Indexed OCR Text

Pages 1-20

شرح مشكل الأَثَل
تأليفُ الإِمَامِ المُحَدِّثِ الفَقية المفَتِر
أِ بَعْفَ أحْمَد بن محَمَّد بنسَلَامَة الطّحَاوي
(٢٣٩هـ - ٣٢١ هـ)
مثّته وضبط نصّه، وخرج أحاديثه، وعلّ عليه
شعيب الأر نؤوط
الجزء الثامن
الرسالة العالمية

دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة و التسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
Al-Resalah Al-A'lamiah m.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalahonline.com
http://www.resalahonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112-319039- 818615
P.O. BOX:117460
بِسْـ
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الثانية
١٤٢٧ هـ / ٢٠٠٦ م
الطبعة الثالثة
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م

شرح مُشكا الأشكال
تأليفُ الإِمَامِ المَحَدِّثِ الفَقيةُ المفَسِّرِ
أيِ جَعْفَر أحْمَد بن محَمَّد بُرْسَلَامَة الطّحَاوي
(٢٣٩هـ - ٣٢١ هـ)
الجزء الناس
معّقه وضبط نصّه، وخرج أحاديثُه، وعلّ عليه
شعيب الأرنؤوط
مؤسسة الرسالة

一
3

٤٧٥ - باب بيان مشكل حُكم المُعَصْفَرِ: هل
هو مِن الطَّيب أو ليس مِن الطيب فيما
يُروى عن رسول الله الد
٣٠١٠ - حدَّثنا الحسنُ بنُ غُليب، قال: حدثنا يوسف بنُ عدي،
قال: حدَّثنا عبَّاد بن عبَّدٍ المهلبيُّ البصريُّ، عن هشام بن حسَّانَ، عن
حفصة ابنةٍ سيرين
عن أُمِّ عطية، قالت: قال رسول الله وَّه: ((لا تَحُدُّ المَرْأَةُ فَوْقَ
ثلاثَةٍ أَيَّامٍ إلَّ على زوجٍ، فإنَّها تَحُدُّ عليه أرْبَعَةً أشهر وعشراً، ولا تَلْبَسُ
ثوباً مُعَصْفَراً إلا ثَوْبَ عَصْبٍ(١)، ولا تَكْتَحِلُ ولا تَمَّسُ طِيباً إلا نُبْذَاتٍ
من قُسْطٍ وأظْفَارٍ (٢).
(١) قال في ((النهاية)): العَصْب: برود يمنية يُعصب غزلها: أي: يُجمع ويُشد،
ثم يُصبغ وينسج، فيأتي مَوْشِيّاً لبقاءِ ما عُصِبَ منه أبيض لم يأخذه صبغ. يقال: برودٌ
عصبٌ، وبرودُ عصبٍ بالتنوين والإِضافة .
(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
يوسف بن عدي، فمن رجال البخاري.
ورواه أحمد ٨٥/٥، ومسلم ١١٢٨/٢ (٦٦)، وأبو داود (٢٣٠٣)، والطبراني
٢٥/ (١٤٠)، والبيهقي ٤٣٩/٧ من طرق عن يزيد بن هارون، عن هشام بن
حسان، بهذا الإِسناد، وصححه ابن حبان (٤٣٠٥)، وانظر تمام تخريجه فيه . =
- ٥ -

