Indexed OCR Text

Pages 201-220

=
بابٌ رَفع اليدينِ
٢٠١
كذلك رواهُ مسلمٌ في ((صحيحِهِ)) (١) عن يحيى بنِ يحيى، وأبي بكرٍ
ابنِ أبي شيبةَ، وسعيدٍ (٢/ ٢٦١م) بنِ مَنصُورٍ، وعَمرٍو الناقِدِ، وزُهَيرِ بنِ حَربٍ،
ومحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ .
ورواهُ الترمذيُ (٢) عن قُتَيْبَةَ، وابنِ أبي عمرَ، والفَضلِ بنِ الصَّباحِ البَغدادِيِّ.
ورواهُ النَّسائِيُّ(٣) عن قُتَيبَةَ.
ورواهُ ابنُ ماجَه(٤) عن عَلِيٍّ بنِ محمدٍ، وهِشَامٍ بنِ عَمَّارٍ، وأبي عمرَ
حَفصِ بنِ عمرَ الضَّرِيرِ المُقرِئِ كُلِّهِم، وهم اثنا عَشَرَ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، بِلَفِظِ: ((وإذا
رَفَعَ رأسَه مِن الركوعِ».
ورواهُ النَّسائِيُّ(٥) عن إسحاقَ بنِ إبراهِيمَ، عن ابنِ عُيَينَةَ، بلفظِ: ((وبعدَ
الرکوع».
ومعنى الروايةِ المشهورَةِ: وإذا أرادَ الرفعَ، أو إذا شَرَعَ فيه، وبِهذا قال
أصحابُنا، فَذَكَرُوا أن ابتِداءَ رَفع اليدينِ يَكُونُ مع ابتِداءِ رَفع الرأسِ، ويَدُلُّ له قولُهُ
في روايةٍ لأبي داودَ: ((ثم إذا أرادَ أن يَرفَعَ صُلبَهُ، وَفَعَهَما حتى تَكُونا حَذْوَ
مَنكِبَيهِ)) (٦). فهي دالَّةٌ على أن قوله: ((رَفَعَ). مَعناهُ: أرادَ الرفعَ، ويُمكِنُ أن تُرَدَّ(٧)
إليها روايةُ أحمدَ الأُخرَى، بأن يَكُونَ مَعنَى قولِهِ: ((وبعدَ ما يرفعُ رأسَه مِن
الركوعِ»: بعدَ ما يَشرَعُ في رَفع رأسِهِ، فتَتَّفِقُ الرواياتُ كُلُّها على أن رَفعَ الیدینِ
مُقَارِنٌ لِرَفعِ الرأسِ (٨)مِن الركوعِ(1).
الثامنةُ: قولُهُ: ((ولا يرفعُ بين السَّجدَتَينِ)): لَفظُ البخاريِّ(٩): ((ولا يَفعَلُ
ذلك في السُّجُودِ». وهو أعَمُّ لِتَناوُلِهِ النُّزُولَ لِلسَّجدَةِ الأولى، ورَفْعَ الرأسِ مِن
السَّجِدَةِ الثانِيَةِ، وكذا قولُهُ في لَفِظٍ آخَرَ: ((ولا يَفعَلُ ذلك حينَ يَسجُدُ، ولا حينَ
مسلم (٢١/٣٩٠).
(١)
النسائي (٧٣٠).
(٣)
النسائي (٧٣٠).
(٥)
في (ك): ((يرد)).
(٧)
البخاري (٧٣٥).
(٩)
(٢) الترمذي (٢٥٥، ٢٥٦).
(٤) ابن ماجه (٨٥٨).
(٦) أبو داود (٧٢٢).
(٨ - ٨) ليس في: (ك).

سـ
٢٠٢
3
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
يرفعُ رأسَه مِن السُّجُودِ»(١) وفي روايةٍ لِمسلم(٢): ((ولا يَفعَلُهُ حينَ يرفعُ رأسَه مِن
السُّجُودِ)). ووهَّمَ بعضُهم راوِيَ اللَّفظِ الأوَّلِ، وهو قولُهُ: ((بين السَّجدَتَينِ)).
وصَوبَ بَقِيَّةَ الألفَاظِ لعمُومِها؛ فقال الدارَقُطْنِيُّ في ((غَرائِبِ مالِك)): إن قولَ
بُندارٍ : ((بين السَّجدَتَينِ)). وهمٌّ، وقولَ ابنِ سِنانٍ: ((في السُّجُودِ». أصُّ.
ويُعَارِضُ(٣) هذه الألفَاظَ: قولُهُ في روايةٍ لِلطَّبَرانِيِّ(٤) مِن حديثِ ابنِ عمرَ
أيضًا: ((كان يرفعُ يديهِ، إذا كَبَّرَ، وإذا رَفَعَ، وإذا سَجَدَ). وفي ((سُنَنِ ابنِ ماجَه))(٥) مِن
حديثٍ أبي هريرةَ: ((وحينَ يَركَعُ وحينَ يَسجُدُ))، ولأبي داودَ (٦): ((وإذا رَفَعَ لِلسُّجُودِ
فَعَلَ مثلَ ذلك)). وله(٧) مِن حديثٍ وائِلٍ: ((وإذا رَفَعَ رأسَه مِن السُّجُودِ)). ولِلنَّسائِيِّ(٨)
مِن حديثِ مالِكِ بنِ الحُويرِثِ: ((وإذا سَجَدَ وإذا رَفَعَ رأسَه مِن سُجُودِهِ)).
ولأحمدَ (٩) مِن حديثٍ وائِلٍ: ((كُلما كَبَّرَ، ورَفَعَ، ووضَعَ، وبين السَّجدَتَينِ)).
ولابنٍ ماجَه(١٠) مِن حديثٍ عُمَيرِ بنِ حَبِيبٍ: ((مع كُلِّ تكبيرَةٍ في الصَّلاةِ
المكتُوبَةِ)). [١٢٨/١ظ] وللطّحاوِيِّ(١١) مِن حديثِ ابنِ عمرَ: ((كان يرفعُ يديهِ في
كُلِّ خَفضٍ، ورَفع، ورُكُوعٍ وسُجُودٍ، وقِيامِ، وقُعُودٍ (٢/ ٢٦٢م)، وبين السَّجدَتَينِ)).
وذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هذه الرّوايةِ شَاءَّةٌ، وضَّحَّحَها ابنُ القَطَّانِ(١٢) .
وللدارَقُطْنِيٌّ في ((العِلَلِ))(١٣)؛ مِن حديثٍ أبي هريرةَ: ((يرفعُ يديهِ في كُلُّ
خَفضٍ ورَفعٍ)). وقال: الصَّحِيحُ: (يُكَبُِّ)).
وصَحَّحَ ابْنُ حَزمٍ، وابنُ القَّانِ (١٤) حديثَ الرفعِ في كُلِّ خَفضٍ وَرَفعِ،
(٢) مسلم (٣٩٠/ ٢٢).
(١) البخاري (٧٣٨).
(٣) في (ك): ((وتعارض)).
المعجم الأوسط (٧١) وقال: لم يروه عن عجلان إلا مسلمة.
(٤)
(٥)
ابن ماجه (٨٦٠).
(٧) أبو داود (٧٢٣).
(٨) النسائي (١٠٨٤).
(٩) أحمد (٣١٧/٤).
(١٠) ابن ماجه (٢٨٠/١).
(١٢) بيان الوهم والإيهام (٦١١/٥).
(١١) مشكل الآثار (٥٨٣١).
(١٣) العلل (٢٨٣/٩).
(٦) أبو داود (٧٣٨).
(١٤) المحلى (١٢٨/٥)، وبيان الوهم والإيهام (٦١١/٥).

