Indexed OCR Text

Pages 321-340

٩٧٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله والده
في حُبِّ الغِنِى الذي يَتَوَهَّمُ بعضُ الناسِ
أنه الغِنى مِنَ المالِ، وما رُوِيَ عنه
في ذلك من سؤال الله عزَّ وجلَّ الغِنى
٦٠٥٠ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا أبو بكر الحنفيُّ، حدثنا
بُكَيْرُ بنُ مِسمار، قال:
سمعتُ عامَرَ بنَ سعد بن أبي وقَّاص: وكان سعدُ بنُ أبي وقّاص
في إِبلٍ له وغنم، فأتاه ابنُه عُمَرُ، فلما رآه قال: أعوذُ باللهِ من شرِّ
هذا الراكب، فلما انتهى إليه، قال: يا أبتِ، أرضيتَ أن تكونَ في
إبلكَ وغنمك والناسُ بالمدينةِ يتنازعون في المُلك؟ فضرب سعدٌ صَدْرَ
عُمَرَ بيده، ثم قال: اسْكُتْ يا بني، فإِنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ إِلَه
يقولُ: ((إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُحِبُّ العبدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفيَّ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير بكيربن
مسمار، فمن رجال مسلم. أبو بكر الحنفي: هو عبد الكبيربن عبد المجيد الحنفي .
ورواه أحمد (١٤٤١) بتحقيقنا، والدورقي في ((مسند سعد)» (١٨)، ومسلم
(٢٩٦٥)، وأبو يعلى (٧٣٧)، والبيهقي في ((شعب الإِيمان)) (١٠٣٧٠)، والبغوي
(٤٢٢٨) من طرق، عن أبي بكر الحنفي، بهذا الإِسناد.
1
ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٤/١-٢٦ و٩٤ من طريق الواقدي، عن بكيربن =
٣٢١

٦٠٥١ - وحدثنا فهدُ بنُ سليمان، حدثنا أبو نُعيمٍ، حدثنا سفيان،
[عن أبي إسحاق]، عن أبي الأحوص
عن عبدِ الله، قال: كان مِنْ دُعاءِ النبيِّ وَِّ: ((اللَّهُمَّ، إنِّي أسألُكَ
الهُدى، والتَّقى، والعِفَّةَ، والغِنى))(١).
= مسمار، به.
ورواه مطولاً أبو يعلى (٧٤٩) من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن
عامر بن سعد، به.
ورواه أحمد (١٥٢٩) بتحقيقنا، ومن طريقه أبو نعيم ٩٤/١، ورواه الدورقي
(٧٣)، كلاهما (أحمد والدورقي) عن أبي عامر العقدي، عن كثير بن زيد الأسلمي،
عن المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب، عن عمربن سعد، عن سعد بن
أبي وقاص، وجاء في روايتي أحمد والدورقي أن القصة حصلت مع عامر بن سعد،
وجاءت رواية أبي نعيم على الصواب.
وقوله: ((الغني))، قال النووي رحمه الله: المراد بالغنى غنى النفس، وهذا هو
الغنى المحبوب لقوله وسلم: ((الغنى غنى النفس))، قال المناوي في ((فيض القدير))
٢٨٩/٢: وأشار البيضاوي وعياض والطيبي إلى أن المراد غنى المال، والمال غير
محذور لعينه، بل لكونه يَعوق عن الله، فكم من غني لم يشغله غناه عن الله، وكم
من فقير شغله فقره عن الله، فالتحقيق أنه لا يطلق القول بتفضيل الغنى على الفقر
وعكسه.
وقوله: ((الخفي))، أي: الخامل الذكر، المعتزل عن الناس، الذي يخفى عليهم
مكانه ليتفرغ للتعبد، قال ابن حجر: وذكر للتتميم إشارة إلى ترك الرياء .
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي
الأحوص - واسمه عوف بن مالك بن نضلة الجشمي - فمن رجال مسلم. سفيان
- وهو الثوري - روايته عن أبي إسحاق السبيعي قبل تغيُّره، وأبو نعيم: هو الفضل بن =
٣٢٢

قال أبو جعفر: فقال قائلُ: في الحديثِ الأوَّلِ مِن هذين الحديثين
أن اللَّه تعالى يُحِبُّ من عباده الغَنِيَّ، وفي الحديث الثاني منهما سؤالُه
وَيه ربَّه عز وجلَّ الغنى. ففي ذلك ما قد دَلَّ على تفضيله الغَنِيِّ على
الفقير.
فكان جوابنا له في ذلك: أن الغِنى المذكورَ في هذين الحديثين
ليس هُو الغِنَى بالمال، وكيف يُظَنُّ ذلك برسولِ اللهِ نَّه، وقد روى
عنه أبو ذَرّ ما قد ذكرنا فيما قد تقدَّمَ منا في كتابنا هذا أنه قال: ((ما
أُحِبُّ أن لي أُحداً ذهباً يأتي عليَّ لَيْلَةٌ وعندي منه دينارٌ إلا ديناراً أَرْصُدُه
لِدَيْنِ أو أقولُ به في عبادِ اللهِ هكذا وهكذا وهكذا))(١)، ولكنَّ الغِنى
المذكورَ في هذين الحديثينِ - والله أعلمُ - غِنى النفس القاطِعِ عن
المال الذي يقطع عن طاعاتِ اللهِ عز وجل، ويَشْغَلُ القُلُوبَ عما سواه،
٦٠٥٢ - كما حدثنا يونسُ، أخبرني أنسُ بن عياض، عن محمد
م
ويقطعه عنه.
= دُكين.
ورواه الطبراني في ((الدعاء)» (١٤٠٨) عن علي بن عبد العزيز، عن أبي نعيم،
بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٤٣٤/١، ومسلم (٢٧٢١)، وابن ماجه (٣٨٣٢)، وأبو يعلى
(٥٢٨٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، به.
ورواه الطيالسي (٣٠٣)، وأحمد ٣٨٩/١ و٤١١ و٤١٦ و٤٣٧ و٤٤٣،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٦٧٤)، ومسلم (٢٧٢١)، والترمذي (٣٤٨٩)، وابن
حبان (٩٠٠)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٠٩٦)، وفي ((الدعاء)) (١٤٠٨) من طرق،
عن أبي إسحاق، به.
:
(١) هو في ((صحيح ابن حبان)) (١٧٠) و(١٩٥).
٣٢٣

