Indexed OCR Text

Pages 121-140

قال أبو جعفر: فعقلنا بذلك أن اختلافَ عُمَرَ وهشامٍ في قراءة
هذه السورةِ حتى قال لهما رسولُ الله وَلِّ مِن أجل اختلافهما ما قاله
لهما مما ذُكِرَ في هذا الحديثِ، وأن ذلك إنما كان من الألفاظ التي
قرأها بها كُلَّ واحدٍ منهما مما يُخالِفُ الألفاظَ التي قرأها بها الآخر
منهما .
وعقلنا بذلك أن السبعة الأحرفَ التي أعلمهما أن القرآن نزل بها
هي الأحرفُ التي لا تختلِفُ في أمر، ولا في نهيٍ ، ولا في حلالٍ،
ولا في حرامٍ ، كمثل قول الرجل للرجل: أُقْبِلْ، وقوله له: تَعالَ، وقوله
له: ادْنُ، وانتفى بذلك القولان اللذان بدأنا بذكرهما في هذا الباب.
ومثلُ ذلك ما قد رُوِيَ عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه، عن النبيِّ
في هذا المعنى.
٣١١١ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ بكرِ
السَّهميُّ، قال: حدثنا حُمَيْدٌ الطويلُ
عن أنس بن مالك، عن أبيِّ بنِ كعبٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ما
حَكَّ في نفسي منذ أسلمتُ شيءٌ، إلا أني قرأتُ آيَةٌ وقرأها غيري،
فقلت: أقرأنيها رسولُ الله ◌ََِّ، وقال صاحبي: أقرأنيها رسولُ الله ◌َِتِ،
فأتيناه، فقلت: يا رسولَ الله أقرأتني آيةً كذا، قال: ((نعم))، وقال
صاحبي: أقرأتنيها هكذا، قال: ((نعم، أتاني جبريلُ وميكائيلُ صلى الله
عليهما، فجَلَسَ جبريلُ عن يميني، وجلسَ ميكائيلُ عن يساري، فقال:
اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزدْه، فقال: اقرأ القرآن على
- ١٢١ -

حرفين، حتَّى بلغ سبعةً أحرفٍ، وكُلُّ كافٍ شافٍ))(١).
٣١١٢ - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكَيْساني، قال: حدثنا
الخَصيب بنُ ناصحِ الحارثيُّ، قال: حدثنا هَمَّامُ بنُ يحيى، عن قتادة،
عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن سُليمانَ بن صُرَدَ، أن أبي بن كعب قال
٣١١٣ - وكما حدثنا ابنُ أبي داود،، قال: حدثنا هُدْبَةُ بنُ خالدٍ،
قال: حدثنا هَمَّامٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن يحيى بن يَعْمَرَ
عن سليمانَ بنِ صُرَدَ، عن أَبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قرأ أُبيِّ آيَةً، وقرأ
ابنُ مسعودٍ خلافَهاَ، وقرأ رجلٌ آخرُ خلافَها، فأتينا النبيَّ بَّ، فقلت
له: أَلَمْ تَقْرَأْ آيَةً كذا وكذا، كذا وكذا؟ وقال ابنُ مسعود: ألم تقرأ آية
كذا وكذا، كذا وكذا؟ فقال رسول الله وَلَّه: ((كُلَّكُمْ مُحسِنٌ مُجْمِلٌ))
قال: قُلْنا: ما كلنا أحسنَ ولا أَجْمَلَ، قال: فضرب صدري، وقال:
(يا أُبِيُّ أقرئتُ القرآنَ، فقلتُ: على حرف، أو على حرفين؟ فقال لي
المَلَكُ الذي عندي: على حرفين، فقلتُ: على حرفين؟ فقال لي:
على حرفين أو على ثلاثةٍ، فقال لي المَلَكُ الذي معي: على ثلاثةٍ،
فقلتُ: على ثلاثةٍ، هكذا حتى بلغ سبعة أحرفٍ ليس منها إلا شافٍ
كافٍ، قلت: غفوراً رحيماً، أو قلت: سميعاً حكيماً، أو قلت: عليماً
حكيماً، أو قلت: عزيزاً حكيماً، أيّ ذلك قلت، فإنه كذلك)).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه أحمد ١٢٢/٥، وابن أبي شيبة ٥١٧/١٠، والنسائي ٥٤/٢، وفي
((فضائل القرآن)) (١١)، وابن حبان (٧٣٧)، والطبري (٢٦) و(٢٧) من طرق عن
حميد الطويل، بهذا الإِسناد.
- ١٢٢ -
٠

