Indexed OCR Text
Pages 161-180
بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٦١ أضيَافِهِ، لما صَارُوا لا يَأْكُلُونَ لُقْمَةً، إلا رَبا من أسفَلها أكثَرُ منها، فَحَمَل بَقِيَّتَهُ إلى النَّبِيِّ وََّ، فأكَل منهُ، وقال: ((هذا بَرَكَةٌ))(١)، فَبادَرَ إلى تَحصِيلِهِ والاحتواءِ عليه لبَرَكَتِهِ، لا لنَفسِ المال، فإنه لا يُحَبُّ ولا يُقصَدُ لذاتِهِ، واللهُ تعالى أعلمُ. [١/ ١٢٠ظ] وقال ابنُ بطالٍ (٢): فيه جَوازُ الحِرصِ على المال الحَلال(٣)، وفَضلُ الغِنَى؛ لأنه سَماهُ بَرَكَةً، انتهى. وبِتَقْدِيرِ أن يَكُونَ أحَبَّهُ لمُجَرَّدٍ كَونِهِ مالًا حَلالًا، فإنما ذلك لما يَنشَأُ عنهُ من صَرفِهِ في الطَّاعَاتِ، والاستِعَانَةِ به على القُرُباتِ، والتَّقَرُّبِ (٤) به إلى الله تعالى، في كُل الحالاتِ. ا الخَامِسَةُ: قولُهُ: ((ألم أكُن أغنَيتُك عما(٥) تَرَى)). يُحتَمَلُ أن يُرَادَ غِنَى القَلبِ، ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ غِنَى المال أيضًا، وعلى الاحتِمال الثَّانِي، فَفيه أنَّ أَيُّوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، كان غَنِيًّا شَاكِرًا، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْتَهُ صَابِأَ﴾ [ص: ٤٤] لا يُنافي ذلك؛ لأنَّ المُرَادَ صَبرُهُ على البَلاءِ، ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ صَبرُهُ مع البَلاءِ على فَقرِ المال أيضًا، والذي يَظهَرُ أنَّ الله تعالى جَمع لأيُّوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَقامَي الصَّبرِ على الفَقرِ، والشُّكرِ على الغِنَى، باعتِبارِ حالتَينٍ، فَكان(٦) فِي نَفسِ البَلاءِ فَقِيرًا صَابِرًا، وقَبلهُ وبَعدَهُ غَنِيًّا شَاكِرًا، ولهذا قال الله تعالى في حَقِّهِ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِأَ﴾ [ص: ٤٤]. فأثْنَى الله عليه بالصَّبرِ، ثُمَّ قال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوََّبُ﴾ [ص: ٤٤]. فأشَارَ بذلك إلى أنه غَنِيٌّ شَاكِرٌ، كَما قال في حَقِّ سُليمانَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿يَعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوََّبٌ﴾ [ص: ٣٠]. مع أنه كان غَنِيًّا شَاكِرًا. وقال بَعضُ العُلماءِ: إنَّما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ وَجَدْنَهُ صَابِأَ﴾. ولم يَقُل صَبُورًا؛ لأنه لم يَكُن جَمِيعُ أحوالهِ الصَّبَرَ، بَل كان في بَعضِ الأحوال، مُستَلدًّا للبَلاءِ مُستَعذِبًا لهُ، فَكان بَعضُ أحوالهِ الصَّبرَ، وبَعضُها الاستِلذاذَ. (١) البخاري (٦٠٢). (٣) في (ك): ((الحال)). (٥) في الأصل. (م): ((كما)). (٢) شرح البخاري لابن بطال (٣٩٥/١). (٤) ليس في: (ح). (٦) في (ك): ((وكان)). ١٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ السَّادِسَةُ: قولُهُ: ((فَنادَاهُ رَبُّهُ)): يُحتَمَلُ: أن يَكُونَ على لسَانِ مَلكِ، ويُحتَمَلُ أن (٢٣٦/٢م) يَكُونَ بإلقاءٍ في قَلبه، ويُحتَمَلُ أن يَكُونَ كِفاحًا، كَما وقَعَ للسَّيِّدِ مُوسَى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفيه بُعدٌ، ويَدُلُّ للأول حَدِيثُ ابنِ عَباسٍ المُتَقْدمُ، في الفائِدَةِ الأُولى، والله تعالى أعلمُ. الحَدِيثُ الرَّابِعُ(١) وعن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: «قال رَجُلٌ: يَا رَسُول الله، أَيُصَلي أحَدُنا في ثَوبٍ؟ قال: ((ألكُلكُم ثَوبانٍ))؟(٢). قال أبو هريرةَ(٣): أَتَعرِفُ أبا هريرةَ يُصَلي في ثَوبٍ واحِدٍ، وثِيَابُهُ على المِشجَبِ. لم يَذكُر الشَّيخَانِ: قول أبي هريرةَ. فيه فَوائِدُ: ■ الأُولى: قولُهُ: ((ألكُلُكُم قَوبانٍ))؟ قال الخَطَّابي في ((معالمِهِ)) (٤): لفظُهُ لفظُ الاستِفِهام، ومَعناهُ الإخبارُ عَما كان يَعلمهُ من حالهِم في العَدَمِ، وضِيقٍ الفِّيَابِ، يَقُولُ: وإذا(٥) كُنتُم بِهذه الصِّفَةِ، وليس لكُل واحِدٍ منكُم ثَوبانٍ، والصَّلاةُ واجِبَةٌ عَليكُم، فاعلموا أنَّ الصَّلاةَ في الثَّوبِ الواحِدِ جَائِزَةٌ. وقال في ((شَرحِ البُخَارِيِّ))(٦): وفي ضِمنِهِ الفَتوى من طَرِيقِ الفَحوى، ثُمَّ استِقِصَارُ فَهِمِهِم، واستِزَادَةُ عِلمِهِم؛ كَأنه قال: إذا كان سَترُ العَورَةِ واجِبًا، والصَّلاةُ لازِمَةً، وليس لكُل واحِدٍ ثَوبانٍ، فكيف لم تَعلموا أنَّ الصَّلاةَ (٢٣٧/٢م) في الثَّوبِ الواحِدِ جَائِزَةٌ؟ انتهى. (١) مكانها في (ك): بياض بمقدار كلمتين. البخاري (٣٥٨)، ومسلم (٢٧٥/٥١٥). (٢) أخرجه أحمد (٢٣٨/٢)، وابن حبان (٢٢٩٦) عن أبي هريرة. (٣) (٤) معالم السُّنن (١/ ١٧٧). (٦) أعلام الحديث (٣٤٩/١). (٥) في (ك، ت): ((وإذ)). ١٦٣ 22 بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ وفي روايةِ الشَّيخَينِ: ((أوَ لكُلكُم)). بِواوٍ مُحَرَّكَةٍ بَعدَ الهَمزَةِ، وهي واوٌ العَطفِ، وأصلُ الكلام: وألكُلُكُم لكن قُدِّمَ الاستِفِهامُ؛ لأنَّ لهُ صَدرَ الكلامِ. وذَكَرَ الزَّمَخشَرِيّ في مِثل هذا(١): أنَّ الواو عَاطِفَةٌ على مَحذُوفٍ بَعدَ الهَمزَةِ، دَل عليه المَعْطُوفُ، ولا تَقدِيمَ ولا تَأْخِيرَ، فالتَّقدِيرُ هُنا: ألكُلكُم ثَوبانِ، ولكُلكُم ثَوبانٍ (٢). وما ذَهَبَ إليه الجُمهورُ أولى، والتَّقدِيمُ والتَّأخِيرُ أسهَلُ من الحَذفِ . ■ الثَّانِيَةُ: فيه جَوازُ الصَّلاةِ في الثَّوبِ الواحِدِ، وهو قولُ كَافَّةِ العُلماءِ، وقال ابنُ المُنذِرِ (٣): لا أعلم أحَدًا أوجَبَ على مَن صَلى في ثَوبٍ واحِدِ الإِعَادَةَ، إذا كان سَاتِرًا للعَورَةِ. وقال القاضِي عِيَاضٌ، والنَّورِيُّ، وغَيرُهُما (٤): لا خِلافَ في جَوازِ الصَّلاةِ في الثَّوبِ الواحِدِ، إلا شَيءٌ رُوِيَ عن ابنِ مَسعُودٍ، قال النَّوِيُّ: ولا أعلم صِحَّتَهُ. قُلتُ: لهُ عنهُ أربَعُ طُرُقٍ، رَواهُ ابنُ أبي