Indexed OCR Text

Pages 161-180

رسولُ اللَّهِ عليهِ السلامُ أدخلَ عليّاً إلَّ فيما زادَ في رتبته، وفي جلالةٍ
مِقْدارِهِ، وفيما يُقَرِّبُهُ من ربِّهِ تَعَالى.
وَبِمَا يَدْخُلُ في توكيدٍ ما ذكرْنَا:
٥١- ما حدَّثنا صالِحُ بنُ عبدِالرَّحمنِ الأنصاريُّ، ویکر بن إدريس
الأزدي قالا: حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمْنِ المقرىءُ، حدَّثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيحٍ،
حدَّثني يزيدُ بنُ عبدِ الله بن أسامةً بن الهادِ، عن محمد بن إبراهيم
التيميِّ، عن بُسْرِ بن سعيد، عَنْ أبي قَيسٍ مولى عمرو بن العاص
عن عمروٍ أَنَّ رسولَ اللَّهِ عليهِ السَّلامُ قال: ((إذا حكم الحاكم،
واجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم، واجتهد، ثم أخطأ، فَلَهُ
أَجْرٌ))، قال: فَحَدَّثْتُ بهذا الحديثِ أبا بكرٍ بنَ حزمٍ، فقال: هكذا حدثني
أبو سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ(١).
(١) إسناده صحيح على شرطهما غير شيخي أبي جعفر صالح بن عبدالرحمان الأنصاري
وبكر بن إدريس. قال ابن أبي حاتم ٤٠٨/٤ عن الأول: سمعت منه بمصر، ومحله
الصدق، والثاني لا يعرف إلا بالفقه. أبو عبدالرحمان المقرىء: هو عبدالله بن يزيد،
وأبو قيس مولى عمرو بن العاص: اسمه عبدالرحمان بن ثابت.
ورواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦)، وأبو داود (٣٥٧٤)، وابن ماجه
(٢٣١٤)، وأحمد ١٩٨/٤ و٢٠٤ و٢٠٥، والبغوي (٢٥٠٩)، والشافعي (١٣٩٨)،
والدارقطني ٢١٠/٤ و٢١١، والبيهقي ١١٨/١٠ - ١١٩ من طرق، عن يزيد بن
عبدالله بن الهاد، به .
وقوله: ((قال: فحدثت))، القائل ((فحدثت)) هو يزيد بن عبدالله بن الهاد، كما ورد
التصريح به عند مسلم. وأبو بكر بن حزم: هو أبو بكر بن محمد بن عمروبن حزم
الأنصاري النُّجَّاري المدني القاضي.
قال السندي في حاشيته على النسائي ٢٢٤/٨: قوله: ((إذا حكم الحاكم)) أي: أراد
الحكم. والحاصل أن اللازم عليه الاجتهاد في إدراك الصواب، وأمَّا الوصول إليه،
فليس بقدرته، فهو معذور إن لم يصل إليه، نعم، إن وفق للصواب، فله أجران: أجر
الاجتهاد، وأجر الحكم بالحكم، وإلا فله أجر واحد، هو أجر الاجتهاد، بقي أن هذا =
٤٢

٥٢ _ وما حدَّثنا محمدُ بنُ خُزَيمة، وفَهْدٌ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ
صالحٍ، حدَّثني الليثُ، حدَّثني أبو الزِّنَادِ، ثم ذَكَرَ بإسناده مثلَه(١).
٥٣ - وما قد أخبرنا أحمدُ بنُ شعيب، أخبرَنا إسحاقُ بنُ منصورٍ
- يعني الكوسج - أخبرنا عبدالرزاقٍ، أخبرنا معمر، عن سفيانَ، عن
يحيى بن سعيدٍ، عن أبي بكر بنِ عمرو بن حَزْم، عن أَبي سَلَمَةً، عن
أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ مثلَه(٢).
٥٤ - وما حدَّثنا إبراهيم بنُ أبي داودَ، حدثنا أَصْبَغُ بنُ الفَرْجِ،
حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، حَدَّثني شريكٌ، عَنِ الأعمشِ ، عن سَعْدِ بنِ
عُبِيدةَ، عن ابنٍ بُرَيْدَةَ
عن أبيهِ، عَنْ رسولِ اللَّهِ عليهِ السَّلامُ، قال: ((القُضَاءُ ثَلاثَةٌ:
فَقَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وقَاضٍ في الجنَّةِ: قَاضٍ تَرَكَ الْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَقَاضٍ
قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ لا يَعْلَمُ، فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ ، فَهَذانٍ فِي النَّارِ،
وقَاضٍ قَضَى بالْحَقِّ فَهُوَ في الجنّةِ))(٣).
= هل هو اجتهاد في معرفة الحكم من أدلته، أو اجتهاد في معرفة حقيقة الحادثة ليقضي على
وفق ما عليه الأمر في نفسه؟ وغالبُ العلماء على أن المراد هو الأول، ولذلك قالوا:
الحديث في حاكم عالم للاجتهاد، والله أعلم. وانظر ((الفتح)) ٣١٩/١٣ - ٣٢٠.
(١) محمد بن خزيمة: هو ابن راشد البصري، أبو عمرو الأسدي، ثقة مشهور، توفي
سنة ٢٧٦. وعبدالله بن صالح: هو كاتب الليث، سيىء الحفظ، وأبو الزناد:
هو عبدالله بن ذكوان، ثقة فقيه، روى له الجماعة. وقد تحرف في الأصل ((أبو)) إلى ((ابن)).
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ٢٢٣/٨ - ٢٢٤، ورواه الترمذي (١٣٢٦)
من طريق الحسين بن مهدي، وابن الجارود (٩٩٦) من طريق محمد بن يحيى، والبيهقي
١١٩/١٠، والدارقطني ٢٠٤/٤ من طرق، عن عبدالرزاق، به.
ورواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) بالإِسناد السابق.
(٣) إسناده حسن. شريك - وهو ابن عبدالله -: سيىء الحفظ، أخرج له مسلم متابعة،
=
وباقي رجاله ثقات، ويتقوى بالطريق الثانية التي سيذكرها المصنف بعد هذا.
٤٣

