Indexed OCR Text

Pages 461-480

بابٌ الوضوء
٣٥٥
وقال النوويُّ: إنَّ ما نصَّ عليه الشافعيُّ [٦٠/١ظ] صرَّحَ به الأصحابُ، وما
نصَّ عليه الشافعيُّ وأصحابُه، من توقُّفِ زوالِ الكراهةِ على الثلاثِ، يُشكلُ عليه
ما تقدَّمَ تصحيحُه من أنَّه لا يُكرَه غمسُ اليدِ إذا تحقَّقَ طهارتَها، ومعلومٌ أنَّ المرَّةَ
الواحدةَ مُطهِّرةٌ لليدِ إن لم يكنْ ثَمَّ (١) نجاسةٌ عينيَّةٌ(٢) لم يَزِلْ حُكمُها، فكيفَ يُقالُ
ببقاءِ الكراهةِ مع تحقّقِ الطّهارةِ؟
لا جرمَ كان جمهورُ أهلِ العلم على أنَّ تيقُّنَ طهارةِ اليدِ للمستيقظ من النومِ
لا يَرفعُ الأمرَ بالغسلِ، بل هو مأمورٌ به، بإجماعِ جمهورِ العلماءِ، أمرَ ندبٍ،
وعندَ بعضِهم أمرَ إيجابٍ، كما حكاه ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيد)) (٣)، (٤٧/٢م)، بل
حكاه الماورديُّ في ((الحاوِي)) (٤) عن جمهورٍ أصحابِ الشافعيِّ، وصحَّحَه، وهو
أنَّه يُستحبُّ الغسلُ عندَ تيقُّنِ الطَّهارةِ.
وذكرَ إمامُ الحرمينِ في ((النّهايةِ»(٥) نحوَه، وهو المشهورُ أيضًا عن مالكٍ:
أنَّه يُكرَه غمسُ يَدِه مع تحقّقِ طهارتِهِ، كما حكاه ابنُ عبدِ البرِّ(٦).
■ الثالثةَ عشرَ: في قولِه: ((فليغسلْ يَدَه قبلَ أن يُدخلَها))(٧). دليلٌ على
أنَّه إذا غسلَ واحدةً من يَديه أدخَلها الإناءَ، وهو كذلكَ، ولكن حكَى أبو الوليدِ
الباجيُّ(٨) خلافًا في صفةِ غسلِ اليدينِ قبلَ إدخالِهما في الوَضوءِ؛ فحَكى عن
أشهبَ، عن مالكِ: أنَّه يُستحبُّ أن يُفرِغَ على يَدِه اليمنَى فيغسلَها، ثمَّ يُدخلَها في
إنائِه، ثمَّ يَصبَّ على اليسرَى، وهذا مُوافقٌ للحديثِ، قال: وروَى عِيسَى، عن
ابنِ القاسمِ: أحَبُّ إليَّ أن يُفرِغَ على يَديه فيغسلَهما. قال: ووجهُ روايةِ أشهبَ
قولُه في الحديثِ: فغسَلهما مرَّتينِ مرَّتينِ.
وهذا يَقتضِي إفرادَ كلِّ واحدةٍ (٩) منهما، ووجهُ قولِ ابنِ القاسم أنَّ القصدَ
التنظيفُ، وغسلُ بعضِهما ببعضٍ أنظفُ لهما.
(١)
في (ح): ((ثمة)).
(٣) التمهيد (٢٣٦/١٨).
نهاية المطلب (٦٥/١).
(٥)
في (ح): ((يدخلهما)).
(٧)
(٩) ليست في (ك).
(٢) في (ك): ((حقيقة)).
(٤) الحاوي (١٦٠/١).
(٦) ينظر: التمهيد (٢٥٢/١٨)
(٨) المنتقى (٢٧٠/١).

٣٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
] الرابعةَ عشرَ: ليست كراهةُ غمسِ المُتوضِّئِ يَدَه في الإناءِ قبلَ غسلِها
خاصَّةً بحالِ الاستيقاظ من النوم؛ لأنَّه قد تقدَّمَ أنَّ المعنَى فيه احتمالُ النجاسةِ،
كما نَّهَ عليه في آخرِ الحديثِ، وعلى هذا فمَن شكَّ في نجاسةِ يَدِه كُرِهَ له ذلك،
وإن لم يكنْ قد نامَ، وهو كذلكَ، كما جزمَ به الرافعيُّ، وغيرُه(١) .
■ الخامسةَ عشرَ: فيه دليلٌ على أنَّ النجاسةَ إذا وردت على الماءِ القليلِ
نجَّسته، وهو كذلكَ، وقد تقدَّمَتِ المسألةُ في البابِ قبلَه.
■ السادسةَ عشرَ: فيه حُجَّةٌ للشافعيِّ ومَن تابعَه على الفرقِ بينَ وُرودِ
الماءِ على النجاسةِ، ووُرودِ النجاسةِ عليه؛ لأنَّه نهاه عن إيرادِ يَدِه على الماءِ،
وأمرَه بإيرادِ الماءِ على يَدِهِ، كلُّ ذلك لاحتمالِ طُروءِ نجاسةٍ على يَدِه، فلو استوَى
الأمرانِ، كما يَقولُ مالكٌ وأصحابُه، لما فرَّقَ بينَهما .
قال ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيدِ))(٢): لو لم يَأْتِ عن النبيِّ وََّ في الماءِ غيرُ
هذا الحديثِ لساغَ في الماءِ غيرُ هذا التأويلِ، ولكن قد جاءَ عن النبيِّ نَّ فِي
الماءِ أنَّه: ((لا يُنجِّسُه شيء)»(٣). يُريدُ: إلَّا ما غلَبَ عليه، بدليلِ الإجماع على
ذلك. ثمَّ أجابَ عن حديثِ البابِ بأنَّه محمولٌ على الندبِ والأدبِ، ثمَّ نقَل عن
أصحابِ الشافعيِّ أنَّهم نقضوا(٤) أقوالَهم في وُرودِ الماءِ على النجاسةِ؛ لأنَّهم
يَقولونَ: إذا ورَدَ الماءُ على النجاسةِ في إناءٍ أو موضعٍ، وكان الماءُ دُونَ القَلَّتينِ،
أنَّ النجاسةَ تُفسدُه، وأنَّه (٤٨/٢م) غيرُ مُطهِّرٍ لها، فلم يُفرِّقوا ههُنا بينَ وُرودِ الماءِ
على النجاسةِ، وبينَ وُرودِها عليه، وشرطُهم(٥): أن يَكونَ وُرودُ (٦) الماءِ صبًّا
مهراقًا، تحكّمٌ لا دليلَ عليه. واللهُ أعلمُ.
قلتُ: وما حكاه عن أصحابِ الشافعيِّ، ليس كما حكاه(٧) عنهم، ولا فرقَ
عندَهم في وُرودِ الماءِ على النجاسةِ بينَ أن يَكونَ صبًّا، وبينَ أن يَكونَ في إناء
[بحيثُ يَغمرُ الماءُ النجاسةَ ويُزيلُها، نعم إن كانتِ النجاسةُ عينيَّةً، ووُضعت في
(١) الشرح الكبير (٣٩٤/١).
(٢) التمهيد (٢٣٧/١٨).
تقدم تخريجه في أثناء الفائدة العاشرة، في باب ما يفسد الماء.
(٣)
(٤)
في (ح): ((ناقضوا)).
(٥) في (ح): ((وشرطه)).
(٦)
ليس في (ح).
(٧) في (ح): ((حكى)).

