Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ = العَاشِرُ(١): أنَّ الصَّلَاةَ الوُسطَى: صَلَاتَانٍ، العِشَاءُ والصُّبحُ: حَكَاهُ ابنُ مِقْسَمٍ (٢) في ((تَفْسِيرِهِ»: عن أبي الدَّردَاءِ. الحَادِيَ(٣) عَشَرَ: أَنَّها(٤) صَلَاتَانِ، إحدَاهُمَا(٥): ثَابِتَةٌ بِالقُرآنِ وهِيَ الصُّبحُ، والأُخرَى: ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وهِيَ العَصرُ: ذَهَبَ إِلَيهِ أَبُو بَكرِ الأبهَرِيُّ(٦) المَالِكِيُّ [١٠١/١ظ]، وهُو أخَصُّ مِن القَولِ الَّذِي قَبلَهُ. الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهَا الجَمَاعَةُ في سَائِرِ الصَّلَواتِ: حَكَاهُ المَاوردِيُّ في (تَفْسِيرِ)(٧). الثَّالِثَ عَشَرَ: أنَّهَا صَلَاةُ الخَوفِ: قال الحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمَيَاطِيُّ، في كِتَابِهِ (كَشِفِ المُغَطَّى في تَبِيِينِ الصَّلَاةِ الوُسطَى)): حَكَاهُ لَنَا مَن يُوثَقُ بِهِ مِن أهلِ (٨) العِلم(٨). الرَّابعَ عَشَرَ: أَنَّهَا الوِتَرُ: ذَهَبَ إِلَيهِ: الإمَامُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ، كَمَا نَقَلَهُ الدِّمَيَاطِيُّ (٩). الخَامِسَ عَشَرَ: أنَّهَا صَلَاةُ عِيدِ الأضحَى. السَّادِسَ عَشَرَ: أنَّهَا صَلَاةُ عِيدِ الفِطرِ: قال الدِّميَاطِيُّ: حَكَاهُمَا لَنَا مَن وَقَفَ (٢) في (ك): ((هشيم)). (١) في (ك): ((العاشرة)). (٣) في (ك): ((الحادية)). (٤) في الأصل، (ح، م): ((أنهما)). والمثبت، أوجه من حيث العربية، حيث إن الضمير عائد إلى: الصلاة الوسطى. (٥) في (ك، ح): ((أحدهما)). (٦) في (ك): ((الأزهري)). وهو وهَم. فتح الباري (١٩٧/٨)، الزرقاني على الموطأ (٤٠٧/١). وهو شيخ المالكية: أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح التميمي المالكي، جمع وصنف في المذهب، سمع الباغندي والبغوي، وأثنى عليه الدارقطني من المحدثين، والشيرازي من الفقهاء، توفى في شوال سنة خمس وسبعين وثلاث مائة، ينظر: ترتيب المدارك (٤٦٦/٤)، الأنساب (١٢٥/١)، المنتظم (١٣١/٧)، السير (٣٣٦/١٦). (٧) المسمى: بالنكت والعيون (٣٠٩/١). (٨) كشف المغطى (ص١٤٤). (٩) كشف المغطى (ص١٤٦). ٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ عَلَيْهِمَا في بَعضِ الشُّرُوحِ المُطَوَلَةِ(١). السَّابِعَ عَشَرَ: أنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى: حَكَى الدِّميَاطِيُّ عن بَعضِ شُيُوخِهِ الفُضَلَاءِ: أنَّهُ قال: أظُنُِّي وقَفت عَلَيهِ، قال: ثُمَّ تَرَدَّدَ فيهِ(٢) . قال النَّوِيُّ بَعدَ حِكَايَتِهِ (٣) الأقوالَ الثَّمَانِيَةَ المَبدُوءَ بِهَا: والصَّحِيحُ مِن هَذِهِ الأقوالِ: قَولَانِ: العَصرُ، والصُّبحُ. وأصَحُّهُمَا: العَصرُ، لِلأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ(٤)، ومَن قال: هِيَ الصُّبحُ، يَتَأولُ الأحَادِيثَ عَلَى: أنَّ العَصرَ تُسَمَّى وُسطَى، ويَقُولُ: إنَّهَا غَيرُ الوُسطَى المَذْكُورَةِ في القُرآنِ، وهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، ومَن قال: إنَّهَا الصُّبحُ: يَحتَجُّ بِأنَّهَا تَأْتِي في وقتِ مَشَقَّةٍ، بِسَبَبٍ بَردِ الشِّتَاءِ، وطِيبِ النَّومِ في الصَّيفِ، والنُّعَاسِ، وفُتُورِ الأعضَاءِ، وغَفْلَةِ النَّاسِ، فَخُصَّت بِالمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، لِكَونِهَا مُعَرَّضَةً لِلضَّيَاعِ، بِخِلَافِ غَيرِهَا، ومَن قال: إنَّهَا العَصرُ: يَقُولُ: إِنَّهَا تَأْتِي في وقتِ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِمَعَابِشِهِم وأعمَالِهِم(٥). انتَھَی . · التَّاسِعَةُ: استُدلَّ بِهِ: عَلَى أنَّ الوِترَ لَيسَ بِواجِبٍ(٦)؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ واجِبًا: لَكَانَت الصَّلَواتُ سِتًّا، فَلَا تَكُونُ واحِدَةً مِنْهُنَّ وسَطًا، وهُو مَبنِيٌّ(٧) عَلَى (٢/ ١٧٦): أنَّ الوُسطَى هُنَا مِن العَدَدِ، وأَنَّهَا صَلَاةٌ واحِدَةٌ. العَاشِرَةُ: إِيرَادُ المُصَنِّفِ تَخَذَتُهُ لِهَذَا الحَدِيثِ في بَابِ المَواقِيتِ: استِطِرَادٌ، لَمَّا ذَكَرَ وقتَ العَصرِ ذَكَرَ (٨) فَضلَهَا، وكَذَا فَعَلَ غَيرُهُ مِن الفُقَهَاءِ، ويُمكِنُ أن يَكُونَ لَهُ مَدخَلٌ في المَواقِيتِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى فَضلِهَا: دَلَّ عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَيْهَا في وقتِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِأمرِ الوقتِ، واللهُ تعالى أعلَمُ. (١) كشف المغطى (ص ١٥٠، ١٤٩). (٢) كشف المغطى (ص ١٥٠). (٤) ليس في: (ك). (٥) (٣) في (ك، ح): ((حكاية)). شرح النووي (١٢٩/٥). وهو قول الأئمة الثلاثة، خلافًا لأبى حنيفة وأصحابه. ينظر: الأوسط لابن المنذر (٦) (١٦٧/٥)، بداية المجتهد (٨٩/١، ٢٠٤). (٧) في (ك): ((ينبئ)). (٨) في (ك): ((وذكر)). بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ ٦٣ = الحَادِيَةَ عَشَرَ: قَولُهُ فِي رِوايَةٍ مُسلِمٍ: ((ثُمَّ صَلََّهَا بَينَ(١) العِشَاءَينِ، المَغْرِبِ والعِشَاءِ»: دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ لَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرتِيبِ في قَضَاءِ الفَائِتَةِ، بَل لَهُ(٢) تَقدِيمُ الحَاضِرَةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي: أنَّهُ صَلَّى المَغرِبَ قَبلَ أن يُصَلَِّ العَصرَ، وبِهَذَا(٣) قال الشَّافِعِيُّ، فَلَم يُوجِب الثَّرتِيبَ، لَكِنَّهُ جَعَلَهُ الأفضَلَ، وذَهَبَ مَالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأحمَدُ إلَى: وُجُوبِ التَّرتِيبِ (٤). ويُعَارِضُ هَذَا الحَدِيثَ مَا في ((صَحِيحِ مُسلِم)): عن جَابِرٍ فِي هَذِهِ القِصَّةِ: (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ نَّهِ العَصرَ بَعدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمسَُ، ثُمَّ صَلَّى بَعدَهَا الْمَغْرِبَ)) (٥). وهَذَا صَرِيحٌ في مُرَاعَاةِ الثَّرتِيبِ، فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، ولَعَلَّهُ أَرَادَ في حَدِيثٍ عَلِيٍّ: بَيْنَ وقتَي العِشَاءَينِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ وقتَ المَغْرِبِ مُضَيَّقٌ، فَبَيْنَ وقتِهَا ووقتٍ العِشَاءِ حِينَئِذٍ زَمَنٌ صَلَّى فيهِ العَصرَ، لَكِن يَلزَمُ عَلَى هَذَا الجَوابِ: إخرَاجُ المَغرِبِ عن وقتِهَا، مَعَ القَولِ بِتَضييقِهِ(٦). والقَائِلُ بِوُجُوبِ التَّرتِيبِ: قَد يُجِيبُ عن حَدِيثٍ عَلِيٍّ: بِأنَّهَا واقِعَةُ عَينٍ مُحتَمَلَةٌ، فَمِن الجَائِزِ: أن يَكُونَ ضَاقَ وقتُ المَغرِبِ وخَشَى