأَنَّ في التَّمَالُىْ عَلَيها إِمَاتَتَها،
انتَھَی.
وقَد اختَلَفَ أصحَابُ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُمُ الله، في قِتَالِ أهلِ بَلَدِ انَّفَقُوا على
تَركِ الجَمَاعَةِ، بِنَاءً على القَولِ بِأنَّها سُنَّةٌ؟ والصَّحِيحُ عِندَهُم: أنَّهُم لَا يُقَاتَلُونَ على
ذَلِكَ، إِنَّمَا يُقاتَلُونَ على القَولِ بِأَنَّها فَرِضُ ◌ِفَايَةٍ (٦)، والله تعالى أعلمُ.
■ الفَائِدَةُ العِشرُونَ: فيه أخذُ أهلِ الجَرَائِمِ على غِرَّةٍ، قالهُ صَاحِبُ
(المُفهِم))(٧)، وقَد بَوبَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ في الأحكامِ(٨): بَابُ إخرَاجِ الخُصُومِ،
وأهلِ الرِّيَبِ(٩) مِنَ الْبُيُوتِ.
■ الحَادِيَةُ والعِشرُونَ: استَدَلَّ صَاحِبُ ((المُفهِم)) (١٠)، بِقَولِهِ: ((ثم تُحَرِّقُ
بُيُوتًا على مَن فِيها)). على أنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ مُتَهاوِنًا يُقتَلُ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ أنَّ
المفهم (٢٧٦/٢).
(١)
(٣)
أبو داود (٥٥٤).
(٥)
إكمال المعلم (٢/ ٦٢٢).
المفهم (٢٧٨/٢).
(٧)
في (م): ((الذنب)).
(٩)
(٢) في (م): ((الزحف)).
(٤) مسلم (٢٥٧/٦٥٤).
(٦) ينظر: الحاوي للماوردي (٢٠٣/٢).
(٨) البخاري (٧٢٢٤).
(١٠) المفهم (٢٧٨/٢، ٢٧٧).

بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشئٍ إلَيها
٢٨٧
في رِوايَةِ أبِي دَاوُدَ: ((يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِم)). فَلَم يَتْرُكُوها رَأْسًا، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّانِيَةُ والعِشرُونَ: إن قال قائِلٌ: إذَا كَانَ المُرَادُ بِهِذا تَركَ الجُمُعَةِ،
كَمَا فِي رِوايَةِ البَيهَقِيِّ، وفِي حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ عِندَ مُسلِمٍ، فَهَل يَجُوزُ لِلإِمَامِ أو
نَائِهِ تَركُ صلاةِ الجُمُعَةِ، لِأجلِ أخذِ مَن في الْبُيُوتِ لَا يُصَلِّي الجُمُعَةَ، أو يَرتَكِّبُ
مَا يَجِبُ إِزَالَتْهُ، أو يَكُونُ هذا خَاصَّا بِالنَّبِيِّ نَّهِ وَلَيْسَ لِأحَدٍ فِعلُ هذا الْيَومَ؛ لأنَّهُ
يُؤَدِّي إلَى تَركِ الجُمُعَةِ، وهِيَ لَا تُعَادُ؟
فَالجَوابُ: أنَّ أصحَابَنَا ذَكَرُوا مِنَ الأعذَارِ [١٤٣/١ظ] في الجُمُعَةِ والجَمَاعَةِ
مَن لَهُ غَرِيمٌ يَخَافُ فَوتَهُ(١)، والظّاهِرُ: أنَّ أربَابَ الجَرَائِمِ فِي حَقِّ الإمَامِ ونَائِهِ
كَالغُرَمَاءِ، حَتَّى إِذَا خَشِيَ أن يَقُوتُوهُ إن شَهِدَ الجَمَاعَةَ أو الجُمُعَةَ، كَانَ لَهُ ذلك،
واللهُ أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ والعِشرُونَ: التَّحرِيقُ بِالنَّارِ مَنسُوخٌ، بِمَا رَواهُ البُخَارِيُّ،
وأبو دَاوُدَ، (٣١٤/٢م) والتِّرمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ(٢) مِن حَدِيثِ أبي هريرةَ، قال: بَعَثَنَا
رسولُ اللهِ وَّرَ فِي بَعثٍ، فَقال: ((إن وجَدْتُم فُلَانًا وقُلَانًا فَأحرِقُوهُمَا بِالنَّارِ)). ثُمَّ قال
رسولُ اللهِ وَّه، حِينَ أَرَدَنَا الخُرُوجَ: ((إنِّي أَمَرتُكُم أن تُحَرِّقُوا فُلَانًا وفُلَانًا، (٣) وإنَّ
النَّارَ(٣) لَا يُعَذِّبُ بِها (٤) إِلَّا اللهُ، فَإِن وجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا)) .
ورَوَى الجَمَاعَةُ المَذْكُورنَ أيضًا(٥)، مِن رِوايَةِ عِكرِمَةَ، قال: أَتِيَ عَلِيٍّ رَُّبه :
بِزَنَادِقَةٍ، فَأَحْرَفَهُم، فَبَلَغَ ذلك ابنَ عَبَّاسٍ، فَقال: لَو كُنتُ أنَا لم أُحَرِّقُهُم، لِنَهي
رسولِ اللهِ وَّه: (لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ الله)). ولَقَتَلتُهُم لِقَولِ رسولِ اللهِ وَلَ: ((مَن بَدَّلَ
دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)). زَادَ التِّرِمِذِيُّ: فَبَلَغَ ذلك عَلِيًّا، فَقال: صَدَقَ ابنُ عَبَّاسٍ.
(١) وعليه نص الشافعي في الأم (١٨٩/١)، وينظر: الحاوي (٣٠٥/٢)، والشرح الكبير
(٣٠٧/٤).
(٢) البخاري (٢٩٥٤)، وأبو داود (٢٦٧٣)، والترمذي (١٥٧١)، والنسائي في الكبرى
(٨٦١٣).
(٣ - ٣) في الأصل: ((بالنار)).
(٤) في الأصل: ((بالنار)).
(٥) البخاري (٣٠١٧)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي (٤٠٧١).

٢٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ولِأبِي دَاوُدُ(١) مِن حَدِيثٍ حَمزَةَ بنِ عَمرٍو: ((إنَّه لا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّ رَبُّ
النَّارِ)). [ولَهُ(٢) مِن حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ: ((إِنَّه لَا يَنبَغِي أن يُعَذِّبَ بِالَّارِ إِلَّ رَبُّ
الثَّارِ))](٣).
فَهَذِهِ الأحَادِيثُ دَالَّةٌ أنَّ مَا كَانَ هَمَّ بِهِ مِنَ الشَّحرِيقِ مَنسُوٌ، بِهَذِهِ
الأحَادِيثِ.
الحديثُ الخَامِسُ
جَ وعن سَالِم، عن أبِيهِ، عن النَّبِيِّ وَّهِ: ((إذَا استَأْذَنَت أحَدَكُم امرَاتُهُ
إِلَى المَسجِدِ، فَلَأَّ يَمنَعها)»(٤).
