Indexed OCR Text
Pages 21-40
٦٠٥ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله اله من قوله: ((من أقرض قرضين، كان له أجر أحدهما لو تصدق به)) ٣٨٨٥ - حدثنا القاسمُ بنُ عبدالله، - يعني ابن مهدي -(١)، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بنُ عبد الأعلى الصنعاني، ومسكنه البصرة، قال: حدثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمان التيمي، قال: قرأتُ على فُضيل بن ميسرة، عن أبي حريزٍ - قال أبو جعفر: واسمه عبد الله (٢) بن الحسين - أن إبراهيم حدَّثه أن الأسود بن يزيد كان يستقرضُ مولى للنَّخَع تاجراً، فإذا خَرَجَ عطاؤه، قضاه، وإنَّه خَرَجَ عطاؤه، فقال له الأسودُ: إن شئت، أَخَّرْتَ عنا، فإنه قد كانت علينا حقوقٌ في هذا العطاء، فقال له التاجرُ: لستُ فاعلاً، فنقده الأسودُ خمس مئة درهم، حتى إذا قبضها، قال له التاجرُ: دونَكَ فخذها، فقال له الأسودُ: قد سألتُك فأبيتَ، قال التاجرُ: إنِّي سمعتُك تُحدث عن عبد الله بن مسعود أن نبيَّ الله وَّ كان يقول: (١) هو القاسم بن عبد الله بن مهدي الإِخميمي الحافظ، كان راوية للحديث جماعاً له، وکان کتبه جیاداً، وکان بعض شيوخ مصر یضعفه، قال ابن عدي - وقد كَتَبَ عنه -: ولم أُرَ له حديثاً منكراً فأذكره، وهو عندي لا بأس به. (٢) في الأصل: ((إبراهيم بن الحسين)) وهو خطأ، والتصويب من ((التهذيب)) وغيره. ٢١ ((مَنْ أَقْرَضَ قَرْضَيْن، كان له مِثْلُ أجر أُحدهما لو تَصَدَّقَ به))(١). يراه المعتمِرُ فقبله. فقال قائلٌ: قد رويتَ لنا فيما تقدم من كتابك هذا حديثَ بريدة (١) حديث حسن. فضيل بن ميسرة روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه، ووثقه ابن معين، وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخ صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: مستقيم الحديث، وأبو حريز عبدالله بن الحسين مختلف فيه، وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وابن حبان، وقال أبو حاتم: حسن الحديث ليس بمنكر الحديث يُكتب حديثه، وضعفه النسائي وغيره، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح. إبراهيم: هو ابن يزيد بن قيس النخعي، والأسود: هو ابن يزيد النخعي وهو خال إبراهيم. ورواه ابن حبان (٥٠٤٠)، والطبراني (١٠٢٠٠)، والبيهقي ٣٥٣/٥ - ٣٥٤ من طريق يحيى بن معين، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٣٧/٤ من طريق يحيى بن عبدالحميد، كلاهما عن المعتمربن سليمان، بهذا الإِسناد. ورواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ص١٩ - ٢٠ من طريق أبي معشر البرَّاء يوسف بن يزيد، عن أبي معاذ الفضل بن ميسرة، به. ورواه ابن ماجه (٢٤٣٠)، وأبو يعلى (٥٠٣٠)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ص١٩، والبيهقي ٣٥٣/٥ من طرق عن سليمان بن يسير، عن قيس بن رومي، عن سليم (وهو الراجح) أو سليمان بن أذنان، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقيس بن رومي مجهول، وسليم بن يسير ليس بالقوي. ورواه أحمد ٤١٢/١، وأبو يعلى (٥٣٦٦) من طريق حماد بن سلمة أخبرنا عطاء بن السائب، عن ابن أذنان، عن علقمة، عن ابن مسعود. وابن أذنان - واسمه سليم - روى عنه غير عطاء بن السائب أبو إسحاق، وعبدالرحمن بن عابس، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ٢٢ = أن رسولَ اللهِ وَّ قال: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، فَلَهُ بِكُلِّ يومٍ صدقةٌ، ومَنْ أنظر مُعْسِراً، فَلَهُ بِكُلِّ يومٍ مثله صدقةً))(٢) وأنَّ رسولَ اللهِ نَّهُ سُئِلَ عن ذلك، فقال: له قبلَ حلوله في كل يومٍ صدقة، فإذا حل، فأنظره به، كان له في كُلِّ يومٍ مثله صدقةً، أفيكونُ حديثُ ابن مسعود هذا مخالفاً لحديثِ بُريدة هذا؟ فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجَلَّ وعونِه: أنَّه غيرُ مخالفٍ له، لأنَّ حديثَ ابن مسعود هو في الثوابِ على نفس القرض، وحديث بُريدة هو على الثواب بالقرض من بعدِ القرض في الإِنظار به بعدَما يكون للمقرض على المستقرض بإقراضه إياه ماله وبعدَ وجوبه دين له عليه. والله نسأله التوفيق. ورواه الطبراني في «الكبير» (٩١٨٠) عن علي بن عبد العزيز، عن أبي نعيم، = عن دلهم بن صالح (وهو ضعيف)، عن حميد بن عبد الله الثقفي (لا يعرف): أن علقمة بن قيس استقرض من عبد الله ألف درهم، فأقرضه إياها، فلما خرج العطاء، جاءه بألف درهم، فقال: هذا مالك، قال: هاته، فأخذه، فقال عبد الله: لولا كراهية أن أخالفك، لأمسكت المال، فقال عبد الله: نحن أحق به، فجلس يتحدث ساعة، ثم قام، فانطلق علقمة، فلما بلغ أصحاب التوابيت أرسل على أثره فرده، فقال: محتاج أنت؟ قال: نعم، قال: خذ المال، فلما أخذه، قال عبد الله: لأن أقرض مالاً مرتين أحب إلي من أن أتصدق به مرة. (٢) حديث صحيح. وقد تقدم برقم (٣٨١٠). ٢٣ ٦٠٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله اله في المراد بقول الله عز وجل: ﴿وإِذْ أُخَذَ رَبُّكَ مِنْ بني آدمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّتِهِم﴾ إِلى قوله: ﴿أَفْتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلونَ﴾ : [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣ ] ٣٨٨٦ - حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهب أن مالكَ بنَ أنس أخبره عن زيد بن أبي أنيسة، أن عبدَ الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني أن عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه سُئِلَ عن هذه الآية: ﴿وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بني آدمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم﴾ الآية، إلى قوله: غَافِلُونَ﴾، فقال عُمَرُ رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقول: ((إِنَّ اللّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثم مَسَحَ ظَهْرَهُ بيمينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ منه ذُرِّيَّةً، فقال: خَلَقْتِ هُؤلاءِ للجَنَّةِ وبِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ يَعمَلونَ، ثم مَسَحَ ظَهْرَهُ فاستخرج منه ذريةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للنَّارِ وبعملِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ))، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ففيم العَمَلُ؟ فقال رسول الله وَّ : ((إِنَّ اللَّه إذا خَلَقَ العبدَ للجنَّة، استعملَه بعمل أهلِ الجَنَّةِ حتَّى يَموتَ ٢٤ على عَمَلٍ مِن أعمالِ أهلِ الجنَّة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبدَ للنار، استعملَه بعملِ أهلِ النَّارِ حتَّى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ النَّارِ، فَيُدخِلَه بَهُ النَّانِ)(١). قال أبو جعفر: وكان هذا الحديثُ منقطعاً، لأن مسلمَ بنَ يسار الجُهني لم يَلْقَ عمر رضي الله عنه، فنظرنا في الذي أخذه عنه، عن عمر مَنْ هُوَ؟ ٣٨٨٧ - فوجدنا أبا أمية قد حدَّثنا، قال: حدثنا محمدُ بنُ يزيد بن سِنان، قال: حدثنا يزيدُ - يعني أباه-، عن زيد بن أبي أنيسة، عن (١) إسناده ضعيف، رجاله ثقات رجال الشيخين غير مسلم بن يسار الجهني، فإنه لم يوثقه غيرُ ابن حبان، ولم يرو عنه غير عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فهو في عداد المجهولين، ثم هذا الحديث منقطعُ الإِسناد، لأن مسلم بن يسار لم يلق عُمَرَ بنَ الخطاب، وبينهما نعيمُ بنُ ربيعة الأزدي كما سيأتي، وهو أيضاً مجهولٌ غيرُ معروف، قال أبو عمر في ((التمهيد)) ٦/١: وجملةُ القولِ في هذا الحديث أنه حديثٌ ليسَ إسناده بالقائم، لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعاً غيرُ معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صحَّ عن النبيِّ من وجوه كثيرة ثابتة، ثم ساق أسماءً من روي عنهم من الصحابة . قلت: وانظر تمام الكلام عليه في ((صحيح ابن حبان)) (٦١٦٦). وهو في ((الموطأ)) ٨٩٨/٢، ومن طريق مالك رواه أحمد ٤٤/١، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في ((التفسير)) (٢١٠)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٩٦)، والآجري ص ١٧٠، والطبري في ((تفسيره)) (١٥٣٥٧) وفي ((تاريخه)) ١٣٥/١، والحاكم ٢٧/١ ٣٢٤/٢٠ و٥٤٤، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٣٢٥، والبغوي في ((شرح السنة)) (٧٧). ٢٥ عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار الجُهني، عن نُعيم بن ربيعة الأزدي، قال مسلم : سألتُ نُعَيْمَ بنَ ربيعة عن