Indexed OCR Text

Pages 521-540

=
٤١٥
بابُ السُّواكِ وخصالِ الفطرةِ
أحمدُ في («مسندِه)»(١) من حديثِ رجلٍ من بني غفارٍ: ((مَن لم يَحلقْ عانتَه، ويُقلِّمْ
أظفارَه، ويجزَّ شاربَه فليسَ منَّا))، وهذا يدلُّ على وُجوبٍ(٢) ذلك؟!
والجوابُ عنه من وجھینٍ :
أحدُهما: إنَّ هذا لا يَثبتُ؛ لأنَّ في إسنادِه ابنَ لهيعةَ، والكلامُ فيه
معروفٌ(٣)، وإنَّما يَثبتُ منه الأخذُ من الشاربِ فقط، كما رواه التِّرمذيُّ،
وصحَّحَه، والنسائيُّ(٤) من حديثٍ زيدِ بنِ أرقمَ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَل
يَقولُ: ((مَن لم يَأخذْ من شاربِهِ فليسَ منَّ)).
والثانِي: أنَّ المُرادَ - على تقديرٍ ثُبوتِه - ليس على سُنَّتِنا وطريقتِنا،
لقولِه(٥) ◌َِّّ: ((ليس منَّا مَن لم يَتغنَّ بالقرآنِ))(٦)، (٧فإن هذا٧) هو المُرادُ قطعًا.
واللهُ أعلمُ.
■ الخامسةُ والعشرونَ: في التوقيت في حلق العانة، وقصِّ الشاربِ،
وقصِّ الأظفار، ونتف الإبط، وفيه حديثُ أنسٍ عندَ مسلم(٨): ((وُقِّتَ لنا في قصِّ
الشاربِ، وتقليم الأظفارِ، ونتفِ الإبطِ، وحلقِ العانةِ أن لا نتركَ (٩) أكثرَ من
أربعينَ ليلةً)). [٧٢/١و] وهكذا أخرجَه ابنُ ماجَه(١٠)، بلفظ: ((وُقِّتَ)) على البناءِ
للمفعولِ، وحُكمُه الرَّفِعُ على الصحيحِ عندَ أهلِ الحديثِ والأصولِ(١١).
وقال أبو داودَ، والنسائيُّ، والتِّرمذيُّ(١٢) في هذا الحديثِ: ((وَّتَ لنا
رسولُ اللهِ﴾﴾، فصرَّحَ بالفاعلِ .
(١) أحمد (٤١٠/٥).
(٢) في (م): ((وجوبه)).
(٣) ينظر: التاريخ الكبير (١٨٢/٥)، التاريخ الأوسط (١٨٩/٢)، الضعفاء الصغير (٦٩/١)،
الجرح والتعديل (١٤٥/٥).
الترمذي (٢٧٦١)، النسائي (٢٢/١).
(٤)
البخاري (٧٥٢٧).
(٦)
(٥) في (ك، ح): ((كقوله)).
(٧ - ٧) في الأصل، (م): ((فهذا)).
(٩) في (ك، ح): ((تترك)).
(٨) مسلم (٢٥٨/ ٥١).
(١٠) ابن ماجه (٢٩٥).
(١١) ينظر: شرح التبصرة والتذكرة (ص٧١)، فتح المغيث (١١٢/١)، المسودة لآل تيمية
(ص٢٦٦).
(١٢) أبو داود (٤٢٠٠)، والترمذي (٢٧٥٩)، والنسائي (١٤).

=
٤١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقد تكلّمَ العقيليُّ وابنُ عبدِ البرِّ في حديثٍ أنسٍ هذا، فقال العقيليُّ في
((الضُّعفاءِ))(١) في ترجمةِ جعفرِ بنِ سليمانَ الضُّبَعيِّ (٢): في حديثِه هذا نظرٌ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ(٣): لم يَروِهِ إلَّا جعفرُ بنُ سليمانَ، وليس بحجَّةٍ؛ لسوءِ
حفظِه، وكثرةٍ غلطِه.
قلتُ: قد تابعَه عليه صَدَقةُ بنُ موسى الدَّقيقيُّ، فرواه عن أبي عمرانَ
الجونيِّ، عن أنسٍ، أخرجَه كذلكَ أبو داودَ، والتِّرمذيُّ(٤)، ولكن صَدقة
ضعيفٌ(٥). وروَى أيضًا من روايةِ عبدِ اللهِ بنِ عمرانَ، شيخٌ مصريٌّ، عن أبي
عمرانَ، كما سيأتي.
وله طريقٌ آخرُ: رواه أبو الحسنِ عليُّ بنُ إبراهيمَ بنِ سلمةَ القطّانُ في
((زياداتِه على سُننِ ابنِ ماجَه))(٦) من روايةٍ عليٍّ بنِ زيدٍ بنِ جُدْعانَ(٧)، عن أنسٍ،
وابنِ جُدعانَ أيضًا ضعَّفَه الجمهورُ(٨). واللهُ أعلمُ.
وقد وردَ حديثُ أنسٍ هذا من وجهٍ لا يَثبتُ، وفرَّقَ بينَ هذه الخصالِ في
التوقيتٍ، وهو (٩) ما رواه أبو أحمدَ ابنُ عديٌّ(١٠) في ((الكاملِ)) (١١)، في ترجمةٍ
أبي خالدِ إبراهيمَ بنِ سالم النيسابوريِّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرانَ مصريٍّ،
ے
عن أبي عمرانَ الجونيِّ، عن أنسٍ قال: ((وقَّتَ رسولُ اللهِ وَّهِ أن يَحلقَ الرجلُ
(١) الضعفاء (٨١/٤).
(٢) في (م): ((الضبيعي)).
(٣) الاستذكار (٣٣٦/٨ - ٣٣٧).
(٤) أبو داود (٤٢٠٠)، الترمذي (٢٧٥٨).
(٥) الضعفاء لابن الجوزي (٥٢/٢)، الكامل (٧٦/٤)، المجروحين (ص٣٧٣)، المغني
للذهبي (٣٠٨/١).
(٦) لم أجده في زيادات ابن القطان، وقاله الحافظ في الفتح (٣٤٦/١٠)، وقد أخرج
ابن ماجه نحوه؛ من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أنس، وفي علي أيضًا ضعف.
انتھی. قلت: ولم أجده عند ابن ماجه.
في (م): ((جذعان)»، في الموضعين!
(٧)
طبقات ابن سعد (٢٥٢/٧)، الكامل (١٩٥/٥)، الجرح والتعديل (١٤٧/١).
(٨)
(٩)
ليس في: (ح).
(١١) الكامل (٢٦١/١).
(١٠) في الأصل، (م): ((علي)).