فيه فوائدُ:
■ الأُولَى: فيه جَوازُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى مَسجِدِ الجَمَاعَةِ؛ لأنَّهُ لَو كَانَ
مَمنُوعًا عَلَيهِنَّ: لم يُؤْمَرِ(٥) الرِّجَالُ بِالإذنِ لَهُنَّ إِذَا استَأْذَنَّ، ولَكِنَّهُ مَشرُوظٌ
بِشُرُوطِ، تَأْتِي فِي بَقِيَّةِ فَوائِدِ الحديثِ.
واختَلَفَ العُلَمَاءُ في شُهُودِها لِلجَمَاعَةِ؛ هَل هُو مَندُوبٌ، أو مُبَاحٌ فَقَط؟
وقال مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ: إنَّ إطلَاقَ الخُرُوجِ(٦) لَهُنَّ إِلَى المَسَاجِدِ
إِيَاحَةٌ، لَا نَدبٌّ، ولَا فَرضٌ(٧). وفَرَّقَ بَعضُهُم: بَيْنَ الشَّابَّةِ (٣١٥/٢م) والعَجُوزِ،
كَمَا سَيَأْتِي فِي الفَائِدَةِ الحَادِيَةَ عَشرَ.
■ الثَّانِيَةُ: فيه أنَّ الزَّوجَ مَأمُورٌ أن لَا يَمنَعَها مِنَ المَسَاجِدِ إِذَا استَأَذَنَتُهُ،
(١) أبو داود (٢٦٧٣).
(٢) أبو داود (٢٦٧٥).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٤)
البخاري (٨٧٣، ٥٢٣٨)، ومسلم (١٣٤/٤٤٢).
(٥) في الأصل: (يؤمروا)). وفي (ح): ((يأمر)).
(٦) ليس في: (ك).
(٧) ينظر: شرح ابن بطال (٤٧٤/٢).

٢٨٩
=
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إلَيها
ولَكِن بِالشُّرُوطِ الآتِي ذِكرُها؛ قال ابنُ بَظَّالٍ (١): وذلك محمولٌ على ما إذا لم
يخفِ الفتنةَ عليها؛ لأنه كان(٢) الأغلَبُ مِن حَالِ أهلِ ذلك الزَّمَانِ، وأمَّا حَدِيثُ
عَائِشَةَ(٣)، فَفِيهِ دَلِيلٌ على أنه لَا يَنْبَغِي لِلنِّسَاءِ أن (٤) يَخرُجنَ (٥) إلَى المَسَاجِدِ، إِذَا
حَدَثَ فِي النَّاسِ (٦) الْفَسَادُ.
■ الثَّالِثَةُ: هذا الأمرُ لِلأزواجِ، هَل هُو على سَبِيلِ الوُجُوبِ، أو على
سَبِيلِ النَّبِ؟
حَمَلَهُ البَيهَقِيُّ على النَّدبِ، واستَدَلَّ (٧) على ذلك بِمَا رَواهُ بِإسنَادِهِ، (٨ُمِن
رِوايَة٨ٍ) عَبدِ الحَمِيدِ بنِ المُنذِرِ بنِ أبِي (٩) حُمَيدٍ، عن أبِيهِ، عن جَدَّتِهِ أُمِّ حُمَيدٍ،
أنَّها قالت: يَا رسولَ اللهِ، إنَّا نُحِبُّ الصَّلَاةَ، تَعنِي: مَعَك، فَيَمنَعُنَا أزواجُنَا، فَقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((صَلَاتُكُنَّ فِي بُيُوتِكُنَّ خَيْرٌ مِن صَلَائِكُنَّ فِي دُورِكُنَّ، وصَلَاتُكُنَّ في
دُورِكُنَّ أفضَلُ مِن صَلَاتِكُنَّ فِي مَسجِدِ الجَمَاعَةِ)). قال البَيْهَقِيُّ (١٠): وفِيهِ دَلَالَةٌ على
أنَّ(١١) الأمرَ بأَلَّا يُمنَعنَ أمرُ نَدبٍ واستِحِبَابٍ، لَا أمرُ فَرضٍ وإِيجَابٍ، قال: وهُو
قَولُ العَامَّةِ مِن أهلِ العِلمِ، انتَهَى.
وكَذَا جَزَمَ بِهِ ابنُ بَطَّالٍ، فَقالَ(١٢): إنَّ نَهيَهُ عن مَنعِها مِنَ الصَّلَاةِ في
المَسَاجِدِ، فَهِيُّ أَدَبٍ، لَا أنه واجِبٌ عَلَيهِ ألَّ يَمنَعَها.
الزَّابِعَةُ: أُطلِقَ في بَعضِ طُرُقِ الحديثِ النَّهيُّ عن مَنعِهِنَّ، كَمَا
تَقَدَّمَ، وقَيَّدَهُ في بَعضِها بِالليلِ، فَقال: ((إذَا استَأذَنَكُم نِسَاؤُكُم بِالليلِ إلَى
المَسجِدِ، فَأَذَنُوا لَهُنَّ)). وهِيَ في ((الصَّحِيحَينِ)) (١٣)، كَمَا ذَكَرته في الأصلِ،
(١) شرح البخاري لابن بطال (٤٧١/٢). (٢) ليست في: (ك، ح، م).
(٣) وهو قولها: لو أن رسول الله ﴾ رأى ما أحدث النساء، لمنعهن المسجد، كما منعت
نساء بني إسرائيل. رواه البخاري (٨٦٩)، ومسلم (٤٤٥ /١٤٤).
(٤) بعده في (ح): ((لا)).
(٦) في الأصل: ((النساء)).
(٨ - ٨) في الأصل: ((عن)).
(٩) ليس في: (ك).
(١٠) البيهقي (١٣٢/٣).
(١١) ليس في: (ك).
(١٣) البخاري (٨٦٥)، ومسلم (١٣٨/٤٤٢).
(١٢) شرح صحيح البخاري (٤٧٤/٢).
(٥) في (ك): ((تخرجن)).
(٧) في (ك): ((فاستدل)).

٢٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والتَّقِيدُ بِالظرفِ(١)، مِمَّا يُخَصَّصُ بِهِ.
قال ابنُ بَطَّالٍ (٢): وفِي هَذِهِ الرِّوايَةِ دَلِيلٌ على (٣) أنَّ النَّهَارَ بِخِلَافِ ذَلِكَ،
لِنَصِّهِ على الليلِ، قال: وهذا الحديثُ يَقضِي على المُطلَقِ، أَا تَرَى إِلَى قَولِ
عَائِشَةَ: ((ما يُعرَفنَ(٤) مِنَ الغَلَسِ)).
