Indexed OCR Text

Pages 561-580

بابُ التیمُّمِ
٤٥٥
=
فما وجهُ الجمع بينَ(١) هذه الرواياتِ، والقصةُ واحدةٌ؟.
قال النوويُّ(٢): قال العلماءُ: المبعوثُ أُسيدُ بنُ حُضيرٍ وأتباعٌ له، فذهَبوا،
فلم يَجدوا شيئًا، ثمَّ وجدَها أُسيدُ بعدَ رُجوعِه تحتَ البعيرِ. واللهُ أعلمُ.
الحديثُ الثاني
عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، فيما يُراه سفيانُ، يَبلغُ به النبيَّ ◌َّى :
((جُعلت لِي الأرضُ مسجدًا وطهورًا)). رواه مُسلمٌ بزيادةٍ في أوَّلِه.
فيه فوائدُ:
■ الأولَى: (١٠٥/٢م) أخرجَ هذا الحديثَ مسلمٌ، والترمذيُّ،
وابنُ ماجَه (٣)، واللَّفظُ له هكذا مُختصرًا، كلُّهم من روايةِ إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، عن
العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ. وزادَ مُسلمٌ، والتِّرمذيُّ في
أوَّلِهِ: أنَّ رسولَ اللهِ بَّه قال: ((فُضِّلتُ على الناسِ بستٌّ، أُعطيتُ جوامعَ الكلم،
ونُصرتُ بالرعبِ، وأُحلَّتِ لِي المغانمُ، وجُعلَت لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا(٤)،
وأُرسلتُ إلى الخلقِ كافَّةً، وخُتُمَ بِي النبيُّونَ)).
■ الثانيةُ: قولُ أحمدَ في روايتِهِ: فيما يُراه سفيانُ، هو بضمٌ أوَّلِه؛ أي:
يَظُنُّه، وليس ذلك قادًا في صحَّةِ الحديثِ، فإنَّ بابَ الرِّوايةِ مبنيٌّ على غلبةِ الّنِّ؛
ويُحتملُ أن يَكونَ سفيانُ هو القائلُ: فيما يُراه سفيانُ. يُريدُ: فيما رأيتُ، فأوقعَ
الظاهرَ موقعَ المُضمرِ، والظاهرُ: أنَّ موضعَ الظَّنِّ من الإسنادِ كونُه من روايةِ سعيدٍ،
عن أبي هريرةَ، فإنَّ الزُّهريَّ، شيخَ سفيانَ، قد حدَّثَ (° ببعضِ الحديثِ(٥) عن
رجلينٍ، عن سعيدٍ، وعن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، فكأنَّ سفيانَ بنَ عُيينةَ تردَّدَ في
(١)
في (ك): (في)».
(٢) شرح صحيح مسلم (٥٩/٤).
(٣) مسلم (٥/٥٢٣)، الترمذي (١٥٥٣)، ابن ماجه (٥٦٧).
(٤) في (ك): ((مسجدًا وطهورًا)).
(٥ - ٥) ليس في: (ك).

٤٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
شيخِ الزُّهريِّ مَن هو؟ وغلبَ على ظنِّه أنَّه: سعيدُ بنُ المُسيَّبِ، لا أبو سلمةَ.
وقد(١) رواه مسلمٌ، والنسائيُّ(٢) من روايةِ محمدِ بنِ الوليدِ الزُّبيديِّ،
ومعمرٍ، كلاهما عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المُسيَّبِ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ. ولم
يَسْ مسلمٌ(٣) لفظَه، وساقَه النسائيُّ، (٤) بلفظِ: ((بُعثتُ بجوامع الكلمِ، ونُصرتُ
بالرُّعبِ، وبينا أنَّا نائمٌ أُتيتُ بمفاتيحِ خزائنِ الأرضِ فوُضعَت في بَدِي))، ويُحتملُ
أن يَكونَ قولُه: فيما يَراه سفيانُ؛ أي: فيما يَتعلَّقُ برفع الحديثِ، ومعمولٍ (٥)
قولِهِ: يَبلغُ به، فكأنَّه قال(٦): يَبلغُ به النبيَّ ◌َّ، فيما يَراهُ سفيانُ، والأوَّلُ أظهرُ،
لتقدُّم قولِه: فيما يَراه، فعودُه إلى الماضِي أقربُ. واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الثالثةُ: قولُهُ(٧): ((وجُعلَت لِي الأرضُ مسجدًا)). اختُلفَ في بيانِ ما
خُصِّصَ به على الأمم قبلَه في ذلك، فقيلَ: إنَّ الأممَ الماضيةَ لم تكنِ الصلاةُ
تُباحُ لهم، إلَّا في مواضعَ مخصوصةٍ؛ كالبِيَعِ، والكنائسِ؛ وقيلَ: كانوا لا يُصلُّونَ
إلَّا فيما تيقّنوا طهارته من الأرضِ، وخُصّت(٨) هذه الأمَّةُ بجوازِ الصلاةِ في جميعٍ
الأرضِ، إلَّا ما تُيُقِّنت نجاستُه. حكاهما القاضِي عياضٌ(٩).
■ الرابعةُ: عُمومُ ذكرِ الأرضِ في هذا الحديثِ مخصوصٌ(١٠) بما نَهَى
الشارعُ (١١) عن الصلاةِ [٧٩/١ظ] فيه، فروَى أبو داودَ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجَهَ (١٢)
من حديثٍ أبي سعيد الخدريِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الأرضُ كُلُّها مسجدٌ،
إِلَّا المقبرةَ والحمَّامَ».
في (ك): ((فقد)) .
(١)
(٢) مسلم (٥٢٣)، النسائي (٣٠٨٧).
(٣)
ليس في: (ك).
في حاشية (ت): ((ذا ساقه البخاري من رواية عُقيل (٧٠٠٣)، وإبراهيم بن محمد؛ كأنه
(٤)
ابن سعد: (٧٢٧٣)، وشعبة؛ ثلاثتهم، عن الزهري، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة)).
(٥)
في (ك): بياض بمقدار كلمة.
(٦) في (ت): ((يقول)).
(٧) ليس في: (ح).
(٨) في الأصل، (م): ((وخصِّصَت)).
(٩) إكمال المعلم (٤٣٦/٢) بمعناه، وينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٤/٥).
(١٠) ليس في: (ك).
(١١) ليس في: (ك).
(١٢) أبو داود (٤٩٢)، والترمذي (٣١٧)، وابن ماجه (٧٤٥).

بابُ التيمُّم
٤٥٧٠
=
ورواه(١) الحاكمُ في ((المُستدرك))(٢)، وقال: أسانيدُه صحيحةٌ. (١٠٦/٢م)
و(٣) قال التّرمذيُّ: هذا حديثٌ فيه اضطرابٌ (٤). وكذا ضعَّفَه غيرُه(٥).
قال النوويُّ(٦): والَّذينَ(٧) ضعَّفُوه أتقنُ من الحاكم. وروَى التِّرمذيُّ،
وابنُ ماجَه(٨) من حديثِ ابنِ عمرَ: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ، نَهَى أَن يُصلَّى في سبعةٍ
مواطنَ؛ في المزبلةِ، والمجزرةِ، والمقبرةِ، وقارعةِ الطَّريقِ، وفي الحمَّامِ، وفي
معاطنِ الإبلِ، وفوقَ ظهرِ بيتِ الله)).
قال التِّرمذيُّ: إسنادُه ليس بذاكَ القويِّ، وقد تُكلِّمَ في زيدِ بنِ جَبِيرةً(٩) من
قبلٍ حفظِه. ولمسلمٍ(١٠)، من حديثٍ جابرِ بنِ سمرةً: ((النهيُ عن الصلاةِ في
مباركِ الإبلِ)). ولأبِيَ داودَ (١١)؛ من حديث البراءِ: ((لا تُصلَّوا في مباركِ الإِبِل،
فإنَّها من الشياطين)).
وللبيهقيِّ(١٢)؛ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ: ((لا تُصلُّوا في أعطانِ الإبلِ،
فإنَّها خُلقَت من الشيطانِ)). ولمسلم (١٣) من حديثِ جُندب (١٤ بن عبد الله ١٤): ((لا
تتَّخذوا القبور مساجدَ)).
ولأبي داودَ(١٥)؛ من حديثٍ عليٍّ: ((إنَّ حِبِّي وََّ نهانِي أن أُصلِّيَ في
المقبرةٍ، ونهانِي أن أُصلِّيَ في أرضٍ بابلَ، فإنَّها ملعونةٌ)).
وبعضُ هذه الأماكنِ المنهيِّ عن الصلاةِ فيه، سببُ النهي غلبةُ النجاسةِ؛
(١)
ليس في: (ك).
(٢) الحاكم (٣٨١/١).
(٣)
ليس في: (ك).
(٤) الترمذي (٣١٧).
(٥) ينظر: التمهيد (٢٢٠/٥)، والتحقيق ابن الجوزي (٣١٩/١)، والتلخيص الحبير
(٦٥٨/١).
(٦) الخلاصة (٣٢١/١).
الترمذي (٣٤٦)، وابن ماجه (٧٤٦).
(٨)
(٩) ينظر: التاريخ الكبير (٣٩٠/٣)، والجرح والتعديل (٥٥٩/٣)، والضعفاء لابن الجوزي
(٣٠٤/١).
(١٠) مسلم (٣٦٠/٩٧).
(١١) أبو داود (١٨٤).
(١٣) مسلم (٥٣٢/٢٣).
(١٢) السنن الكبرى (٤٤٩/٢).
(١٤ - ١٤) ليس في الأصل، (م).
(١٥) أبو داود (٤٩٠).
(٧) في: (ك، ح): ((والذي)).

