Indexed OCR Text

Pages 1-20

د
ـر
ر
د
تأليفُ الإِمَامِ المَحَدِّثِ الفَقيةُ المفَسِّرِ
أبِ جَعْفَر أجْمَد بن محَمَّد بنسَلَامَة الطّحَاوي
(٢٣٩هـ - ٣٢١ هـ)
O
معّه وضبط نصّه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرفؤوط
الجزء الثالث عشر
مؤسسة الرسالة

.
.- J .
....
-
٤ عالى

قف لله تعالى
١٣

جميع الحقوق محفوظة
لمؤسسة الرسالة
ولا يحق لأية جهَة أن تطبع أو تعطي حق
الطبع لاحَد سواء كان مؤسسة رسمية أو أفرادًا
الطّبعَة الأولى
١٤١٥هــ٢٤ تعالى
مؤسسة الرسالة مؤسّسَة الرّسَالة بَيرُوت - شارع سوريا - بناية صَمَدِي وَصَالحَة
للطباعة والنشر وَالتوزيع هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص.بَ: ٧٤٦٠- بَرَقيًا: بيُورَان

٧٩٣ - بابُ بيان مشكل ما رُويَ عن سعيد بن جبير في
المكان الذي نزلت فيه: ﴿واسأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا
قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥]
بما يروى عن رسول الله
* في ذلك
٥٠١٥ - حدثنا أحمدُ بن داودَ بن موسى، قال: حدثنا مسدَّدٌ
وسهلُ بنُ بكَّار، قالا: حدثنا أبو عَوانة، عن أبي بِشْر
عن سعيد بن جُبَيْر: ﴿واسأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا﴾
[الزخرف: ٤٥]، قال: لَقِيَ الرسلَ صلى الله عليهم ليلةً أسري به(١).
وفي هذا ما قَد دَلَّ أن نزول هذه الآية كان بغير مكة ويغير
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير مسدّد وسهل بن بكار،
فمن رجال البخاري. أبو عوانة: هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وأبو بشر: هو
جعفربن أبي وحشية.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٨١/٧ ونسبه إلى سعيد بن منصور وعبد بن
حميد وابن جرير وابن المنذر.
وروی نحوه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ٧٨/٢٥ عن يونس، عن ابن وهب،
عن ابن زيد. وانظر الباب السالف.

المدينة، لأن رسول الله ﴿ أُسْريَ به مِن مكة إلى حيثُ لا يَعْلَمُ،
حتى علمه بوروده إياه، واجتماعه فيما هناك مع الأنبياء صلواتُ الله
عليه وعليهم، الذين جُمِعُوا له فيما هناك حتى أُمَّهُم على ما ذكرنا في
الباب الذي قبلَ هذا الباب، وهم الذين أُمِرَ بسؤالهم عن ما أُمِرِ
بسؤالهم عنه، لأنه لم يُؤْمِّهُم في غير ذلك المكان، وفي ذلك ما قد
دَلَّ على صحة ما قد رويناه عن سعيد بن جُبير مما ذكرنا(١).
0
(١) وقال ابن عباس والحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ والضحاك والسُّديُّ في آخرين:
اسأَلْ مؤمني أهل الكتاب من الذين أُرسِلَتْ إليهم الأنبياء. ورجح الطبريُّ هذا
القولَ، فقال: وأولَى القولين بالصواب قولُ مَنْ قال: عنى به: سَلْ مؤمني أهلِ
الكِتابين. ثم قال: فإن قال قائل: وكيف يجوزُ أن يُقالَ: سل الرسلَ، فيكون معناه:
سل المؤمنين بهم ويكتابهم؟ قيل: جازَ ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم
أهلُ بلاغ عنهم ما أَتَوْهُم به عن ربهم، فالخبرُ عنهم وعما جاؤوا به من ربهم إذا
صَحَّ بمعنى خبرهم، والمسألةُ عما جاؤوا به بمعنى مسألتهم إذا كان المسؤولُ من
أهلِ العلم بهم والصدقِ عليهم، وذلك نظيرُ أمر الله جل ثناؤه إيَّانا بردِّ ما تنازعنا
فيه إلى اللهِ وإلى الرسولِ ، يقولُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوه إلى اللهِ
والرَّسُولِ﴾، ومعلوم أن معنى ذلك: فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله، لأن الردّ إلى
ذُلك رَدّ إلى اللهِ والرسول، وكذلك قوله: ﴿واسأَل مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا﴾
إنما معناه: فاسألْ كُتُبَ الذين أرسلنا من قبلُ مِن الرسلِ ، فإنك تَعْلَمُ صحةَ ذُلك
مِن قبلنا، فاستغنى بذكر الرسل مِن ذكر الكتب، إذ كان معلوماً ما معناه.
٦

٧٩٤ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي في المرادِ
بقوله الله عز وجل: ﴿فَإِنْ كُنْتَ في
شَكِّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِليكَ﴾
الآية [يونس: ٩٤]
حدثنا أحمدُ بن أبي عِمْران، قال: حدثنا الجَرَّاحِ بن مَخْلَد
البصري، قال: حدثنا عمربن يونس، قال: حدثني عكرمةُ بن عَمَّار،
قال: حدثني أبو زُمَّيْل، قال:
قال رجلٌ لابن عباس: إنه لَيَقَعُ في نفسي ما أنْ أَخِرَّ من السماء
أحبُّ إليَّ من أن أتكلّم به. فقال ابن عباس: مِنَ الشكُّ يعني؟ قال:
فقال: نعم. فقال: وهل يَسْلَمُ مِن ذلك أحدٌ، وقد قال الله عز وجل
النبيِّهِ وَ ﴿: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكَّ مِمَّا أَنْزَلْنا إليكَ﴾ [يونس: ٩٤](١).
(١) إسناده حسن من أجل عكرمة بن عمار، وباقي رجاله ثقات. أبو زُميل: هو
سماك بن الوليد الحنفي.
ورواه أبو داود (٥١١٠) من طريق النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمار،
بهذا الإِسناد. زاد في آخره: قال: فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً، فقل:
﴿هو الأوّلُ والآخِرُ والظاهرُ والباطنُ وهو بكلِّ شيءٍ عليمْ﴾ [الحديد: ٣].
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٩٠/٤ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي
حاتم وابن مردويه.
=
٧

ولا نعلمه رُوِيَ عن أحدٍ من أصحاب النبي #1 في المراد بهذه
الآية، غير هذا الحديث الذي رويناه في ذلك عن ابن عباس.
وأما التابعون فُرُوِيَ عنهم في ذلك
ما قد حدثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال:
حدثنا هشيمٌ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ. ومنصورٍ، عن
الحسن، أنهما قالا في هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكُّ مِمَّا أَنْزَلْنا
إِليكَ﴾ قالا: لم يَشُكّ، ولم نَشْكُّ(١).
وحدثنا أحمدُ بن علي بن مُصْعَب أبو العباس البغدادي، قال:
حدثنا إبراهيم بن هاشم بن مُشْكان، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بِشْر،
عن سعيد بن جبير، مثله(٢).
= وسلف عند المصنف في الجزء الرابع برقم (١٦٣٨) من حديث عبد الله بن
شداد بن الهاد، عن ابن عباس: أن أصحاب النبي ◌َّغر قالوا: يا رسول الله، إن
أحدنا يحدِّث نفسه بالشيء لأن نكون حُمَمَةً أحبُّ إلينا من أن نتكلم به. فقال:
((الحمد لله الذي لم يقدر منكم إلا على الوسوسة)). وصححه ابن حبان (١٤٧).
(١) إسناده صحيحان، رجالهما ثقات رجال الشيخين، وقد صرح هشيم
بالتحديث عند الطبري، وعند المصنف كما سيأتي لاحقاً. أبو بشر: هو جعفربن
أبي وحشية.
ورواه الطبري في ((تفسيره)) (١٧٨٩٢) من طريق القاسم بن سلام، عن
هشیم، بهذین الإِسنادین.
(٢) إبراهيم بن هاشم بن مشكان، له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) ٢٠٢/٦-٢٠٣،
وقد توبع، ومن فوقه ثقات من رجال الشیخین.
ورواه الطبري (١٧٨٩٠) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، بهذا الإسناد.
٨

