Indexed OCR Text

Pages 401-420

=
كمـ
٢٩٥
كتابٌ الطهارة
فتحُ الراءِ مُطلقًا، حكاها الفرَّاءُ، وضمُّها مُطلقًا. وتكونُ حركاتُ الإعرابِ في
(١١/٢م) الهمزة فقط(١)، وهو مُفردٌ لا جمعَ له من لفظِه(٢).
■ الخامسةَ عشرَ: فيه اشتراطُ النِّيَّةِ لصحَّةِ العبادةِ، وقد اتَّفقَ العلماءُ
على ذلك في العبادةِ المقصودةِ لعينِها، التي ليست وسيلةً إلى غيرِها، وحكى
أبو الوليدِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ رُشدِ المالكيُّ في كتابِه [٤٩/١ و] (٣)«بدايةٍ
المُجتهدٍ)) ٣): اتِّفاقَ العلماءِ على اشتراطِ النِّيَّةِ في العباداتِ، وحكى الاختلافَ في
الوضوءِ لاختلافِهم في أنَّه مقصدٌ أو وسيلةٌ.
وحكى ابنُ التِّينِ السَّفاقسيُّ(٤): أنَّهم لا يختلفونَ في أنَّ العبادةَ المحضةً
مُفتقرةٌ إلى النَّّةِ، والعبادةَ المفهومةَ المعنَى غيرُ مُفتقرةٍ إلى النِّيَّةِ.
وذكّر النوويُّ في ((شرح مسلم))(٥): أنَّ الأعمالَ ضربانٍ؛ ضربٌ تُشترطُ النِّيَّةُ
لصحَّتِه وحُصولِ الثوابِ فيه؛ كالأرَّكانِ الأربعةِ، وغيرِ ذلك ممَّا أجمعَ العلماءُ أنَّه
لا يَصحُّ إلَّا بنيَّةٍ، وكالوضوءِ، والغسلِ، والتَّيمُّمِ، وطوافِ الحجِّ، والعمرةِ،
والوقوفِ، ممَّا اشترطَ النِّيَّةَ فيه بعضُ العلماءِ، وضربٌ لا تُشترطُ النِّيَّةُ لصحَّتِه،
لكن تُشترطُ لحصولِ الثوابِ؛ كسترِ العورةِ، والأذانِ، والإقامةِ، وابتداءِ السلام،
وردِّه، وتشميتِ العاطسِ، وردِّه، وعيادةِ المريضِ، واتِّباعِ الجنائزِ، وإماطةِ
الأذَى، وبناءِ المدارسِ، والرُّبطِ، والأوقافِ، والهباتِ، والوصايا، والصَّدقاتِ،
وردِّ (٦) الأماناتِ، ونحوِها.
(١) ينظر: الكتاب لسيبويه (٢٠٣/٢)، همع الهوامع (٥٦/٣).
(٢) ينظر: الصحاح (١/ ٧٢)، تهذيب اللغة (٢٠٥/١٥)، تاج العروس (٤٢٩/١).
(٣ - ٣) مكانه بياض في الأصل بمقدار كلمتين. وينظر: بداية المجتهد (٨/١).
(٤) هو: أبو محمد، عبد الواحد بن عمر السفاقسي، المعروف بابن التين، إمام متفنن في
العلوم، له شرح على صحيح البخاري، (ت٦١١هـ). كشف الظنون (٥٤٦/١)، شجرة
النور الزكية (ص١٦٨).
(٥)
شرح مسلم (٥٤/١٣).
(٦) ليست في: (ح).

=
٢٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
] السادسةَ عشرَ: احتجَّ به مَن أوجبَ النَّةَ في الوضوءِ والغسلِ، وهو قولُ
الأئمَّةِ الثلاثةِ: مالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وداودَ، وغيرِهم(١). وخالفَ
في ذلك أبو حنيفةً(٢)، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وهي روايةٌ شاذَّةٌ عن مالكِ، واحتجَّ
المُخالفُ بأنَّه ليس مقصودًا، وأنَّ المقصودَ به النظافةُ، فأشبَهَ إزالةَ النجاسةِ.
واعترضَ على الحنفيَّةِ بأنَّهم أوجبُوها في التيمُّم، وليس مقصودًا. وأجابوا
بأنَّه طهارةٌ ضعيفةٌ، فافتقرَ إلى النِّيَّةِ تقويةً له، وبأنَّ اللهَ ذكَر النِّيَّةَ في التيمُّم:
﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: اقصدوا، وهو النِّيّةُ، ولم يَذكرْ ذلك في
الوضوء والغسلِ.
واحتجَّ أيضًا القائلونَ بأنَّه لا تُشترطُ النِّيَّةُ في الوضوءِ: بتعليم النبيِّ ◌َّ
الوضوءَ للأعرابيّ (٣)، ولم يَذكُرْ له النِّيَّةَ مع جهلِ الأعرابيِّ بأحكامِ الوضوءِ، ولا
يَجوزُ تأخيرُ البيانِ(٤) عن وقتِ الحاجةِ.
ونُقِضَ عليهم: بتعليمِه الصلاةَ للأعرابيِّ المُسيءِ صلاتَه، ولم يَذكرْ له النَّةَ،
وقد قُلتم بوجوبِها في الصلاةِ، فما الفرقُ؟ وإنَّما بيَّنَ النبيُّ وَّهِ، لمن علَّمَه
الأفعالَ الظّاهرةَ التي يَقفُ الناظرُ(٥) على تركِها، لو تركوها(٦)، فأمَّا القصدُ
(١٢/٢م) للعبادةِ، فكان معلومًا عندَهم. واللهُ أعلمُ.
ا السابعةَ عشرَ: فيه حُجَّةٌ على الأوزاعيِّ في ذهابِه إلى أنَّ التيمُمَ
لا تجبُ(٧) له النِّيَّةُ أيضًا؛ كبقيّةِ الطَّهاراتِ(٨)، واحتَجَّ له بأنَّها وسائلُ وليست
بمقاصدَ، ورُدَّ عليه بالإجماع على أنَّ الجُنبَ لو سقطَ في الماءِ غافلًا عن كونِه
(١) تنظر هذه الأقوال في: الأم (٦٢/٢)، والإشراف لابن المنذر (١٩٣/١)، والتمهيد
(١١٩/١٢)، والذخيرة (٢٤٠/١)، والمغني (١٥٦/١).
(٢) ينظر: المبسوط (١٢٩/١)، والهداية (١٣/١)، وبدائع الصنائع (١٧/١).
(٣)
البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٨١٤).
(٤) في (ك): ((النيات)).
(٥)
في (ك): ((الباطن)).
(٧)
في (ح): (يجب)) .
(٦) في (ت، ح): ((تركها)).
ينظر: الحاوي (٨٧/١)، والمجموع (٣١٣/١).
(٨)

=
٢٩٧
كتابٌ الطهارة
جُنبًا أنَّه لا تَرتفعُ جنابتُه قطعًا، فلولا وُجوبُ النِّيَّةِ لما توقَّفَ(١) صحَّةُ غُسلِه
عليها، وهو واضحٌ.
■ الثامنةَ عشرَ: احتجَّ به لمن أوجَبَ النِّيَّةَ في غَسلِ النجاسةِ؛ لأنَّه عملٌ
واجبٌ.
قال الرافعيُّ(٢): ويُحكَى عن ابنِ سُريج(٣)، وبه قال أبو سهلٍ
الصُّعلوكيُّ(٤)، فيما حكاه صاحبُ ((التتمَّةِ))(٥)، انتَهَى.
وحكى ابنُ الصلاحِ، في ((فوائدِ الرِّحلةِ))، وجهًا ثالثًا: أنَّها تجبُ لإزالةِ
النجاسةِ التي على البدنِ دُونَ الثوبِ، لإمكانٍ صلاتِه في غيرِهِ؛ وقد رُدَّ ذلك
بحكايةِ الإجماعِ، فقد حكَى الماورديُّ في ((الحاوِي))، والبغويُّ في ((التهذيبٍ)) (٦):
أنَّ النَّّةَ لا تُشترطُ في إزالةِ النجاسةِ.
قال الرُّويانيُّ في ((البحرِ)): عندِي لا يَصحُّ النقلُ عنهما؛ أي: عن ابنٍ
سُريجٍ، والصُّعلوكيِّ، وإنَّما لم يَشترطوا(٧) النِّيَّةَ في إزالةِ النجاسةِ؛ لأنَّها من بابٍ
التُّروكِ، فصارَ(٨) كتركِ المعاصِي(٩).
(١) في (ح): ((توقفت)).
(٢) الشرح الكبير (٢٤٦/١).
(٣) أحمد بن عمر بن سريج، أبو العباس القاضي البغدادي، شيخ الشافعية، صاحب
المصنفات، قال الذهبي: فهرست مصنفاته أربعمائة مصنف (ت٣٠٦هـ). سير أعلام
النبلاء (٢٠١/١٤)، البداية والنهاية (١٢٩/١١)، طبقات الشافعية الكبرى (٢١/٣).
(٤) محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون، أبو سهل الصعلوكي النيسابوري،
الحنفي نسبًا، الشافعي مذهبًا، العلامة ذو الفنون، قال الذهبي: ومن غرائبه وجوب النية
لإزالة النجاسة (ت٣٦٩هـ). سير أعلام النبلاء (٢٣٥/١٦)، وطبقات الشافعية (١٦٧/٣).
(٥) هو: عبد الرحمن بن مأمون بن علي، أبو سعيد المتولي النيسابوري الشافعي، والتتمة
كتاب تمم به كتاب الإبانة لشيخه أبي القاسم الفوراني، إلا أنه عاجلته المنية قبل
تمامه، فانتهى فيه إلى كتاب الحدود. سير أعلام النبلاء (٥٨٥/١٨)، وطبقات الشافعية
(١٠٦/٥).
(٦) ينظر: الحاوي (٨٧/١)، والمجموع (٦٠٢/٢).
(٨) في (ح): ((فصارت)).
(٧)
في (ت، ح): ((تشترط)).
(٩) قال في حاشية (ح): ((قوله: فصارت كترك المعاصي. هذا غريب؛ لأن المعاصي إذا لم
ينو تركها فهو مصر عليها قطعًا، فلا بد لتحقيق تركها من نية الترك، تأمل)).