وزاد سليمان في حديثه: ((ما لم يختم عذاب برحمة أو رحمة
بعذاب))(١) .
٣١١٤ - وكما حدثنا فهدٌ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ موسى ابن
بنت السُّدِّي، قال: حدثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ
عن سُليمانَ بن صُرَدَ يرفعه إلى النبيِّي وََّ، قال: ((أتاني مَلَكَانٍ،
فقال أَحَدُهُمَا: أَقَرِئه على حرفٍ، فقال: على حرفٍ؟ قال: زِدْه،
فانتهى بي إلى سبعة أحرف))(٢).
٣١١٥ - وما قد حَدَّثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حدثنا أبو
(١) إسناده صحيح على شرطهما.
ورواه أحمد ١٢٤/٥ عن عبد الرحمن بن مهدي وبهز، وعبدُ الله ابنه عن
هدبة بن خالد، وأبو داود (١٤٧٧) عن أبي الوليد الطيالسي، أربعتهم عن همام بن
یحیی، بهذا الإِسناد.
(٢) حسن لغيره.
ورواه الطبري (٢١) عن إسماعيل بن موسى السدي، عن شريك، بهذا
الإِسناد.
ورواه عبد الله بن أحمد ١٢٥/٥ عن محمد بن جعفر الوركاني، عن شريك،
عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب، رفعه.
ورواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٧١) عن عبد الرحمن بن محمد بن
سلام، عن إسحاق الأزرق، عن العوام بن حوشب، عن أبي إسحاق، عن
سليمان بن صرد، قال: أتى أبيُّ بن كعب رسولَ الله وَّه برجلين اختلفا في
القراءة ... ورواه أيضاً (٦٧٠) عن أبي داود، حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني
أبو إسحاق الهمداني، عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب ....
- ١٢٣ -

نصر التّمَّارُ، قال: حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عمرو، عن زيدٍ - وهو ابنُ أبي
أُنَيْسَّةً -، عن أبي إسحاق
عن سُليمان بن صُرَدَ، قال: أتى محمداً ﴿ الملكانِ، ثم ذكر
نحوه(١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ ما قد دَلَّ على أن السبعةَ
الأحرف هي السبعةُ التي ذكرنا، وأنها مما لا يختلف معانيها، وإن
اختلفت الألفاظ التي يُتَلَفَّظُ بها، وأن ذلك كان توسعةً من الله عز وجل
عليهم لضرورتهم إلى ذلك، وحاجتهم إليه، وإن كان الذي نزل على
النبيِّ وََّ إنما نزل بألفاظٍ واحدةٍ.
ومن ذلك ما قد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما مما قد
حمله ابنُ شهاب على المعنى الذي حملناه نحن عليه.
٣١١٦ - حدثنا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شهابٍ، قال: حدثني عُبَيْدُ الله بنُ عبد الله
أن ابنَ عباسٍ رَضِيَ الله عنهما حدثه أن رسولَ اللهِ وَلَه قال:
((أقرأني جبريلُ بََّ على حرفٍ واحد، فراجعتُه، فلم أزل أستزيده،
فيزيدني حتّى انتهى إلى سبعة أحرفٍ)).
قال ابنُ شهاب: بلغني أن تلك السبعةَ الأحرف إنما تكونُ في
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي نصر التمار - واسمه عبدُ الملك بن عبد
العزيز- فمن رجال مسلم.
- ١٢٤ -

الأمر الذي يكونُ واحداً لا يختلِفُ في حلالٍ ولا حرامٍ(١).
قال أبو جعفرٍ: وكانت هذه السبعةُ للناس في هذه الحروفِ في
عجزهم عن أخذ القرآن على غيرها مما لا يقدرون عليه لما قد تَقَدَّمَ
ذكرُنَا له في هذا الباب، وكانوا على ذلك حتى كَثُرَ من يكتب منهم،
وحتى عادت لغاتُهم إلى لسانِ رسول الله ◌ِ وََّ، فَقَوُوا بذلك على تَحَفَّظِ
القرآن بألفاظه التي نزل بها، فلم يَسَعْهُمْ حينئذٍ أن يقرؤوه بخلافها،
وبان بما ذكرنا أن تلكَ السبعة الأحرف، إنما كانت في وقتٍ خاص
لضرورةٍ دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورةُ، فارتفع حكمُ هذه
السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرفٍ واحدٍ.
وقد روي من حديث أبيٍّ في المعنى الذي ذكرنا ما فيه زيادة على
حديثه الذي رويناه قَبلَ هذا.
٣١١٧ - كما حدثنا حسينُ بنُ نصرٍ، قال: حدثنا شَبَابَةُ بن سَوَّار،
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. يونس هو ابنُ عبد الأعلى.
ورواه الطبري (١٩) عن يونس بن عبد الأعلى، بهذا الإسناد.
ورواه مسلم (٨١٩) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، به.
ورواه البخاري (٣٢١٩) عن إسماعيل، عن سليمان بن بلال، عن يونس بن
یزید، به .
ورواه البخاري أيضاً (٤٩٩١) عن سعيد بن عفير، عن الليث، عن عقيل، عن
ابن شهاب، به .
وقول ابن شهاب: ((بلغني أن تلك الأحرف السبعة ... )) هو مرسل غير متصل.
- ١٢٥ -