=
٤٥٨
ك
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
كالمزبلةِ، والمجزرةٍ، والمقبرةِ، والحمَّامِ، ومعاطنِ الإبلِ، على أحدِ الأقوالِ.
أو خوفُ التشويشِ، وتركُ اجتماعِ الخاطرِ؛ كقارعةِ الطّريقِ، وأعطانِ الإبلِ
على قولٍ آخرَ. أو حُضورُ الشياطينِ؛ كالحمَّامِ، وأعطانِ الإبلِ، على قولٍ، وكذا
الصلاةُ في بطنِ الوادِي، كما جاءَ في حديثٍ أَخرَ. وعدمُ القبلةِ المُستقبلةِ؛ كظهرٍ
بيتِ الله، حيثُ لا شاخصَ هناكَ ثابتٌ يُستقبلُ، وبعضُها(١) محمولٌ على التحريم،
وبعضُها(٢) على الكراهةِ، على ما هو معروفٌ في مواضعِه من الفقهِ(٣)، والكلام
على هذه الأحاديثِ(٤).
■ الخامسةُ: استدلَّ به على أنَّه لا تجبُ الصلاةُ في المساجدِ، وإن قدَرَ
على ذلك، ولم يَشقَّ عليه، وإن كان جارَ المسجدِ، وهو قولُ الجمهورِ. وأمَّا (٥)
الحديثُ الذي رواه الدَّار قطنيُّ من حديثٍ جابرٍ، عن النبيِّ وَّرِ أَنَّه قال: ((لا صلاةَ
لجارِ المسجدِ إلَّا في المسجدِ))(٦)، فهو (٧) حديثٌ ضعيفٌ، وكذلك رُويَ من حديثٍ
أبي هريرةً(٨)، وعليٍّ(٩)، وكُلُّها ضعيفةٌ(١٠)، ولو ثبتَ كان المرادُ لا صلاةَ
كاملةٌ(١١)
■ السادسةُ: استدلَّ به لأبي حنيفةَ ومالكٍ على أنَّه يَجوزُ التيمُمُ بجميعٍ
أجزاءِ الأرضِ، من التُّرابِ، والرَّملِ، والحجارةِ، والحصباءِ.
قالوا: وكما تجوزُ(١٢) الصلاةُ عليها يَجوزُ التيمُّمُ بها؛ لأنَّه لم يُفرِّقْ في
الصلاةِ عليها بينَ التُّرابِ وغيرِهِ، فكذلكَ حُكمُ التيمُّم.
في (ك): ((وبعضهم)).
(١)
ينظر: المهذب (٦٢/١)، والمغني (٤٦٨/٢).
(٣)
ينظر: التمهيد (٢٢٣/٥)، المفهم (١١٨/٢)، شرح صحيح مسلم للنووي (٢/٥).
(٤)
(٥)
في (ك): ((ويدل له أيضًا)).
في (ك): ((هو)).
الدار قطني (٤٢٠/٢)، والحاكم (٣٧٣/١).
(٨)
(٩)
الدار قطني (٤٢٠/٢).
(١٠) ينظر: العلل المتناهية (٤١٠/١)، التلخيص الحبير (٧٧/٢)، الدراية في تخريج الهداية
(٢٩٣/٢).
(١١) ينظر: فتح الباري لابن رجب (١١/٤)، وشرح ابن بطال على البخاري (٢٣١/١).
(١٢) في (ك): ((يجوز)).
(٢) بعدها في (ح): ((محمول)).
(٦) الدارقطني في السنن (٤٢٠/٢).
(٧)

بابٌ التيمُّمِ
٤٥٩
=
وذهبَ الشافعيُّ تَخُّْهُ وأحمدُ إلى تخصيصٍ ذلك بالتُّرابِ، واستدلُّوا بما
رواه (١٠٧/٢م) مسلمٌ (١) من حديثٍ حُذيفةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((فُضِّلنا على
الناسِ بثلاثٍ، جُعلَت صُفوفُنا كصفوفِ الملائكةِ، وجُعلَت لنا الأرضُ كُلُّها مسجدًا،
وجُعلَت تُربتُها لنا طهورًا إذا لم نجدِ الماءَ))، وذكرَ خصلةً أُخرَى(٢). فحملَ
الشافعيُّ وأحمدُ: روايةَ الإطلاقِ على روايةِ التقييدِ، واعترضَ القرطبيُّ في
((المُفهم))(٣): بأنَّ ذلك ذُهولٌ من قائلِه، فإنَّ التخصيصَ إخراجُ ما تناولَه العمومُ
عن الحكم، ولم يُخرجْ هذا الخبرُ شيئًا، وإنَّما عيَّنَ هذا الحديثُ واحدًا، ممَّا
تناولَه الاسمُ الأوَّلُ، مع مُوافقتِه في الحكم(٤)، وصارَ بمثابةِ قوله تعالَى: ﴿فِهِمَا
فَكِهَةٌ وَخْلٌ وَرَُّانٌ ﴿َ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقولِه: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِّكَتِهِ.
وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾(٥) [البقرة: ٩٨]، فعيَّنَ بعضَ ما تناولَه اللَّفْظُ الأوَّلُ مع
الموافقةِ في المعنَى، وكذلك ذكرُ الثُّرابِ، وإنَّما عيَّنه لكونِه أمكنَ وأغلبَ
[٨٠/١و]، قال: وأيضًا فإنَّا نقولُ بموجبِه، فإنَّ تُرابَ كلِّ شيءٍ بحسبِهِ، فيُقالُ:
تُرابُ الزِّرنيخِ، وتُرابُ النُّورةِ. انتَهَى.
وذكرَ ابنُ دقيقِ العيدِ(٦) أيضًا: أنَّه اعترضَ على الذينَ خصَّصوا عُمومَ
الأرضِ بتربةِ الأرضِ بوجُوهٍ :
منها: منعُ كونِ التّربةِ مُرادفةً للتُّرابِ(٧)، وادَّعَى أنَّ تُربةَ كلِّ مكان ما فيه من
تُرابٍ أو غيرِهِ ممَّا يُقاربُه.
(١) مسلم (٤/٥٢٢).
(٢)
النسائي (٨٠٢٢)، وابن خزيمة (٢٦٣): ((وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من
كنز تحت العرش)».
(٣)
المفهم (١١٦/٢).
قال في حاشية (ح): ((فيه أنه مناقض لقوله: وإنما عيّن هذا الحديث واحدًا، فإنه إذا
(٤)
عيّن الحديث نوعًا من جنس الأرض، كيف يكون موافقًا للأرض في الحكم؟! تأمل)).
(٥) قال في حاشية (ح): ((ما في هذه الآية تخصيص بعد تعميم، وتفصيل بعد إجمال، ليس
من تقييد المطلق)).
(٦)
إحكام الأحكام (ص١٥٦ - ١٥٧).
(٧) في حاشية (ح): ((قد جاء في رواية ما يبطل هذا المنع، وهي: ((وجُعل ترابُها لنا طهورًا)).