=
٢٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقد يُعترَضُ على هذا [٤٩/١ظ] التعليلِ: بأنَّ الصَّومَ من بابِ التُّروك(١)
أيضًا؛ ولهذا لا يَبطُلُ بالعَزم على قطعِه، وقد أجمعوا على وُجوبِ النَّّةِ فيه.
■ التاسعةَ عشرَ: احتجَّ به على أبي حنيفةَ في ذهابِهِ إلى أنَّ الكافرَ إذا
أجنبَ أو أحدثَ، فاغتسلَ(٢) أو توضَّأ، ثمَّ أسلمَ أنَّه لا يَجبُ(٣) إعادةُ الغسلِ
والوضوءِ عليه، وهو وجهٌ لبعضٍ أصحابِ الشافعيِّ، وخالفَ الجمهورُ في ذلك،
فقالوا: تجبُ إعادةُ الغسلِ والوضوءِ؛ لأنَّ الكافرَ ليس من أهلِ العبادةِ، وبعضُهم
يُعلِّلُه بأنَّه ليس من أهلِ النَّّةِ.
· الفائدةُ العشرونَ: احتجَّ به على أنَّه يَجبُ على الزَّوجِ النَّّةُ إذا غسَّلَ
زوجتَه المجنونةَ من حيضٍ أو نفاسٍ، أو الذِّمِّيَّةَ إذا امتنعت، فغسَّلَها الزَّوجُ، وهو
أصحُّ الوجهينِ، كما صحَّحَه النوويُّ في ((التحقيقِ)) في مسألةِ المجنونة.
وأمَّا الذِّمِّيَّةُ المُمتنعةُ، فقال في ((شرح المُهذَّبِ)) (٤): الظَّاهرُ أنَّه على
الوجهينِ في المجنونةِ، بل قد جزمَ ابنُ الرِّفعةِ في ((الكفايةِ)) في غُسلِ الذِّمِّيَّةِ
لزوجِها المُسلم، أنَّ المُسلمَ هو الذي يَنوِي، ولكنَّ الذي صحَّحَه النوويُّ في
(التحقيقِ)) في الذُّمِّيَّةِ غيرِ المُمتنعةِ، اشتراطُ النّةِ عليها نفسِها، واللهُ أعلمُ.
■ الحاديةُ والعشرونَ: استدلَّ به على أنَّه لا يصحُّ وُضوءُ المُرتدِّ، ولا
غُسلُهُ، ولا تيمُّمُهُ، وهو كذلكَ؛ لأنَّه ليس أهلاً للعبادةِ والنّيَّةِ، وقد اذَّعَى النوويُّ
في ((الرَّوضةِ)(٥) نفيَ الخلافِ فيه، تبعًا للرَّافعيّ، (١٣/٢م) وليس كذلكَ، فقد
حكَى الماورديُّ في ((الحاوِي))(٦) وجهًا في صحَّةِ غُسلِه، وفي ((شرحِ المُهذَّبِ))(٧)
(١) قال في حاشية (ك): ((الفرق بين الصوم وغيره من التروك: أن الصوم من قبيل جلب
المصالح، فلا بد من حضوره في الذهن، لتحصيل التلبس بمشقة الجوع الباعث له على
الصدقة ونحوها؛ وأما غيره من التروك، فمن باب درء المفاسد، وهو حاصل، ولو لم
يخطر بالبال».
(٢)
في (ح): ((واغتسل)).
(٤)
المجموع للنووي (١٦٤/٥).
(٦) الحاوي (٩٨/١).
(٣) في الأصل: ((يحبذ)).
(٥) روضة الطالبين (٤٧/١).
(٧) المجموع (٣٣٠/١).

كتابُ الطهارة
٢٩٩
حكايةُ وجهٍ عن ((النِّهايةِ)) في صحَّةِ غُسلِه ووُضوئِه أيضًا، وفي ((الجواهرٍ))
للقموليّ(١) حكايةُ وجهٍ في صحَّتِهما، وصحَّةٍ تيمُّمِه أيضًا.
■ الثانيةُ والعشرونَ: فيه اشتراطُ النَّّةِ لسجودِ التِّلاوةِ؛ لأنَّه عبادةٌ، وهو
قولُ الجمهورِ، وخالفَ فيه بعضُهم: فلم يُوجبِ النَّةَ فيه.
■ الثالثةُ والعشرونَ: استُدِلَّ به على وُجوبِ النََّّةِ على الغاسلِ في غُسلٍ
المَيِّتِ؛ لأنَّه عبادةٌ وغُسلٌ واجبٌ، وهو أحدُ الوجهينِ لأصحابِ الشافعيِّ، ويدلُّ
عليه نصُّ الشافعيِّ على وُجوبِ غُسلِ الغريقِ، وأنَّه لا يَكفِي إصابةُ الماءِ له،
ولكنَّ أصحَّ الوجهينِ، كما قال الرافعيُّ في ((المُحرَّرِ)) أنَّه لا تجبُ النِّيَّةُ على
الغاسلِ، ونسبَ في ((الشرحِ)) (٢) تصحيحَه للقاضِي الرُّويانيِّ وغيرِهِ؛ لأنَّ النِّيَّةَ إنَّما
هي على المُغتسلِ، والميِّتُ لا يُتصوَّرُ منه، ولأنَّ مقصودَه النظافةُ. ويُشكلُ
بوجوبٍ غُسلِ الغريقِ، وأُجيبَ عنه: بأنَّا مأمورونَ بغسلِهِ، فلا يَسقطُ الفرضُ إلَّا
بغسلِنا .
· الرابعةُ والعشرونَ: استُدِلَّ به على أنَّ المُتوضِّئَ إذا لم يَنوِ الوضوءَ
إلّا عندَ غسلِ الوجهِ لم يَحصلْ له ثوابُ ما فعلَه قبلَ ذلك من سُننِ الوضوءِ؛ من
المضمضةِ، والاستنشاقِ، وغسلِ الكفَّينِ، والتَّسميةِ، والسِّواكِ، لخلوِّ ذلك عن
النَّيَّةِ، وهو كذلكَ، وبه جزمَ الرافعيُّ.
وذهبَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ إلى حُصولِ ثوابِ السُّننِ؛ لانعطافِ النِّيَّةِ على
بقيَّةِ العبادةِ؛ كصيام التطوُّعِ، على ما سيأتِي، واستثنَى القموليُّ في ((الجواهرِ)) ممَّا
يَحصلُ ثوابُه من السُّننِ التسميةَ، ولك أن تقولَ: إن أرادَ حُصولَ ثوابِ الذِّكرِ لا
بقيدِ (٣) ثوابِه على فعلِها في الوضوءِ فهو كذلكَ، ولا يَرِدُ ذلك على الرافعيِّ؛ لأنَّه
(١) هو: الشيخ البارع الفقيه، نجم الدين، أبو العباس أحمد بن محمد بن مكي الشافعي
القمولي، نسبة لبلدة في صعيد مصر، درس وأفتى وصنف، وولي قضاء قوص، ثم إخمیم،
ثم أسيوط، ثم ولي نيابة الحكم بالقاهرة، وله شرح الوسيط للغزالي سماه: ((البحر
المحيط))، ولخصه في جواهر البحر (ت٧٢٧هـ). طبقات الشافعية الكبرى (٣٠/٩).
(٢) الشرح الكبير (١١٤/٥ - ١١٥).
(٣) في (ك): ((يفيد)).