] الخَامِسَةُ: إن قِيلَ: ظَاهِرُ رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ(٥) [١٤٤/١ و] أنَّ التَّقِيدَ بِالليلِ
مُدَرَجٌ مِن قَولِ سُفيَانَ، فإنَّهُ رَواهُ مِن طَرِيقِهِ: ((إِذَا استَأْذَنَت أحَدَكُم امرَأْتُهُ إلَى
المَسجِدِ، فَلَا يَمنَعُها)). ثُمَّ قال: زَادَ العَلَوِيُّ في رِوايَتِهِ: قال سُفْيَانُ: ((إِذَا كَانَ
ذلك ليلًا؟)).
والجَوابُ: أَنَّ رِوايَةَ سُفيَانَ في ((الصَّحِيحَينِ))، وغَيرِهِمَا، مُطلَقَةٌ لَيسَ فِيها
التَّقيِيدُ بِالليلِ، فَلَا يَضُرُّنَا زِيَادَةُ سُفْيَانَ فِيها اشتِرَاطُهُ(٦) ذلك، والرِّوايَةُ التي فِيها
التَّقِيدُ بِالليلِ لَيسَت مِن طَرِيقِهِ، إِنَّمَا هِيَ مِن رِوايَةٍ حَنظَلَةَ، عن سَالِمٍ، عن أبِيِهِ،
عِندَ الْبُخَارِيِّ(٧)، واتَّفَقَ عَلَيها الشَّيخَانِ أيضًا (٨)، مِن رِوايَةِ مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عُمَرَ.
فَلَيسَت مِن طَرِيقِ سُفَيَانَ، ولَيسَت على هذا مُدَرَجَةٌ، (٣١٦/٢م) وإنَّمَا هِيَ مِن
أصلِ الحديثِ.
السَّادِسَةُ: فيه دَلِيلٌ (٩) أنَّ المَرأةَ لَا تَخرُجُ إلَى المَسجِدِ إلَّ بِإذنٍ
زَوجِها، أو غَيرِهِ مِن أولِيَائِها، قالهُ: ابنُ بَطَّالٍ وغَيرُهُ(١٠).
وقال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ(١١): قِيلَ: إنَّ فيه دَلِيلًا على أنَّ لِلرجل(١٢) مَنعَ
امَرَأْتِهِ مِنَ الخُرُوجِ إلَّا بِإِذنِهِ، قال: وهذا إن أُخِذَ مِن تَخصِيصِ النَّهىِ بِالخُرُوجِ
(١) في الأصل، (م): ((بالطرق)).
(٣)
ليس في: (ك).
(٢) شرح صحيح البخاري (٢/ ٤٧٠).
(٤) في (م): ((ما يعرفهن أحد)).
(٥)
البيهقي (١٣٢/٣).
(٦) في (ح): ((اشتراط)).
(٨) البخاري (٨٩٩)، ومسلم (١٣٨/٤٤٢).
(٧)
البخاري (٨٦٥).
(٩) بعده في (م): ((على)).
(١٠) ينظر: شرح البخاري لابن بطال (٤٧١/٢)، وفتح الباري لابن رجب (٣١٨/٥).
(١١) إحكام الأحكام (ص٢٠٤).
(١٢) في (م): ((للزوج)). والمثبت موافق لمصدر التخريج.

=
٢٩١
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشىِ إلَيها
إِلَى المَسَاجِدِ، فَإِنَّ ذلك يَقْتَضِي بِطَرِيقِ المَفْهُومِ جَوازَ المَنعِ فِي غَيرِ المَسَاجِدِ،
فَقَد يُعتَرَضُ عَلَيهِ بِأنَّ هذا تَخصِيصٌ لِلحُكمِ بِاللَقَبِ، ومَفْهُومُ اللقَبِ: ضَعِيفٌ
عِندَ أهلِ الأُصُولِ(١)، قال: ويُمكِنُ أن يُقالَ في هذا: إنَّ مَنعَ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ
مِنَ الخُرُوجِ مَشهُورٌ مَعلُومٌ، وإِنَّمَا عُلِّقَ الحُكمُ بِالمَسَاجِدِ لِبَيَانِ مَحَلِّ الجَوازِ
عَلَى (٢) المَنْعِ المُستَمِرُّ المَعلُومِ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ على المَنعِ المَعلُومِ، وعَلَى هذا
فَلَا يَكُونُ مَنَعُ الرَّجُلِ بِخُرُوج(٣) امرَأْتِهِ لِغَيرِ المَسجِدِ مَأْخُوذًا مِن تَقِيدِ الحُكمِ
بِالمَسجِدِ .
السَّابِعَةُ: قَولُهُ في رِوايَةٍ مُسلِم(٤): ((لَا تَمتَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ الله)).
قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ(٥): إنَّ التَّعبِيرَ بِإِمَاءِ اللهِ أوقَعُ في النَّفسِ مِنَ الثَّعِيرِ
بِالنِّسَاءِ، لَو قِيلَ، فَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ تَقْتَضِي الإِبَاحَةَ، أعنِي: كَونَهنَّ (٦) إِمَاءَ اللهِ، بِالنِّسَبَةِ
إِلَى خُرُوجِهِنَّ إِلَى المَسَاجِدِ، وإذَا كَانَ مُنَاسِبًا أمكنَ أن يَكُونَ عِلَّةَ الجَوازِ، فَإِذَا
انتَفَى، انتَفَى الحُكمُ؛ لِأَنَّ الحُكمَ يَزُولُ بِزَوالِ عِلَّتِهِ، قال: والمُرَادُ بِالاِنتِفَاءِ
هُنَا (٧): انتِفَاءُ الخُرُوجِ إِلَى المَسَاجِدِ، انتَهَى.
يُرِيدُ بذلك: أنه يَقتَضِي أنَّ لِلَّوجِ مَنعَها مِن غَيرِ المَسَاجِدِ، كَمَا تَقَدَّمَ في
الفَائِدَةِ السَّادِسَةِ .
■ الثَّامِنَةُ: وقَولُهُ في رِوايَةٍ مُسلِم: ((وليَخرُجنَ تَفِلَاتٍ))(٨). هو بِفَتحِ التَّاءِ
المُثَنَّةِ مِن فَوقُ، وكَسرِ الفَاءِ جَمِعُ تَفِلَةٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ التَّفَلِ بِفَتحِهِمَا، وَهُو الرِّيحُ
(١) ينظر: الإحكام للآمدي (٧٩/٣)، والبحر المحيط (١٠٧/٣)، وإرشاد الفحول (٤٥/٢).
(٢)
في (ح): ((عن)).
(٣) في (ح): (لخروج)).
(٤)
مسلم (١٣٦/٤٤٢).
(٥) إحكام الأحكام (ص ٢٠٥).
(٦)
في (م): ((بكونهن)).
(٧) في الأصل: ((هذا)).
(٨) الحديث قد نسبه المزي في التحفة (٤٠٩/٥) ح (٧٠٠٨) إلى مسلم أيضًا، ولم أهتد إليه
بهذا اللفظ في مسلم، وإنما أخرجه أبو داود (٥٦٥) من حديث أبي هريرة، قال ابن حجر
في ((النكت الظراف))، بهامش تحفة الأشراف: قال شيخي: هذه اللفظة ليست في مسلم
من هذا الوجه، ولا من غيره، بل ولا في شيء من الكتب الستة، إلا عند أبي داود من
حديث أبي هريرة فقط، قلتُ: ولم يذكر أبو مسعود هذه اللفظة. انتهى.

