Indexed OCR Text

Pages 341-360

فتأمَّلْنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه: أن سَبَّ الرجلِ والديهِ أكبرُ
الكبائر، أو أكبر الذنوب، وكان ذلك مما يَبْعُدُ في القلوب أن يكون
كذلك، لأنَّ في الكبائر وفي الذنوب ما هو فوقَ سَبِّ الرجل والديه،
وهو الشِّرْكُ بالله عز وجل.
فَنَظَرْنا: هل رُويَ هذا الحديثُ بخلاف ما قد ذكرناه به في هذا
الباب؟
٥٣١٧ - فوجدنا أبا أمية قد حَدَّثنا، قال: حدثنا عبيدُ الله بن موسى
العَبْسي، قال: حدثنا شيبانُ - يعني النَّحْوي -، عن فِراسٍ، عن
الشَّعْبي
عن عبد الله بن عمرو، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ وَّر، فقال:
يا رسولَ الله ما الكبائرُ؟ قال: ((الإِشراك بالله عز وجل»، قال: ثمَّ ماذا؟
قال: ((ثمَّ عُقُوقُ الوالِدَيْن))، قال: ثم ماذا؟ قال: ((ثم اليَمِينُ
الغَموسُ))(١).
= مسعود النهدي، وهو صدوق سيىء الحفظ، وقد توبع.
ورواه أحمد ١٦٤/٢ عن وكيع، ومسلم (٩٠) من طريق يحيى بن سعيد،
والبخاري في (الأدب المفرد)) (٢٧) عن محمد بن كثير، ثلاثتهم عن سفيان، بهذا
الإسناد .
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. فراس: هو ابن يحيى الهمداني،
وشيبان النحوي: هو ابن عبد الرحمن، والشعبي: هو عامر بن شراحيل.
ورواه البخاري (٦٩٢٠)، والطبري في ((جامع البيان)) (٩٢٢٣)، وابن حبان
(٥٥٦٢)، والبيهقي ٣٥/١٠ من طرق، عن عبيد الله بن موسى، بهذا الإسناد. وفي =
٣٤١

قال لنا أبو أمية: في كتابي هذا الحديث في موضعين، أحدهما:
عن شَيْبان، والآخر: عن سُفْيان.
قال أبو جعفر: فكان هذا الحديثُ قد رَجَعَ إلى عبد الله بن
عمرو، وهو الذي روى عنه الحديثَ الأول، وكِلا حديثيه هذين مرفوعٌ
إلى رسول الله وَّهَ، وإسنادهما جميعاً لا طَعْنَ فيه، ولا اسْتِرابةَ بأحدٍ
من رواته، فعَقَلْنا بذلك أن الشعبيَّ حَفِظَ منه عن عبد الله بن عمرو
ما قَصَّر حميدٌ عن بعضه، وكان من حَفِظَ شيئاً أَوْلَى مِمِّن قَصِّرَ عنه،
فعاد بذلك أكْبرُ الكبائر إلى الإشراك بالله عز وجل كما في حديث
الشَّعبيِّ، ثم يَتْلُو ذلك عقوقُ الوالدين على ما في حديثه أيضاً، ثم
يَتْلُو ذلك يمينُ الغَمُوس ◌َ على ما في حديثه أيضاً.
وكان الاتفاقُ منه ومن حميدٍ على عبد الله بن عمرو، في عقوق
الوالدين أنه من الذَّنوب، أو من الكبائر، فحَفِظَ عنه الشعبيُّ أنه جعله
تالياً للشِّركِ بالله عز وجل، فحقَّق بذلك أنه في الرُّتْبة الثانية من الكبائر
= رواية البيهقي لم يذكر العقوق.
ورواية البيهقي ٣٥/١٠ من طريق محمد بن سابق، عن شيبان، به.
ورواه بنحوه أحمد ٢٠١/٢، والدارمي ١٩١/٢، والبخاري (٦٦٧٥)
و(٦٨٧٠)، والترمذي (٣٠٢١)، والنسائي في ((المجتبى)» ٨٩/٧ و٦٣/٨،
و((التفسير)) (١٢١)، والطبري في ((جامع البيان)) (٩٢٢٢)، وأبو نعيم في ((الحلية))
٢٠٢/٧، والبغوي (٤٤) من طرق، عن شعبة، عن فراس، به.
اليمين الغموس: هي اليمين الكاذبة الفاجرة، سُمِّيت غَموساً: لأنها تغمسُ
صاحبها في الإِثم، ثم في النار.
٣٤٢

أو من الذنوب، وحفظ عنه حميد بن عبد الرحمن أنه في الرتبة الأولى
منهما، وكان الأولى من روايتهما جميعاً عن عبد الله بن عمرو ما رواه
الشعبيُّ عنه لما قد ذَكَرْنا، والله نسألُه التوفيق.
و
لله
لله تعالى
00
C
٣٤٣