=
2
٣٠٠ °
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
إنَّما نفَى (١) حُصولَ ثوابٍ سُننِ الوضوءِ، وعلى هذا فينبغي أن يُستثنَى السِّواكُ أيضًا؛
لأنَّه سُنَّةٌ مُطلقًا، لكن لا يَحصلُ له ثوابُ السِّواكِ في الوضوءِ، وإن أرادَ القموليُّ
حُصولَ ثوابِ التسميةِ بقيدِ (٢) كونِها من سُننِ الوضوءِ فممنوعٌ؛ لقولِه: ((وإنَّما لكلِّ
امرئٍ ما نوَى)). وهو لم يَنوِ الوضوءَ قبلَ ما فعلَه من السُّننِ، واللهُ أعلمُ.
الخامسةُ والعشرونَ: استُدِلَّ به على أنَّ مَن نوَى صلاةَ فرضٍ، ثمَّ
بطلَ فرضُه الإتيانِه بما يُنافِي الفرضيَّةَ [٤٩/١ظ] دُونَ النفليَّةِ، أنَّها لا تصحُّ نفلًا؛
لأَنَّه لم يَنوِ بصلاتِه النافلةَ، فلا يَحصلُ له ما لم يَنوِه(٣)، وهو أحدُ الوجهينِ
لأصحابِ الشافعيِّ.
أما إذا نوَى في أثناءِ صلاتِه انقلابَها نفلًا، فلا يَخلُو إما أن تَكونَ لغرضٍ
صحيحٍ، أو لغيرِ (١٤/٢م) عُذرٍ، فإن كان لغرضٍ صحيحٍ؛ كأن أحرمَ بالفرضِ
مُنفردًا، فجاءَ الإمامُ وتقدَّمَ ليصلِّيَ، فنوَى قلبَها(٤) نفلًا، وسلَّم من ركعتينٍ، ثمَّ
صلَّى مع الإمامِ، صحَّتِ الأولَى نفلًا، كما نصَّ عليه الشافعيُّ.
وفيه قولٌ مُخرَّجُ أنَّها لا تصحُّ نفلًا؛ لأنَّه لم يَنوِهِ، ووقتُ النِيَّةِ عندَ الإحرام
لا (٥) في أثنائِها. وهذا هو القياسُ، ولكنِ اغتُفِرَ لخروجِهِ (٦) لعذرٍ، والأوَّلُ أصحُ
كما قال الرافعيُّ؛ لأنَّه قصدَ (٧) النفلَ بعدَ الإعراضِ عن الفرضِ، وإنَّما فعلَ ذلك
لأمرٍ محبوبٍ، وهو استئنافُ الصلاةِ بالجماعةِ، وإن قلبَها نفلاً لغيرِ سببٍ،
فالأظهرُ، كما قال الرافعيُّ، البطلانُ، ونصَّ عليه الشافعيُّ أيضًا.
ومثلُه: ما لو أحرمَ بالظُّهرِ قبلَ الزَّوالِ، فإن كان عالمًا لم يَصحَّ(٨) فرضًا
ولا نفلًا لتلاعبِه، وإن فعلَه لظنّ (٩) دُخولِ الوقتِ بالاجتهادِ، فالأصحُّ، كما قال
الرافعيُّ، أنَّها تكونُ نفلًا.
(١) في (ح): ((بقي)).
في (ح): ((ما لم ينو)).
(٣)
ليست في: (ح).
(٥)
(٧) في (ك): ((قد)).
(٩) في (ك): ((يظن)).
(٢) في (ك): ((يفيد)).
(٤) في (ح): ((قبلها)).
(٦) في (ح): ((بخروجه)).
(٨) في (ح): ((تصح).

=
كم
٣٠١
كتابٌ الطهارة
ومثلُه: ما لو كبَّرَ المسبوقُ للإِحرامِ في حالةِ هُوِيِّه إلى الرُّكوع، فإن كان
عالمًا بامتناعِ إيقاعٍ تكبيرة الإحرامِ بعدَ مُجاوزةٍ حدِّ القيام: فالأظهرُ، كما قال
الرافعيُّ، البطلانُ، وإن كان جاهلاً فالأظهرُ انعقادُها نفلًا، كما قال الرافعيُّ (١).
ومثلُه: ما لو وجدَ العاجزُ عن القيامِ في صلاةِ الفرضِ خفَّةً فلم يَقمْ،
والأظهرُ(٢) فيه البطلانُ، كما قال الرافعيُّ.
ومثلُه: ما لو أحرمَ بالفرضِ قاعدًا مع القدرة على القيام، والأظهرُ(٣)
البطلانُ أيضًا لتلاعبِه، كما قال الرافعيُّ(٤). بل هو أولَى بالبطلانِ(٥) من التي
قبلَها .
والحديثُ حُجَّةٌ لمن قال: لا يَحصلُ له ثوابُ النفلِ مُطلقًا؛ سواءٌ فيه
المعذورُ(٦) وغيرُه (٧)؛ لأنَّه لم يَنوِهِ، ونيَّتُه الحادثةُ في أثناءِ الصلاةِ واقعةٌ في غيرِ
موضوع النّةِ، إلَّا أنَّ أصحابَنا جعلوا للمتطوِّع (٨) بالنَّفْلِ المُطلقِ الزِّيادةَ والنُّقصانَ،
بالنّةِ على ما نواه أوَّلًا، وإن كان في أثناءِ الصلاةِ، والله تعالى أعلمُ.
] السادسةُ والعشرونَ: فيه حُجَّةٌ لمن ذهب إلى أنَّه إذا نوَى الجماعةُ
صلاةَ الجمعةِ، فخرجَ وقتُها أنَّهم لا يُكملونَها ظُهرًا؛ لأنَّهم لم يَنووا الُهرَ، وإنَّما
نووا الجمعةَ، ويجبُ عليهم ابتداءُ الُظُهرِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، وهو أحدُ
الطَّريقينِ لأصحابِ الشافعيِّ، وبنَوه على الخلافِ في أنَّ الجمعةَ صلاةٌ على
حيالِها أو (٩) ظُهرٌ مقصورٌ؟ و(١٠) فيه قولانِ اقتضاهما كلامُ الشافعيِّ.
قال النوويُّ: أظهرُهما أنَّها صلاةٌ بحيالِها. والمذهبُ كما صحَّحَه الرافعيُّ،
والنَّوويُّ(١١): جوازُ إتمامِها ظُهرًا، وهو مُخالفٌ لقضيَّةِ بنائِهم له على هذينٍ
(١)
ليس في: (ح).
(٣)
في (ك): ((فالأظهر)).
ليس في: (ح).
(٥)
(٦) في (ت): ((المعتذر)).
ليس في: (ح).
(٧)
(٨) في (ك): ((للمطوع)).
(٩) بعده في الأصل: ((هي)).
(١٠) ليس في: (ك).
(١١) الشرح الكبير (١٧٣/٤)، والمجموع (٥١٠/٤).
(٢) في (ك): ((فالأظهر)).
(٤) انظر: الشرح الكبير (٢٥٦/٣).

كم
٣٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
القولينِ، ومُخالفٌ لظاهرِ الحديثِ أيضًا، لكنَّهم (١) شبَّهُوه بالمُسافرِ يَنوِي القصرَ
فيفوتُ شرطُهُ فَيُتمُّ، وليس (١٥/٢م) كالقصرِ من حيثُ إنَّ الصلاةَ واحدةٌ، وقد
نواها؛ ونيَّةُ القصرِ أو الإتمام لا يُخرجُها عن كونِها ظُهرًا مثلًا، بخلافِ الجمعةِ؛
فإنَّها صلاةٌ على حيالِها، كما صحَّحَه النوويُّ، لكنَّ الرافعيَّ لم يُصحِّحْ من هذينٍ
القولينِ شيئًا .
وأشكلُ من ذلك ترجيحُهم انقلابَها بنفسِها ظُهرًا من غيرِ تجديدِ نيَّةِ الظُهرِ،
كما صحَّحَه الرافعيُّ، نقلًا عن صاحبِ ((العدَّةِ))، وصحَّحَه النوويُّ أيضًا(٢)،
وقال: إنَّه مُقتضَى كلامِ الجمهورِ. واللهُ تعالى أعلمُ.
■ السابعةُ والعشرونَ: فيه حُجَّةٌ لأحدِ الوجهينِ لأصحابِنا: أنَّ المسبوقَ
في الجمعةِ إذا أدركَ الإمامَ بعدَ رفعِه من الرَّكعةِ الثانيةِ أنَّه يَنوِي الظُهرَ، لا الجمعةَ
لفواتِها؛ ولأنَّه إنَّما يُصلِّي الظُّهرَ وليس له إلَّا ما نوَى [٥٠/١و]. ولكنَّ الذي ذكرَه
الرُّويانيُّ، وصحَّحَه الرافعيُّ، والنَّوويُّ(٣): أنَّه يَنوِي الجمعةَ مُوافقةً للإمامِ، وهو
مُشكلٌ، إذ كيفَ(٤) يَنوِي ما لا يَفعلُهُ؟ لا جرمَ، قال المُحبُّ الطَّبريُّ: لا وجهَ
لإيجاب نيَّةِ الجمعةِ. انتَھَى.
وكتبَ النوويُّ على حاشيةِ ((الرَّوضةِ)) هنا: إنَّما يَنوِي الجمعةَ؛ لأنَّا لم نتيقَّنْ
فواتَها، لاحتمالِ أن يَكونَ الإمامُ قد نسيَ القراءةَ من إحدَى الرَّكعتينِ، فيتذكَّرُ(٥)
أنَّه بقيَ عليه ركعةٌ، فيقومُ إليها. انتَهَى.
وتعقّبَهُ بعضُ مشايخِنا: بأنَّ هذا غيرُ مُستقيم، فقد ذكر في ((الرَّوضةِ)) من
زياداتِهِ: أنَّ المسبوقَ إذا بقيَت عليه ركعةٌ، فقامَ الإمامُ إلى خامسةٍ، فلا تجوزُ
ے
مُتابعتُهُ فيها؛ حملًا على أنَّه تذكَّرَ تركَ رُكنٍ، انتَهَى.
(١) في (ح): ((لكونهم)).
(٢) ينظر: الشرح الكبير (٤٨٩/٤)، والمجموع (٤ /٥٧٤ - ٥٧٥).
(٣) ينظر: الشرح الكبير (٥٥٣/٤)، والمجموع (٥٥٦/٤)، وروضة الطالبين (١٢/٢).
(٥) في (ح): ((فتذكر)).
(٤) في (ح): ((ليس)).