فَواتَهَا لَو اشْتَغَلَ بِالعَصرِ، فَاحتَاجَ لِتَركِ التَّرتِيبِ لِضِيقِ الوقتِ، وبَدَأْ بِالمَغْرِبِ، وهَذِهِ الصُّورَةُ: وهِيَ مَا إذَا ضَاقَ وقتُ الحَاضِرَةِ: وافَقَ الحَنَفيةُ، والحَنَابِلَةُ(٧): عَلَى سُقُوطٍ التَّرتِيبِ فيهَا، وفي رِوايَةٍ عن أحمَدَ (٨): وُجُوبُ التَّرتِيبِ مَعَ ضِيقِ الوقتِ أيضًا، وحُكِيَ ذَلِكَ عن بَعضِ السَّلَفِ، وهُو المَشُورُ مِن مَذهَبِ مَالِكِ، (١) لیس في (ح). (٣) في (ك): ((بهذا)). (٤) ينظر: بدائع الصنائع (١٣١/١)، الشرح الكبير للرافعي (٥٢٦/٣)، الدسوقي على الشرح (٢٦٣/١)، حاشية الروض المربع (٢٧٣/٢). (٥) مسلم (٢٠٩/٦٣١). (٧) ينظر: بدائع الصنائع (١٣٢/١)، الشرح الكبير لابن قدامة (٤٥٣/١). (٨) قال الزركشي في شرحه على الخرقي (٢٠٣/١): ((وقد أنكر القاضي هذه الرواية، وحكى عن أحمد: ما يدل على رجوعه عنها، وكذلك أبو حفص قال: إما أن يكون قولًا قديمًا، أو غلطًا)). وينظر: مسائل الإمام أحمد، لابنه عبد الله (ص٥٧)، لابنه صالح (٢٤٠/١)، لأبي داود (ص٤٩)، للمروزي (٤٤٦/٢). (٢) ليس في: (ك). (٦) من (م): ((بتضييقه)). = ٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقال ابنُ وهبٍ: يَبْدَأُ بِصَاحِبَةِ الوقتِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وقال أشهَبُ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا(١). والأحسَنُ في الجَمعِ بَينَ الحَدِيثَينِ: أنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ صَلَّى المَغرِبَ، أولًا، نَاسِيًا: أنَّهُ تَرَكَ العَصرَ، ثُمَّ تَذَكَّرَهَا بَعدَ فَرَاغِهِ مِن المَغرِبِ: فَصَلَّاهَا، ثُمَّ أَعَادَ صَلَاةَ المَغرِبِ، فَصَدَقَ أنَّهُ صَلَّى العَصرَ قَبلَ المَغرِبِ، وأَنَّهُ صَلَّى المَغرِبَ قَبلَ العَصرِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى المَغرِبَ مَرَّتَينٍ، وَيَدُلُّ لِهَذَا(٢): مَا رَواهُ الإمَامُ (٢/ ١٧٧) أحمَدُ في ((مُسنَدِ)): عن أبي [١٠٢/١و] جُمُعَةَ حَبِيبٍ بِنِ سِبَاعِ(٣)، وكَانَ قَد أدرَكَ النَّبِيَّي ◌َِّ، قال: ((إِنَّ النَّبِيَّ نَّهِ عَامَ الأحزَابِ: صَلَّى المَغْرِبَ، فَلَمَّا فَرَغَ قال: هَل عَلِمَ أحَدٌ مِنْكُم أنّي صَلَّيت العَصرَ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَلَّيْتِهَا! فَأَمَرَ المُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى العَصرَ، ثُمَّ أَعَادَ المَغرِبَ)) (٤). ورَوى أبُو يَعلَى المَوصِلِيُّ في (مُسنَدِ)(٥): عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ قال: ((مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَم يَذكُرْهَا إِلَّا وهُو مَعَ الإِمَامِ: فَلْيُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِن صَلَاتِهِ: فَلْيُعِد الصَّلَاةَ الَّتِي [نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدِ الصَّلاَةَ الَّتِي](٦) صَلَّهَا مَعَ الإِمَامِ)). ورُوِيَ مَوقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ (٧) . ■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: وفيهِ إطلاقُ العِشَاءَينِ عَلَى المَغْرِبِ والعِشَاءِ، وقَد أنكَرَهُ بَعضُهُم؛ لِأَنَّ المَغرِبَ لَا تُسَمَّى عِشَاءً! قال النَّوِيُّ(٨): وهَذَا غَلَطُ؛ لِنَّ الَّتِيَةَ هُنَا لِلتَّغْلِيبِ؛ كَالأَبَوينٍ، والقَمَرَينِ، والعُمَرَينِ، ونَظَائِرِهَا، انتهى. (١) ينظر: الاستذكار (٢٦٩/٢)، البيان والتحصيل (٨/٢). (٢) في (ك): ((له)). (٣) صحابي مشهور بكنيته، ومختلف في اسمه. ينظر: معرفة أبي نعيم (٦١٠/٢)، الاستيعاب (٢٦٧/١). (٤) أحمد (٤ /١٠٦). (٥) أبو يعلى، كما في المطالب العالية (٨٢٤/٣) (٤٤٥). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). (٧) أخرجه الدارقطني (٤٢١/١)، والبيهقي (٢٢١/٢)، وينظر: علل ابن أبي حاتم (١٠٨/١) (٢٩٣). (٨) شرح مسلم (١٣٠/٥). ٦٥ بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ = فَإِن قُلتَ: كَيفَ الجَمعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ نَهِهِ وَلَّ عن تَسمِيَةِ المَغرِبِ عِشَاءً، وقَد صَرَّحَ الفُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهُ مَكَرُوهٌ(١)؟ قُلت: لَعَلَّ النَّهِيَ إِنَّمَا هُو عن إفرَادِهَا بِهَذَا الاِسمِ، فَأمَّا إِذَا أطلَقَهُ عَلَيهَا مَعَ العِشَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّغِيبِ(٢): فَهَذَا لَا يُنكَرُ؛ لِأنَّهُ مَجَازٌ خَارِجٌ عن أصلِ الوضعِ، عَلَى أنَّ هَذَا الإطلاقَ هُنَا لَيسَ مَرفُوعًا، وإِنَّمَا هُو مِن كَلَامِ الصَّحَابِيِّ، واللهُ تعالى أعلَّمُ. الحَدِيثُ السَّادِسُ وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نِّهِ قال «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصرِ فَكَأَنَّمَاً وُتِرَ أهلَهُ، ومَالَهُ))(٣)، زَادَ أَبُو مُسلِمِ الكَشِّيُّ: ((وهُو قَاعِدَ)». وعن سَالِم، عن أبِهِ، مِثْلُ حَدِيثِ نَافِعٍ(٤). فیهِ فَوائِدُ: ■ الأُولَى: قَولُهُ: ((فَكَأَنَّمَا وُثِرَ أهلَهُ ومَالَهُ)): روى(٥): بِنَصَبِ اللََّمَينِ ورَفِعِهِمَا، والنَّصبُ: هُو الصَّحِيحُ المَشْهُورُ(٦) الَّذِي عَلَيهِ الجُمهُورُ: كَمَا قال ء (٧) (١٧٨/٢ م) الثَّورِيُّ(٧). وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٨): وهُو الَّذِي ضَبَطْنَاهُ عن جَمَاعَةِ شُيُوخِنَا، ووجهُهُ: أنَّهُ مَفعُولٌ ثَانٍ؛ أي: وُتِرَ هُو أهلَهُ ومَالَهُ، وقِيلَ: إِنَّهُ مَنصُوبٌ عَلَى نَزعِ الخَافِضِ؛ أي: وُتِرَ في أهلِهِ ومَالِهِ، فَلَمَّا حُذِفَ الخَافِضُ انْتَصَبَ. (١) ينظر: فتاوى ابن الصلاح (٢٣٨/١)، منهاج الطالبين (ص٩)، أسنى المطالب (١١٨/١). (٢) ينظر: غريب الحديث لابن سلام (١٣١/٤). (٣) البخاري (٥٥٢). (٤) مسلم (٦٢٦/ ٢٠١). في (ك، م): ((يروى)). لكنها مرسومة في (ك): بالياء. (٥) (٦) في (م): ((والمشهور)). (٨) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٠). (٧) شرح مسلم (١٢٥/٥). 