٥٥ - وما قد حَدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، حدثنا سعيدُ بنُ
منصورٍ، وما حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ بنِ داودَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ سليمانَ
الواسطيُّ، قالا: حدثنا خلف بن خليفةَ، حدثنا أبو هاشم، قال: لَولا
حَدِيثُ ابنِ بُریدةً
عن أبيه، عن رسولِ اللَّهِ عليه السلامُ أنه قال: ((القُضَاءُ ثَلاثَةٌ:
اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، وَقَضَى بِهِ، فَهُوَ في
الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقِّ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ، وجَارَ في الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ،
وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الحَقَّ فَقَضَى للنَّاسِ على جَهْلٍ، فَهُو في النَّارِ))(١).
[لقلنا: إن القاضي إذا اجتهد، فليس عليه شيء].
ورواه الترمذي (١٣٢٢)، والبيهقي ١١٧/١٠، والطبراني في ((الكبير)) (١١٥٤) من
=
طريق شريك، بهذا الإسناد. وقد تحرف في المطبوع من ((سنن الترمذي)) ((سعد)) إلى
((سهل))، وصححه الحاكم ٩٠/٤ على شرط مسلم مع أن شريكاً ليس على شرط
مسلم، لأنه خرّج له متابعة.
(١) إسناده قوي. خلف بن خليفة: ثقة، أخرج له مسلم إلاّ أنه اختلط بأخرة، لكنه
. لم ينفرد به، وباقي رجاله ثقات. أبوهاشم: هو يحيى بن دينار، وقيل: ابن نافع،
وقيل: ابن الأسود الرماني الواسطي .
وقوله: ((لقلنا: إن القاضي إذا اجتهد .. )) جواب ((لولا)) التي في السند، وقد سقطت
هذه الجملة بتمامها من الأصل المعتمد ومن (ر)، واستدركتها من ((سنن البيهقي))،
فإنه قد روى الحديث من طريق سعيد بن منصور ...
ورواه أبو داود (٣٥٧٣) من طريق محمد بن حسان السمتي، وابن ماجه (٢٣١٥) من
طريق إسماعيل بن توبة، والبيهقي ١١٦/١٠ من طريق سعيد بن منصور، ثلاثتهم عن
خلف بن خليفة، بهذا الإسناد.
ورواه الطبراني (١١٥٦) من طريق قيس بن الربيع - وهو ضعيف من قبل حفظه -
عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة. عن أبيه .. وهذا سند حسن في الشواهد.
وفي الباب عن ابن عمر عند أبي يعلى ١/٢٦٥، والطبراني (٣٣١٩)، وابن حبان
(١١٩٥) (موارد))، وفي سنده عبدالملك بن أبي جميلة، لم يوثقه غير ابن حبان.
٤٤

قال أبو جعفر: أفلا تَرَى ما في القضاءِ مِمَّا يَكُونُ سبباً للجَنَّةِ، فِذْلِكَ
دليلٌ على جلالةِ مقدارِهِ، وعلى أنَّ النّبيَّ عليه السلامُ لم يمنَعْ أَبَا ذَرِّ مِنْهُ
للقضاء بعينِهِ، ولكنْ لمعنىّ سِواهُ.
فالتّمَسْنا ذلك المعنى ما هو؟
٥٦ - فَوَجَدْنا يزيدَ بنَ سِناٍ، وعليٍّ بنَ شيبةَ، وإبراهيمَ بنَ مُنْقِذٍ
العُصفُريَّ، وموسى بنَ النعمان المكيُّ قد حدَّثونا عن المُقْرىء، عن
سعيدِ بنِ أبي أيوبَ حدَّثني، عن عُبيد الله بن أبي جَعفر القُرشيّ، عن
سالمٍ بن أبي سالم الجَيْشَانيِّ، عن أبيه
عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَا أبا ذَرٍّ،
إِنِّ أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وإِنِّ أَرَاكَ ضَعِيفاً، فَلَا تَأَمِّرَنَّ على اثْنَيْنْ،
ولا تَلِيَنَّ مَالَ يَتِيْمٍ))(١).
فوقَفْنَا بهذا الحديثِ على المعنى الَّذي به نهى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ
عليهِ وسلّمَ أبا ذرِّ عَمّا نَهَاه عنه في الحديثِ الْأُوَّلِ، وإِنَّهُ لمعنىَّ فيه نقصٌ به
عن رتبةِ القضاءِ مِمَّا كانَ ضدُّه في عليٍّ بن أبي طالبٍ ممّا استحَقَّ بهِ ولايَةً
القَضَاءِ .
٤
٥٧ - ووجَدْنا يوسُفَ بنَ يزيدَ بنِ كاملٍ القرشيَّ قد حدَّثنا، قالَ:
حدثنا أبو صالحٍ، حدَّثني الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عَنْ بكرِ بنِ
عمروٍ، عَنِ الحارثِ بنِ يزيدَ الحضرميِّ، عَنِ ابنِ حُجَيْرَةَ الأكبرِ
(١) إسناده صحيح، وقد تحرف في الأصل ((النعمان)) إلى: ((النعمي))، و((المقرىء)) إلى:
(((المقبري)).
ورواه مسلم (١٨٢٦)، وأبو داود (٢٨٦٨) من طرق عن أبي عبد الرحمان المقرىء،
بهذا الإسناد. ورواه النسائي ٢٥٥/٦ من طريق سعيد بن أبي أيوب، به.
:
٤٥

عن أبي ذرِّ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أَلَا تَسْتَعْمِلُني؟ قال:
فَضَرَبَ بيدِه على مَنْكِبي، ثم قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرِّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ،
وإِنَّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ ونَدَامَةٌ إلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّها، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْه
فیھا)»(١).
فوقَفْنا بهذا أَيْضاً أنَّها على المعنى الذي من أجلهِ كَرِهَ رسولُ اللُّهِ عليه
السَّلامُ لأبي ذرِّ ما كَرِهَهُ له في الحديثِ الأولِ .
وَوَقَفْنَا بقولِ رسولِ اللَّهِ عليهِ السَّلامُ الَّذي ذكرْنَاهَ عَنْهُ في هذا
الحديثِ، وهو: ((إلا مَنْ أَخَذَها بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا))، أنَّ مَنْ
كانَ كذلك، فليس مَّنْ لحقَهُ في ذلكَ نهيٌ، ولا لَقَتْهُ فيه كراهةٌ، وأنَّ
الكراهَةَ لذلكَ إِنَّا تَلْحَقُ المتعَرِّضينَ له، الطَّالِبِينَ لِولايَتِه .
ومما قد رُوِيَ في توكيدِ هذا المعنى :
٥٨ - ما قد حَدَّثنا أبو بكرةَ، حدثنا حسينُ بنُ حفصِ الأصبهانيُّ،
حدَّثنا سُفيانُ الثوريُّ، عن إسماعيلَ - وهو ابن أبي خالد - عن أخيه،
عَنْ أبي بُردةً
عن أبي مُوسَى قال: قَدِمَ على النبيِّ عليهِ السَّلامُ رَجُلانٍ من
(١) إسناده صحيح. يوسف بن يزيد: ثقة، روى له النسائي، وباقي السند رجاله رجال
الصحيح إلا أبا صالح - وهو عبدالله بن صالح كاتب الليث - فإن مسلماً خرج له
متابعة، وهو سيىء الحفظ، إلا أنه قد توبع عليه. وابن حجيرة: هو عبدالرحمان بن
حجيرة الخولاني.
ورواه مسلم (١٨٢٥) عن عبدالملك بن شعيب، عن أبيه، عن جده الليث بن سعد،
به .
ورواه أبو داود الطيالسي (٤٨٥) من حديث سلام بن سليم، عن يحيى بن سعيد، عن
الحارث بن زيد، عن أبي ذر، بنحوه.
٤٦