وعبدُ الرحمن بن زياد، قالا: حدثنا شعبة، عن الحكم ، عن مجاهدٍ،
عن ابنِ أبي ليلى
عن أبيٍّ بن كعب، أن النبيَّ وَّ ◌َ كان على أضاةٍ بني غِفار فأتاه
جبريلُ، فقال: ((إنَّ الله يَأْمُرُكَ أن تَقْرَأَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ على حرفٍ، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: أَسْأَلُ الله معافاتَه ومغفرتَه، إنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ ذُلك،
ثُمَّ رَجَعَ إليه الثانية، فقال: إنَّ الله يأْمُرُكَ أن تَقْرأَ القُرآنَ على حَرْفَيْنِ،
فقال: أسألُ الله معافَاتَه ومغفِرَتَه، إنَّ أُمَّتي لا تُطِيقُ ذلك، ثم أَتَاه
الثالثة، فقال له مثلَ ذُلك، فقال له النبيُّ بَّهِ مِثْلَ ذلك، ثم أتاه
الرابعة، فقال: إنَّ الله يأْمُرُكَ وأُمَّتَكَ أن تقرؤوا القُرآنَ على سَبْعَةٍ
أُخْرُفٍ، كُلَّمَا قَرَؤُوا بها أَصَابُوا))(١).
ورُوي عن أبي بكرة في هذا المعنى أيضاً.
٣١١٨ - وما قد حدَّثنا بكَّارُ بنُ قتيبة، قال: حدثنا عفانُ بنُ
مسلمٍ، قال: حدثنا حماد، قال: أنبأنا عليُّ بنُ زيد، عن عبد
الرحمن بن أبي بكرة
عن أبي بكرة، قال: جاء جبريلُ وَّ إلى النبيِّ وَّه، فقال: ((اقرأ
(١) إسناده صحيح على شرطهما. الحكم: هو ابن عتيبة، وابن أبي ليلى: هو
عبد الرحمن.
ورواه الطيالسي (٥٥٨)، وأحمد ١٢٧/٥-١٢٨، ومسلم (٨٢١)، وأبو داود
(١٤٧٨)، والطبري (٣٥) و(٣٦) من طرق عن شعبة، بهذا الإِسناد.
والأضاة: قال ابن الأثير بوزن الحصاة: الغدير، وجمعها: أَضَى وإِضاء کَاَكَمِ
وإِكّام، وقال البكري: أضاة بني غفار: موضع بالمدينة .
- ١٢٦ -

على حرفٍ، قال: فقالَ ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على حرفين،
فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ إلى سبعة أحرف، فقال: اقرأه، فَكُلِّ
كافٍ شافٍ إلا أن تَخْلِطَ آيَةً رحمةٍ بِآيَةِ عذابٍ، أو آيَةً عذابٍ بآيةٍ
رحمة، على نحو(١): هَلُمَّ وَتَعَالَ وأَقْبِلْ واذْهَبُْ وأَسْرِعْ وعَجِّلْ))(٢).
فدلَّ ما في هذين الحديثين أيضاً على ما قد ذكرناه مما حملنا
وجوهَ هذه الآثار عليه، ومما يدل على عودِ التلاوة إلى حرف قبلهما
واحد بعدما كانت قبلَ ذلك على الأحرف السبعة التي ذكرنا ما قد كان
من أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه من جمعه القرآن واكتتابه فيما كان
اکتتبه فيه .
حدثنا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مالكٌ، عن ابن
شهابٍ، عن سالمٍ وخارِجَةَ
(١) في الأصل: ((على أن نحو)).
(٢) علي بن زيد - وهو ابن جدعان - سيىء الحفظ، وباقي رجاله ثقات رجال
الصحيح .
ورواه أحمد ٥١/٥ عن عفان بن مسلم، بهذا الإِسناد.
ورواه أيضاً ٤١/٥ عن عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، به.
ورواه الطبري (٤٠) و(٤٧) عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن حماد بن
سلمة، به.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٥١/٧ وزاد نسبته للطبراني، وقال: وفيه
علي بن زيد بن جدعان، وهو سيىء الحفظ، وقد توبع، وبقية رجال أحمد رجال
الصحيح .
- ١٢٧ -

أن أبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه كان جَمَعَ القرآنَ في قراطيسَ،
وكان قد سأل زيدَ بنَ ثابت النظرَ في ذلك، فأبى عليه، حتى استعان
عليه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ففعل، فكانت تلك الكُتُبُ عندَ
أبي بكر رضي الله عنه حتى تُوفي، ثم كانت عندَ حفصة زوج النبي
وَل﴿، فأرسل إليها عُثْمَانُ فَأَبَتْ أن تدفعها إليه حتى عاهدَها لَيَرُدَّنَّها
إليها، فبعثت بها إليه، فنسخها عثمانُ رضي الله عنه - هُذه المصاحف -
ثم رَدَّهَا إليها، فلم تزل عندها حتى أرسل مروانُ فأخذها، فحرقها(١).
وكما حدثنا يونسُ، قال: حدثنا نُعَيْمُ بنُ حمَّاد، قال: حدثنا عبدُ
العزيز بن محمد، عن عُمارة بن غَزِيَّةَ، عن ابن شهابٍ، عن خارجة بن
زيد بن ثابت
عن أبيه، قال: لما قُتِلَ أصحابُ رسولِ الله ◌ِّال باليمامة، دخل
عُمَرُ رضي الله عنه على أبي بكر رَضِيَ الله عنه، فقال: إنَّ أصحابَ
رسولِ اللهِ وَّر تهافَتُوا يَوْمَ اليمامة(٢)، وإني أُخْشَى أن لا يشهدوا مَوْطِناً
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن أبي داود في ((المصاحف)) ص١٥-١٦ عن أبي الطاهر، عن ابن
وهب، بهذا الإِسناد.
وانظر ((فتح الباري)) ٢٠/٩ .
(٢) كان ذلك سنة اثنتي عشرة للهجرة، وقد دارت رحى الحرب بين المسلمين
وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب، وكانت معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير
من قراء الصحابة وحفظتهم للقرآن ينتهي عددهم إلى السبعين من أجَلُّهم سالم مولى
أبي حذيفة.
- ١٢٨ -