٤١٧
بابُ السِّواكِ وخصالِ الفطرةِ
عانتَه كلَّ(١) أربعينَ يَومًا، وأن يَنتفَ إبطَه كلَّما طلعَ، ولا (٨٣/٢م) يَدعَ شاربيه
يَطولانِ، وأن يُقلِّمَ أظفارَه من الجمعة إلى الجمعةِ، وأن يَتعاهدَ (٢) البراجمَ إذا
توضّأ)). الحديثَ.
قال صاحبُ ((الميزان))(٣): وهو حديثٌ منكرٌ.
وأصخُ طُرقِه طريقُ مسلم، على ما فيها من الكلام، وليس فيها تأقيتٌ لما
هو أولى(٤)، بل ذكرَ فيها: أنَّهَ لا يَزِيدُ على أربعينَ.
قال صاحبُ ((المفهم))(٥): هذا تحديدُ أكثرِ المُدَّةِ، قال: والمُستحبُّ تفقُّدُ
ذلك من الجمعة إلى الجمعةِ، وإلَّ فلا تحديدَ فيه للعلماءِ، إلَّا أنَّه إذا كثرَ ذلك
أُزيلَ.
[وكذا قال النوويُّ في ((شرح مسلم)) (٦)، مُختارٌ أنَّه يُضبطُ بالحاجةِ
وطُولِه](٧).
■ السادسةُ والعشرونَ: تقدَّمَ أنَّه زادَ في حديثٍ عائشة على حديث
أبي هريرةَ: من خصالِ الفطرةِ: ((إعفاءُ اللِّحيةِ))، وهو توفيرُ شعرِها وتكثيرُه، وأنَّه
لا يَأخذُ منه كالشاربِ، من عفا الشيءَ إذا كثَرَ وزادَ، وهو من الأضدادِ (٨)، وفي
الفعلِ المُتعدِّي لُغتانٍ؛ أعفاه وعفاه، وجاءَ المصدرُ هنا على الرُّباعيِّ. وفي
((الصحيحين))(٩) من حديث ابنِ عمرَ الأمرُ بذلك: ((أعفوا اللِّحَى))، وفي روايةٍ:
((أوفوا)) (١٠)، وفي روايةٍ: ((وَقِّروا)) (١١)، وفي روايةٍ: ((أرخوا))(١٢)، وهي بالخاءِ
(١)
لیس في: (ح).
(٢) في (م): ((يتعهد).
(٣)
ميزان الاعتدال (٣٣/١).
(٤) في الأصل، (ت): ((أول)). لكن رسمها في (ك): بالياء المثناة من تحت.
(٥)
المفهم (١٤١/٣).
(٦) شرح صحيح مسلم (١٩٤/٣).
(٧)
ليس في: (ك).
ينظر: الأضداد (ص٧٦)، الزاهر (٣٧٢/١) لابن الأنباري.
(٨)
(٩) البخاري (٥٨٩٣)، مسلم (٥٢/٢٥٩). (١٠) مسلم (٥٤/٢٥٩).
(١١) البخاري (٥٨٩٢).
(١٢) مسلم (٥٥/٢٦٠).
=

5
٤١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المعجمةِ على المشهورِ، وقيلَ: بالجيم من التركِ والتَّأخيرِ(١)، وأصلُه الهمزُ (٢)،
فخُذْفَ تخفيفًا، (٣ من قولِه٣): ﴿تُرْجِى(٤) مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١].
واستدلَّ به الجمهورُ على أنَّ الأولَى ترك اللحية على حالِها، وأن لا يُقطعَ
منها شيءٌ، وهو قولُ الشافعيِّ وأصحابِهِ. وقال القاضِي عياضٌ: [يُكرَهُ حلقُها
وقصُّها وتحريقُها(٥). وقال القرطبيُّ في ((المفهم): لا يَجوزُ حلقُها، ولا نتفُها،
ولا قصُّ الكثيرِ منها (٦). قال القاضِي عياضٌ:](٧) وأمَّا الأخذُ من طُولِها فحسنٌ.
قال: وتكرَهُ(٨) الشُّهرةُ في تعظيمِها، كما يُكرَهُ في قصِّها وجزِّها .
قال: وقد اختلفَ السَّلفُ هل لذلكَ حدٍّ؟ فمنهم مَن لم يُحدِّدْ شيئًا في(٩)
ذلك، إلَّا أَنَّه لا يَتركُها لحدِّ الشُّهرةِ ويأخذُ منها، وكرِهَ مالكٌ طُولَها جدًّا، ومنهم
مَن حدَّدَ بما زادَ على(١٠) القبضةِ فيُزالُ، ومنهم مَن كرِهَ الأخذَ منها إلَّا في حجّ
أو عُمرةٍ(١١). انتَهَى.
وقال النوويُّ(١٢): ذكرَ [٧٢/١ظ] العلماءُ في اللُّحيةِ عشرَ خصالٍ مكروهةً،
بعضُها أشدُّ قبحًا(١٣) من بعضٍ:
إحداها: خضابُها بالسَّوادِ، لا لغرضِ الجهادِ.
الثانيةُ: خضابُها بالصُّفرةِ، تشبُّهَا بالصالحينَ، لا لاتِّبَاعِ السُّنَّةِ.
الثالثةُ: تبييضُها(١٤) بالكِبريتِ، استعجالًا للشّيخوخةِ، لأجلِ الرِّياسةِ
(١) ينظر: مشارق الأنوار (١٠٦/٢)، شرح مسلم (١٥١/٣).
(٢)
في الأصل، (م): ((الهمزة».
في (ك، ح): ((ترجئ)).
في (ك): ((تحريفها)). والمثبت موافق لما في إكمال المعلم (٦٣/٢)، وفي الفتح
(٥)
(٣٥٠/١٠): ((تحذيفها)).
(٦) المفهم (٥١٢/١).
(٨) في (ت، ك): ((يكره).
(١٠) في (ح): ((عن)).
(١٢) المجموع (٣٤٣/١).
(١٤) في (ك): ((يبيضها)).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ت).
(٩) في (ك): ((من)).
(١١) إكمال المعلم (٦٣/٢).
(١٣) ليس في: الأصل، (م).
(٣ - ٣) في (م): ((كقوله)).
(٤)

٤١٩
بابُ السَّواكِ وخصالِ الفطرةِ
والتَّعظيمِ وإيهامٍ (١) لُقيِّ المشايخِ.
الرابعةُ: نتفُها أوَّلَ طُلوعِها، إيثارًا للمرودةِ، وحُسنِ الصُّورةِ.
الخامسةُ: نتفُ الشیبِ.
السادسةُ: تصفيفُها طاقةً فوقَ طاقةٍ تصنُّعًا؛ ليستحسنَه(٢) (٨٤/٢م) النِّساءُ،
وغيرُهُنَّ.
السابعةُ: الزِّيادةُ فيها والنَّقصُ منها(٣)؛ بالزِّيادةِ(٤) في شعرِ العِذارينِ من
الصُّدغينِ، أو أخذُ بعضِ العِذارِ في حلقِ الرأسِ ونتفِ جانبىِ العَنْفَقةِ، وغيرِ
ذلك.
الثامنةُ: تسريحُها تصنُّعًا؛ لأجلِ الناسِ.
التاسعةُ: تركُها شَعِثَةً مُنتفشةً؛ إظهارًا للزَّهادةِ، وقلَّةِ المُبالاةِ بنفسِه.
العاشرةُ: النظرُ إلى سوادِها أو (٥) بياضِها، إعجابًا وخُيلاءَ وغِرَّةً بالشبابِ،
وفخرًا بالمشيبٍ وتطاولًا على الشبابِ.
ثمّ قال:
الحاديةَ عشرَ: عقدُها وضفرُها (٦).
الثانيةَ عشرَ: حلقُها، إلَّا إذا نبتتْ (٧) للمرأةِ لحيةٌ: فَيُستحبُّ لها(٨)
حلقُها(٩). والله تعالى أعلمُ.
■ السابعةُ(١٠) والعشرونَ: وفيه استحبابُ السِّواكِ وتأكُّدُه، وتقدَّمَ في
الحديثِ قبلَه.
(١)
في (ك): ((واتهام)).
(٢) في (ك، ح): (لتستحسنه)).
في (م): ((فيها)). والمثبت موافق لمصدر التخريج.
(٣)
(٤)
ليس في: (ك).
(٥) في (ح): ((و)).
(٦)
وفي (م): ((طفرها)).
في (ح): ((ظفر)).
(٧)
في (ك): ((شَبّ)). وفي المجموع: (نبت)).
(٨)
ليس في: الأصل، (م).
(٩) شرح صحيح مسلم (١٤٩/٣)، وينظر: المجموع (٣٤٣/١).
(١٠) في الأصل، (م): ((الثامنة)).

