Indexed OCR Text

Pages 381-400

شيئاً، فتعوَّذوا بالله عَزَّ وجَلَّ منها، ثم إن عادوا فاقتلوها))(١).
فتأملنا في هذه الآثارِ، فوجدنا في حديثي أبي سعيدٍ وسهلٍ ما
فيهما مما قد أخبرَ به رسولُ اللهِ وَّ من الجن الذين حَدَثوا بالمدينة
ممن أسلم، فصاروا عُمَّاراً لبيوتها، فنهى عن قتلها لذلك حتى تُناشَدَ،
فإن ظهرت بعد ذلك كانت خارجةً عن المعنى الذي من أجله نُهِيَ
عن قتلها، وعادت إلى الحكم الذي كان جميعُ الحيات عليه قبلَ ذلك
من حِلِّ قتلها.
وقد رُوِيَ عن أبي ثعلبة عن النبي وَّ مما يدخل في هذا الباب.
٢٩٤١ - ما قد حدثنا بحرُ بنُ نصرِ، قال: حدثنا ابنُ وهب، قال:
حدثنا معاويةُ بنُ صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبَيْرِ بنِ نُغيرٍ
عن أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ أن رسولَ اللهِ وََّ قال: ((الجنُّ على ثلاثةِ
أثلاثٍ، فَثُلُثُ لهم أَجْنِحَةٌ يطِيرونَ في الهواءِ، وثُلُثُ حيَّاتٌ وكِلاب،
وثُلُثٌ يَحُلُونَ وَيَظْعَنُونَ))(٢).
(١) إسناده على شرط مسلم. رجاله رجال الشيخين غيرَ خالد بن خداش، فمن
رجال مسلم. أبو حازم: هو سلمة بن دينار.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٥٩٣٥) من طريقين عن خالد بن خداش، بهذا
الإِسناد.
ورواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٦ / ٢٦٢ -٢٦٣ من طريق قاسم بن أصبغ،
حدثنا محمد بن غالب، وزکریا بن یحیی الناقد، كلاهما عن خالد بن خداش، به.
(٢) إسناده قوي على شرط مسلم.
أبو الزاهرية: هو حدير بن كريب الحضرمي الحمصي.
- ٣٨١ -
=

فكان ذلك مما قد حقق أنَّ مِن الحيات ما هو جانَّ، وأن فيه ما
قد أمر به رسول الله بَالر في حديثي أبي سعيد وسهلٍ. والله سبحانه
وتعالى نسأله التوفيق.
ورواه ابن حبان (٦١٥٦) عن يزيد بن موهب، والطبراني في «الكبير))
=
٢٢/(٥٧٣)، والحاكم ٤٥٦/٢، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٣٨٨ من
طريق عبد الله بن صالح، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١٣٧/٥ من طريق علي بن مسهر،
ثلاثتهم عن معاوية بن صالح، بهذا الإِسناد.
- ٣٨٢ -

٤٦١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَله
في ابن صيَّدٍ اليهودي مما أطلق به قومٌ
عليه الدجّال، ومما منع به قومٌ
أن يكونَ هو الدَّجَّال
٢٩٤٢ - حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حدثنا
إبراهيمُ بن طهمان، عن أبي الزبير
عن جابر قال: إنَّ امرأةً من اليهود بالمدينة وَلَدَتْ غلاماً ممسُوحَةً
عينُه، طالعةٌ ناتئة، وأشفق رسولُ الله وَ﴿ أن يكونَ الدُّجَّال، فوجده
تحتَ قطيفة يُهَمْهُمُ، فآذنته أمُّه، فقالت: يا عبدَ الله هذا أبو القاسم
قد جاء، فَاخْرُجْ إليه، فخرج من القطيفةِ، فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((مالَها
قاتَلها الله لو تركته، لَبِيِّن)) ثم قال: ((يا ابنَ صِيَّادٍ ما ترى؟)) قال: أرى
حقاً وأرى باطلاً، وأرى عرشاً على الماء، فقال له: ((أتشهد أني رسولُ
الله؟))، فقال هو: أتشهد أني رسولُ الله؟! فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((آمنتُ
بالله عز وجل ورسله)) ثم خرج وتركه، ثم أتاه مرةً أخرى فوجده في
نخلٍ لهم يُهَمْهِمُ، فَآذنته أمه، فقالت: يا عبدَ الله هذا أبو القاسم قد
جاء، فقال رسولُ الله ◌َِّهِ: ((مالها قاتلها الله لو تركته لَبِيِّن)) قال: وكان
رسولُ اللهِ وَ﴿ يَطْمَعُ أن يسمع مِن كلامه شيئاً، فيعلم هو هو أم لا،
فقال: ((يا ابنَ صيَّدُ ما ترى؟)) قال: أرى حقاً، وأرى باطلاً وأرى عرشاً
- ٣٨٣ -