بابُ الوضوءِ
٣٥٧
إناءٍ](١)، وصُبَّ الماءُ عليها، واجتمعَ الماءُ [٦١/١و] القليلُ، وعينُ النجاسةِ في
إناءٍ؛ تنجَّسَ الماءُ، ولم يَطهرِ الثوبُ، وكذلك لو لم يَسكبْ في إناءٍ، وصبَّ الماءَ
صبًّا(٢) على نجاسةٍ عينيَّةٍ، وانفصلَ عنها، ولم تزلِ(٣) العينُ، فإنَّ الماءَ يَتنَجَّسُ،
والثوبَ لا يَطهرُ، فليسَ حُكمُهم هنا بعدم الطهارةِ بكونِ الماءِ واردًا في إناءٍ، بل
الكونِ الماءِ لم يُزِلْ عينَ النجاسةِ. واللهُ أعلمُ.
■ السابعةَ عشرَ: فيه حُجَّةٌ على أحمدَ في قولِه، في إحدَى الرِّوايتينِ
عنه: إنَّه يَجبُ غسلُ سائرِ النجاساتِ سبعًا؛ حملًا للجميعِ(٤) على وُلوغِ الكلبِ،
وخالفَه الجمهورُ، فلم يُوجبوا في غيرِ نجاسةِ الكلبِ وما في معناها إلَّا الغسلَ
مرَّةً، وقد روى أبو داودَ(٥) من حديثِ ابنِ عمرَ، قال: كانتِ الصلاةُ خمسينَ،
والغسلُ من الجنابةِ سبعَ مرَارٍ (٦)، وغسلُ البولِ من الثوبٍ سبعَ مَرَارٍ (٧)، فلم يَزِلْ
رسولُ اللهِ وَلِ يَسألُ، حتى جُعِلتِ الصلاةُ خمسًا، والغسلُ منَ الجنابةِ مرَّةً، وغسلُ
البولِ منَ الثوبٍ مرَّةً. وفي إسنادِهِ ضعفٌ.
■ الثامنةَ عشرَ: استدلَّ به الخطّابيُّ وغيرُهُ(٨) على أنَّ موضعَ الاستنجاءِ
مخصوصٌ بالرُّخصةِ في جوازِ الصلاةِ مع بقاءٍ أثرِ النجاسةِ عليه، وأنَّ ما عداه غيرُ
مقيسٍ عليه. انتَهَى. وتدلُّ عليه روايةُ البيهقيّ(٩): ((أين باتت يَدُهُ منه))؛ أي: من
مظانِّ النجاسةِ من جسدِه.
] التاسعةَ عشرَ: وفيه أنَّ النجاسةَ المُتوهَّمَةَ لا يُكتفَى فيها بالرَّشِّ؛ لحصولِ
الاحتياطِ، بل إنَّما يَحصلُ الاحتياطُ بغسلِها، لأمرِهِ بغسلِ اليدِ، وأمَّا ما وردَ في(١٠)
نضحِ الثوبِ بعدَ الاستنجاءِ فليسَ ذلك للتطهيرِ، وإنَّما هو (١١) لدفع الوسواسٍ، حتى
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٣) في الأصل، (م): ((يزل)).
(٥)
أبو داود (٢٤٧).
في (م): («مرّات)).
(٧)
(٩) السنن الكبرى (٦/١).
(١١) في (ح): ((ذلك)).
(٢) ليست في: (ح).
(٤) في (م): (للجمع)).
(٦) في (ت، م): ((مرّات)).
(٨) معالم السُّنن (٤٨/١).
(١٠) في الأصل، (م): ((من)).

=
٣٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
إذا وجدَ بللًا أحالَه على الرَّشِّ لتذهبَ عنه الوسوسةُ. واللهُ تعالَى أعلمُ.
■ الفائدةُ العشرونَ: قال الخطّابيُّ(١): وفيه أنَّ الأخذَ بالوثيقةِ والعملَ
بالاحتياطِ في بابِ العباداتِ أولَى. قال النوويُّ(٢): ما لم يَخرجْ عن حدٍّ
الاحتياطِ إلى حدِّ الوسوسةِ، قال: وفي الفرقِ بينَ الاحتياطِ والوسوسةِ كلامٌ
طويلٌ، أوضحتُه في بابٍ (٤٩/٢م) الآنيةِ من ((شرحِ المُهذَّبٍ))(٣).
الحاديةُ والعشرونَ: استدلَّ به النسائيُّ على: وُجوبِ الوضوءِ من
النومِ، ويؤَّبَ عليه به في ((سُنِه))(٤).
وكذا قال ابنُ عبدِ البرِّ(٥): فيه إيجابُ الوضوءِ من النوم، قال: وهو أمرٌ
مجمعٌ(٦) عليه في النائم المُضطجع الذي قد استثقلَ نومًا، وقال زيدُ بنُ أسلمَ،
والسُّدِّيُّ، في قوله تعالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: من النومِ،
ثَمَّ حكَى بعدَ ذلك اختلافَ العلماءِ في نقضِ الوضوءِ بالنومِ.
وحكاه النوويُّ أيضًا، وفيه ثمانيةُ مذاهبَ(٧):
أحدُها: لا يَنقض مُطلقًا، وهو محكيٌّ عن أبي موسى الأشعريِّ، وعَبِيدةَ
السَّلمانيِّ، وسعيدِ بنِ المُسيِّبِ، وأبِي مجلزٍ، وحُميدٍ (٨) الأعرج، والشِّيعةِ. وهذا
المذهبُ يَردُّ ما حكاه ابنُ عبدِ البرِّ من الإجماعِ المُتقدِّم، إلَّا أنَّه قال: إنَّه قولٌ
شاذٌّ، والنَّاسُ على خلافِهِ.
وحكاه ابنُ حزمٍ في ((المُحلَّى)) (٩) عن الأوزاعيِّ، وقال: وهو قولٌ صحيحٌ
عن جماعةٍ من الصحابةِ، وعن ابنِ عمرَ، وعن مكحولٍ، قال: وادَّعَى بعضُهم
الإجماعَ على خلافِه جهلاً.
(١) معالم السُّنن (٤٨/١).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٧٩/٣).
المجموع (٢٠٧/١، ٣٧١).
(٣)
السنن (٢٣٥/١)، باب الأمر بالوضوء من النوم.
(٤)
(٥)
التمهيد (٢٣٧/١٨).
(٧)
المجموع (١٤/٢ - ٢١).
المحلى (٢٢٤/١).
(٩)
(٦) في (ك، ح): ((مجتمع)).
(٨) ليس في (ح).

بابُ الوضوءِ
كم
٣٥٩
=
قال ابنُ عبدِ البرِّ(١): ويُمكنُ أن يُحتجَّ لهذا المذهبِ بحديثٍ عليٍّ،
ومُعاويةَ: ((العينانِ وكاءُ السَّه))(٢). الحديثَ. قال: وليسا بالقولَّينِ.
والثاني: أنَّه يَنقض مُطلقًا، وهو قولُ الحسنِ البصريِّ، والمُزنيِّ، وأبِي عُبيدٍ
القاسمِ بنِ سلّامٍ، وإسحاقَ بنِ راهويه، وابنِ المُنذرِ. قال ابنُ زَرقونٍ: وحكاه أبو
الفرجِ، عن ابنِ القاسم. قال النوويُّ(٣): وهو قولٌ للشافعيِّ غريبٌ.
قلتُ: وهو قولٌ للأوزاعيِّ أيضًا، وكونُه قولَ أبي عُبيدٍ: قد جزمَ به [١/
(٦ظ] النوويُّ في ((شرحِ مسلم))(٤)، فإنَّه إنَّما رجعَ عن كونِ نومِ الجالسِ لا يَنقُضُ
إلى غلبةِ النوم، كما حكاه ابنُ عبدِ البرِّ عنه(٥)، وهذا مُوافقٌ لَقولِ مالكٍ، إلَّا (٦)
أنَّه يَقولُ: لا يُنقضُ مُطلقًا، واللهُ أعلمُ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ(٧): وهو قولٌ شاةٍّ غيرُ مُستحسنٍ، قال: وحُجَّةُ مَن ذهبَ
إليه حديثُ صفوانَ بنِ عسَّالٍ (٨): كُنَّا إذا كنَّا مع رسول الله وَّه في سفرٍ، أمَرنا أن
لا تَنْزِعَ خفافَنا(٩) ثلاثةَ أَيَّام، إلَّا من جنابةٍ، ولكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ. قال:
ويُمكنُ حملُه على النومِ الثقيَلِ الغالبِ.
والثالثُ: يَنقضُ كثيرُه على كلِّ حالٍ دونَ قليلِه، وهو قولُ ربيعةً، ومالكِ،
وإحدَى الرِّوايتينِ عن أحمدَ، وهو المشهورُ عن الأوزاعيّ(١٠).
والرابعُ: لا يَنقضُ على هيئةٍ من هيئاتِ الصلاةِ، وإن لم يكنْ في صلاةٍ،
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وداودَ، فيما حكاه النوويُّ(١١) عنه، وهو قولٌ غريبٌ
للشافعيِّ أيضًا.
(١) التمهيد (٢٤٧/١٨).
أخرجه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧).
(٢)
(٣)
شرح مسلم (٤ / ٧٤).
(٤) شرح مسلم (٤/ ٧٣).
(٥)
التمهيد (٢٤٤/١٨، ٢٤٥).
(٦) في (ح): ((لا)).
(٧) التمهيد (٢٤٦/١٨).
أخرجه الترمذي (٩٦)، والنسائي (١٢٦)، وابن ماجه (٤٧٨).
(٨)
(٩) في (ك): ((أخفافنا)).
(١١) شرح صحيح مسلم (٤/ ٧٣).
(١٠) انظر: التمهيد (٢٤٢/١٨).