هذه الآية: ﴿وإِذْ أُخَذَ رَبُّكَ مِنْ بني آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فقال: كنتُ عندَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتاه رجلٌ، فسأله عنها، فقال: كنتُ عند رسولِ اللهِ وَّهَ، فسألتُه عنها، فقالَ رسولُ اللهِ لَّهِ: ((لما خَلَقَ الله عز وجل آدم ... ))(١). ثم ذكر بقية الحديث على نحو مما في حديث یونس . قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك أنَّ الذي أخذه عنه، عن عمر رضي الله عنه: هو نُعيم بن ربيعة الأزدي، فعاد هذا الحديثُ متصلَ الإِسناد، (١) إسناده ضعيف. محمد بن يزيد بن سنان وأبوه ضعيفان، ونعيم بن ربيعة لا يعرف. ورواه محمد بن نصر فيما ذكره الحافظ في ((النكت الظراف)» ١١٣/٨ في كتاب الرد على ابن محمد بن حنفية، قال: حدثنا الذهلي، حدثنا محمد بن يزيد بن سنان، بهذا الإِسناد. ورواه البخاري في ((تاريخه)) ٩٧/٨ عن الذهلي محمد بن يحيى، بهذا الإِسناد. ورواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢٠١) عن محمد بن مسلم بن وارة، حدثنا يزيد بن سنان، به. ورواه أبو داود (٤٧٠٤)، وابن جرير (١٥٣٥٨) عن محمد بن المصفی، حدثنا بقية، حدثني عمر بن جعثم القرشي، حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن عبدالحميد بن عبدالرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، عن عمر. ٢٦ غيرَ أنا نحتاج إلى أن يكونَ الذي يصله ممن يصلُح أن يُقبل ما وصله بِهِ عن الذي قطعه، فلم يكن يزيد بن سنان هذا ممن يَحُلُّ في هذا المحل، ولا ممن يَصْلُحُ لنا قبولَ زيادته في الحديث على مالك بن أنس لجلالة مقدار مالك فيه، ولِتقصير يزيد هذا عنه في ذلك، فالتمسناه من رواية غيره ممن يَصْلُحُ لنا قبولُ زيادته على مالكٍ فيه ٣٨٨٨ - فوجدنا أحمد بنَ شعيب، قد حدثنا، قال: أخبرني محمد بنُ وهب بن أبي كريمة الجزري أبو المعافى، قال: حدثنا محمد بنُ سلمة الحراني، قال: حدثني أبو عبد الرحيم - وهو خالدُ بنُ أبي يزيد-، قال: حدثني زيدٌ - يعني ابنَ أبي أنيسة -، عن عبدالحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار الجهني، عن نعيم بنِ ربيعة، قال : كنتُ عندَ عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه، فجاءه رجل، فسأله عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بني آدمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّتِهِم﴾. ثم ذكر مثلَ حديث أبي أمية، عن محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن زيد سواء(١). قال أبو جعفر: فكان هذا مما يصلح لنا قبول زيادةٍ مَنْ رواه عن مالك على ما رواه مالك عليه، لأن أبا عبد الرحيم مقبولُ الرواية، ثبتٌ (١) إسناده ضعيف لجهالة مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة كما تقدم. وهذا الحديثُ بهذا الإسناد لم أجده في ((سنن النسائي الكبرى)) و((المجتبى))، ولم يذكره الحافظ المزي في ((تحفة الأشراف))، وهو في ((السنن الكبرى)) في التفسير (٢١٠) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك بالإِسناد الذي سلف في أول الباب برقم (٣٨٨٦). ٢٧ عند أهل الحديث(١)، فجاز لنا بذلك إدخالُ هذا الحديثِ في الأحاديث المتصلة الأسانید. ثم رجعنا إلى طلب ما فيه من المراد بالآية المذكورة فيه فوجدنا فيه إعلامَ رسولِ الله وَّ إِيَّانا ما كان مِن الله عز وجل مِن استخراجهِ ذريةَ آدَمَ رَِّ مِنْ ظهره، وكان المذكورُ في هذه الآية بني آدم لا آدمَ نفسَه، فاستخرِجَ الله عز وجل مِن ظهره ذُريتَه، ثم كان منه فيهم ما ذَكَرَ في هذا الحديث، ثم أعلمنا رسولُ اللهِ وََّ عن اللهِ عز وجلَّ أنَّه قال للذين استخرجهم منه أولاً: خَلَقْتُ هُؤلاء للجنةِ، وبعمل أهل الجنة يعملون، وأنه قال للذين استخرجهم من بعدهم مِن ظهره: خلقتُ هؤلاء للنار، وبعملِ أهل النَّار يعملون. فعلمنا بذلك أن علمَ اللهِ عز وجل قد تقدَّم في بني آدم مِن أهل السعادة ومن أهل الشقاء بما يكونُ منهم مما يَسْعَدُونَ به، ومما يَشْقَوْنَ به، وأنهم يكونون إذا صاروا إلى الدنيا على ما تَقَدَّمَ في علمه أنهم يكونون عليه فيها، وأنه يَسْتَعْمِلُ سُعَداءَهم بعمل أهل الجنة حتى يُدْخِلَهُمُ الجنة ثواباً لهم على أعمالهم، وأنه يَسْتَعمِلُ الأشقياءَ منهم بأعمال