على الماء، فقال: ((أتشهدُ أني رسولُ الله؟)) فقال هو: أتشهدُ أني رسولُ
الله؟ فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((آمنتُ بالله عز وجل ورسله)) فَلْبِّس عليه،
ثم خرج وتركه، ثم جاء في الثالثة والرابعة ومعه أبو بكر وعمر رضي
الله عنهما في نفرٍ من المهاجرين والأنصار، وأنا معه، فبادرَ رسولُ الله
وَ﴿ بين أيدينا رَجَاءَ أن يَسْمَعَ مِن كلامه شيئاً، فسبقته أُمُّهُ إليه، فقالت:
يا عبدَ الله هذا أبو القاسم قد جاء، فقال رسولُ اللهِ وَلِ: ((مالَها قاتلها
الله لو تَرَكْهُ لبِيِّن، فقال: ((يا ابنَ صياد ما ترى؟)) قال: أرى حقاً،
وأرى باطلًا، وأرى عرشاً على الماء، فقال: ((أتشهد أني رسول الله؟))
فقال: أتشهد أنت أني رسولُ الله؟! فَقَالَ رسولُ اللهِ وَله: ((آمنت بالله
ورسله)) فَلُبِّسَ عليه، فقال رسولُ اللهِ وَيهِ: ((يا ابن صِيَّاد إِنَّا قَدْ خَبَّأْنَا
لك خبيئاً فما هو))؟ قال: الدُّخُّ، فقال رسولُ اللهِصلحه: ((اخْسَأُ اخْسَأُ)
فقال عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه: ائْذَنْ لي فأَقتَلَه يا رسولَ الله،
فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنْ يَكُنْ هُوَ فلستَ صاحبَه، إنما صاحبُه عيسى
ابنُ مريم، وإنْ لا يَكُنْ هو، فليس لك أن تَقْتُلَ رجلاً مِن أهلِ
العهدِ))، قال: فَلم يَزَلْ رسولُ اللهِ وَلِ مُشْفِقاً أن يكونَ هو الدَّجَّالَ(١).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي الزبير، فمن رجال مسلم، وقد عنعنه،
وهو مدلس.
ورواه أحمد ٣٦٨/٣، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٢٧٤) من طريق محمد بن
سابق، بهذا الإِسناد، وأورده ابن كثير في ((النهاية)) ١٢٧/١ من رواية الإِمام أحمد،
وقال: وهذا سياق غريب جداً.
ورواه بأخصر مما هنا مسلم (٢٩٢٦)، وابن حبان (٦٧٨٤) من طريقين عن
المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: لقي نبي =
- ٣٨٤ -

قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أن رسولَ الله وَّ لما رأى من
ابن صيَّاد ما رأى من عينه، ولما سَمِعَ من همهمته ما سَمِعَ، ولما وقف
عليه من شواهده المذكورة عنه في هذا الحديث لم يأمن أن يكونَ هو
الدجالَ الذي قد أعلمه الله خروجَه في أمته، فقال فيه ما قال بغير
تحقيق منه أنه هو، إذ لم يأته بذلك وحي، ولا أنه ليس هو، إذ لم
يأته بذلك وحي، ووقف عن إطلاقٍ واحدٍ من ذينك الأمرين فيه.
فقال قائلٌ: فقد حَلَفَ عُمَرُ رضي الله عنه عندَ النبيِّ وَّ أَنَّه
الدجالُ، فلم ينكر ذلك عليه
٢٩٤٣ - وذكر ما قد حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: حدثني
مثنى بنُ معاذبن معاذ، قال: حدثنا أبي، عن شُعبةَ، عن سعد بن
إبراهيم، عن محمد بن المُنْكَدِرِ، قال:
سمعتُ جابرَ بنَ عبد الله يَحْلِفُ بالله عز وجل: إن ابنَ صيّاد الدَّجَّالُ
ولا يستثني، فقلتُ له: تَحْلِفُ بالله ولا تستثني! فقال: إني سَمِعْتُ
عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه يَخْلِفُ على ذاك عندَ رسولِ اللهِوَله،
فلم يُنْكِرْ النبيُّ ◌َ﴾ (١).
= الله ◌َ* ابن صائد، ومعه أبو بكر وعمر، قال: وابن صائد مع الغلمان، فقال له رسولُ
الله ◌َّ: (أتشهد أني رسول الله؟)) قال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال نبي الله:
((آمنت بالله وبرسوله)) قال: فقال رسول الله وَلير: (ما ترى؟)) قال: أرى عرشاً على
الماء، فقال ◌َ: ((ترى عرش إبليس على البحر)) قال: ((انظر ماذا ترى))قال: أرى
صادقين وكاذبين، فقال رسولُ الله وَلِيٍ: ((لبس على نفسه)) فدعاه.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. سعد بن إبراهيم: هو ابن عبد =
- ٣٨٥ -

