Indexed OCR Text

Pages 281-300

أنَّ أبوي ذلك الرجل كانا حَيَّيْن، أو أنهما كانا مَيِّتَيْن عندَ استغفاره
لهما، غير أنَّ إحدى الآيتين المذكورتين فيه معنىٌ يوجب الوقوفَ عليه
وهو قولُه عز وجل الذي نهى به عن الاستغفارِ لهم من بعد ما بَيِّنَ
لهم أنهم أصحابُ الجحيم. فكان في ذلك ما قد دلَّ على أنَّ
الاستغفارَ لهم قبل أن يتبيَّنَ لهم أنهم أصحابُ الجحيم بخلاف ذلك
وفي ذلك [ما] يُبيح الاستغفارَ لهم ما كان الإِيمان مرجوّاً منهم،
ومحرماً(١) عنهم بعد أن يؤيَسَ منهم منه، وذلك لا يكون إلاّ بعدَ
موتهم .
وقد رُوِيَ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ما قد دلَّ على
هذا المعنى.
كما قد حدثنا ابن أبي داود - قال أبو جعفر: كذا في كتابي
والصوابُ ابن أبي مَرْيم - قال: حدثنا الفِرْيَابي، قال: حدثنا سفيان،
عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبَّيْر، عن ابن عباس رضي
الله عنهما، قال: لم يَزَلْ إبراهيمِ مََّ يستغفِرُ لأبيه حتى مات، فلما
ماتت، تَبَيِّن له أنَّه عدو الله، فتبرَّاً منه(٢).
(١) في الأصل: ((محرم)).
(٢) ابن أبي مريم: هو عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال ابن
عدي: مصري يحدث عن الفريابي وغيره بالبواطيل، ثم أورد له ثلاثة أحاديث مما
استنكرها، ونصُّ الثالث حدثنا الحسن بن علي النيسابوري بمصر، ومحمد بن
حمدون بن خالد بنيسابور، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي مريم، حدثنا
جدي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمروبن دينار، عن ابن عباس في قوله:
﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال: أبو بكر وعمر. قال ابن عدي: وهذا الحديث ليس =
- ٢٨١ -

٢٤٨٣ - وكما حدثنا محمد بن الحَجَّاج الحَضْرَمِي وعلي بن عبد
الرحمن بن محمد بن المغيرة الكوفي، قالا: حدثنا عبدُ الله بنُ صالح،
قال: حدثني معاويةُ بنُ صالح، عن علي بنِ أبي طَلْحة
عن ابن عباس قوله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوِي قُرْتَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
أُصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ فكانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما
نزلت، أمسَكُوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء
حتّى يموتوا، ثم أنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمُ لأِبِيهِ
إِلَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّهُ فَلَمَّا تَبِيِّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوِّ اللهِ تَبَرَّأْ مِنْهُ﴾ يعني
استغفر له ما كان حيّاً، فلما مات أمسك عن الاستغفار له(١).
فكان في ذلك ما قد دلَّ على ما قد ذكرنا مما تأوَّلنا عليه حديثَ
علي رضي الله عنه، وقد شدَّ ذلك قول الله عز وجل حكايةً عن نبيِّه
= بمحفوظ عن ابن عيينة، وعبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم هذا، إما أن
یکون مغفلا لا يدري ما یخرج من رأسه، أو متعمداً، فإني رأیتُ له غیرَ حديث مما
لم أذكره أيضاً هاهنا غير محفوظ.
..-
(١) عبد الله بن صالح كاتب الليث فيه كلام من جهة حفظه، وعلي بن أبي
طلحة لم يدرك ابن عباس وسيأتي قول المؤلف: إنه احتُمِلَ حديثه وإن كان لم يلقه،
لأنه أخذ الكتاب الذي فيه هذه الأحاديثُ عن مجاهد وعكرمة فيما قاله أهلُ العلم
بالأسانید.
ورواه الطبري (١٧٣٣٢) عن المثنى، عن عبد الله بن صالح، بهذا الإِسناد.
وأورده السيوطي في (الدر المنثور)) ٣٠٠/٤، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن
أبي حاتم، وابن مردويه.
- ٢٨٢ -