الأشعريين، فَخَطَبَا، ثم تَعرضا للعمل، فقال: ((إنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدِي مَنْ
طَلَبَهُ، فَعَلَيْكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى))(١).
٥٩ - وما قَدْ حدثنا أحمدُ بنُ الحسن بن القاسمِ الكوفي
أبو الحسين، حدِّثَنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةٍ، عن يونسَ بنِ عبيدٍ، عن الحَسَنِ
عن عبدِ الرَّحْنِ بنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لي رسولُ اللَّهِ عليه السَّلامُ:
((يا عَبْدَالرَّحمن لا تَسْأَلِ الإِمارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وكلت إليها،
وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليْها))(٢).
(١) أبو بكرة: هو بكار بن قتيبة، وإسماعيل بن أبي خالد - وهو الأحمسي مولاهم
البجلي -: قال المزي في ((الأطراف)) ٤٦٧/٦: له ثلاثة إخوة: سعيد، وأشعث،
ونعمان، وقد روی إسماعیل عنهم كلهم، فالله أعلم أيهم هذا، وباقي رجاله ثقات.
ورواه أحمد ٣٩٣/٤ و٤١١ من طريقين، عن الثوري، بهذا الإسناد، وأبو داود
(٢٩٣٠) عن وهب بن بقية، عن خالد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أخيه، عن
بشر بن قرة الكلبي، عن أبي بردة، به. فزاد في الإسناد (بشر بن قرة)، وهو صدوق.
وروى البخاري في «صحيحه)) (٧١٤٩)، ومسلم (١٧٣٣) من طريقين، عن
أبي أسامة، عن بُريد بن عبدالله، عن أبي بُردة، عن أبي موسى قال: دخلتُ على
النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلانٍ من بني عمي، فقال أَحَدُ الرجلين:
يا رسولَ الله، أمرنا على بعضٍ ما ولاك اللَّهُ عز وجل، وقال الآخر مثلَ ذلك، فقال:
(إنا والله لا نولّ على هذا العَمَلِ أحداً سأله، ولا أحداً حَرَصَ عليه)» لفظ مسلم. وانظر
((الفتح)) ٢٧٢/١٢ و١٢٤/١٣ - ١٢٦.
(٢) إسناده ضعيف جدّاً بهذا السند. أحمد بن الحسن (وقد تحرف في الأصل إلى
الحسين) بن القاسم: قال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن حبان: كذاب، وقال
ابن يونس: حدث بمناكير، ومات سنة ٢٦٢ بمصر. وقد روى عنه أبو عوانة في
(((صحيحه) والتمس له الحافظ في (اللسان)) العذر بقوله: فكأنَّه ما خبر حاله. وباقي
السند رجاله على شرطهما، وقد صح الحديث من غير هذا الطريق، فرواه البخاري
(٦٦٢٢) و(٦٧٢٢) و(٧١٤٦)، و(٧١٤٧)، ومسلم (١٦٥٢)، وأبو داود (٢٩٢٩)، والترمذي
(١٥٢٩)، والنسائي ٢٢٥/٨، والدارمي ١٨٦/٢، وابن الجارود (٩٩٨)، والبغوي
في ((شرح السنة)) ٥٦/١٠ - ٥٧ من طرق، عن الحسن، بهذا الإسناد.
٤٧

قال أبو جعفر: وفيما قد ذكرتُ ما قَدْ وَضَحَ بِهِ جميعُ ما رَوَيْنَاه عن
رسولِ اللَّهِ عليهِ السَّلامُ في هذا البابِ بالحديثِ الأولِ الذي رَوَيْناه عنه
فيه فهيُّه أبا ذر عمَّا نَهَه عَنْهُ، وفي الأحاديثِ الَّتِي رَوَيْنَاها بعدَه مِمَّ فيهِ نفيُ
ذلك النهيِ عن سِواه ممن بهِ القوةُ على ما يَتَوَلأُهُ من ذلك.
فبانَ بما ذكرْنا أنْ لا تضادَّ في شيءٍ ممّا ذكرْناه في هذا البابِ عنْ
رسولِ اللَّهِ صلَّى الله عليهِ وسلّمَ، وأَنَّ معانِيَهُ قَدِ انْضَحَت ملتئمةٌ باينةٌ
لِمُعَايِنِها على ما ذكرْناه فيه. واللّهَ نسألُهُ التوفيقّ.
٠٠
p'
٤٨