بابٌ رفعٍ الیدینِ
٢٠٣
M
وأعَله الجُمهورُ، وقد ذَكَرَ والِدِي ◌َخْلُ: هذه الرواياتِ كلُّها في الأصلِ، في
((النُّسخَةِ الكُبرَى)).
فَتَمَسَّكَ الأَئِمَّةُ الأربعةُ بالرواياتِ التي فيها: نَفيَ الرفع في (١) السُّجُودِ،
لِكَونِها أصَحَّ، وضَعَّفُوا ما عَارَضَها كَما تَقدمَ، وهو قولُ جُمهورِ العلماءِ مِن
السَّلَفِ والخَلَفِ.
وأخَذَ آخَرُونَ بالأحادِيثِ التي فيها الرفعُ فِي كُلِّ خَفْضٍ ورَفِعِ وصَحَّحُوها،
وقالُوا: هي مُثِتَّةٌ، فهي مُقدمَةٌ على النَّفيِ. وبه قال ابنُ حَزمِ الظاهِرِيُّ(٢)، وقال:
إن أحادِيثَ رَفعِ اليدينِ في كُلِّ خَفْضٍ ورَفعٍ مُتَواتِرَةٌ تُوجِبُ يَقِينَ العِلمِ.
ونَقَلَ هذا المذهَبَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، والحسنِ البَصرِيِّ،
وطَاؤُسٍ، وابنِهِ عبدِ الله، (٣ونافِعِ مَولى ابنِ عُمر٣)، وأيُّوبَ السِّختِيانِيَّ، وعطاءِ
ابنِ أبي رباحٍ.
وقال به ابنُ المُنذِرِ، وأبو عليٍّ الطَّبَرِيُّ، مِن أصحابِنا، وهو قولٌ عن(٤)
مالكِ، والشَّافِعِيِّ، فَحَكَى ابنُ خُواز مَندادٍ، عن مالكٍ روايةً: أنه يرفعُ في كُلِّ
خَفْضٍ ورَفعٍ، وفي أواخرِ ((الُویطِيِّ)): يرفعُ یدیهِ في كُلِّ خَفضٍ ورَفعٍ .
ورَوى(٥) ابنُ أبي شيبةً(٦) الرفعَ بين السَّجدَتَينِ: عن أنسٍ، والحسنِ،
وابنٍ سيرينَ .
■ التاسعةُ: قد يُستَدَلُّ بِقولِهِ: ((ولا يرفعُ بين السَّجدَتَينِ)). على أنه كان
يرفعُ يديهِ في القِيامِ مِن الركعَتَينِ؛ لأنه لو اقتَصَرَ على الرفعِ في المواطنِ الثلاثةِ
المُتَقدِمِ ذِكرُها، لم يَكُن للنَّفيِ في السُّجُودِ معنّى، لوجُودِ النَّفي في غَيرِ السُّجُودِ
أيضًا، فَدَلَّ النَّيُ عن السُّجُودِ على ثُبُوتِ الرفعِ في غيرِ المواطنِ الثلاثةِ، وما هو
(١) في: الأصل: ((من)).
(٢) المحلى (٤ /٩٢، ٩٣).
(٣ - ٣) في الأصل، (ك، ت، ح): ((نافع مولى ابن عباس)). والمثبت موافق لما في المحلى
(٤/ ٩٤) .
(٤) ليس في: (ك).
(٦) المصنف (٢٣٥/١).
(٥) في: الأصل: ((وحكى)).

٢٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
إلا القِيامُ مِن الركعَتَينِ، ويَدُلُّ لذلك قولُهُ في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(١)؛ مِن روايةٍ
عبدِ الأعلى، عن عُبَيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: ((وإذا قامَ مِن الركعَتَينِ(٢)
رَفَعَ يديهِ))، ويرفعُ ذلك إلى رسولِ اللهِ وَله. وقال أبو داودَ(٣): الصَّحِيحُ قولُ
ابنِ عمرَ، ليس بِمَرفُوعٍ.
وَرَجَّحَ الدارَقُطْنِيُّ(٤) الرفعَ، فقال: إنه أشبَهُ بالصَّوابِ. ويُوافِقُهُ أيضًا قولُهُ،
في حديثٍ أبي حُمَيدِ الساعِدِيِّ، في عَشَرَةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وَِّ، فِي صِفَةِ
صَلاةِ النبيِّ رَّهِ: ((ثم إذا قامَ مِن الركعَتَينِ: كَبَّرَ، ورَفَعَ یدیهِ (٢٦٣/٢م) حتى
يُحاذِيَ بهما مَنْكِبَيهِ، كما(٥) كَبَّرَ عند افتتاحِ الصَّلاةِ)). رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ،
وابنُ حِبان في ((صَحِيحِهِ))، وغَيرُهم(٦) .
وقال الخطابيّ(٧): هو حديثٌ صَحِيحٌ، وقد قال به جَماعَةٌ مِن أهلٍ
الحديثِ، ولم يَذكُرُهُ الشَّافِعِيُّ، والقولُ به لازِمٌ على أصلِهِ في قَبُولٍ
الزِّياداتِ(٨).
وحَكَى البيهقيُّ(٩)؛ عن محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ خُزَيمَةَ، إنه كان إذا قامَ مِن
الركعَتَينِ رَفَعَ يديهِ، ثم قال بعدَ ذلك: ورَفعُ اليدينِ عند القِيامِ مِن الركعَتَينِ سُنَّةٌ،
وإن لم يَذْكُرُهُ الشَّافِعِيُّ، فإن إسنادَهُ صَحِيحٌ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقبُولَةٌ، ثم رَوى
عن الشَّافِعِيِّ قولَه: إذا وجَدتُم في كِتابِي بِخِلافِ سُنَّةِ رسولِ اللهِ بَّهِ، فَقُولُوا بِسُنَّةِ
رسولِ اللهِ وَله، ودَعُوا ما قلتُ.
وقال الشَّيخُ تقيُّ الدينِ في ((شرحِ العُمدَةِ))(١٠): اقتَصَرَ الشَّافِعِيُّ كَُّ على
(١)
البخاري (٧٣٩).
أبو داود عقب الحديث (٧٤١).
(٣)
(٢) بعده في (ح): ((و)).
(٤) علل الدارقطني (١٣/١٣ - ١٤).
(٥)
في (م): ((كلما)).
أبو داود (٧٣٠)، والترمذي (٣٠٤)، وابن حبان (١٨٦٥)، وكذا أخرجه أحمد
(٦)
(٤٢٤/٥)، وابن خزيمة (٥٨٧، ٦٥١، ٦٨٥، ٧٠٠)، والبزار (٣٧١١)، والبيهقي في
المعرفة (٣٢٤٨)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٥٥٥).
(٧)
معالم السنن (١٩٤/١).
(٨) في (ك): ((الزيادة)).
(٩) معرفة السنن والآثار (٥٤٠/١ - ٥٤٦). (١٠) إحكام الأحكام (ص٢٤٥).