٢٩٤٤ - وما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا عُبَيْدُ
الله بن معاذ بن معاذ، قال: حدثنا أبي، عن شعبة، ثم ذكر بإسناده
مثله(١).
٢٩٤٥ - وما قد حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا عليُّ بن عيَّاش
الحمصي، قال: حدثنا عُفِيرُ بن مَعْدَان، قال: حدثنا سعدُ بن إبراهيم،
قال: حدثني محمد بنُ المنكدر، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(٢).
قال: ففي هذا أن رسولَ الله ◌َِّ قد سَمِعَ عمر يَخْلِفُ: إنه
الدجال، فلم يُنْكِرْ ذلك عليه، ولم ينهه عنه، قال: ففي ذلك ما قد
دلَّ على تصديقه إيَّاه على ما حلف عليه من ذلك ولولا ذلك لردَّه عليه.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد يحتمل
= الرحمن بن عوف.
ورواه البخاري (٧٣٥٥) عن حماد بن حميد، عن عبيد الله بن معاذ، بهذا
الإِسناد.
ورواه مسلم (٢٩٢٩) عن عُبيد الله بن معاذ بلا واسطة، وهو أحدُ الأحاديث التي
نزل فيها البخاري عن مسلم عن شيخٍ، وأخرجها البخاري بواسطة بينه وبَيْنَ ذلك
الشيخ، قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٢٤/١٣: وهي أربعة أحاديث ليس في الصحيح
غيرها بطريق التصريح .
قلت: ورواه أبو داود (٤٣٣١) عن عُبيد الله بن معاذ، به.
(١) إسناده صحيح على شرطهما وهو مكرر ما قبله.
(٢) حديث صحيح. عُفير بن معدان وإن كان فيه ضعف متابع، وباقي رجاله
ثقات، وهو مکرر ما قبله.
- ٣٨٦ -

أن يكونَ كان تركُ رسولِ الله ◌َ إنكارَ ذلك، لأنه حَلَفَ على مُحْتَمَلٍ
لما حلف عليه مما لم يَنْزِلْ على رسولِ اللهِ وَُّ وحِيٌّ بخلافه، فترك
الإِنكار عليه لذلك. قال هذا القائل: وقد رُوِيَ عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه أنه كان منه مثلُ ذلك بعدَ النبي ◌َّد.
وما قد حدَّثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا الحسنُ بنُ عمربن
شقيق، قال: حدثنا جريرُبنُ عبدِ الحميد، عن الأعمش، عن عبدٍ
الله بن مُرَّة، عن أبي الأحوص
عن عبد الله بن مسعود رَضِيَ الله عنه، قال: واللهِ لُأَنْ أَحْلِفَ تسعاً
إن ابنَ صيَّاد هو الدَّجَّالُ أُحبُّ إليَّ من أن أُحْلِفَ واحدةً: إنه ليس
به(١) .
قال: فكان جوابنا له في ذلك أيضاً بتوفيق الله عز وجل وعونه عن
هذا كجوابنا إيَّه عما أجبناه به في الحديث الذي قبل هذا، وقد رُوِيَ
عن ابن مسعود رضي الله عنه ما قد دَلَّ أن هذا الذي كان منه في
ابن صيَّادٍ إنما كان منه لمثل الذي قد وقف عليه عُمَرُ منه، فكان مِن
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. رجاله ثقات رجال الشيخين غير
الحسن بن عمربن شقيق، فمن رجال البخاري.
أبو الأحوص: هو عوف بن مالك بن نضلة الجشمي.
ورواه أبو يعلى (٥٢٠٧) عن أبي خيثمة، عن محمد بن خازم، عن الأعمش،
بهذا الإِسناد.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) (١٠١١٩) من طريق إسماعيل بن عياش، عن
جعفر بن الحارث، عن الأعمش، به.
- ٣٨٧ -

عمر فيه ما كان مِن حَلِفِه: إنه الدَّجَّال.
٢٩٤٦ - كما حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا الحسنُ بنُ عمربن
شقيق، قال: حدثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن الأعمش، عن أبي وائل
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ رسولِ الله
وَّ نمشي، فمررنا بصبيان فيهم ابنُ صياد، ففر الصِّبيانُ، وجلس ابنُ
صياد، فكأن رسولَ الله وََّ كَرَهَ ذُلك، فقال رسولُ اللهِ وَالَ: («تَرَبَتْ
يداك أتشهد أني رسولُ الله؟)) فقال: لا، بل أتشهد أني رسولُ الله؟!
فقال عمر: ذَرْنِي أَقْتُلْهُ يا رسولَ الله، فقال رسولُ اللهِ وَله: «إنْ يَكُن
الذي تَرَى، فلن تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ))(١).
فوقفنا بهذا الحديثِ أن الذي كان من عبد الله بن مسعود في أمره
حتى قال مِن أجله ما قال هو الذي كان عند عمر رضي الله عنه أمره
حتى كان من حلفه في أنه الدجال ما كان.
وكذلك أبو ذر رَضِيَ الله عنه في حديث الحارث بن حصيرة الذي
قد رويناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا من قوله: لأنْ أَحْلِفَ إن ابن
صياد هو الدَّجَّلُ عشراً أحبُّ إليَّ مِنْ أن أَحْلِفَ مرةً واحدةً إنه ليس
به، هو مثلُ ما كان عمرُ وابن مسعود رضي الله عنهما عليه في أمره،
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. أبو وائل: هو شقيق بن سلمة.
ورواه مسلم (٢٩٢٤) عن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما
عن جرير، بهذا الإِسناد.
ورواه مسلم (٢٩٢٤) (٨٦)، وابن حبان (٦٧٨٣)، وأحمد ٣٨٠/١ من طرق
عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، عن الأعمش، به.
- ٣٨٨ -