٨٥٠ - بابُ بيانِ مُشكِل ما رُوي عن رسول الله وَه
فيما كان منه في بَرْوَعَ ابنةِ واشقٍ،
وتصحیح أسانيده عنه، وبيان
ما فيه من الأحكام
٥٣١٨ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا أبو الوليد
الطيالسي، قال: حدثنا همامٌ، عن قتادة، عن خِلَاس بن عمرو، عن
عبد الله بن عتبة، وعن أبي حسان، عن عبد الله بن عُتبة:
أنه اختُلِف إلى ابن مسعود في رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةً، فمات عنها،
ولم يَفْرِضْ لها، ولم يَدْخُلْ بها، فاختلفوا إليه شهراً، ثم قَضَى أنَّ لها
صَدُقَةً نسائِها، ولها المِيراث، وعليها العِدَّةِ، ثم قال: إنْ يكُ صواباً،
فمِنَ الله عز وجل، وإن يكُ خطأً، فمِنِّي. فقام الجَرَّاحُ وأبو سنانٍ،
فشَهدا أن رسول الله وَ ل﴿ قضى به في بروعَ ابنةِ واشقِ الأشجعية، وكان
زوجُها هلالَ بن مروان(١).
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي حسان - وهو الأعرج
البصري - فمن رجال مسلم، وقد تابعه خلاس بن عمرو وهو من رجال الشيخين.
ورواه أبو داود (٢١١٦)، والبيهقي ٢٤٦/٧ من طريق سعيد بن أبي عروبة،
عن قتادة، عن خلاس وأبي حسان، بهذا الإِسناد. وصحح البيهقي إسناده.
والصَّدُقة: مَهْر المرأة.
٣٤٤

قال أبو جعفر: ولا نعلمُ أحداً خالف هماماً في إسنادٍ هذا
الحديث.
٥٣١٩ - وحدثنا عليُّ بن شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال:
أخبرنا سفيان الثُّوْرِي، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
أَتِيَ عبدُ الله في امرأةٍ تُوفِّيَ عنها زوجُها، ولم يَفْرِضْ لها صَداقاً،
ولم يَدخُلْ بها، فَتَرَدِّدُوا إليه، فلم يُفْتِهِمْ، فلم يزالوا به حتى قال: إني
سأقولُ برأيي، إني أرى لها صَدُقَة نِسائِها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، وعليها
العِدَّةُ، ولها الميراثُ. فقام مَعقِلُ بن سِناٍ، فَشَهِدَ أن رسول الله وَلـ
قَضَى في بَرْوع ابنةِ واشقِ الأشجعيةِ بمثل ما قضيتَ، فَفَرِحَ عبدُ الله(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. منصور: هو ابن المعتمر، وإبراهيم:
هو ابن يزيد النخعي، وعلقمة: هو ابن قيس النخعي .
ورواه أحمد ٤٨٠/٣، وأبو داود (٢١١٥)، والترمذي (١١٤٥)، والنسائي في
((المجتبى)) ١٢١/٦، وفي ((الكبرى)) (٥٥١٦)، والبيهقي ٢٤٥/٧ من طرق، عن
يزيد بن هارون، بهذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٠٨٩٨) و(١١٧٤٥)، ومن طريقه رواه الترمذي (١١٤٥)،
وابن الجارود في ((المنتقى)) (٧١٨)، والطبراني ٥٤٣/٢٠، والبيهقي ٢٤٥/٧ عن
سفيان، بهذا الإسناد.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٠٠/٤، وأحمد ٢٨٠/٤، والدارمي (٢٢٥٢)، وابن ماجه
(١٨٩١)، والترمذي (١١٤٥)، والنسائي في ((المجتبى)) ١٢٢/٦ و١٩٨، وابن
الجارود (٧١٨)، وابن حبان (٤٠٩٩)، والطبراني ٥٤٤/٢٠، والبيهقي ٢٤٥/٧ من
طرق، عن سفيان، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
=
٣٤٥