حدثنا أحمدُ بن داود، قال: حدثنا إسماعيلُ بن سالم، قال: أخبرنا
هشيم، قال: حدثنا أبو بِشْر، عن سعيدٍ. ومنصورٌ، عن الحسن، مثله.
وحدثنا أحمدُ، قال: حدثنا مسدَّد وسَهْلُ بن بَكَّار، قالا: حدثنا أبو
عَوَانَةً، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جُبَيْر، مثله (١).
وأمَّا أَهْلُ اللغة، فقد رُوِيَتْ عنهم في ذلك أقوالٌ، منها: ما قال
الكِسائيُّ والفَرَّاء جميعاً: ليس قولُه عز وجل: ﴿فإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾
خبراً عن أَنه في شكٍّ، إنما ذلك كقول الرجل لابنه: إِن كنتَ ابني،
فَافْعَلْ كذا، وليس في شكَّ أنه ابنُه (٢).
وكان أحسنَ من ذلك ما قد قاله غيرُهما من أهل اللُّغةِ أَن المرادَ
في ذلك غيرُ النبي ◌ََّ، وإن كان ظاهره القصد به إلى النبي ◌ِلّه
فإنَّ المرادَ به غيرُه، وهم الشاكُّونَ فيه، وكان ذلك بمعنى: فإن كنتَ
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير مسدَّدٍ وسهل بن بكار، فمن رجال
البخاري .
الـ
ورواه الطبري (١٧٨٩١) من طريق سويد بن عمرو، عن أبي عوانة، بهذا
الإِسناد. ولفظه عنده: ما شكّ، وما سأل.
وروى نحو هذا اللفظ عبد الرزاق (١٠٢١١)، والطبري (١٧٨٩٣) و(١٧٨٩٤)
عن قتادة، قال - وذكر هذه الآية -: بلغنا أن رسول الله ﴿ قال: ((لا أشك، ولا
أسأل».
وأورد السيوطي في (الدر المنثور)) ٣٨٩/٤ عن ابن عباس - وذكر هذه الآية -
قال: لم يشكّ رسول الله وَ﴿ ولم يَسأل. ونسبه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
مردويه والضياء في ((المختارة)).
(٢) وانظر ((تفسير الطبري)) ٢٠٢/١٥-٢٠٣.
٩

في شكٍّ من غيرِكَ فيما أَنْزَلْنَا إِليكَ، وممن قال ذلك منهم: أَبو عُبَيْدة
مَعْمَر بن المُثَنَّى، وقالوا: هذا كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم
في الفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢]، يعني نوحاً، لا يَعْنِيه ◌َِّ، ثم كَشَفَ عز
وجلَّ مُرادَه بذلك ما هو؟ بقوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾
[يونس: ٢٢]، فأخبر عز وجل أن المرادِينَ بذلك هم غيرُهُ وَه وغيرُ
أُمَّتِهِ، وكان الذي قالوه في المُرادِينَ بقوله عز وجل عندهم: ﴿فاسألِ
الذين يَقْرَؤُونَ الكِتابَ من قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] أنهم الذين آمنوا به قبلَ
ذلك من أهل الكتاب كعبد الله بن سَلَام وأمثاله منهم.
وحَضَرني أنا في ذُلك تأويلٌ قد يحتملُ أن يكونَ هو المرادَ
بالمذكورين في تلك الآيةِ، وأن يكونوا هم الذين لَقِيَهمِنَّ في بيت
المَقْدِس من الأنبياء الذين كان أَنْزِلَ عليهم قبلَه من الكتب ما أُنْزِلَ
عليهم منها مما فيه ذِكْرُهُ وذِكرُ أمته، ومثل هذا مما قاله ابنُ عباسٍ
في حديث أبي زُمَّيْل الذي رويناه عنه(١) في هذا الباب: ومَن يَسْلَمُ
مِن هذا، وقد قال الله عز وجل لنبيَّه وَّه، فتلا الآيةَ التي تلاها فيه،
وجه ذُلك عندنا من ابن عباسٍ على مرادِه به غيره بَ، وإن كان
الخطابُ ظاهره هو أنه المخاطَبُ به لِسَعَةِ لغة العرب، ولأنها قد
تخاطب من تريدُ غيره، والله أعلم بمراده عز وجل في ذلك، ثم بمراد
ابن عباس في جوابه الذي قد ذكرناه عنه.
وقد روي عن عمر بن الخطاب في ذلك مما يَدْخُلُ في هذا
المعنى، ومما يَنْفِي أن يكونَ المرادُ بذلك رسولَ الله وَّ أَو أحداً من
(١) في الأصل: عليه.
١٠

أصحابه، وهو:
٥٠١٦ - ما قد حدثنا فَهْدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا يوسف بن
بُهْلُول الكوفي، قال: حدثنا عبدُ الله بن إدريسَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ
إسحاق، قال: حدثنا الزُّهْري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثّوْرٍ،
عن ابن عباسٍ
عن عمر رضي الله عنه، في حديثِ المتظاهِرَتَين على رسولِ الله
ونَ﴾ من أزواجه، وفي ذِكْرِ تخيير رسول الله ضل﴾ لأزواجه بعد ذلك،
قال: ثم جلستُ، فقلتُ: يا نبيَّ الله، أنت نبيُّ الله وصَفِيُّه وخِيَرَتُه
مِنْ خَلْقِه على ما أرى - يعني من خَصَفَةٍ رآه مضطجعاً عليها، ومِن
وسَادةٍ محشوَّةٍ ليفاً تحت رأسه، هكذا هو مذكورٌ في هذا الحديث -
وكسرى وقيصرُ على سُرُرِ الذهب وفُرُشِ الدِّيباج والحرير، فَجَلَسَ،
فقال: ((يا عمرُ، لعلَّكَ شَكَكْتَ؟)) قلت: لا، والَّذِي بَعَثَكَ بالحقِّ، إني
على يقينٍ من الله عز وجل فيكَ، إنك لنبيُّه وصَفِيُّه، ولكني عجبتُ
لِما زُوِيَ عنك من الدنيا، وبُسِطَ على هؤلاء. فقال: ((إِنَّهم قومٌ عُجَّلَتْ
لهم طيِّباتُهم في حَياتِهِم الدُّنيا، وإِنَّا أُخَّرَتْ لنا في آخِرَتِنا))(١).
: ٥٠١٧ - وما قد حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا عبد الله بن
صالح، قال: حدثني اللَّيث بن سعد، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن
شهاب، ثم ذكر بإسناده مثله
غير أنه قال: ((أَوَ فِي شكٍّ أَنت يا ابنَ الخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قومٌ عُجَّلَتْ
(١) إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وباقي رجاله ثقات رجال =
١١

لهم طَيِّبَاتُهم في الحياةِ الدُّنْيا)) فقلت: يا رسول الله، استَغْفِر لي(١).
وإذا كان عمرُ بن الخَطَّاب رضي الله عنه قد نَفَى عن نفسه الشكّ
فيما نفاه عنها بحَلِفِه على ذلك لرسول الله وَله، ويترك رسول الله اله
دَفْعَه عن ذلك، كان ذلك عن رسول الله أَشدَّ انتفاءً، وكان عن أمثال
عمر من أصحاب رسول الله صل﴿ في انتفائِه عنهم كانتفائه عن عمر،
وكان في ذُلك ما قد تَحقَّقْنا به على أن المرادِينَ بالشكّ في ذلك هم
غيرُ رسول الله ﴿، وغيرُ عمَرَ، وغيرُ من سواه من أصحابه رضوان الله
عليهم، وأنهم مَنْ سواهم مِن أَهل الشكّ فيه ◌َِّةِ، ممن إسلامُه - إن
كان له إسلامٌ - ليس كإسلام أصحابه رضوان الله عليهم، أو ممن لا
يُؤمِن به، ولم يَدْخُل في شريعته، ولم نَجِدْ في تأويل هذه الآية أُحسنَ
مما ذكرناه في تأويلها مما قد اجْتَبَيْناه في هذا الباب، والله نسألُه
التوفيق.
انته تعلى
= الشيخين غير يوسف بن بُهلول، فمن رجال البخاري. وانظر ما بعده.
(١) حديث صحيح، عبد الله بن صالح، كاتب الليث قد توبع، ومن فوقه ثقات
من رجال الشيخين.
ورواه البخاري (٢٤٦٨) عن يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، بهذا
الإِسناد.
ورواه أحمد في ((المسند)) (٢٢١) بتحقيقنا، والبخاري (٨٩) و(٥١٩١)،
ومسلم (١٤٧٩) (٣٤)، والترمذي (٢٤٦١) و(٣٣١٨)، والبزار (٢٠٦)، والنسائي
١٣٧/٤، وأبو يعلى (٢٢٢)، والطبري ١٦١/٢٨-١٦٢، وابن حبان (٤٢٦٨)،
والبيهقي ٣٧/٥ من طرق، عن الزهري، به. وانظر تمام تخريجه في ((المسند)).
١٢