٤٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
[■ الثامنة والعشرون: وفيه استحباب الاستنشاق في الوضوء، وقد قيل
بوجوبه](١).
■ التاسعةُ والعشرونَ: وفيه استحبابُ غسلِ البراجمِ - بالمُوحَّدةِ والجيمِ
- جمعُ بُرجُمةٍ(٢) بضمِّهما(٣)، وهي عُقَدُ الأصابعِ التي في ظاهرِ الكفّ، قال
النوويُّ(٤): وهي سُنَّةٌ مُستقِلَّةٌ، ليست مُختصَّةً بالوضوءِ.
قُلتُ: والظاهرُ أنَّ المُرادَ تنظيفُها في الوضوءِ، ويدلُّ(٥) عليه ما رواه
ابنُ عديٍّ في ((الكاملِ))(٦) من حديثٍ أنسٍ قال: ((وقَّتَ رسولُ اللهِ وََّ أن يَحلقَ
الرجلُ عانتَه))، الحديثَ، وفيه: ((و(٧)أن يَتعاهدَ البراجمَ إذا توضّأ؛ فإنَّ الوسخَ
إليها سريعٌ))، الحديثَ. وإسنادُه ضعيفٌ.
ووردَ في حديثٍ آخرَ الأمرُ بذلك(٨)؛ فيما رواه التِّرمذيُّ الحكيمُ في ((نوادِ
الأصولِ))(٩) من روايةٍ عمرَ بنِ بلالٍ قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ بُسرٍ يَقولُ: قال
رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((قُصُّوا أظفارَكم، وادِفِنُوا قُلاماتِكم (١٠)، ونقُوا براجمَكم))،
الحديثَ. وعُمرُ بنُ بلالٍ ليس بمعروفٍ؛ [قالَه ابنُ عديٍّ(١١)](١٢).
وممَّا يُستحبُّ تعاهدُه أيضًا: ما بينَ عُقدِ الأصابع من باطنِ الكفّ،
و(١٣ تُسمَّى الرَّواجبَ، بالجيم والمُوخَّدة١٣ِ) أيضًا (١٤)، واحدَتُها (١٥) راجبةٌ؛ قالَه
أبو موسى المدينيُّ في ذيلِ ((الغريبَيْنِ))(١٦). وقد روَى أحمدُ في ((المسندِ))(١٧) من
حديثِ ابنِ عباسٍ عن النبيِّ وَّهِ: أنَّه(١٨) قيلَ له: يا رسولَ الله، لقد أبطأ عنك
(١) ليس في الأصل، (م).
(٣)
في (م): ((بضمها)).
(٥)
في (ح): ((ودل)).
(٧)
ليس في الأصل، (م).
(٩) نوادر الأصول (١٨٥/١).
(١١) الكامل (١٧١٢/٥).
(١٣ - ١٣) ليس في: (ح).
(١٥) في (م): ((واحداتها)).
(١٧) أحمد (٢٤٣/١).
(٢) في (ك): ((برجم)).
(٤) المجموع للنووي (٣٤١/١).
(٦) الكامل (٢٥٩/١).
(٨) في (ح): ((في ذلك)).
(١٠) في (م): ((قلائمكم)).
(١٢) ليس في: (ح).
(١٤) بعدها في (ح): ((والباء الموحدة)).
(١٦) في (ك): ((العُرَنيين)).
(١٨) ليس في: (ح).

٤٢١
بابُ السَّواكِ وخصالِ الفطرةِ
جبريلُ؟ فقال: ((ولمَ لا يُبطِئُ عنِّي، وأنتم لا تستُّونَ، ولا تُقلِّمونَ أظفارَكم، ولا
تقصُّونَ شواربَكم، ولا تُتَقُّونَ رواجبكم!».
] الفائدةُ الثلاثونَ: وفيه انتقاصُ الماءِ، وقد اختُلِفَ في ضبطِ هذه
اللَّفظةِ: فالمشهورُ أنَّها بالقافِ والصَّادِ المُهملَةِ، وهكذا ذكرَه أبو عُبيدٍ في
(الغريبٍ))(١)، والهرويُّ في ((الغريبَيْنِ))(٢) وغيرُهما. وقيلَ بالفاءِ؛ حكاه ابنُ الأثيرِ
في ((النِّهايةِ))(٣)، وحكى عن (٤) بعضهم تصويبه، من قولِهم لنضحِ الدَّمِ القليلِ:
نفْصَةٌ، وجمعُها نُفَصِّ، قال النوويُّ: وهذا شاذٌّ، والصوابُ ما سبقَ(٥).
وقد اختُلِفَ في معناه؛ ففسَّرَه وكيعٌ، (٨٥/٢م) كما عندَ مسلمٍ بالاستنجاءِ،
ومُرادُه الاستنجاءُ بالماءِ لا مُطلقًا؛ لأنَّ الماءَ مُصرَّحٌ به في الحديثِ. [وحكَى
التِّرمذيُّ في ((الجامع)): عن أبي عُبيد(٦): أنَّه الاستنجاءُ بالماءِ، وقال أبو عُبيد(٧) في
((الغريب)): انتقاصُ البولِ بالماءِ إذا غسَل مذاكيرَه(٨)، وقد رواه النسائيُّ من قولِ
طلقِ بنِ حبيبٍ، وقال فيه: وغسلُ الدُّبرِ، وقال النسائيُّ(٩): إنَّه أشبَهُ بالصوابِ](١٠)،
وقيلَ: إِنَّ انتقاصَ (١١) الماءِ الانتضاحُ، وسيأتي في آخرِ الفوائدِ لهذا الحديثِ(١٢).
■ الحاديةُ والثَّلاثون: ذكرَ مسلمٌ، وأصحابُ السُّننِ أنَّ مُصعبًا هو الذي
نَسِيَّ العاشرةَ إلَّا أن تكونَ المضمضةُ(١٣)، ووقعَ في روايةٍ لمسلم: أنَّ الذي نسيَها
زكريًّا بنُ أبي زائدةَ(١٤)، والأوَّلُ أكثرُ وأشهرُ.
غريب الحديث (٣٨/٢).
(١)
(٣) النهاية (٩٧/٥) في غريب الأثر.
ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٥٠/٣).
(٥)
(٨) غريب الحديث (٣٨/٢).
(٦)
في الأصل، (م): ((عبيدة)).
(١٠) ليس في: (ك).
(١٢) في الفائدة الثانية والثلاثين.
(١٣) مسلم (٥٦/٢٦١)، أبو داود (٥٣)، الترمذي (٢٧٥٧)، النسائي (٥٠٥٥)، ابن ماجه
(٢٩٣).
(١٤) مسلم (٢٦١).
(٢) في (م، ك): ((العُرَنِيّين)).
(٤) ليس في: الأصل، (م).
(٧) في الأصل، (م): ((عبيدة)).
(٩) النسائي (٤٩٥٦).
(١١) في (ك): ((انتقاض)).