=
بابٌ رفع الیدینِ
٢٠٥
الرفع في هذه الأماكِنِ، وقد ثَبَتَ الرفعُ عند القِيامِ مِن الركعَتَينِ، وقِياسُ نَظَرِهِ(١)
أن يُسَنَّ الرفعُ في ذلك المكانِ أيضًا؛ لأنه كما قال بإثباتِ الرفع في الركوعِ،
والرفع منه، لِكَونِهِ زائِدًا على مَن رَوى الرفعَ في التَّكبِيرِ فقَط، وجَبَ أيضًا أن
يُثبِتَ الرفعَ عند القِيامِ مِن الركعَتَينِ؛ لأنه زائِدٌ على مَن أثبَتَ الرفعَ في هذه
[١٢٩/١ و] الأماكِنِ الثَّلاثِ(٢)، والحُجَّةُ واحدَةٌ في الموضِعَينِ:
وأولُ راضٍ سِيرَةً مَن يَسِيرُها (٣)
والصَّوابُ، واللهُ أعلمُ، استحبابُ الرفعِ عند القِيامِ مِن الركعَتَينِ، لِثُبُوتِهِ في
الحديثِ، وأما كَونُهُ مَذهَبًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لأنه قال: إذا صَحَّ الحديثُ فَهو مَذهَبِي، أو
ما هذا مَعناهُ، فَفي ذلك نَظَرٌ. انتَهَى.
وقولُهم: إن الشَّافِعِيَّ لم يَذكُر الرفعَ عند القِيامِ مِن الركعَتَينِ. فيه نَظَرٌ، فإن
الشَّافِعِيَّ قال في حديثٍ أبي حُمَيدٍ: وبِهذا نقولُ. وفيه رَفعُ اليدينِ إذا قامَ مِن
الركعَتَينِ .
قال البيهقيُّ في ((المعرِفَةِ))(٤): فهو مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِقولِهِ: وبه أقُولُ.
ولِقولِهِ(٥): إذا صَحَّ الحديثُ فَهو مَذهَبِي. ولِذلك حكاهُ النَّووِيُّ عن نَصِّ
الشَّافِعِيِّ، وقال: إنه الصَّحِيحُ، أو الصَّوابُ. وأطنَبَ في ذلك في ((شرحٍ
المُهَذَّبِ))(٦).
واعتَمَدَ البخاريُّ: روايةَ ابنِ عمرَ هذه، وبَوبَ عَلَيها في ((صَحِيحِهِ))(٧): رَفعُ
اليدينِ إذا قامَ مِن الركعَتَينِ .
(١) في (ك): ((نظيره)) .
(٢) في (ك): ((الثلاثة)).
(٣) هذا عجز بيت من الطويل، صدره:
فلا تجزعنْ من سِيرَةٍ أنت سرتَها
منسوب لخالد بن زهير الهذلي. ينظر: الخصائص (٢١٢/٢)، وخزانة الأدب (٨٣/٥)،
وشرح شواهد الإيضاح (ص٤٢).
(٤) معرفة السنن والآثار (٥٤٠/١ - ٥٤٦). (٥) في (ح): ((وبقوله)).
(٦) المجموع (٣٦٧/٣ - ٣٧٦).
(٧) البخاري (٧٣٩).

٢٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال ابنُ بَطَالٍ (١): الرفعُ عند القِيام زِيادَةٌ في هذا(٢) الحديثِ، على ما رواهُ
ابنُ شِهابٍ، (٣)عن سالِم فيه٣)، يَجِبُ قَبُوَلُها لِمَن يَقُولُ بالرفعِ، وليسَ في حديثٍ
ابنِ شِهابٍ ما يَدفَعُها، بَل فيه ما يُثبِتُها، وهو قولُهُ: ((وكانَ لا يَفعَلُ ذلك بين
السَّجدَتَينِ)). فَدَلِيلُهُ(٤) أنه كان يَفعَلُها في كُلِّ (٢٦٤/٢م) خَفْضٍ وَرَفعٍ، ما عَدا
السُّجُودِ.
وقال البخاريُّ في كِتابِ ((رَفع اليدينِ))(٥): ما زادَهُ ابنُ عمرَ، وعَلِيٍّ،
وأبو حُمَيدٍ، في عَشَرَةٍ مِن الصَّحابَةِ: ((أن النَّبِيَّ ◌َِّ كان يرفعُ يديهِ إذا قامَ مِن
الركعَتَينِ)). كُلُّهُ صَحِيحٌ؛ لأنهم لم يَحكُوا صَلاةً واحدةً، ويَختَلِفُونَ فيها، مع أنه
لا اختِلافَ في ذلك، وإنما زادَ بعضُهم، والزِّيادَةُ مَعْبُولَةٌ مِن الثِّقَةِ.
■ العاشرةُ: ما ذَكَرَهُ والِدِي كَذَلُ، في الأصلِ في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)): مِن
أَن رَفعَ اليدينِ رُوِيَ مِن حديثٍ خَمسِينَ مِن الصَّحابَةِ، ذَكَرَهُ أيضًا في ((شرحٍ
ألفيتِهِ))(٦)، فقال: وقد جَمَعت رُواتَهُ: فَبَلَغُوا نحوَ الخمسينَ.
لكنَّ ابنَ عبدِ البرِّ في ((التَّمهِيدِ)(٧) اقتَصَرَ على ثَلاثَةَ عَشَرَ، والسُّلَفي قال:
رواهُ سَبعَةَ عَشَرَ. ومَن عَلِمَ حُجَّةٌ على مَن لم يَعلم.
وقولُهُ: إن منهم العَشَرَةَ. سَبَقَهُ إلَيهِ غَيرُ واحدٍ، فقال البيهقيُّ (٨): سَمِعتُ
الحاكِمَ أبا عبدِ الله، مُحَمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ الحافِظِ يقولُ: لا نَعلمُ سُنَّةً اتَّفَقَ على
روايتِها عن رسولِ اللهِ نَّه: الخُلَفَاءُ الأربعةُ، ثم العَشَرَةُ الذينَ شَهِدَ لهم
رَسُولُ اللهِوَّ بِالجَنَّةِ، فَمَن بعدَهم مِن أكابِرِ الصَّحَابَةِ، على تَفَرُّقِهِم في البِلادِ
الشَّاسِعَةِ، غَيرَ هذه السُّنَّةِ. قال البيهقيُّ: وهو كَما قال أستاذُنا أبو عبدِ اللهِ.
وقال الشَّيخُ تقيُّ الدينِ في ((الإمام)) (٩): جَزمُهُ لَيسَ بِجَيِّدٍ، فإن(١٠)
(١) شرح صحيح البخاري (٣٥٧/٢).
(٣ - ٣) في الأصل: ((بمن فيه)).
(٥) رفع اليدين في الصلاة (ص٨٢).
(٧) التمهيد (٢١٦/٩).
(٩) في (ح، م): ((الإلمام).
(٢) ليس في: الأصل.
(٤) في (ح): ((فدلیل)).
(٦) التبصرة والتذكرة (ص١٩٢).
(٨) مختصر الخلافيات لابن فرح (٧٢/٢).
(١٠) في: الأصل، (م): ((فإنما)).

=
بابُ رفع اليدينِ
٢٠٧
الجَزْمَ إنما يَكُونُ مع الصِّحَّةِ، ولَعَله لا يَصِحُ عن جُمْلَةِ العَشَرَةِ.
قلتُ: ولذلك أتَى والِدِي تَُّ، بِصِيغَةِ التَّمرِيضِ، فقال: رُوِيَ.
ومِمَّن ذَكَرَ أن حديثَ رَفع اليدينِ رواهُ العَشَرَةُ: عبدُ الرحمنِ بنُ محمدِ بنِ
مَندَه في كِتَابٍ له سَماهُ ((المُستَخرَجَ مِن كُتُبِ الناسِ))، لكن في تَخْصِيصِ الحاکِمِ،
والبيهقيِّ روايةَ العَشَرَةِ بِحديثٍ رَفعِ (١ اليدين١ِ) نَظَرٌ، فَقد (٢) شَارَكَهُ في ذلك
حديثُ: (مَن كذبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلَيَتَبَوَأْ مَقعَدَهُ مِن النارِ)). ذَكَرَ غَيرُ واحدٍ أنه رواهُ
العَشَرَةُ، فَحَكَى ابنُ الجَوزِيِّ في مُقدمَةِ ((الموضُوعَاتِ))(٣) عن أبي بَكرٍ محمدِ بنِ
أحمدَ بنِ عبدِ الوهابِ الإسفَرابِيِّ: إنه لَيسَ في الدُّنيا حديثٌ اجتمع عليه العَشَرَةُ
غَيْرُهُ. وحَكَى ابنُ الصَّلاحِ(٤) ذلك عن بعضِ الحُفَّاظِ. ولَعَله أرادَ هذا.
وفي هذا الحَصرِ نَظَرٌ أيضًا، لِما عَرَفتَ، وقد شَارَكَهما في ذلك حديثُ:
مَسِحِ الخُفَّينِ، فَقد رواهُ أكثر مِن سِتِينَ مِن الصَّحابَةِ، ومنهم العَشَرَةُ، كَما ذَكَرَهُ
عبدُ الرحمنِ بنُ مَندَه في ((المُستَخرَجِ مِن كُتُبِ الناسِ)). (٢٦٥/٢م)
(١ - ١) ليس في: الأصل.
(٢) في: الأصل: ((قد)).
(٣) الموضوعات لابن الجوزي (٦٤/١).
(٤) علوم الحديث (ص٤٥٤).