٥٣٢٠ - وحدثنا فَهْدُ بن سليمان، قال: حدثنا أبو نُعيم، قال:
حدثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة
عن عبد الله، ثم ذكر مثله سواء، غير أنه لم يقل: صَدُقَةً نسائِها،
وقال: صداقُ مِثْلِها(١). قال سفيان: وبه نأخُذُ.
قال أبو جعفر: ولا نعلمُ أحداً من رُواة هذا الحديث عن منصورٍ
خالفَ الثوريَّ فيما رواه عليه عنه، ولا في الإِسناد الذي رواه عليه به
عنه، وقد رواه أيضاً عن منصورٍ، زائدةُ بن قُدَامَةَ، فوافَقَ الثوريَّ في
مَتْنِهِ، وفي إسنادِه، غير أنه زاد فيه الأسودَ مع عَلْقَمَة.
٥٣٢١ - كما حدثنا أحمدُ بن شعيب، قال: أخبرنا عبد الله بن
محمد بن عبد الرحمن الزُّهْرِي، قال: حدثنا أبو سعيدٍ عبدُ الرحمن بن
عبد الله - قال أبو جعفر: يعني مولى بني هاشم -، عن زائدة بن قُدامة،
عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، قالا:
أتِيَ عبدُ الله في رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةً، ولم يَفْرِضْ لها، فتوفي قبل
أن يَدْخُلَ بها، فقال عبد الله: سَلُوا: هل تجدونَ فيها أثراً؟ فقالوا:
يا أبا عبد الرحمن، ما نَجِدُ فيها أثراً، فقال: أقولُ برأيي، فإن كان
صواباً، فَمِنَ اللهِ عز وجل: لها مَهْرُ نسائِها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، ولها
= لا وَكْسَ، أي: لا نقصان منه، ولا شَطَط، أي: لا زيادة عليه، وأصله الجَوْر
والعدوان .
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو نعيم: هو الفضل بن دكين. وانظر
ما قبله.
٣٤٦

الميراثُ، وعليها العِدَّةُ، فقام رجلٌ من أَشجَعَ، فقال: في مثل هذا
قضى رسولُ الله فِينا في امرأةٍ يُقال لها: بروعُ ابنةُ واشقٍ تَزَوَّجَتْ رجلاً،
فمات قبلَ أنْ يَدْخُلَ بها، فقضَى لها رسول اللهِ وَِّ مثلَ صَداق نسائِها،
ولها المِيراثُ، وعليها العِدَّةُ. فرفع عبدُ الله يديه وكَبِّرَ(١).
وأما الشعبيُّ فقد اختُلِفَ عنه في من أَخَذ هذا الحديث عنه، فأما
عبدُ الله بن عَوْنٍ، فروى عنه أنه أَخَذَه عن الأشجعيِّ، ولم يُسَمِّه في
حديثه .
٥٣٢٢ - كما حدثنا عليُّ بن شَيْبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون،
قال: أخبرنا عبد الله بن عَوْن، عن الشعبي، عن الأشجعي، قال:
رأيتُ ابنَ مسعودٍ فَرِحَ فرحةٌ لَم أَرَه فَرِحَ مثلَها، أتاه إنسانٌ، فسأله
عن رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةً، ولم يَفْرِضْ لها صَداقاً، ولم يدخُلْ بها، فمات
عنها، فقال: ما سمعتُ فيها شيئاً، فقال الرجل: لو تَردِّدْت شهراً، ما
سألتُ عنها أحداً غيرك، وما وَجَدْتُ أحداً أسأل عنها غيرَك، فقال:
إني سأقولُ فيها برأيي، فإن أصبتُ، فالله عز وجل يُوَفِّقُني: أرى لها
(١) إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح.
وهو عند النسائي في ((المجتبى)) ١٢١/٦، وفي ((الكبرى)) (٥٥١٥)، وتحرف
اسم شيخ النسائي في المطبوع من ((المجتبى)) إلى: عبد الرحمن بن محمد بن عبد
الرحمن.
ورواه أحمد ٢٧٩/٤-٢٨٠ عن أبي سعيدٍ، بهذا الإسناد. وفيه :... فقام رجل
من أشجع، قال منصورٌ: أُراه سلمةَ بن يزيد.
ورواه ابن حبان (٤١٠١) من طريق مصعب بن المقدام، عن زائدة، به.
٣٤٧

صَدُقَّةَ نسائِها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، وعليها العِدَّةُ، فقال الأشجعيُّ:
أشهدُ أن رسول الله وَلّ قضى بمثل ما قضيتَ(١).
قال أبو جعفر: والأشجعيُّ المذكور الذي أخذ الشعبيُّ هذا الحديث عنه
هو مَعِقِلُ بن سِنان، وهو ممن تأخّر موتُه من أصحاب رسول الله وَّل،
وإنما كان موتُه في يوم الحَرَّةِ، وهو أحدُ المقتولينَ بها من أصحاب
رسول الله وم له .
وأما داود بن أبي هند، فذكر عن الشعبيٍّ أنه أَخَذَه عن علقمة
٥٣٢٣ - كما حدثنا الربيعُ بن سليمان المرادي، قال: حدثنا
أسد بن موسى، قال: حدثنا حماد بن سَلَمة، عن داود بن أبي هِنْد،
عن الشعبيٍّ، عن عَلْقَمة
عن ابن مسعودٍ: أنهم سألوه عن رجلٍ تزوَّجَ امرأةً، فمات ولم
(١) إسناده صحيح، الأشجعي: هو معقل بن سنان كما ذكر المصنّف،
صحابيٍّ نزل المدينة، ثم الكوفة، واستشهد بالحرَّة سنة ٦٣، وهو مخرج له في
السنن الأربعة، وباقي رجاله ثقات، رجال الشيخين.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٥٢٠) عن شعيب بن يوسف النسائي، عن
یزید بن هارون، بهذا الإِسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٠٨٩٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٥٢١) من طريق
عاصم، عن الشعبي: أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود، فسأله، فذكراه إلى قوله:
فقام رجل من أشجع، فقال ... ورواية الشعبي عن ابن مسعود مرسلة.
ورواه النسائي أيضاً في ((الكبرى)) (٥٥٢٢) من طريق سيار، عن الشعبي،
مرسلاً.
٣٤٨