٧٩٤ - بابُ بيانِ مُشْكِلٍ ما رُوي عن عثمان بن عفان
رضي الله عنه من احتجاجه فيما احتَجُّ به من
صَدَقَتِهِ ببئر رُومَة، ومن مَنْعِهِمْ إِيَّه من
الشرب منها، ومن زيادته في مسجدٍ
رسولِ اللهِ وَلَ ما زادَهُ فيه،
وَمِنْ مَنْعِهِم إِيَّاه من
الصَّلاةِ فيه
٥٠١٨ - حدثنا يزيدُ بن سِنان، قال: حدثنا صالحُ بن حاتم بن
وَرْدَان، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعتُ أَبي يحدِّثُ عن
أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ، مولى أبي أُسَيْد الأنصاري، قال:
بَلَغَ عثمانَ رضي الله عنه أَنَّ الوَفْدَ مِن أَهلِ مصرَ قد أقبلوا، فخَرَجَ
يَستَقْبِلُهُم، فذكر حديثَه بطوله إلى أَن بَلَغَ إلى خُروجه على الناس،
فقال: أَنْشُدُكم بالله، أَتعلمونَ أَني اشتريتُ رُومَةَ من مالي بكذا وكذا
لِيُسْتَعْذَبَ بها، فجعلتُ رِشَائي فيها كرِشاء رجلٍ من المسلمين؟ فقالوا:
اللَّهُمَّ نعم. قال: فَأَنْشُدُكم بالله عز وجل، أَتعلمونَ أَن أَحداً من الناس
مُنِعَ من الشَّرب منها غيري، حتى ما أَفْطِرُ إِلا على ماءِ البحر؟ قال:
فسكتوا، قال: ثمَّ أَشرَفَ عليهم ذاتَ يومٍ، فقال: أنشُدُكم بالله عز
١٣

وجل، أَتعلمون أَني اشتريتُ من الأرض من مالي بكذا وكذا، فزدْتُها
في المسجدِ؟ قالوا: اللَّهمَّ نعم. قال: فَأَنْشُدُكم بالله عز وجل، أَتعلمونَ
أَنْ أَحداً من الناس مُنِعَ من الصلاة فيه غيري؟ قال: فسكتوا (١).
٥٠١٩ - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا سعيد بن عامر،
عن يحيى بن أبي الحَجَّاجِ، عن أبي مَسْعود الجُرَيري
عن ثُمامَة بن حَزْنِ القُشَيْرِي، قال: شَهدتُ الدارَ وأشرف عليهم
عثمانُ رضي الله عنه، فقال: اثْتُوني بصاحبيكم هذين اللَّذين اَلَبَكُم
عليَّ. قال: فجيء بهما، كأنَّهما جَمَلانِ، أَو كأنهما حِمارانٍ، فأشرف
عليهم عثمان، فقال: أَنشُدُكم الله والإِسلامَ، هل تعلمان أن رسولَ الله
(١) رجاله رجال الصحيح غير أبي سعيد مولى أبي أُسَيد الأنصاري، فقد ذكره
ابن حبان في ((الثقات)) ٥٨٨/٥، وقال: يروي عن جماعة من الصحابة، روى عنه
أبو نضرة. ثم ذكر بإسناده عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد أنه صلَّى
في بيته إماماً بأبي ذر وابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وذكر عن أبي المعتمر أنه كان
مملوكاً يومئذٍ. وترجم له الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) ١٩٩/٧، وقال: ذكره ابن
منده في الصحابة، ولم يذكر ما يدلُّ على صحبته، لكن ثبت أنه أدرك أبا بكر
الصديق رضي الله تعالى عنه، أبو نضرة: هو المنذربن مالك بن قُطَعَة.
ورواه خليفة بن خياط في ((تاريخه)) ص١٧٢، وعمر بن شبة في ((تاريخ
المدينة)) ١١٩١/٤-١١٩٢، وابن خزيمة (٢٤٩٣)، والطبري في ((تاريخه))
٣٨٣/٤، وابن حبان (٦٩١٩)، وابن عساكر في ترجمة عثمان من ((تاريخه))
ص٣٤١ -٣٤٢ من طرق، عن المعتمر بن سليمان، بهذا الإسناد. وبعضهم يزيد فيه
على بعض.
الرّشاء: هو الدَّلْو.
١٤