ثم وقف رسولُ اللهِ وٍَّ من بعد، على ما حَدَّثه به تميم الداريُّ.
٢٩٤٧ - كما قد حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو بن يونس المعروف
بالسُّوسي، قال: حدثني أسباطُ بنُ محمد، عن الشيباني، عن عامر
عن فاطمة ابنةِ قيس قالت: بينما الناسُ بالمدينةِ آمنين ليس بهم
فَزَعٌ إذ خرج رسول الله وََّ فصلَّى الظهر، ثم أقبل يمشي حتى صَعِدَ
المنبر، فَفَزِعَ الناسُ، قالت: فلما رأى في وجوههم ذلك، قال: ((أيُّها
الناسُ: إني لم أَفْزِعْكُم، ولكنه أتاني أمر فرحتُ به، فأحببتُ أن
أُخْبِرَكم بفرح نبيكم بَّهَ، إن تميماً الدَّاري أخبرني أن قوماً من بني
عمِّ له ركبوا سفينةُ في البحر، فانتهت بهم سفينتهم إلى جزيرةٍ لا
يعرفونها، فخرجوا ينظرون، فإذا هم بإنسان لا يدرون ذكراً هو أو أنثى
من كثرة الشعر، فقالوا: من أنت، قال: أنا الجسَّاسَةُ، قالوا: فحدثينا،
قالت: ائتوا الديرَ، فإن فيه رجلاً بالأشواقِ إلى أن تُحَدِّثُوهِ، قال:
فدخلوا الديرَ، فإذا هم برجل مُوثَقٍ بالحديد يتأوَّهُ شديدَ التّأوُّه، فقال
لهم: مَنْ أنتم؟ فقالوا: مِنْ أهل فلسطين من جزيرة العرب، قال:
فخرج نَبِيُّهُمْ بَعْدُ؟ فقالوا: نَعَمْ، قال: فما صنع؟ قالوا: تَبِعَهُ قومٌ،
وفارقهِ قومٌ، فقاتل بمن اتََّعَه مَنْ فارقه، حتى أَعْطَوْهُ الجِزية(١)، قال:
وَمِنْ أَيِّ أَرْضٍ أنتم؟ فقالوا: مِنْ أهل فلسطين، قال: فما فعلت بحيرةٌ
الطَبَريَّة؟ فقالوا: هي ملأى تَدَفَّقُ، قال: فما فعلت عَيْنُ زُغَرِ، قالوا:
تَدَفَّقَ حافَتُها، قال: فما فعل نَخْلُ بَيْنَ عمَّان وبيسان؟ قالوا: قد أُطْعَمَ،
قال: لو أفلتُّ من وثاقي، لقد وطئت البلدان كُلُّها إلا طَيْبَةَ)) فقال رسولُ
(١) في الأصل: ((الحجر)).
- ٣٨٩ -

الله ◌ِ﴿: (إلى هذا انتهى فَرَحُ نبيكم ◌َِّ)) ثم قال: ((هِيَ طَيْبَةُ هي
طَيْبَةُ - [يعني] المدينة - وما فيها طريق ولا موضع ضيق ولا واسعٌ ولا
ضعيف إلا عليه ملك شاهرٌ سيفَه، لو أراد أن يَدْخُلَها، ضرب وجهه
بالسَّيْفِ».
قال الشعبيُّ: فلقيتُ محرَّرَ بنَ أبي هريرة، فحدَّثته فقال: هل زادك
فيه شيئاً؟ قلتُ: لا، قال: صدقتَ أشهدُ على أبي أنه حدثني بهذا
وزاد فيه ثم قال: نحو الشام ما (١) هو نحو العراق ما (١) هو، ثم أهوى
بيده نحو المشرق عشرين مرة، قال: فلقيتُ عبد الرحمن بن أبي بكر،
فحدثتُه، فقال: هل زاد فيه شيئاً؟ قلتُ: لا. قال: صدق أشهدُ على
عائشة رضي الله عنها أن عائشة حدثتني بهذا غير أنها زادت فيه أن
رسولَ اللهِ وَّ قال: ((ومكة مثلُها)) (٢).
(١) في الأصل: (مما)).
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
الشيباني: هو سليمان بن أبي سليمان الشيباني، وعامر: هو ابن شراحيل
الشعبي .
ورواه ابن منده في ((الإِيمان)) (١٠٥٧) عن محمد بن الحسين بن الحسن، عن
أحمد بن الأزهربن منيع، عن أسباط بن محمد، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٧٣/٦-٣٧٤، والحميدي (٣٦٤)، وابن أبي شيبة
١٥٤/١٥-١٥٦، ومسلم (٢٩٤٢)، وأبو داود (٤٣٢٧)، وابن حبان (٦٧٨٨)
و(٦٧٨٩)، والطبراني ٢٤/(٩٥٦) و(٩٥٧) و(٩٦٠) و(٩٦١)، والأجري في
((الشريعة)) ص٣٧٦-٣٧٨ و٣٧٨-٣٧٩، وابن منده في ((الإِيمان)) (١٠٥٩)
و(١٠٦٠)، والبغوي (٤٢٦٩) من طرق عن الشعبي، بهذا الإسناد.
- ٣٩٠ -