يَفْرِضْ لها صَداقاً، قال: فردَّدَهُم شهراً، ثم قال: أقولُ فيها برأيي،
فإنَّ يَكُ صواباً، فمن قِبَلِ الله، وإن يَكُ خطأً، فمِن قِبَلِي: لها صَداقُ
نسائِها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، لها الميراثُ، وعليها العِدَّةُ، فقام
مَعْقِلُ بن سنان، فقال: أشهدُ أن رسول الله وَّ قضى به في امرأة منا،
يقال لها: بَرْوَعُ ابنةُ واشقٍ (١).
وأما إسماعيلُ بن أبي خالد، فذكر أيضاً عنه أنه أَخَذَه عن علقمة.
٥٣٢٤ - كما حدثنا رَوْحُ بن الفرج، قال: حدثنا يحيى (٢) بن
سليمان الجُعْفِي، قال: حدثني محمد بن فُضَيل، قال: حدثنا
إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبي، فذكره عن علقمة، ثم ذكره
بمعنى ما ذكره به داود عنه(٣).
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير أسد بن موسى، فقد روى
له أبو داود والنسائي، وعلّق له البخاري، وهو ثقة.
ورواه أحمد ٢٨٠/٤ عن الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، بهذا
الإِسناد.
5
ورواه ابن أبي شيبة ٣٠١/٢٤-٣٠٢، وأحمد ٢٨٠/٤ عن ابن أبي زائدة،
والنسائي في ((المجتبى)) ١٢٢/٦ وفي ((الكبرى)) (٥٥١٨)، وابن حبان (٤١٠١)،
والحاكم ١٨٠/٢، والبيهقي ٢٤٥/٧ من طريق علي بن مسهر، كلاهما عن داود بن
أبي هند، به.
(٢) تحرف في الأصل إلى: عيسى.
(٣) صحيح، يحيى بن سليمان الجعفي: صدوق يخطىء، وروى له
البخاري، وقد توبع، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٥٢٣) من طريق يعلى بن عبيد، عن =
٣٤٩

وأما فِراسُ بن يحيى، فذكر أنه - يعني الشعبي - أخذه عن
مسروق.
٥٣٢٥ - كما حدثنا أحمدُ بن يحيى الصُّوري، قال: حدثنا
الهيثم بن جميل، قال: حدثنا شريكُ بن عبد الله، عن فِراسٍ، عن
عامر، عن مسروق، عن ابن مسعود، ثم ذكر مثل حديث الربيع، عن
أسد، عن حماد، عن داود(١).
٥٣٢٦ - وكما حدثنا أحمد بن شعيب، قال: أخبرنا إسحاقُ بن
منصور - يعني الكَوْسَج-، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن
مَهْدي -، قال: أخبرنا سفيانُ، عن فراسٍ ، عن الشعبيِّ، عن مسروق،
ثم ذكر مثله سواء(٢).
قال أبو جعفر: وقد يحتملُ أن يكون الشعبيُّ أُخَذه عن هؤلاء
= إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، ولم يذكر علقمة.
(١) صحيح، شريك بن عبد الله - وهو النخعي، وإن كان سيىء الحفظ -، قد
توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة. فراس:
هو ابن يحيى الهمداني، وعامر: هو ابن شراحيل الشعبي. وانظر ما بعده.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. سفيان: هو الثوري. وهو عند النسائي
في ((الكبرى)) (٥٥١٧) و(٥٥١٩).
ورواه ابن أبي شيبة ٣٠٠/٤، وأبو داود (٢١١٤)، وابن ماجه (١٨٩١)،
والنسائي ١٢٢/٦، وابن حبان (٤٠٩٨)، والحاكم ١٨٠/٢-١٨١، والبيهقي
٢٤٥/٧ من طرق، عن عبد الرحمن بن مهدي، بهذا الإِسناد.
ورواه الطبراني ٢٠/ (٥٤٦) من طريق يزيد الدالاني، عن فراس، به.
٣٥٠