٦- بابُ بيان مُشْكِل ما رُويَ في السبب الّذي فيهٍ
نَزَلَتْ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَّهُمْ عَنْكُمْ وَأَيَّدِيَكُمْ عَنْهُمْ
بِنَظْنِ مَكّةَ مِنْ بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]
مما قد ظَنَّ بعضُ الناسِ أَنَّهُ قَدْ تضادَّتِ الرواياتُ فيهِ عَنْ رسولٍ
اللَّهِ عليهِ السلامُ مِمّا هو في الحقيقةِ بخلافٍ ذلك.
٦٠ - حدَّثنا محمدُ بنُ بَحْر بنِ مطر، حدثنا يَزِيدُ بن هارونَ،
أخبرنا حمادُ بنُ سَلَمَة، وحدثنا أحمدُ بنُ داودَ بنِ مُوسَى، عن(١) مُبيد الله بن
محمدٍ التيميِّ، عن حماد بن سلمةً، عن ثابتٍ
عن أنسٍ : أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله عليه
السلامُ وأصحابه بالتنعيم(٢) عند صلاة الفجر ليقتلوهم، فأخذهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم سَلَماً، فأعتقهم، فأنزل الله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾(٣) [الفتح: ٢٤] الآية.
(١) تحرفت في الأصل إلى ((بن)).
(٢) موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسَرِفَ، على فرسخين من مكة، وقيل على أربعة.
(٣) إسناده صحيح. محمد بن بحر بن مطر: نقل الحافظ في ((اللسان)) ٩٠/٥ عن مسلمة:
أنه مجهول، وعلق عليه، فقال: روى عنه أبو جعفر الطحاوي، ووجيه بن الحسن بن
يوسف، وأبو عمرو عثمان بن محمد السمرقندي، فليس بمجهول العين. وقد ترجم له
الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١٠٥/٢، وذكر شيخه ومن روى عنه، وباقي السند على
شرط مسلم.
ورواه مسلم (١٨٠٨)، وأبو داود (٢٦٨٨)، والترمذي (٣٢٦٤)، وأحمد ١٢٤/٣
و ٢٩٠ من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد.
٤٩
=

قالَ أبو سَلَمَةَ: فَحَدَّثْتُ بهذا الحديثِ الكلبيَّ، فقال: هكذا كانَ
الحدیثُ.
٦١ - وحدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أعين، حدثنا إسحاقُ بنُ
أبي إسرائيلَ، أخبرنا عَبْدُ الرّؤَّاق، وحدثنا عبيدُ بنُ محمدِ بنِ مُوسَى البزاز
أبو القاسم -المعروف محمَّد هذا پرِجال(١) -حدثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، حدثنا
عبدُالرزاقِ، ثم اجتمعا، فقال كل واحد منهما في جانب: أخبرنا مَعمر،
عن الزُّهْرِيِّ، قال: وأخبرني عُرْوة عن المِسْوَر، ومروانَ بن الحكم(٢)
يصدقُ كُلُّ وَاحِدٍ منهما صَاحِبَه، قال في حديث الهُدْنَةِ :
= وقوله: ((فأخذهم رسول الله سَلَماً)): ضبطه الإمام الخطابي بفتح اللام والسين، وقال:
﴿وَأَلْقَوْا إليكم السُّلَمْ﴾ أي: الانقياد،
والمراد به الاستسلام والإذعان، كقوله تعالى:
وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع. وأورده السيوطي في ((الدر)) ٧٥/٦، وزاد
نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر،
وابن مردويه، والبيهقي في ((الدلائل)).
(١) في ((إكمال ابن ماكولا)) ٣٣/٤: وعبيد بن محمد بن موسى البزاز المؤذن، يعرف
بعبيد بن رجال، يروي عن يحيى بن بكير، وأحمد بن صالح وغيرهما، روى عنه
أبو طالب الحافظ، والمصري وغيرهما.
وفي ((المشتبه)) للذهبي: وعبيد بن رجال: شيخ الطبراني، سمع يحيى بن بكير.
قال ابن ناصر الدين في ((توضيح المشتبه)) ٢ / ورقة ٢٤: قلت: هو عبيد بن محمد بن
موسى أبو القاسم المؤذن البزاز، ورجال: لقب أبيه محمد.
وفي هامش أصل ((الإكمال)): وقال ابن يونس: عبيد بن موسى البزاز المؤذن، يكنى
أبا القاسم، يعرف بعبيد بن رجال مولى لقريش ... وكان أبوه محمد بن عيسى المعروف
برجال مؤذناً أيضاً بالمسجد الجامع، وكان يقال: إنه من أحسن الناس أذاناً، روى
عبيد بن محمد عن زيد بن بشر ونحوه، توفي يوم الأربعاء لعشر خلون من شوال سنة
أربع وثمانين ومثتين.
(٢) هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة، لأنه لا صحبة له، وأمّا المِسْوَرُ، فهي بالنسبة إليه
أيضاً مرسلة، لأنه لم يَحْضُرِ القِصَّة. ورواه البخاري (٢٧١١) في أول الشروط من طريق =
٥٠

إِنَّ سُهيلاً كان مما اشترط في الصُّلح الذي كان بَيْنَه وبَيْنَه عام
الْحُدَيْبِيَةِ(١) لا يأتيك منا رَجُلٌ، وإن كان على دينكَ، إلا رددته إلينا، ثم
رَجَع النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة، فجاء أبو بصير رَجُلٌ من
قريشٍ (٢)، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدُ الذي
جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، فلما بلغا ذَا الْحُلَيْفَة،
نزلوا يأكلون مِن تمرهم، فقال أبو بَصِيرٍ لأحد الرجلين:
والله إني لأرى سَيْفَكَ يا فلان جيداً، فاستلُّه الآخَرُ، فقال:
أجل واللَّهِ إنه لجيد، فقال أبو بصيرِ: أرني أنظرْ إليه، فضربه به حتى
برد، وفر الآخر حتىّ أتى المدينة، فَدَخَلَ المسجد، فقال رسول الله عليه
السلام حين رآه: ((لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْراً)، فلمّا انتهى إليه قال: قُتِلَ واللَّهِ
صاحِبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله، قد والله وفى
اللَّهُ ذِمَّتَكَ أَنْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: ((وَيْلُ أَمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ (٣) لَوْ كانَ لَهُ أَحَدٌ))، فلما سَمِعَ ذلك
يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة أنه سمع المِشْوّر
=
ومروانَ يُخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فذكر بعضَ الحديث.
وقد سمع المسور ومروان من جماعة من الصحابة شهدوا هذه القصة كعمر، وعثمان،
وعلي، والمغيرة، وأم سلمة، وسهل بن حنيف وغيرهم، ووقع في رواية البخاري
(٢٧٣١) شيء يدل على أنه عن عمر، كما نبه عليه الحافظ ابن حجر.
(١) قرية قريبة من مكة، أكثرها في الحرم، وعامُ الْحُذَيْبِيةِ كان سنة ست للهجرة.
(٢) أبو بصير: اسمه عُتبة بن أسيد بن جارية الثقفي، حليف بني زهرة، سماه ونسبه ابنُ
إسحاق في رواية. قال الحافظ: عُرِفَ بهذا أن قوله: ((رجل من قريش)) أي: بالخِلْفِ،
لأن بني زهرة من قريش. وانظر ((الإصابة)) ٤٤٥/٢ - ٤٤٦.
(٣) قال ابن الأثير: الويل: الحزن، والهلاك، والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة،
دعا بالويل، وقد يَرِدُ بمعنى التعجب، ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: ((ويل
أمّه مسعر حرب)» تعجباً من شجاعته وجرأته وإقدامه، وقيل: ((وي)) كلمة مفردة، =