إلا فعلوا ذلك فيه حتَّى يُقْتلوا، وهُمْ حَمَلَةُ القرآن، فيضيعُ القرآنُ
ويُنسى، فلو جمعتَه وكتبتَه، فَفَرَ منها أبو بكرٍ رضي الله عنه، وقال:
أفعلُ ما لم يفعل رسولُ الله ◌َلِ!
ثم أرسل أبو بكرٍ رضي الله عنه إلى زيد بن ثابت، وعمر مُحْزَئِلٌ،
يعني شبه المتكى، فقال أبو بكر: إن هذا دعاني إلى أمرٍ، فَأَبْتُ
عليه، وأنت كاتبُ الوحي، فإن تكن معه اتبعتكما، وإن توافقني،
لم أفعل ما قال، فاقتصَّ أبو بكرِ قَوْلَ عمر فنفرتُ من ذلك، وقلت:
نفعلُ ما لم يفعلْ رسول اللهِ وَّ! إلى أن قال عُمَرُ رضي الله عنه كلمةً،
قال: وما عليكما لو فعلتُما (١)، فأمرني أبو بكر رضي الله عنه، فكتبتُهُ
في قِطع الْأَدَم، وكِسَر الأكتافِ، والعُسُب . - قال الشيخ: يعني
الجرید -.
فلما هلك أبو بكر وكان عُمَرُ قد كتب ذلك كُلَّه في صحيفة
واحدة، فكانت عنده، فلما هَلَكَ كانت عند حفصة.
(١) قال الإِمامُ أبو بكر الباقلاني: كان الذي فعله أبو بكر من ذلك فرض كفاية
بدلالة قولهِ وَم: ((لا تكتبوا عنِّي شيئاً غير القرآن)) مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ علينا جمعه
وقرآنه﴾، وقوله: ﴿إِنَّ هذا لفي الصُّحُفِ الأولى)، وقوله: ﴿رسولٌ من اللهِ يتلو
صُحفاً مُطهّرة﴾ ... فكل أمر يرجع إلى إحصائه وحفظه، فهو واجب على الكفاية،
وكان ذلك من النصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم ... وقد فهم عمر
أن ترك النبي ◌َّ جمعه لا دلالة فيه على المنع، ورجع إليه أبو بكر لما رأى وجه
الإصابة في ذلك، وأنه ليس في المنقول ولا في المعقول ما يُنافيه، وما يترتب من
ترك جمعه مِن ضياع بعضِه، ثم تابعهما زيدُ بن ثابت، وعامةُ الصحابة على تصويب
ذلك.
- ١٢٩ -

ثم إنَّ حذيفة بن اليمان قَدِمَ في غزوةٍ غزاها فرج أرمينية(١)، فلم
يَدْخُلْ بيتَه حتى أتى عثمانَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين أدركِ الناسَ، فقال
عثمانُ: وما ذاك؟ فقال: غزوتُ أرمينيةٍ، فحضرها أهلُ العراق وأهلُ
الشام، وإذا أهلُ الشام يقرؤون بقراءةٍ أَبِيٍّ، فيأتون بما لم يَسْمَعْ أهلُ
العراقِ، فيكفرهم أهل العراق، وإذا أهلُ العراق يقرؤون بقراءة عبد
الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهلُ الشام، فيكفرهم أهلُ الشام.
قال زيد: فأمرني عثمانُ أن أَكْتُبَ له مصحفاً، وقال: إني جاعلٌ
معك رجلاً لبيباً فصيحاً، فما اجتمعتُما فيه، فاكتُبَاه، وما اختلفتُما فيه،
فارفعاه إليَّ، فجعل معه أبانَ بنَ سعيد بن العاص، فلما بلغ: ﴿إِنَّ آيَةَ
مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، قال زيد: فقلتُ أنا: التابوهُ،
وقال أبانُ: التابوتُ، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب ((التابوت)) ثم
عرضته، يعني المصحف عرضةً أخرى، فلم أجد فيه شيئاً، وأرسل
عثمانُ إلى حفصة أن تُعْطِيَهُ الصحيفة وحلف لها: لَيُردَّنَّها إليها،
فأعطته، فعرضت المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء، فردَّها
عليها، وطابت نفسُه، وأَمَرَ الناسَ أن يكتبوا المصاحفَ(٢).
(١) يعني ثغرها، وأرمينية: هي جبال وأنجاد في آسيا الصغرى جنوب القفقاز
بين أنجاد إيران شرقاً والأناضول غرباً، وبين بحر قزوين ومسيل الفرات الأعلى.
(٢) حديث صحيح. نعيم بن حماد، وإن كان في حفظه شيء، قد توبع، ومن
فوقه ثقات من رجال الصحيح.
ورواه الطبراني (٤٨٤٤) عن أحمد بن محمد الشافعي، عن عمه إبراهيم بن
محمد، حدثنا عبد العزيزبن محمد الدراوردي، بهذا الإِسناد.
- ١٣٠ -
=

قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أن جَمْعَ القرآنِ كان من أبي
بكر وعمر رضي الله عنهما وهُما راشدان مَهْدِيَّانِ، وقد تقدم أمرُ رسول
الله الجهل بالقدوة بهما، وقد روينا ذلك فيما تقدم منا في كتابنا هذا،
وتابعهما عثمانُ رضي الله عنه على ذلك وهو إمامٌ راشدٌ مَهْدِيٌّ، وتابعهم
عليه أيضاً زيدُ بنُ ثابت وهو كاتبُ الوحي لِرسولِ الله، فكتب
المصحفَ لِعثمان بيده، وتابعهم أصحابُ رسول الله وَّ على ذلك،
فصار إجماعاً، والنقل بالإِجماع هُوَ الحُجَّةُ التي بمثلها نُقِلَ الإِسلام
إلينا حتى علمنا شَرائِعَهُ، وحتى وقفنا على عَدَدِ الصلوات، وعلى ما
سواها مما هو من شرائع الإِسلام.
= ورواه الطبراني (٤٨٤٣) عن محمد بن النضر الأزدي، عن خالد بن خداش،
عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمروبن أبي عمرو، عن الزهري، به.
ورواه البخاري (٤٩٨٦) عن موسى بن إسماعيل، و(٧١٩١) عن محمد بن عبيد
الله أبي ثابت، والمروزي في ((مسند أبي بكر)) (٤٥) عن سويد بن سعيد، وابن أبي
داود في ((المصاحف)) ص١٣-١٤ و٢٥ -٢٦، وأبو يعلى (٦٤) من طريق عبد
الرحمن بن مهدي، ورواه ابن أبي داود أيضاً ص١٢-١٣ من طريق أبي داود
الطيالسي، خمستهم عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن
زيد بن ثابت .. .
ورواه أحمد ١٣/١، والبخاري (٤٦٧٩)، والطبراني (٤٩٠١) و(٤٩٠٢)
و(٤٩٠٣) و(٤٩٠٤)، والمروزي (٤٦)، وابن أبي داود ص١٤-١٥ و٢٧-٢٨ من
طرق، عن الزهري، به .
والعُسُب، بضم العين والسين: جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون
الخوصَ، ويكتبون في الطرف العريض، وقيل: العسيبُ طرف الجريد العريض
الذي لم ينبت عليه الخوص، والذي نبت عليه الخوص هو السَّعَفُ.
- ١٣١ -

وعاد ذلك إلى أنَّ من كفر بحرفٍ منه، كان كافراً حلالَ الدم إن
لم يرجع إلى ما عليه أهلُ الجماعة، وفارق ذلك حكم الأخبار التي
يرويها الآحادُ بما يُخالِفُ شيئاً مما في المصحف الذي ذكرنا، لأنه
لا يكونُ كافراً مَنْ كَفَرَ بما جاءت به أخبارُ الآحاد كما يكونُ كافراً مَنْ
كَفَرَ بما جاءت به الجماعةُ مما ذكرنا، وكان فيما ذكرنا ما قد دلَّ أن
من أضاف شيئاً مما يُخالِفُ ما في مصحفنا هذا إلى أحد مِن أصحاب
رسول الله وَّ غيرَ متلفِّتٍ إلى ما حكى، لأنه حكى ما لا تقومُ به
الحجةُ، مما يُخالفه مما قد قامت به الحُجَّةُ، وبالله التوفيق.
وفيما ذكرنا مما قد رويناه في حديث يونس عن نُعيم مما عاد إلى
خارجة بن زيد أن كاتبَ المصحف المكتوب في زمن عثمان كان
زيدَ بنَ ثابت بمحضر أبانَ بن سعيد، بامتثال ما كانا يفعلان في ذلك
عند اجتماعهما، وما كانا يفعلان في اختلافهما.
وقد رُوي عن غيرِ خارجة أن أصحابَ رسولِ الله وَّ هم كانوا
كاتبي ذلك المصحف بأمر عثمان.
كما حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو عُمَرَ الحوضي،
قال: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: حدثنا أيوبُ، عن أبي قِلابَةَ، قال:
حدثني رَجُلٌ من بني عامر يُقال له: أنسُ بنُ مالك، قال:
اختلفوا في القرآن على عهدِ عثمان حتى اقتتل الغِلمانُ
والمعلِّمون، فبلغ عثمان، فقال: عندي تُكَذِّبُونَ به، وتختلِفُونَ فيه،
فمن نأى عني، كان أشدَّ تكذيباً وأكثرَ لحناً، [وقال] لأصحاب محمدٍ
وَر: اجْتَمِعُوا، فاكتُبوا للنّاس، قال: فكتبوا، قال: فحدثني أنّهم إذا
- ١٣٢ -

