Indexed OCR Text
Pages 1-20
يُحَقَقُ لأَوَلِ مَرَّةٍ عَلَى سِتِ نُسَخٍ خَطِيَّةٍ في ،١٧٧ شَهِح التَّقِين تَأليفُ الحَافِظِ أبِيْ الفَضْلِ زَيْنِ الدِّيْنِ عَبْدِالرَّحِيْمِ يْنِلحُسَيْنِ الْعِرَاقِيِّ ٨٠٦ هـ وَتَتِيِمُ وَلَدِهِ الْحَافِظِ أبِيْ زُرْعَةٍ وَلِّ الذِّيْنِ أَحْمَدَ أَبْنِ الْعِرَاقِيِّ ٨٢٦ هـ تَحَقِيْق مُحَمَّد سَيِّدْبْن عَبْد الفَتَّاحِ دَرُوِيْشُ الجزءُ الثَّانِي دارابن الجوزي 7 3 3 طَرْخُ النَّشْرِيُ ما ٥ 3 .. في ١٧٧،٥ شَرحَ النَّقُ ٢ جَمِيِّع ◌َلِحُقُوقِ حِفْقَظَ الِدَارُ ابنُ الجَوُ الطّبْعَة الأولى ١٤٣٨هـ حقوق الطبع محفوظة ٢ ١٤٣٨هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. بن د/دابن النشر والتوزيع دارابن الجوزي لِلنَّشر والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧ الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي : ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ جوّال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٤٥١٩ - بيروت هاتف: ٨٦٩٦٠٠ /٠٣ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨ تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com كِتَابُ الصَّلاَةِ كِتَابُ الصَّلَاةِ عن بُرَيدَةَ بنِ الخُصَيبِ قال: قال رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: (بَينَنَا وبَينَهُم تَرُكْ الصَّلَاةِ، فَمَن تَرَكَهَا فَقَد كَفَرَ)). رَواهُ التِّرمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ مَاجَه، وابنُ حِبَّنَ(١)، بِلَفظِ ((العَهدُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَهُم الصَّلَاةُ)). وقال التِّرمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. فيه فوائد: ■ الأُولَى: الضَّمِيرُ في قَولِهِ: ((و(٢) بَينَهُم)). يَعُودُ عَلَى الكُفَّارِ، أو (٣) المُنَافِقِينَ، مَعنَاهُ: بَيْنَ المُسلِمِينَ والكَافِرِينَ، أو (٤) المُنَافِقِينَ تَرِكُ الصَّلَاةِ. وأمَّا رِوايَةُ أصحَابِ السُّنَنِ: ((العَهدُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَهُم الصَّلَاةُ». فَالمُرَادُ: أنَّهُمْ (٥) مَا دَامُوا يُصَلُّونَ، فَالعَهدُ الَّذِي بَيْنَهُم وبَيْنَ المُسلِمِينَ مِن حَقْنِ الدَّمِ بَاقٍ، ولِذَلِكَ(٦) قال في حَدِيثٍ أُمِّ أيمَنَ: ((مَن تَرَكَ صَلَةً مُتَعَمِّدًا(٧) فَقَد بَرِئَت مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ)). رَواهُ أحمَدُ في ((مُسنَدِهِ)(٨)، وهُو مُنقَطِعٌ. ورَواهُ الطَّبَرَانِيُّ في ((المُعجَمِ الأوسَطِ))(٩) مِن حَدِيثِ مُعَاذٍ، ولَم يَقُل: ((وَرَسُولُهُ)). وهُو كَحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرفُوعًا: ((نُهِيتُ عن قَتلِ المُصَلِّينَ)). الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٢)، وابن ماجه (١٠٧٩)، وابن حبان (١٤٥٤). (١) (٢) ليست في: (ك). (٣) في (ك): ((أو على)). (ح): (و)). (٤) في (م): ((و)). (٥) في الأصل: ((بهم)). (٦) في (ك): ((وكذلك)). (٧) في الأصل: ((متعمَّدة)). (٨) أحمد (٤٢١/٦) وهو من رواية مكحول، عن أم أيمن، ومكحول لم يسمع من أم أيمن. (٩) الطبراني في الأوسط (٧٩٥٦). ـ22 ٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ رَواهُ أَبُو دَاوُد بِإِسنَادٍ ضَعِيفٍ (١)، ورَواهُ أحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، مِن حَدِيثِ رَجُلٍ مِن الأنصَارِ: أنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ بِّه، وهُو في مَجلِسٍ فَسَارَّهُ(٢): يَستَأذِنُهُ في قَتِلِ رَجُلٍ مِن المُنَافِقِينَ، فَجَهَرَ(٣) رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقال: ((أَلَيْسَ يَشْهَدُ أن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؟)) (٢/ ١٤٦م) قال الأنصَارِيُّ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، ولَا شَهَادَةً لَهُ. [فَقال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَيسَ يَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟)) قال: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، ولَا شَهَادَةَ لَهُ](٤) قال: ((أَلَيسَ يُصَلِّي(٥)؟)) قال: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، (٦ ولَا صَلَاة٦َ) لَهُ. فَقال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللهُ عن قَتْلِهِم))(٧)، ورَوى (٨) التِّرمِذِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن رِوايَةٍ عَبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ قال: كَانَ أصحَابُ رَسُولِ اللهِ نََّ لَا يَرَونَ شَّيْئًا مِن الأعمَالِ تَركُهُ كُفرٌ غَيرَ الصَّلَاةِ (٩). الثَّانِيَةُ: فيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَهَبَ إلَيهِ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ، وابنُ حَبِيبٍ مِن المَالِكِيَّةِ: أنَّهُ يَكْفُرُ بِتَركِ الصَّلَاةِ، وإن لَم يَكُن جَاحِدًا لَهَا، وهُو مَحكِيٍّ عن عَلِيٍّ بنِ أبِي طَالِبٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، والحَكَمِ بنِ عُتَيبة(١٠)، وإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعضُ أصحَابِ الشَّافِعِيّ(١١). ومِن حُجَّتِهِم أيضًا: مَا رَواهُ مُسلِمٌ في ((صَحِيحِهِ))؛ مِن حَدِيثِ جَابِرٍ، قال: سَمِعت رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((بَينَ (١٢ الرَّجُلِ وبَين١٢َ) الشِّركِ والكُفرِ: تَرُك الصَّلَاةِ» (١٣). ورَوى ابنُ مَاجَه(١٤) مِن رِوايَةٍ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عن أنَسٍ، عن النَّبِيِّ وَّ: (١) أبو داود (٤٩٢٨). (٣) في (ح): ((فجهز)). (٥) بعدها في (ح): ((يا رسول الله)). (٧) أحمد (٤٣٢/٥). (٩) الترمذي (٢٦٢٢). (١١) ينظر: الذخيرة (٤٨٢/٢)، والمهذب (٥١/١)، والحاوي (٥٢٧/٢)، وحلية العلماء (٢/٢). (١٢ - ١٢) ليس في: الأصل. (١٤) ابن ماجه (١٠٨٠). (٢) في (ك): ((فسارّ)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٦ - ٦) في (ك): ((والصلاة)). (٨) في (م): ((روی)). (١٠) في الأصل، (م): ((عيينة)). (١٣) مسلم (١٣٤/٨٢). كِتَابُ الصَّلاَةِ ٧ = ((ليسَ بَينَ العَبدِ والكُفرِ، أو (١) الشِّرِكِ، إِلَّا تَرُكُ الصَّلَاةِ)) . ورَواهُ الطَّبَرَانِيُّ في ((المُعجَمِ الأوسَطِ)) (٢)، بِلَفِظِ: ((مَن تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا(٣) فَقَد کَفَرَ». ورَوى مُحَمَّدُ بنُ نَصرٍ أيضًا، مِن حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قال: أوصَانًا رَسُولُ اللهِ وَ﴿ه بِسَبع خِلَالٍ (٤)، فَقال: ((لَا تُشرِكُوا بِاللهِ شَيئًا، وإن قُطِّعْتُم، أو حُرِّقْتُم، أو صُلِيتُم، وَلَا تَتَرُكُوا الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدِينَ، فَمَن تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَد خَرَجَ مِن المِلَّةِ». الحَدِيثَ، ورَواهُ الطََّرَانِيُّ في ((المُعجَمِ الكَبِيرِ))(٥). ورَوى أَبُو بَكرِ البَزَّارُ في ((مُسنَدِهِ))(٦) مِن حَدِيثِ أبِي الدَّردَاءِ، قال: ((أوصَانِي خَلِيلِ نَّهِ أَلَّا أُشْرِكَ (٧) بِاللهِ شَيئًا، وإن حُرِّقتُ، وأَلَّا أنْرُكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَن تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا [٩٢/١ظ] فَقَد كَفَرَ)). وفي إسنَادِهِ شَهرُ بنُ حَوشَبٍ، مُختَلَفٌ فيهِ (٨). وقال النَّوِيُّ في ((الخُلَاصَةِ)): إنَّهُ حَدِيثٌ مُنكَرٌ(٩). وأخرَجَهُ الحَاكِمُ في ((المُستَدرَكِ)) مِن حَدِيثِ أُمَيمَةَ بِنتِ رُقَيقَةً(١٠). ورَوى الطَّبَرَانِيُّ في ((أكبَرِ مَعَاجِمِهِ)؛ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ولا أعلَمُهُ إلَّا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََِّ، قال: ((بُنِيَ الإِسلَامُ عَلَى خَمسٍ)). الحَدِيثَ، فَذَكَرَ مِنْهَا الصَّلَاةَ، (١ ١ثُمَّ قال (١): ((فَمَن (١٢) تَرَكَ واحِدَةً مِنْهُنَّ كَانَ كَافِرًا حَلَالَ الدَّمِ))(١٣). ورَوى أحمَدُ في ((مُسنَدِهِ)). وابنُ حِبَّانَ في (١٤٧/٢م) ((صَحِيحِهِ)) مِن حَدِيثٍ (١) في (ك): ((و)) . (٣) في (ك): ((متعمد)). (٥) تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٩٢٠)، والمعجم الكبير، كما في (م) جمع الزوائد (٤/ ٢١٩). (٦) مسند البزار (٤١٤٨). (٨) ينظر: التاريخ الصغير للبخاري (٢٥٥/١)، والمجروحين (٣٦١/١)، وتهذيب الكمال (٥٧٨/١٢). (٩) (٢٤٨/١). (١٠) المستدرك (٤١/٤)، وفيه من مسند أميمة مولاة رسول الله وَ له، وليست بنت رقيقة. (١١ - ١١) في (ح): ((فقال)). (١٢) في (ك): ((من)). (٢) المعجم الأوسط (٣٣٤٨). (٤) ليس في: (ك). (٧) في (ك): ((تشرك)). (١٣) المعجم الكبير (١٢٨٠٠). ٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، عن النَّبِيِّ وََّ، أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَومًا، فَقال: ((مَن حَافَظَ عَلَيهَا كَانَتِ لَهُ نُورًا وبُرِهَانًا ونَجَةً(١) يَومَ القِيَامَةِ، ومَن لَم يُحَافِظِ عَلَيهَا، لَم يَكُن لَهُ نُورٌ، وَلَا بُرِهَانٌ، وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَومَ القِيَامَةِ مَعَ فِرْعَونَ، وهَامَانَ، وأُبَّيِّ بنِ خَلَفٍ))(٢) . وذَهَبَ جُمهُورُ أهلِ العِلمِ: إِلَى أَنَّهُ لَا يَكفُرُ بِتَركِ الصَّلَاةِ، إذَا كَانَ غَيرَ جَاحِدٍ لِوُجُوبِهَا، وهُو قَولُ بَقِيَّةِ الأئِمَّةِ، أبِي حَنِيفَةَ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وهِيَ رِوايَةٌ عن أحمَدَ (٣بنِ حَنبَلٍ(٣) أيضًا (٤). وأجَابُوا عَمَّا صَحَّ مِن أحَادِيثِ الْبَابِ بِأجوِيَةٍ: مِنْهَا: أنَّ مَعنَاهَا أنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةَ الكَافِرِ وهِيَ القَتلُ. والثَّانِي: أنَّهَا مَحمُولَةٌ عَلَى مَن استَخَلَّ تَركَهَا مِن غَيرِ عُذرٍ . والثَّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَؤولُ بِفَاعِلِهِ إِلَى الكُفرِ، كَمَا قِيلَ: المَعَاصِي بَرِيدُ الكُفرِ. والرَّابِعُ: أنَّ فِعلَهُ فِعلُ الكُفَّارِ، ولَم يَصِحَّ مِن أحَادِيثِ (٥) البَابِ غَيْرُ حَدِيثٍ بُرَيدَةَ، وحَدِيث٦ِ) جَابٍِ . وأمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ: فَقال الدَّارَقُطْنِيُّ في ((العِلَلِ)): الأشبَهِ بِالصَّوابِ عن الرَّبِيعِ بنِ أنَسٍ مُرسَلًا(٧). وحَدِيثُ أبِي الدَّردَاءِ: تَقَدَّمَ تَضعِفُهُ. وحَدِيثُ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ الَّذِي قال فيهِ: (فَقَدْ خَرَجَ مِن المِلَّةِ): فَالرَّاوِي لَهُ عن عُبَادَةَ: سَلَمَةُ بنُ شُرَيحِ، وهُو مَجهُولٌ: قالهُ صَاحِبُ ((المِيزَانِ)) (٨) . وقال ابنُ يُونُسَ في (تَارِيخِ مِصرَ)): ولَا يُحَدِّثُ عن سَلَمَةَ غَيرُ يَزِيدَ (٩) (١) بعدها في (م): ((إلى)). (٢) أحمد (١٦٩/٢)، وابن حبان (١٤٦٧). (٣ - ٣) ليس في: (ح). (٤) ينظر: الاستذكار (٢٠٤/١)، والتمهيد (٢٩٥/٢٣)، والحاوي (٥٢٥/٢)، والشرح الكبير لابن قدامة (٣٨٢/١). (٥) في (ح): ((حديث)). (٧) العلل (١٢/ ٨١، ٨٢). (٩) ليس في: (ك). (٦) ليس في: (ح). (٨) الميزان (٢٧١/٣). كِتَابُ الصَّلاَةِ ٩ = ابنِ قَوذَر(١)، وفيهِ أيضًا مَن يُحتَاجُ إلَى الکَشفِ عن(٢) حَالِهِ. وحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَكَّ الرَّاوِي لَهُ عن ابنِ عَبَّاسٍ في رَفعِهِ، وهُو أبُو الجَوزَاءِ الرَّبَعِيُّ. وحَدِيثُ أُمَّ(٣) أيمَنَ: تَقَدَّمَ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وحَدِيثُ مُعَاذٍ: في إسنَادِهِ عَمرُو(٤) بنُ واقِدٍ، وهُو الدِّمَشقِيُّ: مُنكَرُ الحَدِيثِ: قالهُ الْبُخَارِيُّ(٥)، وهُو أيضًا مِن رِوايَةِ أبِي إدرِيسَ الخَولَانِيِّ؛ عن مُعَاذٍ، وقَد قال أبُو زُرعَةَ: إِنَّهُ لَم يَصِحَّ سَمَاعُهُ مِنْهُ. وكَذَا قال الزُّهرِيُّ: إنَّهُ فَاتَهُ مُعَاذٌ، وأثبَتَ ابنُ عَبدِ البَرِّ: سَمَاعَهُ مِنْهُ، وكَذَا(٦) قال الوليدُ بنُ مُسلِمٍ: أدرَكَهُ، وهُو ابنُ عَشرِ سِنِينَ(٧). وأمَّا حَدِيثُ عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو (٨): (٩فَهُو، و٩) إِن كَانَ صَحِيحًا: فَلَا يَلزَمُ مِن كَونِهِ يَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ مَعَ فِرعَونَ وهَامَانَ وأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ، أن يَكُونَ مُخَلَّدًا في النَّارِ مَعَهُم، بَل قَد يُعَذَّبُ مَعَهُم في النَّارِ، ويَخرُجُ بِالشَّفَاعَةِ (١٠)، أو يُغْفَرُ لَهُ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: احتَجَّ الجُمهُورُ عَلَى عَدَمِ تَكفيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ مِن غَيرِ جُحُودٍ، بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨]، وبِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ، مِنْهَا: حَدِيثُ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قال: سَمِعت (١٤٨/٢م) (١) في الأصل، (م): ((قَوذ)). وهو مقيد في تاريخ البخاري (٣٥٣/٨): بالذال المعجمة (قوذر)، وتبعه أبو النرسي والدارقطني. وقيده ابن يونس وعبد الغني: بالدال المهملة (قودر)، وصوبه ابن ماكولا، فقال: وابن يونس أعرف بأهل بلده، وكأن قوله الأشبه. ينظر: الجرح والتعديل (٢٨٤/٩)، تهذيب مستمر الأوهام (ص٢٧٨)، توضيح المشتبه (٢٢٦/١)، ذيل ميزان الاعتدال للعراقي (ص١٢٠). (٢) في (ك): ((على)). (٣) في (ك): ((ابن)). في (ح): ((عمر)). (٤) في (ح): ((ولذا)). (٦) (٨) في (ت، م): ((عمر)). (١٠) في (ح): ((في الشفاعة)). (٥) التاريخ الكبير (٣٧٩/٦). (٧) ينظر: جامع التحصيل (ص ٢٠٥). (٩ - ٩) ليس في: (ك). ١ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((خَمسُ صَلَواتٍ فَرَضَهُنَّ اللهُ، مَن أحسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وصَلَّاهُنَّ لِوقتِهِنَّ، وأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وخُشُوعَهُنَّ: كَانَ لَهُ عِندَ اللّهِ عَهِدٌ أن يَغْفِرَ لَهُ، ومَن لَم يَفْعَل فَلَيْسَ لَهُ عِندَ اللهِ عَهِدٌ، إن شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وإن شَاءَ عَذَّبَهُ)). رَواهُ أَبُو دَاوُد، والنَّسَائِيُّ، وابنُ مَاجَه: بِإِسنَادٍ صَحِيحِ (١). ومِنهَا: حَدِيثُ عُبَادَةَ أيضًا في ((الصَّحِيحَينِ)): ((مَن شَهِدَ أن لا إلَهَ إِلَّ اللهُ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، وأنَّ عِيسَى عَبدُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ القَاهَا إِلَى مَريَمَ ورُوحٌ مِنْهُ، والجَنَّةَ والنَّارَ حَقٌّ: أدخَلَهُ اللهُ(٢) الجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِن عَمَلٍ))(٣)، وفي رِوايَةٍ لِمُسلِم: ((مَن شَهِدَ أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: حَرَّمَ الله (٤) عَلَيهِ الثَّارَ))(٥) . وفي ((الصَّحِيحَينِ)) أيضًا، مِن حَدِيثِ عِتبانَ(٦) بنِ مَالِكِ: ((لَا يَشْهَدُ أحَدُ(٧) أن لَا إِلَهَ إِلَّ اللهَ، وأَنِّي رَسُولُ الله، فَيَدخُلَ النَّارَ، أو تَطْعَمَهُ النَّارُ)) (٨). وفي ((الصَّحِيح)) (٩) غَيرُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. ا الزَّابِعَةُ: الألِفُ واللَّامُ في الصَّلَاةِ؛ يُحتَمَلُ أنَّهَا [٩٣/١و] لِلجِنسِ، ويُحتَمَلُ أنَّهَا لِلعَهدِ، وهُو أظهَرُ، وإِذَا كَانَت لِلعَهدِ فَالمُرَادُ الصَّلَاةُ المَعْهُودَةُ، وهِيَ الصَّلَواتُ الخَمسُ، ثُمَّ هَل يُصَدَّقُ الثَّرِكُ لَهَا بِتَركِ صَلَاةٍ واحِدَةٍ أم (١٠) يَتَوَقَّفُ عَلَى تَركِ الخَمسِ؟ ويَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَا وقَعَ مِن الخِلَافِ بَيْنَ العُلَمَاءِ في أنَّهُ هَل يُقتَلُ بِتَركِ صَلَاةٍ واحِدَةٍ، أو أكثَرَ؟ فَذَهَبَ الجُمهُورُ: إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَركِ صَلَاةٍ واحِدَةٍ، إِذَا أخرَجَهَا عن آخِرٍ (١١) (١) أبو داود (٤٢٥)، والنسائي (٤٦٠)، وابن ماجه (١٤٠١). (٢) ليس في: الأصل. (٤) ليس في: الأصل، (م). (٦) في (م): ((عثمان)). (٨) البخاري (٥٤٠١)، ومسلم (٥٤/٣٣). (١٠) في الأصل، (م): ((أو)). (٣) البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٤٦/٢٨). (٥) مسلم (٢٩/ ٤٧). (٧) ليس في: (ح). (٩) في الأصل: ((الصحيحين)). (١١) ليس في: (ك). كِتَابُ الصَّلَاةِ ١١ = وقتِهَا، ومِمَّن حَكَاهُ عن الجُمهُورِ صَاحِبُ ((المُفهِم)»(١)، ويَدُلُّ لَهُم حَدِيثُ: ((مَن تَرََكَ صَلَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ)). وقَد تَقَدَّمَ. ولِأصحَابِ الشَّافِعِيِّ ◌َخْفُهُ، فيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ(٢)، وحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ(٣)، خَمسَةَ أوجُهٍ، قال: وظَاهِرُ المَذهَبِ: استِحِقَاقُ القَتلِ بِتَركِ صَلَاةٍ واحِدَةٍ، فَإِذَا تَضَيَّقَ (٤) وقتُهَا طَالَبِنَاهُ بِفِعلِهَا، وقُلْنَا لَهُ: إن أخرَجتهَا (٥) عن وقتِهَا قَتَلْنَاك، فَإِذَا أخرَجَهَا(٦): فَقَد استَوجَبَ القَتلَ، ولَا يُعتَبَرُ بِضِيقِ وقتِ الثَّانِيَةِ، وبِهَذَا قال مَالِكٌ، وعن أبِي (٧) إسحَاقَ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَستَوجِبُ القَتلَ إِذَا ضَاقَ وقتُ الثَّانِيَةِ، وعن الإصطَخرِيِّ(٨): لَا يُقتَلُ حَتَّى يَترُكَ ثَلَاثَ صَلَواتٍ ويَضِيقَ وقتُ الرَّابِعَةِ، وعنهُ: أَنَّهُ(٩) إِنَّمَا يَستَوجِبُ (١٠) القَتلَ إِذَا تَرَكَ أَرَبَعَ صَلَواتٍ، وامتَنَعَ عن الفَضَاءِ، وعنهُ: أنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِعَدَدٍ، ولَكِن إِذَا تَرَكَ مِن الصَّلَاةِ قَدْرَ مَا يَظْهَرُ لَنَا اعتِيَادُهُ لِلتَّركِ. قال الرَّافِعِيُّ: والمَذهَبُ الأولُ. قال: والاِعتِبَارُ بِإخراج الصَّلَاةِ عن وقتِ العُذرِ والضَّرُورَةِ، فَإذَا تَرَكَ الُظُهرَ: لَم يُقتَل، حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، وإِذَا تَرَكَ (١١) المَغْرِبَ: لَم يُقتَل، حَتَّى يَطلُعَ المفهم (٢٧١/١). (١) ينظر: الأم (٢٥٥/١)، والحاوي (٥٢٤/٢)، والوسيط (٣٩٥/٢). (٢) (٣) ينظر: الشرح الكبير (٢٨٢/٥). (٤) في الأصل: ((ضاق)). (٥) في الأصل: ((أخرجها)). (٧) في (ك): ((ابن)). (٦) بعدها في (م): ((عن وقتها)). بكسر الألف، وسكون الصاد، وفتح الطاء المهملتين، وسكون الخاء المعجمة، وفي (٨) آخرها الراء، نسبة إلى ((اصطخر)) من كور فارس، وهو أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد الاصطخري، شيخ الشافعية، وفقيه العراق، رفيق ابن سريج، تفقه بأصحاب المزني والربيع، مات في جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، عن نيف وثمانين سنة. طبقات الشيرازي (ص١١١)، الأنساب لابن السمعاني (٢١٩/١)، المنتظم (٣٠٢/٦)، طبقات الشافعية (٢٣٠/٣)، السير (٢٥٠/١٥). (٩) ليس في: (ح). (١٠) في (ك): ((يستحق)). (١١) من هنا يبدأ خرم في (ك)، ينتهي أثناء الفائدة الثانية، في باب مواقيت الصلاة. ١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الفَجرُ: حَكَاهُ الصَّيدَلَانِيُّ(١)، وتَابَعَهُ الأَئِمَّةُ عَلَيهِ(٢) . ] الخَامِسَةُ: فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى (١٤٩/٢م) أبِي حَنِيفَةَ والمُزَنِيِّ، حَيثُ ذَهَبَا إِلَى أنَّهُ لَا يُقتَلُ تَارِكُ الصَّلَاةِ، بَل يُحَبَسُ ويُعَزَّرُ إِلَى أَن يُصَلِّيَ (٣). لِنَّ الكُفرَ مُقتَضٍ لِلقَتلِ، وإنَّمَا لَم نَقُل(٤) بِالتَّكفيرِ لِمَا ذَكَرنَا مِن الأدِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِعَدَمِ تَكفيرِهِ، فَحَمَلنَا الكُفرَ عَلَى أنَّ عُقُوبَتَهُ عُقُوبَةُ الكَافِرِ، وهُو القَتلُ، ويَدُلُّ لِلِقَائِلِينَ بِقَتِهِ حَدِيثُ ((نُهِيت عن قَتلِ المُصَلِّينَ)). وقَد تَقَدَّمَ في الفَائِدَةِ الأُولَى، مِن هَذَا الحَدِيثِ. ■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((فَمَن تَرَكَهَا فَقَد كَفَرَ)). لَيسَ المُرَادُ بِالتَّركِ هُنَا عُمُومُ التَّركِ، بَلِ المُرَادُ التَّركُ عَمدًا، قَطعًا عَلَى قَولِ مَن حَمَّلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وقَولِ مَن تَأولَهُ أيضًا، وقَد صَرَّحَ في حَدِيثِ أَنَسٍ وحَدِيثٍ أبِي الدَّردَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ في الفَائِدَةِ الثَّانِيَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَولُهُ فَّهِ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((لَيسَ في النَّومِ تَفرِيطٌ، إنَّمَا التَّغْرِيطُ عَلَى مَن لَم يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدخُلَ وقتُ الصَّلَاةِ الأُخرَى)) (٥)، وقَولُهُ: ((رُفِعَ عن أُمَّنِيِ الخَطَأُ، والنِّسَيَانُ))(٦)، وقَولُهُ: ((مَن نَامَ عن صَلَاةٍ، أو نَسِبَهَا: فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا وقتَ لَهَا إِلَّ ذَلِكَ))(٧). (١) الظاهر: أن المقصود به هنا: أبو بكر محمد بن داود بن محمد الداودي، شارح مختصر المزني، تلميذ أبي بكر القفال، توفى نحو سنة سبع وعشرين وأربع مائة. الأنساب (٥٧٣/٣)، طبقات ابن السبكي (١٤٨/٤)، طبقات ابن قاضي شهبة (٢٠٤/١). (٢) وينظر: روضة الطالبين (١٤٧/٢). (٣) وينظر: الحاوي (٥٢٥/٢)، واختلاف العلماء لابن هبيرة (٨٠/١)، وبداية المجتهد (٩٠/١). (٤) في (ك): ((يقتل)). ابن ماجه (٢٠٤٣) من حديث أبي ذر بلفظ: ((تجوز)). (٦) (٧) البخاري (٥٩٧)، مسلم (٣١٤/٦٨٤). (٥) مسلم (٣١١/٦٨١). ـلى كِتَابُ الصَّلَاةِ ١٣ = السَّابِعَةُ: اختَلَفَ القَائِلُونَ بِقَتلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، هَل يُستَتَابُ أم لا؟ وفيهِ قَولَانِ لِلمَالِكِيَّةِ: حَكَاهُمَا صَاحِبُ ((المُفهِم)) وغَيرُهُ(١)، وقال الرَّافِعِيُّ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِن الاستِتَابَةِ قَبلَ القَتلِ (٢). وصَحَّحَ النَّووِيُّ في ((التَّحْقِيقِ)): أنَّهُ تُندَبُ الإِسْتِتَابَةُ، ولَا تَجِبُ. وقِيلَ: تَجِبُ، وهَذَا لَيسَ بِجَيِّدٍ، فَإِنَّ هَذَا الخِلَافَ إنَّمَا هُو في الاِسْتِتَابَةِ [ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أو في الحَالِ، فيهِ قَولَانِ. وهَذَا الْخِلَافُ في الاِسْتِحِبَابِ، كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ. أُمَّا وُجُوبُ الاستِتَابَةِ](٣): فَلَم يَحكِ فيهِ الرَّافِعِيُّ خِلَافًا في الصَّلَاةِ، وإن كَانَ في استِتَابَةِ المُرتَدِّ: وجهَانٍ، أَصَحُهُمَا الوُجُوبُ(٤)، واللهُ أعلمُ. وقَد استَشكَلَ بَعضُ مَشَابِخِنَا: سُقُوطَ القَتلِ بِالثَّوبَةِ فِي حَقِّ تَارِكِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقتَلُ حَدَّا لَا كُفْرًا، والثَّوبَةُ لَا تُسقِطُ الحُدُودَ!؛ كَمَن سَرَقَ نِصَابًا، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّ الحَدَّ لَا يَسقُطُ. ■ الثَّامِنَةُ: الصَّلَاةُ المَترُوكَةُ عَمْدًا حَتَّى يَخْرُجَ وقتُهَا: اختَلَفُوا في وُجُوبٍ قَضَائِهَا، فَذَهَبَ الأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ إلَى: وُجُوبٍ قَضَائِهَا(٥)، وذَهَبَ ابنُ حَزمٍ(٦) إلَى: أنَّهُ [٩٣/١ظ] لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّ القَضَاءَ إِنَّمَا يَجِبُ بِأمرٍ جَدِيدٍ، وَقَد قَيَّدَ الشَّارِعُ المَأمُورَ بِالقَضَاءِ بِالنَّائِمِ والنَّاسِي، في قَولِهِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((مَن نَامَ عن صَلَاةٍ، أو نَسِيَهَا فَلَيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا))(٧)، وهَذَا مَفْهُومُ شَرطِ، وهُو حُجَّةٌ عَلَى الرَّاجِحِ عِندَ الأُصُولِينَ(٨). واختَارَ الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ ابنُ عَبدِ السَّلَامِ مِن الشَّافِعِيَّةِ: أنَّهُ لَا يَجِبُ القَضَاءُ؛ كَقَولِ ابنِ حَزْمِ(٩). (١) المفهم (٣٥/٢). (٢) الشرح الكبير (٣٠٥/٥). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. الشرح الكبير (٣٠٦/٥)، وينظر: التنبيه (ص٢٤٠)، والحاوي (١٥٨/١٣). (٤) (٥) ينظر: فتح الباري لابن رجب (٣٥٥/٣)، والمفهم (٣٠٩/٢). ينظر: المحلى (٢٣٥/٢ - ٢٤٤). (٦) (٨) ينظر: إرشاد الفحول (٤٣/٢). (٧) البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٣٠٩/٦٨٠). (٩) ينظر: قواعد الأحكام (١٣٢/١، ٦/٢). ١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وبَالَغَ ابنُ حَزم في كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ ((الإعرَابِ)) (١): فَاذَّعَى فيهِ الإِجمَاعَ عَلَى أنَّهَا (٢/ ١٥٠) لَا تُقْضَى! ونَاقَضَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستِذكَارِ)): فَادَّعَى الإجمَاعَ عَلَى الفَضَاءِ(٢)، خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَا الظَّاهِرِيُّ، واستَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ القَضَاءِ، بِقَوِلِهِ وَِّ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عن وقتِهَا فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوقتِهَا، ثُمَّ اجعَلُوا صَلَاَكُم مَعَهُم(٣) نَافِلَةً)(٤)، فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ مَعَهُم بَعدَ خُرُوجِ الوقتِ، فَلَو كَانَت غَيْرَ صَحِيحَةٍ لَمَا أُمَرَ بِالاقتِدَاءِ بِهِم، وحَمَلَ العُلَمَاءُ حَدِيثَ ((مَن نَامَ عن صَلَاةٍ، أو نَسِيَهَا)) عَلَى(٥) أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، حَتَّى لَقَد بَلَغَنِي عن بَعضِ عُلَمَاءِ المَغرِبِ، فيمَا حَكَاهُ لِي صَاحِبُنَا الشَّيخُ الإِمَامُ أَبُو الطَيِّبِ المَغرِبِيُّ(٦): أنَّهُ تَكَلَّمَ يَومًا في تَركِ الصَّلَاةِ عَمَدًا، ثُمَّ قال: وهَذِهِ المَسألَةُ مِمَّا فَرَضَهَا العُلَمَاءُ ولَم تَقَع؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِن المُسلِمِينَ لَا(٧) يَتَعَمَّدُ تَرِكَ الصَّلَاةِ(٨)، وكَانَ ذَلِكَ العَالَمُ غَيرَ مُخَالِطٍ لِلنَّاسِ، ونَشَأْ عِندَ أبِيهِ مُشتَغِلًا بِالعِلمِ مِن صِغَرِهِ حَتَّى كَبِرَ ودَرَّسَ، فَقال ذَلِكَ فِي دَرِهِ، واللهُ أعلمُ. ويُحتَمَلُ أن يُقال في الحَدِيثِ: إِنَّهُ نَبَّهَ بِالأدنَى عَلَى الأعلَى؛ كَقَولِهِ: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَا أُنّ﴾ [الإسراء: ٢٣]. فَإِذَا أُمِرَ المَعذُورُ بِالقَضَاءِ فَأولَى أن يُؤْمَرَ بِهِ مَن تَعَدَّى بِالتَّخِيرِ، كَمَن أخَّرَ حَقًّا عَلَيهِ عن وقتِهِ، ودِينُ اللهِ أحَقُّ بِالقَضَاءِ - كَمَا ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ(٩) . (١) هو كتاب في فقه الظاهرية، أفاد الزركلي في الأعلام (٢٥٥/٤): أنه مخطوط يحتوي على (٢١٤) ورقة، كُتب سنة (٧٦١) في شستربتي (٣٤٨٢). (٢) الاستذكار (٥٨/١). (٤) مسلم (٢٦/٥٣٤). (٣) ليس في: الأصل. (٥) ليس في: (ح). (٦) قال ابن رافع في الوفيات (١٥١/٢): وفي رجب منها (أي: من سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة): توفي الشيخ الصالح أبو الطيب المغربي بحماة، حكي لي عنه: أنه حج وجاور واشتغل بالعلم، وتعبد كثيرًا واشتهر، وقدم علينا بدمشق رأيته بجامعها . (٧) في الأصل: ((لم)). (٩) البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨ /١٥٤). (٨) ليس في: الأصل. 22 كِتَابُ الصَّلَاةِ ١٥ وقَد يُقال: إنَّمَا قُيِّدَ القَضَاءُ بِالنَّائِمِ والنَّاسِي في الحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ واجِبَهُ الإتيَانَ بِهِ إِذَا ذَكَرَ مَا نَسِيَهُ، أو نَامَ، ولَا كَذَلِكَ التَّارِكُ عَمدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَدَّدُ لَهُ ذِكْرٌ بَعدَ نِسَانٍ (١)، فَصَارَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ قَنَبِّكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدَنَ تَحَضُّنَا﴾. [النور: ٣٣]، فَإِنَّ مَفْهُومَ الشَّرطِ لَيسَ مَعمُولًا بِهِ؛ لَأنهنّ(٢) إذَا لَم يُرِدنَ التَّحَصُّنَ فَلَا إكرَاهَ حِينَئِذٍ، بَل زِنَاهُنَّ اختِيَارِيٌّ، فَلَا يَصِحُ أن تُؤْمَرَ السَّادَاتُ بِصِيغَةِ الإكرَاهِ، إذا لَا إِكَرَاهَ حِينَئِذٍ، واللهُ أعلمُ. (١) في (م): ((النسيان)). (٢) في (م): ((لا نھي)). ١٦ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ عن سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيرَةَ رَبه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا اشتَدَّ الحَرُّ فَأْبِرِدُوا عن الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيح جَهَنَّمَ)) (١). (١٥١/٢) فجّ رعن الأعرج، عن أبِي هُرَيرَةَ مِثلُهُ(٢)، وعن ھَّمَّام، عن أبِي هُرَيرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَبرِدُوا عن الحَرِّ في الصَّلَاةِ))(٣)، فَذَكَرَهُ. فیهِ فَوائِدُ: ■ الأُولَى: فيهِ اسْتِحِبَابُ الإبرَادِ بِصَلَاةِ الظُّهرِ في شِدَّةِ الحَرِّ، وهُو تَأخِيرُهَا إِلَى أن يَبرُدَ الوقتُ ويَنكَسِرَ وهَجُ الحَرِّ، وبِهِ قال الأئِمَّةُ الأربَعَةُ، وجُمهُورُ العُلَمَاءِ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ (٤). لَكِنَّ أكثَرَ المَالِكِيَّةِ عَلَى اختِصَاصِ الإبرَادِ بِالجَمَاعَةِ، [فَأَمَّا المُنفَرِدُ: فَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ في حَقِّهِ أفضَلُ، وكَذَا قال ابنُ حَزم الّاهِرِيُّ(٥): إنَّهُ يَختَصُّ الإبرَادُ بِالجَمَاعَةِ](٦)، وحَكَى ابنُ القَاسِم عن مَالِكٍ: أَنَّ الُظُهرَ تُصَلَّى إِذَا فَاءَ الفَيُ ذِرَاعًا في الشِّتَاءِ والصَّيفِ لِلجَمَاعَةِ (٧) والمُنفَرِدِ، عَلَى مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إِلَى عُمَّالِهِ . (١) البخاري (٥٣٦)، ومسلم (١٨٠/٦١٥). (٣) البخاري، (٣٢٦)، ومسلم (٢٦/٥٣٤). (٢) البخاري (٥٣٣). (٤) ينظر: الشرح الكبير (٤٥/٣)، والبيان والتحصيل (١٧٠/١٨)، والعدة شرح العمدة (٥٩/١). (٥) ينظر: المحلى (١٨٢/٣). في الأصل: ((الجماعة)). (٧) (٦) ليس في: الأصل، (ح). ١٧ بَابُ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ = وقال ابنُ عَبدِ الحَكَم وغَيرُهُ: مَعنَى كِتَابِ عُمَرَ: مَسَاجِدُ الجَمَاعَات(١)، فَأَمَّا المُنفَرِدُ: فَأولُ الوقتِ، أولَّی بِهِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وإِلَى هَذَا مَالَ الفُقَهَاءُ المَالِكِيُّونَ مِن البَغدَادِيِّينَ، ولَم يَلْتَفِتُوا إِلَى رِوايَةِ ابنِ القَاسِمِ (٢)، انتَهَى. وقال الشَّافِعِيُّ (٣): إنَّمَا يُستَحَبُّ الإبرَادُ في شِدَّةِ الحَرِّ، بِشُرُوطٍ: الأولُ: أن يَكُونَ فِي بَلَدٍ حَارِّ، وقال الشَّيخُ أَبُو مُحَمَّدِ الجُوينِيُّ، وغَيْرُهُ [٩٤/١و]: يُستَحَبُّ في البِلَادِ المُعتَدِلَةِ والبَارِدَةِ أيضًا، إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ. الثَّانِي: أن تُصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ، فَلَو صَلَّى مُنفَرِدًا: فَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ لَهُ أفضَلُ. الثَّالِثُ: أن يَقصِدَ النَّاسُ الجَمَاعَةَ مِن بُعدٍ، فَلَو كَانُوا مُجْتَمَعِينَ في مَوضِعٍ: صَلَّوا في أولِ الوقتِ. الرَّابِعُ: أن لَا يَجِدُوا كِنَّا يَمِشُونَ تَحتَهُ يَقِيهِم الحَرَّ. فَإِن اختَلَّ شَرطٌ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ: فَالتَّقدِيمُ أفضَلُ. وقال الشَّيخُ مُوفَّقُ الدِّينِ ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي)) (٤): ظَاهِرُ كَلَامِ أحمَدَ اسْتِحِبَابُ الإِبَرَادِ بِهَا(٥) عَلَى كُلِّ حَالٍ، قال الأثرَمُ: وهَذَا عَلَى مَذهَبِ أبِي عَبدِ اللهِ سَواءٌ، يُستَحَبُّ تَعجِيلُهَا في الشِّتَاءِ، والإبرَادُ بِهَا في الحَرِّ، وهُو قَولُ إسحَاقَ، وأصحَابِ الرَّأىِ، وابنِ المُنذِرِ، لِظَاهِرٍ قَولِهِ: (إذَا اشتَدَّ الحَرَّ فَأْبِرِدُوا بِالصَّلَاةِ»(٦)، وهَذَا عَامٌّ . وقال القَاضِي(٧): إنَّمَا يُستَحَبُّ الإبرَادُ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ: شِدَّةُ الحَرِّ، وأن (١) في الأصل، (م): ((الجماعة)). (٢) الاستذكار (٧٨/١)، والتمهيد (١٧٠/٣). (٣) ينظر: الأم (٧٢/١)، والوسيط (٢٥/٢)، والحاوي (٦٤/٢)، والشرح الكبير (٥١/٣). (٤) (٣٥/٢). (٥) ليس في: (ح). (٦) البخاري (٥٣٣). (٧) هو شيخ الحنابلة: أبو يعلى الفراء، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الحنبلي، تُوُفِي سَنَّةَ ثَمَانٍ وخَمسِينَ وأربَع مائَة. ينظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (١٩٣/٢). وهو المراد عند الحنابلة عندما يطلقون لقب القاضي. ١٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ يَكُونَ في البُلدَانِ الحَارَّةِ، ومَسَاجِدٍ (١٥٢/٢م) الجَمَاعَاتِ، فَأَمَّا مَن صَلَّاهَا في بَيْتِهِ، أو في مَسجِدٍ بِفِنَاءِ بَيْتِهِ، فَالأفضَلُ تَعجِيلُهَا . وقال القَاضِي في ((الجَامِعِ)) (١): لَا فَرِقَ بَيْنَ البُلدَانِ الحَارَّةِ وغَيرِهَا، ولَا بَيْنَ كَونِ المَسجِدِ يَنتَابُهُ النَّاسُ، أَوَ لَا، فَإِنَّ أحمَدَ كَانَ يُؤَخِّرُهَا في مَسجِدِهِ ولم یکُن بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والأخذُ بِظَاهِرِ الخَبَرِ، أولَى، انتَهَى(٢) . وذَهَبَت طَائِفَةٌ إلَى عَدَمِ استِحبَابِ الإبرَادِ مُطلَقًّا، وحَكَاهُ(٣) عن: عُمَرَ، وابنِ مَسعُودٍ، وجَابٍِ. وحَكَاهُ ابنُ بَطَالٍ: عنْهُم، وعن أبِي بَكرٍ، وعَلِيٍّ(٤). وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ: عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ، والمَشهُورُ عنهُ مُوافَقَةُ الجُمهُورِ (٥) . ■ الثَّانِيَةُ: فَاحتَجَّ مَن لَم يَعتِرْ في استِحِبَابِ الإِبَادِ سِوى شِدَّةِ الحَرِّ بِهَذَا الحَدِيثِ وغَيرِهِ مِن الأحَادِيثِ، فَإِنَّهُ لَيسَ فيهَا سِوى ذَلِكَ، واستَنْبَطَ الشَّافِعِيُّ ◌َثُ هَذِهِ الشُّرُوطَ الَّتِي اعتَبَرَهَا مِن الحَدِيثِ، وجَعَلَهُ تَخصِيصًا لِلنَّصِّ بِالمَعنَى، فَحُكِي عنهُ أنَّهُ قال: إنَّ أمرَ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ بِالإِبْرَادِ كَانَ بِالمَدِينَةِ، لِشِدَّةِ حَرِّ الحِجَازِ(٦)، ولِنَّهُ لَم يَكُن بِالمَدِينَةِ مَسجِدٌ غَيرُ مَسجِدِهِ يَومَئِذٍ، وكَانَ يُنْتَابُ مِن الْبُعدِ؛ فَيَتَأْذَّونَ بِشِدَّةِ الحَرِّ، فَأمَرَهُم بِالإِبْرَادِ، لِمَا في الوقتِ مِن السَّعَةِ: حَكَاهُ ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٧) . واستَدَلَّ التِّرمِذِيُّ في ((جَامِعِهِ))(٨)، بِحَدِيثٍ أبِي ذَرِّ الثَّابِتِ(٩) في ((الصَّحِيحَينِ)): ((أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ وَ هِ، فَقال النَّبِيُّ ◌َّ: ((أبرِد أبرِد))، أو قال: (١) هو كتاب ((الجامع الكبير في فروع الحنابلة)). وهو قطعة شرح فيها: الطهارة وبعض الصلاة والنكاح والصداق والخلع والوليمة والطلاق. ينظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢٠٥/٢)، معجم الكتب ص (٦٧)، كشف الظنون (٥٧١/١). (٢) ينظر: المغني (٣٥/٢ - ٣٧). (٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٥٨/٢ - ١٦٧). (٦) بمعناه في الأم (١/ ٧٣). (٣) الأوسط (٣٥٨/٢). التمهيد (٣/٥). (٥) (٧) التمهيد (٤/٥)، الاستذكار (٩٨/١)، وينظر: معالم السُّنن (١٢٩/١). (٨) الترمذي، باب ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر، حديث (١٥٨). (٩) في (ح): ((الثالث)). 