Indexed OCR Text
Pages 401-420
٧٧٣ - بابُ بيانِ مُشكِلٍ ما رُوي عن رسول الله وَل ◌َّه فيما يُقضى لبعض القُراء على بعضٍ ممَّا يختلفون فيه في قراءتهم: ﴿من لدني﴾ من التثقيل ومن التخفيف ٤٨٩٥ - حدثنا عبدُ الملك بن مروان الرَّقِّي، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ محمدٍ، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباسٍ عن أبيٍّ بن كعبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ وَّ إذا ذكر أحداً، فدعا له، بَدَأ بنفسه، فقال ذَاتَ يَوْم: ((رحمةُ اللّهِ علينا، وعلى موسى، لو لَبِثَ مَعَ صاحِبِه، لَأَبْصَرَ العَجَبَ العُجاب، ولكنَّه قال: ﴿إِنْ سأَلْتُكَ عنِ شيءٍ بَعْدَها، فلا تُصَاحِبْني، قد بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي﴾ [الكهف: ٧٦] مُثَقَّلة(١). (١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير حمزة الزيات - وهو حمزة بن حبيب - فمن رجال مسلم، وهو صدوق. أبو إسحاق: هو السبيعي، عمرو بن عبد الله بن عبيد. ورواه أحمد ١٢٢/٥، ورواه الطبري ٢٨٧/١٥ و٢٨٨ عن عبيد الله بن أبي زياد، كلاهما (أحمد وعبيدالله) عن حجاج بن محمد، بهذا الإِسناد. والموضع الأول عند الطبري مختصر بلفظ: أن النبي صل قرأ: ((قد بلغت من لدنّي عذراً)) مثقلة = ٤٠١ ٤٨٩٦ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا محمدُ بنُ عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبو داود الحَفَريُّ، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حمزة الزياتِ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عباس عن أَبيِّ بنِ كَعْبٍ: أن النبيِّ وََّ، قرأ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عن شيءٍ بَعْدَهَا، فلا تُصَاحِبْنِ، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَكُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف: ٧٦] مثقلة(١) . = وزاد فيه: أن رسول الله و سلام تلا هذه الآية فقال: ((استحيى في الله موسى)). ورواه أحمد ١٢١/٥-١٢٢ عن یحیی بن آدم و١٢٢/٥، والترمذي (٣٣٨٥) من طريق أبي قطن عمروبن الهيثم، وأبو داود (٣٩٨٤) من طريق عيسى بن يونس، وابن حبان (٩٨٨) من طريق غسان بن عمر بن عبيد الله العدني، أربعتهم عن حمزة الزيات، به. ورواية الترمذي مختصرة بلفظ: ((أن رسول الله صل* كان إذا ذكر أحداً فدعا له بنفسه))، وقال - أي الترمذي -: حسن غريب صحيح. ورواه مطولاً ومختصراً مسلم (٢٣٨٠) (١٧٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٣٠٧) من طريق رقبة، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٣١٠) من طريق إسرائيل، والطبري ٢٨٧/١٥ من طريق أبي الجارية العبدي، ثلاثتهم عن أبي إسحاق، به. ورواه مطولاً البخاري (١٢٢) و(٣٤٠١) و(٤٧٢٥) و(٤٧٢٧)، ومسلم (٢٣٨٠) (١٧٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٣٠٨) من طريق عمروبن دينار، عن سعيد بن جبير، به . (١) رجاله ثقات رجال الصحيح، وهو مكرر ما قبله. ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل ١٢١/٥ عن محمد بن عبد الله بن نمير، بهذا الإسناد. ٤٠٢ ٤٨٩٧ - وحدَّثنا ابنُ أبي داود، قال: حدَّثنا نُعيم بنُ حَمَّدٍ، قال: حَدَّثنا أُمَيَّةُ بنُ خالد، عن شُعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عباس عن أَبيِّ بن كَعْبٍ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يقرأ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَكُنِّي عُذْراً﴾ بثقلَ النون (١). قال: وهذا مما لا نعلمُ لمن رواه فيه مخالفاً عن رسولِ الله وَّمه فيما رواه عنه عليه، فأما اختلافُ القُراء في ذلك. وكما حدَّثنا ابنُ أبي عِمران، قال: حدَّثنا خَلَفُ بنُ هشام، قال الأعمشُ: (مِنْ لَدُنِّي) مشدد، حمزةُ كمثلٍ أبو عمرٍو كمثل، عاصم: (لَذْني)، مكسورة النون، وبجزم الدَّالِ ويُشمها الضمة، وبنصب اللام في السورة (مِنْ لَذْنِهِ) مثلها، ولنافع: (من لَدُنِي) مخففة(٢). وفيما أجازه لنا عليُّ بنُ عبد العزيز، عن أبي عُبيدٍ القاسمِ بنِ (١) نعيم بن حماد - وإن كان فيه شيء من جهة حفظه - متابع، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح. ورواه أبو داود (٣٩٨٥)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل ١٢١/٥ من طريق أبي عبد الله العنبري، والترمذي (٢٩٣٣) عن أبي بكربن نافع، بصري، كلاهما عن أمية بن خالد، عن أبي الجارية العبدي، عن شعبة، بهذا الإسناد. وسقط من إسناد المصنف هنا أبو الجارية العبدي. وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . (٢) انظر ((حجة القراءات)) ص٤٢٤، و((الكشف عن وجوه القراءات)) ٦٩/٢، و«زاد المسير)) ١٧٤/٥. ٤٠٣ سلام في كتابه في ((القراءات))، قال: وقوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف: ٧٦]، كان نافعٌ وغيرُه من أهل المدينة يقرؤونها بفتح اللام وتخفيف النون مع ضمِّ الدَّال: (لَدُنِي)، وكذلك قرأها عاصمٌ، إلا أنه كان يُشُّ اللامَ الضمَّة، مع جزم الدال (لَدْني)، وأما الأعمشُ وأبو عمرو وحمزة والكِسائي، فإنَّهم كانوا يُثَقِّلُونَ النونَ مع فتحِ اللامِ وضمِّ الدالِ : (لَئُنِّي). قال أبو عُبَيْدٍ: وكذلك القراءةُ عندنا، وهي اللغةُ العَالِيَةُ، وإنَّما ثُقِّلَتْ النونُ ليسلمَ سُكونها، وهي من الأصل ساكنةٌ، كقولهم في: ((من))، و((عن))، ألا ترى أنَّ النونَ منهما ساكنةٌ في الأصل، كقولك: مِنْ فلان، وعَنْكَ، فإذا أضفتَّ إلى نفسِكَ، قلت: مِنِّي، وعنِّي، فزدت نوناً ثانيةً، لِيَسْلَمَ السُّكونُ الذي كان فيها، ولو قُلتَ: مِنِي وَعَنِي مخففتين، لَذَهَبَ السكونُ، وصارتِ النونُ إلى الكسر، فلهذا قالوا: مِّ وَعَنِّي بالتشديد كذا لَئِنِّي. قال أبو جعفر: ومما جاء ذكره في القرآن في نون الجماعة في (لدن)): ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لهواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧]، ﴿أُوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمَاً آمِناً يُجْبِى إليه ثَمَراتُ كُلِّ شَيءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]، ﴿وحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وزَكاةً﴾ [مريم: ١٣]. وفي