٤٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ومنها: أنَّه مفهومُ لقبٍ، أعنِي تعليقَ الحكم بالتُّربةِ، ومفهومُ اللَّقبِ ضعيفٌ
عندَ أربابِ الأصولِ(١)، وقالوا: لم يَقُلْ به إلَّ الدَّقَّاقُ(٢).
ومنها: أنَّ الحديثَ الذي خُصَّت به التُّربةُ بالطَّهوريَّةِ، لو سُلِّمَ (٣) أنَّ مفهومَه
معمولٌ به، لكانَ الحديثُ الآخرُ بمنطوقِه يدلُّ على طهوريَّةِ بقيَّةِ أجزاءِ الأرضِ،
أعنِي قولَه علّله: ((مسجدًا وطهورًا))، وإذا تعارضَ في غيرِ التُّرابِ دلالةُ المفهومِ
الذي يَقتضِي عدمَ طهوريَّتِهِ، ودلالةُ المنطوقِ الذي يَقتضِي طهوريَّتَه، فالمنطوقُ
مُقدَّمُ على المفهومِ. انتَهَى.
والجوابُ عن اعتراضِ القرطبيِّ الأوَّلِ، مِن جعلِه ذلك ذكرًا لبعضٍ أفرادِ
العموم، وأنَّه لم يُخرجْ شيئًا، فهذا هو عينُ المسألةِ المُتنازع فيها، وقولُه: لم(٤)
يُخرِجْ شيئًا. دعوَى، وإنَّما هذا كقولِه تعالَى: ﴿وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةِ
مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فهلًا(٥) جعلَ هذه الآيةَ ذكرًا لبعضٍ أفرادِ الآيةِ التي أُطلقَ
فيها ذكرُ الرَّقبةِ، بل اشترطَ في الكفَّارةِ إيمانَ الرَّقبةِ، حملًا لإحدَى الآيتينِ على
الأخرَى.
وأمَّا تمثيلُه بذكرِ الخاصِّ بعدَ العامِّ، فهو ذُهولٌ منه، وإنَّما صورةٌ هذا:
أن يُذكرًا(٦) معًا، العامُّ قبلَ الخاصِّ، وليس كذلكَ هذا الحديثُ، بل أطلقَ في
أحدِ الحديثينِ الأرضَ، وفيَّدَ في (١٠٨/٢م) الآخرِ ذلك بتربةِ الأرضِ، (٧وبترابٍ
الأرض٧). وأمَّا جعلُه ذلك ممَّا خرجَ مخرجَ الغالبِ، فهو أيضًا خلافُ
الأصلِ، خُصوصًا ما إذا ذُكرَ ذلك في معرضٍ إظهارِ التشريفِ، والتَّخصيصِ
بذلك، فلو خُصِّصَ بأمرٍ زائدٍ على تُرابِ الأرضِ، لمَّا اقتصرَ عليه في حديثٍ
حُذيفةً(٨).
(١) ينظر: الإحكام للآمدي (١٠٤/٣)، البحر المحيط (١٠٧/٣)، إرشاد الفحول (٣٩/٢).
(٢) ينظر: شرح الكوكب المنير (٥٠٩/٣). (٣) في (ح): ((يسلم)).
(٤) في (ك، ح): ((ولم)).
(٥) في (ت): ((فهل لا)).
(٦)
في (م): ((يذكر).
ينظر: فتح الباري لابن رجب (١٩/٢).
(٨)
(٧ - ٧) ليس في: (ح).

SI
٤٦١
بابُ التيمُّم
وأمَّا قولُه: إنَّ تُرابَ كلِّ شيءٍ بحسبِهِ؛ كترابِ الزِّرنيخِ. فليسَ في حديثٍ
حُذيفةَ إلَّا ذكرُ التُّرابِ المُطلقِ، لا لتُرابٍ(١) مُقَيَّد؛ كالماءِ المُطهِّرِ سواءٌ، فهلًّا
قال: يَصحُ(٢) التطهُّرُ بماءِ الوردِ وماءِ الباقلًا؛ لأنَّه ماءٌ، بل اقتصرَ على الماءِ
المُطلقِ، فكذلكَ الحكمُ في التيمُّمِ يَجبُ تخصيصُه بالتُّرابِ المُطلقِ، وهو تُرابُ
الأرضِ المذكورِ في الحديثِ.
وأمَّا ما ذكره ابنُ دقيقِ العيدِ، من أنَّه اعترضَ بكونِ الثُّربةِ ليست مُرادفةً
للتُّرابِ، فهو ممنوعٌ، فقد ذكرَ الهرويُّ في ((الغريبين))(٣)، وابن الأثيرِ في ((النّهايةِ))،
وغيرُهما (٤) أنَّ التُّرابَ، والتُرْب(٥)، والتُّربةَ واحدٌ؛ وأيضًا، ففِي حديثٍ حُذيفةً عندَ
البيهقيّ(٦): ((وجعلَ تُرابَها لنا طهورًا))، وهي من روايةِ أبي مالكِ الأشجعيِّ، عن
رِبعيٍّ، عن حُذيفةَ، كما هو عندَ ((مسلم))(٧)، وذكرَ أبو عمرٍو ابنُ الصلاحِ في ((عُلومِ
الحديثِ))(٨): أنَّ هذه الزِّيادةَ: تفرَّدَ بُها أبو مالكِ سعدُ بنُ طارقٍ(٩) الأشجعيُّ،
وسائرُ الرِّواياتِ لفظُها: ((وجُعلَت لنا الأرضُ مسجدًا وطهورًا)).
قلتُ: ولم يَنفردُ(١٠) بها أبو مالكِ مُطلقًا(١١)، وإنَّما تفرَّدَ(١٢) بها في حديثٍ
حُذيفةَ. وقد رواها غيرُه من حديثٍ عليٍّ من روايةِ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقِيلٍ(١٣)،
عن محمدِ ابنِ الحنفيَّةِ، عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((أُعطيتُ
ما لم يُعطَ أحدٌ من الأنبياءِ)). فقلتُ: ما هو يا رسولَ اللهِ؟ فذكر الحديثَ، وفيه:
(وجُعلَ لِي التُرابُ طهورً)). رواه (١٤) أحمدُ في ((مسندِه))، والبيهقيُّ أيضًا في
(سُنِه)) (١٥)، وإسناده حسنٌ. فتبيَّنَ أنَّ المُرادَ التُّرابُ، وأنَّه مُرادفٌ للتُّريةِ.
في (ت): ((لا كترابٍ))، وفي (م): ((لأنّ التراب)).
(١)
(٢)
في (ك): ((يجوز)).
(٣) في (م): ((العرنيين)).
(٤)
النهاية في غريب الأثر (١٨٥/١)، ولسان العرب (٢٢٧/١).
(٥)
ليس في: (م).
(٦) السنن الكبرى (٢١٣/١).
مسلم (٤/٥٥٢).
(٧)
(٩) في (ح): ((مالك)).
(١٠) في (ك، ح): ((يتفرد)).
(١١) ليس في: (ح).
(١٢) في (ح): ((انفرد)).
(١٣) في (ك): ((مغفل)).
(١٤) في (ك): ((ورواه)).
(١٥) أحمد (٩٨/١)، والبيهقي في الكبرى (٢١٣/١).
(٨) علوم الحديث (ص٢٥٤ - ٢٥٥).