٢٠٨
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابُ التأمينِ
[١٢٩/١ظ] وهو مَصدَرٌ لِقولِهِ: أَمَّنَ (١)، ومَعنَى أمَّنَ: قال آمِينَ. وفي آمِينَ
ثَلاثُ لُغَاتٍ: المدُّ، والقَصرُ مع تَخفيفِ المِيمِ، ولم يَحكِ جُمهورُ أهلِ اللُّغَةِ
غَيرَهما، وأشهَرُهما المدُّ، والثالثةُ: تَشدِيدُ المِيم مع القَصرِ، وهي ضَعِيفَةٌ.
قال الجَوهَرِيُّ (٢): وتَشدِيدُ المِيمِ خَطَأُ. وآمِينَ: اسمٌ مَبنِيٍّ على الفَتحِ؛
كأينَ، وكَيفَ، واختُلِفَ في مَعناها، فَقيلَ المعنَى: اللهمَّ اسْتَجِب. وهو المشهورُ
عند أكثَرِ أهلِ اللُّغَةِ، وقيلَ مَعناها(٣): لِيَكُن كذلك.
وبه جَزَمَ الرافِعِيُّ، تَبعًا للغزَّاليِّ(٤)، وقيل: هو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى.
وقيلَ: اسمُ قَبِيلَةٍ (٥) مِن الملائِكَةِ.
وفي ((سُنَنِ أبي داودَ))، عن أبي زُهَير (٦) النُّمَيرِيِّ، أحدِ الصَّحابَةِ: أنَّ آمِينَ
مثلُ الطَّابعِ على الصَّحِيفَةِ، ثم ذَكَرَ قوله {وَهِ: ((إِنْ خَتَمَ بآمين، فَقد أوجَبَ))(٧).
(١) في (ك): ((أمين)).
(٢) الصحاح (٢٠٧٢/٥).
(٣) في (م): ((معناهما)).
الشرح الكبير (٣٤٧/٣)، والوسيط (١٢٠/٢).
(٤)
(٥)
في (ك): ((قبيل)).
(٦) ليس في: (ك). وينظر: التاريخ الكبير (٣٢/٩)، والمعرفة لابن منده (٨٦٩/٢)،
ولأبي نعيم (٢٨٩٨/٥)، والإصابة (١٤٧/١١، ١٤٨).
(٧) أبو داود (٩٣٨). قال ابن منده في المعرفة (٨٧٠/٢): هذا حديث غريب. وقال
ابن عبد البر في الاستيعاب (١٦٦٢/٤): ليس إسناده بالقائم.

=
بابُ التأمينِ
٢٠٩
ج عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أن رسولَ اللهِ وَ ل وقال: ((إذا قال
الإمامُ: آمِينَ، وقالت الملائِكَةُ في السَّماءِ: آمِينَ، فَوافَقَت إحداهما
الأُخرَى، غُفِرَ له ما تَقدمَ مِن ذَنبه))(١).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: فيه حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ أنه يُستَحَبُّ للإمامِ
التأمينُ عَقِبَ الفَاتِحَةِ، وخالَفَ مالِكٌ في ذلك، فلم يَستَحِبَّ للإمامِ التأمينَ.
قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ(٢): وأولُوا قوله: ((إذا أمَّنَ الإِمامُ)). على بُلُوغِهِ مَوضِعَ
التأمينٍ، وهو خاتِمَةُ الفَاتِحَةِ، كَما يُقالُ: أَنْجَدَ إذا بَلَغَ نَجدًا، وأتْهَمَ إذا بَلَغَ
تِهامَةَ، وأحْرَمَ إذا بَلَغَ الحَرَمَ. قال: وهذا مَجَازٌ، فَإن وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ على
ظاهِرِ هذا الحديثِ، وهو قولُهُ: ((إذا أمَّنَ)). وهو حَقِيقَةٌ في التأمينِ، عُمِلَ به،
وإلا فالأصلُ عَدَمُ المجَازِ.
قال: ولَعَلَّ مَالِكًا تَخْذُ اعتَمَدَ على عَمَلِ أهلِ المدينةِ، إن كان لهم في ذلك
عَمَلٌ، ورَجَّحَ به مَذْهَبَهُ. انتَهَى.
قلتُ: [وما حكاهُ مِن التأويلِ عنهم، لا يَحْتَمِلُهُ لَفظُ الحديثِ المُتَقدم، وهي
روايةُ مالكٍ في ((المُوطّأ))(٣)؛ لأن (٢٦٦/٢م) لَفظَها: ((إذا قال الإمامُ: آمِينَ))(٤).
فهذه لا تَحتَمِلُ المحمَلَ الذي أولُوا عليه: ((إذا أمَّنَ الإمامُ)) (٥). واللهُ أعلمُ.
وأيضًا](٦) يُنافي تأوِيلُهم قولَه: ((فَوافَقَت إحداهما الأُخْرَى)).
الثانيةُ: فيه أن الله تعالى جَعَلَ للملائكةِ قُوةَ الإدراكِ بالسَّمع وهم في
السَّماءِ، لِما يَنطِقُ به بَنُو آدَمَ في الأرضِ، أو (٧) لبعضٍ ذلك؛ لأنه جَعَلَ مكانَ
(١) البخاري (٧٨١)، ومسلم (٧٥/٤١٠). (٢) إحكام الأحكام (ص ٢٣٥).
(٣)
الموطأ (٨٧/١).
(٤)
في المطبوع من الموطأ: ((إذا قال أحدكم: آمين)).
(٥)
البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠).
ليس في: (ح).
(٧)
(٦) ما بين المعكوفين ليس في، (ك، ح).

=
٢١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
تأمينِ الملائِكَةِ في السَّماءِ، ويُحتَمَلُ أن يُرادَ بالسَّماءِ العُلُوُّ، والأولى حَملُهُ على
ما تقدمَ.
■ الثالثةُ: ظاهِرُهُ: أن هؤلاءِ الملائِكَةَ غَيرُ الحَفَظَةِ، لِتَقِيدِ تأمينِهِم
بالسَّماءِ، والحَفَظَةُ مع بَنِي آدَمَ، وقد حَكَى القُرطُبِيُّ في ((المُفهِم))(١) خِلافًا؛ هَل
هم الحَفَظَةُ، أو غَيرُهم؟
الرابعةُ: اختُلِفَ في المُرادِ بِقولِهِ: ((فَوافَقَت إحداهما (٢) الأُخرَى)).
فالصحيحُ: أن المُرادَ(٣) المُوافَقَةُ في الزَّمَنِ، بِحَيثُ يَقَعُ تأمينُ ابنِ آدَمَ وتأمينُ
الملائِكَةِ مَعًا، وهو ظاهِرُ الحديثِ، وقيلَ: المُرادُ بِذلك المُوافَقَةُ في صِفَةِ
التأمينِ (٤) مِن كَونِهِ بإخلاصٍ وخُشُوعٍ.
قال القُرطُبِيُّ: وهذا بعيدٌ. وقيلَ: مَن وافَقَ الملائِكَةَ في استِجَابَةِ الدُّعَاءِ
غُفِرَ له، وقيلَ: مَن(٥) وافَقَهم في لَفِظِ الدُّعَاءِ. قال القُرطُبِيُّ، وابنُ دَقِيقِ العِيدِ (٦):
والأولُ أظهَرُ.
■ الخامسةُ: الضَّمِيرُ في قولِهِ: ((غُفِرَ له)) راجِعٌ إلى الإمامِ؛ لأنه ليسَ في
هذه الروايةِ الأولى ذِكرٌ للمأمُوم (٧) أصلًا، فَتَعَيَّنَ حَملُهُ على الإمامِ.
■ السادسةُ: ظاهِرُ الحديثِ مَغفِرَةُ ما تَقدمَ مِن الذُّنُوبِ، سَواءٌ فيه الصَّغَائِرُ
والكبائرُ، وقد خَصَّ العلماءُ هذا وأشباهَهُ(٨) (٦ْ بِتَكفيرِ الصَّغَائِر٩ِ) فقط، وقالوا:
إِنما يُكَفِّرُ الكَبائِرَ الثَّوبَةُ. وكأنهم لما رأوا التَّقِيدَ في بعضٍ ذلك بالصَّغَائِرِ، حَمَلُوا
ما أُطلِقَ في غَيرِها عليها، كالحديثِ الصحيحِ: ((الصَّلواتُ الخمسُ، والجُمُعَةُ إلى
الجُمُعَةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مُكَفِّراتٌ لِما بينهُنَّ، ما اجتُنِبَت [١٣٠/١ و]
(١) المفهم (٢ /٤٤ - ٤٥).
(٣) ليس في: (ح).
(٢) في (ك): («أحدهما)).
(٤) ليس في: (ك).
(٥)
ليست في: الأصل.
(٦) المفهم (٤٤/٢ - ٤٥)، وإحكام الأحكام (ص٢٣٥).
(٧) في (ك): ((المأموم)).
(٩ - ٩) في: الأصل: ((بالصغائر)).
(٨) في (ك): ((وأشباههه)).