٣٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والخامسُ: لا يَنقضُ إلَّا نومُ (٥٠/٢م) الراكع والساجدِ، وهو (١) روايةٌ عن
أحمدَ.
والسادسُ: أَنَّه لا يَنقضُ إلَّا نومُ الساجدِ فقط، وهي روايةٌ عن أحمدَ أيضًا.
والسابعُ: أنَّه لا يَنقضُ في الصلاةِ مُطلقًا، ويَنقضُ في غيرِ الصلاةِ، وهو
قولٌ للشافعيِّ أيضًا.
والثامنُ: أنَّه لا يَنقضُ نومُ الجالسِ المُمكَّنِ(٢) المقعدةِ منَ الأرضِ
وينقضُ(٣) غيرُه، سواءٌ قلَّ أو كثُرَ، كان في الصلاةِ أو في غيرِها، وهو قولُ
الشافعيِّ الصحيحُ، الذي عليه عامةُ أصحابِهِ، وإليه ذهبَ داودُ، ومحمدُ بنُ جريرٍ،
وهو روايةُ ابنِ وهبٍ عن مالكِ. فهذا ما حكاه النوويُّ من المذاهبِ في النومِ.
وفيه قولٌ آخر(٤) تاسعٌ: وهو التفرقةُ بينَ تعمُّدِ النومِ جالسًا وبينَ غلبَتِهِ،
وهو قولُ ابنِ المُباركِ، فقال: إن تعمَّدَ النومَ جالسًا فعليه الوضوءُ، وإن نامَ
ساجدًا في صلاتِه فلا شيءَ عليه، ونحوُه قولُ أبي يوسفَ: إن تعمَّدَ النومَ في
السُّجودِ توضَّأ، وقولُ اللَّيثِ: إذا تصنَّعَ للنومِ جالسًا فعليه الوضوءُ، وإن غلبَه
النومُ لم يَتوضَّأُ(٥).
وفيه قولٌ عاشرٌ: أنَّه لا يَنقضُ إلَّا نومُ المُضطجعِ، وهو قولُ إبراهيمَ،
والحكم، وحمَّادٍ، والثوريِّ، والحسنِ بنِ حيّ (٦)، وحكاه التِّرمذيُّ(٧) عن ابنِ
المُباركِ، وأحمدَ، والأكثرينَ، وهو الذي حكاه ابنُ حزم(٨) عن داودَ، قال: وهو
قولٌ رُويَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، ولم يَصحَّ عنهما. انتَهَى.
وحُجَّتُهم حديثُ ابنِ عباسٍ، مرفوعًا: ((إنَّما الوضوءُ على مَن نامَ
في (ك، ح): ((وهما)).
(١)
(٣)
في (ح): ((ينتقض)).
(٤)
ليست في: الأصل، (م).
(٥)
ينظر: التمهيد (٢٤٣/١٨، ٢٤٤).
ينظر: الأوسط لابن المنذر (٥٨/١)، والتمهيد (٢٤٣/١٨).
جامع الترمذي (١١٣/١).
(٧)
(٢) في (ح): ((المتمكن)).
(٦)
(٨) المحلى (٢٢٤/١).

كم
٣٦١
بابُ الوضوءِ
مُضطجعًا)). وهو ضعيفٌ؛ تفرَّدَ برفعِه أبو خالدِ الدَّالانيُّ، وهو عندَ التِّرمذيِّ،
وأبي داودَ(١)، وقال: إنَّه حديثٌ مُنكرٌ. وكذا قال ابنُ عبدِ البرِّ(٢).
وذكرَ القاضِي أبو بكرِ ابنُ العربيِّ(٣) عن علمائِهم: أنَّ للنائم أحدَ عشرَ
حالًا؛ الماشِي، والقائمُ، والمُستندُ، والراكعُ، والساجدُ، والقاعدُ المُتربِّعُ،
والمحتبي(٤)، والمُتَّكئُ، والراكبُ، والمُضطجعُ، والمُستنفرُ(٥)، وقد تقدَّمَ بيانُ
حُكمِ بعضِها.
فأمَّا الماشِي: فذكرَ أبو عبدِ اللهِ البصريُّ المالكيُّ أنَّه لا وُضوءَ عليه، لبقاءِ
شُعورِهِ، وكذلك القائمُ، وأمَّا المُستندُ: فإن كان قائمًا؛ فقيلَ هو كالماشِي،
والقائم، وإن كان جالسًا مُمَّنًا لم يُنتقضْ عندَ الشافعيَّةِ(٦)، وعندَ أبي حنيفةَ(٧)،
إن كانَ بحيثُ لو زالَ(٨) مَسنَدُهُ(٩) لسقطَ، انتقضَ(١٠)، وأمَّا المُحتبي(١١): فعن
مالكِ أنَّه أخفُّ حالًا من الجالسِ (١٢)، ولأصحابِ الشافعيّ ثلاثةُ أوجُهٍ؛ ثالثُها:
الفرقُ بينَ النحيفِ وغيرِه(١٣). وأمَّا المُتَّكئُ: فأجراه مالكٌ مجرَى الجالسِ،
وأجراه ابنُ القاسمِ، وابنُ حبيبٍ مجرَى المُضطجعِ(١٤)، وأمَّا الراكبُ: فَحكمُه
حكمُ الجالسِ المُستندِ اللَّاصقِ (٥١/٢م) بالأرضِ، وأمَّا المُستنفرُ(١٥): فقال إمامُ
الحرمينِ: لا وُضوءَ عليه.
(١) أبو داود (٢٢٠)، والترمذي (٧٧).
(٢) التمهيد (٢٤٣/١٨).
(٣)
ينظر: عارضة الأحوذي (١٠٥/١ - ١٠٨).
(٤)
في (م): ((والمنحني)).
في (ح): ((المستثفر»، وفي العارضة: ((المستقر)).
(٥)
(٦)
ينظر: الشرح الكبير (١٨/٢)، والمجموع (١٤/٢).
بعده في (ك): «فيما حكاه الثوري عنه)). (٨) في (ك): ((فقد)).
(٧)
(٩) في (ح): ((مستنده))، والمثبت من الأصل، (ت).
(١٠) ليس في (ح)، وينظر: ((المبسوط)) (١٤١/١).
(١٢) المدونة (١١٩/١).
(١١) في (م): ((المنحني)).
(١٣) انظر: أسنى المطالب في شرح روضة الطالب (٥٦/١).
(١٤) المدونة (١١٩/١).
(١٥) في (ح): ((المستثفر)). وفي (م)، والعارضة: ((المستقر)).