2 ٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قال القَاضِي عِيَاضٌ والنَّووِيُّ: ومَن رَفَعَ فَعَلَى مَا لَم يُسَمَّ فَاعِلُهُ(١). وفيمَا قالاهُ(٢) نَظَرٌ، إذ الفِعلُ لَم يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وهُو مَبنِيٌّ لِلمَفعُولِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَرِوايَةُ النَّصبِ: عَلَى أنَّ(٣) الثَّارِكَ هُو المَنْقُوصُ، فَأَقَامَ ضَمِيرَهُ مَقَامَ الفَاعِلِ، فَانتَصَبَ أهلُهُ ومَالُهُ؛ لأنَّهُ مَفعُولٌ ثَانٍ، ورِوايَةُ الرَّفع: عَلَى أنَّ أهلَهُ ومَالَهُ: هُم المَنْقُوصُونَ، فَأَقَامَهُ مَقَامَ الفَاعِلِ فَرَفَعَهُ. وقال القَاضِي أَبُو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(٤): إن رَفَعت(٥): فَعَلَى البَدَلِ، مِن الضَّمِيرِ في ۇُتِرَ. انتهى. فَأَمَّا عَلَى رِوايَةِ النَّصبِ: فَاختَلَفُوا في مَعنَاهُ، فَقال الخَطَّابِيُّ وغَيرُهُ: مَعنَاهُ نُقِصَ هُو أهلَهُ(٦) ومَالَهُ، وسُلِبَهُم، فَبَقِيَ وِتْرًا فَردًا: بِلَا أهلٍ ولَا مَالٍ، فَلَيَحذَر مِن تَفْوِيتِهَا؛ کَحَذَرِهِ مِن ذَهَابِ أهلِهِ ومَالِهِ، جَزَمَ بِهِ (٧) الخَطَّابِيُّ في ((المَعَالِم)). وقال في ((أعلَامِ الجَامِعِ(٨) الصَّحِيحِ)): وُتِرَ؛ أي: نُقِصَ، ومِنهُ قَوله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتِكُمُ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقِيلَ: سُلِبَ أهلَهُ ومَالَهُ، فَبَقِيَ وِترًا: لَا أهلَ لَهُ ولَا مَالَ(٩)، انتھی. فَجَعَلَهُمَا: قَولَينٍ، وغَايَرَ بَيْنَ تَفسِيرِهِ بِـ(نُقِصَ)، وتَفسِيرِهِ بِـ(سُلِبَ)، وهَذَا يُخَالِفُ مَا حَكَيته عنهُ، أولًا . وكَذَا غَايَرَ بَينَهُمَا غَيْرُهُ. قال ابنُ بَطَّالٍ: قال صَاحِبُ ((العَينِ)) (١٠): الوِترُ والتِّرَةُ(١١): الظّلمُ في الدَّم، يُقَالُ(١٢) مِنْهُ: وُتِرَ الرَّجُلُ وِتْرًا وتِرَةً، فَمَعنَى وُتِرَ أهلَهُ (١) شرح مسلم (١٢٥/٥)، المفهم (٣٢٩/٢)، والإكمال (٥٩٠/٢). (٢) في (ح): ((قالا)). (٣) ليس في: الأصل. (٤) عارضة الأحوذي (٢٨٦/١). (٥) في الأصل: ((رفعته)). (٦) في (ح): ((وأهله)). (٧) ليس في: (ح). بعدها في (ح): ((في)). (٨) (٩) معالم السُّنن (١٣١/١)، أعلام الجامع الصحيح (٤٢٩/١). (١٠). العين (١٣٢/٨). (١٢) في (ك): ((وقالوا)). (١١) في (ك): ((البترة))! ٦٧ بَابُ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ = ومَالَهُ: سُلِبَ ذَلِكَ وحُرِبَه (١)، فَهُو أشَدُّ لِغَمِّهِ وحُزنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَو مَاتَ أهلُهُ وذَهَبَ مَالُهُ مِن غَيرِ سَلبٍ: لَم تَكُن(٢) مُصِيبَةٍ(٣) ذَلِكَ عِندَهُ بِمَنْزِلَةِ السَّلبِ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ(٤) عَلَيهِ فِي ذَلِكَ غَمَّانٍ، غَمُّ ذَهَابِهِم، وغَمُّ الظَّلَبِ بِوترِهِم، وإِنَّمَا مثَّلُهُ نَّهِ فِيمَا يَقُوتُهُ(٥) مِن عَظِيمٍ (٦) الثَّوابِ(٧) . ثُمَّ قال: وقَد يَحتَمِلُ أن يَكُونَ عنى بِقَولِهِ: ((فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أهلَهُ وَمَالَهُ))؛ أي: نُقِصَ ذَلِكَ وأُفرِدَ مِنْهُ، مِن قَولِهِ وَّ: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] [١٠٢/١ ظ]؛ أي: لَن يُنقِصَكُمْ (٨)، والقَولُ الأولُ: أشبَهُ بِمَعنَى الحَدِيثِ(٩)، انتهى. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: مَعنَاهُ عِندَ أهلِ اللُّغَةِ والفِقْهِ: أنَّهُ كَالَّذِي يُصَابُ بِأهلِهِ ومَالِهِ إِصَابَةً يَطلُبُ بِهَا وِترًا، والوِترُ: الجِنَايَةُ الَّتِي يَطلُبُ ثَأْرَهَا، فَيَجتَمِعُ عَلَيهِ غَمَّانِ: غَمُّ المُصِيبَةِ، وغَمُّ مُقَاسَاةٍ طَلَبِ الثَّارِ(١٠). وقال الدَّاوُدِيُّ مِن المَالِكِيَّةِ: مَعنَاهُ(١١): يَتَوجَّهُ عَلَيهِ مِن الاستِرِجَاعِ مَا يَتَوجَّهُ عَلَى مَن (١٢) فَقَدَ أهلَهُ ومَالَهُ، فَيَتَوجَّهُ عَلَيهِ النَّدَمُ والأسَفُ، بِتَفْوِيتِهِ (١٣) الصَّلَاةَ، وقِيلَ: مَعْنَاهُ: فَاتَّهُ مِن الثَّوابِ مَا يَلحَقُهُ مِن الأسَفِ عَلَيهِ، كَمَا يَلحَقُ مَن ذَهَبَ أهلُهُ ومَالُهُ. وقال البَاجِيَّ: يَحتَمِلُ أن يُرِيدَ: وُتِرَ دُونَ ثَوابٍ يُدَّخَرُ لَهُ، فَيَكُونُ مَا فَاتَ مِن ثَوابِ الصَّلَاةِ، كَمَا فَاتَ هَذَا المُوتُورَ(١٤)، انتهى. (١) في (م، ومعجم العين): ((وحُرِمَه)). وحُرِبَ: أي: سُلب ماله وأهله، وترك بلا شيء: قاله الزبيدي (٢٥١/٢). وهو الأفصح. (٢) في (ح): ((یکن)). (٤) في الأصل: ((تجتمع)). في الأصل: ((عظم)». هكذا في جميع النسخ، بحذف مفعول الفعل المتعدي ((مثَّل)). للعلم به، وفي المطبوع من (٧) شرح ابن بطال (١٧٦/٢) بعدها: (( ... بالذى حرم أهله وماله؛ فبقى لا أهل له ولا مال)). (٨) ينظر: تفسير الطبري (١٨٩/٢٢). (١٠) الاستذكار (٤٦/١)، والتمهيد (١٢٤/١٤). (١١) ليس في: الأصل. (١٣) في الأصل: ((لتفويته)). (٩) شرح ابن بطال للبخاري (١٧٦/٢). (١٢) ليس في: الأصل. (١٤) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٠)، وينظر: المفهم (٢٥٢/٢)، والنووي على مسلم (١٢٦/٥). (٣) في (م): ((مصيبته في)). (٥) في الأصل: ((يفوقه)). (٦) ٦٨ 22 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وأمَّا على (١) رِوايةِ الرَّفع: فَمَعنَاهُ: انتُزِعَ مِنْهُ أهلُهُ ومَالُهُ، وهَذَا تَفْسِيرُ مَالِكِ بنِ أَنَسِ نَُّهُ. قُلتُ: يَحتَمِلُ أن يُقال: إنَّمَا خُصَّ الأهلُ والمَالُ بِالذِّكرِ؛ لِأَنَّ الإِشْتِغَالَ في وقتِ العَصرِ إِنَّمَا هُو (٢) بِالسَّعيِ عَلَى الأهلِ والشُّغْلِ (٣) بِالمَالِ، فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ: أنَّ تَفوِيتَ هَذِهِ الصَّلَاةِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ فَقَدِ الأهلِ والمَالِ، فَلَا مَعنَى لِتَفْوِيتِهَا بِالإِشْتِغَالِ بِهِمَا، مَعَ كَونِ تَفْوِيتِهَا كَفَواتِهِمَا أصلًا ورَأْسًا، والله تعالى أعلَمُ. ■ الثَّانِيَةُ: فيهِ التَّغْلِيظُ فِي فَواتِ صَلَاةِ العَصرِ، وهَل يُلحَقُ بِهَا غَيْرُهَا مِن الصَّلَواتِ فِي ذَلِكَ؟ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: يَحتَمِلُ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ خَرَجَ جَوابًا لِسُؤَالٍ (٤)، فَيَلحَقُ بِالعَصرِ بَاقِي الصَّلَواتِ، ويَكُونُ نَّهَ بِالعَصرِ عَلَى غَيرِهَا(٥). قال النَّوِيُّ: وفيما قالهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّرِعَ ورَدَ في العَصرِ ولَم تَتَحَقَّق العِلَّةُ فِي هَذَا الحُكمِ: فَلَا يَلحَقُ بِهَا غَيرُهَا بِالشَّكِّ والتَّهُم، وإِنَّمَا يَلحَقُ غَيْرُ المَنْصُوصِ بِالمَنصُوصِ إِذَا عَرَفَنَا العِلَّةَ واشتَرَكَا فِيهَا (٦)، انتَهَى(٧). ويُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ: مَا رَواهُ الشَّافِعِيُّ، وابنُ حِبَّنَ في ((صَحِيحِهِ)). والبَيهَقِيُّ في ((سُنَتِهِ)): عن نَوفَلٍ بنِ مُعَاوِيَةً(٨): أنَّ النَّبِيَّ وَ قال: ((مَن فَاتَتُهُ الصَّلَاةُ(٩) فَكَأَنَّمَا أُثِرَ (١٠) أهلَهُ، ومَالَهُ))(١١)، لَفِظُ ابْنِ حِبَّانَ. وقال الشَّافِعِيُّ، والبَيهَقِيُّ: ((وُتِرَ). وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةَ)) عن (١) ليس في: (ك، م). (٣) لیس في: (ح). (٥) التمهيد (١٢١/١٤). جاء في حاشية (ك) هنا: ((بلغ مقابلة، وكتب من نسخة المصنف بخطه)). (٧) نوفل بن معاوية بن عمرو الدِّيلي، حج مع أبي بكر سنة تسع، ومع النبي ◌َّ سنة عشر، (٨) ولم يزل ساكنًا بالمدينة، حتى توفي بها في زمن يزيد بن معاوية، وقيل: في خلافة معاوية. الاستيعاب (١٥١٣/٤)، معرفة أبي نعيم (٢٦٨٥/٥). (٩) ليس في: الأصل. (١٠) الهمزة فيه مبدلة من الواو، كما في ((أُقّتت)). فإن أصلها ((وُقّتت)). ومثلها ((أحِّد)). فإن أصلها ((وحِّد)). ونظائره كثيرة. أفاده العيني في شرحه على أبي داود (٢/ ٢٨٠). (١١) الشافعي في الأم (١/ ٧٣)، وابن حبان في صحيحه (١٤٦٨)، والبيهقي في سننه (٤٤٥/١). (٢) لیس في: (ح). (٤) في الأصل، (ح): ((بالسؤال)). (٦) شرح مسلم للنووي (١٢٦/٥). بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ ٦٩ = أبِي قِلَابَةَ، عن أبِي الدَّردَاءِ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَله: ((مَن تَرََكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً، حَتَّى تَقُوتَهُ مِن غَيرِ عُذٍ: فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ))(١) . وفي (فَوائِدِ تَمَّام)). مِن حَدِيثِ مَكحُولٍ، عن أنَسٍ مَرفُوعًا: ((مَن(٢) فَاتَتْهُ صَلَاةُ المَغْرِبِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أهلَهُ، ومَالَهُ))(٣). وهَذَا يَدُلُّ عَلَى: أنَّ سَائِرَ الصَّلَواتِ فِي ذَلِكَ سَواءٌ، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ المُرَادُ بِالصَّلَاةِ في حَدِيثِ نَوفَلٍ : صَلَاةَ العَصرِ . ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في ((سُنَنِ البَيهَقِيّ)): عن الزُّهرِيِّ، أنَّهُ قال - بَعدَ رِوايَةِ حَدِيثٍ نَوفَلٍ -: أتَدرِي أَيَّةَ صَلَاةٍ هِيَ؟ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ، مُستَدِلًا بِهِ عَلَى: أنَّ الصَّلَاةَ هُنَا هِيَ العَصرُّ(٤)، ويُوافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ أهلُ الثَّفسِيرِ في قَوله تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ﴾. [المائدة: ١٠٦]، أنَّ المُرَادَ: صَلَاةُ العَصرِ (٥). وقال بَعضُهُم: خُصَّتِ العَصرُ بِالذِّكرِ (٦)؛ لِنَّهَا تَأْتِي في وقتِ تَعَبِ النَّاسِ مِن (٧) مُقَاسَاةِ أعمالِهِم، وحِرصِهِم عَلَى قَضَاءِ أشغَالِهِم، وتَسوِيفِهِم بِهَا إِلَى انقِضَاءِ وظَائِفِهِم، وقال بَعضُهُم: خُصَّتِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهَا مَشهُودَةُ المَلَائِكَةِ عِندَ تَعَاقُبِهِم(٨). وهَذَا مُشتَرَكٌ بَينَها (٩) وبَيْنَ الصُّبح، إذ المَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فيهَا أيضًا، قال صَاحِبُ ((المُفهِم)): ويَحتَمِلُ أن يُقال: إنَّمَا خُصَّت بِذَلِكَ؛ لِأنَّهَا الصَّلَاةُ الوُسطَى(١٠). (١) مصنف ابن أبي شيبة (٣٤٢/١). (٢) ليس في: (ح). (٣) الفوائد لتمام (٢٨١/١) (٢٤٦). (٤) البيهقي (٤٤٥/١). (٥) ينظر: تفسير الطبري (١٧٤/١١)، وتفسير البغوي (١١٣/٣)، ومفاتيح الغيب (٤٥٣/١٢). (٦) ليس في: (ك). (٨) ينظر: إكمال المعلم (٥٩١/٢). (١٠) المفهم (٢٥٢/٢). (٧) في الأصل: ((في)). (٩) في (م): ((بينهما)). ٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ] الثَّالِثَةُ: اختُلِفَ في المُرَادِ بِفَواتِ العَصرِ فِي هَذَا الحَدِيثِ: فَقال ابنُ وهبٍ وغَيرُهُ(١): هُو فيمَن لَم يُصَلِّهَا في وقتِهَا المُختَارِ. وقال سُحنُون، والأصِيلِيُّ، وابنُ عَبدِ البَرِّ: هُو أن تَفُوتَهُ بِغُرُوبِ الشَّمسِ. وقِيلَ: هُو تَفوِيتُهَا إلَى أن تَصفَرَّ الشَّمسُ(٢). وقَد ورَدَ مُفَسَّرًا مِن رِوايَةِ الأوزَاعِيِّ في هَذَا الحَدِيثِ، قال فيهِ: وفَواتُهَا [١٠٣/١ و]: أن تَدخُلَ(٣) الشَّمسَ صُفرَةٌ. قُلتُ: كَذَا ذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ وتَبِعَهُ النَّوِيُّ(٤)، وظَاهِرُ إِيرَادِ أبِي دَاوُد في (سُنَنِهِ)) (٥): أنَّ هَذَا مِن كَلَام الأوزَاعِيِّ، قالهُ مِن عِندِ نَفسِهِ، لَا أنَّهُ مِن الحَدِيثِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ مُنْفَرِدٍ، عن الحَدِيثِ: عن الأوزَاعِيِّ: أنَّهُ قال: ((وذَلِكَ أن تَرَى(٦) مَا عَلَى الأرضِ مِن الشَّمسِ صَفْرَاءَ))(٧)، وفي ((العِلَلِ)) لِابنِ أبِي حَاتِمِ: سَأَلتُ أَبِي عن حَدِيثٍ، رَواهُ الولِيدُ، عن الأوزَاعِيِّ، عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (مَن فَاتَتَهُ صَلَاةُ العَصرِ، وفَواتُهَا: أن تَدْخُلَ الشَّمسَ صُفْرَةٌ، فَكَأنَّمَا وُتِرَ أْهَلَهُ، ومَالَهُ))؟ قال أَبِي: التَّفْسِيرُ مِن قَولِ نَافِعِ (٨)، انتَهَى. [وَكَلَامُ القَاضِي أَبِي بَكرِ ابنِ الْعَرَبِيِّ(٩): يَقْتَضِي أَنَّهُ مِن كَلَامٍ](١٠) ابنِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ قال: وقَد اختُلِفَ عن ابنِ عُمَرَ فيهِ، فَرَوى الولِيدُ، عن الأوزَاعِيِّ، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ: ((مَن فَاتَتَهُ صَلَاةُ العَصرِ، وفَواتُهَا أن تَدخُلَ (١١) الشَّمسَ صُفْرَةٌ). وابنُ جُرَيجٍ يَروِي عنهُ(١٢): أنَّ فَوتَهَا غُرُوبُ الشَّمسِ، انتَهَى. وكَيفَ مَا كَانَ، فَلَيْسَ هَذَا الكَلَامُ مَرَفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ وََّ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. (١) ليس في: (ح). (٢) ينظر: الاستذكار (٤٦/١). (٣) في (ح): ((يدخل)). (٤) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٠)، وشرح مسلم للنووي (١٢٦/٥). (٥) أبو داود (٤١٥). (٧) قال ابن حجر (٣١/٢): ولعله مبنى على مذهبه في خروج وقت العصر. (٨) العلل (١٤٩/١) (٤١٩). (٩) عارضة الأحوذي (٢٨٦/١). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). (١٢) ليس في: (ك). (٦) في (ك): (يُرى)). (١١) في (ك): ((يدخل)). = بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ ٧١ وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في هَذَا القَولِ: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيءٍ(١)، وقال ابنُ بَطَّالٍ: إنَّمَا أَرَادَ فَوَاتَهَا في الجَمَاعَةِ، لَا فَواتَهَا بِاصفِرَارِ الشَّمسِ، أو مَغِيبِهَا، لِمَا يَفُوتُهُ مِن صَلَاتِهَا في الجَمَاعَةِ، مِن حُضُورِ المَلَائِكَةِ فيهَا، فَصَارَ مَا يَفُوتُهُ مِن هَذَا المَشهَدِ العَظِيمِ؛ الَّذِي يَجتَمِعُ فيهِ مَلَائِكَةُ اللَّيلِ ومَلَائِكَةُ النَّهَارِ: أعظَمَ مِن ذَهَابِ أهلِهِ ومَالِهِ، فَكَأَنَّهُ قال: الَّذِي يَقُوتُهُ هَذَا المَشْهَدُ الَّذِي أوجَبَ البَرَكَةَ لِلعَصرِ: كَأنَّمَا (٢) وُتِرَ أهْلَهُ ومَالَهُ، وَلَو كَانَ المُرَادُ فَواتَ وقتِهَا كُلِّهِ بِاصِفِرَارٍ، أو غَيبُوبَةٍ: لَبَطَلَ الإِختِصَاصُ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الوقتِ كُلِّهِ مَوجُودٌ في كُلِّ صَلَاةٍ. بِهَذَا المَعنَى: فَسَّرَهُ ابنُ وهبٍ، وابنُ نَافِعٍ، وذَكَرَهُ ابنُ حَبِيبٍ عن مَالِكٍ، وابنُ سَحنُونٍ عن أبِيهِ، قال ابنُ حَبِيبٍ: وهُو مِثْلُ(٣) حَدِيثٍ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ (٤): ((إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّ الصَّلَاةَ ومَا فَاتَتَهُ، ولَمَا فَاتَهُ مِن وقتِهَا أكثَرُ مِن أهلِهِ ومَالِهِ)): يُرِيدُ: أَنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ في الوقتِ المَفضُولِ، ولمَا فَاتَّهُ مِن وقتِهَا الْفَاضِلِ - الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ: اختِيَارُ النَّبِيِّ بَّهِ وأبِي بَكرٍ، وكَتَبَ بِهِ عُمَرُ إلَى عُمَّالِهِ -: أفضَلُ مِن أهلِهِ ومَالِهِ، ولَيسَ في الإسلَامِ حَدِيثٌ يَقُومُ مَقَامَ هَذَا الحَدِيثِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قال: ﴿حَفِظُواْ عَلَى القَلَوَتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ولَا يُوجَدُ حَدِيثٌ فيهِ تَكبِيفُ المُحَافَظَةِ غَيْرُهُ(٥)، انتَهَى. ورَوى ابنُ أَبِي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِهِ)) (٦): عن هُشَيمٍ، عن حَجَّاجٍ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَ له: ((مَن تَرَكَ العَصْرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمسُ، مِن غَيرِ عُذرٍ، فَكَأَنَّمَا وُِرَ أهلَهُ، ومَالَهُ)). الرَّابِعَةُ: حُكِيَ عن سَالِمٍ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: أنَّ هَذَا فِيمَن فَاتَتَهُ نَاسِيًا(٧)، ويُوافِقُهُ تَبوِيبُ التِّرمِذِيِّ عَلَيهِ: باب مَا جَاءَ في السَّهوِ عن وقتٍ (١) الاستذكار (٤٦/١). (٢) في (ح): ((فكأنما)) .. (٣) في (ح): ((من)). (٤) الموطأ (١٢/١). شرح الصحيح لابن بطال (١٧٥/٢). (٥) (٦) المصنف (٣٤٢/١) (٣٤٦٢). (٧) خرجه الدارقطني في أول كتابه: المختلف والمؤتلف. كما في شرح البخاري لابن رجب (١١٧/٣): عن زهير بن معاوية، نا أسيد بن شبرمة الحارثي، قال: فقلت لسالمٍ : = ٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ صَلَاةِ العَصرِ(١). وقال الدَّاوُودِيُّ، وابنُ عَبدِ البَرِّ، وابنُ العَرَبِيِّ، وغَيرُهُم(٢): هُو في المُتَعَمِّدِ (٣)، قال النَّورِيُّ: وهَذَا هُو الأظهَرُ، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ البُخَارِيِّ في (صَحِيحِهِ) (٤): ((مَن تَرَكَ صَلَاةَ العَصرِ حَبِطَ عَمَلُهُ)). وهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ في العَامِدِ(٥)، انتَھَى. ويُوافِقُهُ: تَبوِيبُ البُخَارِيِّ عَلَيهِ: باب إثم مَن فَاتَتهُ(٦) العَصرُ(٧)، ومِن المَعلُومِ: أنَّ الإثمَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ العَمْدِ. قال ابنُ العَرَبِيِّ (٨): والدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ في الذَّاكِرِ: أنَّ السَّاهِيَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ ولا مُفَوتٍ، بَل يَثْبُتُ لَهُ أمرُ الذَّاكِرِ مَتَى فَعَلَ عِندَ الذِّكرِ، لِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: (لَيسَ في السَّهوِ تَفرِيطٌ، وإنَّمَا التَّرِيطُ في الذِّكرِ)). قُلتُ: لَم أقِف عَلَى هَذَا الحَدِيثِ بِهَذَا اللَّفِظِ، والَّذِي وقَفت عَلَيهِ [١٠٣/١ ظ]: (لَيسَ التَّفرِيطَ في الثَّوم، إنَّمَا التَّفرِيطُ في البَقِظَةِ: أن يُؤَخِّرَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ إِلَى أن يَدخُلَ وقتُ صَلَاةٍ أُخْرَى))(٩)، وتَقَدَّمَ مِن ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةً)): حَدِيثُ أبِي الدَّردَاءِ: ((مَن تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ مِن غَيرِ عُذرٍ: فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ)). وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ: ((مَن تَرَكَ العَصرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمسُ مِن غَيرِ عُذٍ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أهلَهُ وَمَالَهُ)) . وإن نسي؟ قال: وإن نسي، فصلاةٌ ينساها أشد عليه من ذهاب أهله وماله. وعلى هذا = التأويل: يكون المعنى: أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى ما يلحق من ذهب أهله وماله. ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٤٧/١)، فتح الباري (٣١/٢). (١) الترمذي (١٧٥). (٣) (٥) في (ح): «التعمد». عارضة الأحوذي (٢٨٦/١)، وشرح النووي (١٢٦/٥). (٦) في (ك، م): ((فاته)). وفي (ح): ((فاتته صلاة)). (٧) البخاري (٥٥٢). (٩) مسلم (٣١١/٦٨١). (٢) ليس في: (ك). (٤) البخاري (٥٥٣). (٨) عارضة الأحوذي (٢٨٦/١). M بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ ٧٢ ] الخَامِسَةُ: استُدِلَّ بِهِ عَلَى أنَّ الصَّلَاةَ الوُسطَى صَلَاةُ العَصرِ، ورَوى السَّرَّاجُ في (مُسنَدِهِ)): هَذَا الحَدِيثَ مِن طَرِيقِ مَعمٍَّ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن أبِيهِ، وفي آخِرِهِ: يَقُولُ سَالِمٌ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَرَى لِصَلَاةِ العَصرِ فَضِيلَةً، لِلَّذِي قال(١) رَسُولُ اللهِنَّهِ فِيهَا، ويَرَى أنَّهَا الوُسطَى (٢)، وقَد تَقَدَّمَ إِيضَاحُ المَسْألَةِ في الحَدِيثِ الَّذِي قَبلَهُ. السَّادِسَةُ: وجهُ إيرَادِ المُصَنِّفِ تَخْتُ لِهَذَا الحَدِيثِ فِي المَواقِيتِ(٣): مَا دَلَّ عَلَيهِ مِن تَأْكِيدِ أمرِ الوقتِ، بِكُونِهِ حَضَّ(٤) عَلَى إِيقَاعِهَا في وقتِهَا، وتَوَّدَ عَلَى تَركِ ذَلِكَ(٥). ] السَّابِعَةُ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي نَقَلَهَا المُصَنِّفُ تَخْذَُّهُ، عن أبِي مُسلِمٍ (١٨٢/٢) الكَثِّيِّ: رَواهَا مِن طَرِيقِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن أيُّوبَ السَّخِيَانِيُّ، عن نَّافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ النَّبِيَّ بَّهِ قال: ((مَن فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصرِ فَكَأَنَّمَا(٦) وُتِرَ أهلَهُ ومَالَهُ، وهُو قَاعِدٌ))(٧) . وكَأنَّ مَعنَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ: أنه وُتِرَ هَذَا الوِتَرَ، وهُو قَاعِدٌ غَيرُ مُقَاتِلٍ عنْهُم ولا ذَابٌّ، وهَذَا أبلَغُ في الغَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَبَّ عنهُم وقَاتَلَ، ومَعَ ذَلِكَ فَغُلِبَ (٨): كَانَ أسلَى لَهُ وأدفَعَ لِلَغَمِّ عنهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ المُقَاتَلَةَ عنهُم، إمَّا لِلعَجزِ عن ذَلِكَ، أو مَعَ القُدَرَةِ عَلَيهِ، ويُحتَمَلُ: أن يَكُونَ مَعنَى قَولِهِ: ((وهُو قَاعِدٌ))؛ أي: مُشَاهِدٌ لِتِلكَ المُصِيبَةِ غَيْرُ غَائِبٍ عنهَا، فَهُو أشَدُّ لِتَحَسُّرِهِ، وأبلَغُ فِي غَمِّهِ، والله تعالى أعلمُ. ليس في: الأصل. (١) (٢) مسند محمد بن إسحاق السرَّاج (١٠٦٧، ١٠٦٨). (٣) في (ح): ((الوقت)). (٤) في (ح): ((خصّ)). جاء في حاشية (ك، ح) هنا: ((بلغ المقابلة على نسخة المصنف ومنها كُتِب)). (٥) لیس في: (ح). (٦) أبي مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي، كما في الفتح (٣٠/٢) (٧) في (م): «غُلِب)). (٨) ٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الحديثُ السَّابِعُ وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قال: ((لَا يَتَحَرَّى أحَدُكُم؛ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طلُوعِ الشَّمسِ، ولَا (١) عِندَ غُرُوبِهَا))(٢). فیهِ فَوائِدُ: ■ الأُولَى: تَحَرِّي الشَّيءِ: بِالحَاءِ المُهمَلَةِ، والرَّاءِ المُشَدَّدَةِ: قَصدُهُ وتَوخِّيهِ وتَعَمُّدُهُ وتَخصِيصُهُ بِأمرٍ، ومِنهُ قَوله تَعَالَى: ﴿فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]؛ أي: تَوخَّوا وتَعَمَّدُوا(٣). وهُو طَلَبُ مَا هُو أحرَى؛ أي: أجدَرُ بِالاِستِعمَالِ في غَالِبِ الظَّنِّ، فَقَولُهُ: (لَا يَتَحَرَّى أحَدُكُمْ)). إلَى آخِرِهِ؛ أي: لَا يَقصِد هَذَينِ الوقتَيْنِ، لِتَخْصِيصِهِمَا بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فيهِمَا . وَكَذَا وقَعَ في ((المُوطَّا)). و(الصَّحِيحَينِ)): (لَا يَتَحَرَّى)) (٤): بِإِثْبَاتِ الألِفِ، وكَانَ الوجهُ حَذفَهَا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةَ جَزِمِهِ، ولَكِنَّ الإثْبَاتَ إشبَاعٌ: فَهُو عَلَى حَدِّ قَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ، مَن يَتَّقِي وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]، فيمَن قَرَّا بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ (٥)، وقَولُهُ: ((فَيُصَلِّيَ)): بِالنَّصبِ فِي جَوابِ النَّهى. ■ الثَّانِيَةُ: فيهِ النَّهيُ عن الصَّلَاةِ عِندَ طُلُوعِ الشَّمسِ وعِندَ غُرُوبِهَا، وهُو مُجمَعٌ عَلَيهِ في الجُملَةِ . قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: لَا أعلَمُ خِلَافَا بَيْنَ العُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِينَ مِنْهُم والمُتَأْخِّرِينَ: أنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ والنَّوافِلِ كُلَّهَا غَيْرُ جَائِ شَيءٌ مِنْهَا أن يُصَلَّى عِندَ طُلُوعِ الشَّمسِ ولَا عِندَ غُرُوبِهَا (٦)، انتَهَى. (١) في الأصل: ((أو)). (٢) البخاري (٥٨٥)، ومسلم (٢٨٩/٨٢٨). ينظر: تفسير الطبري (٦٦١/٢٣)، وتفسير البغوي (٢٤١/٨). (٣) الموطأ؛ رواية محمد بن الحسن (٢٧٦/١)، والبخاري (٥٨٥)، ومسلم (٨٢٨). (٤) (٥) وهي رواية قنبل، عن ابن كثير، النشر (٢٢٣/٢). (٦) التمهيد (١٣٠/١٤). 5 ٧٥ بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ وقال النَّوِيُّ: أجمَعَت الأمَةُ عَلَى كَرَاهَةِ صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا في هَذِهِ الأوقَاتِ(١) (١٨٣/٢م)، انتَهَى. فضَمَّ(٢) إِلَى هَذَينِ الوقتَينِ فِي نَقْلِ الإجمَاعِ الأوقَاتَ الثَّلَاثَةَ، الَّتِي سَنَذْكُرُهَا بَعدَ ذَلِكَ! وفيهِ نَظَرٌ، فَسَتَعرِفُ أنَّ تِلكَ لَيسَت مُجمَعًا عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فيهَا، والله تعالى أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: اقْتَصَرَ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَى حَالَتَي (٣طُلُوعِ الشَّمس٣ِ) وغُرُوبِهَا، ودَلَّ غَيرُهُ عَلَى أنَّ النَّهيَ مُستَمِرٍّ بَعدَ الظُلُوعِ حَتَّى تَرتَفِعَ، وأنَّ النَّهيَ يَتَوجَّهُ قَبلَ الغُرُوبِ مِن حِينٍ تَضَيُّفِ الشَّمسِ؛ أي: مَيلِهَا، وهِيَ حَالَةُ صُفرَتِهَا وتَغَيُّرِهَا، فَفي الصَّحِيحَينِ؛ مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: ((إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرَتَفِعَ)): لَفِظُ الْبُخَارِيِّ(٤)، ولَفِظُ مُسلِمٍ: ((حَتَّى يَبْرُزَ))(٥)، وهُو بِمَعنَاهُ. وفي ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)): عن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ ◌َُه، قال: ((ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَنْهَانَا أن نُّصَلِّيَ فيهِنَّ، وأن نَقْبُرَ فيهِنَّ مَوتَانَا حِينَ تَطلُعُ الشَّمسُ بَازِغَةً حَتَّى [١٠٤/١ و] تَرتَفِعَ، وحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ، وحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ لِلغُرُونِ)»(٦)، وفي ((صَحِيحٍ مُسلِمٍ)) أيضًا: عن عَمرِو بنِ عَبَسَةً(٧) قال: ((قُلت: يَا نَبِيَّ اللهِ، أخبِرنِي عن الصَّلَاةِ؟ قال: صَلِّ صَلَاةَ(٨) الصُّبح، ثُمَّ أقْصِر عن الصَّلَاةِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ حَتَّى تَرتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطلُعُ حِينَ تَطلُعُ(٩) بَينَ قَرْنَي شَيطَانٍ(١٠)، وحِينَئِذٍ يَسجُدُ لَهَا الكُفَّارُ(١١)، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحضُورَةٌ، حَتَّى يَستَقِلَّ الظُّلُّ بِالرُّمحِ، ثُمَّ أقصِر عن الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الفَيءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشِهُودَةٌ مَحضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ العَصرَ، ثُمَّ أقصِر (١) شرح مسلم (١١٠/٦). (٢) في (ك، م): ((وضم)). (٣ - ٣) في (ح): ((طلوعها)). (٤) البخاري (٥٨٣). (٥) مسلم (٢٩١/٨٢٩). (٦) مسلم (٢٩٣/٨٣١). (٧) عَبَسة كعَدَسة : - بفتح العين والباء الموحدة - كما في المشارق (١١٠/٢). (٩) ليس في: (ك). (٨) ليس في: (ك). (١١) في (ك): ((الكافر)). (١٠) في الأصل: ((الشيطان)). = ٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عن الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرِنَي شَيطَانٍ؛ وحِينَئِذٍ يَسجُدُ لَهَا الكُفَّارُ))(١)، ولَيسَ المُرَادُ مُطلقَ الارتِفَاعِ عن الأُفُقِ، بَل الارتِفَاعُ الَّذِي تَذهَبُ (٢) مَعَهُ صُفْرَةُ الشَّمسِ أو حُمرَتُهَا، وهُو مُقَدَّرٌ بِقَدرِ رُمحِ أو