إبراهيم ◌َّ: ﴿وَاغْفِرْ لِبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦].
واحتملنا حديث علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله
عنهما وإنْ كان لم يلقه، لأنَّه عندَ أهل العلم بالأسانيد إنما أخذ
الكتاب الذي فيه هذه الأحاديث عن مجاهد وعن عكرمة
وقد رُويَ أنَّ سببَ نزولٍ ما تَلَوْنَا في حديث علي رضي الله عنه
كان لِغيرِ المعنى الذي ذَكَرْنَا نزولَ ما قد كان من أجله
٢٤٨٤ - كما قد حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا أبو اليَمَان
الحكم بن نافع البَهْرَاني، قال: أخبرنا شُعَيْب بن أبي حمزة، عن
الزهري، قال: أخبرني سعيد بنُ المُسيِّب
عن أبيه، قال: لما حَضَرَتْ أبا طالبِ الوفاةُ جاءَه رسولُ اللهِ إِلَه
فوجد عنده أبا جهلٍ، وعبدَ الله بن أبي أُمَيَّة بن المغيرة، فقال النبيُّ
وَ﴿ لأبي طالب: «أي عمِّ، قُلْ: لا إِله إِلَّ اللّه كلمةٌ أُشهدُ لَكَ بها
عندَ اللهِ. فقال أبو جهل وعبدُ الله بن أبي أُمَيَّة: أترغب عن مِلَّة عبدٍ
المطلب؟! فلم يزلِ النبي ◌َّهُ يَعْرِضُها عليه ويُعِيدَانِه بتلك المقالةِ(١)
حتَّى قال أبو طالب آخرَ ما كلَّمهم: على مِلَّ عبد المطلب، وأبى أنْ
يقول: لا إله إلا الله، فقال النبيُّ نَّهِ: ((أما واللهِ لَاستغفِرَنَّ لك ما لم
أَنّهَ عنك)) فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
(١) أي: ويُعيدانه إلى الكفر بتلك المقالة، والمراد قولُ أبي جهل ورفيقه له:
أترغب عن ملة عبد المطلب، كأنه قال: كان قارب أن يقولها، فَيُردَّانِهِ، ووقع في
رواية البخاري: ويعودان بتلك المقالة.
- ٢٨٣ -

لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ... الآية﴾ وأنزل في أبي طالب:
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾(١)
[القصص: ٥٦].
٢٤٨٥ - وكما قد حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد بن جعفر وعُبَيْدُ بنُ
رجالٍ، قالا: حدثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدثنا ابنُ وَهْبٍ قال:
أخبرني يونس، عن ابن شهاب، [قال: أخبرني سعيدُ بن المُسيِّب، عن
أبيه] ثم ذكر مثلَه(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البخاري (٤٧٧٢) و(٦٦٨١)، والبيهقي في «دلائل النبوة)) ٣٤٢/٢-٣٤٣
عن أبي اليمان، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٤٣٣/٥، والبخاري (٣٨٨٤) و(٤٦٧٥)، ومسلم (٢٤) (٤٠) من
طرق عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، به.
ورواه النسائي ٩٠/٤، وفي ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٨٧/٨ عن محمد بن
عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، به.
ورواه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤) (٤٠) من طرق عن يعقوب بن
إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، به.
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٩٩/٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن
المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
أحمد بن صالح، فمن رجال البخاري، ورواه مسلم (٢٤) عن حرملة بن يحيى،
والطبري (١٧٣٢٥) عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، كلاهما عن عبد الله بن
وهب، بهذا الإِسناد.
- ٢٨٤ -

٢٤٨٦ - وكما حدثنا [مصعب بن إبراهيم الزبيري، قال: حدثنا
أبي] قال: حدثنا الدَّراوردي، قال: حدثنا محمد بن [عبد الله بن
مسلم، عن عمه، عن سعيد بن المسيب] أن أبا طالب لما حضرته
الوفاة ... ثم ذكر مثله (١) ولم يُجاوِزْ به سعيدَ بنَ المسيِّب.
فكان في هذا الحديث أن الله عزَّ وجلَّ إنما أنزل النهيَ عنِ
الاستغفارِ للمشركين لِسبب ما كان من أبي طالب، وأنَّ ذلك كان مِن
بعد موته على ما ماتَ عليه.
وقد رُوِيَ أنَّ سببَ نزولها كان في خِلاف ذلك
٢٤٨٧ - كما حدَّثنا أحمدُ بنُ داود بن موسى، قال: حدثني
حَرْمَلَةُ بنُ يحيى، قال: أنبأنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبرني ابنُ
جُرَيْجٍ، عن أَيُّوب بنِ هانىء، عن مَسْرُوق بن الأجْدَع
عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله وَله خرج يوماً
وخرجنا معه حتّى انتهينا إلى المقابر، فأمرنا، فجَلَسْنَا، ثم تخطّى القبورَ
حتى انتهى إلى قبرِ منها، فجلس، فناجاه طويلاً، ثم ارتفع نَحِيبُ
رسولِ اللهِوَ﴿ باكياً، فبكينا لبكاءِ رسول اللهِوَلَ، ثم إنّ النبيَّ ◌ِ لـ
أقبل إلينا، فتلقاه عُمربن الخطاب رضي الله عنه، فقال: ما الذي
أبكاكَ يا رسولَ الله، فقد أبكانا وأفْزَعَنَا؟ فأخذ بيد عُمر، ثم أقبل إلينا،
(١) مصعب بن إبراهيم روى عنه المصنف في خمسة مواضع من كتابه هذا،
ولم أقف له على ترجمة، ومن فوقه من رجال الصحيح، ورواه الطبري (١٧٣٢٨)
عن ابن وكيع، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن
سعيد بن المسيب.
- ٢٨٥ -