٣٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الثانيةُ والعشرونَ: ما ذُكرَ مِن كونِ النومِ يَنقضُ الوضوءَ، هو في حقٌّ
غيرِ النبيِّ وَِّ؛ (١ فأما هو ◌َّهِ: فلم يَكنِ النومُ يَنقضُ وُضوءَه؛ فقد كان ◌َّ تنامُ
عيناهُ ولا يَنامُ قلبُه، ولهذا كان ◌َِّ يَنامُ مُضطجعًا، ثمَّ يُصلِّي ولا يَتوضَّأُ، وكذلك
الأنبياءُ لَِّ﴿١)، تنامُ أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم، كما ثبتَ في الحديثِ الصحيح (٢).
والله تعالى أعلمُ.
■ الثالثةُ والعشرونَ: فيه استحبابُ الكنايةِ عمَّا(٣) يُستحيى منه [٦٢/١و]،
إذا حصلَ الإفهامُ بالكنايةِ، فإنَّه لم يَقُلْ: فإنَّه لا يَدرِي، لعلَّ يَدَهُ تمرُّ على فرجِه أو
دُبرِه. أو نحوِ ذلك، بل كثَّى عن ذلك بما يَحصلُ به الإفهامُ. واللهُ أعلمُ.
■ الرابعةُ والعشرونَ: يَنبغِي للسامع لأقوالِهِ وَ أن يَتلقَّاها بالقبولِ،
ودفعِ الخواطرِ الرادَّةِ لها، وأنَّه لا يَضربُ لها(٤) الأمثالَ، فقد بلغَنا أنَّ شخصًا
سمِعَ هذا الحديثَ، فقال: وأينَ تبيت(٥) يَدُه منه؟ فاستيقظً من النومِ، ويدُه في
داخلٍ دُبرِه محشوَّةً، فلم تخرجْ حتى تابَ عن ذلك وأقلَعَ (٦).
والأدبُ مع أقوالِهِ بعدَه كالأدبِ معَه في حياتِهِ وََّ، لو سمعَه يَتكلَّمُ،
فنسألُ اللهَ تعالى أن يحفظَ قلوبَنا منَ الخواطرِ الرَّديّة(٧)، ويرزقَنا الأدبَ مع
الشريعةِ المُطهّرةِ باطنًا وظاهرًا، والله تعالى أعلمُ.
■ الخامسةُ والعشرونَ: أمرُ المُستيقظ من النومِ بغسلِ اليدِ ثلاثًا، قبلَ
إدخالِها في(٨) الإناءَ، هل المُرادُ بهما غَسلُ الكفَّينِ الذي هو سُنَّةٌ في أوَّلِ
الوضوءِ، أو هذا أمرٌ آخرُ، بحيثُ أنَّه إذا غسلَ يَدَه للقيامِ من النومِ ثلاثًا وأرادَ
الوضوءَ، غسل كفَّيه له (٩) ثلاثًا؟
الذي صرَّحَ به أصحابُنا الأوَّلُ(١٠)، ومَمَّن صرَّحَ به البندنيجيُّ، والقاضِي
(١ - ١) ليس في الأصل، (م).
(٣) في (ح): ((فيما)).
في (م): ((باتت)).
(٥)
ذكرها النووي في بستان العارفين (ص١٧).
(٦)
(٧)
في (م): ((الرديئة)).
ليست في: (ح).
(٩)
(٢) البخاري (٦٧/٢)، مسلم (١٢٥/٧٣٨).
(٤) في الأصل، (ت، م): ((بها)).
(٨) من (ك).
(١٠) ينظر: الأم (٣٩/١).

بابُ الوضوءِ
٣٦٣٦
=
أبو الطَّيِّبِ، وابنُ الصَّبَّاغِ، وعليه يدلُّ قولُه: ((في وَضوئِه)). فهو ظاهرٌ في أنَّ
المرادَ غسلُهما عندَ الوضوءِ، وهو مُصرَّحٌ به عندَ ابنِ ماجَه (١)، من حديثٍ جابرٍ:
((إذا قامَ أحدُكم من النوم، فأرادَ أن يَتوضَّأ، فلا يُدخلُ يَدَه في وَضوئِه حتى
يَغسلَها)». الحديث.
وكذا ذكرَه عبدُ الرزّاقِ في ((المُصنَّفِ)) من روايةِ ثابتٍ مولَى عبدِ الرحمْنِ،
عن أبي هريرةَ: ((إذا كان أحدُكم نائمًا، ثمَّ استيقظَ، فأرادَ الوضوءَ، فلا يَضعْ يَدَه
في الإِناءِ)). الحديثَ. وهو عندَ مسلم(٢) من طريقِ (٣) عبد الرزّاقِ، ولكنَّهُ لم يَسْ
لفظَه، واللهُ أعلمُ.
وذهبَ أشهبُ من المالكيَّةِ إلى أنَّ(٤) الغَسلَ إنَّما هو لخشيةِ النجاسةِ، فإن
تحقَّقَ طهارةَ يَدِهِ: لم يُستحبَّ له غسلُ كفّيهِ في الوَضوءِ، واستدلَّ على ذلك، بأنَّ
النبيَّ وََّ، قال للأعرابيّ: ((توضَّأُ كما أمرَك الله)(٥). (٥٢/٢م) وليس في الآيةِ
غسلُ اليدينِ قبلَ إدخالِهما الإناءَ، واللهُ أعلمُ.
الحديثُ الثانِي
جَ وعنهُ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((إذا توضَّأ أحدُكم فليَستَنشِقْ
بمِنْخِرَيه منَ الماءِ، ثمَّ لَيَتثرْ))(٦).
﴿ وعن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ، قال: ((إذا توضَّأ
أحدُكم فليجعلْ في أنفِهِ ماءً، ثمَّ لينَكِرْ(٧)، ومَن استجمرَ فليوترْ)).
فيه فوائدُ:
] الأولى: حديثُ أبي هريرةَ أخرجَه الأئمَّةُ السِّتَّةُ؛ فأخرجُوه خلا
(١) ابن ماجه (٣٩٥).
(٢) مسلم (٢٧٨).
في (ح): ((حدیث)).
(٣)
(٤) بعده في (ك، ح): ((هذا)).
(٥) أخرجه أبو داود (٨٦١)، والترمذي (٣٠٢) من حديث عبادة بن الصامت.
(٦) في (ك): ((لينتر)).
(٧) في (ك): (لينتر).

=
٣٦٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ابنِ ماجَه(١)، من روايةِ الأعرجِ، ومسلمٌ(٢) من روايةِ همَّامِ، والشَّيخانِ،
والنسائيُّ، وابنُ ماجَه(٣)، من روايةِ أبي إدريسَ الخولانيِّ، عن أبي هريرةَ، بلفظٍ:
((مَن توضَّأ فليستنثرْ، ومَن استجمرَ فليوترْ)). والشَّيخانِ، والنسائيُّ(٤) من روايةٍ
عيسَى بنِ طلحةَ، عن أبي هريرةَ، بلفظِ: ((إذا استيقظَ أحدُكم من منامِه فليستنثرْ
ثلاثًا)). الحديثَ.
■ الثانيةُ: الاستنشاقُ: هو أن يَبلغَ الماءُ خياشيمَه، وهو من استنشاقٍ
الرِّيحِ إذا شمَّها مع قُوَّةٍ، قَالَه الهروي(٥)، والمنخِرُ: بكسرِ الخاء (٦) المُعجمةِ،
وفي ميمِه لغتانٍ؛ الفتحُ والكسرُ، والانتثارُ مأخوذٌ من النثرةِ، وهي طرفُ الأنفِ
عندَ جمهورِ أهلِ اللغةِ، وقال الخطّابيُّ(٧): هي الأنفُ. واختُلِفَ في حقيقةٍ
الانتثارِ؛ فقال جمهورُ أهلِ اللغةِ: هو إخراجُ الماءِ من الأنفِ بعدَ الاستنشاقِ،
وهو قولُ الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ.
وقال ابنُ الأعرابيِّ وابنُ قُتيبةً(٨): إنَّ الاستئثارَ هو الاستنشاقُ، والصوابُ
الأوَّلُ، وهو الذي يَدُّ عليه هذا الحديثُ بقولِه: ((ثمَّ لينتثرْ))، بعدَ قولِه:
((فلیستنشقْ)).
وأمَّا الاستجمارُ: فهو الاستنجاءُ بالأحجارِ؛ مأخوذٌ من الجِمارِ، وهي
الأحجارُ [٦٢/١ظ] الصِّغارُ، هذا هو الصحيحُ، الذي قالَه جمهورُ اللُّغويِّينَ،
والفقهاءِ، والمُحدِّثينَ.
وحكَى القاضِي عياضٌ عن مالكٍ، في معناه قولًا آخرَ: أنَّ المرادَ
(١) البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٠/٢٣٧)، وأبو داود (١٤٠)، والنسائي (٨٦). والحديث
لم يرمز له المزي في التحفة برمز الترمذي. ينظر: تحفة الشراف (١٦٩/١٠)
(١٣٦٨٩).
(٢)
مسلم (٢١/٢٣٧).
البخاري (١٦١)، مسلم (٢٢/٢٣٧)، ابن ماجه (٤٠٩)، النسائي (٨٨).
(٣)
البخاري (٣٢٩٥)، ومسلم (٢٣/٢٣٨)، النسائي (٩٠).
(٤)
(٥)
في الأصل، (م): ((الجوهري)).
(٧) معالم السُّنن (٤٩/١).
(٦). من (ك، ت، ح).
(٨) ينظر: التمهيد (٣٣/٤).