منه، عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتىّ أتى سِيْفَ ـ- يعني - البحرِ
قال: وتفلَّت منهم أبو جَنْدَلٍ (١)، فلَحق بأبي بصير، فجعل لا يَخْرُجُ مِن
قريش رَجُلٌ قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم ◌ِصَابة،
قال: فواللَّهِ ما سَمِعُوا بِعِيرِ خرجت لقريش إلى الشّام إلا اعترضوا لهم،
فقتلُوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبي عليه السَّلامُ تُنَاشِدُه
الله والرَّحم لما أرسل إليهم، فمن أَتَاهُ، فهو آمِنٌ، فأرسلَ النبيُّ صلى الله
عليه وسلَّم إليهم، فأنزل الله ﴿وهو الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكم وأيديكم عنهم﴾
حتى بلغ ﴿الحِمِيَّةَ حمية الجاهلية﴾ وكانت حميتُهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله،
ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيتٍ(٢).
قال أبو جعفرٍ: وكان ما في حديث أنس: أن ثمانينَ رجلاً مِنْ أَهْلِ
مكّةَ هَبَطُوا على رسولِ اللَّهِ عليه السلام وأصحابِه من التَّنعيمِ
عندَ صلاةِ الفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُم، وأن سببَ نُزولِ هذه الآية كان في ذلك،
= و((لأمه)) مفردة، وهي كلمة تفجع وتعجب، وحذفت الهمزة من ((أمه)) تخفيفاً، وألقيت
حركتها على اللام، وينصب ما بعدها على التمييز.
(١) بالجيم والنون وزان جعفر، وكان اسمه العاصي، فتركه لما أسلم، وله أخ اسمه
عبدالله، أسلم أيضاً قديماً، وحضر مع المشركين بدراً، ففرّ منهم إلى المسلمين، ثم كان
معهم بالحديبية، ووهم من جعلهما واحداً، وقد استشهد عبدالله باليمامة وله ثمان
وثلاثون سنة قبل أبي جندل بمدة، وأمَّا أبو جندل، فكان حُبِسَ بمكة، ومُنِعَ من
الهجرة، وعذب بسبب الإِسلام، ثم خلص، وهاجر، وجاهد، ثم انتقل إلى جهاد
الشام، فتوفي شهيداً في طاعون عَمَوَاس بالأردن سنة ثماني عشرة. انظر ((سير أعلام
.. النبلاء)) ١ / رقم الترجمة (٢٣) و(٢٤).
(٢) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٢٧٣١) و (٢٧٣٢)، وأبو داود (٢٧٦٥)، وأحمد
٣٢٨/٤ من طريقين، عن معمر، بهذا الإسناد.
وأورده السيوطي في ((الدر)) ٧٦/٦، وزاد نسبته إلى عبدالرزاق، وعبد بن حميد،
والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر.
٥٢

وكان ما في ذلك الحديث مضافاً إلى أنس لِغَيْر حكايةٍ منه عَنْ رسولِ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ له ذلك.
وكان ما في حديثِ المِسْوَرِ، ومروانَ أن نزولهَا كانَ فيما كانَ من
أبي بَصيرٍ، وأبي جَنْدَلٍ، وَمَّن ◌َحَقَ بهما مَمَّن أسلمَ من قُريشٍ بسيف
البحر في قطعِهم ما كانَ يَمُرُّ بهم مِنْ عِيراتِ قريشٍ ، وثمّا سِواها ممّا كانَتْ
ميرةً لهم، حتَّ كانَ مِنْ قُريشٍ الذين كانوا بمكَّةَ سُؤالهم رسولَ اللَّهِ عليه
السلامُ، ومناشدتُهم إِيَّهُ باللَّهِ وبالرَّحِمِ لَما أرسل إليهم، فمن أتاه،
فهو آمِنٌ، وأن إنزالَ اللَّهِ هذهِ الآيةَ الَّتِي تَلَوْنَا كانَ في ذلك، وكانَ كُلُّ وجهٍ
ممّا في هذين الحديثينِ مضافاً إلى رواتِه لا إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم .
فبانَ بذلك أَنْ لا تَضادَّ في واحدٍ بِمَّ في هذين الحديثينِ عَنْ
رسولِ اللَّه عليه السلامُ، وأَنَّ الَّضادَّ الَّذي فيهما في سببٍ نُزولِ هذهِ
الآيةِ كانَ تَمَّن دونَهُ عليه السلامُ منه.
وقد رُوِيَ عَنْ سلمةَ بنِ الْأَكْوَعِ فِي نُزولها أيضاً شيءٌ يَدُلُّ على
ما قالَهُ أنسٌ، وأنَّ نُزُولَهَا كانَ فيه.
٦٢ - كما قد حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ، أخبرنا أبو الوليدِ الطيالِسيُّ،
حدثنا ◌ِكرمةُ بن عَمَّار العجليُّ، عن إياسٍ بِنِ سَلَمَةً
عن أبيه سلمة قال: جاءَ عَمِّ(١) برجلٍ مِنْ عَبَلاتٍ(٢) وبفرسِه
(١) تحرف في الأصل إلى ((عمر))، وعم سلمة: اسمه عامر.
(٢) في ((صحاح الجوهري)): العبلات من قريش، وهم أمية الصغرى، والنسبة إليهم:
عبلي، تَرُدّهُ إلى الواحد.
٥٣