فَأَتَيْنَاه، فقال: ((أَفْزَعَكُمْ بُكَائِي))؟ قلنا: نعم يا رسولَ الله. فقال: ((إنَّ
القبرَ الذي رأيْتُمونِي أَنَاجِي قِبرُ آمنةً بنتِ وَهْبٍ، وإِنِّي استأذنتُ ربي
عز وجل في الاستغفار لها، فلم يأْذَنْ لِي ونزل عليَّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ
والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حتى تنقضي الآية ﴿وَمَا كانَ
استغفارُ إِبراهيمَ لأبيه﴾ فأخذني ما يأخذُ الولدُ للوالدين من الرِّقَّةِ فذلك
الذي أبكاني(١).
فالله أعلمُ بالسبب الذي كان فيه نزولُ ما قد تَلَوْنا غَيْرَ أنه قد يجوز
أنْ يكونَ نزولُ ما قد تَلَوْنا بعد أن كان جميعُ ما ذكرنا من سببٍ أبي
طالب، ومن سبب علي رضي الله عنه فيما كان سمعه من المستغفر
لأبويه، ومن زيارة النبي ◌ََّ قَبْرَ أمه، ومِن سؤال ربه عز وجل عندَ
ذلك الإِذن له في الاستغفار لها، فكان نزولُ ما تلونا جواباً عن ذلك
كُلِّهِ.
وقد رُوِيَ عنه وَ لَّ في إباحة الاستغفار لأَحْيَائِهم
(١) إسناده ضعيف. ابن جريج مدلس وقد عنعن، وأيوب بن هانىء ضعفه ابن
معين، وقال الدارقطني: يُعتبر به، وقال أبو حاتم: شيخ كوفي صالح، وقال الحافظ
في ((التقريب)): صدوق فيه لين.
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٣٦/٢ وعنه البيهقي في ((دلائل النبوة))
١٨٩/١٢-١٩٠ من طريق ابن وهب بهذا الإسناد، وصححه الحاكم، فتعقبه الذهبي
بقوله: أيوب بن هانىء ضعفه ابن معين، وقال ابن كثير في ((البداية)) ٢٦٠/٢:
غريب ولم يخرجوه.
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٠٢/٤-٣٠٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم
وابن مردويه.
-٢٨٦ -

٢٤٨٨ - ما قد حدثنا محمد بنُ علي بن داود، قال: حَدِّثنا
إبراهيمُ بنُ حمزة الزُّبَيْرِي وإبراهيمُ بنُ المنذر الحِزَامِي، قالا: حدثنا
محمد بن فُلَيْح، عن موسى بنِ عُقْبة، عن الزهري
عن سهل بن سعدٍ السَّاعِدِي رضي الله عنه أن رسولَ الله وَلِ قال:
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فإِنّهم لا يَعْلَمُونَ))(١).
ففي هذا الحديث استغفارُهُ وَّ لقومه الذين لا يعلمون وهُمُ الذين
لم يُؤْمِنُوا به ولم يُصَدِّقُوهُ. وقد رُوِيَ عنه وََّ مما يدخُلُ في هذا البابِ
٢٤٨٩ - ما قد حدثنا عليُّ بنُ عبد الرحمن، قال: حدثنا يحيى بنُ
مَعِين، قال: حدثنا مروانُ بنُ مُعَاوية، قال: حدثنا يزيدُ بن كَيْسَان، عن
أبي حازم
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ استأذنتُ
ربِّي عز وجل أَنْ أَسْتَغْفِرَ لوالدَتِي، فلمْ يَأْذَنْ لِي، واستأذنتُهُ أَنْ أَزورَ قَبْرَها
فَأَذِنَ لِي(٢). والله عز وجل نسأله التوفيق.
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٥٦٩٤)
من طريقين عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن محمد بن فليح، بهذا الإسناد،
وذكر الهيثمي في ((المجمع)) ١١٧/٦ عنه، وقال: رجاله رجال الصحيح.
وروى البخاري (٣٤٧٧) و(٦٩٢٩)، ومسلم (٢٨٠٤) عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله ◌َ## يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه
فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: ((اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون)).
(٢) يزيد بن كيسان - وإن احتج به مسلم - مختلف فيه، فقد وثقه ابن معين
والنسائي والدارقطني، وقال ابن القطان: صالح وسط ليس هو ممن يعتمد عليه، وقال =
- ٢٨٧ -

= أبو حاتم: یُکتب حديثه، محله الصدق صالحُ الحدیث، وبعضُ ما يأتي به صحيح،
وبعض لا، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان يُخطىء ويُخالف لم يفحش خطؤه
حتى يعدل به عن سبيل العدول، ولا أتى بما ينكر، فهو مقبولٌ إلا ما يُعلم أنه أخطأ
فيه، فيترك خطؤه كغيره من الثقات، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم،
وباقي رجاله ثقات رجال الشیخین.
ورواه مسلم (٩٧٦) من طريقين، عن مروان بن معاوية، بهذا الإسناد.
ورواه مسلم أيضاً والبيهقي في ((دلائل النبوة)» ١٩٠/١ من طريق محمد بن
عبيد، عن یزید بن كيسان، به.
- ٢٨٨ -