=
٤٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأمَّا [١/ ٨٠ظ] قولُ مَن اعترضَ بأنَّه مفهومُ لقبٍ، فإنَّ القرينةَ والسِّياقَ في
حديثِ حُذيفةَ يَدلَّانِ على أنَّ حُكمَ التيمُّم بها مُخالفٌ للصلاةِ عليها، فإنَّه فرَّقَ بينَ
اللَّفظينِ، فقال: ((وجُعلَت لنا الأرضُ كُلُّها مسجدًا، وجُعلَت تُربتُها لنا طهورً))،
فلو اشتركَ الأمرانِ في جميعِ الأرضِ، لما فرَّقَ بينَ اللَّفظينِ، وأَّدَ الصلاةَ عليها
بقولِه: ((كُلُّها))، وأوردَ الفعلَ على التُّربةِ كما عندَ ((مسلم))، وعلى التُرابِ كما عندَ
((البيهقيٍّ))، ولو استويا لقالَ: مسجدًا وطهورًا، كما في حديث أبي هريرةَ، وقد
أشارَ ابنُ دقيقِ العيدِ إلى هذا الجوابِ.
وأمَّا الاعتراضُ بكونِ (١٠٩/٢م) دلالةِ المنطوقِ مُقدَّمةٌ على المفهوم، فقد
أجابَ عنه ابنُ دقيقِ العيدِ (١): بأنَّه يَمنعُ هذه الأولويَّةَ ما قالُوهُ من أنَّ المفهومَ
يُخصِّصُ العمومَ، قال: وقد أشارَ بعضُهم إلى خلافٍ في هذه القاعدةِ، أعنِي
تخصيصَ المفهوم للعمومِ.
■ السابعةُ: استدلَّ به القرطبيُّ(٢) على أنَّ التيمُّمَ يَرفعُ الحدثَ؛ لأنَّه سؤَّى
بينَ الأرضِ والماءِ في قولِه: ((طَهورًا))، وهي من أبنيةٍ (٣) المُبالغةِ؛ كقَتولٍ
وضَروبٍ، وهو أحدُ القولينِ لمالكِ والشافعيِّ أيضًا، والمشهورُ عن مالكٍ: أنَّه لا
يَرفعُ الحدثَ، وهو القولُ الجديدُ الصحيحُ عن الشافعيِّ(٤)، وفي الاستدلالِ به
نظرٌ.
■ الثامنةُ: قد يَحتجُّ أيضًا بصيغةِ ((طَهورٍ)) مَن يَرَى التيُمَ ثانيًا بالتُّرابِ
المُستعملِ فيه، وهو أحدُ الوجهينِ لأصحابِنا؛ لأنَّ صيغةَ ((فَعُولٍ)) دالَّةٌ على
التكرارِ، كما قالوا في الماءِ، والأصحُّ، كما قال(٥) الرافعيُّ، أنَّه لا يَصُ التيمُمُ
به ثانيًا، والمُستعملُ هو ما لصقَ من التُّرابِ بالوجهِ واليدينِ في حالِ التيمُّمِ، وأمَّا
ما تناثر، ففِيه وجهانٍ، أصحُّهما أنَّه مُستعملٌ؛ كالمُتقاطرِ من الماءِ.
(١) إحكام الأحكام (ص١٥٧).
(٢) المفهم (١١٧/٢).
(٣)
في (م): ((بنية)).
ينظر: الحاوي (٢٤٢/١)، الذخيرة (٣٦٠/١).
(٤)
(٥) في (ك): ((قاله)).

بابُ التيمُّم
٤٦٣
■ التاسعةُ: قال ابنُ دقيقِ العيدِ: أخذَ منه بعضُ المالكيَّةِ أنَّ لفظةَ ((طَهورٍ))
تُستعملُ لا بالنِّسبةِ إلى الحدثِ ولا الخبثِ، وقال: إنَّ الصَّعيدَ قد سُمِّيَ(١)
طَهورًا، وليس عن حدثٍ، ولا عن خبثٍ؛ لأنَّ التيمُّمَ لا يَرفعُ الحدثَ (٢ هذا، أو
معناه. وجعل٢َ) ذلك جوابًا عن استدلالِ الشافعيَّةِ على نجاسةِ فمِ الكلبِ
بقوله ◌ُالَّ: «طُهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولَغ فيه الكلبُ أن يُغسلَ سبعًا))(٣)، فقالوا:
طهورٌ يُستعملُ، إما عن حدثٍ، أو خبثٍ، ولا حدثَ على الإناءِ بالضّرورةِ، فتعيَّنَ
أن يَكونَ عن خبثٍ، فمنعَ هذا المالكيُّ المُجيبُ الحصرَ، وقال: إنَّ لفظةَ طهورٍ
تُستعملُ في إباحةِ الاستعمالِ كما في التُّرابِ، إذ لا يَرفعُ الحدثَ كما قُلنا،
فيكونُ قولهُ: ((طهورُ إناءِ أحدِكم)) مُستعملًا في إباحةِ استعمالِهِ أعني: الإناءَ.
قال ابنُ دقيقِ العيدِ (٤): وفي هذا عندِي نظرٌ، فإنَّ التيُّمَ، وإن قُلنا: لا
يَرفعُ الحدثَ، لكنَّهُ عن حدثٍ؛ أي: المُوجبِ لفعلِه الحدثُ، وفرقٌ بينَ قولِنا:
إنَّه عن حدثٍ؛ وبينَ قولِنا: إنَّه يَرفعُ الحدثَ.
■ العاشرةُ: فيه أنَّ التيمُّمَ لم يُرّخَّصْ فيه لأحدٍ من الأمم السالفةِ(٥)،
وكذلك الصلاةُ في جميع الأرضِ، وإنَّما هو خُصوصيَّةٌ خصَّ اللهُ تعالى به هذه
الأمةَ، تخفيفًا عنها، ورحمةً بها، وهو كذلكَ، فلَه الفضلُ والمنُّ، وقد تقدَّمَ وجهُ
التخصيصٍ في الفائدة الثالثة. (١١٠/٢م).
] الحاديةَ عشرَ: في حديث أبي هريرةَ عندَ مسلم: ((فُضِّلْتُ على الناسِ
بستٍّ))، الحديثَ. وقد تقدَّمَ في الفائدةِ الأولَى، وفي حديثٍ جابرٍ المُتَّفقِ
عليه(٦): ((أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قبلي؛ نُصرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهرٍ،
وجُعلَت لِي الأرضُ [٨١/١و] مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجلٍ من أُمَّتِي أدركَتهُ الصلاةُ
فليصلِّ، وأُحلَّت لِي الغنائمُ ولم تحلَّ لأحدٍ قبلِي، وأُعطَيتُ الشفاعةَ، وكان النبيُّ
(١)
في (ك، ح): ((یسمی)).
(٣)
سيأتي تخريجه في باب غسل النجاسة.
(٤) إحكام الأحكام (ص١٥٧).
(٦) البخاري (٣٣٥)، مسلم (٣/٥٢١).
(٥)
في (ح): ((السابقة)).
(٢ - ٢) في (م): ((هذا ومعناه جعل))!

=
٤٦٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
يُبعثُ إلى قومِه خاصَّةً، وبُعثتُ إلى الناسِ عامَّةً)). لفظُ البخاريِّ، وقال مُسلمٌ في
روايتِه: ((وجُعلَت لِي الأرضُ طيِّةً(١) طهورًا ومسجدًا))، وقدَّمَ بعضَ الخصائصِ
على بعضٍ. وفي حديثٍ حُذيفةَ عندَ مسلم: ((فُضِّلنا على الناسِ بثلاثٍ))،
الحديثَ، وقد تقدَّمَ في الفائدةِ السادسةِ.
ولأحمدَ، والبيهقيّ(٢) من حديثِ عليّ بنِ أبي طالبٍ: «أُعطيتُ ما لم يُعطَ
أحدٌ من الأنبياء))، فَقُلنا: ((ما هو يا رسولَ اللهِ؟)). فقال: ((نُصرتُ بالرُّعبِ،
وأُعطيتُ مفاتيحَ الأرضِ، وسُمِّيتُ أحمدَ، وجُعلَ لِي التُرابُ طهورًا، وجُعلَت
(١١١/٢م) أُمَّتِي خيرَ الأمم))، فجعلَها في حديثٍ سنًّا، وفي آخرَ خمسًا، وفي آخرَ
ثلاثًا، وأطلقَ في آخرَ، وَسمَّى فيه ما(٣) ليس مُسمَّى، فيما ذكرَ أعدادَهُ؟!
وأجابَ عن ذلك القرطبيُّ(٤) بأنَّ ذكرَ الأعدادِ لا يدلُّ على الحصرِ، قال:
ويجوزُ أن يَكونَ أُعلمَ في وقتٍ بالثَّلاثِ، وفي وقتٍ بالخمسِ، وفي وقتٍ
بالسِّتِّ. واللهُ أعلمُ. انتَهَى. فحصلَ مَن مجموع الأحاديثِ إحدى عشرةَ خصلةً،
تقدَّمَ منها عشرةٌ، وهي: إعطاؤُهُ جوامعَ الكلمِ، ونصرُهُ بالرُّعبِ، وإحلالُ
الغنائمِ(٥)، وجعلُ الأرضِ مسجدًا وطهورًا، وإرسالُهُ إلى الخلقِ كافَّةً، وختمُ
الأنبياءِ به، وجعلُ صُفوفٍ أُمَّتِه كصفوفِ الملائكةِ، وإعطاؤُهُ الشفاعةَ، وتسميتُهُ
بأحمدَ، وجعلُ أُمَّتِه خيرَ الأمم، والحاديةَ عشرَ: إيتاؤُهُ خواتيمَ سُورةِ البقرةِ من
كنزٍ تحتَ العرشِ، رواه النسائيُّ. وسيأتي في الفائدةِ التي تليها.
■ الثانيةَ عشرَ: دلَّ حديثُ أبي هريرةَ عندَ مسلم: أنّ جعْلَ الأرضِ له
مسجدًا وجعلَها طهورًا(٦) خصلةٌ واحدةٌ، ودلَّ حديثُ حُذيفةَ المُتقدِّمُ أنَّهما
خصلتانٍ، والجمعُ بينَهما أنَّهما خصلةٌ واحدةٌ؛ وأمَّا حديثُ حُذيفةَ، فإنَّه، وإن
(١) ليس في: (ح).
(٢) أحمد (٩٨/١)، البيهقي في الكبرى (٢١٣/١).
(٣) في (ك): ((من)).
(٥) في (ح): ((المغانم)).
(٤) المفهم (١١٥/٢).
(٦) بعدها في (ح): (له)).