رُمحَينٍ، وهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا تُنَافِي لَفظَ (٣) هذا(٤) الحَدِيثِ؛ لِأَنَّ مَعنَى ((عِندَ»: حَضرَةُ الشَّيءٍ، فَمَا قَارَبَ الظُّلُوعَ والغُرُوبَ: فَلَهُ حُكمُهُ، لَكِنَّ المُعتَبَرَ: مَا يُقَارِبُ الظُلُوعَ مِمَّا بَعدَهُ، ومَا يُقَارِبُ الغُرُوبَ مِمَّا قَبَلَهُ(٥)، وتَمَسَّكَ بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ، وقال: إنَّ الكَرَاهَةَ تَزُولُ بِطُلُوعٍ قُرصِ الشَّمسِ بِتَمَامِهِ، وهُو ضَعِيفٌ(٦)؛ لِأَنَّ الأحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكرُ الارتِفَاعِ مَعَهَا زِيَادَةُ (١٨٤/٢) عِلمٍ، فَيَجِبُ الأخذُ بِهَا، واختَلَفَت عِبَارَاتُ الحَنَفيةِ في الوقتِ الثَّانِي، فَعَبَّرَ بَعضُهُمَ: بِالغُرُوبِ، وبَعضُهُم: بِالتَّغَيُّرِ، وبَعضُهُم: بِالِإِحمِرَارِ، وبَعضُهُم: بِالاِصفِرَارِ(٧). ■ الزَّابِعَةُ: قَد عَرَفتَ أنَّ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وعَمرِو بنِ عَبَسَةَ: النَّهيَ عن الصَّلَاةِ فِي حَالَةٍ ثَالِثَةٍ، وهِيَ حَالَةُ استِواءِ الشَّمسِ في كَبِدِ السَّمَاءِ حَتَّى تَزُولَ، وبِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وأَبُو حَنِيفَةَ، وسُفِيَانُ الثَّورِيُّ، وعَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ، والحَسَنُ بنُ حَيّ، وأهلُ الظَّاهِرِ، والجُمهُورُ، وهُو رِوايَةٌ عن مَالِكٍ. والمَشهُورُ عنهُ: عَدَمُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ في هَذِهِ الحَالَةِ، فَفي ((المُدَونَةِ)): قال مَالِكٌ: ولَا أكرَهُ الصَّلَاةَ عِندَ استِوائِهَا في كَبِدِ السَّمَاءِ، وكَانَ الأفَاضِلُ يُصَلُّونَ حِينَئِذٍ(٨). وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ: عنهُ أنَّهُ قال: لَا أكرَهُ ذَلِكَ لَا فِي يَومِ جُمُعَةٍ ولا في (١) مسلم (٢٩٤/٨٣٢) (٣) ليس في: (ك). (٢) في (ك، م): ((يذهب)). (٤) ليس في: (م). (٥) في (ك): (بعده)). (٦) هو وجهٌ حكاه الخراسانيون، وهو شاذٌّ عند الشافعية، ينظر: الروضة (١٩٢/١). ينظر: بدائع الصنائع (٢٩٥/١)، والفتاوى الهندية (٥٢/١)، وتحفة السمر قندي (١٠٥/١). (٧) (٨) المدونة (١٩٥/١). 5 بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ ٧٧ غَيرِهِ ولَا أعرِفُ هَذَا النَّهيَ، ومَا أدرَكت أهلَ الفَضلِ، إلَّا وهُم يَجْتَهِدُونَ ويُصَلُّونَ نِصِفَ النَّهَارِ. قال: فَقَد أَبَانَ مَالِكٌ حُجَّتَهُ في مَذْهَبِهِ هَذَا، أنَّهُ(١) لَم يَعرِفِ (٢ النَّهَيَ عن٢) الصَّلَاةِ وسَطَ النَّهَارِ. وقَد رُوِيَ عنهُ أنَّهُ قال: لَا أكرَهُهُ ولَا أُحِبُّهُ. قال: ومَحمَلُ هَذَا عِندِي: أنَّهُ لَم يَصِحَّ عِندَهُ حَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ(٣)، أو صَحَّ عِندَهُ، واستَثنَى الصَّلَاةَ نِصفَ النَّهَارِ بِالعَمَلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أن يَكُونَ مِثْلُهُ إِلَّا تَوقِفًا . قال: ومِمَّن رَخَّصَ في ذَلِكَ أيضًا (٤): الحَسَنُ وطَاؤُسٌ والأوزَاعِيُّ، وكَانَ عَطَاءُ بنُ أبِي رَبَاحِ: يَكرَهُ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ فِي الصَّيفِ، ويُبِيحُ ذَلِكَ في الشِّتَاءِ. وحَكَى ابنُ بَطَّالٍ (٥): عن اللَّيْثِ، مِثلَ قَولِ مَالِكٍ، قال: وأجَازَ مَكحُولٌ: الصَّلَاةَ نِصِفَ النَّهَارِ لِلمُسَافِرِ. ثُمَّ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: ورُوِيَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: أنَّهُ نَھَى عن الصَّلَاةِ نِصِفَ النَّهَارِ، وقال ابنُ مَسعُودٍ: كُنَّا نُنهَى عن ذَلِكَ، وقال أبُو سَعِيدِ المَقْبُرِيُّ: أدرَكتُ النَّاسَ وهُم يَتَّقُونَ ذَلِكَ (٦)، انتَهَى. ■ الخَامِسَةُ: استَثنَى الشَّافِعِيَّةُ مِن كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ: نِصِفَ النَّهَارِ يَومَ الجُمُعَةِ، فَقَالُوا: لَا تُكرَهُ فيهِ الصَّلَاةُ ذَلِكَ الوقتَ، وبِهِ قال أبُو يُوسُفَ، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وهُو رِوايَةٌ عن الأوزَاعِيِّ، وأهلِ الشَّامِ(٧)، وحَكَاهُ ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي)): عن (١) في (ك): ((لأنه)). (٢ - ٢) ليس في: (ح). (٣) هو حديث: ((إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارِقها، ثم إذا استوت قارِنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، ونهى رسول ◌َالله عن الصلاة في تلك الساعات)). رواه مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن الصنابحي، واختلف فيه على زيد، وفيه اضطراب. ينظر: التمهيد (١/٤)، والاستذكار (٨٣/١). (٥) شرح البخاري (٢٠٩/٢). (٤) ليس في: (ك). (٦) التمهيد (١٨/٤ - ٢٥)، وينظر: السنن الكبرى للنسائي (٤٨٤/١)، والأوسط لابن المنذر (٨٩/٤). (٧) التمهيد (١٩/٤). = ١٨ ٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الحَسَنِ، وطَاؤُسٍ، والأوزَاعِيِّ، وسَعِيدِ بنِ عَبدِ العَزِيزِ، وإسحَاقَ بنِ رَاهويه(١). وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، وأحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، وأصحابُهُ: إِلَى أَنَّهُ لَا فَرِقَ في الكَرَاهَةِ بَيْنَ يَومِ الجُمُعَةِ وغَيرِهِ، وتَمَسَّكُوا بِعُمُومِ الأحَادِيثِ في ذَلِكَ، حَكَى أَنَّهُ ذُكرَ ذَلِكَ لِأَحْمَدَ، فَقال: في(٢) حَدِيثِ النَّبِيِّ ◌َّهِ مِن ثَلَاثَةٍ وجوه (٣) (١٨٥/٢م)، حَدِيثُ عَمرِو بنِ عَبَسَةَ، وحَدِيثُ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ، وحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ(٤)، انتَهَى. وتَمَسَّك الأولُونَ [١٠٤/١ ظ]: بِأَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: نَدَبَ النَّاسَ إلَى التَّبكير إِلَى الجُمُعَةِ، ورَغَّبَ في الصَّلَاةِ إِلَى خُرُوجِ الإمَامِ، مِن غَيرِ تَخصِيصٍ ولا اسْتِنَاءٍ، واستَأنَسُوا في ذَلِكَ: بِمَا رَواهُ أَبُو دَاوُد في ((سُنَِّهِ»، عن أبِي الخَلِيلِ، عن أبِي قَتَادَةَ، عن النَّبِيِّ بََّ: ((أنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصفَ النَّهَارِ، إِلَّ يَومَ الجُمُعَةِ، وقال(٥): إنَّ جَهَنَّمَ تُسجَرُ، إِلَّا يَومَ الجُمُعَةِ)). قال أبُو دَاوُد: هُو (٦) مُرسَلُ، أَبُو الخَلِيلِ لَم يَسمَع مِن أَبِيٍ (٧) قَتَادَةَ(٨)، قال البَيهَقِيُّ: ولَهُ شَواهِدُ، وإن كَانَت أسَانِيدُهَا ضَعِيفَةً؛ فَرَواهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قال: ورُوِيَ في ذَلِكَ عن أبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ، وعَمرِو بنِ عَبَسَةَ، وابنٍ عُمَرَ مَرفُوعًا. والِاِعْتِمَادُ: عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ: استَحَبَّ التَّبكير إلَى (٩) الجُمُعَةِ، (١٠ ثُمَّ رَغَّبَ ١٠) في الصَّلَاةِ، إِلَى خُرُوجِ الإمَامِ مِن غَيرِ تَخْصِيصٍ ولا استِنَاءٍ (١١)، انتَهَى. والأصَحُّ عِندَ أصحَابِنَا: أنَّهُ لَا يَلحَقُ بِوقتِ الاِستِواءِ بَاقِي الأوقَاتِ يَومَ الجُمُعَةِ، فَإن ألحَقنَا: جَازَ الََّقُّلُ(١٢) يَومَ الجُمُعَةِ(١٣) فِي سَائِرِ الأوقَاتِ المَكْرُوهَةِ (١) المغني (٥٣٦/٢). في (م): «أوجه)). (٣). في (م): ((قال)). (٥) ليس في: (ك). (٧) (٩) ليس في: (ح). (١١) السنن للبيهقي (٤٦٤/٢). (١٣) ليس في: (ك). (٢) في مصدر التخريج: ((فيه)). (٤) ينظر: المغني (٥٣٦/٢). (٦) في (ك): ((هذا)). (٨) السنن لأبي داود (١٠٨٣). (١٠ - ١٠) في (ح): ((ورغب)). (١٢) بعده في الأصل: ((في)). ٧٩ بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ = لِكُلِّ أَحَدٍ، وإن قُلنَا بِالأَصَحِّ: فَهَل يَجُوزُ التَّنَفُّلُ عِندَ الاِستِواءِ لِكُلِّ أحَدٍ، فيهِ وجهَانٍ: أَصَحُّهُمَا نَعَم، والثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِمَن لَيسَ في الجَامِعِ، وأمَّا مَن في الجَامِعِ: فَفيهِ وجهَانٍ، أحَدُهُمَا: يَجُوزُ مُطلَقًا، والثَّانِي: يَجُوزُ بِشَرطِ أن يُبَكِّرَ ويَغْلِبَهُ النُّعَاسُ، وقِيلَ: يَكفي النُّعَاسُ بِلَا تَبِكِيرِ. السَّادِسَةُ: صَحَّ النَّهيُ عن الصَّلَاةِ في حَالَتَينِ أُخرَتَينٍ(١)، وهُمَا بَعدَ صَلَاةِ(٢) الصُّبحِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، وبَعدَ صَلَاةٍ(٣) العَصرِ حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، فَفي ((الصَّحِيحَينِ)): عن ابنِ عَبَّاسٍ ﴿ّ، قال: شَهِدَ عِندِي رِجَالٌ مَرضِيُّونَ وأرضَاهُم عِندِي عُمَرُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ «نَهَى عن الصَّلَاةِ بَعدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشرُقَ الشَّمسُ))(٤). وفي رِوايَةٍ: ((حَتَّى تَطْلُعَ، وبَعدَ العَصرِ حَتَّى تَغرُبَ)). وهُو في ((الصَّحِيحَينِ)) أيضًا: مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، بِلَفِظِ: ((حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ)) (٥). وبِهَذَا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والجُمهُورُ، وهُو مَذهَبُ الحَنَفيةِ أيضًا، إلَّا أنَّهُم رَأوا النَّهِيَ في هَاتَينِ الحَالَتَيْنِ أَخَفَّ مِنْهُ في الصُّورِ (٦) المُتَقَدِّمَةِ، فَأْبَاحُوا في هَاتَينِ الصُّورَتَينِ مَا لَم يُبِيحُوهُ في الصُّورِ (٧) المُتَقَدِّمَةِ، كَمَا سَنَحكِيهِ عنهُم، ورَواهُ ابنُ أبِي شَيبَةَ في (مُصَنَّفِهِ)): عن عُمَرَ، وابنٍ مَسعُودٍ، وخَالِدٍ بنَ الولِيدِ، وأبِي العَالِيَةِ، وسَالِمٍ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، ومُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، وغَيرِهِم(٨). وقال التِّرمِذِيُّ(٩): وهُو قَولُ (١٨٦/٢م) أكثَرِ الفُقَهَاءِ مِن الصَّحَابَةِ فَمَن بَعدَهُم (١٠)، وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ: عن أبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وسَعدٍ، في (ك، م): ((أخريين)). (١) (٣) ليس في: (ك). البخاري (٥٨٤، ١١٩٧)، مسلم (٢٨٥/٨٢٥)، (١٦٣/٦٠٨) كلاهما من مسند (٥) أبي هريرة، وأبي سعيد. (٦) في الأصل: ((الصورة)). ابن أبي شيبة (٣٤٨/٢ - ٣٥٠). (٨) (١٠) الترمذي (١٨٣). (٢) ليس في: (ك). (٤) البخاري (٥٨١)، مسلم (٢٨٧/٨٢٦). (٧) في الأصل: ((الصورة)). (٩) في الأصل: ((النووي)). ٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ومُعَاذِ ابنِ عَفْرَاءَ، وابنِ عَبَّاسٍ، قال(١): وحَسبُك بِضَربِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ بِالدِّرَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَستَجِيزُ ذَلِكَ مِن أصحَابِهِ إِلَّا لِصِحَّةٍ ذَلِكَ عِندَهُ(٢). وذَهَبَ آخَرُونَ: إِلَى أَنَّهُ لَا تُكرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَاتَينِ الصُّورَتَينِ. ومَالَ إلَيهِ ابنُ المُنذِرِ، فقال بَعدَ ذِكرِهِ ثُبُوتَ النَّهي عن الصَّلَاةِ بَعدَ الصُّبح وبَعدَ العَصرِ: فَدَلَّ قَولُهُ وَّهِ: ((لَا تُصَلُّوا بَعدَ العَصرِ، إِلَّ أن تُصَلُّوا والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ)). وقَولُهُ: ((لَا تَحَرَّوا بِصَلَائِكُمْ طُلُوعَ الشَّمسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطِلُعُ بَينَ قَرِنَي شَيطَانٍ(٣). مَعَ قَولِ عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ: ((ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَنْهَى أن نصَلِّى (٤) فيهِنَّ ... )). الحَدِيثُ. مَعَ سَائِرِ الأخبَارِ المَذْكُورَةِ فِي غَيرِ هَذَا الْكِتَابِ (٥): عَلَى(٦) أنَّ الوقتَ المَنِهِيَّ عن الصَّلَاةِ فيهِ هَذِهِ الأوقَاتُ الثَّلَاثَةُ. قال: وممن (٧) رَوينا عنهُ الرُّخصَةَ في التَّطَوُّعِ بَعدَ العَصرِ (٨): عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ، ورَوِينَا مَعنَى ذَلِكَ عن الزُّبَيرِ، وابنِ الزُّبَيرِ، وتَمِيمِ الدَّارِيِّ، والنُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ، وأبِي أيُّوبَ الأَنصَارِيِّ، وعَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ، وفَعَلَ ذَلِكَ، الأسودُ [١٠٥/١و] بنُ يَزِيدَ، وعَمرُو بنُ مَيمُونٍ، ومَسرُوقٌ، وشُرَيحٌ، وعَبدُ اللهِ بنُ أبِي الهُذَيلِ، وأَبُو بُردَةَ، وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ الأسودِ، وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ البَيلَمَانِيِّ، والأحنَفُ بنُ قَيْسٍ. وقال أحمَدُ: لَا نَفعَلُهُ ولَا نَعِيبُ فَاعِلَهُ، وبِهِ قال: أبُو خَيْثَمَةَ، وأبُو أيُّوبَ. وحَكَى ابنُ بَطَّالٍ: إِيَاحَةَ الصَّلَاةِ بَعدَ الصُّبحِ والعَصرِ: عن ابنِ مَسعُودٍ وأصحَابِهِ، وبِلَالٍ، وأبِي الدَّردَاءِ، وابنٍ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ(٩) . قُلت: الَّذِي في ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ))(١٠) عن أكثَرِ هَؤُلَاءِ المَذكُورِينَ: (٢) التمهيد (٤٢/١٣)، الاستذكار (٩٣/١). (١) ليس في: الأصل. (٣) في الأصل: ((الشيطان)). (٤) في (ك، ح، م): (يُصَلّي)). (٥) في الأصل: ((الباب)). (٦) في (ح): ((عن)). في (ك، م): («فيمن)). (٧) (٨) بعدها في (ك): ((عن)). (٩) الأوسط (٣٨٧/٢ - ٣٩٤)، وشرح البخاري لابن بطال (٢٠٧/٢). (١٠) ينظر: المصنف (٣٤٨/٢ - ٣٥٠).