فكان في هذا الحديث ما قد دَلَّ أن الحادَّ(١) لا تَلْبَسُ ثوباً
مُعصفراً، وفي ذلك ما قد دَلَّ أن العُصفر مِن الطيب، فقال قائل: لم
تُنْهَ عن ذلك، لأنه مِن الطيب، ولكنها نُهَيَتْ عنه، لأنه من الزينة.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل: أنَّه لو كان إنما نُهَيَتْ
عنه أنه من الزينة، كما ذكر، لَنُهَيَتْ عن الثوب العَصْب، لأنه في الزينة
فوق الثوب المعصفر، وفي إطلاق الثوب العَصْبِ لها في إحدادها ما
قد دلَّ على أن النهي عن الثوبِ المعصفر لها لم يكن لأنه زينة، ولكنه
بخلاف ذلك، وهو لأنه مصبوغ بطيب وهو العُصفر.
وفي هذا ما قد شَدَّ مذهب الذين يذهبون في العصفر أنه ممنوع
منه في الإِحرام، وممن كان يذهب إلى ذلك من أهل العلم أبو حنيفة
وأصحابُه. وبالله التوفيق.
= قال البغوي في ((شرح السنة)) ٣١١/٩: ولا يجوز لها استعمالُ الطيب، فإن
طهرت مِن المحيض، فرخص لها في استعمال شيءٍ من قسط وأظفارٍ في محل
حيضها، ونُبذات: جمعُ نُبذة: قطعة يسيرة، والقسط: عودٌ يحمل من الهند يُجعل
في الأدوية. والأظفار: قال في ((النهاية)): جنس من الطيب، لا واحد له من لفظه،
وقيل: واحده ظفر، وهو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر.
(١) في ((لسان العرب)): الحَادُّ والمُحِدُّ من النساء: التي تترك الزينة والطيب.
-٦ -

٤٧٦ - باب بيان مشكل ما رُوِيَ عن رسول اللهِ وَّله في
القتيل الذي أدركه سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَع حتى
قتله دونَ من كان بحضرته من النّاسِ
لا في معمعةِ حربٍ، ومن قوله ◌َلّ :
((لە سَلَبُهُ أجمع)»،
يعني لِسَلَمَةَ
٣٠١١ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا عُمَرُ بنُ يونس، قال:
حدثنا عِكْرمةُ بنُ عمار، قال: حدثني إياسُ بنُ سَلَمَةَ، قال:
حدثني أبي سَلَمَةُ بنُ الأكوع، قال: غزونا مَعَ رسولِ الله ◌َِّـ
هوازنَ، فبينما نحن ببطحاءَ مع رسولِ اللهِ وَّ إذ جاء رجل على جَمَلٍ
أحْمَرَ، فأناخه، ثم انتزع طَلَقاً من حَقَبِهِ، فقَّدَ به الجملَ، ثم تقدَّمَ،
فتغدَّى مع القوم، وجعل يُنْظُرُ إليهم، وفينا ضَعَفَةٌ ورِقَةٌ من الظَّهْر،
وبعضنا مشاة، فخرج مشتداً، فأتى جملَه، فأطلق قيدَه، ثم أناخه فَقَعَّدَ
عليه، فأثاره، واشتدَّ به الجملُ، واتَّبَعَهُ رجلٌ على ناقةٍ ورقاء فرأسُ الناقة
عند وَرِكِ الجمل.
قال سلمةُ: فجذبتُ السَّيْفَ حتى كنتُ عند وَركِ الجمل، ثم
تقدمتُ حتى أخذت بخُطام الجمل ، فأنخته، فلما وضع ركبتيه بالأرض
- ٧ -

اخترطتُ سيفي، فضربت رأسَ الرجل، فَنَدَرَ، فجئت بالجمل أقودُه
عليه رحلُه وسلاحه، واستقبلني رسولُ اللهِ وََّ، فقال: ((مَن قتل
الرَّجُلَ؟)) قال: ابنُ الأكوع، قال: ((له سَلَبُهُ أَجْمَعُ)) (١).
٣٠١٢ - وحدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا أبو نُعيم، قال:
حدثنا أبو العُميس، عن ابن سلمة بن الأكوع
عن أبيه، قال: أتى رسولَ اللهِ وَّ عينٌ من المشركين، وهو في
سفر، فجلس فتحدث عند أصحابه، ثم انسلَّ، فقال رسول الله ومخالفتن:
((اطلُبوه فاقتلوه))، فسَبَقْتُهُمْ إِليهِ، فَقَتَلْتُهُ، وأخذت سلَبَه، فنفلني إِيَّه(٢).
(١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عكرمة بن عمار، وهو - وإن
احتج به مسلم - ينحط عن رتبة الصحيح .
وهو عند المؤلف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٧/٣، بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٤٦/٤ و٤٩-٥٠ و٥١، ومسلم (١٧٥٤)، وأبو داود (٢٦٥٤)،
والطبراني (٦٢٤١) و(٦٢٤٢)، والبيهقي ٣٠٧/٦ من طرق عن عكرمة بن عمار،
بهذا الإِسناد. وصححه ابن حبان (٤٨٤٣).
الطَّلق: العِقال من جلد. والحَقَب: حبل يُشد على حِقو البعير. والورقاء: التي
في لونها سواد كالغُبرة. فندر: سقط. والسلب: هو ما على القتيل ومعه من ثياب
وسلاح ومركب وجنيب يُقاد بين يديه، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مسلوب.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو نعيم: هو الفضل بن دكين، وأبو
العميس: هو عتبة بن عبد الله المسعودي. وابن سلمة: هو إياس.
وهو عند المؤلف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٧/٣، بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٥٠/٤-٥١، والبخاري (٣٠٥١)، وأبو داود (٢٦٥٣)، والنسائي في =
-٨ -
۔۔۔