قال أبو جعفر: وكان سرورُ رسولِ الله ◌َّ بما في هذا الحديث
مما كان تميمُ حدثه إياه دليلاً على أنه قد تَحقَّق عنده بما يتحقق به
مثلُه عنده، ولولا أن ذلك كان كذلك، لما قام به في المسلمين، ولا
خطب به عليهم، وابنُ صياد يومئذ معه بالمدينة.
ففي ذلك ما قد دلَّ أنَّ الدَّجَّلَ الذي كان منه فيه قبلَ ذُلك ما
كان، ومن يحذر به أمته منه، ومن إخبارِه الناسَ أنه لم يكن نَبِيِّ(١)
قبلَه إلا وقد حذَّرَ أمته خلافُ ابن صياد.
فإن قال قائل: فكيف بَقي ابنُ مسعود، وأبو ذر، وجابر على ما
كانوا عليه فيه مما قد رويتَه عنهم في هذا الباب مما قالوه فيه بعد
النبيِّ ◌ِ﴾؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد يحتمل
أنَّ ذُلك كان منهم، لأنهم لم يعلموا بما كانَ مِنْ رسول الله وَِّ بما
حدَّث به الناسُ عن تميم الداري، ولا مِن سروره به، فقالوا مِن ذُلك
ما قالوا لهذا المعنى والله أعلمُ، ومن أجل ذلك عندنا - والله أعلمُ -
كان ابنُ صياد دَفَعَ عن نفسه أن يكون هو الدَّجَّالَ بما خاطب به أبا
سعيد الخدري .
كما حدثنا سليمانُ بنُ شعيب الكيساني، قال: حدثنا بشرُبنُ بكرٍ،
قال: حدثنا الأوزاعيُّ، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني
عُقبة بن عبد الغافر، قال:
(١) في الأصل: ((نبيا)).
- ٣٩١ -

حدثني أبو سعيد الخدري، قال: خرجنا صادرينَ من مكة إذ
لحقني ابنُ صيّاد، فقال: يا أبا سعيد، إنَّ الناسَ قد أحرقوني يزعمون
أني أنا الدَّجَّالُ، والدجّال لا يُولَدُ له، وقد وُلِدَ لي، والدجّال لا يدخل
الحرمين، وقد دخلتهما، والله إني لأعلمُ مكانَه، قال: فما ارتبتُ(١) به
أنه هو إلا حينئذ(٢).
فكان هذا الكلامُ مِن ابن صياد عندنا - والله أعلمُ - يَحْتَمِلُ أن
يكونَ قاله لِوقوفه على ما كان رسولُ الله وَلِّ خطب به مما حدَّثُه به
تميم الدَّاري مما قد ذكرناه فيما تقدم منا في هذا الباب مما فيه إخباره
إياهم عن تميم عن بني عمه بمكانه الذي رأوه فيه، فقال مِن أجل
ذلك ما قال، والله أعلمُ بحقيقة الأمر كان في ذلك، وإياه نسأله
التوفيق .
(١) في الأصل: ((ارتبته)).
(٢) رجاله ثقات رجال الشيخين غير بشر بن بكر، فمن رجال البخاري.
ورواه مسلم (٢٩٢٧) من طريقين عن عبد الأعلى، عن داود، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد الخدري، قال: صحبتُ ابن صائد إلى مكة، فقال لي: إما قد لقيتُ
من الناس، يزعمون أني الدجال، ألست سمعتَ رسول الله وَ ﴿ يقول: ((إنه لا يُولَدُ
له))؟ قال: قلتُ: بلى، قال: فقد وُلِدَ لي، أوليس سمعت رسولَ الله ◌ِ له يقول:
(لا يدخلُ المدينة ولا مكة)؟ قلت: بلى، قال: فقد وُلِدْتُ بالمدينة، وها أنا ذا أريدُ
مكة، ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو. قال:
فَلَبَسَنِي. (أي: جعلني ألتبس في أمره وأشك فيه).
- ٣٩٢ -