٤٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وفي ((سنن النسائي))(١)، عن سليمانَ التيميّ: وأنا شكَكتُ في المضمضةِ
[٧٣/١و]. إلَّ أنَّ سليمانَ جعلَ الحديثَ من قولِ طلقٍ. وقال النسائيُّ: إنَّه أشبَهُ
بالصوابِ، والقائلُ: ((إلَّا أن تكونَ المضمضةُ))، تَحتملُ (٢) أن تكونَ(٣) بقيَّةَ قولٍ
مُصعبٍ، ويُحتملُ أن يَكونَ الراوِي عنه هو الذي ذكرَها. وقد جزمَ بعدَ المضمضةِ
فيها أبو (٤) بشرٍ جعفرُ بنُ إياسٍ، الراوِي له عن طلقٍ قولَه، فقال فيه: ((والمضمضةُ
والاستنشاقُ)). قال النسائيُّ(٥): وحديثُ سليمانَ التيميِّ وجعفرِ بنِ إياسٍ أشبَهُ
بالصوابِ من حديثٍ مُصعبٍ بنِ شيبةَ. انتَهَى.
وكذلك هو ثابتٌ في حديثِ عمَّارٍ بنِ ياسرٍ، عندَ أبي داود وابن ماجه (٦):
((إنَّ(٧) من الفطرةِ المضمضةَ والاستنشاقَ)). وقد تقدَّمَ.
وذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى أنَّ المضمضةَ سُنَّةٌ في الوضوءِ والغسلِ، وقيلَ:
واجبةٌ فيهما، وقيلَ: واجبٌ في الغسلِ، سُنَّةٌ في الوضوءِ، وقد تقدَّمَ ذلك.
■ الثانيةُ والثَّلاثونَ: ذكرَ أبو داودَ وابنُ ماجَه من حديثٍ عمَّارٍ في
خصالِ الفطرةِ: الانتضاحَ(٨)، فقيلَ: إنَّه انتقاصُ الماءِ المذكورِ في حديثٍ عائشةَ،
كما تقدَّمَ. والصحيحُ: أنَّ انتقاصَ الماءِ هو الاستنجاءُ، وأمَّا الانتضاحُ: فهو رشُّ
الماءِ.
واختُلِفَ في موضع استحبابِه؛ فحكَى النوويُّ(٩) عن الجمهورِ: أنَّه نضحُ (١٠)
الفرجِ بماءٍ قليلٍ بعدَ الوضوءِ؛ لدفعِ الوسواسِ. ويدلُّ(١١) له ما رواه أبو داودَ
وابنُ ماجَه(١٢)، واللَّفظُ له، من حديثِ الحكمِ بنِ سفيانَ الثقفيِّ: ((أنَّه رأى
رسولَ اللهِ وَّ﴿ توضَّأ، ثمَّ أخذَ كفَّا من ماءٍ فنضحَ به فرجَه)). ولابنِ ماجَه(١٣) من
(١) النسائي (٥٠٥٦).
في (ح): ((يكون)).
(٣)
(٥)
النسائي (٤٩٥٦).
في (م): ((وإنّ)).
(٧)
(٩) شرح صحيح مسلم (١٥٠/٣).
(١١) في (ك): ((وتدل)).
(١٣) ابن ماجه (٤٦٢).
(٢) في (ح): ((يحتمل)).
(٤) في (ك): ((ابن)).
(٦) أبو داود (٥٤)، ابن ماجه (٢٩٤).
(٨) أبو داود (٥٤)، ابن ماجه (٢٩٤).
(١٠) في (ك): ((يصح)).
(١٢) أبو داود (١٦٨)، ابن ماجه (٤٦١).

بابُ السِّواكِ وخصالِ الفطرةِ
٤٢٣
حديثٍ زيدِ بنِ حارثةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((علَّمَنِي جبريلُ الوضوءَ، وأمَرني
أن أنضحَ تحتَ ثوبِي ممَّا يَخرجُ من البولِ بعدَ الوضوءِ)).
فقولُه: ((بعدَ الوضوءِ». مُتعلِّقٌ ((بأنضحَ)). لا بقولِه: (يَخرجُ))؛ لأنَّه لو
(٨٦/٢م) خرجَ البولُ بعدَ الوضوءِ لوجَبت(١) إعادةُ الوضوءِ.
ولا بنِ ماجَه (٢) أيضًا من حديث أبي هريرةَ: ((إذا توضَّأْتَ فانتضحْ))(٣). ولَه
من حديثٍ جابرٍ: (توضَّأ رسولُ اللهِ وَ﴿ فنضحَ فرجَه))(٤).
وقيلَ: إِنَّ(٥) الانتضاحَ المذكورَ: هو أن يَنضحَ ثوبَه بالماءِ بعدَ الفراغِ من
الاستنجاءِ، لدفع الوسواسِ أيضًا، حتى إذا توهَّم نجاسةَ بللٍ (٦) في ثوبِهِ، أو بدنِه
أحالَ به على الماءِ الذي نضحَ به، ويدلُ (٧) له ما رواه أبو داودَ، من روايةِ رجلٍ
من ثقيفٍ، عن أبيه، قال: ((رأيتُ(٨) رسولَ اللهِ نَّهِ بَالَ، ثمَّ نضحَ(٩) فرجَه))(١٠)،
والأوَّلُ أصحُ(١١) .
ويَحتملُ أن يُرادَ بالنَّضح هنا: غسلُ البولِ، فيكونُ المُرادُ الاستنجاءَ؛ فإنَّ
النضحَ يُطلقُ ويُرادُ به الغسلُ أيضًا(١٢). واللهُ أعلمُ(١٣)، وقد حكاه النوويُّ في
(شرح مسلم)) (١٤): قولًا (١٥).
(١) في (ح): ((لوجب)).
(٢) ابن ماجه (٤٦٣)، وهو عند الترمذي (٥٠).
(٣)
في (ح): ((فانضح)).
(٤) ابن ماجه (٤٦٤).
(٦) في (ك): ((بيلل)).
في (ك): ((وتدل)).
(٧)
(٩) في (ك): ((نصح)).
(١٠) أبو داود (١٦٧).
(١١) في (ك): ((إن صح)).
(١٢) ينظر: التمهيد (٢٠٨/٢١)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣٣٣/١).
(١٣) قال في حاشية (ت): ((فاته أن في سنن الدارمي (١/ ١٨٠)، بسندٍ صحيح، على شرط
الصحيح، من حديث ابن عباس: أن النبي ◌َّ توضأ مرةً مرةً ونضح. وذكره القشيري
في ((الإلمام)) (١٨٣/٥)، وتكلم عليه)).
(١٤) شرح صحيح مسلم (٢١٣/٣).
(١٥) في (م): ((قولان)).
لیس في: (ح).
(٥)
(٨) ليس في: (ك).

٤٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
(١ باب الاستجمار)
عن أبي هريرةَ رَُّه قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إذا استجمَر أحدُكم
فلیوتز)).
الكلامُ عليه: الاستجمارُ: استفعالٌ من استعمالِ الجمارِ، وهي الأحجارُ
عندَ قضاءِ الحاجةِ، وهو المرادُ من الحديثِ.
وعن مالك: أنَّ المرادَ به استعمالُ المِجْمرةِ، وهو التبخُّرُ، والأمرُ
بالإيتارِ في الاستجمارِ مُستحبٌّ، بدليلٍ روايةٍ أبي داودَ، وابنٍ ماجَه(٢) من
روايةٍ أبي سعدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِِّ قال: ((مَن اكتحلَ فليوترْ، مَن
فعلَ فقد أحسنَ، ومَن لا فلا حرجَ، ومَنِ استجمَر فليوترْ، مَن فعلَ فقد أحسنَ،
ومَن لا فلا حرجَ، ومَن أكلَ فما تَخلَّلَ فليلفظْ، وما (٣) لاَكَ(٤) بلسانِه
فليبتلعْ(٥) ، مَن فعلَ فقد أحسنَ، ومَن لا فلا حرجَ، ومَن أتَى الغائطَ فليستترْ،
فإن لم يَجدْ إلَّا أن يَجمعَ كثيبًا من رملٍ فليستدبرْه، فإنَّ الشيطانَ يَلعبُ بمقاعدٍ
بِنِي آدَمَ، مَن فعلَ فقد أحسنَ، ومَن لاَّ فلا (٢٨٧/٢) حرجَ)). وأخرجَه ابنُ حبَّانَ
في ((صحيحِه)) (٦). وقال النوويُّ في ((الخلاصة))(٧): ((إنَّه حديثٌ حسنٌ)).
وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذا الحديثِ في الحديثِ الثانِي من بابِ الوضوءِ.
واللهُ أعلمُ.
(١ - ١) بياض في: (ك).
(٣) ليس في: (ك).
(٥) في (ك): ((فليبلع)).
(٧) خلاصة الأحكام في مهمات السنن (١٤٧/١).
(٢) أبو داود (٣٥)، ابن ماجه (٣٣٧).
(٤) في (ح): ((لا)).
(٦) ابن حبان (١٤١٠).

بابُ الغُسلِ
٤٢٥
(١ بابُ الغُسلِ)
عن عُروةَ، عن [٧٣/١ظ] عائشةَ رَُّّ، قالت: كنتُ أغتسلُ أنا
ورسولُ اللهِ وَلَهَ من إناءٍ واحدٍ، فيه قدرُ الفَرَقِ.
فيه فوائدُ:
■ الأولَى: حديثُ عائشةَ أخرجَه السِّنَّةُ خلا التِّرمذيّ(٢)، وخرّجَه(٣)
النسائيُّ(٤) من طريقِ معمرٍ هكذا. والبخاريُّ(٥) من روايةِ ابنِ أبي ذئبٍ بلفظ: ((من
قِدِحِ، يُقالُ له: الفَرَقُ)). ومُسلمٌ(٦) من طريقِ مالكِ بلفظِ: ((كان يَغتسلُ من إناءٍ،
هو الفَرَقُ من الجنابةِ)). ومن روايةِ اللَّيثِ وابنٍ عُيِينَةَ بلفظِ: ((كان يَغتسلُ في قدحِ،
هو الفَرَقُ، وكُنتُ أغتسلُ أنا وهو في الإناءِ الواحدِ)). وقال سفيانُ: ((من إنَاءٍ
واحدٍ)).
وأبو داودَ(٧) من طريقِ مالكٍ. وابنُ ماجَه من طريقِ اللَّيثِ(٨)، وابنٍ عُيينةَ.
والنسائيُّ(٩) أيضًا من طريقِ اللَّيثِ. خمستُهم عن الزُّهريِّ.
وأخرجَه البخاريُّ(١٠) من روايةٍ أبي بكرِ ابنِ حفصٍ، عن عُروةً.
(١ - ١) مكانه بياض في: (ك).
(٢) البخاري (٢٥٠)، مسلم (٤١/٣١٩)، أبو داود (٢٣٨)، النسائي (٢٢٨)، ابن ماجه
(٣٧٦).
(٣) في (ك): ((فأخرجه))، وفي (م): ((وأخرجه)).
(٤)
النسائي (٢٣١).
مسلم (٤٠/٣١٩، ٤١).
(٦)
(٨) ابن ماجه (٣٧٦).
(١٠) البخاري (٢٥١).
(٥) البخاري (٢٥٠).
(٧) أبو داود (٢٣٨).
(٩) النسائي (٢٢٨).

=
الى
٤٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والنسائيُّ(١)؛ من رواية هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه.
وأخرجَه الشيخانِ، والنسائيُّ(٢)؛ من روايةِ القاسم، عن عائشةَ - دُون ذكرٍ
الفَرَقِ -، وزادَ الشيخانِ: ((تختلفُ أيدينا فيه)). زادَ مسلمٌ: ((من الجنابةِ)). وهي(٣)
عندَ البخاريِّ(٤) في روايةٍ دُونَ قولِه: (تَختلفُ أيدينا فيه).
وأخرجَه مسلمٌ(٥) من رواية أبي سلمةَ، عن عائشةَ، وقال: ((ونحنُ جُنبانٍ)).
وله من روايةٍ حفصةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ: ((كانت تغتسلُ هي والنبيُّ ◌َلـ
من إناءٍ واحدٍ يَسعُ ثلاثةَ أمدادٍ، أو (٦) قريبًا من ذلك))(٧). ولَه والنسائيّ(٨)(٩) من
روايةٍ معاذةَ عنها: ((كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ اللهِ وَ من إناءٍ (١٠ بيني وبينَه
واحدٍ ١٠)، فيُبادرنِي (٢٨٨/٢) حتى أقولَ: دعْ لِي، دعْ لِي)). قالت: وهما جُنبانٍ.
وقال النسائيُّ: ((يُبادرني وأبادرُه، حتى يَقولَ: ((دعِي لِي)). وأَقولُ: دعْ لي)).
وللشيخين، وأبي داودَ، والنسائيّ(١١)؛ من روايةٍ منصورٍ، عن إبراهيمَ،
عن(١٢) الأسودِ، عن عائشةَ: ((كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ اللهِ وَلَّ من إناءٍ واحدٍ)).
■ الثانيةُ: الفَرَقُ بفتح الفاءِ والراءِ معًا وآخرُه قافٌ: هذه هي اللُّغةُ
الفصحَى الشهيرةُ، وفيه لُغةٌ (١٣) أُخرَى بإسكانِ الراءِ: حكاها ابنُ دُريدٍ وغيرُه (١٤).
واختلفَ في مقدارِ الفَرقِ، ففِي ((صحيحٍ مسلم)»(١٥) عن سفيانَ بنِ عُيينةَ: أنَّه
(١) النسائي (٢٣٢).
(٢) البخاري (٢٦١)، مسلم (٤٥/٣٢١)، النسائي (٢٣٣).
(٣)
(٤) البخاري (٢٦٣).
في (ح): ((وهو)).
(٥)
مسلم (٤٣/٣٢١).
(٦) في (ح): ((و)).
(٧)
مسلم (٤٤/٣٢١).
(٨) في (ك، ح): ((وللنسائي)).
مسلم (٤٦/٣٢١)، النسائي (٢٣٩).
(٩)
(١٠ - ١٠) في (ح): ((واحد بيني وبينه))، وفي (ك): ((بيني وبينه واحدة)).
(١١) البخاري (٢٩٩)، أبو داود (٧٧)، النسائي (٢٣٤).
(١٢) في الأصل، (م): ((بن)).
(١٤) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٣).
(١٣) في (ك): ((رواية)).
(١٥) مسلم (٤١/٣١٩).

بابُ الغُسلِ
٤٢٧
ثلاثةُ آصع، فيكونُ سنَّةَ عشرَ رِطلًا على قولِ الشافعيِّ وأهلِ الحجازِ؛ وأربعةً
وعشرينَ(١) على قولِ أبي حنيفةَ، في ذهابِهِ إلى أنَّ الصاعَ ثمانيةُ أرطالٍ، [وذهبَ
بعضُ الشافعيَّةِ إلى التفرقةِ بينَ صاعِ الزكاةِ وصاعِ الغُسْلِ من الجنابةِ؛ فجعلَ صاعَ
الجنابةِ ثمانيةَ أرطالٍ؛ حكاه الرُّويانيُّ(٢). واستدلَّ له بما رواه أبو داودَ(٣) من
حديثٍ أنسٍ: ((كان النبيُّ وَ﴿ يَتوضَّأُ بإناءٍ يَسعُ رِطلينٍ، ويغتسلُ بالصَّاعِ)).
فاستدلّ(٤) بهذه الرّوايةِ مع حديثِه في ((الصحيح))(٥): ((أَنَّه كان يَتوضَّأُ بالمُدِّ،
ويغتسلُ بالصَّاع)) - أنَّ الصاعَ ثمانيةُ أرطالٍ؛ لاتِّفاقِهم على أنَّه أربعةُ أمدادٍ،
واستدلُّوا أيضًا(٤): بما رواه النسائيُّ(٧)؛ من روايةٍ موسى الجهنيِّ، قال: ((أتى
مجاهدٌ بقَدحِ، حزرتُه ثمانيةَ أرطالٍ، فقال: حدَّثتَنِي عائشةُ: أنَّ النبيَّ وَّ كان
يَغتسلُ بمثلِ هذا».
وليس في الحديثينِ ما يَدلُّ على أنَّ هذا هو الصَّاعُ، بل هو مثلُ حديثٍ
عائشةَ في اغتسالِهما بالفَرقِ(٨). واللهُ أعلمُ](٩).
وهذا الذي قاله سفيانُ؛ من كونِ الفَرقِ ثلاثةَ آصع، هو قولُ الجمهورِ ؛
مالكٍ(١٠)، والشافعيِّ، وأحمدَ، وأبِي عُبيدٍ، وغيرِهم. وقيلَ: الفرقُ صاعانٍ
ونصفٌ؛ حكاه صاحبُ ((النِّهايةِ))(١١)، ولكنَّه فرَّقَ بينَ المفتوحِ الراءِ والساكنِ
الراءِ، في المقدارِ، فقال في المفتوحِ الراءِ ما تقدَّمَ، من كونِه ثلاثةَ آصعِ على
الصحيحِ أو صاعينٍ ونصفًا، وقال في الساكنِ الراءِ: إنَّه مائةٌ وعشرونَ رِطلًا.
واللهُ أعلمُ.
في الأصل، (ك): ((وعشرون)).
(١)
(٣)
أبو داود (٩٥).
(٥)
البخاري (١٩٨)، مسلم (٣٢٥).
(٧)
النسائي (٢٣٠).
(٨) البخاري (٢٤٧)، مسلم (٣١٩).
(٩) ما بين المعكوفين على هذا الترتيب في النسخ كلها، سوى نسخة (ك)؛ فإنه جعلها بعد
قول المصنف الآتي: ((وهذا الذي قاله سفيانُ من كونِ الفرقِ ثلاثةَ آصعٍ، هو قولُ
الجمهورِ؛ مالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وأبِي عُبيدٍ، وغيرِهم)).
(١٠) في (ت، م): ((ومالك)).
(٢) ينظر: المجموع (٢١٩/٢).
(٤) في (ك): ((واستدل)).
(٦) ليس في الأصل، (م).
(١١) النهاية (٤٣٧/٣).