أهلِ النار حتى يُدخِلَّهُم النارَ عقوبةً لهم على أعمالهم. ثم نظرنا هل رُوِيَ عن رسولِ اللهِ وَّه في المراد بهذه الآية شيء غير المذكور في حديث عُمَرَ رضي الله عنه الذي رويناه (١) روى له البخاري في ((الأدب المفرد)) واحتج به مسلم، ووثقه ابن معين. والبغوي والذهبي وابن حجر، وقال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وعلة الحديث لا تزال قائمة وهي جهالةُ مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة. ٢٨ ٣٨٨٩ - فوجدنا أبا أمية قد حدَّثنا، قال: حدثنا الحسين بن محمد المرُّوذي، قال: حدثنا جريرُ بنُ حازم، عن كلثوم بن جبرٍ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((أَخَذَّ الله عز وجل الميثاقَ مِن ظهر آدمَ بِنَعْمَانَ - يعني عرفة -، فأخرج من صُلبه كُلَّ ذَرَّةٍ ذرأها، فنثرهم بَيْنَ يديه كالذَّرِّ، ثم كلمهم قِبَلَاً، فقال: ﴿أُلَسْتُ بِرِبِّكُمْ قالوا بَلَى شَهِدْنا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هُذا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤْنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفْتُهْلِكُنَا بما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣](١). (١) إسناده على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير كلثوم بن جبر - وهو البصري - فقد روى له مسلم، ووثقه أحمد وابن معين، وذكره ابنُ حبان في ((الثقات))، وذكره ابن سعد في ((البصريين))، وقال: كان معروفاً، له أحاديث. وقال النسائي: ليس بالقوي، وروى حديثه هذا في ((التفسير)) (٢١١) من ((السنن الكبرى)) عن محمد بن عبد الرحيم، عن الحسين بن محمد، بهذا الإِسناد، وقال بإثره: وكلثوم هذا ليس بالقوي، وحديثه ليس بالمحفوظ. ورواه أحمد ٢٧٢/١، والطبري في ((تفسيره)) (١٥٣٣٨)، وفي ((تاريخه)) ١٣٤/١، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢٠٢)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٣٢٦ - ٣٢٧ من طريق حسين بن محمد، وصححه الحاكم ٣٢٥/٢، ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٥/٧ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح . ونقله الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) ٥٠١/٣ -٥٠٢ طبعة الشعب عن ((المسند)) وقال: وقد روى هذا الحديث النسائي في «سننه)) عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، = ٢٩ قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث من استخراج الله عز وجلٌ ذرية آدم وَّرَ من صُلبه مثلُ الذي في الحديث الأوَّلِ وزيادة على ما في الحديث الأول وهو كلامُه إِيَّهم قِبَلًا: ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى شَهِدْنا، ثم ذكر بقية ما في الآية التي تلونا، وكان ذلك غيرَ مُستَنْكَرٍ في لطيفِ قُدرة الله عز وجل. = عن الحسين بن محمد المروذي، به. ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد، به، إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفاً، وأخرجه الحاكم في ((مستدركه)) ٢٧/١ ٥٤٤/٢ من حديث حسين بن محمد وغيره عن جريربن حازم، عن كلثوم بن جبر، به، وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فوقفه، وكذا رواه إسماعيل ابن عُلية ووكيع عن ربيعة بن كلثوم بن جبر عن أبيه، به، وكذا رواه عطاء بن السائب، وحبيب بن أبي ثابت، وعلي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: وكذا رواه العوفي، وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فهذا أكثر وأثبت. قلت: والروايات الموقوفة مخرجة في تفسير الطبري (١٥٣٣٩) و(١٥٣٤١) و (١٥٣٤٢) و(١٥٣٤٣) و(١٥٣٤٤) و(١٥٣٤٨) و(١٥٣٥٠) و(١٥٣٦٠) و(١٥٣٦١). ونعمان: واد لهذيل على ليلتين من عرفات، وقوله: ((ثم كلمهم قِبَلًا))، بكسر القاف وفتح الباء، ويضم القاف وفتح الباء وبضمهما وبفتحهما، أي: عياناً ومقابلة لا مِن وراء حجاب، ومن غير أن يُولي أمرهم أو كلامهم أحداً من الملائكة، يقال: رأيته قِبَلاً وَقُبْلاً وَقُبَلا وقَبَلًا وقبيلاً وقبلِيّاً ومُقابلة، وكله واحد، وهو للمواجهة. ٣٠ وقد تأوَّل آخرون هذه الآيةَ ممن لم يَقِفُوا على ما رُوِيَ عن رسولٍ الله وَُّ في المرادِ بها، أن الله عز وجل ألهم ذريةَ آدم ◌َّ في خلقِه