قال أبو جعفر: ففي الحديثِ الأوَّلِ من هذين الحديثين قولُ رسول
اللهِ وَهُ: ((مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟)) قالوا: ابنُ الأكوع، فقال: ((له سَلَبُهُ
أَجْمَعُ)) فهذا يدل على أنَّ من قتل رجلاً من العدو، ودخل إلى دارٍ
الإِسلام بغير أمانٍ، أو أَسَرَهُ وهو كذلك: أن يكونَ له سَلَبُه دُونَ الذين
كانوا معه مِن الناس ممن لم يقتله، كما يقولُ أبو يوسف ومحمد بن
الحسن في الحربي إذا دخل دارَ الإِسلام بغيرِ أمان، فأخذه رجلٌ من
المسلمين أنه يكونُ له دونهم، فمرة قالا: فيه الخمسُ، ومرةً قالا: لا
خُمْسَ فيه، وخالفا أبا حنيفة في ذلك، لأنه كان يقول: هو له ولجميع
المسلمين، لأنه عنده مغنومٌ بدارِ الإِسلام التي قد صار فيها، وكان مما
يدلُّ على صحة ما قاله أبو يوسف ومحمد في ذلك ما لا اختلافَ فيه
فيما قد ثبت عن رسولِ الله وَّر في الرِّكاز الموجود في أرض الإِسلام
أنه لو أخذه دونَ بقية المسلمين غيرَ الخمس، فإنه فيه [لأهله] لأنه
في حکم ما لم يكُنْ غُنِمَ، بافتتاح(١) الدار التي وُجِدَ فيها، فكان حكمه
حُكْمَ ما غَنِمَه وأخذه حين وجده، واستحقه بذلك دون بقية المسلمين
بعد الخُمس الذي فيه لأهله الذين يستحقونه .
وقد يحتمل حديثُ سلمة أن يكونَ كذلك فيه الخُمسُ لأهله، ولكن
تركه رسولُ اللهِ وَّهُ لِسَلَمَةَ، لأنه من أهله، كما قد قال عمر بن الخطاب
= ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٧/٤، والطبراني (٦٢٧٢)، والبيهقي ٣٠٧/٦،
و١٤٧/٩ من طريقين عن أبي العميس، بهذا الإِسناد، وصححه ابن حبان
(٤٨٣٩).
(١) في الأصل: ((فافتتاح)) .
- ٩ -