ابن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة
عن أبي هريرة: أن النبيَّ ◌َ *، قال: ((ليس الغِنَى عن كَثْرَةِ
العَرَضِ ، إنَّما الغِنِى غِنَى النَّفْسِ))(١). فالغِنى المحمودُ في الحديثينِ
الأوَّلين هو هذا الغِنى الذي تتفرغ به القلوبُ عن الدُّنيا، وعن الاهتمامِ
لها، وتقبل معها إلى أضدادِ ذلك مما يَحْمَدُهُ الله عز وجَلَّ من أهله،
وكيف يجوزُ أن يُظَنَّ برسولِ اللهِوََّ خلافُ هذا أو يكون أحدٌ عند
الله بمنزلةٍ أفضلَ من المنزلةِ التي هو صلى الله عليه وسلم عليها مِن
الأحوال التي هي أضدادُ ما ظنَّ هذا القائلُ أنه مَ رَ أراده في الحديثينِ
اللذينِ ذكرناهما في هذا الباب، وبالله التوفيق.
(١) إسناده حسن. محمد بن عمرو بن علقمة: روى له البخاري مقروناً،
ومسلم متابعة، وهو صدوق حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه أحمد ٢٦١/٢ عن يعلى بن عبيد، و٤٣٨ عن يحيى بن سعيد القطان،
كلاهما عن محمد بن عمرو، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٢٤٣/٢ و٣١٥ و٣٨٩ و٤٤٣ و٥٣٩، والبخاري في («صحيحه))
(٦٤٤٦)، وفي ((الأدب المفرد)) (٢٧٦)، ومسلم (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٣)،
وابن ماجه (٤١٣٧)، وأبو يعلى (٦٢٥٩) و(٦٥٨٣) و(٦٥٩٩)، وابن حبان (٦٧٩)
و(٦٢١٧)، والبغوي (٤٠٤٠) من طرق، عن أبي هريرة.
وفي الباب عن أبي ذر الغفاري صححه ابن حبان (٦٨٥)، والحاكم ٣٢٧/٤،
ووافقه الذهبي.
وعن أنس بن مالك عند البزار (٣٦١٧)، وأبي يعلى (٣٠٧٩)، وأورده الهيثمي
في ((المجمع)) ٢٣٧/١٠، وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وأبو يعلى، ورجال
الطبراني رجال الصحيح.
٣٢٤
:

٩٨٠ - بابُ بيانِ مُشكِلٍ ما رُوِي عن رسولِ الله ◌ِلجه
فيمن نَزَلَ به فاقة، فأنزلها بالله تعالى
أو أنزلها بالنَّاسِ
٦٠٥٣ - حدثنا عليّ بنُ معبد، حدثنا إسماعيلُ بنُ عمر الواسطي .
٦٠٥٤ - وحدثنا فهدٌ، وإسماعيلُ بنُ إسحاق، قالا: حدثنا أبو
نُعيم .
٦٠٥٥ - وحدثنا ابنُ أبي مريم، حدثنا الفريابيُّ، قالوا جميعاً:
حَدَّثَنا بشير بنُ سلمان، قال: سمعتُ سيّاراً أبا الحَكَمِ يَذْكُرُ عن طارق
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبيِّ وَّر، قال:
(مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَها بِالنَّاسِ لم تُسَدَّ فَاقَتُه، وإنْ أَنْزَلَها بِاللهِ عَزَّ
وجَلَّ، أَوْشَكَ الله عزَّ وجَلَّ لهُ بَالغِنَى، إما غِنَى آجِلٍ، أو غِنى
عاجِلٍ))(١).
(١) إسناده حسن، سيار أبو الحكم: صوابه سيار أبو حمزة، وهم فيه بشيربن
سلمان، قال أحمد في (العلل)) ١٢٥/١ و٢٣٣: إنما هو سيار أبو حمزة، وليس هو
سيار أبو الحكم، أبو الحكم لم يحدث عن طارق بشيء، وقال الدارقطني في
((العلل)) ١١٦/٥: قولهم: سيار أبو الحكم وهم، إنما هو سيار أبو حمزة الكوفي ...
وسيار أبو الحكم لم يسمع من طارق بن شهاب شيئاً، ولم يرو عنه.
=
٣٢٥