بابُ التأمينِ
٢١١
=
الكَبائِرُ))(١). والله تعالى أعلمُ.
السابعةُ: فيه رَدُّ على الإمامِيَّةِ في دعواهم: أن التأمينَ في الصَّلاةِ
مُبطِلٌ لها .
وهم في ذلك خارِقُونَ لإجماعِ السَّلَفِ والخَلَفِ، ولا حُجَّةَ لهم في ذلك،
لا صَحِيحَةً ولا سَقِيمَةً.
الطَّرِيقُ الثانِي لِحديث أبي هريرةً(٢): ((إذا قال أحَدُكُم: آمِينَ، والملائِكَةُ في
السَّماءِ، فَتُوافِقُ(٣) إحداهما الأُخرَى، غُفِرَ له (٤) ما تَقْدمَ مِن ذَنبه))(٥).
وفيها فائدتانِ :
(٢/ ٢٦٧م) ■ الأولى: فيه استحبابُ التأمينِ لِلمُنفَرِدِ والمأمومِ أيضًا، مِن
قولِهِ (أحَدُكُمْ). قال صَاحِبُ ((المُفهِم))(٦): وقد اتَّفَقُوا على أن الفَذَّ يُؤَمِّنُ مُطلَقًا،
والإمامُ والمأمومُ فيما يُسِرَّانِ فيه يُؤَمِّنانِ.
] الثانيةُ: أطلَقَ في هذه الروايةِ التأمينَ، ولم يُقَيِّدها بالصَّلاةِ، فَمَن قال:
يُعمَلُ بالمُطلَقِ كالحَنَفيةِ، والظاهِرِيَّةِ، يَقُولُونَ: إن هذا الثَّوابَ لا يَتَقَيَّدُ بالصَّلاةِ،
بَل التأمينُ في غَيرِ الصَّلاةِ حُكمُهُ هَكذا. ويُقالُ لهم: إن الثَّوابَ مُتَرَتِّبٌ على
مُوافَقَةِ تأمينِ ابنِ آدَمَ لِتأمينِ الملائِكَةِ، وإنما نُقِلَ لَنا (٧) تأمينُ الملائِكَةِ، لِتأمينِ
المُصَلِّي، كَما سَيأْتِي في الطَّرِيقِ الثالِثِ.
وأما مَن حَمَلَ المُطلَقَ على المُقَيَّدِ، فَإِنه يَخُصُّهُ بالصَّلاةِ، لِروايةٍ مسلم (٨):
((إذا قال أحَدُكُم في الصَّلاةِ آمِينَ)) الحديث.
الطَّرِيقُ الثالثُ (٩): ((إذا أمَّنَ القارِئُ فَأَمِّنُوا، فإن الملائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَن وافَقَ
البخاري (١٥/٢٣٣)، ومسلم (١٥/٢٣٣).
(١)
(٢)
يعني: طريق همام.
في (ك): ((فوافق))، وفي مصادر التخريج: ((فيوافق)).
(٣)
(٤)
في (م): ((غفر الله)).
المفهم (٤٤/٢).
(٦)
مسلم (٤١٠ / ٧٤).
(٨)
(٥) مسلم (٤١٠/ ٧٥).
(٧) في (ح): ((أن)).
(٩) يعني: طريق سعيد بن المسيب.

٢١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
تأمينُهُ تأمينَ الملائِكَةِ، غُفِرَ له ما تَقدمَ مِن ذَنبه))(١).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: ظاهِرُهُ أنه إنما يُشرَعُ(٢) التأمينُ للمأمُومِ إذا أمَّنَ الإمامُ؛ لأنه
رَتَّبَهُ على تأمينِهِ، فَإِن تَرَكَ الإمامُ التأمينَ، لم يُؤَمِّن المأمومُ، وهذا وجهٌ ضَعِيفٌ،
بَل ادَّعَى النَّووِيُّ في ((شرح المُهَذَّبِ))(٣): الاتِّفَاقَ على خِلافِهِ، وأنه إذا لم يُؤَمِّن
الإمامُ، فَيُستَحَبُّ للمأمومِ الجَهرُ به، سَواءٌ تَرَكَهُ الإمامُ عمدًا أم (٤) سهوًا، ونَقَله
عن النَّصِّ(٥)، وقال: إنهم اتَّفَقُوا عليه، وإنه لَيسَ فيه خِلافٌ. انتَهَى.
وظاهِرُ إطلاقِ (٢٦٨/٢م) الرافِعِيِّ، يَقتَضِي جَرَيانَ الخِلافِ فيه(٦)، وبه صَرَّحَ
القاضِي مُجَلِّي (٧) في ((الذَّخائِ)).
■ الثانيةُ: قد يُستَدَلُّ به على أن تأمينَ المأموم يُستَحَبُّ أن يَكُونَ بعدَ
تأمينِ الإمام؛ لأنه رَبَهُ عليه بالفَاءِ، وقد جَزَمَ أصحابُ الشَّافِعِيِّ باستحبابِ مُقارَنَةِ
الإمام فيه، فقال الرافِعِيُّ(٨): والأحَبُّ أن يَكُونَ تأمينُ المأمومِ مع تأمينِ الإمامِ،
لا قَبلَه ولا بعدَهُ. وقال(٩) ابنُ الرِّفعَةِ: إنه لا يُستَحَبُّ مُساوقته، فيما عَداهُ مِن
الصَّلاةِ .
قال إمامُ الحَرَمَينِ (١٠): ويُمكِنُ تَعلِيلُهُ، بأن التأمينَ لِقِراءَةِ الإمامِ، لا لِتأمينِ.
(١) البخاري (٦٤٠٢)، ومسلم (٤١٠/ ٧٣).
(٢)
في (م): ((شرع)).
(٤) في: الأصل، (م): ((أو)).
(٣) المجموع (٣٧٢/٣).
يعني: نص الشافعي، وينظر: الأم (٢٤٩/٢).
(٥)
(٦)
ينظر: الشرح الكبير (٣٤٨/٣).
(٧) هو: عالم مصر وقاضيها أبو المعالي مجلي بن جُمَيع بن نجا القرشي المخزومي
الشافعي، صاحب الذخائر في فروع الشافعية، وأدب القاضي، وكتاب الجهر بالبسملة،
ومعجم الشيوخ (ت٥٥٠هـ). سير أعلام النبلاء (٣٢٥/٢٠)، طبقات الشافعية الكبرى
(٢٧٧/٧).
(٨) الشرح الكبير (٣٥١/٣).
(١٠) نهاية المطلب (١٥٣/٢).
(٩) ليس في: (ك).