=
٤٦٥
بابُ التيمُّم
فضَّلَها(١) وسمَّاها، واقتضَى كونَ(٢) هاتينٍ خصلتينٍ، فإنَّ مُسلمًا قال في(٣) آخرٍ
حديثٍ حُذيفةَ: ((وذكرَ خصلةً أُخرَى))، فاقتضَى ذلك أنَّه لم يَذكرْ إلَّا خصلتينِ،
ولم يُسمِّ الثالثةَ. وقد سمّاها النسائيُّ في روايتِه لحديثِ حُذيفةَ في ((سُننِه
الكبرَى)) (٤)، فقال: ((وأُوتيتُ هذه الآياتِ من خواتم سُورةِ البقرةِ، من كنزٍ تحثَ
العرشِ، ولم يُعطَهُنَّ أحدٌ قبلِي، ولا يُعطاهنَّ(٥) أَحدٌ بعدِي))(٦)، وكذا سمَّاها
البيهقيُّ (٧) في روايةٍ له، فقال: ((وأُعطيتُ هذه الآيةَ من آخرِ سُورةِ البقرةِ من كنزٍ
تحتَ العرشِ، لم يُعطَ أحدٌ منه قبلِي، ولا يُعطَى منه أحدٌ بعدِي)).
الثالثةَ عشرَ: في بيانِ الخصائصِ المذكورةِ في مجموعِ هذه
الأحاديثِ :
أما جوامعُ الكلمِ: فهو جمعُ المعانِي الكثيرةِ في الألفاظِ اليسيرةِ، واختلفَ
في المُرادِ به، فقيلَ: المُرادُ به القرآنُ. قالَه الهرويُّ، وقيلَ: المُرادُ به كلامُهُ وَّهِ؛
فإِنَّه كذلكَ كان(٨) .
وأمَّا النصرُ بالرُّعبِ: فهو أنَّ اللهَ وَلَّ كان يَقذفُ الرُّعبَ في قُلوبِ أعدائِه،
لتخذيلِهم، ووردَ في بعضٍ طُرقِه أنَّه كان يَسيرُ الرُّعبُ بينَ يَديه شهرًا (٩)، معناه:
أنَّه كان إذا توجَّهَ إلى وجهٍ من الأرضِ، ألقَى اللهُ تعالى الرُّعبَ على مَن أمامَهُ إلى
مسيرةِ شھرٍ .
في (م): ((فضلها)).
(١)
(٢) ليس في: (ك).
(٣)
بعدها في (م): ((حدیث)).
(٤)
النسائي في الكبرى (٧٩٦٨)، والبيهقي (٢١٣/١).
(٥)
في (ح): ((يعطاها)).
في حاشية (ح): ((قوله: ((ولا يعطاها أحد بعدي)): الظاهر أن مثل هذا يكون تقوية
(٦)
للكلام السابق، أو مجرد تتميم للكلام، وإلا فمن المعلوم أن مثل هذه الخصوصية لا
يعطاها إلا نبي، وليس بعده نبي)).
(٧)
السنن الكبرى (٢١٣/١).
ينظر: شرح ابن بطال (١٤٣/٥)، مشارق الأنوار (١٥٣/١)، شرح صحيح مسلم للنووي
(٨)
(٥/٥).
(٩) مسلم (٣/٥٢١).

٤٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأمَّا إحلالُ الغنائم(١): فسيأتي في الجهادِ، إن شاء اللهُ تعالَى، وتقدَّمَ جعلُ
الأرضِ طهورًا ومسجدًا. (٢/ ١١٢م).
وأمَّا إرسالُهُ إلى الخلقِ كافَّةً: فيشهدُ له قوله تعالَى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا
كَافَّةً لِلنَّاسِ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيْرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. قال ابنُ دقيقِ العيدِ(٣): ولا يُعترضُ
على هذا بأنَّ نُوحًا، عليه الصلاة والسلامُ، بعدَ خُروجِه من الفلكِ، كان مبعوثًا
إلى كلِّ(٤) أهلِ الأرضِ؛ لأنَّه لم يَبقَ إلَّا مَن كان مُؤمنًا معَهُ، وقد كان مُرسلًا
إليهم؛ لأنَّ هذا العمومَ في الرِّسالةِ لم يَكنْ في أصلِ البعثةِ، وإنَّما وقعَ لأجلٍ
الحادثِ الذي حدثَ، وهو انحصارُ الخلقِ في الموجودينَ بهلاكِ سائرِ الناسِ؛
وأمَّا نبيُّنا، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُهُ، فَعُمومُ رسالتِه في أصلِ البعثةِ [٨١/١ظ]. ثمَّ
ذكرَ احتمالينٍ؛ في أنَّه يَجوزُ أن تكونَ البعثةُ في حقٌّ بعضِ(٥) الأنبياءِ عامَّةً بالنّسبةِ
إلى التوحيدِ، لا إلى الفروعِ.
وأمَّا كونُهُ خُتمَ به النبيُّونَ: فمعناه أنَّ اللهَ تعالَى لا يَبعثُ بعدَهُ نبيًّا، وأمَّا نُزولُ
عيسَى ابنِ مريمَ عَلَّ في آخرِ الزَّمانِ، فإنَّه يَنزلُ بتقريرِ شريعتِهِ، مُلتزمًا لأحكامِها(٦)،
[وكذلك مَن يَقولُ من العلماءِ بنبوَّةِ الخضرِ، وأنَّه باقٍ إلى اليومِ، فهو تابعٌ لأحكامِ
هذه الملَّةِ(٧)](٨)، وكذلك إلياسُ أيضًا، على ما صحَّحَه أبو عبدِ اللهِ القرطبيُّ (٩) أنَّهُ
حيٍّ أيضًا، ولم يَصحَّ في حياتِهما، ولا في التنصيصِ على وفاتِهما حديثٌ، إلَّا
قولُه: ((أرأيتُكم ليلتكم هذه، فإنَّ على رأسِ مائةٍ سنةٍ لا يَبقَى أحدٌ ممَّن هو على وجهِ
الأرضِ)) (١٠)، فاستدلَّ به البخاريُّ على موتِ الخَضِرِ. واللهُ أعلمُ.
وأمَّا ما ذهبَ إليه بعضُ مَن يَنتسبُ (١١) إلى الصُّوفيَّةِ: من أنَّ النُّوَّةَ مُكتسبةٌ،
(١) في (ح): ((المغانم))، وفي (ك): ((المغانم له)).
(٢)
زيادة في: (ك).
(٣) إحكام الأحكام (ص١٥٥).
(٥) ليس في: (ح).
(٤)
ليس في: (ك).
في (ح): ((لأحكام هذه الملة)).
(٦)
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: ح.
(٨) ينظر: شرح ابن بطال (٢٠١/١)، النووي على مسلم (١٣٦/١٥)، فتح الباري (٢١٩/١).
(٩) ينظر: تفسير القرطبي (٤١٥٨/٦).
(١٠) البخاري (١١٦).
(١١) في (ك، ح): ((ينسب)).