شَيبَةَ، والبَيهَقِيُّ(٥) من طَرِيقٍ أبي نَضرَةَ، عن أبي سَعِيدٍ، قال: اختَلِفَ أُبَيِّ وابنُ مَسعُودٍ في الصَّلاةِ في الثَّوبِ الواحِدِ، فَقال أُبَيِّ: ثَوبٌ، وقال ابنُ مَسعُودٍ: ثَوبانٍ. ورَواهُ عَبدُ الرَّزَّاقِ في ((مُصَنَّفِهِ) (٦) عن ابنِ عُيَينَةَ، عن عَمرٍو، عن الحَسَنِ، قال: اختَلِفَ أُبَيِّ وابنُ مَسعُودٍ؛ [فَذَكَرَهُ. وهو مُنقَطِعٌ، فإن الحَسَنَ [١٢١/١ و] لم يَسمَع من ابنِ مَسعُودٍ](٧). (١) ينظر: تفسير الكشاف (١٧١/١، ٣٨٠، ٤٣٦). (٢) قال في حاشية (م): ((كذا، والظاهر: أن يقدر المعطوف غير المعطوف عليه لا عينه؛ فيقال هنا مثلًا: أكلكم أغنياء، ولكلكم ثوبان؟)). (٣) الإشراف (٢٢٨/٢). (٤) إكمال المعلم (٤٣٠/٢)، ومسلم بشرح النووي (٢٣١/٤)، وشرح البخاري لابن بطال (٢٠/٢). (٥) ابن أبي شيبة (٢٧٧/١)، والبيهقي (٢٣٨/٢). (٦) مصنف عبد الرزاق (١٣٨٤). (٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). M. ١٦٤ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وفي ((معجم الطبراني الكبير))(١)؛ عن عَاصِمٍ، عن زِرِّ (٢)، عن عَبدِ الله، قال: يُصَلي الرَّجُلُ في ثَوبَينٍ. وفي ((مُصَنَّفِ ابْنِ أبي شَيبَةَ))(٣): من روايةٍ أبي فَزَارَةَ، عن أبي زَيدٍ، عن ابنِ مَسعُودٍ: قال: لا تُصَليَنَّ(٤) في ثَوبٍ، وإن كان أوسَعَ مِما بين السَّماءِ والأرضِ. وهذا إسنادٌ ضَعِيفٌ جِدًّا. وذَكَرَ ابنُ بطالٍ(٥): أنه رُوِيَ عن عُمَرَ، مِثلُ قول ابنِ مَسعُودٍ. قُلتُ: والصَّحِيحُ المَشهورُ عنهُ كَقول الجُمهورِ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ(٦) أيضًا عن مُجَاهِدٍ، أنه قال: لا تُصَل في ثَوبٍ واحِدٍ، إلا ألّا تَجِدَ غَيرَهُ. وقال التِّرمِذِيُّ في ((جَامِعِهِ))(٧) بَعدَ ذِكرِهِ أنَّ العَمَل على هذا الحَدِيثِ عند أكثَرِ أهل العِلمِ، من الصَّحَابَةِ وغَيرِهِم: وقال بَعضُ أهل العِلمِ يُصَلِي الرَّجُلُ فِي ثَوبَينِ. ■ الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَ الصَّلاةِ في الثَّوبِ الواحِدِ، سَواءٌ أكان(٨) سَاتِرًا لجَمِيعِ البَدَنِ، أم(٩) لِمِقْدَارِ العَورَةِ فَقَط، سَواءٌ أَوَضَعَ(١٠) بَعضَهُ على عَاتِقِهِ أم لا، وبه قال الشَّافِعِيُّ، ومالكٌ (٢٣٨/٢م)، وأبو حَنِيفَةَ، وأكثَرُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ. وذَهَبَت طَائِفَةٌ إلى أنه إذا لم يَكُن سَاتِرًا لجَمِيعِ البَدَنِ وجَبَ جَعلُ بَعضِهِ على عَاتِقِهِ، لحَدِيثِ أبي هريرةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يُصَلي أحَدُكُم في الثَّوبِ الواحِدِ، ليس على عَاتِقِهِ منهُ شَيءٌ)). رَواهُ الْبُخَارِيُّ، ومُسلمٌ (١١)، وفي لفظٍ للْبُخَارِيِّ(١٢): ((مَن صَلَى فِي ثَوبٍ واحِدٍ، فَليُخَالف بين طَرَفَيْهِ)). وبِهذا قال أحمَدُ، حَملًا للمُطلقِ في الروايةِ الأُولى على المُقَيَّدِ في هاتَينِ (١) المعجم الكبير (٣٠١/٩) (٩٥٠٦). (٣) ابن أبي شيبة (٢٧٩/١). شرح البخاري لابن بطال (١٨/٢). (٥) (٧) جامع الترمذي (١٦٦/٢). (٩) في الأصل: ((أو)). (١١) البخاري (٣٥٩)، ومسلم (٢٧٧/٥١٦) وعندهما: ((عاتقيه)). (١٢) البخاري (٣٦٠). (٢) في (م): ((ذرِ)). وهو تصحيف. (٤) في (ك): (يصلين)). (٦) ابن أبي شيبة (٢٧٩/١). (٨) في الأصل. (ح): ((كان)). (١٠) في (ح): ((وضع)). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٦٥ الرِّوايَتَينِ، وجَعَل النَّهيَ هُنا للتَّحرِيمِ، والأمرَ للوُجُوبِ، ثُمَّ المَشهورُ عن أحمدَ: أنه لو صَلى مَكثُوفَ العَاتِقِ، مع القُدَرَةِ على سُترَةٍ(١)، لم تَصِحَّ صَلاتُهُ، فَجَعَلُهُ شَرطًا، وقال في رِوايَةٍ أُخرَى(٢): إنه تَصِحُّ صَلاتُهُ، ولكن يَأْثَمُ به، وحَكَاهُ ابنُ المُنذِر(٣) عن أبي جَعفَرٍ، وحَكَاهُ ابنُ حَزمٍ(٤) عن مُحَمَّدِ ابنِ الحَنَفيةِ، وقال الخَطَّابِي(٥): كان بَعضُ العُلماءِ لا يُجِيزُ شَهادَةً(٤) مَن صَلى بِغَيرِ رِدَاءٍ. وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةَ))(٧) عن صَحابي: أنه كان إذا لم يَجِد رِدَاءً، وضَعَ على عَاتِقِهِ عِقَالًا، ثُمَّ صَلى. وعن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، قال: كَانُوا يَكرَهونَ إعرَاءَ المَناكِبِ في الصَّلاةِ. واختَارَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ تَخْذُ، من مُتَأخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ، وُجُوبَ ذلك، وحَكَاهُ عن نَصِ الشَّافِعِيِّ، لكن المَعْرُوفَ من مَذهَبه ومَذهَبِ الأكثَرِينَ: أنَّ ذلك على سَبِيل الاستحبابِ، لكنهُ استِحبابٌ مُتَأكّدٌ، بِحَيثُ يُكرَهُ تَركُهُ، وحَمَلُوا النَّهيَ في حَدِيثِ أبي هريرةَ على الكرَاهَةِ، والأمرَ على النَّدبِ، واستَدَلُّوا بِما في ((الصَّحِيحَينِ)»(٨)؛ عن جَابِرٍ ◌َُه؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قال لهُ: ((إذا كان واسِعًا فَخَالف بين طَرَفَيهِ، وإذا كان ضَيِّقًّا فاشدُدهُ على حَقوٍلَك)). قال الشَّافِعِيُّ(٩)، رَحِمَهُ الله تعالى: فاحتَمَل قولُ النَّبِيِّ وَّهِ: ((لا يُصَل أحَدُكُم في الثَّوبِ الواحِدِ، ليس على عَائِقِهِ منهُ شَيءٌ)). أن يَكُونَ اختِيَارًا، واحتَمَل أن يَكُونَ لا يُجزِئه غَيرُهُ، فَلما حَكَى جَابِرٌ ما وصَفتُ، وحَكَت مَيمُونَهُ ﴿ يَا، عن النَّبِيِّ وََّ: ((أنه كان يُصَلي في ثَوبٍ، بَعضُهُ عليه، وبَعضُهُ عَليها))(١٠). دَل ذلك على أنه وَّهُ صَلى فيما صَلى فيه، مُؤتَزِرًا (١١) به، لا يَستُرُهُ أَبَدًا إلا مُؤْتَزِرًا، إذا في (ك، م): ((السترة)). (١) (٢) في (ك): ((الرواية الأخرى)). (٤) المحلى (٧٢/٤). أعلام الحديث (٣٥٢/١). (٥) (٦) ليس في: (ح). مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٧/١). (٧) الأم (٢/ ٢٠٠). (٩) (٨) البخاري (٣٦٠)، ومسلم (٣٠١٠). (١٠) أخرجه