الثلاثة جميعاً، فحَدَّثَ به مرةً عن أحدهم، وحدَّثَ به مرةً أخرى عن
آخَرَ منهم، وحَدَّثَ به مرةً أُخرى عن آخر منهم.
وأما عبدُ خيرٍ، فرواه عن مَعْقِل بغير اختلاف عنه في إسناده.
٥٣٢٦م - كما حدثنا رَوْحُ بن الفرج، قال: حدثنا يحيى بن سليمان
الجُعْفيّ، قال: حدثني محمد بن فضيل، قال: حدثنا عطاءُ بن
السائب، عن عبد خيرٍ، قال:
جاء رجلٌ إلى عبد الله بن مسعود، فسأله عن رجلٍ تزوَّجَ امرأةٌ،
ولم يَفْرِضْ لها، ثم مات، ولم يَدْخُلْ بها، فجعل عبدُ الله يردِّدُهم،
ثم قال: أقولُ فيها برأيي، فَإِنْ يَكُ صواباً، فمن الله عز وجل، وإنْ
يَكُ خطأ، فمنِّي ومن الشيطان: أرى لها صَداقَ نسائِها، وعليها العِدَّةُ،
ولها المِيراثُ. فقال معقل بن سنان الأشجعيُّ، وكان حاضراً: أَشهدُ
لَقَضَى بذلك رسولُ اللهِ وََّ في امرأةٍ منا، يقال لها: بَرْوعُ ابنةُ واشقٍ،
قال: فما رُئِي عبدُ الله أشدَّ فرحاً منه يومئذٍ، لموافقتِه قضاءَ رسول الله
وَلي(١) .
ثم رَجَعْنا إلى ما في هذا الحديث من الأحكام، فكان فيه جوازٌ
التزويج بلا صَداقٍ مسمى فيه كما يقول أبو حنيفة، والثوري، وأصحاب
أبي حنيفة، والشافعي، بخلاف ما يقول مالك في ذلك من فَسْخِهِ إِياه
في حياة الزَّوجين قبل الدخول، ومن تركه فسخه بعد الدخول، وبعد
موت أحدٍ الزوجين، وكان كتابُ الله عز وجل يَشْهَدُ لما قاله الأولون
(١) صحيح بما قبله، عطاء بن السائب، كان قد اختلط، ورواية محمد بن
فضيل عنه بعد الاختلاط.
٣٥١

في ذلك مما ذكرناه عنهم، وهو قوله عز وجل فيه: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيكُم
إِنْ طَلَّقْتُم النِّساءَ ما لم تُمَاسُوهُنَّ(١) أو تَفْرِضُوا لهنَّ فَرِيضَةٌ ومَتُّعُوهنَّ﴾
الآية [البقرة: ٢٣٦].
ولا يقعُ الطلاقُ من زوجٍ على زوجة إلا في تزويجٍ صحيح، فَثَبَتَ
ما ذكرنا بكتاب الله عز وجل، ثم بسُنَّةِ رسول الله ◌ِصَ، ثم بما دَلَّ
عليه من إجماع المسلمين عليه، لأنهم لا يختلفون أنَّ الميراثَ واجبٌ
للباقي منهما بعد موت من يُتَوقَى منهما من تَرَكَتِهِ، ولا يجبُ الميراث
لأحدهما من صاحبه إلا بصحة التزويج الذي كان بينهما قبل الموت
الذي كان أَوجَبَ ذلك الميراثَ، ثم لإِجماعهم جميعاً أنه إذا دخل بها
لم يُفْسَخ ذلك التزويج الذي كان بينهما، وكان الدخول لا يُصْلِحُ
فاسداً.
فعَقَلْنا بذلك: أن التزويج يقومُ بنفسه، لا بالصَّداقِ الذي يُوجِبُه،
ثم قد وجدنا أصحابَ رسول الله وسلم قد أجمعوا على وجوب صحة
العَقْد إذا وَقَعَ كذلك، وعلى وجوب الميراثِ فيه عن الباقي من الزوجين
بعد موت أحدِهما للباقي منهما، وإنما اختلفوا في وجوب الصَّداق
للزوجة بعد موت الزوج أو بعد موتها.
فقال بعضُهم: لها الصَّداقُ على زوجها إن كان حيّاً، وفي تركته
إن كان ميتاً، وممن قال ذلك منهم: عبدُ الله بن مسعود فيما قد رويناه
(١) كذا قرأ حمزة والكسائي بضم التاء وبالألف، وقرأ الباقون: (تَمَسُّوهن)) بغير
ألفٍ وبفتح التاء. انظر ((حجة القراءات)) لزنجلة ص١٣٧-١٣٨، و((زاد المسير)) لابن
الجوزي ٢٧٩/١.
٣٥٢