5 = ١٩ بَابُ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ ((انتَظِرِ انتَظِر))، وقال: ((شِدَّةُ الحَرِّ مِن فَيح جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشتَدَّ الحَرُّ فَأْبرِدُوا عن الصَّلَاةِ)) حَتَّى رَأيْنَا فَيَ الثُّلُولِ))(١)، وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: أنَّ ذَلِكَ كَانَ في سَفَرٍ (٢)، عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وقال: لَو كَانَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيهِ: لَم يَكُن لِلإِبرَادِ فِي ذَلِكَ الوقتِ مَعنّى، لِاجتِمَاعِهِم في السَّفَرِ، وكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى أن يَنْتَابُوا مِن البُعدِ(٣)، انتَهَى. والجَوابُ عَمَّا قالهُ التِّرمِذِيُّ: أنَّ اجْتِمَاعَهُم في السَّفَرِ قَد يَكُونُ أكثَرَ مَشَقَّةً مِنْهُ في الحَضَرِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُم في خِبَائِهِ، أو مُستَقِرًّا في ظِلِّ شَجَرَةٍ، أو صَخْرَةٍ، ويُؤذِيهِ حَرُّ الرَّمضَاءِ إِذَا خَرَجَ مِن مَوضِعِهِ، ولَيسَ هُنَاكَ ظِلٌّ يَمِشُونَ فيهِ، وأيضًا فَلَيسَ هُنَاكَ خِبَاءٌ كَبِيرٌ يَجمَعُهُم، فَيَحتَاجُونَ إِلَى أن يُصَلُّوا في الشَّمسِ. والظَّاهِرُ أيضًا: (٤) أنَّ أخبِيَتَهُم كَانَت قَصِيرَةً لَا يَتَمَكَّنُونَ مِن القِيَامِ فيهَا، وقَد ثَبَتَ في ((الصَّحِيح)): (أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ في اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ، أو المَطِيرَةِ في السَّفَرِ (٥أن يَقُول٥َ): أَلَا صَلُّوا في الرِّحَالِ))(٦). فَلَمَّا(٧) كَانَ وُجُودُ البَردِ الشَّدِيدِ (٨أو المَطَر٨ِ) في السَّفَرِ مُرَخِّصًا في تَركِ الجَمَاعَةِ، كَذَلِكَ وُجُودُ الحَرِّ الشَّدِيدِ في السَّفَرِ مُقْتَضٍ لِلإِبْرَادِ بِالظُّهرِ (٩). وقال (١٥٣/٢م) ابنُ المُنذِرِ: ثَبَتَ أنَّ [٩٤/١ظ] رَسُولَ اللهِ وَلَه قال: ((إِذَا اشتَدَّ الحَرُّ فَأْبرِدُوا بِالظَّهرِ)). وبِخَبَرِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ نَقُولُ، وهُو عَلَى العُمُومِ (١) البخاري (٥٣٥)، مسلم (٦١٦ /١٨٤). وقوله: ((فيء التُلول)) بضم المثناة: جمعٍ تَلّ، - بفتح التاء المثناة وتشديد اللام - وهو الموضع المرتفع من الأرض، وهو الرُّبى، وفيؤها: ظلها، ومعنى هذا: أنه أخر تأخيرًا كثيرًا، حتى صار للتلول فيء، والتلول منبطحة غير منتصبة، ولا يصير لها فيء في العادة، إلا بعد زوال الشمس بكثير. مشارق الأنوار (١٢١/١)، وشرح ابن بطال (١٥٩/٢)، والنووي على مسلم (٥/١١٩). (٤) هنا انتهى الخرم المشار إليه في: (ك). (٢) البخاري (٦٢٩). (٦) البخاري (٦٦٦)، ومسلم (٢٢/٦٩٧). (٨ - ٨) ليس في: (ك). (٣) جامع الترمذي عقب ح (١٥٧). (٥ - ٥) ليس في: (ك). (٧) في (ك): ((فكما)). (٩) في (ك): ((في الظهر)). ٢٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ لَا سَبِيلَ يُستَثَنَى مِن ذَلِكَ الْبَعضِ (١)، انتَهَى. وقَد عَرَفت أنَّ التَّخصِيصَ إِنَّمَا هُو بِالمَعنَى، والصَّحِيحُ في الأُصُولِ: أنَّهُ يَجُوزُ أن يُستَنَبَطَ مِن النَّصِّ مَعنَى يُخَصِّصُهُ، لَكِن قَد يُقَالُ: لَا يَتَعَيَّنُ أن تَكُونَ العِلَّةُ مَا أَشَارَ إلَيهِ الشَّافِعِيُّ مِن تَأذِّيهِم (٢) بِالحَرِّ في طَرِيقِهِم، فَقَد تَكُونُ العِلَّةُ(٣) مَا يَجِدُونَهُ مِن حَرِّ الرَّمِضَاءِ فِي جِبَاهِهِم في حَالَةِ السُّجُودِ، وقَد ثَبَتَ في ((الصَّحِيحِ)) عن أنَسٍ قال: ((كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلفَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِالَّهَائِ: جَلَسنَا عَلَى ثِيَابِنَا اثِّقَاءَ الحَرِّ» (٤)، ورَواهُ(٥) أبُو عَوانَةَ في ((صَحِيحِهِ)): بِلَفِظِ (سَجَدْنَا))، بَدَلَ ((جَلَسنَا))(٦)، وفي سُنَنِ أبِي دَاوُد وغَيرِهِ: ((كُنت أُصَلِّي الظُّهرَ مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ؛ فَآَخُذُ قَبِضَةً مِن الحَصَى، لِتَبرُدَ في كَفي أَضَعُهَا لِجَبهَتِي، أسجُدُ عَلَيهَا لِشِدَّةٍ الحَرِّ)(٧)، وفي حَدِيثِ أنَسٍ في ((الصَّحِيحِ)): ((فَإِذَا لَم يَستَطِعِ أحَدُنَا أن يُمَكِّنَ جَبهَتَهُ مِن الأرضِ: بَسَطَ ثَوبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ»(٨) . فَهَذَا هُو المَنقُولُ عن الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهُم، ولَم نَجِد عنهُم: أنَّهُم شَكَوا مَشَقَّةَ المَسَافَةِ ولَا بُعدَ الطَّرِيقِ، ويُمكِنُ أن تَكُونَ العِلَّةُ فِي ذَلِكَ(٩): أنَّهُ وقتٌ يَفُوحُ فيهِ (١٠) حَرُّ جَهَنَّمَ وَلَهَبُهَا (١١)، وهُو ظَاهِرُ قَولِهِ: (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَیحِ جَهَنَّمَ)). (١) الإشراف على مذاهب العلماء (٣٩٥/١). (٢) في الأصل: ((تأذيتهم)). (٣) قال في حاشية (ح): ((فيه أن هذه العلة لا تطرد، فقد كانوا يسجدون على الأرض، وأما من بعدهم: فيتخذون للسجود طراريح يسجدون عليها، وأيضًا، فقوله في العلة: ((فإن شدة الحر من فيح جهنم)). يأتي تخصيصه بحر الرمضاء في جباههم! فليتأمل)). (٤) البخاري (٥٤١)، ومسلم (١٩١/٦٢٠). (٥) في (ت، ح): ((رواه)). (٧) أبو داود (٣٩٩). (٦) مسند أبي عوانة (١٠١٢). (٨) البخاري (١٢٠٨)، ومسلم (١٩١/٦٢٠). ((قد يقال: لو كانت العلة ما ذكرت: لحَرُمت الصلاة، كما هي حرام في وقت (٩) الاستواء)). من حاشية: (ح). (١٠) ليس في: (ك). (١١) ليست في: (ك). وفي (م): ((لهيبها)).