=
بابُ الوضوء
كم
٣٦٥
بالاستجمارِ هنا البَخورُ، من قولِه: ((ومجامرُهم الألُوَّةُ)) (١)، وهو أن يَأخذَ منه
ثلاثَ قطعٍ، أو يَأخذَ منه ثلاثَ مرَّاتٍ، فيستعملَ واحدةً بعدَ أُخرَى، قال: والأوَّلُ
أظهرُ. والإيتارُ المأمورُ به أن يَكونَ عددُ الاستجمارِ وترًا؛ ثلاثًا، أو خمسًا، أو
فوقَ ذلك.
■ الثالثةُ: استدلَّ به أحمدُ، وأبو ثورٍ، على وُجوبِ الاستنشاقِ لظاهرِ
(٢/ ٥٣م) الأمرِ، وهو قولُ ابنِ أبي ليلَى وإسحاقَ أيضًا، حكاه الخطّابيُّ عنهما(٢)،
[وحملهُ الجمهورِ؛ مالكٌ، والشافعيُّ، وأهلُ الكوفةِ: على الندبِ؛ لقولِهِ وَلّى
للأعرابيّ: (توضَّأُ كما أمَرك الله))(٣). وليس في الآيةِ ذكرُ الاستنشاقِ، وأيضًا:
فإنَّهم اتَّفقوا على عدمٍ وُجوبِ الانتثارِ مع كونِه مأمورًا به، مع عطفِه على أمرِه
بالاستنشاقِ؛ ولأنَّه أمرَ في بعضٍ طُرقِه بالتَّثليثِ فيه، وليس بواجبِ اتِّفاقًا؛ فدلَّ(٤)
على أنَّ أصلَ الأمرِ للنَّدبِ](٥)، وأجابَ صاحبُ ((المُفهم)) عنه: بأنَّه يُحتملُ أن
يَكونَ أمرُهُ بالاستنثارِ أمرًا بالوضوءِ، كما قد جاءَ مُفسَّرًا في غيرِ كتاب(٦) مسلمٍ:
((فليتوضَّأُ وليستثرْ ثلاثًا))(٧). انتَھَى.
■ الرابعةُ: ليس في روايةِ الأعرجِ وهمَّامِ تعرُّضٌ لعددِ الاستنشاقِ. وفي
روايةٍ عيسَى بنِ طلحةَ، عن أبي هريرةَ: بيانُ كونِه ثلاثًا، وهي مُتَّفقٌ عليها كما
تقدَّمَ، وفيه استحبابُ التثليثِ في الاستنشاقِ، وهو كذلكَ، ولكنِ اختُلِفَ فيه؛ هل
يَستنشقُ من كفِّ واحدةٍ أو من ثلاثةِ أكفّ؟ واختلفَ أصحابُنا أيضًا؛ هل يَفصلُ
بينَه وبينَ المضمضةِ من ماءٍ واحدٍ أو يَجمعُ بينَهما؟ والأصحُ كما قال النوويُ(٨):
أنَّه يَجمعُ بينَهما بثلاثِ غرفاتٍ، وصحَّحَ الرافعيُّ (٩) الفصلَ بينَهما، واللهُ أعلمُ.
(١) مشارق الأنوار (١٥٢/١)، والحديث في البخاري (٣٠٧٤)، ومسلم (٢٨٣٤).
(٢)
المعالم (٥٥/١).
(٣) أبو داود (٨٦١)، والترمذي (٣٠٢).
(٤)
في (ك): ((قیل)».
(٥) ما بين المعكوفين أخّر في نسخة (ح) بعد كلام ((صاحب المفهم)).
(٧) المفهم (٤٨٤/١).
(٦) في الأصل، (م): ((رواية)).
(٨) المجموع (١/ ٣٥٢).
(٩) الشرح الكبير (٣٩٨/١).

=
٣٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
· الخامسةُ: في بيانِ حكمةِ الاستنشاقِ: ثبتَ في ((الصحيحين)) (١) من
روايةٍ عيسَى بنِ طلحةَ، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ النبيَّ بَِّ قال: ((إذا استيقظَ أحدُكم
من منامِهِ فليستنثرْ ثلاثَ مرَّاتٍ؛ فإنَّ الشيطانَ يَبيتُ على خياشيمِه)).
فبيَّنَ سببَ الأمرِ، وهو تطهيرُ آثارِ الشيطانِ. وقد حكَى القاضِي عياضٌ(٢)
احتمالينٍ؛ في أنَّه محمولٌ على الحقيقةِ: أنَّه يَبيتُ على الخياشيمِ، جمعُ خيشومٍ،
وهو أعلَى الأنفِ.
أو هو على الاستعارة؛ لأنَّ ما يَنعقدُ منَ الغُبارِ ورُطوبةِ الخياشيمِ قذارةٌ
تُوافقُ الشيطانَ.
قال صاحبُ ((المُفهم)): وهذا على عادةِ العربِ في نسبتِهم المُستخبثَ
والمُستبشَعَ إلى الشيطانِ، كما قال اللهُ تعالَى: ﴿كَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾
[الصافات: ٦٥]، ويُحتملُ أن يَكونَ ذلك عبارةً عن تكسيلِه عن القيامِ للصلاةِ، كما
قال: ((يَعقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم)) (٣)، الحديثَ (٤).
ولا مانعَ من الحقيقةِ، وإذا حملْناه عليها، فقد يقالُ: هذا مخصوصٌ
بالوضوءِ الذي يَعقبُ النومَ.
قد حكَى بعضُ مشايخِنا: أنَّ العلماءَ ذكَروا للاستنشاقِ معنًى آخرَ، فذكروا
أنَّ الحكمةَ في تقديمِه وتقديمِ المضمضةِ وغسلِ الكفّينِ على غسلِ الأعضاءِ
الواجبةِ؛ حتى يَعرِفَ المُتوضِّئُ بذلك أوصافَ الماءِ الثلاثةِ، وهي (٥٤/٢م) الرائحةُ
والطّعمُ واللَّونُ هل هي مُتَغيِرةٌ أم لا؟
وهذا، وإن كان مُحتملًا؛ فإنَّه لا دليل عليه، والعلَّةُ المنصوصةُ في
الاستنشاقِ أولَى، واللهُ أعلمُ.
وذكرَ له الخطّابيُّ معنّى آخرَ؛ فقال: ونُرى(٥) أنَّ مُعظمَ ما جاءَ من الحثِّ
(١) البخاري (٣١٢١)، ومسلم (٢٣/٢٣٨). (٢) إكمال المعلم (٣١/٢).
(٣) البخاري (٣٠٩٦)، ومسلم (٢٠٩/٧٧٦).
(٤) المفهم (٤٨٣/١).
(٥) هكذا ضبطها في (ت، ح).