عنه في هذا الباب.
وممن قال: لا صَداقَ لها: عليُّ بن أبي طالب، وعبدُ الله بن
عباس، وعبدُ الله بن عمر، وزيدُ بن ثابت رضي الله عنهم.
كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا أبو حُذَيفة، قال:
حدثنا سفيان(١)، عن عطاء بن السائب، قال: حدثني عبدُ خيرٍ
عن علي عليه السلام في الرجل يتزوج المرأةً فيموتُ عنها، ولم
يَفْرِضْ لها صَداقاً، ولم يَدْخُلْ بها، قال: لها الميراثُ، وعليها العِدَّةُ،
ولاَ صَداقَ لها(٢).
وكما حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: حدثنا
سعيد بن منصور، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب،
عن عبدٍ خيرٍ، عن عليٍّ نحوه(٣).
(١) تحرف في الأصل إلى: شقيق. وسفيان: هو الثوري.
(٢) صحيح، عطاء بن السائب - وإن كان قد اختلط - رواية سفيان عنه قبل
الاختلاط، وقد توبع أيضاً. أبو حذيفة: هو موسى بن مسعود.
ورواه عبد الرزاق (١٠٨٩٣) عن الثوري وجعفر، عن عطاء بن السائب، بهذا
الإِسناد.
ورواه الشافعي ١٠/٢، وابن أبي شيبة ٣٠١/٤ ٣٠٢، والبيهقي ٢٤٧/٧ من
طرق، عن عطاء بن السائب، به. وقرن ابن أبي شيبة في إحدى روايتيه بعطاءٍ
عمروبنَ دینارٍ.
(٣) خالد بن عبد الله: هو الواسطي. وانظر ما قبله.
ورواه البيهقي ٢٤٧/٧ من طريق أحمد بن نجدة، عن سعيد بن منصور، بهذا
الإسناد .
٣٥٣

وكما حدثنا أبو زُرْعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: حدثنا
أبو نعيم، قال: حدثنا القاسم بن مَعْن، قال: سألت ابن جريج عن
المتوفى عنها زوجُها قبل الدخولِ، ولم يسمِّ لها مهراً، فحدثني عن
عطاء
عن ابن عباس، قال: حَسْبُها الميراثُ(١).
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ: أن مالكاً أخبره عن نافع:
أنَّ ابنةَ عُبيد الله بن عمر، وأمُّها ابنةُ زيدٍ بن الخَطَّاب، كانت تحتَ
ابنِ لعَبْد الله بن عمر، فمات ولم يَدْخُلْ بها، فابتغت أمُّها صَداقَها،
فقال عبدُ الله بن عمر: ليس لها صداقٌ، ولو كان لها صداقٌ لم نُمسِكْه
ولم نَظْلِمْها، فَأَبَتْ أن تقبلَ ذلك، فجعلوا بينهم زيد بن ثابتٍ، فقضى
أن لا صَداقَ لها، ولها المِيراثُ (٢).
ولله تعاليمـ
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير القاسم بن معن، فمن رجال أبي داود
والنسائي، وهو ثقة.
ورواه عبد الرزاق (١٠٨٩٥)، وابن أبي شيبة ٣٠١/٤ من طريق ابن جريج،
بهذا الإِسناد.
(٢) رجاله ثقات رجال الشيخين. وهو في ((موطأ مالك)) ٥٢٧/٢.
ورواه الشافعي في ((مسنده)) ١٠/٤، ومن طريقه رواه البيهقي ٢٤٦/٧ عن
مالك، بهذا الإِسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٠٨٨٩) و(١٠٨٩٠) و(١٠٨٩١)، وابن أبي شيبة
٣٠٠/٤-٣٠١ ٣٠٢ من طرق، عن نافع، به.
٣٥٤

وكما حدثنا يوسف بن يزيد، قال: حدثنا سعيدُ بن منصورٍ، قال:
حدثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار:
أن ابن عمر زَوَّجَ ابناً له ابنةَ أخيه عُبيد الله بن عمر، وابنُه يومئذٍ
صغيرٌ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقاً، فمَكَثَ الغلامُ ما مَكَثَ، ثم مات،
فخاصم خالُ الجاريةِ ابنَ عمر إلى زيد بن ثابت، فقال ابنُ عمر
لزيد بن ثابت: زَوَّجْتُ ابني، وأنا أحدِّثُ نفسي أن أصنَعَ به خيراً،
فمات قبل ذلك، ولم يَفْرضْ للجاريةِ صَداقاً، فقال زيدٌ: لها الميراثُ
إن كان للغلام مالٌ، وعليها العِدَّةُ، ولا صَداقَ لها (١).
ثم رَجَعْنا إلى ما يوجبُه القياس في ذلك، فوجدنا الأصلَ المتَّفَقَ
عليه أن المطلقة قبلَ الدخول ، وقد سُمِّي لها صداقٌ، لها نصف ذلك
الصداق، ولا عِدَّةً عليها، وإن كان لم يُسَمَّ لها صداقٌ، كانت لها
المُتْعَة، ولا عِدَّةَ عليها، وكان لو دَخَلَ بها ثم طلَّقَها، كان لها صداقُ
مِثْلِها إن كان لم يُسَمِّ لها صداقاً، وكان لها جميعُ ما سماه لها إن
كان سَمَّى لها صداقاً، وكانت عليها العِدَّةُ في ذلك.
فكان الموضع الذي يكون عليها فيه العدة يكون لها فيه الصداقُ،
والموضع الذي لا يكون عليها فيه عِدَّةٌ، يكون لها فيه نصفُ الصداق
إن كان سَمَّى لها صداقاً، أو المتعة إن كان لم يُسَمِّ لها صداقاً.
وكان إذا تُوُفِّيَ عنها، ولم يسمِّ لها صداقاً، ولم يدخل بها، عليها
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه البيهقي ٢٤٦/٧ -٢٤٧ من طريق أحمد بن نجدة، عن سعيد بن منصور،
بهذا الإِسناد.
٣٥٥

