Indexed OCR Text

Pages 341-360

٩٠٧ - بابُ بيانِ مشكل قول الله عز وجل في أهلِ النارِ
وفي أهلِ الجنة: ﴿خالِدِين فيها ما دَامَتِ السَّماواتُ
والأرضُ إلَّ ما شاءَ رَبُّك﴾ [هود: ١٠٧]، مما
رُوِيَ عن رسول الله راسل مما استدل به
على ذُلك
قال أبو جعفر: قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين شَقُوا ففي النَّارِ
خالِدِينَ فِيها ما دَامَتِ السَّماواتُ والأَرضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾
[هود: ١٠٦]. فكان أهلُ اللغة، منهم: الفراءُ، وقُطْرُبٌ يذهبون إلى
أن معنى: ﴿إلا ما شاء رَبُّكَ﴾ لم يخْرُجْ مخرجَ الاستثناء وإنما خرج
على معنى الزيادة على ما يُقيمونَه في النَّارِ مثل دوام السَّماواتِ والأرضِ
مما هو أكثرُ مِن ذلك المقدار، ويقولُونَ: هذا مثل ما يقولُ الرجلُ
للرجلِ : لي عليك ألفُ دِرهم إلا عشرةَ آلاف درهم التي لي عليك.
فمعنى ذلك العشرة آلاف الدرهم التي لي عليك ليسَ على معنى
الاستثناء، لأن الشيءَ لا يجوزُ أن يُستثنى منه ما هو أكثر منه(١).
(١) نص كلام الفراء في ((معاني القرآن)) ٢٨/٢: يقول القائل: ما هذا
الاستثناء، وقد وعد الله أهل النار الخلود، وأهل الجنة الخلود؟ ففي ذلك معنيان،
أحدهما: أن تجعله استثناء يستثنيه ولا يفعله، كقولك: والله لأضربَنَّك إلا أن أرى
غير ذلك، وعزيمتك على ضربه، فكذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيها مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ =
٣٤١

= والأَرْضُ إِلَّ ما شَاءَ رَبُّكَ﴾ ولا يشاؤه والله أعلم، والقول الآخر: أن العرب إذا
استثنت شيئاً كبيراً مع مثله، أو مع ما هو أكبر منه كان معنى إلا ومعنى الواو سواء،
فمن ذلك قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السَّمَواتُ والأرضُ﴾ سِوى ما يشاء من زيادة
الخلود فيجعل (إلَّ) مكان (سِوَى) فيصلح. وكأنه قال: خالدين فيها مقدار ما كانت
السَّموات والأرض، سوى ما زادهم من الخلود والأبد. ومثله في الكلام أن تقول:
لي عليك ألف إلا الألفين اللذين مِن قِبَل فلان، أفلا ترى أنه في المعنى: لي عليك
سوى الألفين. وهذا أَحَبُّ الوجهين إلي، لأن الله عز وجل لا خُلْف لوعده، فقد
وصل الاستثناء بقوله: ﴿عطاءً غير مَجْذُوذٍ﴾ فاستدل على أن الاستثناء لهم بالخلود
غير منقطع عنهم.
وقال الطبري في ((جامع البيان)) ٤٨١/١٥: وقوله: ﴿خَالِدِينَ فيها ما دَامَتٍ
السَّمواتُ والَأَرْضُ إِلَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّلٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، يعني تعالى ذكره
بقوله: ((خالدين فيها))، لابثين فيها، ويعني بقوله: ((ما دامت السماوات والأرض»،
أبداً.
وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً، قالت: ((هذا دائم
دوام السموات والأرض))، بمعنى: أنه دائم أبداً. وكذلك يقولون: ((هو باقٍ ما اختلف
الليل والنهار)»، و«ما سمر ابنا سمير)»، و«ما لألأت العُفْرُ بأذنابها))، يعنون بذلك كله:
((أبدا)). فخاطبهم جَلِّ ثناؤه بما يتعارفون به بينهم، فقال: ((خالدين فيها ما دامت
السموات والأرض))، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبداً.
ثم قال: ((إلا ما شاء الله))، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك، فقال
بعضهم: هذا استثناء استثناه الله في أهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء،
بعد أن أدخلهم النار.
٠ ٠
وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى
قوله: ((إلا ما شاء ربك))، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار، =
٣٤٢

٠٠
= ووجَّهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ((فأما الذين شقوا ففي النار ... إلا ما شاء ربك))،
لا من الخلود.
وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.
وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فَعَرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: ((عطاء
غير مجذوذ)) أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السماوات والأرض. قال: ولم يخبرنا
بمشيئته في أهل النار. وجاز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في
النقصان .
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القول الذي
ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر،
أنه يدخلهم النار خالدين فيها أبداً إلا ما شاء من تركهم فيها أقلّ من ذلك، ثم
يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته
في هذا الموضع.
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه أوعد أهل
الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله وصلته، فغير جائز
أن يكون استثناء في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله صل تر أن الله
يدخل قوماً من أهل الإِيمان به بذنوبٍ أصابوها النار، ثم يخرجهم منها فيدخلهم
الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة
الأخبار عن رسول الله ﴿﴿ بما ذكرنا، وأَنَّا إن جعلناه استثناءً في ذلك، كنا قد دخلنا
في قول من يقول: ((لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن))، وذلك خلاف مذاهب
أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله وص غار. فإذا فسد هذان الوجهان،
فلا قول قال به القدوة من أهل العلم إلا الثالث.
واختلف أهل العربية في وجه الاستثناء في هذا الموضع، فقال بعضهم: في
ذلك معنيان: أحدهما: أن يجعله استثناءً يستثنيه ولا يفعله، كقولك: ((والله =
٣٤٣