٢٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الكَرِيهَةُ، والمُرَادُ بِهِ لِيَخرُجنَ تَارِكَاتٍ لِلطَيْبِ (١)، ومِنْهُ الحديثُ الآخَرُ (٢): ((الحَاتُ
الشَّعِثُ النَّفِلُ)).
■ التَّاسِعَةُ: في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وكَذَا في رِوايَةٍ مُسلِم (٣): ((أَيُّمَا امَرَأَةٍ أَصَابَت
بَخُورًا، فَلَا تَشْهَد مَعنا العِشَاءَ الآخِرَةَ)). حُجَّةٌ على أنه يَحرَّمُ على المَرأةِ التطيبُ(٤)
لِلْخُرُوجِ إِلَى المَسجِدِ، وكذلك حَدِيثُ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ، عِندَ مُسلِم(٥): ((إذَا شَهِدَت
إِحدَاكُنَّ الِعِشَاءَ، فَلَا تَطَيَّب تِلك الليلَةَ)). وهُو كذلك، والبَخُورُ بِفَتَحِ(٦) المُوحَّدَةِ:
مَا يُتَبَخَّرُ بِهِ مِن عُودٍ أو لِيَانٍ أو غَيرِهِمَا (٧).
] العَاشِرَةُ: قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ (٨): يَلتَحِقُ بِالطَّيبِ مَا في مَعنَاهُ، فَإِنَّ
الطَّيبَ إِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِمَا فيه مِن تَحْرِيكِ دَاعِيَةِ الرِّجَالِ وشَهوتِهِم، قال: وقَد (٩)
أُلحِقَ بِهِ حُسنُ المَلَابِسِ، ولُبسُ الحُلِيِّ، الذي يَظهَرُ أثَّرُهُ في الزِّينَةِ، وحَمَلَ عَلَيهِ
بَعضُهُم قَولَ عَائِشَةَ في ((الصَّحِيحَينِ)) (٣١٧/٢م): (لَو أَدَرَكَ رسولُ اللهِوَلِّ مَا
أحدَثَ النِّسَاءُ بَعدَهُ لَمَنَعَهُنَّ المَسجِدَ كَمَا مُنِعَتِ(١٠) نِسَاءُ بَنِي إسرَائِيلَ)).
■ الحَادِيَةَ عَشرَ: في رِوايَةٍ أَبِي دَاوُد(١١): ((وبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ)). حُجَّةٌ
لِمَن لم يَستَحِبَّ لَهُنَّ شُهُودَ الجَمَاعَةِ، وهُو قَولُ أهلِ الكُوفَةِ، وكَانَ إبرَاهِيمُ
النَّخَعِيُّ يَمنَعُ نِسَاءَهُ الجُمُعَةَ والجَمَاعَةَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: أكرَهُ لِلنِّسَاءِ شُهُودَ
الجُمُعَةِ والصَّلَاةِ المَكتُوبَةِ، وقَد أُرَخِّصُ لِلعَجُوزِ أَن تَشْهَدَ العِشَاءَ والفَجرَ، وأمَّا
غَيرُ ذلك فَلَا. وقال الثَّورِيُّ(١٢): لَيسَ لِلمَرأةِ خَيْرٌ مِن بَيْتِها، وإن كَانَت عَجُوزًا.
وقال أبو يُوسُفَ: أكرَهُهُ لِلشَّابَّةِ(١٣)، ولَا بَأسَ أن تَخرُجَ العَجُوزُ في
(١)
في (ح): ((الطيب)).
(٢)
الترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٢٨٩٦) من حديث ابن عمر.
(٣)
مسلم (١٤٣/٤٤٤).
(٤) في (م): ((الطيب)).
(٦) بعده في (م): ((الباء)).
(٥)
مسلم (١٤١/٤٤٣).
ينظر: النووي على مسلم (١٦٤/٤)، وفيض القدير (١٧٦/٣).
(٨) إحكام الأحكام (ص٢٠٤).
(٧)
(٩) ليست في: (ك).
(١٠) ليس في: (ك).
(١١) أبو داود (٥٦٧).
(١٢) في الأصل، (ت): ((النووي)).
(١٣) في (ك): ((للنساء)).

=
=
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيٍ إلَيها
٢٩٣
الصَّلَواتِ (١) كُلِّها(٢).
وكَذَا قال أصحَابُنَا(٣): إن أرَدنَ [١٤٤/١ظ] حُصُورَ المَسجِدِ مَعَ الرِّجَالِ،
كُرِهَ لِلشَّوابِّ دُونَ العَجَائِزِ.
ورَوى أشهَبُ، عن مَالِكٍ، قال(٤): و(٥) لِلمُتَجَالَّةِ(٦) أن تَخرُجَ إلَى المَسجِدِ،
ولَا تُكثِرَ التَّرَدُّدَ إلَيهِ، ولِلشَّابَّةِ(٧): أن تَخْرُجَ المَرَّةَ بَعدَ المَرَّةِ.
] الثَّانِيَةَ عَشرَ: اسْتَثْنَى بَعضُهُم مِن الكَرَاهَةِ مَسجِدَي(٨) مَكَّةَ، والمَدِينَةِ،
لِمَا رَواهُ البَيهَقِيُّ (٩)، عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، أنَّهُ قال: والذي لا إله غَيرُهُ، مَا
صَلَّتِ امرأةٌ صَلَاةً خَيرًا لَها مِن صَلَاةٍ تُصَلِّيها في بَيتِها، إلّا أن يَكُونَ المَسجِدَ
الحَرَامَ، أو مَسجِدَ الرسولِ وَّهَ، إلَّ عَجُوزُ في مَنقَلَيها. وفِي إِسنَادِهِ المَسعُودِيُّ؛
تُكُلِّمَ في حِفِظِهِ (١٠) .
والمَنقَلَانِ: الخُقَّانِ، وقِيلَ: الخُفَّانِ الخَلِقَانِ، ضَبَطَهُ الأزهَرِيُّ، والهَرَوِيُّ:
◌ِفَتحِ المِيمِ، وضَبَطَهُ الجَوهَرِيُّ: بِالكَسرِ (١١)، وذَكَرَهُ ابنُ مَالِكٍ فِي ((المُثَلَّثِ))(١٢)،
وقال: هُو بِالكَسرِ والفَتحِ: الخُفُّ، وبِالضَّمِّ: الخُفُّ المُصلَحُ.
في (ك): ((الصلاة)).
(١)
ينظر هذه الآثار في: التمهيد (٤٠٢/٢٣)، والاستذكار (٤٦٨/٢، ٤٦٩).
(٢)
(٣)
ينظر: روضة الطالبين (٣٤٠/١).
ينظر: التمهيد (٤٠٢/٢٣)، والاستذكار (٤٦٨/٢).