تَدَارُؤُوا في آيةٍ، قالوا: هذه أقرأها رسولُ اللهِ وََّ فلاناً، فيرسل إليه
وهو على رأس ثلاثٍ من المدينة، فيقال: كيف أقرأك رسولُ اللهِ وَّ كذا
وكذا، فيقول: كذا وكذا، فيكتبونها، وقد تركوا لها مكاناً(١).
(١) إبراهيم بن أبي داود: هو الأسدي البُرُلَّسي، ثقة حافظ، ومن فوقه ثقات
من رجال الشيخين غير أنس بن مالك، فقد روى له أصحاب السنن حديثاً واحداً،
وهو أنس بن مالك الكعبي القشيري من بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامربن
صعصعة، معدود في الصحابة، كان ينزل البصرة.
أبو عمر الحوضي : هو حفص بن عمر، وأيوب: هو ابن أبي تميمة السختياني،
وأبو قلابة: هو عبد الله بن زيد الجرمي.
ونسبه السيوطي في ((الجامع الكبير)) في مسند عثمان إلى الخطيب البغدادي في
((المتفق والمفترق)).
ورواه بنحوه ابن أبي داود في ((المصاحف)) ص٢٨-٢٩ عن زياد بن أيوب، حدثنا
إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: لما كان في خلافة عثمان جعل
المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون،
فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلا قال: حتى كفر
بعضُهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيباً، فقال: أنتم عندي تختلفون
فيه فتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشدُّ فيه اختلافاً وأشدُّ لحناً، اجتمعوا يا
أصحابَ محمد، واكتبوا للناس إماماً، قال أبو قلابة: فحدثني مالك بن أنس (قال
ابن أبي داود: هذا مالك بن أنس جد مالك بن أنس)، قال: كنت فيمن أملى
عليهم، فربما اختلفوا في الآية، فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله وَ ل، ولعله
أن يكون غائباً، أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها
حتى يجيء أو يرسل إليه، فلما فرغ من المصحف، كتب إلى أهل الأمصار: إني
قد صنعت كذا، محوت ما عندي، فامحوا ما عندكم.
- ١٣٣ -
=

فهذا في التوكيد فوق ما في حديث خارجة، والله نسأله التوفيق.
= قلت: وجدُّ مالك بن أنس الإِمام الفقيه اسمه: مالك بن أبي عامر الأصبحي،
كنيتُه أبو أنس، ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثانية مِن أهلِ المدينة، وقال: فَرَضَ له
عثمانُ، روى له الجماعةُ، ووثقه ابنُ سعد والنسائيُّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))
٣٨٣/٥، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال مالك: كان جَدِّي مالكُ بنُ أبي عامر ممن
قرأ في زمنٍ عثمان، وكان يَكْتُبُ المصاحِفَ. مات حينَ اجتمع الناسُ على عبدِ
الملك بن مروان، يعني سنة أربعٍ وستين. ((تهذيب الكمال)) ١٤٨/٢٧-١٥٠.
- ١٣٤ -

٤٩٢ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ الله عَليه
مِن قوله: ((أُنزلَ القرآنُ على ثلاثةِ أحرفٍ))
٣١١٩ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ البصريُّ، وعبدُ الرحمن بن
الجارود البغدادي، قالا: حدثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: حدثنا حمادُ بنُ
سلمة، عن قتادة، عن الحسن
عن سَمُرَةً، عن النبيِّ نََّ، قال: ((أَنْزِلَ القرآنُ على ثلاثةِ أَحرُفٍ))(١).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة، فمن رجال مسلم، لكن
في سماع الحسن من سمرة وقفة، قال الإِمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء))
٥٨٨/٤: وقال قائل: إنما أعرض أهل الصحيح عن كثير مما يقول فيه الحسن:
((عن فلان))، وإن كان مما قد يثبت لقيه فيه لفلان المعيَّن، لأن الحسن معروف
بالتدليس، ويدلس عن الضعفاء، فيبقى في النفس من ذلك، فإننا وإن ثبتنا سماعه
من سمرة يجوز أن يكون لم يسمع فيه غالب النسخة التي عن سمرة، والله أعلم.
ورواه ابن أبي شيبة ٥١٧/١٠، وأحمد ٢٢/٥ عن عفان بن مسلم، بهذا
الإِسناد.
ورواه البزار (٢٣١٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٦٨٥٣)، والحاكم ٢٢٣/٢ من
طرق عن عفان، به.
وقال البزار: لا نعلم يُروى هذا اللفظ إلا عن سمرة، ولا رواه عن قتادة إلا
حماد.
قلت: ورواه أحمد في ((المسند)) ١٦/٥ عن بهز، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا =
- ١٣٥ -

قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا بعضَ من تقدمنا قد
ذهب إلى أن هذه الثلاثة الأحرف قولُ يقال، ويقين يُوقَن به، وعملٌ
يعمل به، وممن كان يذهب إلى ذلك أحمد بن صالح، وكان أولى مما
قالوا في ذلك عندنا - والله أعلم - أنه قد يحتمل أن يكونَ النبيُّ ◌ِليه
على ما قد روى عنه أبيُّ بن كعب في الحديث الذي ذكرناه في الباب
الذي قبلَ هذا الباب مما حكاه عن النبي وَلهُ مِن جلوس جبريل وَلّ
عن يمينه، وميكائيل بل﴿ عن يساره، ومن قول جبريلَ وَّ له: ((اقْرَإِ
القُرآنَ على حَرْفٍ))، ومن قول ميكائيل له: ((اسْتَزِدْهُ))، فقال: ((اقْرَإِ
القُرآنَ على حرفينِ)) حتى بلغ سبعةَ أحرف.
= قتادة، عن الحسن، عن سمرة، رفعه بلفظ: ((نزل القرآن على سبعة أحرف)).
وقال الحاكم: قد احتج البخاري برواية الحسن عن سمرة رضي الله عنه، عن
النبي مَلّر، واحتج مسلم بأحاديث حماد بن سلمة، وهذا الحديث صحيح، وليس
له علة، وأقره الذهبي .
قلت: احتج البخاري برواية الحسن عن سمرة في حديث العقيقة، وفيه
التصريح بسماعه منه .
قال البخاري (٥٤٧٢): حدثني عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا قريش بن أنس،
عن حبيب بن الشهيد، قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع حديث
العقيقة، فسألته، فقال: من سمرة بن جندب.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٩٣/٩: لم يقع في البخاري بيان الحديث المذكور،
وكأنه اكتفى عن إيراده بشهرته، وقد أخرجه أصحاب السنن من رواية قتادة عن
الحسن، عن سمرة، عن النبي ◌َّ، قال: ((الغلام مرتهن بعقيقته، تُذبح عنه يوم
السابع ويحلق رأسه ویسمی)).
- ١٣٦ -

قال: فيحتمل أن يكونَ النبيُّ نََّ كان بينَ إطلاق عددٍ له من هذه
الحروف أن يقرأ القرآن عليه يعلم ذلك الناسَ، ويُخاطبهم به، ليقفوا
على ما كان مِن رحمةِ الله عز وجل لهم، وتوسعته عليهم فيما يقرؤون
القرآنَ عليه، فيسمع سَمُرَةٌ منه الحروف التي كان أطلقَ حينئذ أن يقرأ
القرآنَ عليها وهي يومئذ ثلاثةُ أحرف لا أكثر منها، ثم مضى، ثم أطلق
للنبيِّ وَّ أن يقرأ القُرآن على أكثرَ من ذلك إلى تتمة سبعة أحرف،
فلم يسمع ذلك سمُرة، فروى ما سَمِعَ، وقَصَّرَ عما فاته منها مما قد
سمعه غيره ممن قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب، فحدث
كُلُّ فريق منه ومنهم عن رسول الله وََّ، بما سَمِعَه منه من ذلك، وكان
مَنْ سَمِعَ منه شيئاً من ذلك زائداً على ما سمعه منه غيرُه أولى بتلك
الزيادة التي سَمِعَها ممن سواه ممن قَصَّرَ عنها، والله عز وجل نسأله
التوفیقَ(١).
(١) قال الزركشي في ((البرهان)) ٢١٢/١: وأما ما رواه الحاكم في ((المستدرك))
عن سمرة يرفعه: ((أنزل القرآن على ثلاثة أحرف))، فقال أبو عبيد: تواترت الأخبار
بالسبعة إلا هذا الحديث.
قال أبو شامة في ((المرشد الوجيز)) ص٨٨: يجوز أن يكون معناه: أن بعضه
أنزل على ثلاثة أحرف كـ ((جذوة))، و((الرهب))، و((الصدفين)) يقرأ كل واحد على ثلاثة
أوجه في هذه القراءات المشهورة، أو أراد: أنزل ابتداءً على ثلاثة، ثم زيد إلى
سبعة، والله أعلم.
- ١٣٧ -