= لأضربَنَّكَ إلا أن أرى غير ذلك))، وعزمُك على ضربه. قال: فكذلك قال: ((خالدين
فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله))، ولا يشاؤه، وهو أعلم.
قال: والقول الآخر أن العرب إذا استثنت شيئاً كثيراً مع مثله، أو مع ما هو أكثر
منه، كان معنى ((إلا)) ومعنى ((الواو)) سواء. فمن كان قوله: ((خالدين فيها ما دامت
السماوات والأرض))، سوى ما شاء الله من زيادة الخلود، فيجعل ((إلا)) مكان ((سوی))،
فيصلح، وكأنه قال: ((خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما زادهم من
الخلود والأبد))، ومثله في الكلام أن تقول: لي عليك ألف إلا الألفين اللذين من
قِبَل فلان، أفلا ترى أنه في المعنى: لي عليك ألفٌ سوى الألفين؟ قال: وهذا
أحبُّ الوجهين إليّ، لأن الله لا خُلْفَ لوعده. وقد وصل الاستثناء بقوله: ((عطاء غير
مجذوذ))، فدلَّ على أن الاستثناء لهم في الخلود غير منقطع عنهم.
وقال آخر منهم بنحو هذا القول. وقالوا: جائز فيه وجه ثالث: وهو أن يكون
استثنى من خلودهم في الجنة، احتباسهم عنها ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ،
إلى أن يصيروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد، يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر
إقامتهم في البرزخ.
وقال آخر منهم: جائز أن يكون دوام السماوات والأرض، بمعنى الأبد، على ما
تعرف العرب وتستعمل، وتستثني المشيئة من دوامها، لأن أهل الجنة وأهل النار قد
كانوا في وقت من أوقات دوام السموات والأرض في الدنيا، لا في الجنة، فكأنه
قال: خالدين في الجنة، وخالدين في النار، دوامَ السماء والأرض، إلا ما شاء ربُّك
من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، القول الذي ذكرته عن
الضحاك وهو: ((وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض
إلا ما شاء ربك))، من قدر مُكْثهم في النار، من لدن دَخَلوها، إلى أن أدخلوا الجنة،
وتكون الآية معناها الخصوص، لأن الأشهر من كلام العرب في ((إلا)) توجيهها إلى =
٣٤٤

وكان مَنْ سِواهما يذهبُ إلى أنَّ معنى: ﴿إِلَّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أنه
الموقفُ في الحِسَابِ قبلَ أن يَدْخُلَ أَهلُ النَّارِ النَّارَ.
وكان الأَوْلى من هذه الأقوال ردَّ المعنى في ذلك إلى ما قد رُوِي
عن رسول الله وَّ* فيمن يَخْرُجُ مِن النَّارِ مِن أهلِ التوحيدِ بالشَّفاعَةِ.
٥٦٦٥ - كما حدَّثنا يزيدُ بنُ سِنان، حدثنا هُدْبَةُ بنُ خالد، حدثنا
حمادُ بنُ سلمة، عن عطاء بن السَّائب، عن عمروبن ميمون
عن ابن مسعودٍ: أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ، قال: ((يكونُ قومٌ في النارِ
ما شاءَ الله أن يكونوا، ثم يَرْحَمُهُمُ الله تعالى، فَيَخْرُجُونَ منها، فيكونون
في أدنى الجنةِ في نهرٍ يقالُ له: الحيوان لو اسْتَضَافَهُم أَهْلُ الدُّنيا
قال عطاء: وأحسبه قال:
لأطعموهُم وسقَوْهُم وَلَحَفُوهُم)) .
((ولزَوَّجُوهُمْ))(١).
= معنى الاستثناء، وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها، إلا أن يكون معها دلالةٌ تدلُّ
على خلاف ذلك. ولا دلالة في الكلام، أعني في قوله: ((إلا ما شاء ربك)) تدلُّ
على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام، فُيُوجَّه إليه.
(١) إسناده حسن. رجاله ثقات رجال الصحيح غير عطاء بن السائب، فقد روى
له أصحاب السنن، وهو صدوق، لكنه اختلط، وحماد بن سلمة، سمع منه في قول
الأكثر - ومنهم المصنف - قبل الاختلاط.
ورواه ابن حبان (٧٤٣٣) عن عمران بن موسى بن مجاشع، عن یزید بن سنان،
بهذا الإِسناد.
ورواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٨٣٤)، وأبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٤٤٨)
من طريق الحسن بن سفيان، كلاهما عن هدبة بن خالد، به.
=
٣٤٥