قال أبو جعفر - رحمه الله -: فكان في الحديثِ أن الغِنى الآجل
الذي يُغني عن الدُّنيا قد جعله رسولُ اللهِ بَّهَ غِنى بمعنى غِنى المالِ،
وكان قولُه: ((أو غِنى عاجل))، الذي لا يُلْهِي عن ذكرِ اللهِ عز وجل،
وأداءِ فرائضِه والقيام فيه بحقِّه، ويكون مَعَ ذلك قِواماً لِلذي يُؤْناه في
دُنياه حتى يكونَ فارغاً لِتلك الأشياءِ الآخر، وبالله التوفيق.
= قلت: وسيار أبو حمزة روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٤٢١/٦،
وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح غير إسماعيل بن إسحاق القاضي، وهو حافظ ثقة.
أبو نعيم: هو الفضل بن دكين.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٩٧٨٥)، وأبو نعيم الأصبهاني في ((الحلية))
٣١٤/٨، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٧٨) و(١٣٥٠) من طريق أبي نعيم الفضل بن
دکین، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٤٤٢/١، والترمذي (٢٣٢٦)، والطبراني (٩٧٨٦)، والبيهقي في
((الشعب)) (١٠٨٠) من طريق سفيان الثوري، وأبو داود (١٦٤٥)، والحاكم ٤٠٨/١
من طريق عبد الله بن المبارك، وأحمد ٣٨٩/١ و٤٤٢ عن وكيع، و٤٠٧ عن أبي
أحمد الزبيري، وأبو داود (١٦٤٥) من طريق عبد الله بن داود، وأبو يعلى (٥٣١٧)
من طريق إسحاق بن سليمان الرازي، و(٥٣٩٩) من طريق محمد بن بشر العبدي،
والدولابي في ((الكنى والأسماء)) ١٥٥/١ من طريق مخلد بن يزيد، والبيهقي
(١٣٥٠) من طريق شعيب بن حرب، كلهم عن بشيربن سلمان، به. وجاء في
الروايات عند أحمد ٤٤٢/١، وأبي داود والبيهقي (١٠٨٠) التصريح بأن سياراً هو
أبو حمزة. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
تنبيه: اختلفت الروايات في متن هذا الحديث، فجاء بلفظ: ((إما غنى آجل ،
أو غنى عاجل)) كحديثنا، وجاء بلفظ: ((إِما موت عاجل، أو غنى عاجل))، وبلفظ:
((إما موت آجل، أو رزق عاجل)).
٣٢٦

٩٨١ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله ◌ِ ل
من قولِه لعمرو بن العاص: ((نِعِمًا بالمَالِ
الصَّالِحِ لِلمَرْءِ الصَّالِحِ»
٦٠٥٦ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا أبو عامر العقديُّ، حدثنا
موسى بنُ عُلي، عن أبيه، قال:
سمعتُ عمروبن العاصْ، قال: أرسلَ إليَّ النبيُّ وَلَه، فقال: ((خُذْ
عَلَيْكَ ثيابَكَ وسِلاحَكَ، ثم ائِنِي)). ففعلتُ ثم أتيتُه وهو يتوضأ، فَصَعَّدَ
فيَّ الْبَصرَ، ثم طأطأه، ثم قال: ((إِنِّي أُرِيدُ أن أَبْعَثَكَ على جيشٍ،
فيُسَلِّمُكَ الله ويُغْنِمُكَ، وأَزْعَبُ إِليكَ زَعْبَةً مِّن المَالِ صَالِحَةً)). قلتُ:
يا رسولَ الله، ما للمالِ هاجرتُ، ولكن هاجرتُ رغبةً في الإِسلامِ وأن
أكونَ مع رسولِ الله. فقال: ((يا عَمْرُو، نِعِمَّا بِالمَالِ الصَّالِحِ
لِلمَرْءِ الصَّالِحِ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو عامر: هو عبد الملك بن عمرو
القيسي العقدي. وعُليَّ أبو موسى: هو ابن رباح اللخمي.
ورواه أحمد ١٩٧/٤ و٢٠٢، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٩٩)، والقضاعي
في ((مسند الشهاب)) (١٣١٥)، وأبو يعلى (٧٣٣٦)، وابن حبان (٣٢١٠)
و(٣٢١١)، والحاكم ٢/٢ و٢٣٦، والبغوي (٢٤٩٥) من طرق، عن موسى بن
علي، بهذا الإِسناد.، وصححه الحاكم في الموضع الأول على شرط مسلم، وفي =
٣٢٧