(٤)
ليس في: الأصل.
(٥)
هي المرأة الكهلة، التي لا تحتجب احتجاب الشواب. ينظر: النهاية (٢٨٨/١)، وتاج
(٦)
العروس (٢٠/١٥)، ولسان العرب (١١٦/١١).
(٧)
في (ك): ((والشابة)).
(٩)
البيهقي (١٣١/٣).
(٨) في الأصل: ((مسجد)).
(١٠) ينظر: التاريخ الكبير (٣١٤/٥)، والجرح والتعديل (٢٥٠/٥)، وميزان الاعتدال
(٥٧٤/٢).
(١١) ينظر: الصحاح (١٨٣٤/٥)، وتهذيب اللغة (١٢٨/٩)، وغريب الحديث لابن سلام
(٦٩/٤)، وغريب الحديث لابن الجوزي (٤٣٣/٢).
(١٢) إكمال الإعلام بتثليث الكلام لابن مالك (٦٩٥/٢)، وينظر: تهذيب الأسماء واللغات
(١٤٥٦/١).

٢٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
] الثَّالِثَةَ عَشرَ: قال ابنُ بَطَّالٍ (١): ويَخرُجُ مِن هذا الحديثِ أنَّ الرَّجُلَ
إذَا استَأذَنَتهُ امرَأتُهُ إلَى الحَجِّ لَا يَمنَعُها، فَيَكُونُ وجهُ نَهِهِ عن مَسجِدِ الحَرَامِ،
لِدَاءِ فَرِيضَةِ الحَجِّ نَهيَ إِيجَابٍ، قال: وهُو قَولُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، في أنَّ المَرأةَ
لَيْسَ لِزَوجِها مَنعُها مِنَ الحَجِّ، انتَهَى.
قُلتُ: ومَا نَقَلَهُ عن الشَّافِعِيِّ هُو أحَدُ قَولَيهِ، والقَولُ الآخَرُ، وهُو الأظهَرُ
عِندَ أصحَابِهِ، أنَّ لَهُ مَنعَها مِن حَجِّ الفَرضِ (٢)، ولا يَلزَمُ مِنَ الإذنِ لَها في
المَسجِدِ القَرِيبِ الإذنُ في الحَجِّ، الذي يَحتَاجُ إِلَى سَفَرٍ، ونَفَقَّةٍ، وأعمَالٍ كَثِيرَةٍ.
الحديثُ السَّادِسُ
وعن نَافِع؛ أنَّ ابنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ في لَيلَةٍ(٣) ذَاتِ بَرِدٍ ورِيحِ،
فقال: أَلَا صَلُّواً (٣١٨/٢م) في الرِّحَالِ، ثُمَّ قال: إنَّ رسولَ اللهِ لَّهِ كَأَنَ
يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: ((أَلَا صَلُّوا في
الرِّحَالِ))(٤).
فيه فوائدُ:
■ الأُولَى: فيه الرُّخصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عن مَسجِدِ الجَمَاعَةِ لِعُذرٍ، وهُو
كذلك.
قال ابنُ بَطَّالٍ (٥): أجمَعَ العُلَمَاءُ أنَّ التَّخَلُّفَ عن الجَمَاعَةِ في شِدَّةِ المَطَرِ،
والظلمَةِ، والرِّيحِ، ومَا أشبَهَ ذلك، مُبَاحٌ.
■ الثَّانِيَةُ: استَدَلَّ بِهِ بَعضُهُم على أنَّ الجَمَاعَةَ لَيسَت بِواجِبَةٍ، وتَقِيرُهُ: أنَّ
(١) شرح صحيح البخاري (٤٧٤/٢).
(٢) ينظر: الأم (١٢٨/٢ - ١٣١)، والوسيط (٧٠٦/٢)، والشرح الكبير (٣٥/٨).
(٣)
بعده في (ك): ((باردة)).
(٥) شرح البخاري لابن بطال (٢٩١/٢).
(٤) البخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧/ ٢٢).

=
بابٌ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إلَيها
٢٩٥
الذي رُخِّصَ فيه لِلمَطَرِ إتيَانُ الجَمَاعَةِ، وأمَّا الجَمَاعَةُ في الْبُيُوتِ والرِّحَالِ، فَلَيسَ
المَطَرُ عُذرًا فِيها، فَلَمَّا قال: ((صَلُّوا في الرِّحَالِ)). وأطلَقَ ذلك، دَلَّ على أنَّ
الجَمَاعَةَ لَا تَجِبُ، إذ لو وجَبَ (١ ذَلِكَ، بَيِّنَه١ُ) لَهُم؛ لِأِنَّهُ وقتُ البَيَانِ.
] الثَّالِثَةُ: أمرُهُ وَه لِلمُؤَذِّنِ أن يَقُولَ: ((أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ)). ليسَ هُو
أمرَ عَزِيمَةٍ، حَتَّى لا(٢) يُشرَعَ لَهُم الخُرُوجُ إلَى الجَمَاعَةِ، [وإِنَّمَا هُو رَاجِعٌ إِلَى
مَشِيئَتِهِم(٣)، فَمَن شَاءَ صَلَّى فِي رَحِلِهِ، ومَن شَاءَ خَرَجَ إِلَى الجَمَاعَةِ] (٤)، بِدَلِيلٍ مَا
رَواهُ مسلمٌ(٥)، مِن رِوايَةِ أبِي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ، قال: خَرَجنَا مَعَ رسولِ الله ◌ِّل
(٦ في سَفَر٦)، فَمُطِرِنَا، فقال: ((لِيُصَلِّ مَن شاءَ مِنكُم في رَحِلِهِ)). فَوَكَلَ ذلك إلَى
مَشِيئَتِهِم.
الزَّابِعَةُ: أطلَقَ مَالِكٌ في رِوايَتِهِ المَوضِعَ الذي يَقُولُ فيه المُؤَذِّنُ: ((أَلَا
صَلُّوا في الرِّحَالِ)). هَل يَقُولُها بَعدَ فَرَاغِهِ، أو (٧) (٣١٩/٢م) في أثناءِ الأَذَانِ؟
لَكِنَّ الإتيَانَ بِالفَاءِ، في قَولِهِ: ((فَقال: ألَا صَلُّوا)). يَقْتَضِي(٨) تَعقِيبَهُ(٩)
لِلأَذَانِ، وقَد صَرَّحَ بِهِ عُبَيدُ الله بنُ عُمَرَ العُمَرِيُّ، في رِوايَتِهِ عن نَافِعٍ، عن
ابنِ عُمَرَ: أنه نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَردٍ، ورِيحِ، ومَطَرٍ، فَقال في آخَرِ نِدَائِهِ:
(أَلَا صَلُوا فِي رِحَالِكُم). لَفِظُ مُسلِمٍ(١٠).