٣٩٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَالـ
في مسحه على خُفَّيْهِ هل كان بعدَ نزولِ
المائدة أو قبلها
٢٤٩٠ - حدثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حدثنا عُبَيْدُ الله
بنُ محمد بن عائشة، قال: حدثنا أبو عَوَانة، عن عطاء بن السائب،
عن سعيد بن جُبَيْر
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: مَسَحَ رسولُ اللهِ ◌ّ على
الخُفَّين، فاسألِ الذين يزعمون أن رسولَ الله وَّر قد مسح على الخفين
أقبلَ المائدةِ، أو بعد المائدةِ؟ فقال: والله ما مسح بعدَ المائدة، ولأَنْ
أمسحَ على ظهر عيرٍ بالفَلاةِ أُحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أَمسحَ عليهما(١).
(١) إسناده ضعيف. عطاء بن السائب قد اختلط، وأبو عوانة - واسمه الوضاح
اليشكري - سمع منه بعد الاختلاط.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٢٨٧) عن علي بن عبد العزيز، حدثنا
محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا أبو عوانة بهذا الإِسناد.
وروى الطبراني (١١١٤٠) عن إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا عبيدُ بن
عبيدة التمار، حدثنا معتمربن سليمان، عن عثمان بن ساج، عن خصيف، عن
مجاهد، وعكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ذكر المسح على الخفين
عند عمرو وسعد وعبد الله بن عمر، فقال عمر: سعد أفقه، فقال ابن عباس: يا سعد =
- ٢٨٩ -

ففي هذا الحديث أنَّ مسح رسولِ اللهِ وَّةِ على خُفَيْهِ كان قبلَ
نزولِ المائدة، وأنَّه لم يمسح عليهما بعدَ نزولها عليه، وفيه مِن قول
ابن عباس: ولأنْ أمسحَ على ظهرِ عيرِ بالفلاةِ أحبُّ إليَّ [من] أن أمسحَ
عليهما. فتعلَّق بهذا الحديث قومٌ، فمنعوا به من المسح على الخفّين.
فتأملنا هذا الحديثَ، هل يوجبُ ما حملُوه عليه أم لا؟ فوجدنا
فيه أنَّ رسولَ الله وَلِّ قد كان مَسَحَ على الخفين قبل نزولِ المائدة
عليه، وليس فيه أنَّه قال للناس بعدَ نزولها عليه: لا تمسحوا عليهما،
فإنَّ الذي نزل عليَّ في سورة المائدة من غَسْلِ الرجلين في الوضوء
للصلاة قد منع من ذلك، ولو كان ذلك كذلك، لكانت الحجةُ قد
قامت بنسخِ المَسْحِ على الخفّين في الوضوء، وإنَّما فيه قولُ ابن
= أما تذكر أن رسول الله # قد مسح، ولكن هل مسح منذ نزلت سورة المائدة؟.
وهذا سند ضعيف، عبيد بن عبيدة التمار قال الدارقطني في ((العلل)) يحدث
عن معتمربن سليمان بغرائب لم يأت بها غيرُه، وعثمان بن ساج فيه ضعف،
وخصيف سبىء الحفظ.
ورواه الطبراني أيضاً (١٢٢٣٧) عن أبي يزيد القراطيسي، حدثنا حجاج بن
إبراهيم الأزرق، عن عتاب بن بشير، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس أنه قال: قد علمنا أن رسول الله ولي قد مسح على الخفين، ومسح أصحابه،
فهل مسح منذ نزلت سورة المائدة.
وهذا سند ضعيف أيضاً، قال أحمد: أحاديث عتاب عن خصيف منكرة،
وضعفه النسائي، وقال في رواية: ليس بذاك، وقال أحمد: تركه ابن مهدي بأخرة،
وقال ابن عدي: روى عن خصيف نسخة فيها أحاديث أنكرت، وخصيف سبىء
الحفظ.
- ٢٩٠ -