٤٦٢ - بابُ بيانِ مشكل ما اختلف أهلُ العلم فيه في
إسلام الصبيان الذين لم يَبْلُغُوا بما رُوِيَ عن
رسولِ اللهِ وَّ فيه من سؤاله ابنَ صياد
قبلَ بلوغه: أتشهد أنه رسولُ الله الاله
٢٩٤٨ - حدثنا أحمدُ بن عبد الرحمن بن وهبٍ، قال: حدثنا عمي
عبدُ الله بنُ وهب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شهاب، قال:
أخبرني سالمُ بنُ عبدِ الله بن عمر
أن عبدَ الله بنَ عمر أخبره أن عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه
انطلق مع رسولِ اللهِ وَّ فِي رَهْطٍ قِبَل ابن صِيَّادٍ، حتى وجده يَلْعَبُ
مع الصبيان وقد قارب ابنُ صياد يومئذ الخُلُمَ، فلم يشعر حتى ضرب
رسولُ اللهِ وَِّ بيده، ثم قال رسولُ اللهِ وَلَ: ((ابْنَ صَيَّدٍ أَتَشْهَدُ أني
رسولُ اللهِ وَِّ))؟ فنظر إليه ابنُ صياد، فقال: أتشهد أني رسولُ الله؟!
قال: فَرَفَصَهُ رسولُ اللهِ وَ، وقال: ((آمنتُ بالله عز وجل ورُسُلِهِ)) ثم
قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ماذا ترى))؟ قال ابنُ صياد: أنا بَيْنَ صادقٍ
وكاذبٍ، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((خُلِّط عليك الأمر)) ثم قال له رسولُ الله
وَلَّهِ : ((إنِّي خبَاتُ لك خبيئً) قال ابنُ صيّاد: هو الدُّخِ. فقال له رسولُ
اللهِ وَ: ((اخْسَأُ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)) فقال له عمر: ائذن لي فيه يا رسولَ
الله أَضْربْ عنقه، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إن يكن هو، فلن تُسَلَّطَ عليه
- ٣٩٣ -

وإن لم يكن هو، فلا خَيْرَ لك في قتله))(١).
٢٩٤٩ - حدثنا نصرُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثنا وهبُ الله بنُ راشد
أبو زرعة، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، ثم ذكر بإسناده مثلَه(٢).
٢٩٥٠ - حدثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أنبأنا عبدُ الله بنُ سعد بن
إبراهيم الزهري، قال: أنبأنا عَمِّي، قال: حدثنا أبي، عن صالح - وهو
ابنُ كيْسان-، عن ابن شهاب، ثم ذكر بإسناده مثلَه(٣).
٢٩٥١ - وحدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق الكوفي، قال: حدثنا أبو
نُعيمٍ ، قال: حدثنا الوليدُ بنُ عبدِ الله بن جُمَيْعٍ (٤)، قال: حدثني أبو
سلمة بنُ عبد الرحمن
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه مسلم (٢٩٣٠)، وابن حبان (٦٧٨٥) من طريق حرملة بن يحيى، عن
عبد الله بن وهب، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (١٣٥٤) و(١٣٥٥) و(٣٣٣٧) عن عبدان، عن عبد الله بن
المبارك، عن يونس، به. وانظر تمام تخريجه في ابن حبان.
والرفص: الضرب بالرجل مثل الرفس.
(٢) حديث صحيح. وهب بن راشد غمزه سعيد بن أبي مريم وغيره، وقال أبو
حاتم: محله الصدق، وهو متابع، ومن فوقه من رجال الشيخين، وهو مكرر ما قبله.
(٣) إسناده صحيح على شرط البخاري. عبد الله بن سعد من رجال البخاري،
ومن فوقه من رجال الشيخين. عم عبد الله: هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد.
ورواه مسلم في (صحيحه)) (٢٩٣٠) عن الحسن بن علي الحلواني، وعبد بن
حميد، كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، بهذا الإِسناد.
(٤) تحرف في الأصل إلى: حميد.
- ٣٩٤ -

عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ رَضِيَ الله عنه أن رسول الله وَّهِ أَتى ابْنَ
صيَّاد وهو يَلْعَبُ مع الصبيانِ، فقال: ((أتشهدُ أني رسولُ الله؟)) ويقول
ابنُ صيَّادٍ: أتشهدُ أني رسولُ الله؟! فقال النبيُّ بَار: ((إنى قد خبأت
لك خَبِيئَةً)) قال: ((ما هذا؟)) قال: الدُّخُّ، قال: ((اخْسَأْ فَلَنْ تَعْذُوَ
قَدْرَكَ)(١).
قال: ففي هذين الحديثين كَشَفَ رسولُ اللهِ وََّ ابنَ صيّاد ولم
يبلغ الحُلُمَ عن شهادته له وََّ بالرسالةِ من الله عز وجل، وفي ذلك
ما قد دلَّ أنه لو شَهدَ بها استحق بشهادته بها الإِيمان، ولولا أن ذلك
كذلك، لما كان لكشفه إيَّه عن ذلك معنى، وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ
على أن إسلامَ مثله مِن الصبيان يكونُ إِسلاماً. والله نسأله التوفيق.
(١) إسناده على شرط مسلم. الوليد بن عبد الله بن جميع أخرج له مسلم،
وقال أحمد وأبو داود وأبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن سعد وابنُ معين والعجلي :
ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وباقي السند على شرطهما. أبو نعيم: هو
الفضل بن دکین.
ورواه أحمد ٨٢/٣ عن أبي نعيم، بهذا الإِسناد.
- ٣٩٥ -