=
وأنَّه يَجوزُ أن يَتَّخِذَ اللهُ بعدَ نبيِّنا نبيًّا آخرَ، فهذا قولٌ مُنابذٌ للشَّريعةِ، ومُخالفٌ
الإجماعِ الأمَّةِ، والأحاديثِ الصحيحةِ المُشتهرةِ، وقائلُ هذا يَبعدُ أن يُعدَّ من هذه
الأمَّةِ، وإنَّما هُم زنادقةٌ يَتستَّرون(١) بزيِّ بعضِ أهلِ الطَّوائفِ.
وأمَّا جعلُ صُفوفِ أُمَّتِهِ كصفوفِ الملائكةِ: فالمُرادُ به إتمامُ الصُّفوفِ الأولِ
في الصلاةِ، كما ثبتَ في الحديثِ الصحيحِ عندَ مسلمٍ (٢)؛ من حديثٍ جابرِ بنِ
سَمُرةَ قال: خرجَ علينا رسولُ اللهِ وََّ، فقال: ((ألا تصفُّونَ كما تصفُّ الملائكةُ
عندَ ربِّها؟)) فَقُلنا: يا رسولَ اللهِ، وكيفَ تُصفُّ الملائكةُ عندَ ربِّها؟. قال: ((يُتمُّونَ
الصَّفَّ الأوَّلَ، ويتراصُّونَ في الصَّفِّ))، وهذا أيضًا من خصائصٍ هذه الأمَّةِ،
وكانتِ الأممُ المُتقدِّمةُ يُصلُّونَ مُنفردينَ، كُلُّ واحدٍ على حدةٍ، ولمَّا أرادَ اللهُ تعالَى
حُصولَ هذه الفضيلةِ للأنبياءِ المُتقدِّمينَ جمعَهم: ((فتقدَّمَ النبيُّ وَّرَ فصلَّى بِهِم ليلةَ
الإسراءِ))، كما رواه النسائيُّ(٣) من (٤) حديثِ أنسٍ في قصَّةِ الإسراءِ، وفيه: ((ثُمَّ
دخلْتُ بيتَ المقدسِ؛ فَجُمعَ لِي الأنبياءُ (١١٣/٢م) ◌ِلَهُ، فقدَّمَني جبريلُ حتى
أممتُهم)) الحديثَ، ورُوِّيناه في مُعجمٍ أبي يَعلَى الموصليّ(٥)؛ من حديثٍ أُمِّ هانيٍ
في قصَّةِ الإسراءِ وفيه: ((فنشرَ لِي رهطٌ من الأنبياءِ؛ فيهم(٦) إبراهيمُ، ومُوسَى،
وعيسَى لِلَّ، فصلَّيتُ بِهم، وكلَّمتُهم))، الحديثَ. وفي حديثٍ آخرَ لأبي هريرةَ:
((وقد رأيتني في جماعةٍ من الأنبياءِ، فحانتِ الصلاةُ فأممتُهم)) (٧)، الحديثَ.
وأمَّا تخصيصُهُ بالشَّفاعةِ: فالمُرادُ الشفاعةُ العامَّةُ، التي تكونُ في الحشرِ،
عندما يَفزعُ الناسُ للأنبياءِ(٨)، فَكُلُّهم يَقولُ: ((لستُ لها))، حتى يَأتوا نبيَّنَا وَلـ
فيقولَ: ((أنا لها))، كما ثبتَ في (الصحيحين))(٩).
فأمَّا الشفاعةُ الخاصَّةُ: فقد ثبتت لغيرِه من الأنبياءِ، والملائكةِ،
(١)
في (م): «یتسترن)) .
(٢) مسلم (١١٩/٤٣٠).
(٣)
النسائي (٤٤٩).
(٤) في (ح): ((في)).
معجم أبي يعلى (١٠).
(٥)
(٦) في (ك): ((فهم).
مسلم (٢٧٨/١٧٢).
(٧)
(٨) في (ك، ح): ((إلى الأنبياء).
(٩) البخاري (٧٥١٠)، مسلم (٣٢٦/١٩٣).
بابُ التيمُّم
كرا
٤٦٧

كمـ
٤٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والمُؤمنينَ، قال القاضِي عياضٌ(١): وقيلَ: المُرادُ بتخصيصِه بالشَّفاعةِ الشفاعةُ
التي لا تُردُّ. قال(٢): وقد تكونُ شفاعتُهُ بإخراج مَن في قلبِه مثقال ذرَّةٍ من
إيمانٍ من النارِ؛ لأنَّ الشفاعةَ لغيرِهِ إنَّما جاءَت قبلَ هذا، وهذه(٣) مُختصَّةٌ [به؛
كشفاعةِ المحشرِ .
وذَكرَ قبلَ هذا أنَّ الشفاعةَ خمسةُ أقسامٍ:
شفاعةُ الحشرِ: وهي الأولَى؛ لتعجيلِ الحسابِ وهي مُختصَّةٌ] (٤) بنبيِّنا.
والثانيةُ: الشفاعةُ لإدخالِ قومِ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ، وهي أيضًا مُختصَّةٌ به.
والثالثةُ: الشفاعةُ لقومٍ استوجبوا النارَ، فَيُشفَّعُ فيها، هو ومَن شاءَ اللهُ.
والرابعةُ: الشفاعةُ فيمن(٥) دخلَ النارَ منَ المُوحِّدينَ المُذنبينَ(٦)، فيشفعُ
لهم (٧) هو وغيرُه من الملائكةِ والمُؤمنينَ.
والخامسةُ: الشفاعةُ لزيادةِ الدَّرجاتِ في الجنَّةِ لأهلِها .
وقد أنكرَ بعضُ الخوارج وبعضُ المُعتزلةِ الشفاعةَ، لرأيِهم في خُلودٍ
المُوحِّدينَ في النارِ، ولكنَّهم لا يُنكرونَ الشفاعةَ الأولَى، ولا الخامسةَ أيضًا،
وهم محجوجونَ [١/ ٨٢و] بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِه التي يَبلغُ مجموعُها مبلغَ
التواترِ، وإجماعِ مَن يُعتدُّ بإجماعِه مَن أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ.
وأمَّا تسميتُهُ بأحمدَ: فلم يُسمَّ به أحدٌ قبلَه، قال القاضِي عياضٌ في
(الشِّفا))(٨): فمنعَ اللهُ تعالى بحكمتِهِ أن يُسمَّى به أحدٌ غيرُه، ولا يُدعَى به مدعوٌ
قبلَه؛ لئلا يَدخلَ لبسٌ على ضعيفِ القلبِ أو شكٌّ، وهو اسمُهُ(٩) الذي بشَّرت به
الأنبياءُ لِلَيْهِ، وأتَى في الكتبِ. قال: وكذلك محمدٌ أيضًا: لم يُسمَّ به أحدٌ من
(١) إكمال المعلم (٤٣٧/٢)، وينظر: فتح الباري لابن رجب (٢٢/٢)، النووي على مسلم
(٤/٥).
ليس في: (أ، م).
(٢)
لیس في: (ح).
(٤)
لیس في: (ح).
(٦)
(٨) الشفا (١٧٦/١).
(٣) في (ك): ((وهي)).
(٥) في (ح): ((لمن)).
(٧) ليس في: (ح).
(٩) ليس في: (ك).

بابُ التيمُمِ
٤٦٩
=
العربِ وغيرِهم (١)، إلى أن شاعَ قُبيلَ وُجودِهِ عَلَّهُ وميلادِه أنَّ نبيًّا يُبعثُ اسمُهُ
محمدٌ، فسمَّى قومٌ من العربِ قليلٌ أبناءَهم بذلك، رجاءَ أن يَكونَ أحدَهم هو،
واللهُ أعلمُ (١١٤/٢م) حيثُ يَجعلُ رسالتَهُ(٢)، وهم محمدُ بنُ أُخَيْحةَ بنِ الجُلاَحِ
الأوسيُّ، ومحمدُ بنُ مسلمةَ الأنصاريُّ، ومحمدُ بنُ براءِ البكريُّ، ومحمدُ بنُ
سفيانَ بنِ مُجاشعٍ، ومحمدُ بنُ حُمرانَ الجعفيُّ، ومحمدُ بنُ خُزاعيٍّ السُّلميُّ، لا
سابعَ لهم.
قال: ثمَّ حمَى اللهُ كلَّ مَن تسمَّى (٣) به أن يَدَّعيّ النُّوَّةَ، أو يَدَّعيَها له أحدٌ،
حتى تحقّقتِ (٤) السِّمتانِ له، ولم يُنازِعْ فيهما.
قُلتُ: وتسميتُهُ محمدَ بنَ مسلمةَ الأنصاريَّ فيهم: ليس بجيِّدٍ، فإنَّه وُلدَ بعدَ
النبيِّ وَّهُ بثلاثَ عشرةَ سنةً(٥).
وأمَّا جعلُ أُمَّتِه خيرَ الأمم: هو كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ومن فضلِها: أنَّها أوَّلُ الأمم دُخولًا الجنَّةَ، وأوَّلُ مَن
يُقضَى لهم يَومَ القيامةِ، وكُلُّ ما ذُكرَ من شرفِ أُمَّتِهِ، فهو من شرفِه ◌ِله.
وأمَّا إعطاؤُهُ خواتيمَ سُورةِ البقرةِ من كنزٍ تحتَ العرشِ: فمعناه: أنَّها
دُخرَت(٦) له وكُنزَت له، فلم يُؤتَها أحدٌ من (٧) قبلَه، وذلكَ أنَّ كثيرًا من آيٍ
القرآنِ مُنزَّلٌ في الكتبِ السابقةِ، منه(٨) ما هو باللَّفِظِ وما هو بالمعنَى، وهذه
الآياتُ لم يُؤتَها أحدٌ، وإنْ كان فيه أيضًا ما لم يُؤْتَهُ غيرُه، إلَّا أنَّ في هذه
الآياتِ خُصوصيَّةً لهذه الأمَّةِ، وهو وضعُ الإصرِ الذي كان على الأممِ المُتقدِّمةِ،
(١) ينظر: طبقات ابن سعد (١٦٩/١)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٠٣/١).
(٢)
في (ك): ((رسالاته)).
(٣) في (ح): ((سمي)).
(٤) في (م): ((حققت)). والمثبت موافقٌ المطبوع.
(٥) قال في حاشية (ح): ((فيه أن ذلك لا يمنع من إدخاله فيه، إذ ذاك لم تتحقق نبوته وَلاو؛
لأنه لم يبلغ الحلم، وإنما يمتنع ذلك لو كان محمد بن مسلمة بعد دعوى النبوة، وإلا
فالكل في رجاء ذلك)).
(٦)
في (م): ((ذخرت)).
(٨) زيادة في: (ك، ح).
(٧) ليس في: (م).