٤٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقيلَ: الفَرقُ إناءٌ ضخمٌ من مكاييلِ العراقِ؛ حكاه صاحبُ ((المُفهمِ))(١).
وقيلَ: هو مكيالُ أهلِ المدينةِ، حكاه أيضًا، ولم يَذكرْ تحديدَه على هذينٍ
القولينِ.
وقد وردَ في حديثٍ [٧٤/١و] لزينبَ بنتِ أبي سلمةَ: أنَّه كان يَغتسلُ بِالفَرقِ،
وهو الصاعُ. ففسَّرَ الفرقَ بالصَّاعِ. والحديثُ ضعيفٌ: رواه ابنُ عديٍّ في
((الكامل))(٢).
■ الثالثةُ: فيه جوازُ اغتسالِ الرجلِ وامرأتِه(٣) معًا، واستعمالِ كلِّ واحدٍ
منهما لفضلِ الآخرِ؛ لقولِ عائشةَ في الروايةِ المتقدِّمةِ: ((يُبادرنِي وأُبادرُه)). فكلٌّ
منهما مستعمِلٌ لفضلِ الآخرِ، وقد (٨٩/٢م) تقدَّمَتِ المسألةُ في الحديثِ الثانِي،
من بابٍ: ما يُفسدُ الماءَ وما لا يُفسدُه.
■ الرابعةُ: في الجمع بينَ ما ظاهِرُه الاختلافُ من الرواياتِ المتقدِّمةِ:
فحديثُ البابِ فيه: أنَّه كان يَغتسلُ هو وعائشةُ، من الإناءِ المذكورِ، وروايةٌ
مالكِ، عندَ مسلم: أنَّه كان يَغتسلُ منه. ولم يَذكرْ(٤) عائشةَ.
والجمعُ بينَهما: أنَّ إسقاطَ ذكرِ عائشةَ في هذه الروايةِ لا يَلزمُ منه عدمُ
اغتسالِها(٥) معَه، وعلى تقديرٍ أن يَكونَ اغتسلَ منه وحدَه: فليس فيه (٦ أنَّه
استوعب٦َ) الإناءَ في غُسْلِه وحدَه؛ لأنَّ قولَه: ((منه)) يَجوزُ أن يَكونَ للتبعيضِ،
وعلى هذا: فيكونُ قد وقعَ ذلك مرَّتينٍ أو أكثرَ؛ مرَّةً معَها، ومرَّةٌ وحدَه.
وأمَّا روايةُ اللَّيثِ وابنٍ عُيينةَ؛ فإنَّه، وإن لم(٧) يَذكرْ فيها اغتسالَ عائشةً
(١) المفهم (٥٨٠/١).
(٢) الكامل (١١٨٤/٣) عنها، عن أم سلمة، بلفظ: كان رسول الله وهي يغتسلان من إناء
واحد.
(٣) في (ح): ((المرأة)).
(٤) في (ك): ((تذكر).
(٥) في (ك): ((استعمالها)).
(٦ - ٦) في الأصل: ((استوعب))، في (ك): ((استوعت)).
(٧) ليس في الأصل.

بابُ الغُسلِ
٤٢٩
معَه؛ فإنَّه قال في بقيَّةِ الحديثِ: ((وكنتُ أغتسلُ أنا وهو في الإناءِ الواحدِ، أو من
إناءٍ واحدٍ)). فيجوزُ أن يَكونَ مرادُها هو الإناءُ المذكورُ، الذي هو الفَرقُ، فيكونُ
مُوافقًا لحديثِ مَعْمٍ. وإن(١) كانت أرادت بيانَ اغتسالِها معَه بغيرِ (٢) قيدِ كونِه من
الإناءِ الذي هو الفَرَقُ؛ فيكونُ(٣) الجوابُ عنه كالجوابِ عن روايةِ مالكٍ.
وأمَّا روايةُ حفصةَ عن عائشةَ التي فيها: ((أنَّهما كانا يَغتسلانِ من إناءٍ، يَسعُ
ثلاثةَ أمدادٍ أو قريبَها)»، فهو مخالفٌ لحديثِ(٤) الفَرَقِ.
وقد جمَعَ القاضِي عياضٌ بينَهما (٥) بوجهينٍ (٦):
أحدُهما: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما ينفردُ باغتسالِهِ بثلاثةِ أمدادٍ.
والثاني: أن يَكونَ المرادُ بالمُدِّ هنا الصاعَ، فيكونُ مُوافقًا لحديثِ الفَرَقِ،
قال النوويُ(٧): ويجوزُ أن يَكونَ هذا وقعَ في بعضِ الأحوالِ، واغتسلا من إناءٍ
يَسعُ ثلاثةَ أمدادٍ، وزادَاهُ(٨) لَمَّا فرِغَ. واللهُ أعلمُ.
قلتُ: ولعلَّهما أيضًا لم يَزِيداه، بل كفَاهما للاغتسالِ؛ إذ لم يُنقلْ أنَّهما
زاداه، فلا مانعَ من اكتفائِهما به. وقد وضعَ النبيُّ وَّهِ يَدَه فيه فبُوركَ، كما وقعَ
في القَدحِ الذي توضَّأ منه الجمُّ الغفيرُ(٩)، وكان لا يَسعُ يَدَه أن يَبسطَها فيه، فلا
يُقاسُ غيرُه عليه. واللهُ أعلمُ.
■ الخامسةُ: إن قال قائلٌ: حديثُ عائشةَ في اغتسالِهما بالفَرقِ يَدلُّ على
استعمالِ كلِّ واحدٍ منهما في اغتسالِهِ صاعًا ونصفَ صاع إن استعملاه بالسَّويَّةِ،
أو أحدُهما أكثرَ من صاع ونصفٍ إن تفاضلا، فكيفَ يَتَّفقُ هذا مع حديثٍ أنسٍ،
(١)
في (ك): («فإن)).
(٢) في (ك): ((وغير)).
(٣) في (ك): ((مُوافقًا لحديثِ مَعْمرٍ))، وهو سهو.
(٤)
في (ك): ((بحدیث)).
(٥) ليس في: (ح).
(٦)
إكمال المعلم (١٩٤/٢).
(٧) شرح النووي على مسلم (٦/٤).
(٨)
في (م): ((وزاده)).
(٩) أخرجه البخاري (١٦٩)، ومسلم (٥/٢٢٧٩) عن أنس، والبخاري (٣٥٧٣)، ومسلم
(١٨٥٦/ ٧٢) عن جابر.