مَ* قَدِمَ المدينةَ، وليس فيها ما يُستَعْذَبُ غير بئر رُومَة، فقال رسول
اللهِ وَّهُ: ((مَنْ يَشْتَرِي بئرَ رُومَةَ، ويكونُ دَلْوُهُ مع دِلاءِ المسلمين بخيرٍ
له منها في الجَنَّةِ))، فاشتريتُها من صُلْبٍ مالي؟ وأنتم اليومَ تمنعوني أن
أشربَ منها حتى أشرب من ماءِ البحر، قالوا: اللَّهمَّ نعم. قال:
أَنشُدُكم بالله والإِسلام، هل تعلمون أن المسجد كان ضاقَ بأهلِه، فقال
رسول الله وَجَ: (مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلٍ فلانٍ بخيرٍ له منها في الجَنَّةِ»،
فاشتريتُها من مالي، أو قال: من صُلْب مالي، فزِدْتُها في المسجد؟
وأنتم تمنعوني أن أصلِّيَ فيها ركعتين. قالوا: اللهمَّ نعم. قال: أَنشُدُكُم
اللَّه والإِسلامَ، هل تعلمونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جيشَ العُسْرة من مالي؟ قالوا:
اللَّهمَّ نعم. قال: أَنشُدُكُمْ اللَّهِ والإِسلامَ، هل تعلمون أن رسولَ الله
وَّ كان على ثَبِير مكة هو وأبو بكرٍ، وعمرُ، وأنا، فتحرَّكَ الجبلُ حتى
تساقطت حجارتُه بالحضيض ، فَرَكَضَ برجْلِهِ، وقال: ((اسْكُنْ ثَبِيرُ،
فإِنَّما عليكَ نَبِيِّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدانٍ))؟ قالوا: اللَّهمَّ نعم. قال: الله أكبرُ،
شَهِدُوا لي وربِّ الكعبةِ أَني شهيدً، الله أكبر، شهدُوا لي وربّ الكعبةِ
أني شهيدً، قالها ثلاثاً(١).
(١) حسن، وهذا إسناد ضعيف، يحيى بن أبي الحجاج وإن كان ليِّن
الحديث، قد توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح. أبو مسعود الجريري: هو
سعید بن إياس.
ورواه ابن عساكر في ترجمة عثمان بن عفان من ((تاريخ دمشق))
ص٣٣٨-٣٣٩ من طريق إبراهيم بن مرزوق، بهذا الإسناد.
ورواه الترمذي (٣٧٠٣)، والنسائي ٢٣٥/٦، وابن عساكر ص٣٣٨ من
طرق، عن سعيد بن عامر، به. وبعضهم يزيد فيه على. بعض. وحسنه الترمذي.
=
١٥

فقال قائل: ففي هذين الحديثين أن عثمان رضي الله عنه قد كان في
أيام رسول الله وَّ، وبأمرِه جَعَلَ رومةً للمسلمين على أَنَّ رِشاءَه فيها
كرِشاءِ أحدهم، وزاد في المسجد ما زادَ على أن يكونَ في الصلاةِ
فيه كأَحَدِهم، فكيف تَقْبَلُون هذا وقد رويتم عن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه في الصَّدقةِ التي كان تَصَدَّقَ بها في زَمَنِ النبيِِّچه، ثم أراد
أن يشتريَها، أنَّ النبي ◌َّزَ نهاه عن ذلك، وقال له فيه: ((لا تَعُدْ في
صَدَقَتِكَ، فإنَّ العائدَ في صدقتِهِ كالعائدِ في قَيْئِهِ))؟ ورويتُم في ذلك
أيضاً عن الزُّبيربن العوام رضي الله عنه في دابَّةٍ كان تصدَّقَ بها،
فولدت فَلُوّاً، أنه مُنِعَ من شرائه؟ وذَكَرَ في ذلك آثاراً، سنذكُرُها فيما
بعد من كتابنا هذا(١) في موضعٍ، هو أَوْلى بها من هذا الموضع إن شاء
الله .
قال: فكيف تقبلونَ ما رويتموه من حديثَيْ عثمان اللَّذين
رويتموهما، وفيهما شربُه من الماءِ الذي تصدَّقَ به، وصلاتُه في المكان
الذي زادَه في مسجد النبي ◌َّ للصلاة فيه، وذلك انتفاع منه بما قد
كان تصدَّقَ به مما يَمْنَعُ مما في حديث عمر رضي الله عنه، وما في
حديث الزبير اللَّذَيْن رويتموهما - يعني اللَّذين ذكرناهما في هذا
= ورواه بنحوه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٣٠٥)، وابن خزيمة (٢٤٩٢) من
طرق، عن يحيى بن أبي الحجاج، به.
ورواه كذلك أحمد (٥٥٥) بتحقيقنا، وابن أبي عاصم (١٣٠٦)، وابن عساكر
ص٣٣٩ -٣٤٠ من طريق هلال بن حِقّ، عن الجُريري، به.
(١) في الباب الذي بعد هذا.
١٦