الحميدي (٣١٣)، واللفظ له، والبخاري (٣٣٣)، ومسلم (٢٧٣/٥١٣) بنحوه. (١١) في (ح): ((متوزرًا)). (٣) الإشراف (٢٢٩/٢). ١٦ ١ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ كان بَعضُهُ على غَيرِهِ، فَعَلمنا أنَّ نَهيَهُ أن يُصَلَيَ في الثَّوبِ الواحِدِ ليس على عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيءٌ اختِيَارٌ، انتَهَى. وأخَذَ ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ(١) بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرِ هذا، وقال بالوُجُوبِ فيما إذا كان الثَّوبُ واسِعًا، فَحَمَل الأمرَ في حَدِيثٍ أبي هريرةَ على الوُجُوبِ، لكن حَمَلُهُ على ما إذا كان واسِعًا، وأجَازَ الصَّلاةَ في الثَّوبِ الضَّيِّقِ، من غَيرِ جَعل شيءٍ (٢٣٩/٢م) منهُ على عَاتِقِهِ، وإن كان معهُ غَيرُهُ، وسَبَقَهُ إلى ذلك ابنُ المُنذِرِ (٢). وبَوبَ ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِهِ))(٣): مَن كان يَقُولُ إذا كان ثَوبًا واحِدًا فَلَيَتَّزِر به. ورَوى فيه عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَله: أنه رَأى رَجُلًا يُصَلِي مُلتَحِفًا، فَقال: لا تَشَبَّهوا باليَهودِ، مَن لم يَجِد منكم إلا ثَوبًا واحدًا، فَلیَتَّزِر به. وعن ابنِ عُمَرَ بَّه [١٢١/١ظ]: لو لم أجِد إلا ثَوبًا واحِدًا، كُنت أَتَّزِرُ به، أحَبُّ إليَّ من أن أتَوشَّحَ به تَوشُّحَ اليَهودِ. وعن عبدِ الله بنِ واقِدٍ، قال: صَليت إلى جَنبٍ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، وأنا مُتَوشّحٌ، فأمَرَنِي بالإزرَةِ (٤). وعن جَابِرٍ: أنه صَلى في ثَوبٍ مُتَزِّرًا به. وعن أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ: أنه سُئِل عن الصَّلاةِ في الثَّوبِ؟ فَقال: يَتَّزِرُ به، كَما يَزِرُ الصِّرَاعِ. وعن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ: إذا لم يَكُن لَهُ إلا ثَوبٌ واحِدٌ أَتَّزَرَ به. وعن (°عَبدِ الله ٥) بنِ أبي مُليكَةَ: أنه صَلى في ثَوبٍ واحِدٍ، قد رَفَعَهُ إلى صَدرِهِ، وذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّي ◌َّهِ صَلى بالعَرجِ(٦) في ثَوبٍ واحِدٍ، رَفَعَهُ إلى صَدرِهِ. وظَاهِرُ كَلامِ هَؤُلاءِ مَنعُ وضعِهِ على العَاتِقِ؛ فَيَكُونُ في ذلك مَذاهِبُ: أحَدُها: الاستِحبابُ، والثَّانِي: الإِيجَابُ، والثَّالثُ: الاشتِرَاطُ، والرَّابِعُ: الإِنكَارُ، والخَامِسُ: الفَرقُ بين أن يَكُونَ واسِعًا أو ضَيِّقًا. (١) المحلى (٧١/٤). (٢) الإشراف (٢٢٨/٢ - ٢٢٩). (٣) مصنف ابن أبي شيبة (٣١٤/١، ٣١٥). (٤) في (ك): ((الأزر)). (٥ - ٥) ليس في: (ك). (٦) قرية جامعة، على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة. ينظر: مسلم بشرح النووي (١٥/١٥). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٦٧ وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ))(١) عن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، أنه قال: لا بأسَ إذا جَلسَ الرَّجُلُ في الصَّلاةِ، أن يَضَعَ رِدَاءَهُ عَلى (٢) عَائِقِهِ. وهذا يَقتَضِي الفَرقَ بين حالةٍ (٣) الجُلُوسِ، وغَيرِها من الأحوال، فَهو مَذْهَبٌ سَادِسٌ، واللهُ أعلمُ. الرَّابِعَةُ: واستُدِل به على أنَّ الصَّلاةَ في ثَوبَينِ أفضَلُ، لمَن قدرَ على ذلك؛ لأنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أَشَارَ إلى أنَّ المَعنَى في ذلك ضِيقُ الحال، وعَجزُ بَعضِ الناسِ عن ثَوبَينٍ، فَدَل على أنَّ الأكمَلِ ثَوبانٍ، ولهذا قال عُمَرُ بَُّبه: إذا وسَّعَ الله عَليكُم فأوسِعُوا(٤). ولا خِلافَ في ذلك، كَما صَرَّحَ به القاضِي عِيَاضٌ، وغَيرُهُ(٥)، ولكن عِبَارَةً ابنِ المُنذِرِ تَقتَضِي أنَّ ذلك مَقالةٌ، والأكْثَرُونَ على خِلافِها، فإنه بَعدَ أن حَكَى عن الأَئِمَّةِ جَوازَ الصَّلاةِ في الثَّوبِ الواحِدِ، قال(٦): وقد استَحَبَّ بَعضُهُم الصَّلاةَ في ثَوبَينٍ. ] الخَامِسَةُ: استُدِل به على وُجُوبِ الصَّلاةِ في النَِّابِ، لما دَل عليه من أنَّ جَوازَ الاقتِصَارِ على ثَوب (٧) واحِدٍ رُخصَةٌ لضِيقِ الحال؛ فَدَل على أنه لا يَجُوزُ تَركُ ذلك، والمُعتَبَرُ في ذلك الثَّوبِ: أن يَكُونَ سَاتِرًا للعَورَةِ، بِحَسَبٍ اختِلافِ العُلماءِ في العَورَةِ، وذلك أيضًا يَختَلفُ بالذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، وحُرِّيَّةِ المرأةِ ورِقِّها، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ (٢٤٠/٢م) السُّترَةِ في الصَّلاةِ كان دليلًا على أنه شَرطٌ فيها؛ لأنَّ الغَالبَ أنَّ ما (٨) وجَبَ في الصَّلاةِ كان شَرطًا فيها، وبِهذا قال الجُمهورُ(٩)، ولذلك أورَدَهُ والدِي ◌َُّ، في شُرُوطِ الصَّلاةِ. وعند المالكِيَّةِ أربَعَةُ أقوالٍ: الاشتِرَاطُ مُطلقًا، وهو المَشهورُ، والاشتِرَاطُ مع الذِّكرِ دُونَ النِّسَانِ، والوُجُوبُ خَاصَّةً، والاستِحبابُ، وقد تَقْدمَ إِيضَاحُ ذلك في الكلامِ على الحَدِيثِ الثَّانِي. ابن أبي شيبة (٣٣٣/٢). (١) (٣) في الأصل: ((حالتَي)). (٥) إكمال المعلم (٤٣٠/٢)، ومسلم بشرح النووي (٢٣١/٤). الإشراف (٢٢٨/٢). (٦) (٨) في الأصل: ((أنما)). (٢) في (ك، م): ((عن)). (٤) أخرجه البخاري (٣٦٥). (٧) ليس في: (ك). (٩) ليس في: (ك). ١٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وحَكَى القاضِي أبو بكرٍ ابنُ العَرَبِيِّ(١)، في كَونِ سَترِ العَورَةِ من فُرُوضٍٍ الصَّلاةِ أربَعَةَ أقوالٍ، بَعدَ أن صَدَّرَ كَلامَهُ بأنَّ سَترَ العَورَةِ فَرِضٌ إسلامِيٌّ، لا خِلافَ فيه بين الأُمَّةِ، ثم(٢) قال: واختَلفَ(٣) العُلماءُ، هَل هو من فُرُوضٍ الصَّلاةِ، على أربَعَةِ أقوالٍ: الأولُ: أنه (٤) يَجِبُ سَترُ جَمِيعِ الجَسَدِ، حَكَاهُ أبو الفَرَجِ. الثَّانِي: يَكُونُ مُتَّزِرَ وسَطِهِ، كَما