٤٦٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ الو
في الكذَّابين الثلاثين الذين يخرجون بَعْدَهُ
هَلْ هُمْ دِجَّالُونَ أَمْ لا؟
٢٩٥٢ - حدثنا أحمدُ بنُ عبد الرحمن بن وهبٍ، قال: حدَّثني
عمي عَبْدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شهابٍ،
قال: حدثني طلحةُ بنُ عبدِ الله بن عوف، عن عياض بنِ مسافع
عن أبي بكرةَ أخي زيادٍ لُأَمِّه قال: قال أبو بكرة: أَكْثَرَ النَّاسُ في
شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ الكَذَّاب قبل أن يقولَ رسولُ اللهِ وَِّ فيه شيئاً، ثم قام
رسولُ اللهِ وَّرَ في الناس ثانياً على الله بما هو أهلُه، ثم قال: ((أما
بَعْدُ، فإِنَّ شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم في شأنه، فإنَّه كَذَّابٌ من
ثلاثين كذاباً يخرجون قَبْلَ الدَّجَّل، وإنَّه لَيْسَ بلدٌ إلَّ يَدْخُلُه رُعْبُ
المسيح الدجال إلا المدينةَ على كلِّ نقب من أنقابها يَوْمَئِذٍ مَلَكان
يذُبَّان عنها رُعْبَ المسيحِ))(١).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير عياض بن مسافع، فإنه لم يوثقه غيرُ ابن
حبان .
ورواه أحمد ٤٦/٥ عن حجاج، حدثنا ليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب،
بهذا الإِسناد.
ورواه عبدالرزاق في ((المصنف)) (٢٠٨٢٣)، وعنه أحمد ٤١/٥، عن معمر، عن =
- ٣٩٦ -

قال أبو جعفر: إنَّ رسولَ الله وَّه قد قال في مسيلمة: إنه كذابٌ
من ثلاثين كذاباً يخرجون قَبْلَ الدجّال، فاحتمل أن يكونَ هؤلاء الثلاثون
الكذابون الذين منهم مسيلمَةُ دجالين، واحتمل أن يكونوا كذابين،
وليسوا دجالين، فنظرنا في ذلك
٢٩٥٣ - فوجدنا محمدَ بنَ علي بن داود قد حدثنا، قال: حدثنا
محمدُ بنُ إبراهيم بن عَرْعَرَةَ، قال: حدثنا معاذُ بنُ هشام، قال: قرأتُ
في كتاب أبي بخطّ يده ولم أُسْمَعْهُ منه: عن قتادة، عن أبي معشرٍ،
عن إبراهيم النَّخَعِي عن همَّام
عن حُذيفة أن نبيَّ اللهِ وََّ قال: ((في أُمَّتِي كَذَّابُونَ دَجَّالُونَ سبعةٌ
وعشرون، فيهم أربعُ نسوةٍ، وإني خاتمُ النَّبِّين لا نَبِيَّ بعدِي))(١).
٢٩٥٤ - ووجدنا أحمدَ بنَ عبد الرحمن قد حدَّثنا، قال: حدَّثنا
عمي، قال: حدثني عبدُ الرحمن بن شُريحٍ المعَافِرِي، قال: سمعتُ
شراحيل بنَ يزيد المَعَافِري يقول: حدثني مسلمُ بنُ يسار قال:
سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((يكونُ في آخِرِ الزَّمَانِ
= الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي بكرة، وهذا إسناد صحيح على
شرطهما، ولا ينكر سماع طلحة بن عبد الله من أبي بكرة نفيع بن الحارث.
(١) إسناده ضعيف. أبو معشر - واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي -
ضعيف .
ورواه أحمد في ((المسند)) ٣٩٦/٥ عن علي ابن المديني، والطبراني في
((الكبير)) (٣٠٢٦) عنه وعن إبراهيم بن محمد بن عرعرة، كلاهما عن معاذ بن هشام،
بهذا الإِسناد.
- ٣٩٧ -