وقد ذكرنا فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا في بابِ بيانِ مُشكِل ما
رُوي عن رسول الله وَ﴿ مِن قوله: ((مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنةِ خَيْرٌ من
الدُّنيا وما فيها))(١) في هذا الباب عن ابن مسعود، عن رسول الله وال
ما نحن مستغنون عن إعادته.
وكما حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا عارِمٌ أبو النعمان، حدَّثنا
أبو هلال الراسبيُّ، عن قتادة
عن أنس بن مالك في هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الذين شقوا ففي النار﴾
[هود: ١٠٦]، قال: يَخْرُجُ قومٌ مِن النَّارِ، ولا نُكَذِّبُ بها، كما كَذّبَ
أهلُ حَرُورَاءِ(٢).
= ورواه أحمد ٤٥٤/١، عن عفان والحسن بن موسى، والبيهقي في ((البعث
والنشور)) (٤٣٥)، من طريق عفان وحده، وأبو يعلى (٤٩٧٩)، وابن حبان (٧٤٢٨)
من طريق أبي نصر التّمَّار، وابن خزيمة في ((التوحيد)) (٤٨٦) من طريق علي بن
جرير، أربعتهم عن حماد بن سلمة، به.
وله شاهد صحيح موقوف من حديث أنس عند ابن خزيمة (٤٨٥)، وهو في
حكم المرفوع.
(١) انظر الباب (٨٧٦) من هذا الجزء، والحديث (٥٤٩٢) فيه.
(٢) أبو هلال الراسبي - واسمه محمد بن سليم البصري - فيه كلام، وهو ممن
يكتب حديثه للمتابعة، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
عارم أبو النعمان: اسمه محمد بن الفضل السدوسي .
وأهل حروراء: هم الخوارج، يقولون: إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لأنهم
يكفرون أهل الكبائر.
وروى الطبري (١٨٥٧٤) من طريق يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالدين =
٣٤٦

وكما حدثنا أحمدُ بنُ داود بن موسى، حدثنا شيبانُ بنُ فروخ،
حدثنا أبو هلالٍ، حدثنا قتادة في هذه الآية: ﴿فأمَّا الذين شَقُوا فَفِي
النَّارِ﴾، إلى قوله: ﴿ما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٦]، فقال عندَ هذا حديث
أنس بن مالك، قال: يَخْرُجُ قومٌ من النارِ، قال قتادة: لا نقولُ كما
يقولُ أهلُ حروراء(١).
٥٦٦٦ - وكما حدثنا عليُّ بنُ عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة،
حدثنا يحيى بن معينٍ، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن قتادة،
وثابت
عن أنسٍ: أَنَّه سمع النبيَّ وَّهِ - أو أنَّ النبيَّ ◌َِّ، قال: ((إنَّ قوماً
سَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ))(٢).
= فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ والله أعلم بثنيَّته (أي: استثنائه)
ذكر لنا أن ناساً يصيبهم سفع من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل
رحمته، يقال لهم: الجهنميون.
(١) إسناده كسابقه.
ورواه الطبري (١٨٧٥) عن محمد بن المثنى، عن شيبان بن فروخ، بهذا
الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري، هشام بن يوسف من رجال البخاري،
وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه عبد الرزاق (٢٠٨٥٩)، ومن طريقه أحمد ١٦٣/٣، وأبو يعلى (٣٠٣٧)،
وابن خزيمة في ((التوحيد)) (٤٠٥) عن معمر، بهذا الإسناد، وهذا سند صحيح على
شرط الشيخين.
٣٤٧

٠
٥٦٦٧ - وكما حدثنا محمدُ بنُ خزيمة، حدثنا حجاجُ بنُ منهال،
حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البنانيُّ، وأبو عِمران
عن أنس بن مالك، عن النبيِّ مَ ﴿ - قال أبوعمران -: ((يَخْرُجُ مِن
النار أربعة - وقال ثابت: رجلانٍ -، فيُعْرَضُونَ على اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ثم
يُؤْمَرُ بهم إلى النارِ، فيلتفت أحدُهُم فيقولُ: إِنِّي كنتُ أرجو إذ أُخْرَجْتَنِي
منها أن لا تُعِيدَني إليها. فينجيه الله تعالى منها))(١)
وقد ذكرنا عن أنس بن مالك أيضاً في الباب الذي قَبْلَ هذا الباب
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن
سلمة، فمن رجال مسلم.
أبو عمران: هو عبد الملك بن حبيب الأزدي الجوني البصري.
ورواه عبد بن حميد (١٣١٢)، وابن منده في ((الإيمان)) (٨٦٠) من طرق عن
حجاج بن منهال، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٢٢١/٣، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٨٥٣)، ومسلم (١٩٢)،
وأبو عوانة ١٨٧/١، وابن حبان (٦٣٢)، وابن منده (٨٦٠)، وأبو نعيم في ((الحلية))
٣١٥/٢ و٢٥٣/٦، والبيهقي في ((البعث)) (٥٢)، والبغوي (٤٣٦٢) من طرق، عن
حماد، به.
ورواه أبو يعلى (٣٢٩٢) من طريق هدبة، و(٣٣٥٩) من طريق عبد الرحمن،
كلاهما عن حماد بن سلمة، به. موقوفاً، ومثله لايقال بالرأي، فله حكم المرفوع،
لا سيما قد رفعه أكثر من ثقة.
وفي الباب عن أبي هريرة عند الترمذي (٢٥٩٩)، والبغوي (٤٣٦٣) من طريق
ابن المبارك، عن رِشدين بن سعد، عن ابن أنعم، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة،
ورشدین وشيخه ضعيفان .
٣٤٨