الباب -، وفي ذلك تضادًّ شديدٌ؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز وعَوْنِه: أنه لا تَضادًّ
في شيءٍ من ذلك كما توهّم، لأن الذي في حديث عمر مما أراد
ابتياعَه، هو الفرسُ الذي كان تَصَدَّقَ به، فكان ذلك طلباً منه في عَوْدِ
ما تصدَّقَ به إلى ملكِه، فتُهيَ عن ذلك، وكذلك ما في حديث الزُّبير
فيما نهي عنه من ابتياع شيء من نتاجِ ما قد تصدَّقَ به، وفي حديث
عمر مثل ذلك أيضاً مما سنجيءُ به في ذلك الباب إن شاء الله، فكان
النَّهيُ عن ما قد نُهِيَ عنه عمرُ والزبيرُ هو العَوْدَ في نفس الصدقة حتى
تعودَ مملوكةً إلى المتصدِّقِ بها بعدما قد أُزال مُلْكَه عنها إلى الله عز
وجل، فلم يَصْلُحْ ذلك له، ومُنِعَ مِن ذُلك، وكان ما في حديثَيْ عثمان
ليس فيه رجوعُ شيءٍ مما كان تصدَّقَ به، فخرج من ملكه إلى الله
عز وجل، فرجع إلى ملكه بعد ذلك، إنما فيه انتفاعُه بذلك، وما وَقَعَتْ
عليه صدقتُه، فلله عز وجل على ما كان عليه، غير راجعٍ إلى ملكِه.
وكان تصحيحُ كلِّ واحدٍ من هذين المعنيين، على أن ما يَرْجِعُ
به ما وقعت عليه الصدقةُ، أو شيءٌ منه، إلى مِلْكِ المتصدِّق، بما
وَقَعَتْ عليه الصدقةُ حتى يعودَ مِلْكاً له، مكروهٌ له، ممنوعٌ منه، وأن
ما كان من منافع ذلك كشرب مائِهِ، والمرورِ فيه، والصلاةِ فيه، غيرُ
ممنوعٍ من ذلك، لأنه لا يرجع مِلكاً للمتصدّق بما تَصَدَّقَ به مما ذلك
الجنسُ من منافِعِه، ومما يدلُّ على ذلك: أن الله قد حَرَّمَ الصدقة على
الأغنياءِ، فلم يَدْخُلْ في تحريمه لها شربُ ماءِ الصدقة، وأُبِيحَ ذلك
للأغنياءِ ممن تصدَّق به، وممن لم يتصدَّقْ به، لأن ذلك لم يَعُدْ إلى
١٧
٠

مِلْكِه، إنما عاد إلى المنفعة به، وهو لله عز وجل حينئذٍ، لا لمن سواهُ
من خَلْقِهِ ممن يتصدَّقُ به، ومن سواه، فمثل ذلك ما كان مباحاً لعثمان
رضي الله عنه من صدقتيه اللَّتين ذكرنا، فقد بان بحَمْدِ الله ونِعْمتِه أن
لا تضادَّ في شيء من هذه الآثار، ولا اختلافَ، وأنَّ كلَّ وجهٍ منها
يَرجِعُ إلى معنىٍ غيرِ المعنى الذي يَرجِعُ إليه سواه منها، وأن المميِّزِين
بينَ ذلك، هم الذين اخْتَصَّهُم الله عز وجل بعلم ذلك، لا من سواهم
ممن مَنَعَه ذلك، والله عز وجل نسألُه التوفيق.
الله تعالى
:
١٨