٦٠٥٧ - وحدثنا بحرُ بنُ نصر، عن شعيب بن الليث، عن
موسى بن علي، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(١).
قال أبو جعفر : : فقال قائلٌ: ففي هذا الحديثِ ذكر رسولُ اللهِ
﴿َّ ما ذكره به لِعمرو، ليكونَ ذلك رغبةً له فيها يبعثُه عليه، وهذا ضد
ما في الآثارِ.
فكان جوابنا له في ذلك: أن هذا الحديثَ ليس بخلافٍ لما في
الآثار الأول، وهو ما في حديث ابن مسعود: ((أو غنى عاجلٍ))، وهذا
على المالِ الذي يكونُ قِوامً له فيَما هُو بسبيلِهِ، وحقَّق ذلك بقوله:
((نِعمّا المالُ الصَّالِحُ لِلمَرَءِ الصالحِ)»، والمال لا يكونُ صالحاً إلا وهو
مفعولٌ به ما أَمَرَ الله عز وجَلَّ بفعله فيه، ومن يفعلْ ذُلك فيه بحقِّ
ملكه إيَّاه فهو صالح، فبان بحمدِ اللهِ ونعمته أن لا تضادَّ في شيءٍ
من ذلك، ولا اختلاف.
xلله تعالى
= الموضع الثاني على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في الموضعين.
وقوله: ((وأَرْعَبُ إِليك زَعْبةً من المال))، قال الأصمعي: أي: أعطيك دفعة من
المال، والزعب: هو الدفع، يقال: جاءنا سيل يزعَبُ زعباً، أي: يتدافع.
وقوله: ((نعمًا بالمال))، أصل: ((نعمًا)): نعم ما، و((ما)) هذه في موضع رفع فاعل
((نعم))، والباء في قوله: ((بالمال)) زائدة ، والمال هو المخصوص بالمدح ، أي: نعم
الشيء المال الحلال، وقال ابن جني: ((ما)) في ((نعمًا)) منصوبة لا غير، والتقدير:
نعم شيئاً، أي: المال الصالح، والباء زائدة مثلها في ﴿وكفى بالله شهيداً﴾.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، وهو مكرر ما قبله.
٣٢٨

٩٨٢ - بابُ بيانِ مُشكل ما رُوِيَ عن رسول الله صل مما
أجابَ به زيد بن أرقم، والبراءَ بن عازب
الأنصاريين فيما كانا سألاهُ عنه من
ابتياعهما شيئاً بنسيئة، وشيئاً.
بنقدٍ، وكلاهما مما لا يَصْلُحُ
فِيهَ النَّساءُ، وقوله لهما:
(«ما كان يداً بيد، فخذوه،
وما كان نسيئة، فردُوه))
٦٠٥٨ - حدثنا أبو أمية، حدثنا هشام بنُ عمَّار، حدثنا صدقةُ بنُ
خالد، حدثنا عثمانُ بنُ الأسود، قال: سمعتُ سليمانَ بن أبي مسلم
الأحول، قال :
سألتُ أبا المِنْهالِ عن الصَّرْفِ، فقال: اشتريتُ أنا وشريكٌ لي
شيئاً يداً بيد، وشيئاً بنسيئةٍ، فذكرنا ذلك للبراء بن عازب، قال: فعلتُه
أنا وشريكي زيد بن أرقم، فذكرنا ذلك لِرسول الله وَلّ، فقال: ((ما كان
يدأَ بَيَدٍ فَخُذُوهُ، وما كان نَسيئةً فَرُدُّوه))(١).
(١) صحيح، هشام بن عمار - وإن كان فيه كلام - قد أخرج ه البخاري وهو
متابع، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير صدقة بن خالد، فمن رجال البخاري . =
٣٢٩

فهذا الحديثُ يحتجُّ به في مسألة مِن الفقه يتنازع أهلُه فيها، وهي
أن الصفقة الواحدة إذا جَمَعَتْ ما يجوزُ بَيْعُهُ وَحْدَه، وما لاْ يَجُوزُ بيعه
وحْدَهُ، هل يجوزُ من ذلك ما يجوزُ بيعه وحْدَه، ويَبْطُلُ منه ما لا يجوزُ
بيعه وحده، أو يَبْطُلان جميعاً: البيعُ في الذي يجوزُ بيعُه وحدَه منهما
[وفي الذي لا يجوز بيعه وحده منهما]، فكان في هذا الحديثِ: أن
النبيَّ ◌َ﴿ لم يَكْشِفْ مِن سائلَيْه المذكورَيْن في هذا الحديثِ عن ذينك
الشيئين اللذين سألاه عنهما مما يجوزُ البيع في أحدهما وحده، ولا
يجوزُ في الآخر وحده: هل كان شراؤهما إيَّاهما في صفقةٍ أو صفقتين
مختلفتین؟
فعَقَلْنا بذلك أن الحكم فيهما كان واحداً، لأنه لو كانا مختلفين
لكشفهما عن حقيقة شرائهما، هل كان على ما يُوجِبه الشراء في صفقةٍ
واحدةٍ، أو على ما يُوجبه ذلك الشراء في الصفقتين، ثم لأجابهما
بالواجب فيما يَقِفُ عليه مِن ذُلك منهما، ولما لم يَكْشِفْهُما عن ذلك،
عقلنا أن الحكمَ فيهما يكونُ سواء في ذينكِ المعنيين، وأن الشراءَ يجوز
فيما كان من ذلك يداً بيد، ويَبْطُلُ في ذلك ما كان مِن نسيئة، وأن
حُكْم كُلِّ واحدٍ من ذينك الشيئين حُكم نفسه لا حُكم الشيء الآخرِ
المضمومِ معه في الصفقةِ التي جمعتهما جميعاً.
وممن كان يذهبُ إلى هذا القولِ أبو حنيفة، وأصحابُه، وعبدُ
= أبو المنهال: هو عبد الرحمن بن مطعم البناني البصري.
ورواه البخاري (٢٤٩٧) و(٢٤٩٨) عن عمروبن علي، عن أبي عاصم النبيل،
عن عثمان بن الأسود، بهذا الإِسناد. وانظر ما بعده.
٣٣٠
1