من هذا المعنى ما قد أغنانا عن إعادته هاهنا.
٥٦٦٨ - وكما حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا أبو داود،
وشيبانُ بنُ فروخ، واللفظ لأبي داود.
٥٦٦٩ - وحدثنا بكارُ بنُ قُتيبة، وإبراهيمُ بنُ مرزوق، قالا: حدثنا
أبو داود.
٥٦٧٠ - وحدثنا محمدُ بنُ عبد الرحيم الهروي، حدثنا آدمُ بنُ أبي
إياس، قالوا: حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ الفضل
٥٦٧١ - وحدثنا سليمانُ بن شعيب الكيساني، قال: حدثنا
القاسم بن الفضل الحُدَّاني، حدثني سعيدُ بنُ المهلب الجَهْضَمِيُّ، عن
طلق بن حبيب، قال :
لقيتُ جابرَ بنَ عبد الله، وكنت أشدَّ الناس تكذيباً بالشفاعةِ،
فقرأتُ عليه كُلَّ آيةٍ في القرآنِ وعد الله أهلَها الخَلَودَ في النَّارِ. فقال
لي: يا طُليقُ، أتراك أعلمَ بكتاب الله وسنة نبيه مِنِّي؟! قلتُ: لا.
قال: فَصُمّتَا - وأشار بيديه إلى أذنيه - إن لم أَكُنْ سَمِعْتُ محمداً يقولُ:
((يخرجون من النَّارِ»، ونحنُ نقرأُ الذي تقرأ، وإنَّ الذي تقرأ هُمُ المشركون
هم أهلُها. قلتُ: ومَنْ هُؤلاءِ القوم؟ قال: قومٌ أصابُوا، فعُذُّبُوا بذنوبهم،
ثم أخرجوا(١).
(١) إسناده ضعيف. سعيد بن المهلب لم يروِ عنه غير اثنين، وقال أبو حاتم:
لا أدري من أين هو، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وباقي رجاله ثقات رجال
الصحيح .
=
٣٤٩

٥٦٧٢ - وكما حدثنا فهدُ بنُ سليمان، حدثنا عمروبنُ عون
الواسطيُّ، حدثنا خالِدُ بنُ عبد الله، عن عمروبن يحيى، عن أبيه
عن أبي سعيد الخدري، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذا دَخَلَ أَهلُ
الجنةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ، قال الله بفضل رحمته: أُخْرجوا مَنْ كانَ
في قلبه مثقالُ حبَّةٍ من خردلٍ من إيمانٍ، قال: فيخرجون قد عادُوا
حُمَماً، فَيُلْقَوْنَ في نهرٍ يسمى نهر الحياة فينبتُونَ به كما ينبت الغُثَاءَةُ
في جانب السَّيْلِ، ألم تروا أنها تأتي صَفْرَاءَ مُلتويَةً))(١).
= ورواه أحمد ٣٣٠/٣ عن عبد الصمد بن عبد الوارث، والبخاري في ((الأدب
المفرد)) (٨١٨) عن موسى بن إسماعيل، كلاهما عن القاسم بن الفضل، عن سعيد،
بهذا الإِسناد.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن منده في ((الإِيمان)) (٨٢٣) من طريق وهب بن بقية، عن خالد بن
عبد الله، به .
ورواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤)، وأبو عوانة ١٨٥/١، وابن حبان (١٨٢)
و(٢٢٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٣٥٧)، وابن منده في ((الإِيمان)) (٨٢١) من
طريقين، عن مالك، عن عمروبن يحيى، به.
ورواه أحمد ٥٦/٣، والبخاري (٦٥٦٠)، ومسلم (١٨٤) (٣٠٥)، وأبو يعلى
(١٢١٩)، وأبو عوانة ١٨٥/١، وابن منده (٨٢٢) من طريق وهيب بن خالد، كلاهما
عن عمروبن یحیی، به.
ورواه أحمد ١٦/٣ و٩٤، والبخاري (٤٥٨١) و(٤٩١٩) و(٧٤٣٩)، ومسلم
(١٨٣)، والترمذي (٢٥٩٨) من طرق، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن
أبي سعيد.
=
٣٥٠