رضي الله عنه لأبي طلحة في سَلَب البراء بن مالك لما قتل مِرْزُبَانَ
الزَّارة: إنا كُنَّا لا نُخَمِّسُ الأسلابَ، وإنَّ سَلَبَ البراء قد بلغ مالاً
عظيماً، ولا أرانا إلا خامسيه، قال: فَخَمَّسَهُ(١).
(١) رواه المؤلف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٩/٣ عن يونس بن عبد الأعلى،
حدثنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك أن البراء بن مالك
أخا أنس بن مالك بارز مُرزُبان الزأرة، فطعنه طعنة، فكسر القُربوس، وخلصت إليه
فقتلته، فقوِّم سلبه ثلاثين ألفاً، فلما صلينا الصبحَ غدا علينا عمر، فقال لأبي طلحة:
إنا كنا لا نخمس الأسلابَ، وإن سلب البراء قد بلغ مالاً، ولا أرانا إلا خامسيه،
فقومناه ثلاثين ألفاً، فدفعنا إلى عمر رضي الله عنه ستة آلاف.
وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ يونس بن عبد الأعلى، فمن
رجال مسلم.
ورواه عبد الرزاق (٩٤٦٨)، ومن طريقه الطبراني (١١٨٠) عن معمر، عن
أيوب، عن ابن سيرين، قال: بارز البراء بن مالك أخو أنس بن مالك مُرزُبان الزأرة
فقتله ... .
ورواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٧٠٨) عن هشيم، أخبرنا ابن عون ويونس
وهشام، عن ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز مرزبان الزأرة بالبحرين، فطعنه فدقّ
صُلبه فصرعه، ونزل إليه فقطع يده، وأخذ سواريه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر،
أتى أبا طلحة (وهو كبير أسرة البراء، وزوج أم أنس، أخيه من أبيه) في داره، فقال:
إنا كنا لا نخمس السلبَ، وإن سلبَ البراء قد بلغ مالاً، فأنا خامسه، فكان أوَّلَ
سلب خُمِّسَ في الإِسلام سلبُ البراء.
والمُرزُبان، بضم الميم والزاي: الفارس الشجاع المقدم على القوم دون
الملك، والزأرة، قال ياقوت: بلفظ المرة من الزأر، قال أبو منصور: عين الزأرة
بالبحرين معروفة، والزأرة: قرية كبيرة بها.
=
- ١٠ -

وفي الحديث الثاني من هذين الحديثين من قوله لسلمة: فنفلني
- يعني رسولَ الله ◌َّهِ - إِيَّاه، يريد سَلَبَ ذلك القتيل، فكان ما في
الحديث الأول إخبارُ سلمة عن رسولِ الله وَّ أنَّ سَلَبَ ذلك القتيل
له، ففي ذلك ما يُوجِبُ أن يكونَ له باستحقاقه إيَّه بما كان منه إلى
المقتولِ الذي ذلك السلبُ سَلَبُهُ، وفي الحديث الثاني: ((فنفلني إياه))،
إخبارٌ من سلمة بذلك وليس عن قول رسول الله وَلي أنه نفله إيَّه.
وفي الحديث الأولِ مِن قول رسول الله وَلّ لما أخبر أنه قتله:
((له سلبه أجمع))، فكان ذلك على أن سلبَه له بقتله إيّاه.
فمثل ذلك ما قد ذكرنا فيمن دخل دارَ الإِسلام مِن المشركين،
فقتله رجل من أهل الإِسلام أنه يستحق بذلك سَلَبَهُ، وأنه إن لم يقتله،
وكان ممن يجوز وقوعُ الإِملاكِ عليه، أن يكونَ له دونَ بقية المسلمين
غيرَ الخمس الواجب فيه، فإنه يكون لأهله. ولا فرق في ذلك بين
الرِّكاز الذي قد حوته دارُ الإِسلام، فَقَدَرَ عليه رجل من المسلمين أنه
يكونُ بذلك غانماً له، ويكون له غَيْرَ خمسه، فإنه لأهله، ولا يكون
كما غنمه مفتتحو تلك الأرض، لأن أيديهم لم تكن وصلت إليه،
وإنما اليَدُ التي وصلت إليه هي يَدٌ واحدة، فمثل ذلك الحربيُّ المأخوذُ
في دار الإِسلام بنفسه ومتاعه لا يكون مغنوماً بالدار، وإنما يكون مغنوماً
بالأخذ، فيكون لأخذه، ويكون خُمُسُهُ لأهل الخُمْس. والله نسأله
التوفيق .
= ورواه البيهقي ٣١٠/٦ و٣١١ من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن
حسان، ومن طريق حماد بن زيد، عن أيوب، كلاهما عن محمد بن سيرين، عن
أنس بن مالك.
- ١١ -