فَقَيَّدَها في أذَانِ ابنِ عُمَرَ بِآخِرِ نِدَائِهِ، وأطلَقَها في المَرفُوعِ، وقَد فَيَّدَهُ
البُخَارِيُّ في المرفوع(١١)، فقال: وأخبرنا أنَّ رسولَ الله وَهْ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذُِّ،
ثُمَّ يَقُولُ(١٢) على أَثَرِهِ: ((أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ)).
(١ - ١) في (ح): ((لبينه)).
في (ك): ((مشيهم)) .
(٣)
مسلم (٦٩٨/ ٢٥).
(٥)
ليس في: (م).
(٧)
في الأصل: ((تعيبه)) .
(١١) البخاري (٦٣٢).
(٢) ليست في: (م).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٦ - ٦) ليس في: الأصل.
(٨) في (ح): ((تقتضي)).
(٩)
(١٠) مسلم (٦٩٧/ ٢٣).
(١٢) ليس في: (ك).

٢
٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الخَامِسَةُ: قَد بَيَّنَا أنَّ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ مَحَلَّ قَولِ المُؤَذِّنِ:
((صَلُّوا فِي الرِّحَالِ)). بَعدَ فَرَاغِهِ مِنَ الأذَانِ، وفِي حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، المُتَّفَقِ عَلَيْهِ،
المَذكُورِ في بَقِيَّةِ البَابِ، أنه يَقُولُها مَوضِعَ ((حَيَّ على الصَّلَاةِ))، وقد [١٤٥/١ و]
أَشَارَ صَاحِبُ ((المُفهِم)» (١) إلَى الجَمِعِ بَينَهُمَا، بأن قال: ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ في آخِرِ
ندائه(٢) قَبَلَ الفَرَاغِ، وَيَكُونُ هذا مِثلَ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ.
قُلتُ: هذا الجَمعُ الذي ذَكَرَهُ، وإن احتَمَلَ أن يَكُونَ ذلك بِالنِّسَبَةِ لِرِوايَةِ
مسلمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي رِوايَةِ البُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ قال: (ثُمَّ يَقُولُ على أثَرِهِ). وأيضًا
فَقَد وَرَدَ مِن حَدِيثٍ أبي هريرةَ التَّصْرِيحُ بِكُونِهِ بَعدَ الأَذَانِ، وهُو مَا رَواهُ
أبو (٣) أحمَدَ ابنُ عَدِيٌّ(٤)، مِن حَدِيثِهِ، قال: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَهِ إِذَا كَانَت لَيلَةٌ
بَارِدَةٌ، أو مَطِيرَةٌ، أمَرَ المُؤَذِّنَ فَأَّنَ الأَذَانَ الأولَ، فَإِذَا فَرَغَ نَادَى: الصَّلَاةُ في
الرِّحَالِ، أو في ◌ِ حَالِكُم)).
■ السَّادِسَةُ: ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِن أصحَابِ الشَّافِعِيِّ أنَّ المُؤَذِّنَ يتخير (٥)، بَينَ أن
يَقُولَ ذلك بَعدَ الأَذَانِ، أو بَعدَ الحَيعَلَةِ، نَقَلَهُ النَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ))(٦) مِن زَوائِدِهِ،
فقال: قال صَاحِبُ ((العُدَّةِ)): إذَا كَانَت لَيلَةُ مَطرٍ (٧)، وذَاتُ رِيح، وظُلمَةٍ، يُستَحَبُّ أن
يَقُولَ إذَا فَرَغَ مِن أذَانِهِ: ((أَلَا صَلُّوا في رِحَالِكُم)). فإن قالَهُ في أثْنَاءِ الأَذَانِ بَعدَ
الحَيعَلَةِ، فَلَا بَأسَ، وكَذَا قالهُ الصَّيدَلَانِيُّ، والبَندَنِيجِيُّ، والشَّاشِيُّ، وغَيْرُهُم.
قال: واستَبعَدَ إِمَامُ الحَرَمَينِ قَولَهُ: في أثناءِ الأذَانِ. وليسَ هُو بِبَعِيدٍ، بَل
هُو الحَقُّ والسُّنَّةُ، فَقَد نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ، في آخَرِ أبوابِ الأَذَانِ، في ((الأُم)(٨).
وقَدْ ثَبَتَ في ((الصَّحِيحَينِ))(٩) عن ابنِ عَبَّاسٍ ﴿يَّ: أنه قال لِمُؤَذِّنِهِ(١٠) في
يَومٍ مَطِيرٍ: إذَا قُلتَ: أَشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، فَلَا تَقُل: حَيَّ على الصَّلَاةِ.
(١) المفهم (٢/ ٣٣٧).
(٣)
ليست في: الأصل.
(٥)
في (م): ((مخير)).
في (م، والروضة): ((مطيرة)).
(٧)
البخاري (٩٠١)، ومسلم (٢٦/٦٩٩).
(٩)
(٢) في (م): ((رواية)).
(٤) الكامل (٢١٦٣/٦).
(٦) روضة الطالبين (٢٠٨/١، ٢٠٩).
(٨) الأم (١٠٨/١).
(١٠) في (ح): (لمؤذنٍ)).

٢٩٧
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إلَيها
وقُل: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ(١)، فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الحديثِ.
■ السَّابِعَةُ: مَا اسْتَدَلَّ عَلَيهِ النَّووِيُّ بِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ لَيسَ مُطَابِقًا لَهُ؛
لِأَنَّ حَدِيثَ ابنِ عَبَّاسِ يَدُلُّ (٣٢٠/٢م) على أنه يَقُولُ ذلك مَكَانَ: حَيَّ على
الصَّلَاةِ، والذي قالهُ أصحَابُنَا: إنه يَقُولُها بَعدَ الحَيعَلَةِ(٢)، فهو مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ
ابنِ عَبَّاسٍ(٣)، ومَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ، مِن كَونِهِ يَجعَلُها مَكَانَ حَيَّ على
الصَّلَاةِ، هُو المُنَاسِبُ مِن حَيثُ المَعنَى(٤)؛ لأنَّ قَولَهُ: ((صَلُّوا في رِحَالِكُم)).
يُخَالِفُ قَولَهُ: ((حَيَّ على الصَّلَاةِ)). فَلَا يَحسُنُ أن يَقُولَ المُؤَذِّنُ: تَعَالَوا، ثُمَّ يَقُولُ:
لَا تَجِيتُوا .
ولَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَد بَوبَ على بَعضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: بَابُ الكَلَامِ في
الأذَانِ(٥). وإِذَا حَمَلنَاهُ على أنه أذَانٌ كَامِلٌ زَادَ فيه: ((صَلُّوا في رِحَالِكُمْ)).
فَيَكُونُ(٦) تَأوِيلُ قَولِ ابنِ عَبَّاسٍ، إذَا قُلتَ: أَشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، فَلَا تَقُل:
حَيَّ على الصَّلَاةِ؛ أي: لَا تَقُلها بَعدَ الشَّهادَتَينِ، بَل قُل: صَلُّوا في بُيُوتِكُم أولًا،
وأتِمَّ الأَذَانَ بَعدَ ذَلِكَ، وفِيهِ نَظَرٌ.