ففي هذه الآثارِ: أن قوماً يخرجون من النَّارِ بَعْدَما كانُوا فيها، وفي
كتاب اللهِ تعالى ما قد دَلَّ على ذلك، وهو قولُه عز وجل إخباراً عن
أهلِ النَّارِ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، أي: أن
غيرَهم تنفعُهُم شفاعةُ الشافعينَ، ومن ذلك قولُه تعالى إخباراً عنهم:
﴿فما لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] في أشياءَ من هذا النوعِ،
وكان ما هو أدلُّ من هذا في القرآن، وهو قولُه عز وجل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي
يَشْفَعُ عندَه إلَّ بإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلَّ لِمَن
ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فكان أولى هذه الأشياءِ بالمتأولين رَدُّ ما في الآيةِ التي تلونا من
= ورواه أحمد ٥/٣ و١١ و٢٠ و٢٥ و٧٨ و٧٩، والدارمي ٣٣١/٢، ومسلم
(١٨٥)، وابن ماجه (٤٣٠٩)، وأبو يعلى (١٠٩٧) و(١٢٥٥) و(١٣٧٠)، وابن
خزيمة في ((التوحيد)) رقم (٤١٩) و(٤٢٠) و(٤٢١)، وابن حبان (١٨٤)، وأبو عوانة
١٨٦/١، وابن منده (٨٢٤) و(٨٢٥) و(٨٢٦) و(٨٢٧) و(٨٢٨) و(٨٢٩) و(٨٣٠)
و(٨٣٣) و(٨٣٤) و(٨٣٥) من طرق، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.
ورواه أحمد ٩٠/٣، وابن خزيمة في ((التوحيد)) رقم (٤٢٢)، وأبو عوانة
١٨٥/١، وابن منده (٨٢٠) و(٨٢٣) من طرق، عن أبي سعيد الخدري.
ورواه أبو يعلى (١٢٥٤)، وابن خزيمة في ((التوحيد)) (٤٢٣) من طريق ابن
جريج، أخبرني أبو الزبير، أراه عن جابر، عن أبي سعيد.
حمماً جمع حممة: وهي الفحمة. والغُثاءَةُ، قال ابن الأثير: يريد ما احتمله
السَّيل من البُزُورات. قلت: وهي تنبت في يوم وليلة، فشبه به سرعة عود أبدانهم
وأجسامهم إليها بعد إحراق النار لها.
٣٥١

الاستثناءِ إلى هذا المعنى.
فأما أهلُ اللغة، منهم: الفراءُ، فكان يذهبُ إلى أنَّ معنى:
﴿خالِدينَ فيها ما دَامَتِ السَّماواتُ والأَرضُ إلَّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾
[هود: ١٠٧]، أن ذلك على معنيين، أَحَدُهُما: أن تجعلَه استثناءً،
كقوله: واللهِ لُأَضْربَنَّك إلا أن أرى غيرَ ذلك، وعزيمتُه على ضربه،
فكذلك: ﴿خالِدِينَ فيها ما دَامَتِ السَّماواتُ والأرضُ إلَّ ما شاءَ رِبُّكَ﴾
ولا يشاؤه.
والآخر: فذكر التأويلَ الذي ذكرنا في استثناء الكثير من القليل(١)،
ولا شيءَ في هذا الباب أولى به عندنا مما قد رويناه عن رسول الله
وََّ فيمن يَخْرُجُ مِن النَّارِ بَعْدَمًا عُذِّبَ فيها، فيكونُ ذلك هو المُستثنى
بقوله عز وجل: ﴿إِلَّ ما شَاءَ رِبُّكَ﴾، وبالله التوفيق.
الله تعالى
٠٠
:
٠
----
۔
(١) ((معاني القرآن)) ٢٨/٢.
٣٥٢

٩٠٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله وحله
من قوله: ((العجوة من الجنَّةٍ))
٥٦٧٣ - حدثنا الحسنُ بنُ غُلَيْبٍ، حدثنا مَهْدِيُّ بنُ جعفر، حدثنا
عبدُ المجيد بنُ عبد العزيز - يعني ابن أبي روَّاد-، عن ابن جُريج، عن
عبدِ الله بنِ عُثمان بنِ خُثيم، عن سعيد بن جُبير
عن ابن عبَّاسٍ، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((العجوةُ مِنَ الجنَّةِ، وفِيها
شِفَاءٌ مِن السُّمِّ، والكَمْأَةُ من المنِّ وفيها - أو ماؤها - شِفاءً للعين، وفي
الكَبْش العربي شِفاءٌ من عِرْقِ النِّساءِ يُؤْكَلُ من لحمه، ويُحْسَى من
مرقه»(١).
(١) إسناده ضعيف، مهدي بن جعفر - وهو الرملي-، قال ابن عدي: يروي
عن الثقات أشياء لا يتابعه عليها أحد، وقال البخاري: حديثه منكر، وعبدالمجيد بن
عبدالعزيز، قال: أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه، وقال الدارقطني: لا يحتج
به، يعتبر به، وقال ابن حجر: صدوق يخطىء، وابن جريج، مدلس، وقد عنعن.
ورواه الطبراني في ((الصغير)) (٣٤٤)، و((الكبير)) (١٢٤٨١) من طريق الحسن بن
غلیب، بهذا الاسناد.
وروى العقيلي في ((الضعفاء)) ٤١٧/٤ جزء الكمأة من طريق يحيى بن عباد،
عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، ووهّن يحيى بن عباد هذا.
ورواه الطبراني (١٣٠١٠) من طريق شهر بن حوشب، عن ابن عباس مرفوعاً =
٣٥٣