=
بابُ التأمينِ
٢١٣
قلتُ: ويَدُلُّ عليه قولُهُ في الروايةِ المُتَّفَقِ عَلَيها، وقد ذَكَرتها في آخَرِ البابِ:
((إذا قال الإِمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]: فَقُولُوا:
آمِينَ))(١). الحديثَ.
ورَوى أبو داودَ(٢)؛ مِن حديثٍ بِلالٍ، أنه قال: ((يا رسولَ الله، لا تَسبِقْنِي
بآمين)). وإسنادُهُ ثِقاتٌ، إلا أن البيهقيَّ(٣) [صَخَّحَ روايةَ (٤مَن جَعَله٤)، عن
أبي عُثمان النَّهدِيِّ مُرسَلًا، ثم رواهُ عن بِلالٍ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَلِه:
((لا تَسبِقِنِي بآمين)). قال البيهقيُّ](٥): فكأن بِلالًا كان يُؤَمِّنُ قَبلَ تأمينِ النبيِّ ◌َِّ،
فقال: ((لا تَسِقِنِي بآمين)). كما قال: ((إذا أمَّنَ الإِمامُ فَأُمِّنُوا)).
] الثالثةُ: فيه أن الإمامَ يَجهَرُ بالتأمينِ فيما يَجهَرُ به مِن القِراءَةِ (٦)، وإلا
لما عَلَّقَ تأمينَهم على تأمينِهِ، وإنما يُطّلع عليه بالسَّماعِ، وهذا قولُ الشَّافِعِيِّ،
وأحمدَ، وإسحاقَ. وذَهَبَ أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، (٧ في روايةٍ عنه٧ُ) إلى أنه يُسِرُّ به.
قال ابنُ دقِيقِ العِيدِ (٨): ودلالةُ الحديثِ على الجهرِ بالتأمينِ أضعَفُ مِن دلالَتِهِ
على نَفْسِ التأمينِ قَلِيلًا(٩)؛ لأنه قد يَدُلُّ دَلِيلٌ على تأمينِ الإمامِ مِن غَيرِ جَهِرٍ .
قلتُ: قد ورَدَ التَّصرِيحُ بالجَهرِ، فيما رواه أبو داودَ(١٠)؛ مِن حديثٍ وائِلٍ
ابنِ حُجرٍ: ((صَلَّيتُ خَلفَ النبيِّ ◌ََِّ، فَجَهَرَ بآمين)). وفي لَفِظِ له(١١): ((ورَفَعَ بِها
صَوتَهُ)).
ورواهُ الترمذيُّ وحَسَّنَهُ(١٢)، بِلَفِظِ: ((ومَدَّ بِها صَوتَهُ)). وأخرَجَهُ الحاکِمُ
وصَحَّحَهُ(١٣).
(١) البخاري (٧٨٢)، ومسلم (٤١٥/ ٨٧). (٢) أبو داود (٩٣٧).
(٣) السنن الكبرى (٢٣/٢).
(٤ - ٤) في (ك): ((ابن سعد)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ت).
(٦) في (ح): ((القرآن)).
(٧ - ٧) في (ك): ((وابن عيينة)).
(٨) إحكام الأحكام (ص٢٣٥).
(١٠) أبو داود (٩٣٣).
(٩) في (ك): ((قلنا)).
(١١) أبو داود (٩٣٢).
(١٢) الترمذي (٢٤٨) وقال: حديث حسن.
(١٣) الحاكم (٢٣٢/٢) بلفظ: ((وخفض بها صوته)). من رواية شعبة، وقال: صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

٢١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وأما روايةُ شُعبَةَ في هذا الحديثِ: ((وخَفَضَ بِها صَوتَهُ)). فهي خَطَأْ، خَطَّأهُ
فيها البخاريُّ، وأبو زُرعَةَ، وغيرُهما (١).
ولأبي داودَ، (٢ بإسناد جيد٢ٍ)، وابنٍ ماجَه(٣) مِن حديث أبي هريرةَ مرفُوعًا:
((كان إذا قال ﴿وَلَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: آمِينَ، حتى [١٣٠/١ظ] يُسمِعنا،
أهلَ الصَّفِّ الأولِ، فَيَرْتَجُ بِها (٤) المسجِدُ)). لفظُ ابنِ ماجه.
وفي حديث أبي هريرةَ هذا: جَهرُ(٥) المأمومِينَ أيضًا بالتأمينِ، وهو القولُ
القديمُ لِلشَّافِعِيِّ، وعليه الفَتوى، وفي الجَدِيدِ: لا يَجهَرُونَ. قال الرافِعِيُّ(٦): قال
الأكثرونَ: في المسألَةِ قولانٍ؛ أصَحُّهما أنه يَجهَرُ.
■ الرابعةُ: فيه أنه يُستَحَبُّ التأمينُ لِقِراءَةِ القارِئِ مُطلَقًّا؛ لأنه ليسَ فيه (٧)
تَخصِيصُهُ (٨) بِكَونِهِ إمامًا، لكنَّ روايةَ مسلمٍ(٩) التي في آخَرِ البابِ، تَقتَضِي أن
المُرادَ الإمامُ، فإنه قال: ((إذا قال القارِئُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾
[الفاتحة: ٧]، فقال مَن خَلفَهُ: آمِينَ)) الحديثَ. و(١٠) في رواية البخاريّ(١١): ((إذا
قال الإمامُ)) الحديثَ.
■ الخامسةُ: استَدَلَّ القُرطُبِيُّ في ((المُفهِمِ))(١٢): بِقولِهِ: ((إذا قال الإمامُ
الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]: فَقُولُوا: آمِينَ)). على تَعِينِ قِراءَةِ الفَاتِحَةِ للإمامِ.
وفي الاستِدلالِ(١٣) به على الوُجُوبِ نَظَرٌ، والأدِلَّةُ على الوُجُوبِ قَائِمَةٌ
صَحِيحَةٌ، مِن غيرِ هذا الحديثِ.
(١) ينظر: التاريخ الكبير (٧٣/٣)، وجامع الترمذي (٢٨/٢، ٢٩) عقب الحديث (٢٤٨)، والعلل
الكبير له (ص٦٨، ٦٩)، وسنن الدار قطني (٣٣٤/١)، والتلخيص الحبير (٢٥٢/١، ٢٥٣).
(٢ - ٢) ذكرها في (ك): بعد قوله: ((ابن ماجه)). وفي (ح، م) بعد قوله: ((أبي هريرة)).
وقال في حاشية (ت): ((كيف يكون جيدًا، وفيه ضعيف ومجهول؟)).
(٣) أبو داود (٩٣٤)، وابن ماجه (٨٥٣).
(٥)
في: الأصل: (يجهر)).
(٧) في (ح): ((في)).
مسلم (٤١٠/ ٧٦).
(٩)
(١١) البخاري (٧٨٢).
(١٣) في (ح): ((استدلاله)).
(٤) في (ح): ((لها)).
(٦) الشرح الكبير (٣٤٨/٣).
(٨) ليس في: (ك).
(١٠) ليس في: (ك).
(١٢) المفهم (٤٥/٢).