عباس: إنَّه لم يمسح عليهما بعدَ نزولِ المائدة، وقد يجوز أن يكونَ
كان ذلك لأنَّه لم يَرَ رسولَ الله ◌َِّ مَسَحَ عليهما، ورآه غيرُهُ مَسَحَ
عليهما، فإنْ كان ذلك كذلك، كان مَنْ رآه مَسَحَ عليهما بعدَ نزولها
أُوْلَى بما رُوِيَ مِمّن روى أنه لم يره مَسَحَ عليهما بعدَ نزولها.
وتأملنا قول ابن عباس: ولأنْ أمسحَ على ظهر عير بالفلاةِ أُحبُّ
إليَّ من أن أمسح عليهما، فوجدناه محتملاً أن يكونَ ذُلك منه، لأنه
مِنْ قوم قد اختصَّهُمْ رسولُ الله ◌ِِّ دونَ الناس بإسباغ الوضوء على
ما رويناه فيهم مما قد تقدَّم في كتابنا هذا وهو قولُ ابنِ عباس: ما
اختصِّنَا رسولُ اللهِ وَِّ دونَ الناسِ إِلَّ بثلاثةٍ: إسباغ الوضوء، وأن لا
نأْكُلَ الصدقة، وأنْ لا نُنْزِيَ حِماراً على فرس(١). وكان إسباغُ الوضوء
هو المبالغَةَ فيه، وتبليغَه أعلى مراتبه، وفي ذلك غسلُ القدمين لا
المسحُ على الخفين الملبوسين عليهما، ويكونُ المسح على الخفين
عندَه لِغيره من الناس باقٍ على حكمه قبل نزول المائدة، ويكون له
مع ذلك أنْ يمسحَ على الخفين كما يمسح غيرُه من الناس، وإنْ كان
لزوم ما اختصه به رسولُ الله ◌َّ أَوْلَى به من غيره.
ثم نظرنا هل رُوِيّ عنه ما يدلُّ على ذلك أم لا؟
فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا، قال: حدثنا عبد الصمد بن
عبد الوارث التنورِي.
ووجدنا بَكَّار بن قُتَيْبَة قد حدثنا قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسيُّ،
(١) أثر صحيح، وقد تقدم برقم (٢١٦) و(٢١٧).
- ٢٩١ -

قالا: حدثنا شُعْبَة، عن قَتَادة، عن موسى بن سلمة قال: سألتُ ابنَ
عباس عن المسح على الخُفين، فقال: للمسافر ثلاثةُ أيَّامٍ ولیالیھن،
وللمقيم يَوْمٌ ولَيْلَةً(١).
فكان تصحيحُ ما رويناه عنه في هذا الباب اختياره لنفسه ما اختصّه
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير موسى بن
سلمة - وهو ابن المحبق الهذلي البصري - فمن رجال مسلم.
ورواه البيهقي ٢٧٣/١ من طريق أبي خليفة، عن سليمان بن حرب، عن
شعبة، بهذا الإِسناد، وقال: وهذا إسناد صحيح.
ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٨٢/١ عن ابن عُلية، عن سعيد بن أبي
عروبة، عن قتادة، به.
ورواه البيهقي ٢٧٧/١ عن علي بن عبد العزيز، حدثنا خلف بن موسى بن
خلف العمي، حدثنا أبي، عن قتادة، به.
ورواه ابن أبي شيبة ١٨٠/١، وعبد الرزاق (٨٠٢) من طريقين عن موسى بن
عبيدة، عن محمد بن عمروبن عطاء، عن ابن عباس.
ورواه الطبراني (١٢٤٢٣) مرفوعاً ولا يصح، فإن في سنده مسلم بن كيسان
الضبي الملائي، وهو ضعيف.
وروى البيهقي ٢٧٣/١ من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا ابنُ فضيل، عن
فِطر بن خليفة قال: قلتُ لعطاء: يا أبا محمد، إن عكرمة كان يقول: كان ابنُ عباس
يقول: سبق الكتابُ المسحَ على الخفين، قال: كذب (أي: أخطأ) عكرمة، كان
ابنُ عباس يقول: امسح على الخفين وإن خرجتَ من الخلاء.
قال البيهقي: وكذلك رواه وكيع وغيرُه عن فِطر، ويحتمل أن يكونَ ابنُ عباس
قال ما روى عنه عكرمة، ثم لما جاءه التثبتُ عن النبي ﴿ أنه مسح بعدَ نزولِ
المائدة، قال ما قال عطاء.
- ٢٩٢ -

رسولُ اللهِ وَِّ به، وإعلامه الناس الذين هُمْ في ذلك بخلافه وبخلاف
بني هاشم سواه أنَّ لهم أنْ يمسحوا على خِفافهم على ما في حديث
موسى بن سلمة عنه، وهذا أحسنُ ما توجَّه لنا في هذا الباب بعد
احتمالنا فيه حديثَ عطاء بن السائب الذي ذكرناه فيه، لأنه من حديث
أبي عَوَانَة عنه وهو مِمَّن أخذ عنه في حال التغير وقبلَ حال التغير،
فلم يُدْرَ أكان هذا الحديث مما أخذه قبل التَّغيُّر أو بعدَ التّغيِّرِ، وإنما
حديثُه الذي كان منه قبلَ تغيره يؤخذ من أربعةٍ لا ممن سواهم، وهم:
شعبة، والثوري، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ثم نظرنا هل روي
عن رسول الله وَّيّ أنه مسح على خفيه بعدَ نزولِ المائدة أم لا؟
٢٤٩١ - فوجدنا يونس قد حدثنا، قال: حدثنا سفيان، عن
الأعمش، عن إبراهيم، عن همَّام، قال:
رأيتُ جريراً توضّأ من المطهرة، ثم مسح على خُفَيْهِ فقيل له:
أَتَمْسَحُ على خُفِيك؟ فقال: إنِّي رأيتُ رسولَ الله وََّ يمسح على خفّيْهِ.
كان هذا الحديث يُعْجِبُ أصحابَ عبدِ الله، لأنَّ إسلامَه كان بعدَ
نزولٍ المائدة(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. سفيان: هو ابن عيينة، وإبراهيم: هو
ابن يزيد النخعي، وهمَّم: هو ابن الحارث.
ورواه الحميدي (٧٩٧)، وعبد الرزاق (٧٥٧)، وأحمد ٣٦١/٤، ومسلم
(٢٧٢)، وأبو عوانة ٢٥٤/١، والطبراني (٢٤٢٢)، والبيهقي ٢٧٣/١ عن سفيان بن
عُيينة، بهذا الإِسناد.
ورواه عبد الرزاق (٧٥٦)، ومن طريقه الطبراني (٢٤٢١) عن سفيان الثوري، =
- ٢٩٣ -