■ الثَّامِئَةُ: قال صَاحِبُ ((المُفهِم)) (٧): استَدَلَّ بِهَذَينِ الحديثَينِ، يُرِيدُ
حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ، وحَدِيثَ ابنِ عَبَّاسٍ، مَن أَجَازَ الكَلَامَ في الأذَانِ، وهُم: أحمَدُ،
والحَسَنُ، وعُروةُ، وقَتَادَةُ، وعَبدُ العَزِيزِ بنُ أَبِي سَلَمَةَ، وابنُ أبِي حَازِمٍ مِنَ
المَالِكِيَّةِ، قال: ولَا (٨) حُجَّةَ لَهُم(٩) في ذلك، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أبي هريرةَ، مِن عِندِ
ابنِ عَدِيٍّ، في التَّصرِيحِ بِكُونِها (١٠) تُقالُ بَعدَ الأذَانِ.
في (ح): ((رحالكم)).
(١)
ينظر: الحاوي (٣٠٤/٢)، والشرح الكبير (٣٠٧/٤)، وحلية العلماء (١٢/٢).
(٢)
قال في حاشية (ت): ((ليس بينهما تخالف، بل المراد بقوله: هلموا إلى الصلاة، من لم
(٣)
يلحقه الحرج، والمراد بقوله: تأخروا، من يلحقه الحرج)).
(٤)
ليس في: (ك).
(٦) في (ح): ((ليكون)).
(٨) في (ك): ((فلا)).
(١٠) في الأصل: ((من كونها)).
(٥) البخاري قبل حديث (٦١٦).
(٧) المفهم (٣٣٨/٢، ٣٣٩).
(٩) في (ك): ((بهم)).

٢٩٨
3
طرح التثريب في شَرّحِ التَّقْرِيبِ
قال: والحديثَ الثَّانِي؛ أي: حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ، لم يَسلُك فيه مَسلَكَ
الأَذَانِ، أَا تَرَاهُ قال: لَا تَقُل: حَيَّ على الصَّلَاةِ؟ وإنَّمَا أَرَادَ إشعَارَ النَّاسِ
بِالتَّخفِيفِ عنهُم لِلعُذرِ، كَمَا فَعَلَ (١ مِنَ التَّثْوِيبِ لِلْأُمَرَاء١ِ)، قال: وقَد كَرِهَ الكَلَامَ
فِي الأَذَانِ: مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وعَامَّةُ الفُقَهاءِ، انتَهَى.
ومَا أوَّلَ القُرْطُبِيُّ بِهِ حَدِيثَ ابنِ عَبَّاسٍ، يَبطُلُ الاستِدلَالُ بِهِ على الكَلَامِ في
الأَذَانِ، فَإِنَّهُ لم يَجعَلُهُ أذَانًا، وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ صَرَّحَ فيه أنَّ ذلك بَعدَ الأذَّانِ.
■ التَّاسِعَةُ: في قَولِهِ: ((لَيَلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ))(٢). مَا(٣) يَقْتَضِي أنَّ التََّخُصَ
بِجْتِمَاعِ البَردِ والمَطَرِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ أَنَّ أحَدَهُمَا رُخصَةٌ، ولَكِن في رِوايَةِ مسلمٍ
التي تَلِيها: ((أو ذَاتُ مَطَرٍ)) (٤). وكَذَا فِي رِوايَةِ الْبُخَارِيِّ(٥): ((فِي الليلَةِ البَارِدَةِ أو
المَطِيرَةِ)). وهذا يَقتَضِي أَنَّ أحَدَهُمَا عُذرٌ، ولَكِن كِلَا(٦) الرِّوايَتَينِ التي أتَى(٧) فِيها
بأو مُقَيِّدَةٌ بِالسَّفَرِ، وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ (٨): ((إِذَا كَانَت لَيلَةٌ بَارِدَةٌ، أو ذَاتُ مَطَرٍ، أو
ذَاتُ رِيحٍ فِي سَفَرٍ))، الحديثَ.
فَلِقائِلٍ أن يَقُولَ: لَمَّا كَانَ السَّفَرُ لَا تَتَأَّدُ فيه الجَمَاعَةُ، ويَشُقُّ (٩) الاجْتِمَاعُ
لِأجلِها، اكتَفَى فيه بِأحَدِ الأُمُورِ، بِخِلَافِ الحَضَرِ، فَإِنَّ المَشَقَّةَ فيه أخَفُّ مِنَ
السَّفَرِ، والجَمَاعَةُ [١٤٥/١ظ] فيه آكَدُ، ولَكِن لَا أَعلَمُ قائِلًا (٣٢١/٢م) بِالفَرقِ في
ذلك بَينَ الحَضَرِ والسَّفَرِ، فَتُحمَلُ رِوايَةُ الواوِ على رِوايَةٍ أو، لِزِيَادَةِ الفَائِدَةِ فِيها،
واللهُ أعلمُ.
■ العَاشِرَةُ: ظَاهِرُ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ أنَّ مَحَلَّ الرُّخصَةِ في المَطَرِ والبَردِ
والرِّيحِ، إِنَّمَا هُو الليلُ(١٠) فَقَطْ، دُونَ النَّهارِ، مِن قَولِهِ: ((إِذَا كَانَت لَيلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ
مَطَرٍ)).
(١ - ١) في (ح): ((للتثويب من الإبراد)).
(٣) ليس في: (ح).
(٥) البخاري (٦٣٢).
(٧) في الأصل، (ت): (روى)).
(٩) في (ح): ((وشق)).
(٢) هذا لفظ رواية مسلم (٢٢/٦٩٧).
(٤) مسلم (٢٣/٦٩٧).
(٦) في (ك): ((كل)).
(٨) سنن البيهقي (٧٠/٣).
(١٠) في (ك): ((بالليل)).

=
٢٩٩
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إلَيها
وأصحَابُ الشَّافِعِيِّ قائِلُونَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الليلِ والنَّهارِ (١) في الرِّيحِ فَقَط، دُونَ
المَطَرِ والبَردِ، فَقالُوا في المَطَرِ، والبَردِ: إنَّ كُلَّ مِنهُمَا عُذرٌ في الليلِ والنَّهارِ،
وقالُوا في الرِّيحِ العَاصِفَةِ: إنَّها عُذرٌ في الليلِ، دُونَ النَّهارِ: هَكَذَا جَزَمَ بهِ الرَّافِعِيُّ،
وتَبِعَهُ النَّوِيُّ، وحَكَى ابنُ الرِّفَعَةِ وجهًا آخَرَ في الرِّيحِ أنَّها عُذرٌ في النَّهارِ (٢) .
ولِلأصحَابِ أن يُجِيبُوا عن الحديثِ: بِأنَّ التَّقِيدَ بِالليلِ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وَلَيسَ
بِحُجَّةٍ على المَشهُورِ، والعِلَّةُ: إِنَّمَا هِيَ المَطَرُ، والبَردُ، وفِي حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ،
المُتَّفَقِ عَلَيهِ(٣): ((فِي ◌َومِ مَطِيرٍ)). وقَد ذَكَرته بَعدَ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ في الأصلِ .