=
كتابُ الطهارةِ
٣٠٣
وإذا قُلنا(١): يَنوِي الجمعةَ كما هو المُرجَّحُ، فهل يَصرفُ نيَّتَهُ إلى الظُّهرِ
عندَ سلامِ الإمامِ، أم لا يَحتاجُ إلى ذلك، وتنقلبُ بنفسِها ظُهرًا؟
الذي جزمَ به المُحبُّ الطَّريُّ في ((شرحِ التنبِيه)): الأوَّلُ، ومُقتضَى ما تقدَّمَ
في الفائدةِ قبلَها، من انقلابِها بنفسِها ظُهرًا، في مسألةٍ فواتِ شرطِ الجمعةِ: أن
يَجِيءَ مثلُهُ هنا، وهذا كُلُّهُ على قولِ مَن يَقولُ: إنَّما يُدركُ المأمومُ الجمعةَ بركعةٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يُدركُ بإدراكِه قبلَ السلام، بل لو (٢) أدركَ معَهُ سجدتي السَّهوِ
بعدَ السلامِ كان مُدركًا للجمعةِ، وهو بعيدٌ.
■ الثامنةُ والعشرونَ: فيه حُجَّةٌ على أبي حنيفةَ، حيثُ ذهبَ إلى أنَّ
المُقيمَ إذا نوَى في رمضانَ صومَ قضاءٍ أو كفَّارةٍ أو تطوُّع، وقعَ عن رمضانَ، إذ
ليس له إلَّا ما نواه، ولم يَنوِ صومَ رمضانَ، وتعيينُهُ شرعًا لا يُغنِي عن نيَّةِ المُكلَّفِ
لأداءِ ما كُلِّفَ به. وذهبَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ أنَّه لا بُدَّ من تعيينِ رمضانَ،
الظاهرِ الحديثِ بخلافِ الحِّ، على ما سيأتِي، وذهبَ زُفرُ إلى أنَّ صيامَ رمضانَ
لا تُشترطُ فيه النِّيَّةُ؛ للصحيحِ المُقِيمِ، لتعيُّنِ(٣) الزَّمانِ له. (١٦/٢م)
التاسعةُ والعشرونَ: فيه حُجَّةٌ لمن ذهبَ إلى أنَّ (٤المُتطوِّعَ بالصِّيام٤)
إذا نوَى في أثناءِ النهارِ قبلَ الزَّوالِ أو بعدَهُ، وقُلنا بصحّتِهِ، أنَّه إنَّما يُحسبُ له
الصِّيامُ من حينِ النِّيَّةِ؛ لخلوِّ أوَّلِ النهارِ عن النِّيَّةِ، والنِّيَّةُ لا تنعطفُ على ما
قبلَها، وهو قولُ أبي إسحاقَ المروزيِّ من الشافعيَّةِ، وقال الرافعيُّ: إنَّه اختيارُ
الققَّالِ .
ولكنَّ الأظهرَ عندَ الأكثرينَ، كما قال الرافعيُّ(٥): إنَّه صائمٌ من أوَّلِ
النهارِ؛ لأنَّ صومَ اليوم الواحدِ لا يَتبغَّضُ، وشبَّهُوهُ بالمسبوقِ يُدركُ ثوابَ جميعِ
الرَّكعةِ بإدراكِ الرُّكوعِ.
(١) بعده في (ح): ((إنه)).
(٢) ليست في: (ك).
(٣)
في (ح): (لتعيين)).
(٥) الشرح الكبير (٣١٦/٦).
(٤ - ٤) في (ح): ((التطوع في الصيام)).

=
٣٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
] الفائدةُ الثلاثونَ: فيه حُجَّةٌ على مالكِ في اكتفائِهِ بنِيَّةٍ واحدةٍ في أوَّلِ
شهرِ رمضانَ لجميع الشهرِ، وهي روايةٌ عن أحمدَ أيضًا، وذلك لأنَّ كلَّ يَومٍ عملٌ
بنفسِه (١)، وعبادةٌ مُستقلَّةٌ، بدليلٍ ما يَتخلَّلُ بينَ الأيَّامِ في لياليِها ممَّا يُنافِي الصَّومَ
من المُفطِّراتِ. وذهبَ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأحمدُ، في الرِّوايةِ الأخرَى، إلى
وُجوبِ النَِّّةِ لكلِّ يَومٍ، إذ هو عملٌ، ولا عملَ إلَّا بنيَّةِ.
الحاديةُ والثَّلاثونَ: احتجَّ به لمن ذهبَ إلى أنَّه إذا أحرمَ بالحجِّ في
غيرِ أشهرِ الحجِّ أنَّه لا يَنعقدُ عُمرةً؛ لأنَّه لم يَنوٍ (٢) العمرةَ، وإنَّما له ما نواه، وهو
قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، وأحمدَ، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، إلَّا أنَّ الأئمَّةَ
الثلاثةَ، قالوا: يَنعقدُ إحرامُهُ بالحجّ، ولكن يُكرَهُ عندَهم (٣) الإحرامُ به قبلَ أشهرِهِ.
ولم يَختلف قولُ الشافعيِّ أنَّه لا يَنعقدُ بالحجِّ، وإنَّما اختلفَ قولُه هل
يَتحلَّلُ بأفعالِ العمرةِ؟ وهو قولُه المُتقدِّمُ نقلُهُ عنه، أو يَنعقدُ إحرامُهُ عُمرةً، وهو
نصُّهُ في ((المُختصرِ))، وهو الذي صحَّحَه الرافعيُّ، والنَّوويُّ(٤). فعلَى القولِ
الأوَّلِ: لا تسقطُ عنه عُمرةُ الإسلام. [وعلى القولِ الذي نصَّ عليه
في ((المُختصرِ): تسقطُ عنه عُمرةُ الإسلام](٥).
قال الرافعيُّ(٦) [٥٠/١ظ]: وشبَّهوا القولينِ بالقولينِ في التحرُّمِ بالصَّلاةِ قبلَ
وقتِها، هل تنعقدُ نافلةً؟ وها هنا الأظهرُ: انعقادُهُ عُمرةً بكلِّ حالٍ لقوَّةِ الإحرامِ،
ولهذا يَنعقدُ (٧) مع السَّببِ المُفسدِ له، بأن أحرمَ مُجامعًا .
قُلتُ: أما على القولِ بأنَّ العمرةَ ليست بواجبةٍ، فلا يَبعدُ(٨) القولُ بانعقادِهِ
عُمرةً، وإن كانوا في الصلاةِ قد جزموا بعدم انعقادِها نفلًا؛ فيما إذا عُرفَ أنَّ
الوقتَ لم يَدخلْ؛ لتلاعبِه كما تقدَّمَ.
(١)
في (ح): ((ینشئه)) .
في (ك): ((عندهما)).
(٣)
(٢) في (ك): ((ينوي)).
(٤) ليس في: (ح).
ما بين المعكوفين، ليس في: (ح).
(٥)
(٧)
في (ك): ((تنعقد)).
(٦) الشرح الكبير (٧٨/٧).
(٨) في (ت، ح): ((ينعقد)). وأشار في حاشية (ح) للمثبت أنه في نسخة، ورمز لها بالرمز (ظ).
كمـ