٥٦٧٤ _ وحدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا عليُّ بنُ يحيى،
حدثنا جريرٌ - وهو ابنُ عبد الحميد -، حدثنا الأعمش، عن جعفربن
إياس، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، قال جعفر: وحدثني أبو نضرة
عن أبي سعيد الخُدري، وجابر بن عبد الله، قالا: خَرَجَ رسولُ
الله وَّ وفي يده كمأةٌ، فقال: ((هذه مِنَ المَنِّ، وماؤها شِفَاءٌ لِلعَيْنِ،
والعجوةُ: وهي شفاءٌ من السم))(١).
= مختصراً. وشهر بن حوشب فيه كلام، وقد اضطرب فيه، فرواه عن ابن عباس كما
ذكرت، ورواه عن أبي رهم أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١٢٩٥)، ورواه
عن محجن أخرجه الخطيب البغدادي ٤٤٥/١٤، ورواه عن أبي هريرة كما يأتي،
ورواه عن أبي سعيد وجابر كما يأتي أيضاً.
ورواه عبد الرزاق (٢٠١٧١) عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر،
مرسلاً.
ورواه الحميدي (٨٢) من طريق شِمر بن عطية، عن شهر.
وما يخصُّ الكمأة صح من حديث سعید بن زيد بن عمرو بن نفيل، رواه أحمد
(١٦٢٥) و(١٦٢٩) و(١٦٣٢) و(١٦٣٤) و(١٦٣٥) و(١٦٣٦)، والبخاري (٤٤٧٨)
و(٤٦٣٩) و(٥٧٠٨)، ومسلم (٢٠٤٩)، والترمذي (٢٠٦٨). وانظر ما بعده.
(١) شهر بن حوشب ضعيف، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٦٧١٧) و(٦٧١٨) من طريق محمد بن قدامة،
عن جرير، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٤٨/٣، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٧١٧) و(٦٧١٨)، وابن ماجه
(٣٤٥٣)، من طريقين، عن الأعمش، به.
قال البوصيري ٢٠٩/٢: هذا إسنادٌ حسن، شهر مختلف فيه!
٣٥٤
=

٥٦٧٥ - وحدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، وأبو أمية جميعاً، قالا: حدَّثنا
سعيدُ بنُ عامر الضَّبَعي، عن محمد بن عمرٍو، عن أبي سَلَمَة
عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ اللهِ نَّه: ((العَجْوَةُ مِنَ الجَنَّةِ،
وفِيها شِفَاءٌ من السُّمِّ، والكمأةُ مِن المَنِّ، وماؤها شِفَاءٌ لِلعَيْنِ))(١).
= ورواه ابن ماجه بعد (٣٤٥٣) من طريق سعيد بن مسلمة بن هشام، عن
الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.
ورواه ابن أبي شيبة ٨٨/٨، وأبو يعلى (١٣٤٨) من طريق عبد الرحمن بن أبي
ليلى، عن أبي سعيد وحده في الكمأة فقط.
(١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عمرو - وهو ابن
علقمة بن وقاص الليثي - فقد روى له البخاري مقروناً، ومسلم متابعة، وهو صدوق
حسن الحديث.
ورواه الترمذي (٢٠٦٦) من طريق أحمد بن عبد الله، ومحمود بن غيلان، عن
سعيد بن عامر الضبعي، بهذا الإِسناد، وقال: وهو حديث حسن غريب، وهو من
حديث محمد بن عمرو، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن عامر، عن محمد بن
عمرو.
ورواه ابن عدي ١٤٥٣/٤ من طريق حاتم بن عبدالله بن محرر، عن الزهري،
عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال: لا أعلم يرويه بهذا الإِسناد عن الزهري غير
حاتم بن عبدالله بن محرر، وذكر له أحاديث، وقال: عامتها غير محفوظة.
ورواه ابن أبي شيبة ٨٨/٨ من طريق القاسم، عن أبي هريرة، في الكمأة فقط.
ورواه الترمذي (٢٠٦٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٧٢٠) من طريق قتادة، عن
شهر، عن أبي هريرة.
ورواه أحمد ٣٠١/٢ و٣٠٥ و٣٥٦ و٣٥٧ و٤٨٨ و٤٩٠ و٥١١، والطيالسي =
٣٥٥