الرحمن بن القاسم فيما أجاب أسداً(١) في ذلك عن قول مالك فيه.
وقد خالفهم في ذلك غيرُهم، منهم: الشافعي، فأبطلَ البيع في
الشيئين ببطلانه في أحدهما.
ثم التمسنا هذا الحديثَ من غير روايةٍ سليمان بن أبي مسلم،
عن أبي المِنهال، هل خالفه غيرُهُ ممن رواه عنه، أم لا؟
٦٠٥٩ - فوجدنا أحمدَ بنَ شعيب قد حدثنا، قال: حدثنا
إبراهيمُ بنُ الحسن بن الهيثم المصِّيصي، حدثنا حجاج بنُ محمد،
قال: قال ابنُ جُريجٍ، أخبرني عمروبنُ دينار، وعامرُ بنُ مصعب، أنهما
سَمِعَا أبا المنهالِ يقولُ:
سألتُ البراءَ بنَ عازب، وزيدَ بنَ أرقم، فقالا: كُنَّا تاجِرَيْنِ على
عهدٍ رسول الله وَ لَ، فسألنا النبيَّ ◌َُّ عن الصرفِ، فقال: ((إن كان
يداً بيدٍ، فلا بأسَ، وإن كان نسيئةً فلا يَصْلُحُ))(٢).
(١) تحرفت في الأصل إلى: ((ابتداء))، وأسدٌ هذا هو أسد بن الفرات الإِمام
العلامة القاضي الأمير أبو عبد الله الحراني، ثم المغربي، روى عن مالك بن أنس
((الموطأ))، وعن يحيى بن أبي زائدة، وجريربن عبد الحميد، وأبي يوسف القاضي،
ومحمد بن الحسن، وغلب عليه علم الرأي، وكتب علم أبي حنيفة، وكان له بإفريقية
رياسة وإمرة، وأخذوا عنه وتفقهوا به، وكان مع توسعه في العلم فارساً بطلاً شجاعاً
مقداماً، جعله زيادة الله الأغلبي متولي المغرب أميراً على الغزاة، فافتتح بلداً من
جزيرة صقلية، وأدركه أجله هناك في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومئتين. ((سير
أعلام النبلاء)) ٢٢٥/١٠-٢٢٨.
(٢) إسناده صحيح. إبراهيم بن الحسن بن الهيثم: روى له أبو داود والنسائي، =
٣٣١

فكان ما في هذا الحديثِ مِن روايتي عمرو بن دينار، وعامر بن
مُصْعب، عن أبي المِنهال عن الصَّرف، وأجاب(١) رسولُ اللهِ وَلخير من
سأله عنه عن النقد أنه جائز، وعن النسيئة أنها لا تَصْلُحُ.
وكان الحديثُ الأولُ فيه هذا المعنى، وفيه ما ليس في هذا
الحديثِ، فكان أولى منه، وعَقَلْنا بذلك أن عَمراً، وعامراً سألا أبا
المِنهال عن شيءٍ واحدٍ مما هو عنده مع شيءٍ آخر مجموعَيْنِ في
حديثٍ واحدٍ، فأجابهما بجواب ما سألاه عنه، وأمسكَ عما سِواه مما
= وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير عامر بن مصعب شيخ ابن جريج
الذي قرنه بعمروبن دينار، فلم يوثقه غير ابن حبان. وروى له البخاري هذا
الحديث، وهو فيه مقرون. وليس له في ((البخاري)) سوى هذا الموضع.
وهو في ((سنن النسائي)) ٢٨٠/٧.
ورواه البخاري (٢٠٦٠) و(٢٠٦١)، والدارقطني ١٧/٣ من طريق الفضل بن
يعقوب الرخامي، عن حجاج بن محمد، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٦٨/٤ ٣٧٢ عن روح بن عبادة، والبخاري (٢٠٦٠) و(٢٠٦١)،
والبيهقي ٢٨٠/٥-٢٨١، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٧٨/١٤ من طريق أبي
عاصم النبيل، كلاهما عن ابن جريج، به. ولم يذكر في إسناد البخاري متابعة
عامر بن مصعب لعمروبن دينار، ولم يذكر فيه البراء بن عازب.
ورواه الطبراني (٥٠٣٩) من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار وحده، عن أبي
المنهال، عن البراء وزيد بن أرقم، قالا: قدم النبي وَ لّ ونحن نصرف، فقال: ((لا
بأس به يداً بيد)) وتكره النسيئة.
ورواه أحمد ٣٦٨/٤ و٣٧٣ عن روح، عن ابن جريج، قال: أخبرني حسن بن
مسلم، عن أبي المنهال - ولم يسمعه منه - أنه سمع زيداً والبراء ... فذكره.
(١) في الأصل: فأجازه.
٣٣٢