العِدَّةُ في قولهم جميعاً، فكان في ذلك ما قد دَلَّ أن الموت إذا كان
من المواضع التي تجبُ العِدَّةُ فيها أن يكون من المواضع التي يجب
الصداقُ فيها.
وكان في حديث بَرْوَع ابنة واشق من الأحكام أيضاً قضاءُ رسول
اللّه ◌َ﴿ لها بصداقِ مِثْلِها من نسائها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، وكان
نساؤها المعقولات هنَّ نساءَ عشيرتها، كذلك هو موجود في كلام العرب
حتى تعالى ذلك إلى أن جاء به كتابُ الله عز وجل، وهو قوله: ﴿تَعَالَوْا
نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُم ونِساءَنا ونِساءَكُم﴾ [آل عمران: ٦١]، فكان أولئك
النساءُ هن أمثالها من نساءِ رسول الله وَّه، ونساءِ مَنْ دعاه إلى المباهَلَة
لا من سِواهُم، فكان مثل ذلك نساء المرأة المرجوع في صَداقِها فيما
يجبُ لها فيه صداقُ مثلها من نسائِها، وهذا معنى أبي حنيفةَ وأصحابِهِ،
والشافعي .
وأما ابنُ أبي ليلى، فكان يقول: نساؤها: هنَّ هؤلاء اللائي من
قِبَلِ أبيها، وهنَّ عماتُها أخواتُ أبيها لأبيه وأمه أو لأمه، وأخواتُها لأبيها
وأمها أو لأبيها، وخالاتُها أخواتُ أمها.
وأما مالك فكان يقولُ: هنَّ أمثالُها في منصبها وجمالها، ولا يُراعى
أنسابها .
وكان الذي دَلَّ عليه حديثُ رسول الله وَّ أَوْلى ما قيل في ذلك،
فأما ما قال ابنُ أبي ليلى في ذلك من إدخاله خالاتها في ذلك، فلا
معنى له عندنا، لأنه قد تكونُ المرأةُ من قريش وتكون خالاتُها إِماءً،
ولَمَّا فَسَدَ قولُه هذا، اعتبرنا القولين الآخرَين، فكان ما قال مالكٌ منهما
٣٥٦

هو الذي يقعُ في القلوب قَبُولُه، لا ما روي عن رسول الله وَّجُ من
ما يخالفه، غير أنا اعتَبَرْنا ما قال مالكٌ في ذلك، فوجدناه مراعاة أحوال
المرأة التي يرغبُ فيها منها من أجلها، وهي جمالُها وعقلُها، والأشياء
التي ذكرنا مما يُرغبُ فيها من أجلها، ووجدناها يرغب فيها بنسبها
وبشرفها وبأحوالها التي تَبِينُ به عن أحوال مَنْ سواها ممن هو مثلها
في جمالها وعقلها، وإذا كان جمالها وعقلها يعتبر في أمرها لرغبة الناس
في مثلها من أجله، كان مثل ذلك جنسها وبيتها الذي هي منه وآباؤها
التي يرغب فيها لمكانهم، يعتبر ذلك أيضاً فيها.
ولقد قال مالكُ في المرأة تختلطُ عليها حَيْضَتُها: إنها تَعْتَبِرُ فِي
ذلك أيامَ نسائها في مثلِه، وإذا كان ذلك معتبراً في الحيض الذي قد
تختلفُ فيه المرأةُ وأمُّها، والمرأةُ وأُخْتُها، فتكون كلَّ واحدةٍ منها ومن
نسائها هؤلاء بخلاف ما عليه سواها من نسائها في ذلك، كان اعتبار
ذلك لها في الصَّداق أولى، وكان بالقول به في ذلك أحرى، والله نسألُه
التوفيق .
٣٥٧