بابُ الوضوءِ
كر
٣٦٧
والتَّحريضِ على الاستنشاقِ في الوضوءِ، إنَّما جاءَ؛ لما فيه من المعونةِ على
القراءةِ، وتنقيةِ مجرَى النفسِ التي تكونُ(١) به التلاوةُ، وبإزالةِ ما فيه من الثفل(٢)،
تصحُّ مخارجُ الحروفِ(٣).
■ السادسةُ: مبيتُ الشيطانِ على الخيشومِ، هل هو لعمومِ النائمينَ،
[٦٣/١و] أو مخصوصٌ بمن لم يَفعلُ ما يَحترسُ به من الشيطانِ في منامِه؛ كقراءةِ
آية الكرسيِّ، فإنَّه ثبتَ في الصحيحِ: ((أنَّ مَن قرأها عندَ النومِ لا يَقربُه
شيطانٌ (٤))(٥)، وأيُّ(٦) قُربٍ أقربُ من مبيتِه على خياشيمِه؟
يَحتملُ كلَّ منَ الأمرينِ؛ وأنَّ(٧) المرادَ بقولِه: ((لم يَقربْه))؛ أي: لم يَقربْ
إلى المكانِ الذي يُوسوسُ فيه، وهو القلبُ، وإن باتَ على الخيشومِ، فيكونُ
محفوظًا منه (٨) مع القربِ من البدنِ(٩)، دونَ القلبِ. واللهُ أعلمُ.
■ السابعةُ: قد يَستدلُّ به(١٠) مَن ذهبَ إلى: أنَّ مشروعيَّةَ الاستنشاقِ لا
تحصلُ بإيصالٍ الماءِ إلى الخيشوم، بل بالانتثارِ عقبَه؛ لأنَّه فائدةُ الاستنشاقِ، وبه
يُشعرُ (١١ بعضُ كلام١١) أصحابِنا؛ كاشتراطِ بعضِهم: مجَّ (١٢) الماءِ منَ الفم، في
حصولِ المضمضةِ(١٣)، وإن كان الرافعيُّ (١٤) قد جزمَ بالاكتفاءِ فيها بإيصالِ الماءِ
إلى الأنفِ. واللهُ أعلمُ.
■ الثامنةُ: لم يُفرِّقْ في حديثٍ أبي هريرةَ، في الاستنشاقِ، بينَ الصَّائم
وغيرِهِ، وقد فرَّقَ بينَهما في حديثٍ: لَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ؛ أنَّ النبيَّ وَِّ قال له: ((وبالغْ
في الاستنشاقِ، إلَّا أن تكونَ صائمًا)). رواه أصحابُ السُّننِ، وصحّحَه التِّرمذيُّ،
(١)
في (ك، ح): ((يكون)).
في (ح): ((الثقل))، وفي (م): ((التفل))، والمثبت أصح، وينظر: الفائق (١٦٩/١).
(٢)
(٣)
معالم السُّنن (٥٥/١).
البخاري (٢١٨٧).
(٥)
(٧)
في (م): ((فإن)».
(٩) في (م) بعدها: ((له)).
(١١ - ١١) في (ك): ((كلام بعض)).
(١٣) ينظر: المجموع (٣٢٧/١).
(٤) في (ك): ((الشيطان)).
(٦) في (ك): ((فأي)).
(٨) ليس في (ك).
(١٠) في (ح): ((بعض)).
(١٢) في (ك): ((مجي)).
(١٤) الشرح الكبير (٣٩٧/١).

=
٣٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وابنُ خُزيمةَ، وابنُ حبَّانَ، والحاكمُ(١). وكذلك ذكرَ أصحابُنا: أنَّه يُكرَه للصائم
المبالغةُ فيه، وأنَّه لو بالغَ، فوصلَ الماءُ إلى جوفِه: بطلَ صومُه على الأصحِّ؛
لأنَّه لم تُشرع(٢) له المبالغةُ، بخلافِ ما لو (٣) وصلَ مع عدم المبالغةِ؛ فإنَّه لا
يَضْرُّهُ. والله تعالى أعلمُ.
■ التاسعةُ: هل المرادُ من الانتثارِ: نثرُ(٤) الماءِ باليدِ، أو نثرُه بريحِ
الأنفِ؟ فذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيدِ))(٥): أنَّ الانتثارَ دفعُ الماءِ بريحِ الأنفِ،
ثمَّ قال: وقد روى ابنُ القاسمِ وابنُ وهبٍ عن مالكِ قال: الاستئثارُ أن يَجعلَ يَدَه
على أنفِه ويستنثرَ(٦)، قيلَ لمالكِ: أيستنثرُ من (٧ غيرِ أن٧) يَضعَ يَدَه على أنفِه؟
فأنكرَ ذلك، وقال: إنَّما يَفعلُ ذلك الحمارُ(٨).
■ العاشرةُ: إذا قلنا يَستنثرُ بيدِه، فهل يُباشرُ ذلك، وكذلك الاستنشاقُ
قبلَه، بيمينِه، أو بشمالِهِ؟. والجوابُ: أنَّه لا شكَّ أنَّ الاستئثارَ يَكونُ بشمالِه؛ لما
فيه من إزالةِ الوسخِ الذي في الأنفِ، وقد صرَّحَ به النسائيُّ في ((سنِه)) (٩) فقال:
بأيِّ اليدينِ يَستنثرُ؟ (٢/ ٥٥م) ثمَّ رَوى حديثَ عليٍّ: أنَّه دعا بوَضوءٍ، فتمضمضَ،
واستنشقَ، ونثَر (١٠) بيدِه اليسرَى، ففعَلَ هذا ثلاثًا، قال: هذا ظُهور (١١)
نبيِّ الله ◌َيِّد .
وأمَّا الاستنشاقُ: فظاهرُ حديثٍ عثمانَ أنَّه يَكونُ بيدِه اليمنَى؛ فإنَّه قال فيه:
((ثُمَّ أدخَل يَمِينَه(١٢) في الوَضوءِ، فتمضمض واستنشقَ))، وبوَّبَ عليه النسائيُّ بـ: أيِّ
اليدينِ يَتمضمضُ(١٣)؟، ولكن ذكرَ القموليُّ في ((الجواهرِ)): أنَّه يَأخُذُ الماءَ
(١) أبو داود (١٤٢ - ١٤٤)، والترمذي (٣٨)، والنسائي (٨٧)، وابن ماجه (٤٠٧، ٤٠٨)،
وابن خزيمة (١٠٥)، وابن حبان (١٠٨٧)، والحاكم (١٤٧/١).
(٢)
في (ك): ((یکون)).
(٤)
في (ك): (نتر)).
(٦)
ليس في (ك).
(٨) التمهيد (٢٢١/١٨، ٢٢٢).
(١٠) في (ك): ((واستنثر ونتر)).
(١٢) في (ك): ((فأدخل يده)).
(٣) ليس في الأصل، (م).
(٥) في (ك): ((المهذب)).
(٧ - ٧) في (ك): ((قبل)).
(٩) سنن النسائي (٧٩/١).
(١١) في (م): ((طهر)).
(١٣) النسائي (٧٩/١).

=
بابُ الوضوءِ
٣٦٩
للمضمضةِ بيمينِهِ، وللاستنشاقِ بشمالِهِ. وبنَى بعضُهم هذا على قولِ الجمعِ بينَ
المضمضة والاستنشاقِ، وكأنَّه فهِمَ(١) من الجمعِ بينَهما: الإتيانَ بهما في وقتٍ
واحدٍ معًا؛ فاحتاجَ لما ذكَرْتُ أن يَأْتِيَ بأحدِهما بيمينِهِ والآخرِ بشمالِهِ؛ لأنَّه لا
يُمكنُ الإتيانُ بهما معًا من كفِّ واحدٍ، وليس مرادُ أصحابِنا بالجمعِ الإتيانَ بهما
في وقتٍ واحدٍ، بل من كفِّ واحدةٍ، سواءٌ قدَّمَ المرَّاتِ الثلاثَ للمضمضةِ، أو
قدَّمَ مرَّةً من المضمضةِ وعقَّبَها بمرَّةٍ من الاستنشاقِ، وهكذا، هذا الذي يَدِلُّ عليه
كلامُ الإمامِ و(٢) الغزّاليِّ والرافعيِّ، نعم(٣) كلامُ الرُّويانيّ(٤) في ((البحرِ)): أنَّ
الجمعَ(٥) بينَهما هو أن يَأتيَ بهما في حالةٍ واحدةٍ، ولا يُقدِّمُ المضمضةَ. واللهُ
أعلمُ(٦).
الحاديةَ عشرَ: استدلَّ به بعضُ أصحابِنا: على أنَّ الإيتارَ واجبٌ في
الاستجمارِ، وإن زادَ على الثلاثِ، وأنَّه متَى لم يَحصلِ الانقاءُ(٧) إلَّا بأربعِ
مسحاتٍ؛ وجَبَتِ الخامسةُ، أو بستَّةٍ وجبَتِ السابعةُ؛ لمطلقِ الأمرِ، وحملَ
الجمهورُ من أصحابِنا وغيرِهم الإيتارَ بعدَ الثلاثِ، والإنقاءَ على الاستحبابِ،
واستدلُّوا على ذلك بما رواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه(٨) في الأمرِ بالإيتارِ
[٦٣/١ظ]: ((مَن فعلَ فقد أحسنَ، ومَن لا، فلا حرجَ))، فهو دالٌّ على عدمِ وُجوبِ
الإيتارِ، وسيأتِي الحديثُ في بابِ الاستجمارِ. فحملُ الجمهورِ الحديثَ إما على
وُجوبِ الثلاثِ أو على الندبِ فيما زادَ على الثلاثِ بعدَ الإنقاءِ، واللهُ تعالى
أعلمُ.
(١) ليس في (ح).
(٣)
بعده في (ح): ((في)).
(٥)
في (ك): ((يجمع)).
الحاوي (١٠٦/١)، الوسيط (٢٨٢/١)، الشرح الكبير (٣٩٩/١)، وينظر: المجموع
(٦)
(٣٥٨/١).
في (م): (الانتقاء)).
(٧)
أبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧).
(٨)
(٢) ليس في (م).
(٤) في (ح): (الرؤياني)).