كتابٌ الطهارة
٣٠٥ م
=
وأمَّا على القولِ الراجح أنَّ العمرةَ واجبةٌ، فليسَ يُشبِهُ ذلك القولينِ(١) في
الصلاةِ، وإنَّما يُشَبَّه(٢) أن لو كانت عليه(٣) فائتةٌ، فأحرمَ بالحاضرةِ بالاجتهادِ،
فبانَ أنَّه كان قبلَ دُخولِ الوقتِ، فإنَّه لا يُجزِئه عن الفائتةِ قطعًا، وإن كانت مثلَ
الحاضرةِ (١٧/٢م) بكونِها ظُهرًا مثلًا، لكونِه لم يَنوِ الفائتةَ فينبغِي ألّا يَنعقدَ(٤)
أيضًا عُمرةً، ولكنَّ الحجَّ خرجَ عن قياسِ بقيَّةِ العباداتِ؛ بدليلٍ قصَّةِ الذي أحرمَ
عن شُبرمةً، كما سيأتي في الفائدةِ التي تليها .
■ الثانيةُ والثَّلاثونَ: احتجَّ به لأبي حنيفةَ، والثَّوريِّ، ومالكٍ: أنَّ
الصَّرورةَ(٥) يَصحُّ حُّهُ عن غيرِهِ، ولا يَصحُ عن نفسِه؛ لأنَّه لم يَنوِهِ عن نفسِهِ،
وإنَّما له ما نواه.
وذهبَ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، والأوزاعيُّ: إلى أنَّه لا يَنعقدُ عن
غيرِهِ، ويقعُ ذلك عن نفسِه؛ لما روَى أبو داودَ، وابنُ ماجَه(٦) من حديثِ ابنِ
عباسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِهِ سمِعَ رجلًا يَقولُ: لَبَّيكَ عن شُبرمةَ، فقال: ((أحَجَجْتَ
قطُّ؟)) قال: لا. قال: ((فاجعلْ هذه عن نفسِك(٧)، ثمَّ حُجَّ عن شُبرمةَ)). وهذه
روايةُ ابنِ ماجَه، بإسنادٍ صحيحٍ. وفي روايةٍ أبي داودَ: ((حُجَّ عن نفسِك، ثمَّ حُجّ
عن شُبرمةَ)).
ولك أن تقولَ: ليس فيه تصحيحُ الإحرامِ عن نفسِه، وإنَّما أمَره أن يُنشئَ
الإحرامَ عن نفسِهِ (٨). وقد يُجابُ: بأنَّ الظَّاهرَ أنَّ هذا كان بعدَ مُجاوزةِ الميقاتِ،
(١) في الأصل: ((بالقولين)). وفي (ت): ((القول)).
(٢)
في (ك): ((نشبهه)). وفي (ح، م): ((يشبهه)).
(٣)
بعده في (ح): ((صلاة)).
(٤) في الأصل: ((ينعد)).
الصرورة: الرجل لم يحج قط. الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للأزهري (ص١٨٦)،
(٥)
النهاية في غريب الأثر (٧٥٧/٢).
(٦)
أبو داود (١٨١١)، ابن ماجه (٢٩٠٣).
(٧)
في نسخة مدرجة بين السطرين في (ك)، وفي (ت، ح): ((عنك)).
(٨) قال في حاشية (ح): ((قوله: ولك أن تقول :... )) إلخ. غير مسلّم؛ فإن في رواية
ابن ماجه: ((اجعل هذه عن نفسك)). وفي رواية أبي داود: ((حج عن نفسك)). وهي تفيد =

=
٣٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
فلو لم يَقعِ الإحرامُ المُتقدِّمُ عن فرضِ نفسِه، لأمرَه بالرُّجوع إلى الميقاتِ، أو
بإخراجٍ دمٍ لمجاوزةِ الميقاتِ بغيرِ إحرامٍ صحيحٍ، ولا يَجوزُ تأخيرُ البيانِ عن(١)
وقتِ الحاجةِ، وهذا كُلُّه على تقديرٍ مُجاوزتِه للميقاتِ. وأمَّا الرِّوايةُ التي ذكرَها
أصحابُنا؛ الرافعيُّ، وغيرُه(٢): ((هذه عن نفسِك، ثمَّ حُجَّ عن شُبرمةَ)). فقد رواها
البيهقيُّ(٣)، ولكنَّها ضعيفةٌ، فيها الحسنُ بنُ عُمارةَ، وهو ضعيفٌ.
واستُدِلَّ لأبي حنيفةَ، ومَن وافقَهُ، بما رواه الطَّبرانيُّ، ثمَّ البيهقيُّ(٤) من
طريقِه من حديثِ ابنِ عباسٍ أيضًا، قال: سمعَ النبيُّ وَّ﴿ رجلًا يُلِّي عن نُبيشةَ،
فقال: ((أيُّها المُلِّي عن نُبيشةَ(٥)). (((٢ و٢٦ احجُجْ عن نفسِك)). وهذا ضعيفٌ؛ فيه
الحسنُ بنُ عُمارةَ، وهو متروكٌ.
قال البيهقيُّ(٧): يُقالُ: إنَّ الحسنَ بنَ عُمارةَ كان يَروِيه، ثمَّ رجعَ عنه إلى
الصَّواب.
وقد ذهبَ محمدُ بنُ جريرِ الطَّريُّ إلى أنَّ الصَّرورةَ إذا نوَى الحجَّ عن غيرِهِ
لم يَقعْ عن نفسِه؛ لأنَّه لم يَنْوِهِ عنه، وإنَّما له ما نواه، ويجبُ عليه أن يَنويَ ذلك
عن نفسِه. والله تعالى أعلمُ.
شيئين: إما عدم انعقاد الإحرام الأول، وإنشاء إحرام عن نفسه، وإما جعل هذا الحج
=
عن نفسه)).
(١)
ليست في: (ح).
الشرح الكبير (٣٤/٧)، والحاوي (٢٥٧/٤)، والمجموع (١١٧/٧).
(٢)
(٣)
السنن الكبرى (٣٣٧/٤).
الطبراني، ومن طريقه البيهقي (٣٣٧/٤) عن ابن عباس، بقصة شبرمة لا نبيشة، وأما
(٤)
قصة نبيشة؛ فقد أخرجها البيهقي (٣٣٧/٤) من طريق الدارقطني بسنده، عن ابن عباس،
وهي عند الدارقطني (٢٦٨/٢) ووهمها، وقال أيضًا: المحفوظ عن ابن عباس حديث
شبرمة .
(٥) بعده في مصدر التخريج: ((هذه عن نبيشة)).
(٦ - ٦) ليست في: (م).
(٧) هو قول الدارقطني، حكاه عنه البيهقي (٣٣٧/٤)، وهو عند الدارقطني (٢٦٩/٢).

كتابٌ الطهارة
٣٠٧
=
■ الثالثةُ والثَّلاثونَ: استُدِلَّ به على أنَّه كما يُشترطُ وُجودُ النِّيَّةِ أَوَّلَ
العبادةِ، يُشترطُ استمرارُها حُكمًا إلى آخرِ العبادةِ، حتى لو رفضَ النِّيَّةَ ونوَى قطعَ
العبادةِ بطلتِ العبادةُ، وقد فرَّقَ فيه أصحابُنا بينَ العباداتِ(١)، فجزموا فيما إذا
نوَى الخروجَ من الصلاةِ بالبطلانِ، وكذلك(٢) لو تردَّدَ هل يَخرجُ أو يَستمرُّ
(١٨/٢م) فيها؟ وكذا لو نوَى الخروجَ إذا دخلتِ الرَّكعةُ الثانيةُ مثلًا(٣) بطلت في
الحالِ، وقيلَ: لا تبطلُ في الحالِ، حتى لو رفضَ هذا العزمَ قبلَ دُخولِ الرَّكعةِ
الثانيةِ صحَّت، وكذا لو علَّقَ الخروجَ بدخولِ شخصٍ على الأصحِّ، وقيلَ: لا
تبطلُ في الحالِ، فإن دخلَ وهو ذاكرٌ للتَّعليقِ بطلت، وكذا إن كان ذاهلًا(٤) عنه،
على ما قطعَ به الأكثرونَ.
ولو نوَى الخروجَ من الصَّومِ، فالأظهرُ، كما قال الرافعيُّ، أنَّه لا يَبطلُ(٥)؛
لأنَّه ترٌ وإمساكٌ، ولو تردَّدَ في الخروجِ منه، أو علَّقَهُ بدخولِ شخصٍ [٥١/١و]،
فالَّذِي ذكرَه المُعظمُ، وأشعرَ كلامُهم بنفيٍ الخلافِ فيه، أنَّه لا يَبطلُ، وطرَّدَ
بعضُهم الخلاف فيه.
والأظهرُ في الاعتكافِ أنَّه لا يَفسُدُ بنيَّةِ الخروج منه كالصَّومِ، كما قالَه
الرافعي(٦)، قال: وأفتَى بعضُ المُتأخّرينَ ببطلانِه كالصَّلاةِ، وجزموا في الحجِّ
والعمرةِ أنَّه لا تُفسدُهما(٧) نيَّةُ الخروج منه، كما ذكرَه الرافعيُّ في أثناءِ تعليلٍ ذكرَه.
وهكذا الوضوءُ والغسلُ لا يُفسدُهما نيَّةُ قطعِه، ما لم يَطلِ الفصلُ، بحيثُ
يُعلَمُ الإعراضُ عنه. وسوَّى أبو حنيفةَ في ذلك بينَ الحجِّ، والعمرةِ، والصَّومِ،
والاعتكافٍ، والصَّلاةِ، فلم يَرَ قَطعَ النَّّةِ مُفسِدًا لشيءٍ من ذلك.
] الرابعةُ والثَّلاثونَ: استَدَلَّ به مَن اشترطَ النِّيَّةَ في أركانِ الحجِّ؛ من
الطّوافِ، والسَّعي، والوقوفِ، والحلقِ، وهو وجهٌ حكاه صاحبُ ((التتمَّةِ)) في
(١)
في (ك): ((العبادة)).
(٣)
ليست في: (ك).
(٥) في (ح): ((تبطل))، وينظر: الشرح الكبير (٤٣٥/٦).
(٦) الشرح الكبير (٤٩١/٦).
(٢) في (ك): ((وكذا)).
(٤) في الأصل، (ك): ((داخلًا)).
(٧) في (ك، ح): ((يفسدهما)).