مُجَففاً(١) في سبعينَ مِنَ المشركينَ حتّى وَقَفَ بهم على رسولِ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم فقال: ((دَعُوهُمْ تَكُونُ لَنَا الْيَدُ والفَخَارُ))(٢)، فعفا عنهم
رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُم
عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ (٣) الآية [الفتح : ٢٤].
قال أبو جعفر: ثم تأمّلْنَا نحنُ منْ بعدٍ ما قالوه في ذلك، فوجَدْنا
في الآيةِ التي تَلَوْنَا ما يَدُلُّ على ما قالَهُ أنسٌ في السببِ الَّذِي فِيهِ أُنْزِلَت
لا على ما قالَ مروانُ، والمِسْوَرُ في ذلك، لأَنَّ فيها ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيَدِيَهُمْ
عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطنِ مَكّةَ مِنْ بَعدِ أَنْ أَظِفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾
الآية [الفتح: ٢٤]، وكانَ التنعيمُ مِنْ مَكَّةَ، وكان سِيفُ البحر ليسَ من بطن
مَكَّةَ، وكانَ الَّذِي كانَ في ذلك في حديث أنسٍ : الظَّفَرُ بالقومِ الذينَ
حَاوَلُوا ما حاولُوا مِنْ رسولِ اللهِ عليه السلام، ومِنْ أصحابِهِ، ولا ظَفَرَ في
حديثِ المِسْوَرِ، ومروانَ.
ومن ذلك:
(١) ((مجفَّفاً)) حال من ((فرسه))، أي: عليه تجِفاف، وهو ثوب كالجُل يلبسه الفرس
ليقيه السلاح، وجمعه تجافيف.
(٢) في ((المسند)) و((صحيح مسلم)): ((دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه))، البدء: الابتداء،
وأمَّا ثناه، فمعناه عودة ثانية. قال في ((النهاية)): أي: أوله وآخره، والثُّنَى: الأمر يُعاد
مرتین .
(٣) إسناده حسن. عكرمة بن عمار: صدوق من رجال مسلم إلا أنه يَغْلَطُ، فحديثه حسن.
ورواه مسلم (١٨٠٧)، وأحمد ٤٩/٤ من طرق عن عكرمة، بهذا الإسناد. وأورده
السيوطي في ((الدر)) ٧٨/٦، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والطبراني، وابن مردويه،
والبيهقي في ((الدلائل)).
٥٤

٧ - بابُ بيانٍ مُشْكِلٍ ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
عليهِ السَّلامُ ثُمَّ عَنِ ابنِ عباسٍ ممَّا يُحيط علماً أنَّهُ
لَمْ يَقُلْهُ إلَّ بأخذِهِ إِيَّاهَ عَنْهُ إِذ كان مثلُه لا يُوجَدُ
إلا عَنْهُ، ولا ممَّا يُذْرَكُ بالرأي، ولا مِنَ استنباطٍ
ولا مِن استخراجٍ في التّسع الآياتِ الَّتي أُوتِيها
مُوسَى صِلَّى اللهُ عليه وسلم
٦٣ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، حدثنا مُسَدِّدُ بنُ مُسَرْهَد،
حدثنا يحيى بنُ سَعيدٍ، عن شُعبةَ، حدثني عمرُو بن مرةً، عن عبدِ الله بن
سَلِمَة
عَنْ صَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ، قال: قال رَجُلٌ مِن اليهود لآخرَ: اذهب بنا
إلى هذا النبيِّ، فقال له الآخَرُ: لا تَقُلْ هُذا النبيُّ، فإنَّه إن سَمِعَها كان
لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْين، فانطلقا إليه، فَسَألاه عن تِسعِ آياتٍ بينات، فقال:
(تَعْبُدُوا اللَّهَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً، وَلاَ تَقْتُلُوا النّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّ بالحَقِّ،
وَلا تَزْنُوا، وَلاَ تَسْرِقُوا، ولا تَفِرُوا مِنَ الزَّحْفِ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَأْكُلُوا
الرِّبَا، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطَانٍ، وعَلَيْكُم يَهُودُ أن لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ»،
فقالا: نشهد أنك رسول الله(١).
(١) إسناده ضعيف. عبدالله بن سَلِمَةَ - وهو المرادي -: صدوق إلا أنهم تكلُّموا في حفظه،
وقال الحاكم أبو أحمد في ((الكنى)): حديثه ليس بالقائم، وباقي رجاله ثقات.
=
٥٥

قال أبو جعفر: هذا الحرف ((نشهد أنَّك رسولُ الله)) لم يَقُلْهُ أَحَدٌ
في هذا الحديثِ من أصحابِ شُعْبَةَ إلا يحيى بنُ سعيدٍ، فكانَ في هذا
الحديثِ أَنَّ التسع آياتٍ الَّتي آتاها اللَّهُ مُوسَى هي التسعُ الآياتِ المذكوراتُ
في هذا الحديث، وأنها عباداتٌ لا نِذاراتٌ، ولا تَخويفاتُ، ولا وعيداتٌ.
وما عَلِمْنَا أحداً ثمّن رَوَى هذا الحديثَ عَنْ شعبة ضَبَطَ التسعَ
الآياتِ المذكوراتِ فيه غيرَ يحيى، وقد ظَنَّ بعضُهم أنَّه قَدْ ضَبَطَها عن
شعبةً أيضاً بضبطٍ يحيى إيَّاها عَنْهُ عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ الْأَوْدِيُّ.
وذکر في ذلك:
ورواه الترمذي (٢٧٣٣) و(٣١٤٤)، وابن ماجه (٣٧٠٥)، وأحمد ٢٣٩/٤ و٢٤٠،
=
والنسائي ١١١/٧ - ١١٢، والطيالسي (٢٢٤٢)، وابن جرير ١١٤/١٥، وأبو نعيم في
((الحلية)) ٩٧/٥، والطبراني في ((الكبير)) (٧٣٩٦) من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد.
ومع كون عبدالله بن سَلِمَة في حفظه شيء، فقد قال الترمذي: هذا حديث حسن
صحيح، وقال الحاكم ٩/١: صحيح لا نعرف له عِلَّةٌ بوجه من الوجوه، ووافقه
الذهبي. وقال الحافظ ابن كثير ٦٧/٣ بعد أن أورده عن («المسند»: فهذا الحديث رواه
هكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن
الحجاج، به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث مشكل، وعبدالله بن سَلِمَةً
في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسعُ الآيات بالعشر الكلمات،
فإنها وصايا في التوراة، لا تَعَلَّقَ لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم.
وأورده السيوطي في ((الدر)) ٢٠٤/٤، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور،
وابن أبي شيبة، وأبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن قانع،
وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي معاً في ((الدلائل)).
وقوله: ((تعبدوا الله)) كذا الأصل، والجادة ((تعبدون الله)) وإن كان ما هنا له وجه في
العربية. ولم ترد في المطبوع جملة: ((تعبدوا الله)) ولا في الترمذي وغيره، وأول الحديث
عندهم: (لا تشركوا بالله شيئاً)).
ومعنى قوله: ﴿أن لا تعدوا في السبت﴾ أي: لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أُبيح لكم إلى
ما لم يُبَحْ لكم.
٥٦