٣٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثانيةَ عشرَ: استدلَّ بعضُ الحنفيَّةِ بقولِه: ((مَن استجمرَ فليوترْ))،
أنَّه لا يَجبُ الاستنجاءُ؛ لأنَّ ظاهرَه التخييرُ بينَ الاستجمارِ وتركِه.
والجوابُ: أنَّ هذا اللَّفظَ لا يَدلُّ على التخييرِ؛ فقد قال في رواية أبي إدريسَ
المُتَّفقِ (٥٦/٢م) عليها(١): ((مَن توضَّأ فليستنثرْ، ومَن استجمرَ فليوترْ)). وليس هو
مُخيّرًا في الوضوءِ، فكذلكَ في الاستجمارِ، على أنَّا لا نقولُ: يَتعيَّن(٢)
الاستجمارُ، بل هو مُخيّرٌ بينَهُ وبينَ الاستنجاءِ بالماءِ، فإنِ اختارَ الاستجمارَ
بالأحجارِ فهو حينئذٍ مأمورٌ بالإيتارِ، وليس فيه عدمُ وُجوبِ الأمرينِ، واللهُ تعالى
أعلمُ.
■ الثالثةَ عشرَ: إِذا حمَلنا الاستجمارَ، على أحدِ التفسيرينِ عن مالكِ،
في أنَّ المُرادَ: التبخر(٣)، فمحملُ(٤) الأمرِ بالإيتارِ حينئذٍ على الندبِ؛ قاله
+(٥)
٠
النووي
وعلى هذا فَيُستحبُّ التطيُّبُ(٦) والتَّبخُرُ ثلاثًا، وذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ في
((التمهيدِ)): أنَّ ابنَ عمرَ كان يَستحبُّ الوترَ في تجميرِ ثيابِهِ، وكان(٧) يَستعملُ
العمومَ في قوله: ((ومَن استجمرَ فليوترْ))، فكان يَستجمرُ بالأحجارِ وترًا، وكان
يُجمِّرُ ثيابَه وترًا؛ تأسِّيًا بالنبيِّ بَّهِ، ومستعملًا عُمومَ الخطابِ(٨).
(١) البخاري (١٥٩)، مسلم (٢٢/٢٣٧).
(٢) في (ح): ((بتعين)).
(٣) في (م): ((التبخير)).
(٤)
في (ح): ((فيحمل)).
شرح صحيح مسلم (١٢٥/٣).
(٥)
في (ح): ((التطبيب)).
(٦)
ليس في (ك).
(٧)
(٨) التمهيد (٢٢٦/١٨).

بابُ الوضوءِ
٣٧١
الحديثُ الثالثُ
وعن بريدةَ، قال: أصبحَ رسولُ اللهِ وَّهِ فدعا بلالًا، فقال(١):
((يا بلالُ، بِمَ سبقتني إلى الجنَّةِ؟ ما دخَلتُ الجنَّةَ قطَّ إلَّا سمِعتُ خَشْخَشتَك
أمامِي؛ إِنِّي دخَلتُ البارحةَ الجنَّةَ، فسمِعتُ خشخشتَك، فأتيتُ على قصرٍ من
ذهبٍ مُرتفع مُشَرِّفٍ (٢)، فقلتُ: لَمَن هذا القصرُ؟ قالوا: لرجلٍ من العربِ.
قلتُ: أنا عربيٍّ. لمَن هذا القصرُ؟ قالوا: لرجلٍ من المسلّمينَ من أُمَّةٍ
محمدٍ وَلٍ. قلتُ: فأنا محمدٌ، لمَن هذا القصرُ؟ قالوا: لعمرَ بنِ الخطابِ.
فقال رسولُ وَّهِ: لولا غيرتُك يا عمرُ لدخلتُ القصرَ)). فقال: يا رسولَ الله،
(٢/ ٥٧م) ما كُنتُ لأغارَ عليك. قال: وقال لبلالٍ: «بمَ سبقتني إلى الجنَّةِ؟»
فقال: ما أحدثتُ إلَّا توضَّأْتُ، وصلَّيتُ ركعتين. فقال رسولُ اللهِ وَلّى:
((بهذا)). رواه التِّرمذيُّ(٣)، وقال: حديثُ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وابنُ حبَّانَ،
والحاكمُ في ((المُستدركِ))(٤)، وقال: صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ.
فيه فوائدُ:
■ الأولَى: حديثُ بُريدةَ هذا(٥)، وإن كان من أَفرادِ الترمذيِّ، فهو في
((الصحيحين)) من غيرِ حديثه، أخرجاه (٦) من رواية أبي زُرعةَ، عن أبي هريرةَ:
أنَّ النبيَّ وَّهِ قال لبلالٍ عندَ صلاةِ الفجرِ: ((يا بلالُ أخبِرْنِي بأرجَى عملٍ عملتَه
في الإسلام؛ فإِنِّي سمِعتُ دَقَّ نعليك بينَ يَدي في الجنَّةِ). قال: ((ما عملتُ
عملًا أرجَى عندِي من أنِّي لم أتطهَّرْ ظُهورًا(٧) في ساعةٍ(٨) ليلٍ أو نهارٍ،
(١) ليس في الأصل، (م).
(٣)
سنن الترمذي (٣٦٨٩).
صحيح بن حبان (٧٠٨٦)، والحاكم (٢٨٥/٣).
(٤)
(٥)
لیس في: (ح).
(٦) البخاري (١٠٩٦)، ومسلم (١٠٨/٢٤٥٨).
(٧) هكذا ضبطها في (ح).
(٢) هكذا ضبط في غالب النسخ.
(٨) بعدها في (ك): ((من)).

S
٣٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
إلَّ صلَّيتُ بذلك الظُهورِ ما كُتِبَ لِي أن أُصلِّيَ)). لفظُ البخاريِّ.
وقال مُسلمٌ: ((فإِنِّي سمِعتُ اللَّيلةَ خشفَ نعليكَ .. )) الحديثَ. وقال: ((من
أنّي لا أتطهّرُ ظُهورًا تامًّا ... )) الحديثَ.
وفي ((الصحيحين)) (١) أيضًا، من حديثٍ جابرٍ: ((قال النبيُّ ◌َّ: ((دخلتُ
الجنَّةَ، فإذا أنا بالرُّميصاءِ، امرأةٍ أبي طلحةَ، وسمِعتُ خشفةً، فَقُلتُ: مَن هذا؟
فقال: هذا(٢) بلالٌ. ورأيتُ قصرًا بفنائِه جاريةٌ، فقلتُ: لمَن هذا القصر(٣)؟ فقال:
لعمرَ، فأردتُ أن أدخلَه فأنظرَ إليه فذكرتُ غيرَتَك)). فقال عمرُ [٦٤/١ و]:
بأبِي وأُمِّي يا رسولَ الله، أعليكَ أغارُ؟!»، لفظُ روايةِ البخاريِّ.
وفي ((الصحيحين)) (٤) أيضًا، من روايةِ ابنِ المُسيَّبٍ، عن أبي هريرةَ: قصَّةُ
عمرَ قصر(٥)، دونَ ذكرِ بلالٍ، رضيَ اللهُ تعالى عنهم أجمعين.
■ الثانيةُ: فيه استحبابُ قصِّ الرُّؤيا الصالحةِ على أصحابِهِ، وهو كذلكَ.
■ الثالثةُ: و(٦) فيه أنَّه يُستحبُّ قصُّها بعدَ صلاةِ الصُّبح، والانصرافِ من
الصلاةِ، ولذلك كان النبيُّ وَّهِ، إذا صلَّى الغداةَ قال لأصحابِه: ((من رأى منكم
رُؤيا؟»، الحديثَ، وهو في ((الصحيحِ))(٧).
■ الرابعةُ: وفيه أنَّه إذا رأى لصاحبِه خيرًا يُبشِّرُه به؛ فإنَّ الرُّؤيا الصَّالحةَ
من مُبشِّراتِ النُّبوَّةِ، كما ثبت في ((الصحيحِ))(٨)، وهو (٥٨/٢م) كذلكَ.
] الخامسةُ: فيه أنَّ مَن رأى لصاحبِه شيئًا يَدُّ على أنَّ سببَه فعلُه
لشيءٍ (٩) من أبوابٍ (١٠الخيرِ، أن١٠) يَسألَه عمَّا استحقَّ به ذلك؛ ليحضَّهُ عليه،
ويُرغِّبَه فيه؛ ليدومَ عليه.
(١) البخاري (٣٤٧٦)، ومسلم (٢٠/٢٣٩٤).
(٣) من (ك، ح).
(٢)
لیس في (ح).
(٤)
البخاري (٣٠٧٠)، مسلم (٢٣٩٥).
(٦)
ليس في (م).
(٨) البخاري (٦٥٨٨)، مسلم (٢٢٦٣).
(١٠ - ١٠) في (ح): ((الخيرات)).
(٥) ليس في الأصل، (م).
(٧) البخاري (١٣٢٠)، (٢٢٦٩).
(٩) في (ك): ((ليس)).