=
٣٠٨
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
جميع الأركانِ المذكورةِ، والخلافُ في الطّوافِ أشهرُ منه في بقيَّةِ الأركانِ، لكونِه
صلاةً .
ولم يَشترطِ الجمهورُ النِّيَّةَ في شيءٍ من ذلك، مُجيبينَ عن ذلك بأنَّ نيَّةَ
الإحرامِ شاملةٌ لهذه الأركانِ، فلا تَحتاجُ إلى نيَّةٍ أُخرَى كأركانِ الصلاةِ، إلَّا أنَّهم
قالوا: يُشترَطُ ألّا تَعرِضَ في الطّوافِ نيَّةٌ أُخرَى صارفٌ؛ كطلبٍ غريم مثلًا، فإنَّه
لا يَصُّ؛ كنيَّةِ التبريدِ(١) العارضةِ بعدَ نيَّةِ الطَّهارةِ، ولم يَشترطوا في الوقوفِ(٢)
عدمَ النِّيَّةِ الصَّارفةِ كطلبٍ الغريمِ مثلًا، بل جزموا فيه بالإجزاءِ، إلَّا ما حكيناه عن
صاحبٍ ((التتمَّةِ)) من جريانِ الخلافِ فيه، بل قالوا: لو مرَّت به الدَّابَّةُ بعرفةَ، وهو
نائمٌ ولم يَشعرْ: صحَّ وُقوقُهُ، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الخامسةُ والثَّلاثونَ: كما اشترطوا النِّيَّةَ في العبادةِ، اشترطوا في
تعاطِي ما هو مُباحٌ في نفسِ الأمرِ، ألّا يَكونَ معَهُ نيَّةٌ تقتضِي تحريمَهُ؛ كمن جامعَ
امرأتَهُ أو أمتَهُ، ظانًّا أنَّها أجنبيّةٌ، أو شرِبَ شرابًا مُباحًا، وهو ظانٌّ أنَّه خمرٌ، أو
أقدمَ على استعمالِ ملكِه، (١٩/٢م) ظانًّا أنَّه لأجنبيٍّ، ونحو ذلك، فإنَّه يَحرمُ عليه
تعاطِي ذلك، اعتبارًا بنيَّتِه وإن كان مُباحًا له في نفسِ الأمرِ، غيرَ أنَّ ذلك لا
يُوجبُ حدًّا ولا ضمانًا، لعدم التعدِّي في نفسِ الأمرِ، بل زادَ بعضُهم على هذا
بأنَّه لو تعاطَى شُربَ الماءِ، وهو يَعلمُ أنَّه ماءٌ، ولكن على صُورةِ استعمالٍ
الحرامِ؛ كشربِه في آنيةِ الخمرِ في صُورةٍ مجلسِ الشَّرابِ صارَ حرامًا لتشبُّهِه
بالشَّربةِ، وإن كانتِ النَّّةُ لا يُتصوَّرُ وُقوعُها على الحرامِ مع العلمِ بحلِّه، ونحوِه لو
جامعَ أهلَه، وهو في ذهنِهِ مُجامعةُ مَن تحرمُ عليه، وصُوِّرَ في ذهنِهِ أنَّه يُجامعُ تلكَ
الصُّورَ المُحرَّمةَ، فإنَّه يَحرمُ عليه ذلك، وكُلُّ ذلك لتشبُّهِه بصورةِ الحرامِ، واللهُ
تعالى أعلمُ.
(١) في (ح): ((التبرد)).
(٢) في (ك): ((الطواف)).

كتابٌ الطهارة
٣٠٩
] السادسةُ والثَّلاثونَ: استَدَلَّ به أصحابُنا (١) على تخصيصٍ الألفاظِ
بالنَّّةِ في الزَّمانِ والمكانِ، وإن لم يَكنْ في اللَّفِظِ ما يَقتضِي ذلك؛ كمن حلفَ لا
يَدخلُ دارَ فُلانٍ مثلًا، وأرادَ في شهرٍ كذا أو سنةَ كذا، أو حلفَ لا يُكلِّمُ فُلانًا
مثلًا، وأرادَ كلامَه بالقاهرةِ مثلًا دُونَ غيرِها، ونحو ذلك، فإنَّ له ما نواه، ولا
كفَّارةَ عليه لو خالَف ظاهرَ اللَّفِظِ مع موافقةِ النَّّةِ. والله تعالى أعلمُ.
] السابعةُ والثَّلاثونَ: استَدَلَّ به أصحابُنا على اشتراطِ النِّيَّةِ في الكناياتِ
التي يَنعقدُ بها البيعُ، والكنايةِ في الطَّلاقِ، وذلك لأنَّ اللَّفظَ ليس صريحًا في ذلك،
فَتُشترطُ(٢) النِّيَّةُ لإرادةِ ذلك المعنَى، إذ الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، فلو أرادَ غيرَ ذلك
المعنَى، أو لم يُردْ شيئًا لم يَصحَّ البيعُ، ولم يَقع الطَّلاقُ، والله تعالى أعلمُ.
■ الثامنةُ والثَّلاثونَ: قال الخطَّابيُّ(٣): فيه دليلٌ على أنَّ المُطلِّقَ إذا
طلَّقَ بصريح لفظِ الظَّلاقِ ونوَى عددًا من أعدادِ الطَّلاقِ؛ كمن قال لامرأتِه: أنتِ
طالقٌ. ونوَى ثلاثًا، كان ما نواه من العددِ واقعًا(٤)؛ واحدةً، أو اثنتينٍ، أو
ثلاثًا، وإليه ذهبَ الشافعيُّ [٥١/١ظ]، ومالكٌ، وإسحاقُ، وأبُو عُبيدٍ.
وقال أصحابُ الرأيٍ: هي واحدةٌ، وهو أحقُّ بها، وكذلك قال: سفيانُ
الثوريُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلَ.
■ التاسعةُ والثَّلاثونَ: فيه حُبَّةٌ على أهلِ الرأيِ في قولِهم في الكنايةِ
في الطَّلاقِ؛ كقولِه: أنتِ بائنٌ. أنَّه إن نوَى ثنتينٍ(٥) فهيَ واحدةٌ بائنةٌ؛ لكونِها
كلمةٌ(٦) واحدةً، وإن نوَى الطَّلاقَ ولم يَنوِ عددًا، فهيَ واحدةٌ(٧) بائنةٌ أيضًا،
والحديثُ حُجَّةٌ عليهم.
وذهبَ الشافعيُّ، والجمهورُ إلى أنَّه إن نوَى اثنتينٍ فهو كذلكَ، وإن لم يَنوِ
عددًا فهيَ واحدةٌ رجعيَّةٌ، قال الخطَّابيُّ(٨): وهذا أشبَهُ بمعنَى (٢/ ٢٠م) الحديثِ
وأولَى به، والله تعالى أعلمُ.
في (ح): ((بعض أصحابنا)).
(١)
(٣)
معالم السُّنن (٢٤٤/٣).
(٥)
في (ح): ((تبين)). وفي (م): ((إثنتين).
ليس في: (ك).
(٧)
(٢) في (ح): ((فيشترط)).
(٤) ليس في: (ك).
(٦) في (ك): ((حكمه)).
(٨) معالم السُّنن (٢٤٤/٣).