إيَّهم المعرفة به التي هي موجودةٌ في جميعهم أن لهم خالقاً سِواهم وأنهم عاجزون عن خلقِ أمثالِهم، وأن الخالقَ لهم هو بخلافهم، لأنه القادرُ على أن خلقهم، ولأنهم عاجزون عن مثل ذلك فيما سواهم حتى لا يستطيعون مع ذلك أن يقولوا خلافَه، وكان ذلك شهادةً منهم على أنفسهم اللهِ عز وجَلَّ أنَّه ربُّهم وحجةٌ عليهم أن قالوا عندَ أخذه إيَّهم يومَ القيامة بعذابِ الأشقياءِ منهم على أعمالهم التي كانوا عَمِلُوها في الدنيا: إنَّا كنَّا عن هذا غافلين، أي: عما يُعاقِبُنا على ما عَمِلْنا أو على أن لم نُقِرَّ لك بالربوبية. وإذا كان عز وجل في الدنيا قد بعث إليهم رسلَه، وأنزل عليهم كُتُبَه، وبيَّن لهم فيها ما تَعَبَّدَهُمْ به، وما أمرهم به، وما أراده منهم، وما نهاههم عنه، وحذَّرهم من العقوبة عليه إن عملوه. وهذا تأويلٌ لو لم نكن سمعناه عن رسولِ اللهِ وَّ بما في الحديثين الأولين لاستحسنَّه من متأوِّليه إذ كانوا تأوَّلوا الآية على ما هي محتملةٌ له، ولكن لما [بَيِّنَ] رسولُ اللهِ وَِّ مرادَ اللهِ عز وجل الذي أراده بها كان ذلك هو الحجةَ الذي لا يجوزُ القولُ بخلافه، ولا التأويلُ على ما سواه، والله عز وجل نسأله التوفيق(١). (١) قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) ٥٠٦/٣ طبعة الشعب بعد أن أورد جملة أحاديث: فهذه الأحاديث دالة على أن الله عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار. وأما الإِشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وفي حديث عبدالله بن عمرو وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان، كما تقدم. ٣١ . ٠ = ومن ثم قال قائلون مِن السلف والخلف: إن المراد بُهذا الإِشهادِ إنما هو فطرُهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع. وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك، قالوا: ولهذا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني آدَمَ﴾ ولم يقل ((مِن آدم))، ﴿مِن ظهورهم﴾ ولم يقل ((من ظهره))، ﴿ذرياتهم)، أي: جعل نسلهم جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُم خَلَائِفَ الأرضِ﴾، وقال: ﴿ويجعلكم خلفاءَ الأرض﴾، وقال: ﴿كما أنشأكم مِنْ ذُرِّيَّةِ قومٍ آخرين﴾ . ثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُم على أَنْفُسِهِمٍ أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، أي: أوجدهم شاهدينَ بذلك، قائلين له حالاً وقالاً. والشهادةُ تارةً تكون بالقول، كما قال: ﴿قَالُوا شَهِدْنا على أَنْفُسِنَا﴾ ... الآية، وتارة تكون حالاً، كما قال تعالى: ﴿ما كانَ لِلمُشركين أن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ بالكُفْرِ﴾، أي: حالُهم شاهدٌ عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك، وكذلك قوله تعالى: ﴿وإنَّه على ذلك لَشَهِيدٌ﴾، كما أن السؤالَ تارةً يكونُ بالقال، وتارة يكونُ بالحال، كما في قوله: ﴿وآتَاكُم مِن كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهِ﴾، قالوا: ومما يَدُلُّ على أن المرادَ بهذا هذا، أن جعل هذا الإِشهادَ حجةً عليهم في الإِشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قاله مَنْ قال: لكان كُلُّ أحدٍ یذکره، لِیکون حجةً علیه. فإن قيل: إخبارُ الرسول به كافٍ في وجوده، فالجوابُ: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميعِ ما جاءتهم به الرسلُ من هذا وغيره، وهذا جعل حجةً مستقلة عليهم، فدل على أنه على الفطرة التي فطروا عليها من الإِقرار بالتوحيد، ولهذا قال: ﴿أن يقولوا﴾، أي: لئلا يقولوا يومَ القيامة: ﴿إنا كنا عن هذا﴾، أي: التوحيد، ﴿غافلين، أو يقولوا إنَّما أُشْرَكَ آبأُؤْنَا﴾ الآية. ٣٢ ٦٠٧ - بابُ بيان مُشكل ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ وَله في المتحابِّينَ في الله عز وجل، والمتباذِلين فيه، والمتزاورين فيه ٣٨٩٠ - حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً حدَّثه، عن أبي حازم بن دينار، عن أبي إدريس الخولاني، أنَّه قال: دخلتُ مسجدَ دمشق فإذا فتىَّ بَرَّاقُ الثَّنايا، وإذا الناسُ معه إذا اختلفوا في شيء، أسندوا إليه، وصَدَرُوا عن رأيه، فسألتُ عنه؟ فقيل: هذا معاذُ بنُ جَبَلٍ ، فلما كان الغَدُ، هَجَّرْتُ، فوجدتُه قد سبقني بالتهجيرِ، ووجدتُه يُصَلِّي، فانتظرتُه حتى قضى صلاته، ثم جئتُه مِن قِبَلِ وجهه، فسلمتُ عليه، ثم قلتُ: واللهِ إني لَُّحِبُّكَ اللهِ عز وجل، فقال: اللّهِ؟ فَقُلْتُ: واللهِ، فقالَ: آللّه؟ فقلت: واللهِ، فأخذ بحُبْوَةِ رِدائي، فَجَبَذَني إليه، وقال: أبشر فإني سمعتُ رسولَ الله،وَهِ يقولُ: ((قالَ الله: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي للمُتَحَابِينَ فيَّ، والمُتَجَالِسِينَ فيَّ، والمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، والمُتَبَاذِلينَ فِيَّ))(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو حازم: هو سلمة بن دينار، وأبو إدريس الخولاني: اسمه عائذالله بن عبدالله، وكان سيد قراء أهل الشام في زمانه. وهو في ((الموطأ)) ٩٥٣/٢ - ٩٥٤، ومن طريق مالك رواه أحمد ٢٣٣/٥، وابن ٣٣ ٣٨٩١ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ مسلمةَ بن قَعْنَبٍ، قال: حدثنا مالك، عن أبي حازمٍ ، عن أبي إدريس عن معاذ بن جبلَ رضِيَ الله عنه، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَ: ((قالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، والمُتزاوِرِينَ فِيٍّ، والمُتَبَاذِينَ فِيَّ، والمُتجالِسِينَ فِيَّ))(١). ٣٨٩٢ - حدَّثنا عليُّ بنُ زيد الفرائضي، وفهدُ بنُ سليمان، والحسنُ بن عبد الله بن منصور البالسي، قالوا: حدثنا محمدُ بنُ كثير، عن الأوزاعيِّ، عن يونسَ بنِ حَلْبَس عن أبي إدريس عائذِ اللهِ، قال: دخلتُ مسجدَ حمصَ، فَقَعَدْتُ في حلقةٍ فيها نيفٌ وثلاثون مِن أصحاب رسولِ اللهِ وَِّ، منهم يقولُ: سمعتُ رسولَ الله ﴿ يقولُ كذا وكذا، ويُنْصِتُ الآخرون، ويقولُ الرجل منهم: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّ﴿ يقول كذا، ويُنْصِتُ الآخرون، وفيهم فتىَّ أدعجُ برَّاقُ الثنايا إذا اختلفوا في شيء، انتهوا إلى قوله، فلما انصرفتُ إلى منزلي، بتُّ بأطول ليلةٍ، فقلتُ: جلست في حلقةٍ فيها كذا وكذا من أصحاب رسولِ الله ﴿ ﴿ لا أعرفُ منازِلَهم ولا أسماءَهم، فلما أصبحتُ غَدَوتُ إلى المسجدِ، فإذا الفتى الأدعجُ قاعدٌ(٢) إلى ساريةٍ، فجلستُ إليه، فقلتُ: إِنِّي لُأَحِبُّكَ اللهِ عز وجل، = حبان (٥٧٥)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٠/ (١٥٠)، والحاكم في ((المستدرك)) ٤ /١٦٨ - ١٦٩، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٤٤٩) و(١٤٥٠). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله. (٢) في الأصل: ((قاعداً). ٣٤ قال: اللهِ إنَّك لَتُحِبُّنِي اللهِ تبارك وتعالى؟ فقلت: آللهِ إِنِّي لََّحِبُّكَ للهِ عز وجل، فأخذ بحُبوتي حتى مسَّتْ رِكبتي ركبته، ثم قال: اللهِ إِنَّك لتُحِبُّني الله عز وجل؟ فقلت: آللهِ إِنِّي لَأَحِبُّكَ لله عز وجل، فقال: أفلا أُخْبَُ بشيءٍ سمعتُه من رسولِ اللهِ وَّهَ، فقلتُ: بلى، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهُ يقولُ: ((المتحأبُونَ في اللهِ عز وجَلَّ يُظِلُّهم الله عزَّ وجل بظِلِّ عرشه يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّ ظِلُّه)) قال: فبينا نحنُ كذلك إذ مرَّ رجلٌ ممن كان في الحلقةِ، فقمتُ إليه فقلتُ: إن هذا حدثني بحديثٍ عن رسولِ اللهِ وَّ فهل سمعتَه منه؟ قال: وما حَدَّثَك ما كان لِيحدِّثَك إلا حقّاً، قال: فأخبرتُه، فقال: سمعتُ هذا من رسولِ اللهِ وَّ وما هو أفضلُ منه، سمعتُه يقولُ يَأْثُرُ عن الله عز وجل: ((حَقَّتْ مَحَبَّتي للمُتَحَابِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ للمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ محبَّتي للمُتزاوِرِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي للمُتباذِينَ فيَّ))، قلتُ: من أَنْتَ يَرِحَمُكَ الله؟ قال: أنا عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ، قلت: فمن الفتى؟ قال: معاذُ بنُ جبل(١). ٣٨٩٣ - وحدَّثنا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حدثنا بشر بنُ بكر، قال: حدثنا ابنُ جابر، وهو عبدُ الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، قال: حدثنا عطاءً الخراسانيُّ، قال: سمعتُ أبا إدريس الخولانيَّ، يقول : دخلتُ مسجدَ حمص، فجلستُ في حلقةٍ كُلُّهم يُحَدِّث عن رسولِ اللّه وَّرُ وفيهم فتىَّ شابٌّ إذا تكلَّمَ أَنصَتَ له القومُ، وإذا حَدَّثَ رجلٌ منهم، أنصت له، قال: فتفرَّقوا ولم أعلم مَنْ ذلك الفتى، فانصرفتُ (١) إسناده صحيح على شرطهما، وهو مكرر ما قبله. ٣٥ إلى منزلي، فما قَرَّتْ لي نفسي حتى رجعتُ إلى المسجد، فجلست فيه، فإذا أنا به، فقمتُ إليه فجلستُ معه حتى أتى عموداً من عمد المسجد، فركع ركعاتٍ حساناً، ثم جلس، فاستقبلتُه فطال سكوته لا يَتَكلَّمُ، فقلتُ: حدثني رَحِمَكَ الله، فوالله إنِّي لَُّحِبُّكَ وأُحِبُّ حديثَك، فقال لي: آللّهِ؟ قلتُ: آللّهِ، فجبذني بحُبوتي حتى لَصِقَت ركبتي بركبتِه، ثم قال فيما أظن: الحمدُ للهِ، سمعتُ رسولَ الله وَلَّ يقولُ: ((المُتَحَابُّونَ مِن جلالِ الله عَزَّ وجَلَّ فِي ظِلِّ اللهِ عزَّ وجَلَّ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه)) قلتُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ الله؟ قال: معاذُ بنُ جبل، فقمتُ من عنده فإذا أنا بعُبادة بن الصامت، فقلتُ: يا أبا الوليد إن معاذاً حدثني حديثاً، قال: وما الذي حدَّثك؟ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ لَّه يقولُ: ((المتحأبُّونَ مِن جلالِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في ظِلِّ اللهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّ ظِلُّهُ))، فقال لي عُبادة: تَعَالَ أَحَدِّثْكَ ما سمعتُ مِن رسولِ اللهِ وََّ يروي عن ربِّه عز وجلَّ، قال: فأتيتُه، فقال لي: سمعتُ رسولَ اللهِوَّهُ يقولُ: ((قال ربُّك عز وجل: حَقَّتْ محبتي على المتحابين فيَّ، وحَقَّتْ محبَّتي على المتجالسين فيَّ، وحَقَّتْ محبَّتي على المُتَزاوِرِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتَي على المُتباذِينَ فِيَّ))(١). (١) حديث صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن عطاء الخراساني صاحب أوهام كثيرة . ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ١٧٠/٤ من طريق بشربن بكر، بهذا الإسناد. ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٠٦/٥ من طريق صدقة بن خالد، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، به. ورواه أحمد ٢٢٩/٥، ومن طريقه الحاكم في ((المستدرك)) ١٦٩/٤ - ١٧٠ من = ٣٦ ٣٨٩٤ - حدَّثنا خَيْرُ بنُ عرفة أبو الطاهر، قال: حدَّثنا مُرْوَةُ بنُ مروان المعروف بالرَّقي، قال: حدثنا شعيب بنُ رُزَيْق، عن عطاء الخُراساني، عن أبي إدريس عائذِ اللهِ، قال: أَتَيْتُ مسجدَ حِمْصَ، فجلستُ إلى حلقةٍ فيها ثلاثون رجلاً من أصحاب رسولِ اللهِ وَّرَ، وفيهم شابٌّ آدمُ خفيفُ العَارِضين، براقُ الثنايا، فقلتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: هذا معاذُ بنُ جبل، فلما تفَرَّقوا، دنوتُ منه، فقلتُ: والله إني لُأَحِبُّكَ في الله عز وجل، فضربَ بيده إلى حُبوتي، فاجْتَرَّني حتى أَلْصَقَ رُكبتي، وقال: أَبْشِرْ إن كنت صادقاً، فإِنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ وَّ يقولُ: ((المُتحابُّونَ بجلالِ اللهِ تَحْتَ ظِلّ العرشِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّ ظِلُّهُ))(١). ٣٨٩٥ - وحدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو داود، عن شُعْبَةً، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعتُ الوليد بنَ عبد الرحمن يُحدث عن أبي إدريس العائذي، قال: = طريق الوليد بن أبي عبدالرحمن، والطبراني ٢٠ / (١٥٤) من طريق شهر بن حوشب، كلاهما عن أبي إدريس الخولاني، به. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي . ورواه الحاكم ١٦٩/٤ من طريق الأوزاعي، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ، وصححه على شرط الشيخين. (١) عروة بن مروان الرقي قال الدارقطني: ليس بالقوي، والرقي نسبة إلى الرقة، لأنه سكنها مدة، ويقال له العرقي أيضاً نسبة إلى عِرقة قرية من عمل طرابلس الشام، وعطاء الخراساني كثير الأوهام. ٣٧ ذكرتُ لِعُبادة بن الصامت حديثَ معاذبن جبل في المتحابين، فقال: لا أحدثكم إلا ما سمعتُ على لسان محمد رَّ: ((حَقَّتْ مَحبَّتِي للمُتحابِّينَ فِيٍّ، وحَقَّتْ مَحبَّتِي للمُتَزاوِرِينَ فيَّ، وحَقَّتْ محبَّتِي للمُتَّصافِينَ فِيَّ، أو المُتَلاقِينَ فِيٍّ))(١). قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ في إسناده، فوجدنا فيه ذكرَ لِقاء أبي إدريس معاذ بن جبل، وسماعَه منه بما ذكر من سماعه إِيًّاه منه في هذا الحديث، وقد وجدنا عنه ما قد ظَنَّ بعضُ الناس أنَّه قد خالف ذلك، ودفع أن يكونَ أبو إدريس لقي معاذاً. وهو ما قد حدثنا يونسُ، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، قال: أدركتُ عبادةَ بنَ الصامت، ووعيتُ عنه، وأدركتُ شدادَ بنَ أوس، ووعيتُ عنه، وعدَّ نفراً مِن أصحاب رسول الله وََّ، وفاتني معاذٌ، فَأُخْبِرْتُ أنَّه كان لا يجلِسُ مجلساً إلا قالَ: الله عز وجل حَكَمٌ قِسْطٌ، تبارك اسمُه، هَلَكَ المرتابون. وما قد حدثنا عُبيد بنُ رجال، قال: حدثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهري، ثم ذكر بإسناده مثلَه، غير أنَّه قال: وفاتني معاذُ بنُ جبل، فحدثني يزيدُ بنُ عُميرةَ عنه، ثم ذكر بقيةَ الحديث. (١) إسناده صحيح، الوليد بن عبد الرحمن هو ابن أبي مالك الهمداني أبو العباس الدمشقي. روى له الترمذي والنسائي، وهو ثقة، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير يعلى بن عطاء، فمن رجال مسلم. ٣٨ قال أبو جعفر: فكان ما توهّم مَنْ حكينا عنه ما حكينا مِن دفعه لقاءَ أبي إدريس معاذاً بما في هذا الحديث لا يُوجب ما توهَّم من ذلك، لأن هذا الحديثَ إخبارُ أبي إدريس بلقائه عبادة ووعيه عنه، ولقائه شداد بن أوس ووعيه عنه، ثم قال: وفاتني معاذ، فاحتمل أن يكونَ أراد بقوله: فاتني، أي: فاتني أن أُعِيَ كما وعَيْتُ عن اللذين ذكرهما قبلَه، لا أنه لم يلقه، وكيف يجوز أن يُظن ذلك به مع عدله رحمه الله في نفسه، ومع ضبطه في روايته، ومع جلالة من حَدَّث بذلك عنه، وهم أبو حازم بنُ دينار، وعطاء بنُ عبد الله الخراساني، ويونس بن ميسرة بن حلبس، والوليد بن عبد الرحمن، وهؤلاء جميعاً أئمة مقبولة روايتهم غير مدفوعين عن العدل فيها، والضبط لها، والثبت فيها، وإنه ليجبُ علينا أن نَحْمِلَ روايةَ من هذه سبيلُه على ما ينفي عنها التضادَ، ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً. ثم تأملنا متن هذا الحديث، فوجدناه مما قد جاء على ضربين أحدهما: ((وجبت محبتي))، والآخر: ((حقت محبتي))، فأما ((وجبت محبتي)) فقد يكون ذلك الوجوب، وهناك وجوب آخر من المحبة هو أعلى منه، وفي مرتبة فوق مرتبته من المحبة كما يقولُ الرجل: أنا أُحِبُّ فلاناً لرجل يقصد بذلك إليه، ثم يقولُ بعد ذلك، وأنا أُحِبُّ فلاناً لِرجل غيره محبةً فوقَ تلك المحبةِ، فمثلُ ذلك قولُه عز وجل: ((وجبت محبتي)) للذين ذكرهم لا يمنعُ ذلك أن تكونَ محبتُه تجب لغيرهم وجوباً فوقَ ذلك الوجوب، وفي مرتبة أعلى من مرتبته. وأما ((حقت محبتي))، فعلى فوق ذلك، وهو أعلى مراتب الوجوب، وقد بَيَّنَ ذلك عبادةُ بنُ الصامت لأبي إدريس لما حدَّثه عن معاذ بن ٣٩ جبل بما حدَّثه به، عن رسول الله وَّه، عن الله عز وجل: ((وجبت محبتي))، بقوله له: سمعتُ من رسول الله ﴿ ﴿ ما هو أفضلُ منه، سمعتُه يأثّرُ عن الله عز وجل: ((حقت محبتي))، فعقلنا بذلك أن الذي حدَّثه عُبادة مما سمعه من النبيِّ وَّرَ فوقَ الذي حدَّثه به أبو إدريس، عن معاذ، عن النبيِّ وَّ . ومما يُحَقِّقُ ذلك أنا وجدنا الرجلَ يقول: فلانٌ عالم، فيوجبُ له العلمَ، وقد يكون في العلماء مَن مرتبته فيه فوقَ مرتبته فيه، ويقولُ: فلان عالم حقاً، فيرفعه بذلك إلى أعلى مراتب العلم، فمثل ذلك: ((حقت محبتي))، على الرفعة لمن حقَّت له إلى أعلى مراتب محبته. ومثل ذلك ما قد رُويَ عن رسولِ اللهِ مَّ مما قد رويناه فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا مِن قوله لأهل نجرانَ لما سألوه أن يَبْعَثَ معهم رجلاً أميناً، فقال: ((لأبعثن معكم رجلاً أميناً حَقَّ أمينٍ حقّ أمين))(١) فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح. وكان ذلك إخباراً منه إيَّاهم أنَّه قد بعث معهم من هو في أعلى مراتب الأمانة، ثم وكَّد ذلك بقوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أمينٌ، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح))، وقد ذكرنا ذلك أيضاً بأسانيده فيما تقدَّمَ منا في كتابنا هذا، والله نسأله التوفيق. (١) سلف برقم (٢٥٠٩). ٤٠