٦٤ - ما حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، أخبرنا أبو كريب، عن
ابن إدريس، أخبرنا شُعبةُ، عن عمرو، عن عبدالله
عن صَفْوانَ قال: قال يهوديّ لِصاحبه: اذهبْ بنا إلى هذا النبيِّ،
فقال صاحبُه: لا تَقُلْ نَبِيَّ، لو سَمِعَها كان له أربعةُ أَعين، فأتيا رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم، فسألاه عن تِسعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فقال لهم: ((لاَ تُشرِكُوا
باللّهِ شَيئاً، ولا تَسْرِقُوا، ولاَ تَزْنُوا، ولَا تَقْتُلُوا النّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّ
بِالحَقِّ، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطَانٍ، ولَا تَسْحَرُوا، وَلاَ تَأْكُلُوا الرِّبا،
وَلَا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ، ولا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكُمْ خَاصَّةٌ يَهُودُ أن
لا تَعْدُوا في السَّبْتِ)) فقَبِّلوا يديه، ورِجليه، وقالوا: نَشْهَدُ أنَّك نبي قال:
((فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟))، قالوا: إنَّ داود دعا أن لا يَزَالَ مِن ذريته نبي،
وإنا نخافُ إن تبعناك أن تقتلَنَا يهودُ(١).
هكذا حدثناه ابنُ شعيب بلا شكٌّ منه فيه، ولا يِمِّن رواه عنه،
ولا يُمَّن فوقه مِن رواته فيه.
وكان ما ظن هذا الظانُّ بخلاف ما ظنَّه، لأنه لو كان كما ظن، لكان
ابنُ إدريس قد زادَ على يحيى بن سعيد فيه آیةً أخرى، فصار الذي فيه
عشرَ آيات، وإنما الذي أخبر اللَّهُ أنه آتاه موسى منها تِسْعُ آيات لا عشرُ
ایات .
ولكن حقيقةُ هذه الزيادة التي فيه مِن عبدِ الله على يحيى إنما هي أن
شعبة قد كان شك فيه بأَخَرَة، فلم يَدْرِ: هَلْ مِنَ الآياتِ التي فيه التّولي
(١) في سنده عبدالله بن سَلِمَة، وحديثه ليس بالقائم، وهو في ((سنن النسائي)) ١١١/٧ -
١١٢.
: ٥٧

يومَ الزحف، أو قذف المُحْصَنَةِ، وكان يُحَدِّثُ به كذلك إلى أن مات، وكان
سماعُ يحيى إياه منه بلا شك كان قبلَ ذلك.
والدليلُ على ما ذكرنا:
٦٥ - أن عبد العزيز بنَ معاوية بنِ عبدالعزيز العَتَّابي أخبرنا خالدٌ،
وإبراهيمُ بن مرزوق، وإبراهيم بن أبي داود، وأحمد بن داود قد حدثونا،
قالوا: حدثنا أبو الوليدِ الطيالسي، حدثنا شعبةُ، عن عمرو بنٍ مُرَّةَ، عن
عبدِاللهِ بنِ سَلِمَة
عن صفوان بن عسال: أنَّ يَهُودِياً قال لِصاحبه: تَعَالَ حتى نَسْأَلَ هذا
النبيَّ، فقال الآخر: لا تَقُلْ له النبيّ، فإنَّه إن سَمِعَها صارت له أربعة
أعينُ، فأتاه فسأله عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسِعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾
[الإسراء: ١٠١]، فقال: ((لا تُشْرِكُوا باللَّهِ شَيئاً، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرِّمَ
اللَّهُ إِلَّ بِالْحَقِّ، وَلَا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبَا،
وَلَ تْشُوا بِيَرِيٍ إلى سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ أَوْ تَفِرُّوا مِنْ
الزَّحْفِ، وعَلَيْكُمْ خَاصَّةً اليَهُودَ أَنْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ))، قال: فَقَّلُوا
يَدَهُ، وقالُوا: نشهد أنك نبيٌّ، قال: ((فَا يَمْنَعُكُم أَنْ تَتَّبِعُون؟))، قالوا: إنَّ
داودَ دعا أن لا يزالَ في ذُرِّيَّتِهِ نبي، وإنَّا نخشى إِنِ اتَّبَعْنَاكَ أن تقتُلَنا
اليهودُ(١).
وأن بَكَّارَ بنَ قُتيبة قد حدثنا، حدثنا أبو داود صاحبُ الطيالسة
حدثنا شعبةُ، ثم ذَكَرَ مثلَ حدیثِ أبي الوليد بالشُّكَّ الذي فيه.
وأن عبدالملك بن مروان الرَّقي حدثنا قال: حدثنا حجاجُ بنُ محمد
حدثنا شعبةُ، وزاد: أنَّ ذلك الشك من شعبة.
(١) ضعيف، وهو مكرر ما قبله.
٥٨

فَعَقَلنا بذلك انفرادَ يحيى بن سعيد بهذا الحديث عن شعبة خالياً من
الشك فيه دونَ ابنِ إدريس، ودونَ مَنْ سواه ممن رواه عن شعبة ممن ذكرناه
في هذا الباب.
فهذا ما وجدناه في هذه الآياتِ عن رسول الله عليه السّلام،
والموضعُ الذي وقع فيه الشِّكُ منها هو موضعٌ يجبُ أن يُوقَفَ على الفائدة
فيه، وهو ما قد دَلَّ أن حُكْمَ الله تعالى كان تحريمَ الفِرارِ مِن الزحف مما
تعبَّدَ به نبيَّه موسى عليه السَّلامُ، ومما لم يَنْسَخْهُ بعدَ ذلك حتى صار مِن
شريعةٍ نبينا، وكان في ذلك دفعٌ لِقولِ مَنْ قال: إنَّ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَن
يُؤَلهُم يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية [الأنفال: ١٦] التي ذكرها في سورة الأنفالِ،
إنما كان ذلك في يومٍ بَذْرٍ خاصة، وأن حُكْمَهُ ليس فيما بعده.
فأما ما ذكرنا أنه قد رُوِيَ عن ابنِ عباس في تأويلها، وفي التسع
الآيات المذكوراتِ فيها:
فإنَّ يحيى بنَ عثمان حدثنا، قال: حدثنا عبدُ الغفَّارِ بنُ داوود
الحرَّاني أبو صالح، حدثنا عَتَّابُ بنُ بشير، عن خُصيف، عن عِكْرِمَة
عن ابن عباس في قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] قال:
اليد، والعصا، والطوفانُ، والجراد، والقمل، والضفادع، والدَّمُ،
والسنين، ونقص من الثمرات(١).
(١) خصيف - وهو ابن عبدالرحمان الجزري -: سيىء الحفظ، اختلط بأخرة، وباقي السند
ثقات. وأورده السيوطي في ((الدرّ) ٢٠٤/٤، وقال: أخرجه عبدالرزاق، وسعيد بن
منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس.
وفي ((تفسير ابن كثير)) ٦٦/٣: يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي
الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمّن أرسله إلى فرعون، وهي
العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطّوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم =
٥٩