٨٥١ - بابُ بيانِ مُشكِلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله وَل
في المرادِ فيما كان يستعملُه في خطبه وفي
كلامه من قوله: ((أما بعدُ))
٥٣٢٧ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا أبو اليمان، قال:
حدثنا شعيبُ بن أبي حمزة، عن الزُّهري، عن علي بن الحسين
عن المِسْوَر بن مَخْرمَةٍ، قال: خَطَبَنا رسولُ اللهِوَهِ، فقال: ((أمَّا
بعدُ، فإنَّ بني هشام بن المغيرةَ اسْتَأْذَنوا في أن يُنْكِحُوا ابنْتَهم عليَّ بن
أبي طالبٍ، ولا آذَنُ، فإِنَّ فاطمةً بَضْعَةٌ مِنِّي))(١).
وقد ذكرنا حديثَ المِسْوَر بن مَخْرَمة هذا فيما تقدَّم منا في كتابنا
هذا بأسانيد غير هذا الإِسناد(٢).
٥٣٢٨ - وحدثنا أبو أمية، قال: حدثنا محمد بن بكير، قال: حدثنا
يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا داودُ، عن أبي نَضْرة
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو اليمان: هو الحكم بن نافع.
ورواه أحمد ٣٢٦/٤، والبخاري (٩٢٦) و(٣٧٢٩)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٦)،
وابن ماجه (١٩٩٩) من طريق أبي اليمان، بهذا الإِسناد. ورواية البخاري في
الموضع الأول مختصرة.
(٢) انظر الجزء الثاني عشر، الباب رقم (٧٨٨).
٣٥٨

عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ وَّرَ، أنه قال في خطبته: ((أما بعدُ))(١).
ويَدْخُل في هذا الباب أيضاً ما قد رويناه عن رسول الله # في
خُطْبة الحاجةِ من ذِكْره فيها ((أما بعدُ)) فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا(٢)،
فقال قائلٌ: ما المرادُ بأمَّا بعدُ في هذه الآثار، ومما يُستَعْمَلُ في الكلامِ
ابتداءً مما لم يتقدَّمْها شيءٌ يكون بَعْداً له؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل: أنَّ العرب تستعمل
في كلامها الإِيجازَ والإِشاراتِ إلى المعاني التي يريدونها بالكلام الذي
يحاولونَ الكلام به، لِعِلمِهِم بعِلْمٍ من يُخاطبونه بما يخاطبونه به، فكان
قولهم: ((أما بعد)) مما يَبْتَدِؤُون به كلامَهم، يريدون به معنىً محذوفاً
كان ذلك الكلامُ من أجله، فعاد مبنيّاً عليه، ومن ذلك أن ابتدُؤُوا ما
أرادوا من ذلك بحمد الله عز وجل وبتسميته، وعلى ذلك جَرَتِ الكُتبُ
بعدهم، فكان معنى ((أما بعدُ))، أي: أما بعد الذي كان منهم من
التسمية والتحميد، فإنَّ كذا وكذا، ثم يذكرون الذي يريدونه مع حَذْفِهم
ذِكْرَ ما أرادوه، والدليلُ على ذلك رَفْعُهم ((بعدُ))، إذ كان المضافُ
والمضافُ إليه كالشيء الواحدٍ، وكانوا لو جاؤوا به بتمامه لقالوا: ((أمَّا
(١) إسناده صحيح. داود: هو ابن أبي هند، وأبو نضرة: هو المنذر بن مالك بن
قُطَعَة العبدي.
ورواه مسلم (١٦٩٤) (٢١)، وابن حبان (٤٤٣٨)، والحاكم ٣٦٢/٤-٣٠٣ من
طرق، عن يزيد بن زريع، بهذا الإسناد، ضمن حديث مطوّل في رجم ماعزبن
مالك. وانظر تمام تخريجه في ((صحيح ابن جبان)).
(٢) انظر الجزء الأول منه، حديث رقم (٤).
٣٥٩

بعدَ كتابنا هذا)»، فيأتون ببعدُ منصوبةً، لأنها صفةٌ، ثم يقولون: فقد
كان كذا وكذا، فلما حذفوا ذلك، رفعوا «بعدُ»، وهو الذي يُسَمِّيه
اللُّغَويُّون غايةً، ومنه قولُ الله عز وجل: ﴿للهِ الْأُمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾
[الروم: ٤]، أي: من قبلِ كلِّ شيءٍ، ومن بعد كلِّ شيءٍ لما هو
مضافٌ إلى ((بعد))، فلما حَذَفَ ذِكْرَه، رفع: ((قبل)) و((بعد)) على الغايةِ،
ومن ذلك قالوا: أُعطيكَ دِرْهماً لا غَيْرُ، فيرفعون ((غير))، ولو جاؤوا بتمام
الكلام لَنَصَبوا ((غير)»، فقالوا: أُعطيتُك درهماً لا غَيْرَه، وبالله التوفيقُ.
قفـ
لله تعالى
٣٦٠