فَعَل(٥) جَابِرٌ، قال (٦) ابنُ القاسِمِ: كَأنه غَطَى العَورَةَ، وحَماها، وسَتَرَ ما اتَّصَل بِها. الثَّالثُ: يُصَلِي مَستُورَ العَورَةِ خَاصَّةً، وبه قال الشَّافِعِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وأكثَرُ عُلماءِ الأمصَارِ. الرَّابِعُ: أنه لا يَجِبُ سَترَ عَورَةٍ، ولا (٧) غَيرِها، قال بَعضُ شُيُوخِنا: إذا كان في بَيْتِهِ ولا يَرَاهُ أحَدٌ، وحَكَاهُ القاضِي أبو مُحَمَّدٍ، وغَيرُهُ عن القاضِي إسماعيل، والأبهَرِيُّ، وابنُ بُكَير، وجَاءَ نَحوُهُ عن أشهَبَ؛ لأنه قال: مَن صَلى عُرِيَانًا أَعَادَ في الوقتِ. قال: والصَّحِيحُ وُجُوبُ سَترِ العَورَةِ في الصَّلاةِ، فإنها إذا وجَبَت خَارِجَ الصَّلاةِ، تَأْكَّدَت بالصَّلاةِ، انتهى. قال والدِي ◌َّتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): وفيه نَظَرٌ، فإنه ذَكَرَ أنَّ الأقوال الأربَعَةَ في أنَّ سَتَرَ العَورَةِ من فُرُوضِ الصَّلاةِ أم لا؟ ثُمَّ حَكَى القول [١٢٢/١و] الأول: أنه يَجِبُ سَترُ جَمِيع الجَسَدِ، ولا قائِل، فيما نَعلم، بأنَّ جَمِيعَ جَسَدِ الرَّجُل عَورَةٌ، فَكان حَقُّهُ أَنَ يَفرِضَ الخِلافَ فيما يَجِبُ سَترُهُ في الصَّلاةِ، لا بِقَيدِ كَونِهِ عَورَةً، على أنَّ الذي حَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستِذْكَارِ)) (٨) عن (١) عارضة الأحوذي (١٣٦/٢). (٢) من: (ك، ح). (٣) في (ك): ((واختلاف)). (٥) في الأصل: ((فعله)). ليست في: (ك). (٤) ليس في: (ح). (٦) في (ك، م): ((قاله)). (٧) (٨) الاستذكار (١٩٥/٢). وينظر: التمهيد (٣٧٦/٦). وأبو الفرج: عمر بن محمد المالكي البغدادي. تنظر ترجمته في: ترتيب المدارك (٢٢/٥). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ الحي ١٦٩ أبي الفَرَجِ: وُجُوبُ سَترِ العَورَةِ في الصَّلاةِ، لَا سَترُ جَمِيعِ البَدَنِ، انتهى. قُلتُ: وحَكَى القاضِي عِيَاضُ(١)؛ عن أبي الفَرَجِ وُجُوبَ سَترٍ جَمِيعِ الجَسَدِ في الصَّلاةِ، كَما حَكَاهُ ابنُ العَرَبِيِّ. ■ السَّادِسَة: المِشجَبُ بِكَسرِ المِيمِ، وإسكّانِ الشَّينِ المُعجَمَةِ، وفَتحِ الجِيمِ، وآخِرُهُ باءٌ مُوخَّدَةٌ: عِيدَانٌ تُضَمُّ رُؤُوسُها، ويُفَرَّجُ بين قوائِمِها، وتُوضَعُ عَليهاَ النِّيَابُ، وقد تُعَلقُ عَليها الأسقِيَةُ، لتَبرِيدِ الماءِ، وهو من تَشَاجَبَ الأمرُ: إذا اختلطَ، قالهُ في ((النِّهَايَةِ)(٢)، وذَكَرَ في ((المُحكَم)(٣): أنه خَشَباتٌ مُوثَقَةٌ مَنصُوبَةٌ، تُوضَعُ عَليها الثِيَابُ، وأنه يُقالُ لهُ أيضًا: شِجَابٌ، وجَمعُهُ: (٢/ ٢٤١م) شُجُبٌ، ثُمَّ قال: والشُّجُبُ(٤): الخَشبات الثَّلاثُ، التي يُعَلقُ عَليها الرَّاعِي دَلوهُ وسِقاءَهُ. وقال في ((الصِّحاح)) (٥): إنَّ(٦) المِشجَبَ الخَشَبَةُ التي تُلقَى (٧) عَليها الثِّيَابُ، وكذا قال في ((المشارق))(٨): مُودٌ تُرفَعُ عليه النِّيَابُ، قال: وهي الشِّجَابُ أيضًا. فاكتَفَيَا في صِدقِ اسمِهِ؛ بأن يَكُونَ خَشَبَةً واحِدَةً. وأرَادَ أبو هريرةَ رَبُهُ بِما أخبَرَ به عن نَفسِهِ، من أنه يُصَلي في الثَّوبِ الواحِدِ، وَثِيَابُهُ على المِشجَبِ، تَأْكِيدَ جَوازِ الصَّلاةِ في الثَّوبِ الواحِدِ، والتَّوسِعَةَ على مَن عندهُ تَشَدُّدٌ في ذلك، فإذا كان أبو هريرةَ، مع صُحبَتِهِ لِلنَّبِيِّ وَُّ وكَونِهِ قُدوةً في الدِّينِ، يَقتَصِرُ على الثَّوبِ الواحِدِ، مع تَمَكُّنِهِ من الزِّيَادَةِ عليه، لكونٍ ثِيَابِه مُتَيَسِّرَةً قَرِيبَةً، غَيْرَ بَعِيدَةٍ منهُ، ومع ذلك فَلا يُصَلي فيها، فَغَيرُهُ أولى بذلك، وكذا فَعَل جَابِرٌ رَُّه، وقال لما سُئِل عن ذلك: إنَّما صَنَعتُ ذلك، ليَرَانِي أحمَقُ مِثْلُك، وأيُّنا كان لهُ ثَوبانٍ على عَهدٍ رَسُول اللّهِ وَلِهِ؟(٩). وفي رِوايَةٍ: أحبَبتُ أن يَرَانِي الجُهالُ مِثْلُكُمْ(١٠) . إكمال المعلم (٤٣١/٢). (١) (٣) المحكم (٢٥١/٧). (٥) الصحاح (١٥٢/١). (٧) في (ح): ((یلقی)). البخاري (٣٥٢). (٩) (٢) النهاية (٤٤٥/٢). (٤) في (ح): ((الشجاب)). (٦) ليس في: (ك). (٨) مشارق الأنوار (٢٤٤/٢). (١٠) البخاري (٣٧٠). ١٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ السَّابِعَةُ: هذه الزِّيَادَةُ التي ذَكَرَها في الأصل عن روايةِ البُخَارِيِّ: أنَّ عُمَرَ قال، لما سُئِل عن ذلك: إذا وسَّعَ الله عَليكُم فأوسِعُوا. إلى آخِرِها، رَواها البُخَارِيُّ(١) من طَرِيقِ حَمادِ بنِ زَيدٍ، عن أيُّوبَ السِّخِيَانِيُّ، عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ. ورَواها ابنُ حِبانَ في ((صَحِيحِهِ))(٢) من(٣) طَرِيقِ إسماعِيل ابنِ عُليَّةَ، عن أيُّوبَ، فَرَفَعَها، ولفظُهُ: نادَى رَجُلٌ رَسُول اللهِ وَّهِ: أَيُصَلِي أَحَدُنا في الثَّوبِ الواحِدِ؟ قال: ((إذا وسَّعَ الله عَليكُم فأوسِعُوا على أنفُسِكُم)). فَذَكَرَهُ إلى آخِرِهِ. وعلى كُل حالٍ، فَفيه أنَّ الأفضَلِ الصَّلاةُ في ثَوبَينٍ، لمَن قدرَ على ذلك، ووسَّعَ الله عليه، وهو كذلك كَما تَقدمَ، وفَصَّل عُمَرُ رَُّهُ الأقسَامَ الدَّاخِلَةَ تَحتَ الصَّلاةِ في ثَوبَينٍ، وهي الصَّلاةُ في إزَارٍ، أو سَرَاوِيل، أو تُبانٍ، وذلك هو المُعتَمَدُ عليه في سَترِ العَورَةِ، ويَضُمُّ إليه إما رِدَاءً، أو قَمِيصًا، أو قَباءً، فَهذه تسعَةُ أقسَامِ، وهي الحاصِلةُ من ضَربٍ ثَلاثَةٍ في ثَلاثَةٍ. والتُّبانُ: بِضَمِّ التَّاءِ المُثَناةِ من فَوقٍ، وتَشدِيدِ الباءِ المُوحَّدَةِ، وآخِرُهُ نُونٌ، قال في ((الصِّحاحِ)) (٤): سَرَاوِيلُ صَغِيرَةٌ مِقدَارُ شِبٍ، يَستُرُ العَورَةَ المُغَلظَةَ فَقَط، يَكُونُ للملَّحِينَ. وكذا قال في ((النِّهايَةِ))(٥)، إلا أنه لم يَقُل: مِقدَارَ شِبٍ . وقال في ((المُحكَم))، و(المَشَارِقِ)) شَبَهُ السَّرَاوِيل، زَادَ في ((المَشَارِقِ)) قَصِيرُ السَّاقِ(٦)، فإن صَحَّ (٢٤٢/٢م) ما ذَكَرَهُ في (٧) ((الصِّحاحِ)) من أنه مِقْدَارُ شِبرٍ، فَهو لا يَستُرُ العَورَةَ بِكَمالها، فَلا يُمكِنُ الاقتِصَارُ عليه مع الرِّدَاءِ؛ لأنَّ الرِّدَاءَ إنَّما يَسْتُرُ أَعَاليَ الْبَدَنِ، وإنَّما يُؤْتَى به مع قَمِيصٍ، أو قَباءٍ. وهذا مُقتَضَى قول ((النِّهايَةِ)): أنه يَستُرُ العَورَةَ المُغَلظَةَ فَقَطْ، وإن لم يُقَيِّدهُ (١) أخرجه البخاري (٣٦٥). (٢) ابن حبان (١٧١٤). (٣) في (م): ((عن)). (٤) الصحاح (٢٠٨٦/٥). النهاية في غريب الحديث (١/ ١٨١). (٥) (٦) المحكم (٣٠٩/٦)، (٥٠٣/٩)، ومشارق الأنوار (١١٨/١). (٧) في (م): ((من)). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٧١ بِكَونِهِ قدرَ شِبٍ؛ لأنَّ العَورَةَ المُغَلظَةَ هي السَّوْتَانِ خَاصَّةً، وليس في كَلامِ صَاحِبَي(١) ((المُحكَم))، و((المَشَارِقٍ)) ما يَقتَضِي ذلك، وإن كان مُحتَمِلًا لهُ، ولهذا شَكَّ الرَّاوِي في جَمع التُّبانِ مع الرِّدَاءِ، فَقال: وأحسِبُهُ [١٢٢/١ظ] قال: في تُبانٍ ورِدَاءٍ . وقد عَرَفت أنه لا يُمكِنُ الاقتِصَارُ على التُّبانِ مع الرِّدَاءِ، إن كان التُّبَانُ لا يَسْتُرُ جَمِيعَ العَورَةِ. وأما القَباءُ: فَهو بِفَتحِ القافِ مَمْدُودٌ، ذَكَرَ في ((المَشَارِقِ): أنه ثَوبٌ ضَيِّقٌ من ثِيَابِ العَجَم، قال: وهو من قَبَوتَ: إذا ضَمَمتَ. وكذا ذَكَرَ في ((المُحكَمِ)): أنه مُستَقٌّ من الانضِمامِ، لاجتماعِ أطرَافِهِ. الحديث الخامس وعنه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَله: ((التَّسبِيحُ للرِّجَال، والتَّصفيقُ للنِّسَاءِ، في الصَّلاةِ)(٢)، لم يَقُلِ الْبُخَارِيُّ: ((في الصَّلاةِ)). فیه فَوائِدُ: ■ الأولى: فيه أنه إذا نابَ المُصَلي في صَلاتِهِ ما يَقتَضِي إعلامَ غَيرِهِ بشيءٍ؛ من تَنِيهِ إمامِهِ على خَللِ يُرِيدُ فِعلهُ في الصَّلاةِ، أو رُؤْيَةِ أعمَى يَقَعُ في بِئْرٍ، أو استئذانِ دَاخِلٍ، أو كَونِ المُصَلي يُرِيدُ إعلامَ غَيرِهِ بأمرٍ، أنه يَنبَغِي لهُ أن يُسَبِّحَ، بأن يَقُول: سُبحانَ الله. لإفهامِ ما يُرِيدُ التَّنِيهَ عليه، ويَدُلُّ لذلك قولُهُ في روايةِ المُصَنِّفِ، ومسلمٍ: ((في الصَّلاةِ)). وهذه الزِّيَادَةُ عند مسلم (٣) من طَرِيقِ مَعمٍَ، عن هَمامٍ، عن أبي هريرةَ، (١) في الأصل. (ح): ((صاحب)). (٢) البخاري (١٢٠٣)، ومسلم (١٠٦/٤٢٢). (٣) مسلم (٤٢٢). ١٧٢ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وهي عند النسائيّ(١)، من هذا الوجهِ، من طَرِيقٍ سَعِيدٍ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ. وفي رِوايَةٍ للبَيهَقِيِّ(٢)؛ من طَرِيقِ (٢٤٣/٢م) أبي صَالحِ، عن أبي هريرةً: ((إذا استُؤْذِنَ على الرَّجُل وهو يُصَلِي، فإذتُّهُ التَّسبِيحُ، وإذا استُؤْذِنَ على المرأةِ، وهي تُصَلي، فإذنُها التَّصفيقُ)). وقال في ((الخِلافياتِ))(٣): رُواةُ هذا الحَدِيثِ عن آخِرِهِم ثِقاتٌ. وفي ((الصَّحِيحَينِ)) (٤)؛ من حَدِيثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ: ((مَن نابَهُ شَيءٌ فِي صَلاِهِ فَليُسَبِّح، فإنه إذا سَبَّحَ التُّفِتَ إليه، وإنَّما التَّصفيقُ للنِّسَاءِ)). وبِهذا قال مالكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وإسحاقُ، وأبو يُوسُفَ، والأوزَاعِيُّ، وأبو ثَورٍ، وجُمهورُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ(٥). وقال أبو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ: مَتى أتَى بالذِّكرِ جَوابًا بطلت صَلاتُهُ، وإن قَصَدَ به الإعلامَ، بأنه في الصَّلاةِ، لم تَبطُل. فَحَمَلا التَّسِيحَ المَذكُورَ في هذا الحَدِيثِ على ما إذا كان القَصدُ به الإعلامَ بأنه في الصَّلاةِ، وهُما مُحتَاجَانِ لدَلیلٍ على ذلك، وكذلك حَمَلا قولَهُ في حَدِيثٍ سَهلٍ: ((مَن نابَهُ شَيٌ فِي صَلاتِهِ)). على نائِبٍ مَخصُوصٍ، وهو إرَادَةُ الإعلامِ بأنه في الصَّلاةِ. والأصلُ: عَدَمُ هذا التَّخصِيصِ لأنه عَامٌّ، لكَونِهِ نَكِرَةً في سِيَاقِ الشَّرطِ، فَيَتَناولُ النائِبَ الذي يُحتَاجُ معهُ إلى الجَوابِ، والنائِبَ الذي يُحتَاجُ معهُ إلى الإعلامِ، بأنه في الصَّلاةِ، فالحَملُ على أحَدِهِما من غَيرٍ (٦) دَليلٍ، لا يُمكِنُ المَصِيرُ إليه، كيف؟ والواقِعَةُ التي هي سَبَبُ الحَدِيثِ، لم يَكُنِ القَصدُ فيها (١) النسائي في الكبرى (١١٣١) من طريق سعيد، وأبي سلمة معًا. (٢) السنن الكبرى (٢٤٧/٢). (٣) مختصر الخلافيات لابن فرح الإشبيلي (١٥١/٢)، تحقيق: د.ذياب عبد الكريم. ط. دار الرشد. (٤) البخاري (١٢١٩)، مسلم (١٠٢/٤٢١). (٥) ينظر: الإشراف (٤٩/٢). (٦) في الأصل: ((بغير). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٧٣ = = الإعلامَ بأنه في الصَّلاةِ، وإنَّما كان القَصدُ تَنبِيهَ الصِّدِّيقِ ظ ◌ُهُ على حُضُورٍ النَّبِّ وَّةِ، فأرشَدَهُم النَّبِيُّ ◌َه إلى أنه كان حَقُّهُم عند هذا النائِبِ التَّسِيحَ، وكذا عند كُل نائِبٍ، وقد اتَّفَقُوا على أنَّ السَّبَبَ لا يَجُوزُ إخرَاجُهُ. ومن هُنا رَدَّ أصحابُنا على الحَنَفيةِ في قولهِم: إنَّ الأمَةَ لا تَكُونُ فِرَاشًا، بأنَّ(١) قولهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((الولدُ الفِرَاشِ)»(٢). إنَّما ورَدَ في أمَةٍ، والسَّبَبُ لا يَجُوزُ إخرَاجُهُ بِلا خِلافٍ(٣)، وعن أحمدَ (٤) رِوايَةٌ مِثل قول أبي حَنِيفَةَ. ■ الثَّانِيَةُ: وفيه أنه إذا نابَ المرأةَ مِثلُ ذلك في الصَّلاةِ، يَنبَغِي لها أن تُصَفِّقَ، وبِهذا قال؛ الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والجُمهورُ، وسَوّى مالكٌ في ذلك بين الرَّجُل والمرأةِ، وقال: إنَّ المَشرُوعَ في حَقِّها التَّسبِيحُ كَالرَّجُل، وضَعَّفَ أمرَ التَّصفيقِ للنِّسَاءِ. وحَكَى أبو العَباسِ القُرطُبِيُّ (٥) عن مَشهورٍ قول مالكٍ(٦)؛ أنه لا يَجُوزُ أن