دَجَّلُون كَذَّابُونَ يَأْتُونَ مِنَ الأَحَادِيثِ بِما لَمْ تَسْمَعُوا به أنْتُمْ ولا آباؤكم،
فِيَّاكُمْ وإِيَّاهُم لا يَفْتِنُونَكم ولا يُضِلُّونَكُمْ))(١).
٢٩٥٥ - ووجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوقٍ، قد حدثنا، قال: حدثنا أبو
الوليد الطيالسي، قال: حدثنا أبو عَوانة، عن الأسود بن قيس، عن
ثعلبة بن عبَّاد العبدي، قال:
خطبنا سمرة بن جُنْدُب فحدَّثنا في خطبته عن رسولِ الله وَلِّ أنه
قال: ((لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثلاثون دَجَّالا كذاباً، كُلُّهُمْ يَكْذِبُ
على اللهِ عَزَّ وجَلَّ ورسوله ◌ِه، آخِرُهُمْ الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ ممسوحُ العينِ
اليمنى كَأنّها عَيْنُ أبي تِحْنَى))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، وقول الحافظ في ((التقريب)) في مسلم بن
يسار: مقبول، وهمّ منه رحمه الله، فإنه قد روى عنه جمع، واحتج به مسلم، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
ورواه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (٧) عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن
وهب، بهذا الإِسناد.
(٢) رجاله ثقات رجالُ الشيخين غَيْرَ ثعلبة بن عباد العبدي، فإنه لم يرو عنه
غيرُ الأسود بن قيس، وذكره عليّ ابن المديني في المجاهيل، وكذا قال ابنُ حزم وابن
القطان، والذهبي، ومع ذلك فقد صحح حديثَه الترمذي، وذكره ابن حبان في
(الثقات))، وأخرج حديثه هذا هو وابنُ خزيمة في ((صحيحه))، وصححه أيضاً الحافظُ
في ((الإِصابة)) ٢٧/٤.
أبو الوليد الطيالسي: هو هشامُ بنُ عبد الملك، وأبو عوانة: هو الوضاح بن عبد
الله اليشكري.
ورواه مطولاً ابن حبان (٢٨٥٦)، والطبراني في ((الكبير) (٦٧٩٨) من طرق عن
- ٣٩٨ -

٢٩٥٦ - ووجدنا حسين بنُ نصر، قد حدثنا قال: حدثنا أحمدُ بنُ
عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زهيرُ بنُ معاوية، عن الأسود بن قيسٍ ،
ثم ذكر بإسناده مثلَه(١).
فكان في هذه الأحاديثِ ما فيها مما ذكرناه، فاحتمل أن يكونَ
هؤلاء الثلاثون المذكورون فِيها هُم الثلاثون المذكورونَ في حديث أبي
بكرة، فيكون قد اجتمع فيهم الأمرانِ جميعاً، واحتمل أن يكونَ الذين
في هذا الحديث على دجَّالين كذابين، والذين في حديث أبي بكرة على
كذابين ليسوا دجالين، والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك.
فقال قائل: هم صنفٌ واحد، وسُمِّي الكذابون دجالين، لأنهم في
كذبهم الذي يُعرفون به، كالدَّجَّال في كذبه الذي يُعْرَفُ به.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ الذي قاله
من ذلك مستحيلٌ عندنا - والله أعلمُ - لأنَّ الكذابين المذكورين في
الحديث الذي ذُكِرُوا فيه لو كانوا كما ذكر، لما ذُكِرَ لهم عددٌ
يَحْصُرُهُم، لأن من يكونُ من الكذابين في الناسِ في المستأنَفِ، ومَنْ
= أبي عوانة، بهذا الإِسناد.
ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٣٩٧) من طريق أبي نعيم، عن الأسود بن
قیس، به .
وقوله: ((كأنها عين أبي تحيى)) ضبطه ابن حجر في ((الإِصابة)) ٢٧/٤ بكسر التاء
وسكون الحاء وفتح الياء، وهو شيخٌ من الأنصار.
(١) هو مكرر ما قبله، ورواه أحمد ١٦/٥، والحاكم ٣٢٩/١-٣٣١، والطبراني
(٦٧٩٩)، والبيهقي ٣٣٩/٣ من طرق عن زهيربن معاوية، بهذا الإسناد.
- ٣٩٩ -

كان منهم قبلَهم بعد أن قال النبيُّ مَ﴿ هذا القول أكثرُ عدداً من
ثلاثين، وإذا انتفى ذلك، كان في الحقيقة خلاف الدجال الأعور، وكان
هذا الاسم أعني الدجال غيرَ(١) مشتق من شيءٍ، لأنه لو كان مشتقاً
مما قد ذكر بعضُ الناسِ أنه اشتق من الدَّجَلِ ، وهو السرعةُ في السير،
لوجب أن يكونَ كُلُّ مسرع في سيره دجالاً، ولمَّا بطل أن يكونَ ذلك
كذلك، وكان مِن غير الأسماء المشتقة من شيء كان صنفاً له العددُ
الذي ذكره رسولُ الله ◌َّةِ، فكان محتملاً ما قد ذكرنا احتمالَه إياه فيما
تقدم منا في هذا الكتاب، والله نسأله التوفيق.
..--
:
(١) لفظ ((غير)) سقط من الأصل.
- ٤٠٠ -