٢٤٩٢ - ووجدنا عبدَ الملك بن مروان الرَّقِّي قد حدَّثنا، قال:
حدثنا أبو معاوية الضريرُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، عن همَّام، قال:
بالَ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ البَجَلِي، ثم توضأ ومسح على خُفَّيْهِ، فقيل
له: أَتَفْعَلُ هذا وقد بُلْتَ؟ قال: نَعَمْ رأيتُ رسول الله وَرِ بال، ثمّ
توضأ، وهمسحَ علی خُفِيْهِ.
قال الأعمش: قال إبراهيمُ: كان يُعْجِبُهُمْ هذا الحديث، لأنَّ
= عن الأعمش، به.
ورواه الطيالسي (٦٦٨)، والبخاري (٣٨٧)، وأحمد ٣٦٤/٤، وأبو عوانة
٢٥٤/١، وابن حبان (١٣٣٦)، وابن خزيمة (١٨٦)، والطبراني (٢٤٢٦) عن
شعبة .
ورواه ابن أبي شيبة ١٧٦/١، والترمذي (٩٣)، وابن ماجه (٥٤٣)، وأبو عوانة
٢٥٤/١، وابن خزيمة (١٨٦) عن وكيع.
ورواه النسائي ٨١/١ عن حفص بن غياث، وأبو عوانة عن شجاع بن الوليد.
ورواه مسلم، وأبو عوانة عن علي بن مسهر.
ورواه مسلم، والدارقطني ١٩٣/١، والخطيب في ((تاريخه)) ١٥٣/١١ عن
عیسی بن یونس.
ورواه أبو عوانة ٢٥٥/١، والطبراني (٢٤٢٣) و(٢٤٢٤) عن زائدة وأبي أسامة.
ورواه ابن خزيمة (١٨٦) عن أبي أسامة.
ورواه ابن حبان (١٣٣٥)، والطبراني (٢٤٢٧) عن داود الطائي.
ورواه أحمد ٣٦٤/٤، وأبو عوانة ٢٥٥/١، والطبراني (٢٤٢٥) عن أبي عوانة
الوضاح اليشكري .
ورواه الطبراني (٢٤٢٩) عن حمزة الزيات، كلهم عن الأعمش، به.
- ٢٩٤ -

إسلامَ جرير كان بعدَ نزول المائدة(١).
٢٤٩٣ - وحدثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدثنا حجَّاج بنُ إبراهيم،
قال: حدثنا أبو شِهَاب، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن هَمَّام بن
الحارث
أنَّ جَرِيرَ بنَ عبدِ الله قَضَى حاجةٌ من غائطٍ أو بولٍ، ثمَّ توضًّا،
ومسحَ على خُفِّيه، فَضَحِكَ بعضهم، فقال له جريرٌ: إنْ تعجب، فقد
رأيتُ رسولَ اللهِ وََّ فعلَ ذلك، ثمَّ مَسَحَ(٢).
حدثنا يوسفُ، قال: حدثنا حَجَّاج، قال: حدثنا أبو شِهَابٍ، عن
الأعمش، عن إبراهيم أنَّه كان مُعْجَباً بحديث جرير، لأنَّه أَسْلَمَ بعدَ
نزول المائدة(٣).
قال أبو جعفر: وكان في هذا الحديث تثبيتُ جرير مَسْحَ رسولٍ
اللهِ وَلّ على خُفيه بعد نزولِ المائدة، فكان أوْلى مما رويناه قبلَه في
هذا الباب.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو معاوية الضرير: اسمه محمد بن
خازم.
ورواه أحمد ٣٥٨/٤، ومسلم (٢٧٢)، والدارقطني ١٩٣/١، وابن خزيمة
(١٨٦)، وأبو عوانة ٢٥٥/١، والطبراني (٢٤٣٠)، والبيهقي ٢٧٠/١ من طريق أبي
معاوية، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح. حجاج بن إبراهيم: روى له أبو داود والنسائي، وهو ثقة،
ومن فوقه من رجال الشيخين.
(٣) رجاله ثقات.
- ٢٩٥ -
٠