٤٧٧ - باب بيان مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله داخله
في أجرِ الأجير على العمل متى يجبُ له
أخْذُهُ من مستأجره عليه
٣٠١٣ - حدثنا محمدُ بن علي بن مُحْرِزِ البغداديُّ، قال: حدثنا
يزيدُ بنُ هارون، قال: حدثنا هشامُ بن أبي هشام، عن محمد بن
محمد [بن] الأسود، عن أبي سَلَمَةَ
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه: ((أَعْطِيَتْ
أُمَّتِي خَمْسَ خِصالٍ في رمضان لم يُعْطَهَا أحدٌ قبلهم: خُلُوفُ فم
الصائم أَطْيَبُ عندَ الله مِن ريح المِسْكِ، وتستغفِرُ لهم الملائكةُ حَتَّى
يُقْطِرُوا، ويُزَيِّنُ الله كُلَّ يومٍ جنتَه، ويقول: يُوشِكُ عِباديَ الصَّالحون
أن يُلْقُوا عنهم المُؤُونَةَ والأذى، ويصيروا إليك، وتُصفد فيه مَرَدَةُ
الشياطين، ولا يَصِلُونَ فيه إلى ما يَصِلُونَ في غيره، ويُغْفَرُ لهم في آخر
لَیْلَةٍ)».
قيل: يا رسولَ اللهِ أهي ليلةُ القدر؟ قال: ((لا، ولكن العامِل إنما
يُؤَفَّى أجرَهُ عند انقضاءِ عمله))(١).
(١) إسناده ضعيف. هشام بن أبي هشام: هو هشام بن زياد المدني ضعفه
أحمد، وأبو زرعة، وابن معين، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن سعد، =
- ١٢ -

٣٠١٤ - حدثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حدثنا سعيدُ بنُ
منصور، قال: حدثنا محمدُ بنُ عمار المؤذِّنُ، عن المَقْبُريِّ
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((أَعْطُوا
الْأَجِيرَ أَجْرَهُ مِنْ قَبَلِ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ))(١).
٣٠١٥ - حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا نُعيمُ بنُ حمَّاد،
= والدارقطني، وغيرهم، ومحمد بن محمد بن الأسود لم يُوثقه غيرُ ابن حبان.
ورواه أحمد ٢٩٢/٢، والبزار (٩٦٣) من طريق يزيد بن هارون، بهذا الإِسناد.
(١) إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ محمد بن عمار المؤذن، فقد
روى له الترمذي، ووثقه ابنُ المديني، وقال أحمد وابن معين: لم يكن به بأس،
وقال أبو حاتم: شيخ ليس به بأس يُكتب حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ٢٢٣٥/٦، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان))
٢٢١/١، والبيهقي ١٢١/٦ من طريق سويد بن سعيد، عن محمد بن عمار المؤذن،
بهذا الإسناد.
ورواه أبو يعلى (٦٦٨٢)، والبيهقي ١٢١/٦ من طريق عبد الله بن جعفر (وهو
ضعيف)، حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وفي الباب عن ابن عمر عند ابن ماجه (٢٤٤٣)، والشهاب القضاعي في
((مسنده)) (٧٤٤)، وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف.
ورواه حميد بن زنجويه في ((الأموال)) (٢٠٩١) من طريق عثمان بن عثمان
الغطفاني، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار رفعه مرسلاً وهو أصح من المسند.
وعن جابر عند الطبراني في ((الصغير)) (٣٤)، والخطيب في ((تاريخه)) ٣٣/٥،
وفي سنده محمد بن زياد بن زيَّار الكلبي، وشَرْقي بن القُطامي، وكلاهما ضعيف.
- ١٣ -