هو عنده في ذلك الحديثِ عن البراءِ، وزيد بن أرقم، عن رسولِ الله
وَ لّ، فكان حديث سليمان بن أبي مسلم أولى منه.
٦٠٦٠ - وحدثنا القاسمُ بنُ عبد الله بن مهدي، حدثنا سعيدُ بنُ
عبد الرحمن، حدثنا سفيانُ بنُ عُيينة، حدثنا عمروبنُ دينار: أنه
سمع أبا المنهال، يقولُ: باعَ شريكٌ لي دَرَاهِمَ بدراهمَ بينهما
فَضْلٌ. فقلت: إن هذا لا يَصْلُحُ. فقال: لقد بعتُها في السوقِ، فما
عابَ عليَّ أحدٌ، فأتيتُ البراء، فسألتُه، فقال: قَدِمَ النبيُّ ونَ﴿ وتجارتُنا
هكذا، فقال: ((ما كان يداً بيدٍ فلا بأسَ، وما كان نسيئةً، فلا خيرَ فيه)).
وائت زيدَ بنَ أرقم، فإِنَّه كانَ أعظمَ تجارةً مني، [فأتيته] فذكرتُ
ذلك لَهُ، فقال: صَدَقَ الْبَرَاءُ(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ تقصيرٌ عما في حديث سليمان،
فحديثُ أبي المِنهال أولى منه.
تعالـ
ثم نظرنا: هَلْ رواه عن أبي المِنهال غيرُ من ذكرناه؟
(١) إسناده صحيح، سعيد بن عبد الرحمن - وهو ابن حسان القرشي
المخزومي - روى له الترمذي والنسائي، وهو ثقة. ومن فوقه ثقات من رجال
الشیخین .
ورواه الحميدي (٧٢٧)، والبخاري (٣٩٣٩) و(٣٩٤٠)، ومسلم (١٥٨٩)
(٨٦)، والنسائي ٢٨٠/٧، والدارقطني ١٦/٣-١٧ من طرق، عن سفيان بن عيينة،
بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٣٦٨/٤ من طريق إبراهيم بن نافع، عن عمرو بنّ دینار، به،
بنحوه .
٣٣٣

٦٠٦١ - فوجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوق قد حدَّثنا، قال: حدثنا
وهبُ بنُ جريرِ، حدثنا شعبةُ، حدَّثنا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، حدثني أبو
المِنهال، قال:
سألتُ البراءَ بنَ عازبٍ، وزيدَ بنَ أرقم، عن الصَّرْفِ، فقالا
جميعاً: نهانا رسولُ اللهِ مََّ عن الذهب بالوَرِقِ ديناً(١).
٦٠٦٢ - ووجدنا ابنَ أبي داود قد حدثنا، قال: حدَّثنا أبو الوليد،
حدثنا شعبةُ، أخبرنا حبيبُ بنُ أبي ثابت، قال: سمعتُ أبا المنهال
يقول :
سألتُ البراءَ عن الصَّرْفِ، فقال: نهى رسولُ اللهِ وَّر عن بَيْعِ
الوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيناً(٢).
فكان في هذا الحديثِ أيضاً طائفةٌ مما في حديث سليمان، وثبت
أن حديثَ سليمان، عن أبي المنهال أولى من أحاديثِ الآخرين عن
أبي المِنهالِ لِحفظه ما قصَّرُوا عنه.
ثم التمسنا ذلك من طريقِ النظرِ لِنقف على ذلك كيف هو فيه؟
فرأينا البيعَ قد يَقَعُ على شِقْصٍ من دارٍ واجب الشّفعة للشريكِ في
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه أحمد ٣٦٨/٤ و٣٧١ و٣٧٢ و٣٧٤، والبخاري (٢١٨٠) و(٢١٨١)،
ومسلم (١٥٨٩) (٨٧)، والنسائي ٢٨٠/٧، والطبراني (٥٠٣٨)، والبيهقي ٢٨١/٥
من طرق، عن شعبة، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو الوليد: هو هشام بن عبد الملك
الباهلي الطيالسي. وانظر ما قبله.
٣٣٤

الدارِ الذي هو منها، وعلى ما سِواه من عرض كعبدٍ أو أمةٍ، أو ما
سوى ذلك مِن العروض، فتكون الشفعةُ واجبةً في ذلك الشِّقْص
بحصته مِن الثمن غيرَ واجبةٍ فيما سِواه مما لا شُفْعَة فيه، ثم يعودُ ما
سواه مبيعاً بحصته من الثمن، وذلك مما لا يجوزُ استئنافُ البيعِ أيضاً
عليه بذلك، فعقلنا بذلك: أَن كُلَّ واحدٍ من العَرَضَيْنِ اللَّذين تجمعُهُما
الصَّفقَةُ مضمناً بحكم نفسه، لا بحُكْم صاحِبِهِ، وكذلك رأيناهم أجمعوا
في العَرَضَيْنِ إذا بيعا في صَفْقَةٍ واحدةٍ بثمنٍ واحدٍ، والعرضان مما
يجمع أنَّهما إذا هَلَكًا في يدِ البائع من قبل قبضِ المبتاع منهما شيئاً
مِن المبيعِ أنَّ عليهما ينتقِضُ البَيْعُ كصُبْرَتَّيْن، إحداهما قمحٌ، والأخرى
شعيرٌ، وقع البيعُ عليهما بكفلَ مشروطٍ في كُلِّ واحدةٍ منهما، فضَاعَتْ
إحداهما في يدٍ بائعها قبلَ قبض مبتاعها إيَّاها منه أنها تضيعُ بحصتها
مِن الثمن، وتبقى الأخرى مبيعةٌ بحصتها من الثمن، وذلك مما لا يجوزُ
استئنافُ البيعِ عليه كذلك وحدَه دونَّ صاحبه الذي كان مضموناً معه
فيها، وفي ذلك ما قد دَلَّ على ما كان أبو حنيفة، وأصحابُه يقولون
في ذلك.
5
٣٣٥