٤٩٣ - بابُ بيان مشكل ما رُوي في الحروف
المتفقة في الخط، المختلفة في اللفظ
٣١٢٠ - حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا محمد بن سعيد ابن
الأصبهاني، قال: أخبرنا شريكُ بنُ عبدِ الله، وأبو معاوية، ووكيع، عن
الأعمش، عن أبي ظبيان
قال: قال لي ابنُ عباسٍ: على أيِّ القراءتين تقرأ؟ قلت: على
القراءة الأولى قراءة ابن مسعود، قال: بل قراءةُ ابن مسعود هي الآخِرةُ،
إن جبريلَ وَ﴿ كان يَغْرِضُ على نبيِّ اللّهِوَِّ القُرآن في كُلِّ رمضان،
فلما كان العامُ الذي مات فيه، عرضه مَرَّيْن، فَشَهِدَ عبدُ الله ما نُسِخَ
منه وما بُدِّل(١).
(١) إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غير محمد بن سعيد ابن الأصبهاني
فمن رجال البخاري، وشريك بن عبد الله - وإن كان في حفظه شيء، ولم يخرج
له مسلم إلا في المتابعات - قد تُوبع.
أبو معاوية: هو محمد بن خازم الكوفي، وأبو ظبيان: هو حصين بن جندب بن
الحارث الجنبي .
ورواه النسائي في ((فضائل القرآن)) (١٩)، وفي ((فضائل الصحابة)) (١٥٤)، عن
نصربن علي، عن معتمربن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٦٢/١-٣٦٣ من طريقين عن الأعمش، به.
- ١٣٨ -

٣١٢١ - حدثنا فهد، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدثنا
شريك، قال: حدثنا الأعمشُ، ثم ذكر بإسناده مثلَه، وزاد: ((فتلك
القراءة الآخرة))(١).
٣١٢٢ - حدثنا فهدٌ، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا
إسرائيلُ بنُ يونس، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لأصحابه: أيّ القراءتين
ترون آخراً، قالوا: قراءةُ زيدٍ، قال: لا، إنَّ رسول الله وَِّ كان يَعْرضُ
القراءة على جبريل بَّ في كُلُّ سنة، فلما كانت السنة التي قُبضَ
فيها، عَرَضَهُ عليهِ مَرَّتَيْن، فشَهِدَهُ ابنُ مسعود، وكانت قراءةُ عبد الله
آخراً(٢).
قال: ثمَّ وجدنا أهلَ القراءةِ قد اختلفوا في أشياء مما يقرؤون
القرآنَ عليها مما هي في الخطّ مؤتلفة، وفي ألفاظهم بها مختلفة، منها
(١) هو مكرر ما قبله.
(٢) حديث صحيح. إبراهيم بن مهاجر، وإن كان في حفظه لين قد توبع،
وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
أبو غسان: هو مالك بن إسماعيل النهدي.
ورواه أحمد ٢٧٥/١-٢٧٦ عن محمد بن سابق، عن إسرائيل، بهذا الإِسناد.
ورواه الحاكم ٢٣٠/٢ من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، به،
وصححه ووافقه الذهبي.
وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢٨٨/٩، وقال: رواه أحمد والبزار، ورجال
أحمد رجال الصحيح.
- ١٣٩ -

قولُه عز وجل: ﴿إِذا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبِيِّنُوا﴾ [النساء: ٩٤]، وفي
قراءة غيره منهم: ﴿فَتَثْبَّتُوا﴾ .
ومنها قولُه عز وجلَّ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذين آمنوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنْيَأِ
فَتَبِيِّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] في قراءة بعضهم، وفي قراءة غيره:
٥٠٠٠٠
﴿فَشَبُِّوا﴾(١).
ومنها قوله عز وجل: ﴿والَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ لُنُبَوَّنَّهُم مِنَ
الجنَّةِ غُرَفاً﴾ [العنكبوت: ٥٨]، في قراءة بعضهم، وفي قراءة غيره
منهم: ﴿لَنْوَنَّهُمْ مِنَ الجَنَّةِ غُرَفَأَ﴾(٢).
ومنها قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا﴾
[البقرة: ٢٥٩] في قراءة بعضهم، وفي قراءة غيره منهم: ﴿نْشِزُها﴾(٣).
(١) قال في ((حجة القراءات)) ص٢٠٩: قرأ حمزة والكسائي (فَتَثَبَّتُوا) بالثاء،
وكذلك في الحجرات، أي: فتأنوا وتوقفوا حتى تتيقنوا صحة الخبر، وقرأ الباقون:
(فتبينوا) بالياء والنون، أي: فافحصوا واكشفوا.
(٢) قال في ((حجة القراءات)) ص٥٥٤: قرأ حمزة والكسائي (لنثوينهم) بالثاء
من: أثويت، أي: لنقيمنهم، يقال: ثوى الرجلُ بالمكان: إذا أقام به، وأثواه غيره:
إذا جعله بذلك المكان، وقرأ الباقون: (لنبوتنَّهم) بالباء، أي: لننزلنهم من بوَّات،
تقول العرب: بوَّت فلاناً منزلاً، أي: أنزلته، قال تعالى: ﴿وَلَقد بَوَّأنا بني إسرائيلَ
مُبَوَّأْ صِدْقٍ﴾، وتقول: تبوًّاً فلان المنزل، وقال الله تعالى: ﴿والَّذِين تَبَّءُوا الدَّارَ
والإِيمانَ﴾، أي: اتخذوها. قال الفراء: بوَّته منزلاً، وأثويته منزلاً سواء.
(٣) قال ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٣١٢/١: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو:
(تُنْشِرُها) بضم النون الأولى، وكسر الشين وراء مضمومة، ومعناه: نحييها، يقال : =
- ١٤٠ -