يَفْعَلهُ في الصَّلاةِ لا الرِّجَالُ، ولا النِّسَاءُ. وحَكَى القاضِي عِيَاضٌ(٧) عن أبي حَنِيفَةً؛ أنه رَأَى فَسَادَ صَلاةِ المرأةِ إذا صَفَّقَت في صَلاتِها، قال: وخَطَّأ أصحابُهُ هذا القول، وقال الأبهَرِيُّ من المالكِيَّةِ: إن صَفَّقَت المرأةُ، لم تَبطُل صَلاتُها، غَيرَ أنَّ المُختَارَ (٢٤٤/٢م) التَّسبِيحُ. وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (٨) في تَوجِيهِ قول [١٢٣/١و] مالكٍ، أنه أخَذَ بِظَاهِرِ قولِهِ في حَدِيثِ سَهل بنِ سَعدِ: ((مَن نابَهُ شَيٌ في صَلاتِهِ فَلْيُسَبِّح))(٩). قال: وهذا على عُمُومِهِ في الرِّجَال والنِّسَاءِ، وتَأولُوا قولهُ: ((وإنَّما التَّصفيقُ للِّسَاءِ)). (١) في (ح): («لأن)). يأتي تخريجه في كتاب الطلاق، باب لحاق النسب، الحديث الأول. (٢) (٣) ينظر: المستصفى (١٣٢/٢)، والإحكام (٢٦٠/٢)، والبحر المحيط (٣٥٩/٢). (٤) ليس في: الأصل. (٥) المفهم (٥٦/٢). (٦) بعدها في (ك): ((في)). (٨) التمهيد (١٠٦/٢١)، والاستذكار (٢٤٧/٢). (٩) البخاري (١٢١٧)، ومسلم (١٠٢/٤٢١). (٧) إكمال المعلم (٣٣٣/٢). ١٧٤ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ على أنَّ التَّصفيقَ من أفعَال النِّسَاءِ، على جِهَةِ الذَّمِّ لذلك، انتَهَى. وهذا التَّأوِيلُ مَرُدُودٌ، وهو وإن(١) كان مُحتَمَلًا في لفظِ هذه الروايةِ، فإنه تَعَذَّرَ فِي رِوايَةٍ أُخرَى: رَواها البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِه)(٢)، لفظُها: ((إذا نابَكُم شَيءُ في الصَّلاةِ فَلَيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، ولْيُصَفِّح(٣) النِّسَاءُ)). وعن مالكٍ رِوايَةٌ مُوافِقَةٌ للجُمهورِ، وجَزَمَ بِها عنهُ(٤) ابنُ المُنذِرِ(٥)، فَقال، بَعدَ ذِكرِ حَدِيثِ: ((التَّسبِيحِ للرِّجَال، والتَّصفيقِ للنِّسَاء). قال بِظَاهِرِ هذا الخَبَرِ؛ مالكٌ، انتھی. واختَارَ جَماعَةٌ من المالكِيَّةِ مُوافَقَةَ الجُمهورِ في ذلك، فَقال القاضِي أبو بكرٍ ابنُ العَرَبِيِّ(٦)، بَعدَ نَقلهِ مَشهورَ مَذهَبِ مالكٍ في ذلك: وليس بِصَحِيحٍ. وقال أبو العَباسِ القُرطُبِيُّ(٧)، بَعدَ ذِكرِهِ مَذهَبَ الجُمهورِ في ذلك: وهذا القولُ هو الصَّحِيحُ خَبَرًا ونَظَرًا. وقال ابنُ حَزم(٨): رُؤُّينا عن أبي هريرةَ، وأبي سَعِيدِ الخُدرِيٌّ(٩): أنهما قالا: التَّسِيحُ للرِّجَال، والتَّصفيقُ للِّسَاءِ. ولا يُعرَفُ لهُما من الصَّحَابَةِ بِنَّهِ، مُخَالفٌ. قُلتُ: قد رُوِيَ ذلك أيضًا عن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله، رَواهُ عنهُ ابنُ أبي شَيبَةً في ((مُصَنَّفِهِ) (١٠). وقال القاضِي عِيَاضُ: قِيل: كان الرِّجَالُ والنِّسَاءُ يُصَفِّقُونَ في الصَّلاةِ والطّوافِ، فأنزل اللهِ وَالَ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إلَّا مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٥]؛ أي: صَفيرًا وتَصفيقًا، فَنُهوا عن ذلك: رِجَالًا ونِسَاءً(١١)، ثُمَّ أعْلَم (١) في الأصل، (م): ((كان)). (٢) البخاري (٧١٩٠). (٣) في الأصل: ((وليصفق)). وفي (ك): ((ولتصفق)). (٤) ليس في: (ك). (٥) الإشراف (٤٩/٢). عارضة الأحوذي (١٦٤/٢). (٦) (٧) المفهم (٥٦/٢). (٨) ينظر: المحلى (٧٧/٣). (١٠) المصنف (٣٤١/٢). (٩) ليس في: (ك). (١١) ينظر: تفسير الطبري (٥٢١/١٣)، تفسير البغوي (٣٥٥/٣). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٧٥ أنه من عَادَةِ النِّسَاءِ في خَاصَّتِهِنَّ ولهوِهِنَّ، لا أنه إباحَةٌ لهُنَّ وسُنَّةٌ، فيما يَعتَرِبِهِنَّ في صَلاتِهِنَّ، انتَهَی. وقال والدِي ◌َخُّْهُ: ليس في سَبَبِ نُزُول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ﴾ الآيَةَ، أنه نَهَى النِّسَاءَ عن ذلك، لا في حالةِ الصَّلاةِ ولا غَيرِها، وإنَّما ذَكَرَ غَيرُ واحِدٍ من المُفَسِّرِينَ أنهم كَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ نَّهِ بذلك(١) في الصَّلاةِ والطَّوافِ، ليُشَوِّشُوا عليه، فَنَزَلت الآيَةُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أمَرَهُم بالمَدِينَةِ أن يُصَفِّقَ(٢) النِّسَاءُ لما نابَهُنَّ، والله تعالى أعلم. ■ الثَّالثَةُ: وأما الخُنثَى المُشكِلُ، إذا نابَهُ في صَلاتِهِ ما يُحوِجُه إلى الإعلام، فَهَل المَشرُوعُ (٣) (٤في حَقِّه٤ِ) التَّسبِيحُ، أو التَّصفيقُ؟ مُقْتَضَى المَفهومِ في(٥) حَدِيثِ أبي هريرةَ فيه مُتَدَافِعٌ؛ لأنا إن أخَذنا بِقولهِ: ((التَّسبِيحُ للرِّجَال)). وقُلنا: مُقتَضَاهُ تَصفيقُ الخُنثَى، عَارَضَنا قولُهُ: ((التَّصفيقُ للِّسَاءِ)). وقِيل: مُقْتَضَاهُ تَسِيحُ الخُشَى. وظَاهِرُ(٦) حَدِيثٍ سَهل (٢٤٥/٢م) بنِ سَعدٍ: أنه يُسَبِّحُ، لدُخُولِهِ في عُمُومٍ قولهِ: (مَن نابَهُ شَيءٌ في صَلاتِهِ فَلَيُسَبِّح)). ثُمَّ أخرَجَ من ذلك النِّسَاءَ خَاصَّةً، ◌ِقولهِ: ((وإنَّما التَّصفيقُ للنِّسَاءِ)). وقد ذَكَرَ القاضِي(٧) أبو الفُتُوحِ ابنُ أبي عَقَامَةَ(٨)، بِفَتحِ العَينِ المُهمَلةِ وبالقافِ، من أصحابِنا، في كِتَابه: ((أحكَامِ الخَنانَى)). أنَّ المَشرُوعَ في حَقِّهِ (٩) التَّصفيقُ. (١) ليس في: (ح). في (ك): ((المسوغ)). (٣) (٥) في (ك): ((من)). (٧) لیس في: (ح). (٦) في (م): ((فظاهر)). (٨) (٢) في (ك، ح): ((تصفق)). (٤ - ٤) ليس في: الأصل. هو: عبد الله بن محمد بن علي بن أبي عَقَامة، التغلبي الربعي البغدادي، ثم اليمني، كان من جلة فضلاء الشافعية، له مصنفات حسنة، من أغربها وأنفسها: كتاب ((الخنائي)). مجلد لطيف فيه نفائس حسنة، ولم يسبق إلى تصنيف مثله، توفي في حدود سنة (٦٥٠هـ). تهذيب الأسماء واللغات (٥٠٤/٢)، وطبقات الشافعية الكبرى (١٣١/٧)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣٠٤/١). (٩) ليس في: الأصل. ١٧٦ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقال شَيخُنا الإمامُ جَمالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإسنَوِيُّ في ((المُهِماتِ)): إنه القِيَاسُ لاحتمال أن يَكُونَ امَرَأةً، فَلا تَأْتِي بالتَّسبِيحِ جَهْرًا . ■ الرَّابِعَةُ: كَونُ المَشْرُوعِ للرِّجَالِ النَّسبِيحُ، وللنِّسَاءِ التَّصفيقُ، هو على (١) سَبِيل (٢ الإيجَابِ، أو٢) الاستِحبابِ، أو الإباحَةِ؟ الذي ذَكَرَهُ أصحابُنا، ومنهُم الرَّافِعِيُّ، والنَّووِيُّ(٣): أنه سُنَّةٌ، وحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عن الأصحابِ، وحَكَى والدِي في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ))، عن شَيخِهِ الإمامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبكِيِّ أنهما إنَّما يَكُونانِ(٤) سُنَّتَينٍ، إذا كان التَّنِيهُ قُربَةً، فإن كانَ مُباحًا، كَانا مُباحَينٍ، قالهُ الشَّيخُ أبو حامِدٍ، وغَيرُهُ(٥) . قال السُّبكِيُّ: وقِيَاسُ ذلك إذا كان التَّنبِيهُ واجِبًا؛ كَإنذارِ الأعمَى من(٦) الوُقُوعِ في بِئرٍ، أن يَكُونا واجِبَينٍ، إذا تَعَيَّنا طَرِيقًا، وحَصَلِ المَقصُودُ بهما، انتَھَی. وقال ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))(٧): وإذا سَها الإمامُ فأتَى [١٢٣/١ظ] بِفِعلٍ في غَيرِ مَوضِعِهِ، لزِمَ المأمُومِينَ تَنْبِيهُهُ، فإن كَانُوا رِجَالًا سَبَّحُوا، وإن كَانُوا نِسَاءً صَفَّقنَ، انتهى. وهو (٨) مُوافِقٌ لما ذَكَرَهُ السُّبكِيُّ من الوُجُوبِ، إلا أنه في صُورَةٍ غَيرِ الصُّورَةِ التي ذَكَرَها السُّبكِيُّ. ويُوافِقُ ما ذَكَرَهُ الشَّيخُ أبو حامِدٍ من الإباحَةِ، ما رَواهُ ابنُ ماجَه في (سُنَّنِهِ) (٩)؛ عن ابنِ عُمَرَ ضًِّا، أنه قال: ((رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ؛ لِلنِّسَاءِ في التَّصفيقِ، وللرِّجَال في التَّسبِيحِ)). وفي ((العِلل)) لابن أبي حاتم (١٠): قال أبي: هذا حَدِيثٌ مُنكَرٌ بِهذا الإسنادِ. (١) ليس في: (ح). (٣) الشرح الكبير (١١٤/٤)، ومسلم بشرح النووي (١٤٥/٤). (٤) في (ك): ((یکونا)). ليس في: الأصل. (٦) (٨) في (ح): ((وهذا)). (١٠) علل ابن أبي حاتم (١٦٨/١). (٢ - ٢) ليس في: (ك). (٥) ينظر: المجموع (١٣/٤). (٧) المغني (٤١٠/٢). (٩) ابن ماجه (٣٣٠/١). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٧٧ والثَّعِيرُ بالرُّخصَةِ يَقْتَضِي الاقتِصَارَ فيه على الإباحَةِ، إن جَرَينا على مَدُلُول الرُّخصَةِ اللُّغَوِيِّ؛ فأما إذا فَسَّرنا الرُّخصَةَ بِما ذَكَرَهُ غَيرٌ واحِدٍ من أهل الأُصُول(١): أنَّها الحُكمُ الثَّابِتُ على خِلافِ الدَّليل لعُذرٍ. فَلا تَدُلُّ (٢) على الإباحَةِ؛ لأنَّ الرُّخصَةَ باصطلاحِهِم، قد تَكُونُ واجِبَةً، وقد تَكُونُ مَندُوبَةً. والحَقُّ: انقِسَامُ التَّنِيهِ (٣) في حالةِ الصَّلاةِ إلى ما هو واجِبٌ، وإلى ما هو مَندُوبٌ، وإلى ما هو مُباحٌ، بِحَسَبِ ما يَقتَضِيهِ الحالُ، وأما(٤) تَعبِيرُ الرَّافِعِيِّ وغَيرِهِ: بالسُّنَّة(٥)؛ فإنما عَبَّرُوا بذلك لأجل التَّرِيقِ والتَّفْصِيل في ذلك بين الرَّجُل والمرأةِ؛ فَيَكُونُ تَنِيهُ الرَّجُلِ(٦) بالتَّسِيحِ، وتَنِيهُ المرأةِ(٧) بالتَّصفيقِ هو السُّنَّةُ. وأما أصلُ التَّنبِيهِ: فَقد يَكُونُ واجِبًا، وقد (٢/ ٢٤٦م) يَكُونُ مَندُوبًا، وقد يَكُونُ مُباحًا، بَل قد يَكُونُ مَكَرُوهًا أيضًا، وقد يَكُونُ حَرَامًا، بِحَسَبِ المُنَبَّهِ عليه، فَهُما مَسألتَانٍ؛ إحدَاهُما: حُكُمُ التَّنبِيهِ، وهو مَعرُوفٌ من حُكم المُنَبَّهِ عليه (٨)، ومُنْقَسِمٌ إلى الأحكامِ(٩) الخَمسَةِ، الثَّانِيَةُ: الكيفيةُ التي يَحصُلُ بِهَا الَّنِيهُ، وهذه الثَّانِيَةُ هي التي تَكَلَمْ عَليها(١٠) الأصحابُ، وقالُوا: إنَّ السُّنَّةَ في حَقِّ الرَّجُل التَّسِيحُ، وفي حَقِّ المرأةِ التَّصفيقَ، واللهُ أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: لو خَالفَ الرَّجُلُ المَشرُوعَ في حَقِّهِ (١١)، وصَفَّقَ في صَلاتِهِ لأمرٍ يَنُوبُهُ، لم تَبطُل صَلاتُهُ؛ لأنَّ الصَّحَابَةَ ﴿ه، صَفَّقُوا في الصَّلاةِ، في قَضِيَّةِ إمامَةِ الصِّدِّيقِ رَظُه ولم يَأْمُرُهُم النَّبِيُّ وَ بالإعَادَةِ(١٢) . وقال والدِي تَظْتُهُ، في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): فيه خِلافٌ لأصحابِنا، والأصَحُ (١) ينظر: الإحكام للآمدي (١٧٦/١)، والبحر المحيط (٢٦١/١). (٣) ليس في: الأصل. (٢) في (ح، م): ((یدل)). (٤) في (ح): ((وإنما)). (٦) بعدها في: الأصل. (م): (يكون)). (٨) ليس في: (ك). (١٠) في (م): ((عنها)). (١٢) البخاري (١٢٠١)، ومسلم (١٠٤). (٥) في (م): ((بالتنبيه)). (٧) بعدها في: الأصل. (م): ((يكون)). (٩) في (ح): ((الأقسام)). (١١) ليس في: (ح). ١٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ أنه لا تَبطُلُ، قال والدِي: هَكذا أطلقَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ تَصحِيحَهُ، ويَنبَغِي أن يُقَّدَ ذلك بالقَليل، أما إذا فَعَل ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ مُتَوالِيَاتٍ، فَتَبطُلُ؛ لأنه ليس مأذُونًا لهُ فيه (١)، فإن قِيل: فَفي حَدِيثِ سَهلٍ: ((ما لكُم أكثَرتُم التَّصفيقَ)). ولم يَأمُرُهُم بالإعَادَةِ، مع كَثْرَةِ التَّصفيقِ؟ فالجوابُ: عنهُ من وجھینِ : أحَدُهُما: أنهم لم يَكُونُوا يَعلمونَ(٢) امتِناعَ ذلك، وقد لا يَكُونُ كان چِينَئِذٍ مُمْتَنِعًا، وإنَّما عُرِفَ امْتِناعُهُ بِهِذا الحَدِيثِ. والثَّانِي: أن يَكُونَ المُرَادُ بإكثَارِ التَّصفيقِ، من مَجمُوعِهِم لا من كُل واحِدٍ، فَلا يَضُرُّ ذلك إذا لم يَكُن كُلُّ واحِدٍ أكثَرَ منهُ، وحَكَى الفِركَاحُ(٣) في ((التَّعليقَةِ))، وابنُ الرِّفعَةِ في ((الكِفايَةِ)) وجهًا (٤): أنه إن فَعَل ذلك عَمدًا، بطلت صَلاتُهُ، وإن فَعَلُهُ سَهوًا وطَال، سَجَدَ للسَّهوِ، انتهى. ومَحَلُّ هذا الخِلافِ، إذا لم يَكُن تَصفيقُهُ، على وجهِ اللهوِ واللعِبِ، فإن فَعَلُهُ على وجهِ اللعِبِ، بطلت صَلاتُهُ قَطعًا، وسَيَأْتِي ذلك في حَقِّ المرأةِ، فالرَّجُلُ أولی بذلك. وقال ابنُ حَزم الّاهِرِيُّ(٥): لا يَحِلُّ للرَّجُلِ أن يُصَفِّقَ بِيَدَيهِ فِي صَلاتِهِ، فإن فَعَل، وهو عَالمٌ بالثَّهيٍ، بطلت صَلاتُهُ، انتهى. والقولُ بِهذا على إطلاقِهِ مَردُودٌ، وليس في الحَدِيثِ نَهِيُ الرَّجُل(٦) عن التَّصفيقِ في الصَّلاةِ، وإنَّما فيه استِفهامُهُم عن إكثَارٍ (٧) التَّصفيقِ، على جِهَةِ الإنكَارِ لذلك، لكَونِ المَشرُوعِ للرِّجَال خِلافَهُ، وهو التَّسبِيحُ [١٢٤/١ و]، فكيف (٨) (١) ليس في: (ك). (٢) في (ك): ((يعلموا)). (٣) هو: برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الفزاري الشافعي، المتوفى سنة (٧٢٩هـ)، له: التعليقة الكبرى في فروع الشافعية. طبقات الشافعية الكبرى (٣١١/٩). (٤) ليس في: الأصل. (٦) في (ح): ((الرجال)). (٨) في (ك): ((فكون)). (٥) المحلى (٤/ ٧٧). (٧) في الأصل: ((كثرة)). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٧٩ يَهجُمُ (١) ابنُ حَزمٍ على القول بِوُرُودِ النَّهي عنهُ، وكيف يَصِحُ القولُ بِبُطلانِ الصَّلاةِ مُطلقًا، مع كَونِهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لم يَأمُرُهُم بالإعَادَةِ؟ فإن كان يَدَّعِي أنه كان (٢) مُباحًا، ثُمَّ صَارَ حَرَامًا بِهِذا الحَدِيثِ، فَليس في الحَدِيثِ (٢٤٧/٢م) تَحرِيمُهُ(٣)، وليس في الحَدِيثِ التَّصرِيحُ بِتَغير (٤) حُكمِهِ(٥)، والأصلُ عَدَمُ النسخ(٦)، وغَايَةُ الأمرِ أن يَكُونَ أُولِئِكَ الصَّحَابَةُ ﴿ه لم يَكُونُوا في ذلك الوقتِ يَعلمونَ الحُكمَ في ذلك، فَبين عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لهُم (٧) الحُكمَ المَشرُوعَ فيه، وليس يَلزَمُ (٨) تَحرِيمُ ما عَدَاهُ، ولو كان حَرَامًا لبيَّنُهُ، واللهُ أعلمُ. السَّادِسَةُ: ولو خَالفَت المرأةُ المَشرُوعَ في حَقِّها، وسَبَّحَت في صَلاتِها لأمرٍ يَنُوبُها، لم تَبطُل صَلاتُها(٩) أيضًا، لكن إن أسَرَّت به بِحَيثُ لم يَسمَعها أحَدٌ، فَليس هذا تَنبِيهًا يَحصُلُ به المَقصُودُ، وإن جَهَرَت به بِحَيثُ أسمعت مَن تُرِيدُ إفهامَهُ، فالذي يَنبَغِي أن يُقال: إن كان امرَأةً أو مَحرَمًا فَلا كَرَاهَةَ، وإن كان رَجُلًا أجنَبِيًّا كُرِهَ ذلك، بَل يَحرُمُ، إذا قُلنا: إنَّ صَوتَها عَورَةٌ. وقال ابنُ حَزم(١٠): وأما المرأةُ، فإن سَبَّحَت، فَحَسَنٌّ، قال: وإنَّما جَازَ التَّسِيحُ للنِّسَاءِ؛ لأنهَ ذِكرُ اللهِ(١١) تعالى، والصَّلاةُ مَكَانٌ لِذِكرِ اللهِ تعالى، انتهى. وهو مَردُودٌ بِما قدمته، وقد تَولى والدِي ◌َُّهُ، رَدَّ ذلك في ((شَرِحٍ التِّرمِذِيِّ))، فَقال: وما قالهُ(١٢) من أنَّ تَسبِيحَها (١٣) حَسَنٌّ، ليس بِجَيِّدٍ؛ لأنَّ المُرَادَ(١٤) هُنا تَسِيحُها جَهرًا (١٥ للتَّنِيهِ، لا تَسِيحَها١٥) في نَفسِها سِرًّا؛ فإن ذلك (١) في (ح، ك): (تهجم)). في (ك): ((تحريم)). (٣) في (ك): ((حكم)). (٥) (٧) ليس في الأصل. (٨) في (ح): (يلزمهم)). (٩) ليس في: (ح). (١١) في (ح)، والمحلى: (الله)). (١٣) في الأصل: ((تسبيح النساء)). وبعده في الأصل بياض بمقدار كلمة. (١٤) في (ح): ((المرأة)). (٢) ليس في: (ك). (٤) في (م): ((بتغيير). (٦) في (ك، م): ((التسبيح)). (١٠) المحلى (٧٧/٤، ٧٨). (١٢) في الأصل: ((قال)). (١٥ - ١٥) في (ك): ((للتنبه، لا لتسبيحها)). = ١٨٠ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ حَسَنٌّ، فأما رَفعُها صَوتَها بالتَّسبِيحِ، لتَنِبِيهِ الإمامِ أو غَيرِهِ، فَليس بِحَسَنٍ . وقد صَرَّحَ أصحابُنا(١): بأنَّ الرَّجُل(٢) يُسَبِّحُ جَهرًا إذا نابَهُ شَيءٌ فِي صَلاتِهِ، إذ لا يَحصُلُ التَّنِيهُ بالتَّسبِيحِ سِرًّا، والمرأةُ لا تَرفَعُ صَوتَها بِما يُشرَعُ لها الإتيَانُ به من التَّبِيرِ ونَحوِهِ، فكيف تَرَفَعُ صَوتَها بِما لم يؤذَن لها فيه؟ انتهى. ويَنبَغِي حَملُ ذلك على ما إذا لم يَكُن المُنَبَّهُ مَحرَمًا أو امرأةً، كَما قدمته، وقد سَبَقَنِي إلى ذِكرٍ ذلك بحثًا(٣) شَيخُنا الإمام جَمالُ الدِّينِ الإسنَوِيُّ في ((المُهِماتِ))، فَقال: ولقائِلِ أن يَقُول: قد سَبَقَ أنَّ المرأةَ تَجهَرُ خَاليَةً، وبِحَضرَةِ النِّسَاءِ والمَحارِم، فَلَمَ لا أُجِيزُ لها، والحالةُ هذه، التَّسِيحَ؟ قال: فإن صَحَّ لنا في المرأةِ ذلك، لزِمَ مِثْلُهُ في الخُنثَى، انتهى. ولسنا نُرِيدُ بذلك، أنَّها في هذه الحالةِ، يَكُونُ(٤) المَشِرُوعُ لها التَّسبِيحَ، وإنَّما نَقُولُ: إنَّها لو نَبَّهَت بالَّسبِيحِ، لم يُكرَه، وإن(٥) كان المَشرُوعُ في حَقِّها والأفضَلُ لها التَّصفيقُ، وقد يُدَّعَى(٦) أنَّ الأفضَل في حَقِّها في هذه الحالةِ التَّسبِيحُ؛ لأنه أقرَبُ إلى أفعَال الصَّلاةِ، وهَيئَتِها من التَّصفيقِ، ويُحمَلُ الأمرُ بالتَّصفيقِ على الحالةِ الغَالبَةِ في ذلك الوقتِ، من صَلاتِهِنَّ مع الرِّجَال، وهي الحالةُ الكائِنَةُ وقتَ وُرُودِ هذا الحَدِيثِ الذي رَواهُ سَهلُ بنُ سَعدٍ ◌َُه (٢٤٨/٢م). لكن هذا بَعِيدٌ؛ لأنه تَخصِيصٌ من غَيرِ دَليلٍ، وظَاهِرُ قولهِ: ((والتَّصفيقُ للِّسَاءِ)). مَشرُوعِيَّتِهِ(٧) في كُل حالةٍ، واللهُ أعلمُ. السَّابِعَةُ: لو أتَى بِغَيرِ التَّسبِيحِ من الأذكَارِ، هَل يَقُومُ مَقامَهُ في ذلك، أم لا؟ ظَاهِرُ(٨) الحَدِيثِ أنه لا يَقُومُ غَيرُهُ مَقامَهُ في ذلك، لا سِيَّما، وقد قال في (١) ينظر: الحاوي (١٦٢/٢)، والشرح الكبير (١١٤/٤)، ومنهاج الطالبين للنووي (ص١٤). (٣) في (م): ((بحث)). (٢) في الأصل: ((الجهر)). (٤) في الأصل: ((لا يكون)). (٥) في (ك): ((ولو)). (٦) في (ك): ((تدعى)). (٨) في (ح): ((فإن)). (٧) في الأصل، (م): ((مشروعية)).