وأمَّا البَردُ في النَّهارِ: فَرَوى أبو دَاوُد(٤) مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: ((في الليلَةِ
المَطِيرَةِ، والغَدَاةِ القَرَّةِ(٥)). فَفِيهِ التَّصرِيحُ بِأنَّ البَردَ عُذرٌ في النَّهارِ، ولَكِن قَد
يُقالُ: قَيَّدَهُ بِالغَدَاةِ دُونَ بَقِيَّةِ النَّهارِ، لِمَا في الغَدَاةِ مِنَ الْبَردِ دُونَ وسَطِ النَّهارِ،
وهَذِهِ الرِّوايَةُ مِن طريقِ ابنِ إسحَاقَ، عن نَافِعٍ، هَكَذَا بِالعنعنةِ، وهُو مُدَلِّسٌ: فَلَا
يُحتَجُّ بِها .
■ الحَادِيَةَ عَشرَ: إن قال قائِلٌ: قَد ذَكَرتُم أنَّ في ((الصَّحِيحَينِ))، في
حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، التَّقِيدَ بِكَونِهِ في السَّفَرِ، وكَذَا حَدِيثُ(٦) جَابِرٍ عِندَ مسلمٍ: أَنَّهُم
كَانُوا في سَفَرٍ، وقَد تَقَدَّمَ، وهَكَذَا حَدِيثُ أبِي المَلِيحِ، عن أبِيهِ: عِندَ أُصحَابٍ
((السُّنَنِ))(٧): أنَّهُم كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَنبَغِي حَملُ الرِّوايَةِ المُطلَقَّةِ على المُفَيَّدَةِ
بِالسَّفَرِ، حَتَّى إنه لَا يَكُونُ المَطَرُ، والبَردُ، والرِّيحُ، رُخصَةً في التَّخَلُّفِ عن
الجَمَاعَةِ في الحَضَرِ، ولَم يَقُولُوا بِهِ، فَمَا الجَوابُ عن ذَلِكَ؟
والجَوابُ: أنَّ في بَعضٍ طُرُقِهِ، عِندَ أَبِي دَاوُد(٨): ((نَادَى مُنَادِي رسولِ اللهِ وَهل
بعده في (ك): ((وقالوا)).
(١)
ينظر: الحاوي (٢٩٧/٢)، والشرح الكبير (٦٠٥/٤)، وروضة الطالبين (٣٤٤/١).
(٢)
(٣)
البخاري (٩٠١)، مسلم (٢٦/٦٩٩).
(٤) أبو داود (١٠٦٤).
(٥)
في (م): ((القارة))؛ أي: الباردة.
(٦) ليس في: (ك).
(٧) أبو داود (١٠٥٩)، والنسائي (٨٥٣)، وابن ماجه (٩٣٦).
أبو داود (١٠٦٤).
(٨)

-
٣٠٠
3
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بذلك، في المَدِينَةِ، في الليلَةِ المَطِيرَةِ، والغَدَاةِ القَرَّةِ». فَصَرَّحَ بِأنَّ ذلك بِالمَدِينَةِ
لَيسَ في سَفَرٍ، ولَكِنَّ هَذِهِ الطَّريقَ(١)، مِن طَرِيقِ ابنِ إسحَاقَ، عن نَافِعِ بِالعنعنةِ،
كَمَا تَقَدَّمَ(٢).
ولَكِنَّ قِصَّةَ عِتْبَانَ بنِ مَالِكِ تَدُلُّ على التَّرخُصِ بِالمَطَرِ في الحَضَرِ؛ أنه قال
لِرسولِ اللهِ نَّهِ: إِنَّها تَكُونُ الظُلمَةُ والسَّيلُ، (٣٢٢/٢م) وأنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ،
فَصَلٌ يَا رسولَ اللهِ فِي بَيْتِي، مَكَانًا (٣) أنَّخِذُهُ مُصَلَّى. فَجَاءَهُ رسولُ اللهِ وَلِّ، فقال:
((أينَ تُحِبُّ أن أُصَلِّيَ؟)) فَأَشَارَ إِلَى مَكَان مِنَ (٤) البَيتِ، فَصَلَّى فيه رسولُ اللهِ وَلِّ.
أخرَجَهُ الشَّيخَانِ(٥).
ولِقائِلٍ أن يَقُولَ: لَا يَلزَمُ مِن كَونِهِ رَخَّصَ لِعِتْبَانَ في ذلك التَّرخِيصُ لِغَيرِهِ،
فَإِنَّهُ عَلَّلَ أيضًا بِكَونِهِ ضَرِيرَ البَصَرِ، فَلَعَلَّهُ مِن جُمْلَةِ العِلَّةِ، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: ((ضَجْنَانُ)). المَذْكُورُ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، بِفَتحِ الضَّادِ
المُعجَمَةِ، وسُكُونِ الجِيمِ، وبِنُونَيْنِ بَينَهُمَا ألِفٌ، قال أبو مُوسَى المَدِينِيُّ فِي ((ذَيلِهِ
على كِتَابِ الغَرِيبَينِ)) لِلْهَرَوِيِّ: إنه مَوضِعٌ، أو جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ (٦).
■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: فيه أنَّ الأعذَارَ المَذكُورَةَ رُخصَةٌ في مُطلَقِ الجَمَاعَةِ،
سَواءٌ فيه الجُمُعَةُ وغيرُها، وقَد صَرَّحَ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ أنه: ((فِي(٧) يَومِ
جُمُعَةٍ)). ولَم يُفَرِّق أصحَابُنَا في أصحَابِ الأعذَارِ بَيْنَ الجُمُعَةِ والجَمَاعَةِ، إِلَّا مَاَ
حَكَاهُ صَاحِبُ (العُدَّةِ)): عن أئِمَّةِ طَبَرِستَانَ، أنَّهُم أفتَوا أنَّ الوحَلَ الشَّدِيدَ عُذرٌ في
الجَمَاعَةِ دُونَ الجُمُعَةِ (٨)، والصَّحِيحُ أنه عُذرٌ فِيهِمَا مَعًا، ومَن فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مَحْجُوجٌ
(١) في (م): ((الطرق)).
(٢) قال أبو داود عقبه: روى هذا الخبر يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم، عن
ابن عمر، عن النبي ◌ّ، قال فيه: في السفر. وقال ابن رجب في فتح الباري
(٣٦٤/٥): خالف الناس في ذكر المدينة.
(٥)
ليست في: الأصل، (ت).
(٣)
البخاري (٤٢٤)، ومسلم ص٤٥٤ ح (٢٦٣/٣٣).
(٦) ينظر: الفائق للزمخشري (٣٣٠/٢)، ومشارق الأنوار (٦٣/٢).
(٧) في (ك): ((من)).
(٤) في الأصل: ((في)).
(٨) ينظر: روضة الطالبين (٣٥/٢).