فقال قائل: إنما الذي في هذا الحديث من كلام أصحاب عبد
الله بغير ذكرٍ منهم إيَّه عن جرير، فكان حديثاً منقطعاً.
وكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنّه قد رُويَ هذا الحديث
عن جرير متصلاً من غير هذه الجهة.
٢٤٩٤ - كما قد حدثنا فَهْدٌ، قال: حدثنا أبو نُعَيْم، قال: حدثنا
بُكَيْر بن عامر البَجَلِي
عن أبي زُرْعَة، قال: بال جريرٌ ومسحَ على الخُفَّينِ، فعابَ ذُلك
عليه قومٌ، وقالُوا: إنَّ هذا كان قبلَ نزولِ المائدة فقال: ما أسلمتُ
إِلَّ بعدَ نزول المائدة، وما رأيتُ نبِيَّ الله ◌َّهَ يمسحُ إلَّ بَعْدَمَا نَزَلَتْ (١).
(١) حديث حسن. بكير بن عامر البجلي: حسن الحديث في المتابعات،
وهذا منها، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو نعيم: هو الفضل بن دكين، وأبو
زرعة: هو ابن عمروبن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، مختلف في اسمه، قيل:
اسمه هرم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير.
ورواه أبو داود (١٥٤)، والبيهقي ٢٧٠/١ من طريق عبد الله بن داود، وابن
خزيمة (١٨٧) من طريق الفضل بن موسى، كلاهما عن بكير بن عامر البجلي، بهذا
الإسناد، وصححه الحاكم ١٦٩/١، ووافقه الذهبي من طريق عبد الله بن داود، عن
بکیر، به.
وروى أحمد ٣٦٣/٤ عن هاشم بن القاسم، حدثنا زيادُ بنُ عبد الله بن علاقة،
عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جريربن عبد الله البجلي،
قال: أنا أسلمتُ بعدما أنزلت المائدة، وأنا رأيتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ يمسح بعدما
أسلمت. وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.
وروى أحمد ٣٦٤/٤، والطيالسي (٦٦٨)، والبخاري (٣٨٧)، وأبو عوانة
- ٢٩٦ -

٢٤٩٥ - وكما قد حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حدثنا يزيدُ بنُ
عبدِ رَبِّه
وكما قد حدثنا ابنُ أبي أُمَّيَّة، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ بن شُرَيْح
الحَضْرَمِي، قال: حدثنا بقيّةُ بنُ الوليد، عن إبراهيم بن أدهم، عن
مُقَاتل بن حَيَّان، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَب
عن جرير بن عبد الله، قال: رأيتُ رسولَ الله وَّهُ يمسحُ على
خفَّيه، فقالوا: بعدَ نزول المائدة؟ فقال جريرٌ: إنما أسلمتُ بعدَ نزولِ
المائدة(١).
= ٢٥٤/١، وابن حبان (١٣٣٦) من طريق شعبة، عن الأعمش قال: سمعت إبراهيم
يُحَدِّثُ عن همام بن الحارث النخعي قال: رأيتُ جرير بن عبد الله بال، ثم توضأ،
ومسح على خفيه، ثم قام، فصلى، فسئل عن ذلك، فقال: رأيت النبي وَّ صنع
مثل هذا.
(١) حسن لغيره، بقية بن الوليد: صرَّح بالتحديث عند البيهقي، فانتفت شبهةُ
تدليسه، وشهر بن حوشب: حديثه حسن في المتابعات.
ورواه البيهقي ٢٧٣/١-٢٧٤ من طريق حيوة بن شريح، وإبراهيم بن عيسى،
كلاهما عن بقية، بهذا الإِسناد.
ورواه الترمذي (٩٤) عن قتيبة، عن خالد بن زياد الترمذي، عن مقاتل بن
حيان، عن شهربن حوشب، عن جرير. قال الترمذي: ورواه بقية عن إبراهيم بن
أدهم، عن مقاتل بن حيان، عن شهربن حوشب، عن جرير. وهذا حديث مُفسِّر،
لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأوَّلَ أن مسحَ النبي ◌َّ على الخفين كان
قبلَ نزول المائدة، وذكر جرير في حديثه أنه رأى النبي ير مسح على الخفين بعد
نزول المائدة.
- ٢٩٧ -

فهذان حديثان متصلان عن جرير فيهما إثباتُه مسحَ رسول الله وَله
بَعْدَ نزولِ المائدة. والله نسألُه التوفيق.
وفي حديث جرير هذا ما قد
حدثنا محمد بنُ بَحْر بن مَطَر، قال: حدثنا الحسنُ بنُ قُتَيْبة، قال:
حدثنا حَمْزَةُ الزّيَّاتُ، عن حمّاد، عن إبراهيم، قال: لم أسمع في
المسح حديثاً أحبَّ إليَّ مِن حديث جريربن عبد الله، لأَنَّه أسلم بعدَ
نزول المائدة، وفي العام الذي قُبِضَ فَيَهَ رسولُ اللهِ وَلَ﴾ (٢).
(١) الحسن بن قتيبة: هو الخزاعي المدائني، قال أبو حاتم: ضعيف، وقال
الدارقطني: متروك الحديث، وقال العقيلي: كثيرُ الوهم، وقال ابن عدي: أرجو أنه
لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ١٦٨/٨ وقال: كان يخطىء ويخالف.
ومن فوقه ثقات من رجال الصحيح، حمزة الزيات: هو حمزة بن حبيب بن عمارة أبو
عمارة الكوفي أحد القراء السبعة، كان كما قال ابن الجزري: إماماً، حجة، ثقةً،
ثبتاً، رضياً، قيُّماً بكتاب الله، بصيراً بالفرائض، عارفاً بالعربية، حافظاً للحديث،
عابداً خاشعاً، زاهداً ورعاً، قانتاً لله، عديمَ النظر. وحماد: هو ابن أبي سليمان
الأشعري مولاهم الكوفي، ثقة إمام مجتهد كما قال الإمام الذهبي في ((الكاشف)).
- ٢٩٨ -