٥٦٧٦ - وحدَّثنا عليُّ بنُ معبد، حدثنا أسودُ بنُ عامر، حدثنا
زهيرُ بن معاوية، عن واصل بن حيان، عن عبد الله بن بريدة
عن أبيه، عن النبيِّ وَّهَ، قال: ((الكمأةُ شفاءٌ للعين، والعجوةُ مِن
فاكِهَةِ الجَنَّةِ)) (١).
فقال قائلٌ: كيفَ تقبلونَ مثلَ هذا، وأنتم تروون عن رسولِ الله
وَ ﴿ ما يَدُلُّ على خلافه؟ وذكر
٥٦٧٧ - ما قد حدَّثنا محمدُ بنُ علي بن داود، وفهد بن سليمان،
= (١٧٦١)، وإسحاق (٥٠٧)، والدارمي ٣٣٨/٢، وابن ماجه (٣٤٥٤)، والنسائي في
((الكبرى)) (٦٧١٩)، وأبو يعلى (٦٣٩٨) و(٦٤٠٠) و(٦٤٠٧) من طرق، عن
شهربن حوشب، عن أبي هريرة.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٦٧٢١) من طريق سعيد، عن قتادة، عن شهر،
عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة.
ورواه أحمد ٤٢١/٢ ٣٢٥/٢ من طريقين، عن أبي هريرة، وسلف بيان
اضطراب شهر في هذا الحديث.
(١) إسناده ضعيف، واصل بن حيان أخطأ زهير بن معاوية في اسمه،
والصواب: صالح بن حيان، وهو ضعيف.
ورواه أحمد ٣٤٦/٥، عن أسود بن عامر، بهذا الإسناد، وفيه زيادة الشونيز.
ورواه ابن عدي ١٣٧١/٤ من طريق صالح بن حيان، عن عبد الله بن بريدة،
به، بذكر العجوة فقط.
ورواه ابن عدي من طريق آخر، عن صالح بن حيان بذكر الكمأة والشونيز،
وزهير بن معاوية أخطأ في اسم واصل بن حيان، وإنما هو صالح بن حيان، كما ذكر
أهل الجرح والتعديل، وصالح بن حيان ضعَّفوه.
٣٥٦

قالا: حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن یونس، حدثنا زهیرُ بنُ معاویة، حدثنا
واصلُ بنُ حيَّان، حدثني عبدُ الله بنُ بريدة
عن أبيه: أنَّه كان في الرَّهطِ الاثنين والأربعين الذين صَلَّوا خلفَ
رسول الله ◌َ﴿ عندَ المقام، فلما فَرَغَ من صلاته أهوى بيديه بَيْنَه وبَيْنَ
الكعبة كأنه يُريدُ أن يأخُذَ شيئاً بيده، ثم انصرفَ إلينا، فقالَ: ((هَلْ
رَأَيْتُمُونِي حِينَ قَضيتُ صلاتي أهويتُ بيدي قِبَلَ الكعبة كأنِّي أُريدُ أن
آخُذَ شيئاً؟)) قالوا: نَعَمْ يا نبيَّ الله. قال: ((إن الجنةَ عُرِضَتْ عليّ،
فرأيتُ فيها الأعاجيبَ مِن الحُسن والجمال ، فمرت لي خَصْلَةٌ من
عِنَبٍ، فأعجبتني، فأهويتُ بيدي لآخُذَها، فسبقتني، ولو أخذتها
لغرستُها بَيْن أظهركم حتى تأكلوا من فاكهة الجنة))(١).
(١) إسناده ضعيف، واصل بن حيان: هو صالح بن حيان الضعيف، أخطأ فيه
زهير بن معاوية، فقال: واصل بن حيان.
فقد رواه أحمد في ((مسنده)) ٣٥١/٥ عن محمد بن عبيد، فقال: عن صالح بن
حيان، عن ابن بريدة، به مطولاً.
قال الهيثمي ٨٧/٥: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح إلا أن الإمام أحمد
قال: سمع زهير من واصل، وصالح بن حيان فجعلهما واحداً، وواصل ثقة، صالح
ضعيف، وهذا الحديث من رواية واصل في الظاهر، والله أعلم، وقد رواه باختصار
من رواية صالح أيضاً.
قلت: أخطأ الهيثمي في ذلك، فإن الذي روى الرواية المطولة هو صالح بن
حيان، وَالذي روى الرواية المختصرة واصل بن حيان، وليس العكس كما توهمه
رحمه الله.
٣٥٧
=