=
٤٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فقال تعالَى: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ، عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة:
٢٨٦]، فناسبَ ذكّرها من الخصائصِ.
ولهذه الأمَّةِ خصائصُ أُخرُ(١) مُتفرِّقةٌ في الأحاديثِ لم تُجمعْ:
منها: الغُرَّةُ والتَّحجيلُ من أثرِ الوضوءِ، كما ثبتَ في الصحيح (٢)، بقولِه:
(كم سيما ليستْ لأحدٍ غیرِ كم)).
ومنها: طيبُ رائحةٍ خُلوفٍ فَم الصَّائمِ، كما رواه أحمدُ في ((مسندِه))(٣)،
وغيرُ ذلك ممَّا يَطولُ به هذا الموضع، وهذه من خصائصِه وخصائصٍ أُمَّتِه بالنّسبةِ
إلى الأممِ المُتقدِّمةِ، وأمَّا خصائصُهُ بالنّسبةِ إلى أُمَّتِهِ فكثيرةٌ: أفردَها العلماءُ
بالتَّليفِ. واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الرابعةَ عشرَ: وقولُه في حديثِ جابٍ عنْد مسلم(٤): ((وجُعلتْ لنا
الأرضُ طيِّةً طهورًا ومسجدًا))، المُرادُ بالطَيِّبةِ: الظّاهرةُ، وبهَ فُسِّرَ قوله تعالَى:
﴿وَصَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: طاهرًا(٥). وفي الحديثِ: أنَّ الأصلَ في
الأشياءِ الظَّهارةُ، حتى تتحقَّقَ النجاسةُ، وإنْ غلبتِ النجاسةُ؛ كالشَّوارع
ونحوِها، وهو القولُ الصحيحُ فيما تعارضَ فيه الأصلُ والظَّاهرُ(٦)، وقد تقدَّمَ
أنَّ الأممَ المُتقدِّمةَ كانوا لا يُصلُّونَ إلَّا على أرضٍ يَتحقَّقونَ طهارتَها، وخُفِّفَ
عن هذه الأمَّةِ، فَأُبيحَ لهم أن يُصلُّوا على ما لا يَتحقَّقونَ نجاستَهُ. واللهُ تعالى
أعلمُ.
■ الخامسةَ عشرَ: وقد يُستدلُّ بقولِه في حديثٍ حُذيفةَ عندَ ((مسلم)):
((وجُعلَتِ تُربتُها لنا طهورًا، إذا لم نجدِ الماءَ))، مَن لا يَرَى التيمُمَ عندَ شَدَّةِ
(١١٥/٢م) البردِ، وإن خافَ التلفَ، وهو قولُ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، فقال:
(١) في (م): ((أخرى)).
(٣) أحمد (٢٣٢/٢).
(٢) مسلم (٣٦/٢٤٧).
(٤) مسلم (١٠٩٩).
(٥)
ينظر: تفسير الطبري (٤٠٩/٨).
(٦) قال في حاشية (ت) ((لعله الغالب)). وينظر: قواعد ابن رجب (ص٣٦٧)، المنثور
للزركشي (٣١١/١).

كمـ
٤٧١
بابٌ التيمُّم
يَغتسلُ، وإن ماتَ. وكذا(١) قال الحسنُ نحوًا من قولِ عطاءٍ: حكاه الخطّابيُّ
عنهما (٢)، وخالفَهما في ذلك عامَّةُ العلماءِ بحديثِ عمرو بنِ العاصِي، في
خوفِه من البردِ، وتيمُّمِه في غزوةِ ((ذاتِ السلاسلِ))، واستدلالِه بقولِه تعالَى:
﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ولم يَقلْ له
رسولُ اللهِ وَّ﴾ شيئًا. رواه أبو داودَ(٣)، وهو قولُ سفيانَ، وأبِي حنيفةَ،
ومالكٍ، والشافعيِّ رحمهم الله (٤)، إلّا أنّ أبا يوسفَ، [٨٢/١ظ] ومُحمَّدَ بنَ
الحسنِ لم يُجيزا ذلك في الحضرِ، وأوجبَ الشافعيُّ القضاءَ على المُتيمِّمِ
لخوفِ البردِ، لكونِه ليس عُذرًا عامًّا، سواءٌ كان في الحضرِ أو السَّفرِ، وقيلَ:
لا يَقضِي في السَّفرِ. والله تعالى أعلمُ.
الحديثُ الثالثُ
عن همَّام، عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّ ه: ((ذرونِي ما
تركتُكم؛ فإنَّما هَلَّكَ الَّذِينَ من قبلَكم(٥) (٦ بكثرةِ سُؤالِهم٦) واختلافِهم على
أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبُوهُ، وإذا أمرتكم بأمرٍ فائتمروا(٧) ما
استطعتم)). وقال الشيخانِ: ((فأتوا منه ما استطعتم)).
فيه فوائدُ:
■ الأولَى: أخرجَ هذا الحديثَ الشيخانِ، والتِّرمذيُّ، والنسائيُّ. فرواه
مُسلمٌ(٨) من روايةِ همَّامٍ، وابنِ المُسيَّبِ، وأبِي سلمةَ، ومُحمَّدِ بنِ زيادٍ،
(١) في (ت، م): ((ولذا)).
(٢) معالم السُّنن (١٠٣/١)، وينظر: الإشراف لابن المنذر (٢٦٣/١).
(٤) ينظر: الإشراف (٢٦٣/١).
(٣) أبو داود (٣٣٤).
(٥) في (ك): ((قبلهم)).
(٦ - ٦) في (ت، ح): ((بسؤالهم))، وفي (ح): ((سؤالُهم)). وكلها روايات للحديث.
(٨) مسلم (١٣٣٧/ ١٣١).
(٧) في (ح): ((فائتوا)).