٣٩٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ في إسلام جريرٍ
متی کان في سوى ما رويناه في الباب
الذي قبل هذا الباب
حدثنا فهد، قال: حدثنا موسى بن داود، قال: حدثنا حفص بن
غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، وعن حمّاد عن إبراهيم
عن جريربن عبد الله قال: أسلمتُ قبل وفاة النبي ◌َّ بأربعين
يوماً. قال إبراهيم: ما أسلم جرير إلّ قبلَ وفاة النبي ◌َّهُ بأربعين
ليلة(١).
(١) هذا الحديث - وإن كان رجاله ثقات - مردود لما في متنه من نكارة كما
سيبين المؤلف رحمه الله .
ورواه ابن خزيمة في «صحيحه)) (١٨٨) عن فهد بن سليمان شيخ الطحاوي،
عن موسى بن داود، بهذا الإسناد. ولم يتفطن الشيخ الألباني لما في متنه من نكارة،
لأن جُلَّ عِنايته نقدُ الأسانيد، وإغفالُ نقدِ المتون، يظهر ذلك جلياً فيما يدونه في
((صحيحته)) من أحاديث لا يتوقفُ الباحثُ المتمكن في الحكم ببطلان متونها، ثم
إنه أضاف إلى ذلك خطأ آخر فحكم بجهالةِ فهد بن سليمان شيخ الطحاوي استناداً
إلى ما في كتاب ابن أبي حاتم، وهو قصور ظاهر منه، قال الإِمام العيني في ((مغاني
الأخيار)) ص٣٧٦: هو فهد بن سليمان بن يحيى أبو محمد الكوفي أحد مشايخ
الطحاوي الذين روى عنهم، وكتب وحدث، قال ابن يونس: كوفي، قدم مصر
قديماً، وكان يدل في البز، وحدث بها عن الغرباء وأهل مصر، توفي سنة (٢٧٥)هـ،
وكان ثقةً ثَبتاً. وانظر ((تراجم الأحبار)) ٢٤٢/٣ -٢٤٣.
- ٢٩٩ -

ففي هذا الحديث أنَّ إسلام جرير إنما كان قبل وفاة النبي ◌ِّ
بأربعين إمَّا يوماً وإمَّا ليلة. وهذا عندنا حديث منكر ولم نجده يدورُ
إلّ على موسى بن داود خاصة، فنظرنا هل نجد ما يُخَالفه؟ أم لا؟
٢٤٩٦ - فوجدنا ابنَ أبي داود قد حدثنا، قال: حدثنا سليمانُ بن
حَرْب، قال: حدثنا شُعْبة، عن علي بن مُدرك، قال: سمعت أبا
زُرعة بن عمرو بن جریر یحدث
عن جدِّه جرير، قال: قال لي رسول الله وَّر في حجة الوداع:
((استنصِتِ النَّاسَ))، ثم قال: ((لا تَرجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يضربُ بعضُكم
رِقَابَ بَعْضٍ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البخاري (٧٠٨٠)، وابن منده في ((الإِيمان)) (٦٥٧)، والبغوي في ((شرح
السنة)) (٢٥٥٠) عن سليمان بن حرب، بهذا الإِسناد.
ورواه ابن حبان (٥٩٤٠)، والدارمي ٦٩/٢، والطبراني (٢٤٠٢) عن أبي الوليد
هشام بن عبد الملك، وابن أبي شيبة ٣٠/١٥-٣١، وأحمد ٣٦٣/٤، والبخاري
(٦٨٦٩)، ومسلم (٦٥)، والنسائي ١٢٧/٧-١٢٨، وابن ماجه (٣٩٤٢) عن غندر
محمد بن جعفر، وأحمد ٣٥٨/٤، والبخاري (١٢١) عن حجاج بن منهال، وأحمد
٣٦٦/٤، والنسائي ١٢٧/٧-١٢٨، وابن ماجه (٣٩٤٢) عن عبد الرحمن بن
مهدي، والبخاري (٤٤٠٥) عن حفص بن عمر، ومسلم (٦٥) عن معاذ بن هشام
الدستوائي، خمستهم عن شعبة، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٠/١٥، وأحمد ٣٦٦/٤، والنسائي ١٢٨/٧، والطبراني
(٢٢٧٧) من طريق عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي
حازم، عن جرير.
- ٣٠٠ -