٤٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المُخرَّجُ في ((الصحيحين)) (١): ((أنَّه كان ◌َّهِ يَغتسلُ بالصَّاعِ، إلى خمسةِ أمدادٍ
ويتوضَّأُ بالمُدِّ). ففِي هذا الحديثِ أنَّ غايةَ ما اغتسلَ به صاعٌ ورُبعٌ، وعندَ مسلمٍ
أيضًا من حديثٍ سَفِينةَ: ((كان يَغتسلُ (٩٠/٢م) بالصاع، ويتطهّرُ بالمُدِّ»(٢)؟
والجوابُ عنه من وجهینِ:
أحدُهما: أنَّه لا يَلزمُ من ذكرِ الفَرقِ في(٣) حديثٍ عائشةً؛ أن يَكونا
استعملاه بجملتِهِ، وإنَّما فيه أنَّهما كانا يَغتسلانٍ منه.
وأمَّا الرِّوايةُ التي قالت فيها: ((حتى يَقولَ: دعِي لِي، وأقولُ: دعْ لِي)).
فإنَّها وإن كان ظاهرُها: أنَّهما استكملا ماءَ(٤) ذلك [١/ ٧٤ظ] الإناءِ، فليس في
هذه الروايةِ ذكرٌ للفَرقِ أصلًا، وإنَّما قالت فيه: ((من إناءٍ واحدٍ)). فلعلَّ هذه المرَّةَ
كان استعمالُهما(٥) للإناءِ الذي (٦) يَسعُ ثلاثةَ أمدادٍ، على تقديرِ إرادةِ المُدِّ حقيقةً،
وأنَّهما اغتسلا منه جميعًا، ولم يَزيداه عندَ فراغِه.
والوجهُ الثاني: أنَّا، وإن جوَّزنا استكمالَ الفَرَقِ في (٧) اغتسالِهما، فليس في
حديثٍ أنسٍ دليلٌ على أنَّه لم يَقعْ(٨) منه الزيادةُ على الخمسةِ الأمدادِ؛ لأنَّ ((كان))
لا تدلُّ على الدوام، ولا (٩) على التكرارِ، عندَ كثيرٍ من الأصوليِّينَ(١٠)، ويجوزُ
أن يَكونَ أنسٌ لم يَطَّلع على أنَّه زادَ على الخمسةِ، واطّلعت عائشةُ على ذلك؛
لكثرة اطّلاعِها على اغتسالِه، فهي أعرفُ من أنسٍ بذلك.
وقد قال الشافعيُّ رضيَ اللهُ تعالى (١١) عنه وغيرُه: ((إنَّ الجمعَ بينَ الرواياتِ في
ذلك: أنَّها اغتسالاتٌ في أحوالٍ؛ حُدَّ في بعضِ الرواياتِ كثيرها، وفي بعضِها
قليلها، وهي دالَّةٌ على أنَّه لا حدَّ في قلَّةِ ماءِ الطَّهارةِ، بل الواجبُ الاستيعابُ))(١٢).
(١) البخاري (٢٠١)، مسلم (٥١/٣٢٥).
(٣)
في (ك) ((من)).
(٢) مسلم (٦٦٤).
(٤) في (ك): ((ما في)).
(٥)
في (ك): ((استعمالها)).
(٦) في (ك): ((التي)).
(٨) في (ك): تقع.
(٧) في (ك): ((و)).
(٩) فى (ك): ((بل ولا)).
(١٠) ينظر: الإحكام (٢٧٢/٢)، وشرح الكوكب المنير (٢١٦/٣).
(١١) في (ك): ((رحمه الله)).
(١٢) ينظر: شرح مسلم للنووي (٦/٤).

بابُ الغُسلِ
٤٣١
=
قال الشافعيُّ(١): ((وقد يرفق(٢) الفقِيهُ بالقليلِ فيكفِي، ويخرقُ الأخرقُ بالكثيرِ فلا
يكفي)). انتَھَى.
إلَّا أنَّ ممَّا (٣) يستشكلُ من ذلك الروايةُ التي عندَ مسلم (٤) في حديثٍ أنسٍ:
((كان رسول(٥) الله وَلِ﴿ يَغْتسلُ بخمسٍ مكاكيكَ(٦)، ويتوضَّأُ بِمَكُّوكٍ)).، فإنَّ في
كلامٍ صاحبٍ ((الصِّحاح))(٧): ما يدلُّ على أنَّ الخمسةَ المكاكيكَ ستَّةٌ وخمسونَ
رِطلاً ورُبْعُ رِطلٍ، وذلكَ أنه قال: إنَّ المُوكَ: ثلاثُ كِيلَجاتٍ، والكِيلَجةُ: مَنَا،
وسبعةُ أثمانِ مَنَا، والمَنَا: رطلانِ.
وحكى القرطبيُّ(٨) عن غيرِ (٩) صاحبِ ((الصِّحاحِ)): أنَّ المكُوكَ مكيالٌ لأهل
العراقِ، يَسعُ صاعًا ونصفَ صاعِ بالمدنيِّ. انتَهَى.
فعلَى هذا تكونُ المكاكيكُ (١٠) الخمسةُ أربعينَ رِطلًا؛ لا جرمَ.
قال القرطبيُّ: الصحيحُ أنَّ المُرادَ بالمُوكِ في حديثِ أنسٍ: المُدُّ، بدلیلٍ
الرِّوايةِ الأخرَى. ولم يَذكرِ النوويُّ في ((شرحِه)) (١١) مقدارَ المُوكِ عندَ أهلِ
اللُّغةِ، بل قال: لعلَّ المُرادَ بالمُوكِ هنا المُدُّ. انتَهَى.
ويدلُّ على عدم التحديدِ في ماءِ الطهارةِ: ما رواه أبو داودَ والنسائيُّ،
بإسنادٍ حسنٍ، من حديثٍ أمِّ عُمارةَ الأنصاريَّةِ: ((أنَّ النبيَّ وََّ توضَّأ بإناءٍ فيه
(١٢ قدرُ ثُلثي ١٢) مُدِّ))(١٣). ورواه البيهقيُّ (١٤) من حديثِ عبدِ اللهِ (٩١/٢م) بنِ زيدٍ.
وروَى(١٥) البيهقيُّ (١٦) من طريقٍ(١٧) ابنِ عديٌّ، وضعَّفَه، من حديث أبي أمامةَ:
(١) مختصر المزني (ص٦).
(٣)
في (ك): ((ما)).
في الأصل، (م): ((النبي)).
(٥)
(٧)
الصحاح (٢٩٥/٤).
(٨)
ليس في: (ك).
(١١) شرح صحيح مسلم (٤/ ٧).
(١٣) أبو داود (٩٤)، النسائي (٧٤).
(١٥) في (ك): ((ورواه)).
(١٧) ليس في: (ك).
(٢) في (م): ((يدقق)).
(٤) مسلم (٥٠/٣٢٥).
(٦) في (ك): ((مكاكيل)).
المفهم (٥٨١/١)، وينظر: مشارق الأنوار (٣٧٩/١).
(٩)
(١٠) في (ك): ((المكاكيل)).
(١٢ - ١٢) في (ك): ((ثلث)).
(١٤) السنن الكبرى (١٩٦/١).
(١٦) المصدر السابق.