٤٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأبِي صالحِ السَّمَّانِ، كُلُّهمْ عن أبي هريرةَ. واتَّفقَ عليه الشيخانِ(١) من روايةٍ
أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ. وأخرجه الترمذيُّ(٢) من رواية أبي صالحٍ
عنه. وأخرجه النسائي(٣) من رواية محمدِ بنِ زیادٍ عنه.
■ الثانيةُ: قولُه: ((ذرونِي))؛ أي: اتركوني، وقد أُميتَ من هذا الفعلُ
الماضِي والمصدرُ، فلا يُقالُ (١١٦/٢م): وذرَهُ، ولا وَذْرًا؛ ولهذا قال: ((ما
تركتُكم))، ولم يَقلْ: ما وَذرتُكم، وهو كقولِه في روايةِ البخاريِّ: ((دعونِي))، إلَّا
أنَّ (دعْ))، قد استعملَ فيه الماضِي على قلَّةٍ، وقُرئَ به في الشاذِّ قوله تعالَى: ﴿مَا
وَدَّمَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتَّخفيفِ (٤).
■ الثالثةُ: فيه نهيُهُ وَلِّ أصحابَهُ عن سُؤالِهِ عمَّا سكتَ(٥) عنه، وفي
حديثٍ آخرَ؛ رواه الدَّار قطنيُّ (٦) ((وسكتَ عن أشياءَ رحمةً لكم، فلا تسألوا عنْها))،
الحديثَ؛ وذلك لأنَّ السُّؤْالَ رُبَّما كان سببَ التحريمِ أو الوجوبِ، كما ثبتَ في
((الصحيحين))؛ من حديثٍ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «أعظمُ
المُسلمينَ في المُسلمينَ جُرمًا: مَن سألَ عن أمرٍ لم يُحرَّمْ فَحُرِّمَ على الناسِ من
أجلٍ مسألتِه))(٧). وفي روايةٍ لمسلم: ((أنَّ سببَ ذلك أنَّ رجلاً سألَ عن شيءٍ ونفرَ
عنه، فقال رسولُ اللهِ وَ ﴿ ذلك(٨)، وثبتَ في التنزيلِ قوله تعالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ قَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، وليس فيه نهيٌّ مُطلقٌ
عن السُّؤالِ، وإنَّما فيه النهيُ عمَّا هو بهذه الصِّفةِ، ولكن قد أطلقَ أنسُ النهيَ فيما
رواه مُسلمٌ في ((صحيحِه)) قال: «نُهينا في القرآنِ أن نسألَ رسولَ اللهِ بَّهِ عن
(١) البخاري (٧٢٨٨)، مسلم (٤١٢/١٣٣٧).
(٢)
الترمذي (٢٦٧٩).
(٣) النسائي (٢٦١٨).
(٤) هي قراءة ابن أبي عبلة، ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤٩٦/١٠)، والمفهم
(٤٣٢/٧).
(٥)
في (ح): ((یسکت)).
البخاري (٧٢٨٩)، مسلم (١٣٢/٢٣٥٨).
(٧)
مسلم (٢٣٥٨/ ١٣٣).
(٨)
(٦) الدارقطني (١٨٣/٤).

بابُ التيمُّم
٤٧٣
شيءٍ))(١). الحديثَ، وفي ((الصحيحين))(٢) أيضًا من حديثه أيضًا: ((أنَّ عبدَ اللهِ بنَ
حُذافةَ(٣) سألَ رسولَ اللهِ وَّهِ: مَنْ أَبِي؟ قال: ((أبوك حُذافةُ))، فنزلَت: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، ولهما (٤) من
حديث أبي موسى قال: ((سُئلَ النبيُّوَ ﴿ عن أشياءَ كرهَها، فلمَّا أُكْثِرَ(٥) عليه
غضبَ، ثمَّ قال للنَّاسِ: ((سلونِي عمَّ شئتم))، فقال رجلٌ: مَن أبي؟ قال: ((أبوك
حُذافةٌ)). فقامَ آخرُ، فقال: مَن أبي؟. فقال: ((أبوك سالمٌ مولَى شيبةَ)). فلمَّا رأى
عمرُ ما في وجهِ رسولِ اللهِ وَّرَ من الغضبِ قال: يا رسولَ اللهِ إنَّا نتوبُ إلى اللهِ)).
وقد روَى ابنُ عبَّاسٍ سببَ نُزولِ الآيةِ، فقَّدَهُ، ولم يَعمَّ، كما رواه البخاريُّ
في ((صحيحِه)) (٦) بسندِه إليه قال: ((كان قومٌ يَسألونَ رسولَ اللهِ وَله استهزاءً، فيقولُ
الرجلُ: مَن أبي؟ ويقولُ الرجلُ تضلُّ ناقتُهُ: أين ناقتِي؟. فأنزل اللهُ تعالى فيهمْ
هذه الآيةَ)).
وقيلَ: إنَّ سببَ نُزولِ هذه الآيةِ سُؤالُهم عن الحجِّ، أيجبُ في كلِّ عامِ،
كما رواه التِّرمذيُّ، وابنُ ماجَه(٧) من حديثٍ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ: قال: لمَّا
نزلَت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، قالوا:
يا رسولَ اللهِ أفِي كلِّ عام؟. فسكتَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ في كلِّ عام؟. قال:
((لا، ولو قُلتُ: نعم لوجبَّت)). [٨٣/١و] فأنزلَ اللهُ تعالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَسْشَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. وقال التِّرمذيُّ (١١٧/٢م) في ((التفسيرِ)): إنَّه
حسنٌ غريبٌ. وفي بعضِ النُّسخِ في ((كتابٍ الحجِ) (٨)، نقلًا عن البخاريِّ أنَّه(٩)
(١) مسلم (١٢/ ١١).
(٢)
البخاري (٩٣)، مسلم (١٣٦/٢٣٥٩).
(٣)
بعدها في (ح): ((قد)).
(٤)
البخاري (٧٢٩١)، مسلم (١٣٨/٢٣٦٠).
في (ح): ((أکثروا)).
(٥)
(٦) البخاري (٤٦٢٢).
الترمذي (٨١٤)، ابن ماجه (٢٨٨٤).
(٧)
الترمذي (٨١٤)، (٣٠٥٥)، وينظر: تحفة الأشراف (٣٧٨/٧).
(٨)
ليس في: (ك).
(٩)

=
٤٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
حديثٌ حسنٌ، إلَّا أنَّه مُرسلٌ، وأبُو البَخْتَرِيِّ(١) لم يُدركْ عليًّا.
■ الرابعةُ: السَّببُ في قولِهِ وَ﴿ هذا الحديثَ: سُؤالُهم عن الحجِّ أيضًا،
(٢)هل يَجب٢ُ) كلَّ سنةٍ، كما رواه مُسلمٌ في ((صحيحِه))(٣) من حديث أبي هريرةَ،
قال: خطبَنا رسولُ اللهِ وَّه، فقال: ((يا(٤) أيُّها الناسُ، قد فرضَ اللهُ عليكم الحجّ
فَحُجُوا»، فقال رجلٌ: أكلَّ عام يا رسولَ اللهِ؟. فسكتَ، حتى قالَها ثلاثًا، فقال
رسولُ اللهِ وَّرِ: (لو قُلتُ: نعم لوجبَت، ولما استطعتم))، ثمَّ قال: ((ذروني ما
تركتُكم، فإنَّما هلك(٥) مَن كان قبلَكم بكثرةِ سُؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا
أمرتُكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فدعُوهُ)). ولأبي داودَ،
والنسائيِّ، وابنٍ ماجَه، والحاكم(٦)، وصحَّحَه، أنَّ الذي سألَ عن ذلك الأقرعُ بنُ
حابسٍ، ولم يَذكرْ نُزولَ الآيةِ، ولا حديثَ البابِ. واللهُ أعلم.
] الخامسةُ: المُرادُ من قولِه: ((ذروني ما تركتكم)) النهيُ عن السُّؤالِ، أو
كثرةِ السُّؤالِ، والنَّهيُّ عن الاختلافِ عليه، بدليلِ قولِه: «فإنَّما هلكَ الَّذينَ من
قبلَكم بكذا وكذا))، فذكَر في التعليلِ الأمرينِ معًا، وفي روايةٍ مسلم: ((بكثرةٍ
سُؤالِهم))، وفي روايةٍ له ((كثرةُ سُؤالِهم))(٧)، وقد يَدلُّ هذا على أنَّ المنهيَّ عنه
كثرةُ السُّؤالِ، لا مُطلقُهُ، وكذلك في حديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ المُتَّفْقِ عليه (٨): ((أَنَّه
نَهَى عن كثرةِ السُّؤالِ))، الحديثَ.
■ السادسةُ: في قوله: ((فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبُوهُ))، حُجَّةٌ لمن قال:
لا يَجوزُ التداوِي بشربِ الخمرِ، ولا بشيءٍ مُحرَّمٍ. وهو كذلكَ، على الصحيح
عندَ أصحابِنا، وكذلك شُربُهُ(٩) لدفع العطشِ لا يَجوزُ أيضًا، على الصحيح(١٠)،
ينظر: التاريخ الكبير (٥٠٦/٣)، الجرح والتعديل (٥٤/٤)، تحفة التحصيل (ص١٢٦).
(١)
(٢)
في (ح): ((أيجب)).
(٣) مسلم (١٣٣٧/ ٤١٢).
(٤)
زيادة في: (ح، م).
(٥) في (ح): ((أهلك)).
(٦)
أبو داود (١٧٢١)، النسائي (٢٦١٩)، ابن ماجه (٢٨٨٦)، الحاكم (٤٧٠/١).
(٧)
في (ك، ح): ((مسائلھم)).
(٩) في (ك، ح): ((شربها)).
(٨) البخاري (١٤٧٧) مسلم (١٢/٥٩٣).
(١٠) ينظر: الحاوي (١٧٠/١٥)، الوسيط (١٥٦/١)، الروضة (١٧٠/١٠).