٩٨٣ - بابُ بيانِ مشكل الصحيح مِن ما اختلفَ فيه
أهلُ العلم من هِبة المرأة نفسَها من رجلٍ على
سبيلِ التزويج ، هل يكونُ ذلك تزويجاً أو
لا يكونُ تزويجاً، وما رُوِيَ فيه
من الآثارِ
٦٠٦٣ - حدثنا الحسينُ بنُ نصر بن المبارك البغداديُّ، والحسنُ بنُ
غُليب بن سعد الأزديُّ، قالا: حدثنا يوسفُ بنُ عدي الكوفي، حدثنا
عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن هشام بنِ عُروة
عن أبيه، قال: كان يُقالُ: إنَّ خولة بنتَ حكيم وهبت نفسَها للنبيِّ
وَلّ، وكانت مِن المهاجراتِ الأولِ، قالت عائشة - رضي الله عنها -:
كنتُ إِذا ذَكَرْتُ، قلتُ: إِنِّي لَّاستحبي من امرأةٍ تَهَبُ نَفْسَها لِرِجل بغير مهرٍ،
وكانت مِن أغير النَّاس ، وفيها نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ منهَنَّ
وتُؤْوِي إِليكَ مَنْ تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قلت: يا رسولَ الله، إنَّ
ربَّك ليسارِعُ في هواك (١).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. يوسف بن عدي من رجال البخاري،
ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
ورواه أحمد ١٣٤/٦ و١٥٨ و٢٦١، والبخاري (٥١١٣)، والطبري في ((تفسيره))
٢٦/٢٢، والحاكم ٤٣٦/٢، والبيهقي ٥٥/٧، والبغوي في («معالم التنزيل)) =
٣٣٦

٦٠٦٤ - وحدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يونس، حدثنا هنادُ بنُ
السَّريِّ، حدثنا عبدةُ بنُ سليمان، عن هشام، عن أبيه
عن عائشةَ: أنها كانت تقولُ: أما تستحيي امْرَأَةٌ أن تَهَبَ نفسَها
لِرَجُلٍ، حَتَّى أَنْزِلَ الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الثلاث آيات،
قلتُ: إِنَّ ربَّكَ ليسارعُ لَكَ فِي هَوَالَكَ(١).
٦٠٦٥ - وحدثنا أحمدُ بنُ شعيب، حدثنا محمد بنُ عبد الله بن
المبارك، أخبرنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه
عن عائشة، قالت: كنتُ أغارُ على اللائي وَهَبْنَ أَنفُسَهُنَّ لِرسولِ
اللهِ وَّةَ، وأقولُ: أَتَهَبُ امرأةُ نفسَها لِرجلٍ؟ فأنزل الله تعالى قولَه:
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِليكَ مَنْ تَشاءُ ومَن ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ
فلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قلت: واللهِ ما أرى رَبَّكَ إلا يُسارِعُ
لكَ فِي هَوَاكَ(٢).
= ٥٣٨/٣ من طرق، عن هشام بن عروة، بهذا الإِسناد. وقال الحاكم: صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، ووافقه الذهبي!
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. هناد بن السري من رجال مسلم، ومن
فوقه من رجال الشيخين.
ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٤٣/٤، وعنه مسلم (١٤٦٤) (٥٠)، وابن
ماجه (٢٠٠٠)، ورواه الطبري ٢٦/٢٢ عن سفيان بن وكيع، كلاهما (ابن أبي شيبة
وسفيان) عن عبدة بن سليمان، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري. محمد بن عبد الله بن المبارك من
رجال البخاري، ومن فوقه من رجال الشيخين. أبو أسامة: هو حماد بن أسامة
القرشي، مولاهم الكوفي .
٣٣٧
=

وهذه مسألةٌ من الفقه يختلِفُ أهلُها فيها، فتقولُ طائفةٌ منهم: إذا
وَهَبَتِ المرأةُ نفسَها لرجل على سبيل تمليكِه إِيَّه بُضعها، وقَبلَ ذلك
منها بمحضرٍ من الشهودِ لذلك، كان ذلك تزويجاً، فإن كان سَمَّى لها
صَدَاقاً في ذلك كان لها المُسَمَّى وإن لم يُسَمِّ لها صداقاً كان لها
صَدَاقُ مِثْلِها، فإن طَلَّقَها قبلَ أن يَدْخُلَ بها كان لها عليه المتعةُّ.
وممن كان يقولُ ذلك منهم: أبو حنيفة، وسفيانُ بنُ سعيد الثوريُّ،
وسائرُ أصحاب أبي حنيفة.
وتقولُ طائفةٌ منهم: إذا وَهَبَ الرَّجُلُ ابنته الصغيرةَ لِرجل لِيحصنها،
وليكفيها على وجهِ النظر لها، كان ذلك جائزاً، وإن وهبها بِصَدَاقٍ ذكره،
كان ذلك نكاحاً بعدَ أن يكونَ أراد بالهبةِ النكاحَ، وممن قال ذلك عبدُ
الرحمن بنُ القاسم على معاني قول مالك.
وتقولُ طائفة منهم: النكاحُ، والتزويجُ لا يُعْقَدُ بهبةٍ عقدها، وممن
كان يقولُ ذلك منهم: الشافعيُّ .
قال أبو جعفر: فتأملنا ما اختلفوا فيه من ذلك، فوجدنا الله تعالى
قد قال في كتابه: ﴿وامرأةً مؤمنةً إن وَهَبَتْ نفْسَها للنَّبيِّ إن أرادَ النبيُّ
أن يستنكِحَها﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فجَعَلَ الله عز وجلَّ تلك الهبةَ نِكاحاً
بلا صداقٍ جائزاً، ثم أعقبَ ذلك، فقال: ﴿خالِصَةٌ لَكَ مِنْ دُونِ
= وهو في ((المجتبى)) للنسائي ٥٤/٦، وفي ((الكبرى)) (٨٩٢٧) و(٨٩٢٨)
و(١١٤١٤).
ورواه البخاري (٥٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤) (٤٩)، وابن حبان (٦٣٦٧)،
والبيهقي ٥٥/٧ من طرق، عن أبي أسامة، بهذا الإِسناد.
٣٣٨