٣١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الفائدةُ الأربعونَ: استَدَلَّ به أصحابُنا على أنَّه لو أقرَّ لزيدٍ بشيءٍ
مُجْمَلٍ؛ كقولِه: له عليَّ شيءٍ، أَنَّه يَرجعُ إلى نَيَّتِهِ (١)، ما أرادَ بذلك، وأنَّه يُقبلُ
منه تفسيرهُ بأقلَّ ما يتموَّلُ؛ لأنَّ اللَّفظَ مُحتملٌ، وهو أعلمُ بما نواه، وكذا لو فسَّرَهُ
بما ليس بمالٍ ممَّا يَجوزُ اقتناؤُهُ؛ كالكلبِ المُعلَّم على الأصحِّ، وكذا حقُّ
الشُّفعةِ، وحدُّ القذفِ على الصحيح(٢) أيضًا، بخلافِ ردِّ السلام والعيادةِ(٣).
وأمَّا إذا قال: له عليَّ مالٌ، فإنَّه يُقبلُ منه تفسيرُه بأقلِّ مُتمَوَّلٍ، دُونَ الكلبِ
المُعلَّمِ ونحوِه، ويُقبلُ منه تفسيرُه بالمُستولدةِ على الأصحِّ، على ما هو معروفٌ في
كُتبِ الفقهِ، وذلكَ لأنَّ له ما نواه، ممَّا يَحتملُه اللَّفظُ، واللهُ أعلمُ.
■ الحادية والأربعونَ: فيه ردٌّ على المُرجئةِ في قولِهم: الإيمانُ إقرارٌ
باللِّسانِ دُونَ الاعتقادِ بالقلبِ. وقد أوردَه البخاريُّ في آخرِ الإيمانِ؛ مُحتجًا
عليهم بذلك، وما ذهبَ إليه المُرجئةُ مردودٌ بالنُّصوصِ القاطعةِ، والإجماعِ على
أنَّ المُنافقينَ في الدَّركِ الأسفلِ من النارِ .
ا الثانيةُ والأربعونَ: استدلَّ به البخاريُّ على أنَّه لا يُؤآخذُ الناسِي
والمُخطئُ في الطَّلاقِ والعتاقِ ونحوِهما؛ لأنَّه لا نيَّةَ لناسٍ ولا مُخطئٍ(٤)، وهو
كذلك.
■ الثالثةُ والأربعونَ: فيه حُجَّةٌ على بعضِ المالكيَّةِ: مِن أَنَّهم لا
يُدِيِّنُونَ(٥) مَن سبقَ لسانُه إلى (٦) كلمةِ الكفرِ إذا اذَّعَى ذلك، وخالفَهم الجمهورُ،
ويدلُّ لذلكَ ما رواه مُسلمٌ في ((صحيحِه))(٧) (٨) من حديث٨ٍ) (٩ أنسٍ بنِ مالك٩ٍ)، في
(١)
في (ك، ت): ((نية)).
(٢) في (ح): ((الأصح)).
(٣)
في (ك): ((والعبادة)».
كتاب العتق (١٦٠/٥): باب الخطأ والنسيان فى العتاقة والطلاق ونحوها، ولا عتاقة إلا
(٤)
لوجه الله تعالى، ولانية للناسي والمخطئ.
(٥) الضبط من: الأصل، (ك).
(٦) في (ك): ((على)).
(٧) مسلم (٧/٢٧٤٧).
(٨ - ٨) ليس في: (ح).
(٩ - ٩) مكانه بياض في الأصل بمقدار كلمتين. وليس في: (ك، ح).

=
٣١
كتابُ الطهارة
قصَّةِ الرجلِ الذي ضلَّت(١) راحلتُه، ثمَّ وجدَها، فقال من شدَّةِ الفرح: ((اللَّهُمَّ
أنتَ عبدِي، وأنا ربُّك)). قال النبيُّ ◌َّهِ: ((أخطأ من شدَّةِ الفرحِ)).
والذي جرَت به عادةُ الحكّام الحذَّاقِ منهم اعتبارُ حالِ الواقعِ منه ذلك،
فإن تكرَّرَ منه ذلك، وعُرِفَ منه وُقَوعُه في المُخالفاتِ، وقلَّةِ المُبالَاتِ بأمرٍ(٢)
الدِّينِ، لم يَلتَفِتُوا إلى دَعواه، ومَن وقعَ منه ذلك فلتةً، وعُرِفَ بالصِّيانةِ والتَّحفُّظِ،
قبِلوا قولَه في ذلك، وهو توسُّطٌ حسنٌّ. والله تعالى أعلمُ.
■ الرابعةُ والأربعونَ: فيه حُجَّةٌ لمالكٍ ومَن وافقَه في إسقاطِ الحِيَلِ؛
كمن ملَّكَ ولدَه أو غيرَه مالًا له قبلَ الحولِ، أو باعَه، أو أتلفَه، أو بادلَ به،
فرارًا من الزّكاةِ، أو باعَ بالعِينةِ المشهورةِ، أو تزوَّجَ المرأةَ، ليحلَّها لزوجِها، وإن
لم يَشترطُ(٣) ذلك في نفسِ العقدِ، أو ملَّكَ الدَّارَ لغيرِ الشريكِ، لإسقاطِ الشُّفعةِ،
أو أوقعَ عقدَ الدَّارِ التي فيها الشُّفعةُ بثمنٍ فيه ما تُجهلُ(٤) قيمتُه كفصٍّ ونحوِهِ،
(٢١/٢م) أو زادَ في ثمنِها، وعوَّضَه عن (٥) عشرةِ آلافٍ مثلًا دينارًا(٦)، ونحوُ ذلك
من الحيلِ المُسقطةِ للحقوقِ، أو المُوقعةِ في المناهِي، وإنَّما يُخادَعُ بالنِّيَّاتِ مَن لا
يَطَّلُ عليها .
وفي الحديثِ الصحيحِ الذي أخرجه البخاريُّ في ((صحيحِه)) (٧) من حديثٍ
أنسٍ: أنَّ أبا بكرٍ كتبَ له فريضةَ الصَّدقةِ، التي فرضَ رسولُ اللهِ وَّرَ: ((لا (٨يُجمَعُ
بينَ مُتفرِّقٍ، ولا يُفرَّق٨ُ) بينَ مُجتمع خشيةَ الصَّدقةِ)). وقال في الحديثِ الصحيحِ:
(يُبعثونَ على نِيَّاتِهم)) (٩)، والذي نَصَّ عليه الشافعيُّ، وقطعَ به جمهورُ أصحابِهِ:
كراهةُ إزالةِ ملكِه للفرارِ من الزَّكاةِ، [١/ ٥٢و] كراهةَ تنزِيهِ، وجعلَ بعضُ أصحابٍ
الشافعيِّ الكراهةَ للتَّحريم؛ كقولِ مالكٍ، وعليه يدلُّ كلامُ الغزّاليِّ في قوله:
في (ك): («أضلت)).
(١)
في (ك): ((يشرط)).
(٣)
لیست في: (ح).
(٥)
البخاري (١٣٨٢).
(٧)
(٩) البخاري (٢٠١٢)، مسلم (٢٨٨٣).
(٢) في (ح): ((بقلة)).
(٤) في (ح): ((يجهل)).
(٦) في (م): ((دينارًا مثلًا)).
(٨ - ٨) في (ك): ((تجمع بين مفترق ولا تفرق)).