قال: حدثنا يحيى بنُ سُلَيْم، عن إسماعيل بنِ أُميّة، عن سعيد بن أبي
سعید
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلّه: (([قال
الله تعالى]: ثلاثةٌ أَنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَنْ كُنْتُ خَصْمَه خَصَمْتُه:
رَجُلٌ أَعطى بي ثم غَدَرَ، وَرَجُلُ باع حُرّاً، فَأَكَلَ ثمنه، ورجُلٌ استأجر
أجيراً، فاستوفى منه، ولم يُوَفَّهِ أَجرَه))(١).
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديثَ
علي بن أبي طالب رَضِيَ الله عنه أنه أمرني رسولُ اللهِ وَِّ أن أَقومَ
على بُدْنِهِ، وأنْ أتصدق بجلالها وخِطَامِها، وقال: ((لا تُعْطِ الجَزَّارَ منها
شيئاً ونحن نُعْطِيهِ من عندنا))(٢).
(١) سنده قوي. نعيم بن حماد وإن كان كثير الخطأ متابع، ويحيى بن سُليم
مختلف فيه، وحديثه ينحط عن رتبة الصحيح، وقد أخرج له البخاري في ((صحيحه))
هذا الحديث الواحد، واحتج به مسلم، وأصحاب السنن، وقال الحافظ في ((الفتح))
٤١٨/٤: والتحقيق أن الكلام فيه إنما وقع في روايته عن عبيد الله بن عمر خاصة،
وهذا الحديث مِن غير روايته، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه أحمد ٣٥٨/٢، والبخاري (٢٢٢٧) و(٢٢٧٠)، وابن ماجه (٢٤٤٢)،
وابن الجارود (٥٧٩)، وأبو يعلى (٦٥٧١)، والبيهقي ١٤/٦ و١٢١، والبغوي
(٢١٨٥) من طرق عن يحيى بن سُليم، بهذا الإِسناد. وصححه ابن حبان (٧٣٣٩).
وقوله: ((أعطى بي ثم غدر))، أي: أعطى يمينه بي، أي: عاهد عهداً، وحلف
علیه بالله، ثم نقضه.
(٢) انظر الجزء الثاني رقم الحديث (٧٨٩) و(٧٩٠) و(٧٩١).
- ١٤ -

قال: فكان في ذلك ما قد دَلَّ أنه يُعْطِيه أجره بعدَ فراغه مِن عمله
لقوله: (ولا تعط الجزارَ منها شيئاً))، وذلك بَعْدَ فراغه مِن عمله، ونحن
نُعطيه عند ذلك مِن عندنا.
وفيما قد رويناه عن أبي هريرة ما قد وَكَّدَ هذا المعنى، وكشفه،
وأوضحَ لنا أن الأجيرَ إنما يُعطى أجرَه على عمله بَعْدَ فراغِه من عمله.
والله تعالى نسأله التوفيق.
- ١٥ -

٤٧٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوي عن رسول الله إِله
في الطعام الذي يجب على من دُعي عليه إتيانُه
٣٠١٦ - حدثنا محمدُ بنُ النعمان السَّقَطي، قال: حدثنا
الحُمَيْدِيُّ، قال: حدثنا سفيان، قال: أنبأنا الزُّهْريُّ، قال: أخبرني عبدُ
الرحمن الأعرجُ
أنه سَمِعَ أبا هريرة رضي الله عنه، يقول: قال النبيُّ وَله: ((شَرُّ
الطعام طعامُ الوليمةِ، يُدعى إليه الأغنياءُ، ويُنَخَّى الفُقَرَاءُ، ومن لم
يُجِب الدعوةَ، فقد عصى اللهَ وَرَسُولَه))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البيهقي ٢٦١/٧-٢٦٢ من طريق يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، بهذا
الإِسناد مرفوعاً كرواية المصنف.
قال البيهقي بإثره: وكان سفيان ربما رفع هذا الحديث، وربما لم يرفعه.
قلت: الحديثُ في ((مسند الحميدي)) المطبوع (١١٧١) موقوف على أبي
هريرة .
ورواه الحميدي (١١٧٠)، ومسلم (١٤٣٢) (١١٠) عن سفيان، سمعت
زياد بن سعد، سمعت ثابتاً الأعرج يُحدثُ عن أبي هريرة أن النبيِ وَّم قال: «شرُّ
الطعامِ طعامُ الوليمةِ يُمنعها مَنْ يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يُجب
الدعوة، فقد عصى الله ورسوله))، وانظر ما بعده.
-١٦ -

حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أنبأنا عبدُ اللهِ بنُ وهبِ أن
مالكاً أخبره، عن ابن شهاب، عن الأعرج
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقولُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ
الوَلِيمَةِ يُدْعى إليها الأَغْنِياءُ، ويُتْرَكُ المَساكِينُ، ومَنْ لم يَأْتِ الدَّعْوَةَ،
فقد عَصَى الله ورَسُولَهُ (١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في ((الموطأ)) ٥٤٦/٢.
ورواه سعيد بن منصور (٥٢٤)، والحميدي (١١٧١)، وأحمد ٢٤١/٢،
والدارمي ١٠٥/٢، والبخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢)، وأبو داود (٣٧٤٢)، وابن
ماجه (١٩١٣)، والبيهقي ٢٦١/٧، والبغوي (٢٣١٥) من طرق عن ابن شهاب
الزهري، به موقوفاً.
ورواه عبد الرزاق (١٩٦٦٢)، ومن طريقه أحمد ٢٦٧/٢، ومسلم (١٤٣٢)
(١٠٩)، والبيهقي ٢٦٣/٧ عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن
أبي هريرة، موقوفاً، وصححه ابن حبان (٥٣٠٤).
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧٥/١٠: هذا حديث مسند عندهم، لقول
أبي هريرة: ((قد عصى الله ورسوله))، وهو مثلُ حديث أبي الشعثاء عن أبي هريرة
أنه رأى رجلاً خارجاً من المسجد بعد الأذان، فقال: أما هذا، فقد عصى أبا القاسم
وَ*، ولا يختلفون في هذا وذاك أنهما مسندان مرفوعان.
وقال الحافظ في ((الفتح)) ٢٤٤/٩: وأوَّلُ هذا الحديث موقوف، ولكن آخره
يقتضي رفعه، ذكر ذلك ابنُ بطال، قال: ومثلُه حديث أبي الشعثاء أن أبا هريرة رأى
رجلاً خارجاً من المسجد بعد الأذان .... قال: ومثلُ هذا لا يكون رأياً، ولهذا
أدخله الأئمة في مسانيدهم. انتهى.
وذكر ابن عبد البر أن جُلُّ رواة مالك لم يُصرحوا برفعه، وقال فيه روحُ بنُ =
- ١٧ -

قال أبو جعفر: فاختلف سفيان ومالك في هذا الحديث، فرواه
سفيان كُلُّه مِن كلام النبيِّ نََّ(١)، ورواه مالك كُلُّه من كلام أبي هريرة،
إلا ما ذكره فيه فيمن تخلَّف عن ذلك أنه قد عصى الله ورسوله.
حدثنا سليمانُ بنُ شعيب الكَيْسَانيُّ، قال: حدثنا عبدُ الرحمن بنُ
زياد، قال: حدثنا شعبةُ، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعتُ ميمونَ بنَ
ميسرة، قال :
كان أبو هريرة يُدعى إلى الطّعامِ، فَيَذْهَبُ إليه، ونَذْهَبُ معه،
فينادي: شَرُّ الطَّعامِ طعامُ الوليمةِ يُدعى إليها مَنْ يأباها، ويُمنع منها
مَنْ يأتيها(٢).
= القاسم، عن مالك بسنده: قال رسول الله مَّر. انتهى.
وكذا أخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك)) من طريق إسماعيل بن مسلمة بن
قعنب، عن مالك، وقد أخرجه مسلم من رواية معمر وسفيان بن عيينة، عن الزهري
شيخ مالك كما قال مالك، ومن رواية أبي الزناد، عن الأعرج كذلك، والأعرج شيخ
الزهري فيه هو عبد الرحمن كما وقع في رواية سفيان، قال: سألت الزهري، فقال:
حدثني عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة، فذكره، ولسفيان فيه شيخ آخر بإسناد
آخر إلى أبي هريرة صرح فيه برفعه إلى النبي وَل 9، أخرجه مسلم أيضاً من طريق
سفيان، سمعت زياد بن سعد يقول: سمعت ثابتاً الأعرج يحدث عن أبي هريرة أن
النبي ◌َّ قال ... فذكر نحوه، وكذا أخرجه أبو الشيخ من طريق محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة مرفوعاً صريحاً، وأخرج له شاهداً من حديث ابن عمر كذلك.
(١) قلت: وقد رواه سفيان موقوفاً أيضاً كما تقدم.
(٢) عبد الرحمن بن زياد هو الثقفي الرصاصي أبو عبد الله. قال أبو حاتم : =
- ١٨ -