٧٩٥ - بابُ بيانِ مُشْكل ما رُوِي فِي مَنْعِ رسول الله
◌َ* عمرَ بنَ الخطاب عن العَوْدِ في صدقتِهِ،
هل ذلك بكلِّ الوجوهِ حتى لا تَصْلُّحَ له
بوجهٍ منها، أو على خاصٍّ من الوجوه؟
٥٠٢٠- حدثنا محمدُ بنُ عليٍّ بن داود البغداديُّ، قال: حدثنا
خَلَفُ بن هشام المقرىء، قال: حدثنا عليُّ بنُ مُسْهِر، عن عُبيد الله بن
عمر، عن نافع، عن ابن عُمَرْ
عن عُمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه، قال: حَمَلْتُ على فرسٍ
في سبيلِ الله عز وجل، وكنّا إذا حَمَلْنا في سبيل الله، أَتَيْنا به رسولَ
اللهِ وَلِّ، فَدَفَعْناه إليه، فَيَضَعُه حيثُ أراه الله عز وجل، فجئتُ بفرسي،
فدفعتُها إليه، فحَمَلَ عليها رجلاً من أَصحابه، فوافَقْتُه يَبِيعُها في
السُّوق، فأردتُ أن أَشتَريَها منه، فأتيتُ رسولَ الله ◌ََّ، فذكرتُ ذُلك
له، فقال: ((لا تَشْتَرِيها(١)، ولا تَعُدْ في شيءٍ من صَدَقَتِكَ))(٢).
(١) كذا ورد في الأصل بإثبات الياء، والوجه حذفها، لأنه مجزوم بلا الناهية،
ويمكن تخريجها على قول من يُجري المعتلَّ مجرى الصحيح، ومنه قراءة ابن كثير:
﴿إِنَّه من يَتَّقِي ويَصْبِرْ﴾ بإثبات الياء، وقول قيس بن زهير العبسي:
بما لاقَتْ لَبُون بني زیادٍ
أَلم يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي
انظر: ((شرح شواهد المغني)) ٣٥٣/٢ وما بعدها.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير خلف بن =
١٩

٥٠٢١ - وحدثنا المُزَنيُّ، قال: حدثنا الشافعيُّ، عن مالك بن
أنس، عن نافعٍ
عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب حَمَلَ على فرسٍ في سبيل
الله، فوجده يُباعُ، فأراد أن يَبْتَاعَه، فسألَ رسولَ اللهِ وَله عن ذلك،
فقال: ((لا تَبْتَعْه، ولا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ))(١).
٥٠٢٢ - وحدثنا المزنيُّ، قال: حدثنا الشافعيُّ، قال: حدثنا
سفيانُ، عن زَيْد بن أُسْلم، عن أبيه
عن عمر رضي الله عنه: أنه أَبْصَرَ فرساً تُباع في السوق، وكان
تَصَدَّقَ بها، فسأَلَ رسول اللهِ وَِّ: أَشتَريه؟ فقال رسول الله اله: ((لا
تَشتَريهِ، ولا شيئاً مِن نِتَاجِه))(٢).
: هشام المقرىء، فمن رجال مسلم.
8
ورواه بنحوه أحمد ٥٥/٢، والبخاري (٢٧٧٥)، ومسلم (١٦٢١) (٣)، وابن
الجارود (٣٦٢) من طرق، عن عبيد الله بن عمر، بهذا الإِسناد. بعضهم يقول فيه:
عن ابن عمر، عن عمر، وبعضهم يقول: عن ابن عمر أن عمر ....
وأخرجه مسلم (١٦٢١) (٣) من طريق الليث بن سعد، عن نافع، به.
(١) إسناده صحيح. وهو في ((السنن المأثورة)) (٣٨٢) للشافعي برواية المؤلف
عن خاله المزني .
وهو في ((الموطأ)) ٢٨٢/١، ومن طريق مالك، أخرجه البخاري (٢٩٧١)
و(٣٠٠٢)، ومسلم (١٦٢١) (٣)، وأبو داود (١٥٩٣)، وابن حبان (٥١٢٤)،
والبغوي (١٦٩٩).
(٣) إسناده صحيح. سفيان: هو ابن عيينة، وهو في ((السنن المأثورة)) (٣٨١) . =
٢٠