=
5
٣١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أَثِمَ(١). وكذلك عندَهم البيعُ بالعِينةِ، والاستحلالُ إذا لم يُشترَطُ (٢) في العقدِ،
والتَّحيُّلُ (٣) لإسقاطِ الشُّفعةِ مَحمولٌ على الكراهةِ، لا على التحريم، والحديثُ
حُجَّةٌ لمن قال بالتَّحريمِ، واللهُ أعلمُ.
ورأيتُ في كلامِ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ ممَّن صنَّفَ في الألغازِ: أنَّ الحيلَ
ليس فيها مُنافاةٌ للشَّريعةِ، بل قد وردَ الشرعُ بتعاطِي الحيلِ؛ كقولِه تعالَى: ﴿وَخُذْ
بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. فما كان من الحيلِ هكذا؛ ليس فيه
إسقاطُ حقِّ لمستحقٌّ له، فهو حسنٌ مشروعٌ، وما أدَّى من الحيلِ إلى إسقاطِ حقِّ
الغیرِ (٤)، فهو مذمومٌ منھیُّ عنه.
■ الخامسةُ والأربعونَ: فيه أنَّه لا تصحُّ(٥) العبادةُ من المجنونٍ؛ لأنَّه
ليس من أهلِ النَّّةِ؛ كالصَّلاةِ، والصَّوم، والاعتكافِ، والحجِّ، والنَّذرِ، وغيرِها،
ولا عُقودُه كالبيعِ، والهبةٍ، والنِّكاحِ، وكذلك لا يَصحُ منه الطَّلاقُ، والظُّهارُ،
واللِّعانُ، والإيلاءُ. ولا يَجبُ عليه القَوَدُ، ولا الحدودُ (٦)، وهو كذلكَ.
نعم إن كان زوالُ عقلِه بمحرَّم كالسَّكرانِ: وجبَ عليه القَودُ والحدُّ(٧)،
ووقعَ خلافُه تغليظًا عليه، وذلكَ معروفٌ في مواضعِه من كُتبِ الفقهِ.
■ السادسةُ والأربعونَ: استُدِلَّ به على أنَّه لا يَجبُ القَوَدُ في شبهِ
العمدِ؛ لأنَّه لم يَنوِ قتلَه، وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفةً، وصاحبيهِ، وأحمدَ،
وإسحاقَ(٨)، إلّا أنَّهم اختلفوا في الدِّيةِ: فجعلَها الشافعيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ
أثلاثًا، وجعلَها الباقونَ أرباعًا، وجعلها أبو ثورٍ أخماسًا، وأنكرَ مالكٌ شبهَ
العمدِ، وقال: ليس في كتابِ اللهِ إلَّ الخطأُ والعمدُ، فأمَّا شبهُ العمدِ، فلا نعرفُه.
واستدلَّ الشافعيُّ والجمهورُ، بما رواه أبو داودَ(٩) من حديثٍ
(١) الوسيط (٤٣٥/٢).
في (ك، ح): ((التحليل)).
(٣)
(٥)
في (ح): ((یصح)).
(٧)
في (ك): ((الحدود)).
(٩) سنن أبي داود (٤٥٤٧).
(٢) في (ح): ((بشرط)).
(٤) في (ك): ((العين)).
(٦) في (ك): ((الحد)).
(٨) ينظر: الإشراف (٣٦١/٧).

كتابُ الطهارة
٣١٣
=
عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، مرفوعًا: «ألا (٢٢/٢م) إنَّ ديةَ الخطأِ شبهَ العمدِ، ما كان
بالسَّوطِ والعصا (١)، مائةٌ من الإبلِ))(٢) الحديثَ.
■ السابعةُ والأربعونَ: قولُه: ((فمَن كانت هجرتُه)) إلى آخرِهِ.
الهِجرةُ بكسرٍ الهاءِ، فِعْلَةٌ من الهجْرِ، وهو ضدُّ الوصلِ، ثمَّ غلبَ ذلك على
الخروجِ من أرضٍ إلى أرضٍ، وتركِ الأولَى للثّانيةِ، قالَه صاحبُ ((النِّهايةِ))(٣).
وقال ابنُ دقيقِ العيدِ (٤): الهجرةُ تقعُ على أُمورٍ؛ الهجرةُ الأولَى إلى أرضٍ
الحبشةِ، الثانيةُ: من مكَّةَ إلى المدينةِ، الثالثةُ: هجرةُ القبائلِ إلى رسولِ اللهِ وَّل،
الرابعةُ: هجرةُ مَن أسلمَ من أهلِ مَّةَ، الخامسةُ: هجرةُ ما نَهَى اللهُ عنه، قال:
ومعنَى الحديثِ وحُكمُه يَتناولُ الجميعَ، غيرَ أنَّ السَّبَ يَقتضِي أنَّ المُرادَ بالحديثِ
الهجرةُ من مَّةَ إلى المدينةِ؛ لأنَّهم نقلوا أنَّ رجلًا هاجرَ من مكَّةَ إلى المدينةِ
ليتزوَّجَ امرأةً، تُسمَّى أُمَّ قِيسٍ، فَسُمِّيَ: مُهاجرَ أُمِّ قيسٍ.
قُلتُ: بقيَ عليه من أقسامِ الهجرةِ ثلاثةُ أقسامٍ، وهي: الهجرةُ الثانيةُ إلى
أرضِ الحبشةِ، فإنَّهم هاجروا إلى الحبشةِ مرَّتينٍ، كما هو معروفٌ في السِّيرِ (٥)،
ولا يُقالُ: كلاهما هجرةٌ إلى الحبشةِ، فاكتفَى بذكرِ الهجرةِ إليها مرَّةً، فإنَّه قد عدَّدَ
الهجرةَ إلى المدينةِ في الأقسامِ لتعدُّدِها.
والهجرةُ الثانيةُ: هجرةُ مَن كان مُقيمًا ببلادِ الكفرِ، ولا يَقدرُ على إظهارِ
الدِّينِ، فإِنَّه يَجبُ عليه أن يُهاجرَ إلى بلادِ الإسلامِ، كما صرَّحَ به أصحابنا (٦).
والهجرةُ الثالثةُ: الهجرةُ إلى الشامِ في آخرِ الزَّمانِ، عندَ ظُهورِ الفتنِ، كما
رواه أبو داودَ(٧) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَهه
(١)
ليس في: (ك).
في حاشية (ك): ((منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها)).
(٢)
(٣)
النهاية (٢٤٤/٥).
(٤) إحكام الأحكام (ص٦٦).
(٥) انظر: سبل الهدى والرشاد (٣٨٩/٢)، والسيرة الحلبية (٤٨٤/١)، والقول المبين
(١٤٣/١).
(٦) ينظر: الحاوي (١٠٤/١٤).
(٧) أبو داود (٢٤٨٢).

٣١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يَقولُ: ((ستكونُ هجرةٌ بعدَ هجرةٍ؛ فخيارُ أهلِ الأرضِ ألزمُهم مُهاجرَ إبراهيمَ،
ويبقَى في الأرضِ شرارُ أهلِها)) الحديثَ، ورواه أحمدُ في ((مسندِه)) (١) فجعلَه من
حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ.
قال صاحبُ ((النِّهايةِ))(٢): يُريدُ به الشامَ؛ لأنَّ إبراهيمَ لمَّا خرجَ من العراقِ
مضَى إلى الشامِ، وأقامَ به. انتَهَى.
وروى أبو داودَ(٣) أيضًا من حديثٍ أبي الذَّرداءِ: أنَّ رسولَ الله،
[٥٢/١ ظ] وَّلَه، قال: ((إنَّ فُسطاطَ المُسلمينَ يَومَ الملحمةِ بالغوطةِ إلى جانبٍ مدينةٍ
يُقالُ لها: دِمَشقُ، من خيرِ مدائنِ الشامِ)). فهذه ثمانيةُ أقسامٍ للهجرةِ.
■ الثامنةُ والأربعونَ: اختلفتِ الأحاديثُ الواردةُ في الهجرةِ؛ هل
انقطعت بفتحِ مَّةً، أم هي باقيةٌ؟
ففِي ((الصحيحين)) (٤) من حديث ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَل ت: ((لا
هجرةَ بعدَ الفتحِ، ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا استُنفِرْتم فانفِرُوا)). وروَى البخاريُّ(٥) عن
ابنِ عمرَ قولَه: ((لا هجرةَ بعدَ الفتح)). وفي (٢٣/٢م) روايةٍ له(٦): ((لا هجرةَ اليومَ،
أو بعدَ رسولِ اللهِ پآ) .
وروَى البخاريُّ أيضًا(٧): أنَّ عُبيدَ بنَ عُميرٍ سألَ عائشةَ عن الهجرةِ؟
فقالت: لا هجرةَ اليومَ، كان المؤمنونَ يَفرُّ أحدُهم بدينِهِ إلى اللهِ وإلى رسولِه؛
مخافةَ أن يُفتنَ عليه، فأمَّا اليومَ فقد أظهَر اللهُ الإسلامَ، والمؤمنُ يَعبدُ ربَّهُ حيثُ
شاءَ، ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ.
وروَى البخاريُّ، ومُسلمٌ(٨) أيضًا، عن مُجاشعِ بنِ مسعودٍ، قال: انطلقتُ
بأبِي(٩) معبدٍ إلى النبيِّ وَّ؛ ليبايعَهُ على الهجرةِ، فقال: ((مضتِ الهجرةُ لأهلِها،
(١) أحمد (٨٤/٢)، وهو عنده من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا في (١٩٨/٢، ٢٠٩).
(٢)
النهاية (٢٤٤/٥).
(٣) أبو داود (٤٢٩٨).
(٤)
البخاري (١٧٣٧، ٢٦٣١، ٢٦٧٠، ٢٩١٢، ٣٠١٧)، ومسلم (٨٥/١٣٥٣).
(٥)
البخاري (٣٦٨٦، ٤٠٥٧).
(٦) البخاري (٤٠٥٦).
(٧)
البخاري (٤٠٥٨).
(٩) في (ك): ((بأخي)).
(٨) البخاري (٤٠٥٥)، مسلم (٨٤/١٨٦٣).