=
بابُ التأمينِ
٢١٥
■ السادسةُ: استَدَلَّ به القُرطُبِيُّ (١) أيضًا: على أن المأمومَ ليسَ عليه أن
يَقرأَ الفَاتِحَةَ فيما جَهَرَ (٢) به إمامُهُ، وما أدرِي ما وجهُ الذَّلالَةِ منه(٣)، والأدِلَّةُ
الصَّحِيحَةُ قائِمَةٌ على وُجُوبِ القِراءَةِ على المأمومِ مُطلَقًا.
السابعةُ: في مُطلَقِ الأمرِ بِتأمينِ المأمومِ لِتأمينِ الإمامِ: أن المأمومَ
يُؤَمِّنُ(٤)، وإن كان يقرأُ في أثناءِ فَاتِحَةِ نَفسِهِ، وهو كذلك على المشهورِ مِن
الوجهَينِ، كَما قال الرافِعِيُّ.
ولكن اختَلَفَ أصحابُنا، هَل تَنقَطِعُ المُوالاةُ بِذلك، حتى يَجِبَ استئنافُها،
أم لا ينقَطِعُ(٥)، وينبني(٦) عَلَيها؟
على(٧) وجهَينٍ، أصَخُهما، كَما قال الرافِعِيُّ (٨): الثانِي؛ لأنه مأمُورٌ بِذلك
لِمَصلَحَةِ الصَّلاةِ. بَل زادَ أبو عليٍّ الفَارِقِيُّ(٩)، صَاحِبُ الشَّيخِ أبي إسحاقَ
الشِّيرازِيِّ، على هذا: بأن(١٠) المأمومَ لو قَرأ بعضَ الفَاتِحَةِ في السَّكتَةِ الأولى،
ثم قَرأ الإمامُ، استَمع المأمومُ، فإذا فَرَغَ الإمامُ وسَكَتَ في الثانِيَةِ أَتَّمَّها، ولا
تَبطُلُ الصَّلاةُ؛ لأنه مأمُورٌ بِهذا السُّكُوتِ، فكأن الفَارِقِيَّ لَحَظَ كَونَ الفَصلِ مِن
مَصلَحَةِ الصَّلاةِ، لكن قال المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ في ((شرحِ التَّنِيهِ)): وهذا لم أرَهُ لِغَيرِهِ
مِن الأصحابِ. انتَهَى.
وذلك بِخِلافِ المندُوبِ، الذي لا يَتَعَلَّقُ بالصَّلاةِ؛ كالعَاِسِ يَحمَدُ الله، في
أثناءِ الفَاتِحَةِ، فَإِنه يَجِبُ استِئنافُها. واللهُ تعالى أعلمُ.
(١) المفهم (٤٥/٢).
(٢) في (ح): ((يجهر)).
(٤) ليس في: (ك).
(٥) في (م): ((تنقطع)).
(٦) في (م): ((ويبنى)).
(٧)
ليست في: (ك، ح).
(٨) الشرح الكبير (٣٤٨/٣ - ٣٤٩).
(٩) شيخ الشافعية: الحسن بن إبراهيم بن برهون أبو علي الفارقي، تتلمذ على الشيخ
أبي إسحاق الشيرازي، وحفظ المهذب، ولازم ابن الصباغ، وحفظ الشامل له، وولي
قضاء واسط فحمدت سيرته، ودام بها إلى أن توفي سنة (٥٢٨هـ). المنتظم (٣٧/١٠)،
وسير أعلام النبلاء (٦٠٨/١٩)، وطبقات ابن السبكي (٧/ ٥٧).
(١٠) في (ح): ((بل)).
(٣)
في (ح): ((فيه)).

٢١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثامنةُ: المُستَحَبُّ الاقتِصَارُ على التأمينِ عَقِبَ الفَاتِحَةِ مِن غَيرِ زِیادَةٍ
عليه، اتِّباعًا لِلحديثِ، وأما ما رواهُ البيهقيُّ (١)؛ مِن حديثٍ وائِلِ بنِ حُجٍ: أنه
سَمِعَ رسولَ اللهِ وَّه، حينَ قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[الفاتحة: ٧] قال: ((رَبِّ اغفِر لِي، آمِينَ)). فإن في إسنادِهِ أبا بَكرِ النَّهشَلِيَّ، وهو
ضَعِيفٌ (٢) .
وفي ((الأُمَ) (٣) لِلشَّافِعِيِّ: فإن قال: آمِينَ رَبَّ العَالمِينَ. كان حَسَنًا. ونَقَله
النَّووِيُّ: مِن زَوائِدِهِ في ((الروضَةِ))(٤).
(١) السنن الكبرى (٥٨/٢).
(٢) ينظر: ميزان الاعتدال (٤٩٦/٤).
(٣)
الأم (٢٥٠/٢).
(٤) الروضة (٣٥٢/١).

بابُ القراءةِ في الصلاةِ
٢١٧
(٢٧٠/٢م) بابُ القراءة في الصلاةِ(١)
الحديثُ الأولُ
عن بُرَيدَةَ: ((أنَّ رسولَ الله وَّهِ، كان يَقرأ في صلاةِ العشاءِ بِالشَّمسِ
وضُحاها، وأشباهِها من السُّورِ))(٢).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: فيه استحبابُ القراءةِ في العشاءِ بأوسَاطِ المُفَصَّلِ؛ لأنَّ السُّورَةَ
المذكورَةَ منه، وهو كذلك.
ومِما يَدُلُّ على أنَّ هذه السُّورَةَ من أوسَاطِ المُفَصَّلِ، ما رواهُ النَّسَائِيُّ(٣) من
روايةٍ سُلَيمانَ بنِ يَسَارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: ((ما صَلَّيت وراءَ أحَدٍ أشبَهِ صلاةً
برسولِ الله وَله، من فُلانٍ، قال سُلَيمانُ: كانَ يُطِيلُ الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ من الظهرِ)).
الحديثَ. وفيه: ((ويَقرأ في العشاءِ: بِوسَطِ المُفَصَّلِ)). وفي روايةٍ لِلنَّسَائِيِّ(٤)، في
هذا الحديثِ: ((ويَقرأ في العشاءِ: بالشَّمسِ وضُحاها وبأشباهِها)).
ولِلبُخَارِيِّ(٥) من حديثٍ جابرٍ، في قِصَّةٍ تَطوِيلِ مُعاذٍ العشاءَ: ((وأمرَه
بسورَتَينِ من أوسَطِ المُفَصَّلِ)). ولمسلم (٦): ((أنه أمَرَهُ بالشَّمسِ وضُحاها،
والضُّحَى)). وسيأتي ذلك في الحديثِ الثالثِ من هذا البابِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
في (ت): ((باب مواقيت الصلاة)).
(١)
الترمذي (٣٠٩)، والنسائي (٩٩٨). وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢)
(٣)
النسائي (٩٨٢).
(٤) النسائي (٩٨٣).
(٥) البخاري (٧٠١).
(٦) مسلم (٤٦٥).

WN
٢١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وذَكَرَ الترمذيُّ في ((الجامع)) (١)، أنه رُوِيَ عن عثمانَ بنِ عفانَ
[١٣١/١ ]: أنه كان يَقرأ في العشاءِ بسورَتَينِ من المُفَصَّلِ، نحوِ سُورَةِ المُنافِقِينَ
وأشباهِها .
■ الثانيةُ: المُرادُ «بأشباهِها (٢ من السُّور٢ِ)»: واللَّيلِ إذا يَغشَى، وسَبِّح
اسمَ رَبِّكَ الأعلَى، والضُّحَى، وإذا السَّماءُ انفَطَرَت، ونَحوِ ذلك، فإنَّ النبيَّ وَّهُ
سَمَّاها معها في قِصَّةٍ تَطوِيلِ مُعاذٍ الصلاةَ.
فأما واللَّيلِ، وسَبِّح: فهي مُتَّفَقٌ عليها(٣)، وأما والضُّحَى: فهي عند
مسلم (٤)، وسَيأتي ذكرُها في الحديثِ الثالثِ من هذا البابِ، وهكذا عند مسلم(٥)
ذكرُ ((اقرَأْ باسم رَبِّك)). وأما إذا السَّماءُ انفَطَرَت: فَرواها النَّسَائِيُّ، ولأحمدَ (٦) من
حديثٍ أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله وَّرَ: ((كان يَقرأ في عِشاءِ الآخِرَةِ (٢٧١/٢م)
بالسَّماءِ؛ يَعنِي: ذاتِ البُرُوجِ، والسَّماءِ (٧) والطَّارِقِ). وفي ((الصحيحينِ))(٨) من
حديثِ البَراءِ: ((أنه قرَأ في العشاءِ بالتينِ والزَّيْتُونِ)). ففي روايةٍ أنه: ((كان في
سَفَرٍ»، وفي روايةٍ إطلاقُ ذلك.
وفي كَونِ سُورَةِ القِّينِ(٩) والزَّيتُونِ، وسُورَةِ اقرَأ من أوسَاطِ المُفَصَّلِ
اختِلافٌ؛ فقد ذَكَرَ ابنُ مَعنٍ (١٠) في ((التَّنقِيبٍ)): أنَّ أوسَاطَهُ من عَمَّ إلى
الضُّحَى (١١). ولا أدرِي من أينَ له هذا التَّحدِيدُ؟ وقد تَقدمَ تَمثِيلُ الترمذيِّ أوسَاطَهُ
(١) جامع الترمذي (١١٤/٢)، عقب الحديث (٣٠٩).
(٢ - ٢) ليس في: (ك).
(٤) مسلم (١٧٨/٤٦٥).
(٣) البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥).
(٥) مسلم (١٧٩/٤٦٥).
(٦) في (ك): ((وأحمد)). والحديث عند النسائي (١٠٠٥)، وأحمد (٣٢٦/٢).
(٧) في (ك): ((وبالسماء)).
(٩) في (ك): ((والتين)).
(٨) البخاري (٧٦٧)، ومسلم (٩٦٩).
(١٠) في (م): ((معين)). وهو تصحيف، ومحمد بن معن بن سلطان، أبو عبد الله الدمشقي
الصيدلاني الشيباني الشافعي، صاحب التنقيب في الفروع على المهذب للشيرازي،
والتحرير في وضع الأقارير (ت٦٤٠هـ). التكملة لوفيات النقلة (٦١٤/٣)، وطبقات
الشافعية لابن قاضي شهبة (٤٢٠/٢)، وتاريخ الإسلام (٤٥٠/٤٦).
(١١) في (ك): ((والضحى)).