بابٌ الوضوءِ
٣٧٣
=
■ السادسةُ: فيه أنَّ رُؤيا الأنبياءِ حقٌّ ووحيٌّ؛ لأنَّه ◌ِوَلِّ قال لبلالٍ: ((بمَ
سبَقتنِي إلى الجنَّةِ؟))، فجزمَ بسبقِه؛ اعتمادًا على رُؤياه لذلكَ، فلو كانت رؤياه
يَجوزُ وُقوعُها، والخُلفُ فيها كغيرِ الأنبياءِ، لم يَجزمْ بسبقِه؛ لجوازٍ(١) الخُلفِ في
منامِهِ. واللهُ تعالى أعلمُ.
] السابعةُ: فيه منقبةٌ عظيمةٌ لبلالٍ؛ بكونِهِ وَ ل﴿ لم يَدخلِ الجنَّةَ قظُ، إلَّا
سمِعَ خشخشتَه أمامَه، وهذا شرفٌ عريضٌ.
■ الثامنةُ: الخَشِخَشةُ؛ بتكرارِ الخاءِ والشَّينِ المُعجمتينِ، مفتوحَ الأوَّلِ،
وذكرَ أبو موسى المدينيُّ في ((ذيلِه على الغريبينِ)»: أنَّ الخشخشةَ حركةٌ لها صوتٌ
كصوتِ السِّلاحِ، وهي أيضًا بمعنَى الرِّوايةِ الثابتةِ في ((صحيح مسلم)) (٢): ((خَشِفَ
نعليك))، وهو بفتح الخاءِ وسُكونِ الشينِ؛ المُعجمتينِ، وفي آخرِهِ فَاءٌ، فقيلَ: هو
الحركةُ، وقيلَ: الصَّوتُ؛ قالَه الهرويُّ في ((الغريبينِ))(٣).
وأمَّا الرِّوايةُ الثانيةُ بزيادةِ الهاءِ في آخرِهِ: ففِي الشينِ فيها وجهانٍ؛ الحركةُ
والإسكانُ، فقيلَ هما بمعنَى، وقيلَ: المُحرَّكُ بمعنَى الحركةِ، والساكنُ بمعنَى
الحسِّ.
وأمَّا روايةُ البخاريِّ: ((دَقَّ(٤) نعليكَ)). فاختُلِفَ في ضبطِه(٥)؛ فقيلَ: هو
بالدَّالِ(٦) المُعجمةِ، وقيلَ: بالمُهملةِ، وهي مفتوحةٌ، و(٧) قال أبو موسى المدينيُّ:
والمُرادُ صوتُهما(٨) عندَ الوطءِ، واللهُ أعلمُ.
] التاسعةُ: إن قيلَ: ما معنَى رُؤياه ◌َّهِ لبلالٍ أمامَه في الجنَّةِ كُلَّما دخلَ،
مع كونِهِ وَ لَّ، أَوَّلُ مَن يَدخلُ الجنَّةَ، فكيفَ معنَى تقدُّم بلالٍ عليه في هذه الرُّؤيا؟
في (م): ((بجواز)).
(١)
(٢) مسلم (٢٤٥٨).
الغريب لابن سلام (ص١٤٥)، وينظر: غريب الصحيحين للحميدي (ص٨٥).
(٣)
(٤)
في (ح): ((ذف)).
(٥)
ينظر: كشف المشكل (ص ١٧٠)، ومشارق الأنوار (٢٦١/١)، شرح ابن بطال (١٤٣/٣).
(٧) من الأصل، (م).
في (ح): «بالذال».
(٦)
في (ك): ((ضربهما)).
(٨)

5
٣٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والجوابُ(١): أنَّه لم يَقلْ في هذه الرُّؤيا أنَّه يَدخلُها قبلَه في القيامةِ، وإنَّما رَآه
أمامَه في منامِه، وأمَّ الدُّخولُ حقيقةً: فهو ◌َّهِ، أوَّلُ مَن يَدخلُها مُطلقًا، وأمَّا هذا
الدُّخولُ: فالمرادُ به: سريانُ الرُّوحِ في حالةِ النومِ، فلا إشكالَ في ذلك، واللهُ
تعالى أعلمُ.
■ العاشرةُ: قد حكمَ نَّهَ، أنَّ سبقَ بلالٍ إلى الجنَّةِ، بما ذكرَ من الوضوءِ
عندَ الحدثِ، والصلاةِ بعدَه، وزادَ في روايةِ الترمذيِّ خَصلةً أُخرَى: ((فقال:
يا رسولَ اللهِ ما أدَّنتُ قظُ إلا صلَّيتُ ركعتينٍ، وما أصابني حدثٌ قطُ إلَّا توضَّأْتُ
عندَها، ورأيتُ أنَّ للهِ تعالى عليَّ ركعتينٍ، فقال رسولُ اللهِ وَال ◌َ: ((بهما))). فزادَ في
رواية الترمذيِّ: الصلاةَ بعدَ الأذانِ، وكونُه يَرَى أنَّ عليه بعدَ الوضوءِ للهِ
ركعتين(٢) .
فكيفَ الجمعُ بينَ هذا، وبينَ روايةِ أحمدَ التي ليس فيها (٥٩/٢م) هذا؟
والجوابُ: أنَّ قولَه وَّه، في روايةِ الترمذيِّ: ((بهما))، يَحتملُ عودَه إلى الخصلتينِ
الأخيرتينِ(٣)، وهما الوضوءُ عندَ الحدثِ، والصلاةُ بعدَه، فيكونُ مُوافقًا لروايةٍ
أحمدَ(٤)، وتكونُ الصلاةُ عندَ الأذانِ [٦٤/١ظ] لها ثوابٌ آخرُ. وأمَّا زيادتُه كونُه
يَرَى أنَّ عليه(٥) للهِ ركعتينٍ: [فليسَ فيه مُنافاةٌ لروايةِ أحمدَ، وقد اشتركا في ذکرٍ
الصلاةِ عقبَ الوضوءِ، وليس في روايةِ أحمدَ ما يَنْفِي كونَه يَرَى ذلك، ورُبَّما كان
الثوابُ مُترتّبًا على الفعلِ، وإن لم يَرَ ذلك، واللهُ أعلمُ.
■ الحادية عشرَ](٦): هل يَظهرُ(٧) لمجازاتِه بهذا (٨) على هذا الفعلِ
مناسبةٌ؟
والجوابُ: أنَّ لذلكَ مناسبةً، وهو أنَّ بلالًا كان يُديمُ الطَّهارةَ، فمِن لازِمِه
أنَّه كان يَبيتُ على طهارةٍ، وقد جاءَ في النومِ على طهارةٍ ما يقتضِي عُروجَ الرُّوحِ
بعدها في (ح): ((عنه)) .
(١)
(٣) في (ك): ((الأخرتين)).
(٥)
ليس في: (م).
في (ك): ((تظهر)).
(٧)
(٢) سنن الترمذي (٣٦٨٩).
(٤) مسند أحمد (٣٦٠/٥).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في (ك).
(٨) ليس في (ك).