فوافق ميمونَ بنَ ميسرة فيما روى من هذا الحديث، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، مالكٌ فيما رواه عليه عن الزُّهري، عن الأعرج، عن
أبي هريرة.
وخالف ابنَ عيينة فيما رواه عليه، عن الزهري، عن الأعرج، عن
أبي هريرة.
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ لِنَقِفَ على معناه الذي أُرِيدَ
به إن شاء الله، فوجدنا الطعامَ المقصودَ بما ذكر إليه فيه هو الوليمةَ،
وكانت الوليمة صنفاً من الأطعمة، لأن في الأطعمة أصنافاً سواها نحن
ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله، وهو ما سَمِعْتُ أحمدَ بن أبي
عمران يقول: كانت العربُ تُسمِّي الطعامَ الذي يُطْعِمُهُ الرجلُ إذا وُلِدَ
له مولود: طعامَ الخُرْسِ ، وتُسمي طعامَ الخِتان طعامَ الإِعذارِ، يقولون:
قد أعذر على ولده، وإذا بنى الرجلُ داراً، أو اشتراها، فأطعم قيل: طعام
الوَكِيرة، أي: مِن الوكر. وإذا قَدِمَ من سفر، فأطعم، قيل: طعامُ
النَّقِيعَةِ، قال: وأنشد أبو نصر أحمد بن حاتم صاحبُ الأصمعي:
ضَرْبَ القُدَارِ نَقِيعَةَ القُدَّامِ (١)
إِنَّا لَنَضْرِبُ بِالسُّيُوفِ رؤوسَهُمْ
= صدوق، وقال ابن يونس: وكان ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما
أخطأ. وميمون بن ميسرة لم يوثق، ولم يرو عنه غيرُ يعلى بن عطاء.
(١) قال في ((اللسان)) نقع: وفي ((التهذيب)): النقيعة: ما صنعه الرجل عندَ
قدومه من السفر، يقال: أنقعت إنقاعاً، قال مُهَلْهِلٌ:
إِنَّا لَنَضْرِبُ بِالصَّوَارِمِ هَامَهُمْ
ويروى: إنا لنضرب بالسُّيوف رؤوسهم .
ضَرْبَ القُدَارِ نقيعةَ القُدَّامِ
=
- ١٩ -

قال: والقدار: الجزَّار، والقُدَّام: القادمون، يقال: قادم وقُدَّام، كما
يقال: كاتب وکتاب.
وطعامُ المأتم يقال له: طعامُ الهضيمة. قال لنا ابنُ أبي عمران:
وأنشدني الحسنُ بن عمروٍ الوائليُّ لُأُمِّ حكيم ابنة عبد المطلب(١)
لأبیھا :
في آخِرِ الدَّهْرِ والأَوَّلِ
كَفَى قَوْمَهُ نَائِبَاتِ الْخُطُوب
طَعَامِ الهَضَائِمِ والمأُدُّبَاتَ وحمل عن الغارِمِ المُثْقَلِ
وطعامُ الدعوة: طعامُ المَأْدُبَةِ، قال لي ابنُ أبي عمران: وما سمعتُ
طعامَ الهضيمة من أصحابنا البغداديين، وإنما سمعتُه بالبصرةِ من أهل
اللغة بها.
قال أبو جعفر: وطعامُ الوليمةِ خلاف هذه الأطعمةِ، وفي قصدٍ
رسولِ الله وَّ بالكلام الذي قَصَدَ به إليه فيه ما قد دلَّ أنه حكمه
= القدام: القادمون من سفر: جمع قادم، وقيل: القُدَّامُ: الملك، وروي القَدَّام
بفتح القاف وهو الملك، والقُدار: الجزار، والنقيعة: طعام الرجل ليلة إملاكه، يقال:
دعَونا إلى نقيعتهم، وقد نَقَعُ يَنْقَعُ نُقوعاً وأنقعَ، ويقال: كُل جزور جزرتَها للضيافة،
فهي نقيعة، يقال: نقعتُ النقيعة، وأنقعت وانتقعت، أي: نحرت.
(١) قال الإِمام الذهبي في ((السير)) ٢٧٣/٢: البيضاء عمة رسول الله وَلخير أم
حكيم بنت عبد المطلب، ما أظنها أدركت نبوةً المصطفى وَل*، تزوجها كريزبن
ربيعة العبشمي، فولدت له عامراً والد الأمير عبد الله، وأروى والدة الشهيد عثمان،
ثم خلف عليها عقبةُ بنُ أبي معيط، فولدت له الوليد وخالداً وأمَّ كلثوم، وللثلاثة
صحبة .
- ٢٠ -