=
٤٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
((أنَّ النبيَّ وَّهِ توضَّأ بنصفِ مُدِّ)). ورواه البيهقيُّ(١) أيضًا بلفظ: ((بقِسْطٍ(٢) من
ماءٍ))، وهو ضعيفٌ أيضًا، والقسطُ نصفُ مُدِّ.
وفيه ردٌّ على ابنٍ شعبانَ(٣) من المالكيَّةِ؛ حيثُ قال: لا يُجزئُ أقلُّ من مُدِّ
في الوضوءِ، وصاعٍ في الغُسلِ (٤). قال القرطبيُّ(٥): وحديثُ الثلاثةِ أمدادٍ يَردُّ
عليه. انتَهَى.
وهكذا حُكي عن محمدِ بنِ الحسنِ من الحنفيَّةِ (٦)، وذكرَ أصحابُنا في كُتبٍ
الفقهِ حديثًا آخرَ: ((أنَّه توضَّأ بثلثِ مُدِّ)(٧)، وحديثٌ آخرُ: (((°أنَّه توضَّأ بما(٨) لا
يَلْت٩ُ) الثرَى))، ولا أصلَ لهما(١٠).
وبلغنِي عن شيخِنا العلّامةِ تقيّ الدِّينِ السُّبكيّ: أنَّه توضَّأ مرَّةً بثمانيةَ عشر
درهمًا؛ أُوقيَّةٍ ونصفٍ، وما أدري كيفَ يُمكنُ جريانُ الماءِ على أعضاءِ الوضوءِ
بهذا المقدارِ أو أضعافِه؛ فإنَّه يُشترطُ جريانُ الماءِ على العضوِ المغسولِ، باتِّفاقٍ
أصحابِنا(١١)، وقد أوَّلَ ابنُ دقيقِ العيدِ(١٢) وُضوءَه بثلثي مُدٍّ، وحمَلَه على روايةٍ:
(١٣ وُضوئِه١٣) بمدٍّ، فقال: إنَّ هذا الذي ذُكرَ فيه: (ثُلثا مُدِّ) هو في حديثِ الرُّبِيِّعِ
(١) السنن الكبرى (١٩٦/١).
(٢) في (ك): ((القسط)).
(٣) هو: أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان، من ولد عمار بن ياسر، شيخ المالكية
بمصر، وكان صاحب سُنَّة واتباع، وباع مديد في الفقه، مع بصر بالأخبار، وأيام
الناس، مع الورع والتقوى، وسعة الرواية، له التصانيف البديعة، منها: كتاب ((الزاهي))
في الفقه، وكتاب ((أحكام القرآن)) و((مناقب مالك كبير))، وكتاب ((المنسك))، مات في
سنة (٣٥٥هـ). ينظر: ترتيب المدارك (٢٩٣/٣)، سير أعلام النبلاء (٧٨/١٦)، الديباج
المذهب (١٩٤/٢).
(٤) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٢٠٣/١) ولم ينسبه لأحد.
(٦) ينظر: تحفة الفقهاء (٣٠/١).
المفهم (١/ ٥٨١).
(٥)
(٧) ينظر: البدر المنير (٢٢٢/٥)، التلخيص الحبير (٣٨٧/١).
(٩ - ٩) في (ح): ((يُثُّ)).
(٨) في (ح): ((مما)).
(١٠) كذا قال المصنف، والحديث أخرجه أحمد (٩٠/٤)، وأبو داود (٤٤٥).
(١١) ينظر: المجموع (٤٩٢/١)، وروضة الطالبين (٦٤/١).
(١٢) شرح الإلمام (٨٦/٥ - ٨٧).
(١٣ - ١٣) في (ح): ((وهو)).

٤٣٣
بابُ الغُسلِ
بنتِ مُعوذُ(١)، والمُدُّ مُدَّانٍ؛ مُدُّ النبيِّ وَِّ، ومُدُّ هشام بنِ إسماعيلَ(٢)، وهو أزيدُ
من المُدِّ الأوَّلِ، قيلَ بثلثٍ، وقيلَ بنصفٍ. لكنَّ ذلك يَتوقَّفُ على تاريخِ موتٍ
الرُّبِيِّعِ [٧٥/١و]، ومُدَّةِ ولايةِ هشام بنِ إسماعيلَ، وهلْ أدركتْ زمَن هشامٍ بنِ
إسماعيلَ أو لا؟ فإن كان يُمكنُ اجتماعُهما، فلا دلالةَ لجوازٍ(٣) أن تكونَ أرادت
مُدَّ هشام، قال: ولا يُتوهَّمنَ (٤) أنَّ قولَها: ((فأَتَى بماءٍ قدرَ ثُلثي مُدِّ))(٥)، يَتعيَّنُ
لأن (٦) يَكُونَ بِمَدِّ النبيِّ وَّه؛ لأنَّها إذا أدركت مُدَّ هشام: جازَ أن يُعَيّن(٧) ما كان
أوَّلًا عندَ المقدارِ بثلثي المقدارِ الحاضرِ عندَ إخبارِها (٨). انتَهَى.
وفي كلامِه نظرٌ؛ فقد تقدَّمَ أنَّ حديثَ: ((ثُلثي المُدِّ))، من حديثٍ أمِّ عُمارةَ
الأنصاريَّةِ واسمُها نَسِيبةٌ (٩)، ومن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدِ الأنصاريِّ، وكلاهما لم
تتأخّرْ وفاتُه إلى مُدِّ هشامٍ. واللهُ أعلمُ.
السادسةُ: اختلفت(١٠) عباراتُ أصحابِنا في القدرِ الذي يُستحبُّ
الاقتصارُ عليه من الماءِ للغسلِ والوضوءِ؛ هل يُستحبُّ (١١) أن لا يَنقصَ في الغسلِ
عن صاعٍ، ولا في الوضوءِ عن مُدِّ، أو المُستحبُّ أن لا يَزِيدَ على ذلك؟
فالمشهورُ الأوَّلُ (١٢)، وهو الذي اقتصرَ عليه الرافعيُّ والنَّوويُّ(١٣)، وقال
ابنُ الرِّفعةِ: إنَّ كلامَ الأصحابِ يَدلُّ على أنَّ المُستحبَّ الاقتصارُ على الصَّاعِ
(١) في (م): ((معاذ))، وأشار في الحاشية إلى أنها في نسخة: ((معوذ)).
(٢) هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة، عامل المدينة لعبد الملك بن مروان، ومده:
هو الذي أخذ به أهل المدينة في كفارة الظهار؛ لتغليظها على المظاهرين من نسائهم.
ينظر: البيان والتحصيل (٥٣/١).
(٣)
في (ك): ((يجوز)).
(٥)
في (ك): ((المد)).
في الأصل، (م): (تعين)).
(٧)
ضبطت في الأصل، (ت): ((نُسَيبة)). وينظر: الإكمال (٣٣٨/٧)، تبصير المنتبه
(٩)
(١٤١٥/٤)، توضيح المشتبه (٧٩/٩).
(١٠) في (ك): ((اختلف)).
(١٢) بعدها في (ك): ((أشهر)).
(٤) بعدها في (ك): ((به)).
(٦) في (ك): ((لا)).
(٨) في (ك): ((إخبارهما)).
(١١) في (ك، ح): ((المستحب)).
(١٣) الشرح الكبير (١٨٩/٣)، شرح النووي على مسلم (٢/٤).

=
كم
٤٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والمُدِّ؛ لأنَّ الرِّفقَ محبوبٌ، قال: وعليه (١يَدُّ ما رُوي١َ): أنَّهِوَِّ قال:
((سيأتي(٢) أقوامٌ يَستقلُّونَ هذا، فمَن رغِبَ في سُنَّتِي وتمسَّكَ بها: بُعثَ(٣) معِي
(٢/ ٩٢م) في حظيرةٍ (٤) القدسِ))(٥) انتَهَى. والحديثُ الذي ذكرَه (٦ لا أصل٦َ) له،
وقد رُدَّ عليه فيما نقلَه عن كلامِ الأصحابِ.
■ السابعةُ: ذكرَ الشيخُ عزّ الدِّينِ ابنُ عبدِ السلامِ في ((القواعدٍ))(٧): أنَّ
استحبابَ الصاعِ في الغسلِ، والمدِّ في الوضوءِ، هو في حقِّ مَن هو مُعتدلُ
الخَلْقِ؛ كاعتدالِ خَلقِهِ وَّ، فلو كان ضئيلَ الخلقِ، أو مُتفاحشَه طُولًا، أو
ضخمًا، فيُستحبُّ أن يَستعملَ في وُضوئِه ماءً نسبتُه إلى جسدِه، كنسبةِ المُدِّ إلى
جسدِ النبيِّ ◌ََّ، وهو حسنٌ مُتَجَهٌ.
(١ - ١) في (ك): ((ما يدل)).
(٢) في (م): ((ستأتي)).
(٣)
في (ك): ((تعب))!
في النسخ الخطية: ((حضيرة)»، عدا نسخة (ح): ((حضرة))، والمثبت من مصادر التخريج.
(٤)
(٥) ينظر: البدر المنير (٥٩٨/٢)، تلخيص الحبير (٥٩٨/٢).
(٦ - ٦) في (ك): ((الأصل)).
(٧) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١٧٥/٢)، وينظر: الذخيرة (٢٨٨/١).