وفي ذلك ما قد دلَّ أنَّهم لم يأكلوا مِن فاكهة الجنة، وكذلك فيما
رويتُموه قبلَه في هذا الباب، وفي هذا تضادُّ شديدً، لأنَّ في هذا
الحديث وفيما رويتموه قبلَه في هذا الباب: أنَّ العجوة مِن فاكهة الجنةِ،
وهُمْ قد كانوا يأكلونها قبل ذلك.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّه لا تضادَّ في شيءٍ من ذلك، لأنه
قد يحتمِلُ أن يكونَ المرادُ بأن العجوةَ مِن فاكهةِ الجنةِ، أنه قد كان
الله جَلَّ جلالُه اختصَّ بعضَ أوليائه من أهل الدنيا، إما من أنبيائه،
وإما مِن سواهم بأن أتحفَه بشيءٍ من عَجْوَةِ الجنة، فأكل الذي أُتْحِفَ
به من ذلك، ثم غَرَس نواة في الدنيا، فكان عنه النخلُ الذي منه
العجوةُ الموجودة اليوم، وكان ما غرس في الأرض من شيءٍ ينقله إلى
ما عليه سائرُ غروسها من نقصه عما سواه من غروس غيرها، ومثلُ هذا
موجودٌ في ثِمارِ الدُّنيا، لأنَّا قد نرى النخلَ يُغْرَسُ مِن النواةِ من التمر
الذي يؤتى به من الحجازِ ومِنَ الكُوفة ومِن البصرةِ في الأرض التي
من أراضِي سائرِ نخلها سوى ذلك، فمثل ذلك العجوةُ التي ذكرها
رسول الله ﴿ مما ذكرها به في هذه الآثار يحتمل أن تكونَ كذلك،
وأن يكونَ التقصيرُ الذي دَخَلَها عن عَجْوَةِ الجنةِ لما قلبته الأرضُ
المغروسةُ فيها إلى سائر ما عليه مما سِواها مِن ثِمارِها (١).
= والرواية المختصرة التي أشار إليها الهيثمي رحمه الله رواها أحمد ٣٤٦/٥ من
طريق أسود بن عامر، عن واصل بن حيان، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن
النبي ◌َّي ... ، وهي جزء من الحديث الذي رواه أحمد مطولاً المذكور في الأعلى،
وليست في الرواية التي اختصرها الطحاوي.
(١) ويرى الإِمام الحليمي فيما نقله عنه المناوي في ((فيض القدير)) ٣٧٧/٤ =
٣٥٨

ومما يقوي هذا الاحتمالَ ما قد ذكرناه في حديثٍ بُريدة الذي قد
رويناه في هذا عن محمد بن علي وفهد قول رسول اللهوَّ ر في العُنقود
المذكورِ فيه: ((لو أخذتُه لَغَرَسْتُه حتى تأكُلُوا من ثمارِ الجنةِ)). والعنقودُ
لا يُغرس، وإنما يُغرس عجمُ حبِّه، فيكون منه الشجرُ الذي يكونُ عنها
الثمرُ الذي يتحوَّلُ إلى حكمِ الأرض التي يُغرس فيها، واحتملَ أن
يكونَ قول النبي بَّهَ: ((حتى تَأْكُلُوا من ثمرِ الجَنَّةِ) يُريدُ العنبَ الذي
في ذلك العنقودٍ لا ما سِواه، ويعودُ ما كان من عجم ذلك العنب في
ثمره إلى مثل ما عادت إليه العجوةُ المذكورةُ فيما روينا فيها في هذا
الباب .
الله تعالى
= أن معنى كونها من الجنة أن فيها شبهاً من ثمار الجنة في الطعم، فلذلك صارت
شفاءً من السم، ذلك أن السم قاتل، وثمر الجنة خال من المضار والمفاسد، فإذا
اجتمعا في جوف، عدل السليم الفاسد، فاندفع الضرر.
وقال في ((المطالع)) في تفسير ((العجوة من فاكهة الجنة)): يعني أن هذه العجوة
تشبه عجوة الجنة في الشكل والصورة والاسم، لا في اللذة والطعم، لأن طعام الجنة
لا يشبه طعام الدنيا فيها.
وقال القاضي: يريد به المبالغة في الاختصاص بالمنفعة، والبركة، فكأنها من
طعامها، لأن طعامها يزيل الأذى والعناء.
٣٥٩

٩٠٩ - بابُ بيان مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله داخليه
في هذه الآثار في العجوة، هل هو على العجوة
من سائر النخل الذي في البلدانِ، أو
من خاصٍّ منها؟!
٥٦٧٨ - حدثنا محمدُ بنُ سِنان الشّيزَرِي، حدثنا عيسى بنُ سليمان
الشَّيْزَري، حدثنا مروان، عن هاشمٍ - يعني ابنَ هاشم بن عتبة بن أبي
وقاص-، عن عامر بنِ سعدٍ
عن أبيه، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَله: (( مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يومٍ سَبْعَاً
من عَجْوَةِ العالِيَةِ، لم يَضُرَّهُ ذلك اليومَ سُمَّ ولا سِحْرٌ))(١).
(١) حديث صحيح. عيسى بن سليمان الشیزري، روى عنه جمع، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)) ٤٩٤/٨، وقال أبو حاتم: شيخ حمصي، يدل حديثه على
الصدق، وهو متابع، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
مروان: هو ابن معاوية الفزاري.
ورواه الحميدي (٧٠)، والبخاري (٥٤٤٥) و(٥٧٦٨)، ومسلم (٢٠٤٧)
(١٥٥) من طرق، عن مروان بن معاوية الفزاري، بهذا الإِسناد.
ورواه الحميدي (٧٠) من طريق أبي ضمرة، وابن أبي شيبة ١٨/٨، والبخاري
(٥٧٦٩)، ومسلم (٢٠٤٧) (١٥٥)، وأبو داود (٣٨٧٦)، والدورقي في ((مسند سعد))
(٢٨)، وأبو عوانة ٣٩٧/٥، والبغوي (٢٨٩) عن أبي أسامة، ومسلم (٢٠٤٧) =
٣٦٠