٢١٩
بابُ القراءة في الصلاةِ
بالمُنافِقِينَ، وذَكَرَ أَبُو مَنصُورٍ التَّمِيمِيُّ، عن نَصِّ الشافِعِيِّ: تَمْثِيلَ قِصَارِهِ بالعادِياتِ
ونحوِها، فاللهُ تعالى أعلمُ.
[ولا شَكَّ: أنَّ الأوساطَ مُختَلِفَةٌ، كما أنَّ قِصَارَهُ مُختَلِفَةٌ، كما أنَّ طِوالَه
فيها ما هو أطولُ من بَعضٍ](١).
] الثالثةُ: أطلَقَ في روايةِ أحمدَ: ذِكرَ ((العشاء))، وهكذا عند
الترمذيٌّ(٢)، وقال النَّسَائِيُّ(٣) في روايتِهِ: ((العشاءَ الآخِرَةَ(٤). وإنَّما وصَفَها
بِكَونِها الآخِرَةَ؛ لأنَّ الأعرابَ كانُوا يُسَمُّونَ المغرِبَ عِشاءً، وقد نُهي عن ذلك،
كما رواهُ البخاريُّ(٥)
من حديثٍ عَبدِ الله بنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ (٦)، أنَّ النبيَّ بِّهِ، قال: ((لا تَغْلِيَنَّكُمْ(٧)
الأعرابُ على اسم صلائِكُم المغرِبِ)). قال: وتَقُولُ الأعرابُ: هي(٨) العشاءُ.
الرابعةُ: تَعلَّقَ بعضُ الحنفيةِ بهذا الحديثِ: على أنه لا تَتَعَيَّنُ الفاتحةُ
في الصلاةِ؛ لأنه لم يَقُل فيه: إنه(٩) كان يَقرَؤُها بعد الفاتحةِ، فَظَاهِرُهُ أنه كان
يَقتَصِرُ علیھا .
وهذا لا حُجَّةَ فيه، وإنَّما أرادَ بُرَيدَةُ بيانَ ما (١٠كان يَقرَؤُه١٠ُ) فيها بعد
الفاتحةِ، وقد بَيَّنَ جَماعَةٌ من الصحابَةِ ما كان يبدَأُ بِهِ وَّه من القراءةِ في صلاتِهِ.
ففي ((الصحِيحَينِ)) (١١)؛ من حديثٍ أَنَسٍ: ((أنَّ النبيَّ نَّهِ وأبا بكرٍ وعمرَ:
كانُوا يَفْتَتِحُونَ الصلاةَ بالحمدِ لِله رَبِّ العالمينَ)). وفي روايةِ الدَّارَقُطْنِيِّ(١٢):
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٢) أحمد (٢٨٤/٤)، والترمذي (٣٠٩)، وعنده: ((العشاء الآخرة)).
(٣)
النسائي (٩٩٩).
(٤) في الأصل: ((الأخيرة)).
(٥) البخاري (٥٦٣).
(٦) في (ك): ((المدني)).
(٨) ليست في: (ك).
في (ح): ((یغلبنکم)) .
(٧)
(٩) في (ك): ((إن)).
(١١) البخاري (٧٤٣)، ومسلم (٣٩٩).
(١٢) الدار قطني (٣١٦/١).
(١٠ - ١٠) في (ك): ((يقرأ)).

٢٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
((بأمّ القرآنٍ)). وفي روايةٍ لِلنَّسَائِيِّ (١): ((فافتَحُوا الحمدُ لِلَّه))(٢). ولمسلم(٣) من حديثٍ
عائشةَ: ((كان النَّبِيُّ وَّه يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتَّكِيرِ، والقراءةَ بالحمدُ لِلَّه رَبِّ العالمينَ)).
وفي ((الصحيحينِ)) (٤)؛ من حديث أبي قَتَادَةَ: ((كان النَّبِيُّ ◌َّهُ يَقرأُ في
الرَّكعَتَينِ من الظهرِ والعَصرِ: بفاتحةِ الكِتَابِ، وسُورَةٍ سُورَةٍ»، الحديثِ.
ولهما أيضًا (٥) من حديثٍ عُبادَةَ بنِ الصامِتِ: ((لا صلاةَ لِمَن لم (٦) يَقرا
بفاتحةِ الكِتَابِ)). وفي روايةِ الدَّارَقُطِنِيِّ(٧): ((لا تُجزِئُ صلاةٌ، لا يَقرأُ الرَّجُلُ فيها
بفاتحةِ الكِتَابِ))، وقال(٨): إسنادُهُ حَسَنٌ، ورِجالُهُ ثِقَاتٌ كُلُّهُم.
وأخرَجَهُ ابنُ خُزَيمَةَ، وابنُ حِبانَ في ((صَحِيحَيهِما))(٩) هكذا من حديثٍ
أبي هريرةَ.
(٢٧٢/٢م) الحديثُ الثاني
ـةَ وعنهُ: أنَّ مُعاذَ بنَ جَبَل: صَلَّى بأصحابِهِ صلاةَ العشاءِ، فقرَأ فيها:
((اقْتَرَبَت الساعَةُ)). فَقَامَ رَجُلٌ من قَبلِ أن يَفرُغَ، (١٠ فَصَلَّى وَذَهَب١٠َ)، فقال
له مُعاذُ قَوْلًا شَدِيدًا، فأتى النبيَّ بَّهِ، فاعتَذَرَ إليهِ، فقال: إنِّي كُنتُ أَعمَلُ
في نَخلٍ، وخِفتُ على الماءِ. فقال رسولُ الله ◌ِِّ: ((صَلِّ بِالشَّمسِ
وضُحاهاً، ونَحوِها من السُّورِ))(١١).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: حديثُ بُرَيدَةَ هذا: لم يُخَرِّجُهُ أحَدٌ من الأئِمَّةِ السِّنَّةِ، وانفَرَدَ به
النسائي (٩٧٦).
(١)
(٣)
مسلم (٤٩٨).
البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤).
(٥)
سنن الدارقطني (٣٢١/١، ٣٢٢).
(٧)
العبارة في المطبوع من السنن: هذا إسناد صحيح.
(٨)
(٩) ابن خزيمة (٤٨٩)، وابن حبان (٧٧٦، ١٧٨٤، ١٧٩٥) وهو عند مسلم (٣٩٥).
(١١) أخرجه أحمد (٣٥٥/٥).
(١٠ - ١٠) ليس في: (ك).
(٢) لفظ الجلالة، ليس في: (ك، ح).
(٤) البخاري (٧٦٢)، ومسلم (٤٥١).
(٦) في (م): ((لا)).