غَيْرَ أَنَّا تأملنا ما رُوِيَ عن ابنِ عباس في ذلك مِن غير طريقِ عِكْرمة
مولاه، فوجدنا عن سعيد بن جبير عنه في ذلك مما ذكره في حديثه في
الفتون :
٦٦ - كما قد حدثنا عليٌّ بنُ شيبة، حدثنا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا
الأصبَغُ بنُ زيدٍ، حدثنا القاسم (١) بن أبي أيوب، حدثني سعيدُ بنُ جُبَيْ،
قال :
سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه تعالى لموسى ﴿وَفَتَنَّكَ فَتُونَاً ﴾ [ طه: ٤٠]
فسألتُه عن الفتونِ ما هو؟ قال: اسْتَأْنِفِ النَّهَارَ يا ابنَ جُبير، فإن لها حديثاً
طويلاً، فلما أصبحتُ غدوتُ إليهِ لأَنْتَجِزَ منه ما وعدني، فذَكَرَ عنه ما ذكر
عنه في حديثه إلى أن ذَكَرَ قولَ موسى لِفرعون: أريدُ أن تُؤْمِنَ بالله تعالى،
وتُرْسِلَ معي بني إسرائيل، وأن فرعونَ أبى عليه ذلك، فقال: انْتِ بآيةٍ
إن كنت مِن الصَّادِقِين، فألقى عصاه، فإذا هي حيَّةٌ عظيمة فاغِرَةٌ فاها،
قاصِدة مُسْرِعَة إلى فرعونَ، فلما رآها فرعونُ قاصدةٌ إليه، خافها، فاقتحم
عن سريره، واستغاث بموسى أَنْ يَكُفَّهَا عنه، ففعل، ثم أخرج يَدَهُ من
جيبه، فرآها بيضَاء مِن غير سوءٍ من غير بَرَصٍ ، ثم ردَّها، فعادت إلى
لونها الأول، ثم ساق الحديثَ حتى بلغ ذكر مكث موسى لمواعيدٍ فرعونَ
الكاذِبَةِ، كلما جاءه بآية، وعده عندها أن يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا
آيات مفصلات، قاله ابن عباس. وقال محمدُ بن كعب: هي اليد، والعصا، والخمس
=
في ((الأعراف))، والسنين، والبحر. وقال ابنُ عباس أيضاً، ومجاهد، وعكرمة،
والشعبي، وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد،
والقمل، والضفادع، والدم، وهذا القولُ ظاهر جليّ حسن قويّ، وجعل الحسن
البصري السنينَ ونقصَ الثمرات واحدة، وعنده أن التاسعة هي تلقف العصا
ما یأفكون.
(١) تحرف في الأصل إلى: الهيثم.

مضت، أخلف موعدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّكَ أن يصنع غيرَ هذا؟
فأرسل اللهُ عليه وعلى قومه الطُّوفانَ، والجراد، والقُمَّلَ والضفادِعِ، والدَّمَ
آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ، كل ذلك يشكو إلى [موسى]، ويَطْلُبُ إليه أَنْ يَكُفَّهَا عنه،
ويُوافِقُه على أن يُرْسِلَ معه بني إسرائيل، فإذا كفَّ ذلك عنه، نَكَثَ عهدَه،
وأخلف، حتّ أُمر موسى عليه السلامُ بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلاً، فلما
أصبح فرعونُ، ورآهم قد مَضَوْا أرسل في المدائن حاشرين، فَتَبِعَهُم جندٌ
عظيمةٌ كثيرةٌ، وأوحى اللَّهُ إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى بعصاه،
فَانْفَرِقْ اثنتَ عَشْرَةِ فرقة حتى يجوزَ موسى ومَنْ معه، ثم الْتَقِمْ على مَنْ بَقِيَ
من فرعونَ وأشياعه، ثم ذكر ما كان مِن الله تعالى مما أهلك بِهِ فرعونَ
وقومَه مِن الغرق حتى بلغ إلى ما كان مِن الله تعالى فيما كان منه في قومٍ
موسى عليه السلامُ، وأنه نَتَقَ عليهم الْجَبَلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتى
خافوا أن يَقَعَ عليهم، ثم ذكر ما بَعْدَ ذلك في حديثه الذي ذكرنا حتى بلغ
إلى موضع تحريم الله تعالى على مَنْ حَرَّمَ مِن القوم الذين سماهم
موسى قَبْلَ ذلك فاسقين، ثم ابتلاهم بما ابتلاهم به مِن التِّيهِ في الأرْضِ
التي ابتلاهم بالتِّيه فيها أربعينَ سنةً يتيهون في الأرض، فَيُصْبِحُونَ كُل
يوم، فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظَلَّلَ عليهم الغَمَامَ في التيه، وأنزل
عليهم المَنَّ والسَّلْوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى، ولا تَتَّسِخُ، وجَعَلَ بين
ظَهْرَانَيْهِمْ حجراً مُرَبَّعاً، وأمر تعالى موسى، فضربه بعصاه فانفجرت منه
اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية ثلاثةُ أعين، وأعلم كُلَّ سِبْطٍ عينهم التي
يشربون، ولا يَرْتَحِلُونَ مِن مَنْقَلَةٍ إلا وَجَدُوا ذلك الحَجَرَ منهم بالمكانِ
الَّذي كان منهم بالأمسِ. رفع ابنُ عباس هذا الحديثَ إلى النبيِّ عليه السلام(١).
(١) رجاله ثقات، إلا أن أصبغ بن زيد - وهو الجهني الوراق - له غرائب، ولعل هذا
الحديث منها، وهو كما قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) ١٥٣/٣: موقوف من كلام =
٦١