المُؤمِنِينَ﴾ فاحتمل أن يكونَ ما أخلَصَهُ عَزَّ وجَلَّ، وجعله له الهبة نكاحاً
بلا صداقٍ يكونُ عليه فيه، ويكونُ مثله لِغيره نكاحاً يوجبُ عليه
الصَّداقَ، فإن كان كذلك، ثبت ما قد ذكرناه عن الشافعيِّ في ذلك،
وفي الآية التي تَلَوْنَا: ﴿إِنْ أَرَادَ النبيُّ أن يستنكِحَهَا﴾، أي: بالهبة التي
كانت منها له.
ففي ذلك ما قد دَلَّ أن الهبةَ له ◌ِِّ قد كان له نكاحاً،
والتخصيصُ، فلا يكونُ إلا بآيةٍ مسطورةٍ أو سُنَّةٍ مأثورةٍ، أو بإجماعِ
من أهل العلم على ذلك، وإذا لم يكن ذلك موجوداً، كانت على
عمومها إلا ما أجمع عليه من الخصوص منها.
وتأمَّلنا قولَ الشافعيِّ: إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ سَمَّى النِّكاحَ في كتابه
باسْمَيْن: النكاح، والتزويج، فلم يَكُنْ التزويجُ إلا بهما، فكان من
جواب مخالفيه له في ذلك: أنهم قد وجدوا الطَّلاق ذكره الله عز وجل
في كتابه بالطلاق، والفراق والسَّراحِ ، ولم يذكره بما سِواهن. وأجمعَ
أهلُ العلم أن ذلك ليس بتخصيص للطلاق بهذه الثلاثةِ الأسماءَ، ولا
يكونُ بما سواها، بل قد جعلوه بهذه الأسماءِ، وبالخُلع، والخلية
والبَرِيَّة، والبائِنِ، والحرام.
وإذا كان الطلاقُ لم تلحقه الخصوصيَّةُ بقولِ الله إيَّه في كتابه
إلَّ بالثلاثة أشياءَ التي ذكرها به، وألحقوا بها ما سواها مما معانيها
كمعانيها، كان كذلك النِّكاحُ لا يكونُ قولُ الله عزَّ وجلَّ ذكره في كتابه
بخلافِ الاسمين اللذين ذكرهما فيه، ويكونُ بما معناه معناهما لاحقاً
بهما، ولما كانت الهبة من الزوج للمرأةِ بضعها كالنكاحِ يَقُومُ ذلك مقام
٣٣٩

الطلاق كمثلها إذا أراد به الطلاقَ كان مثل ذلك هبتها بُضعها له يكونُ
ذلك كالنكاح الذي يَعْقِدُه له على بُضْعها، وتكون الهبةُ من كُلُّ واحدٍ
منهما لصاحبه فيما ذكرنا في حكم التمليك كما تكونُ الهبةُ من الآخر
له كذلك أيضاً.
وقد رُوِيَ عن سعيد بن المسيب في هذا الباب
ما قد حدَّثنا ابنُ أبي مريم، حدثنا الليثُ بنُ سعد، حدثني عبدُ
الله بنُ بريدة - مولى الأسود-، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيب عن رجلٍ
بُشِّرَ بجاريةٍ، فقال له رجل مِن القومِ : هَبْهَا إليَّ، فوهبها له، فقال
سعيدُ بنُ المسيب: لم تحِلَّ الهبةُ لأحدٍ بعدَ رسولِ اللهِ وَلات، ولو
أصدقها سوطاً، لحلت له(١).
فدَلَّ ذلك أن الهبةَ التي كان رسولُ اللهِوَِّ اختصَّ بها كان عندَ
سعيد بن المسيب على الهبة التي لا صَدَاقَ عليه فيها، وإن مَنْ سِواه
﴿﴿ فِي الهبَةِ يكونُ بها ناكحاً بصَدَاقٍ يجبُّ عليه فيها كما يجب عليه
في تزویجٍ لو نگحَ بلا صداق ذكره فيه.
وفي حديث عائشة معنى يجبُ أن يُتأمل وهو قولُها: إني لأستحبي
من امرأةٍ تَهَبُ نفسَها لِرَجُلٍ بغير مهرٍ، ولم تَقْصِدْ بذلك الرجلِ رسولَ
اللهِ وَ، بل عَمَّتْ به الرجالَ إن كان ذلك خرج منها مخرجَ النكرةِ،
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه سعيد بن منصور (٦٤٠)، ومن طريقه البيهقي ٥٥/٧، ورواه ابن أبي
شيبة ٣٤٢/٤ كلاهما (سعيد بن منصور وابن أبي شيبة) عن سفيان بن عيينة، عن
أيوب بن موسى، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن سعيد بن المسيب.
٣٤٠