إجماعهم على ما ذكرنا ما قد دَلَّ على أنَّ أولى القِراءاتِ فيما قد ذكرنا اختلافَهم فيه ما كان يقرؤه الأعمشُ وحمزةُ وأبو عمرٍو على ما ذكرناه عنهم في ذلك لا سيما قد شُدَّ ذلك بما قد رويناه عن رسولِ اللّهِ الَّلّ فيه مما يُوافِقُ ما قرؤوه عليه. والله نسأله التوفيق. ٤٠٤ ٧٧٤ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه مِن قولِه لأبي برزة لما استأذنه في قتل الرجل الذي استأذنه في قتله: إنَّها لم تَكُن لُأحدٍ بعدَ رسولِ اللهِ وَلَه، وفي ذلك الشيء ما هو؟ حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدثنا يونسُ بنُ عبيدٍ، عن حُميد بنِ هِلال، عن عبد الله بن مُطَرِّف بن الشِّخِّير: أنَّه حدثهم عن أبي برزة الأسلميِّ، قال: كُنَّا عند أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - في عمله، فَغَضِبَ على رجلٍ من المسلمين، فاشتدَّ غضبُه عليه جداً، قال: فلما رأيتُ ذلك، قلتُ: يا خليفةَ رسولِ الله وَهُ، أَضْربُ عُنُقَهُ؟ فلما ذكرتُ القتل، صَرَفَ عن ذلك الحديثِ أجمع، فلما تفرقنا، أرسلَ إليَّ بعدَ ذلك، فقال: يا أبا برزة، ما قلتَ؟ ونسيتُ الذي قلتُ، قلت: ذَكِّرْنِيه، قال: أما تَذْكُرُ يومَ قلتَ كذا وكذا، أكنتَ فاعلاً ذلك؟ قلتُ: نعم، واللهِ لو أمرتني فعلتُ. فقال: وَيْحَكَ، إِنَّ تلكَ واللهِ ما هِيَ لُأحَدٍ بعدَ محمدٍ وَّةِ(١). (١) صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن مطرف، فقد روى = ٤٠٥ حدثنا أحمدُ بنُ داود بن موسى، قال: حدثنا محمد بنُ المِنهال الضَّريرُ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدثنا يونسُ بنُ عبيد، عن حُمَيْدٍ بن هلال، عن عبدِ الله بن مُطرف عن أبي برزة الأسلميِّ، قال: كنتُ ذاتَ يومٍ عندَ أبي بكرٍ الصدِّيق - رضي الله عنه - فاشتدَّ غضبُه على رجلٍ مِنَ المسلمين، فقلتُ: يا خليفةَ رسولِ اللهِ وَّةَ، أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قال: فتركني لا يُكَلِّمني، ثم لقيتُه بَعْدَ أَيامٍ ، فذكر ما قُلْتُ، قال: قلت: ما قلت؟ قال: تذكرُ يومَ كُنْتَ عندي، فاشتدَّ غضبي على رجلٍ مِن المسلمين، فقلت: يا خليفةَ رسول اللهِ وََّ، أَضْربُ عُنُقَهُ؟ قلتُ: الآنَ إن أمرتَني فعلتُ، قال أبو بكر: لَيْسَتْ تِلك لُأَحدٍ بَعْدَ رسولِ اللهِ وَيُ(١). قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ من قولٍ أبي بكر لأبي برزة ما فيه مما قد ذكرناه فيه، فاحتمل أن يكونَ أرادَ - أعني أبا بكر رضي الله عنه - بقوله: إنَّها لم تَكُنْ لأحدٍ بَعْدَ رَسولِ الله وَلِّ أن يقتلَ أحداً = له أبو داود والنسائي، وروى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن حجر: صدوق، وقد توبع. ورواه أحمد ١٠/١ (٦١)، ورواه النسائي ١١٠/٧ عن أبي داود، كلاهما (أحمد وأبو داود) عن عفان بن مسلم، بهذا الإِسناد. ورواه أبوداود (٤٣٦٣)، والبزار (٤٩)، وأبو يعلى (٧٩) من طرق عن يزيد، به. ورواه النسائي ١١٠/٧، والمروزي في ((مسند أبي بكر)) (٦٧) من طريق عمروبن مرة، عن أبي نصر حميد بن هلال، به. ولم يذكر في إسناد المروزي عبدُالله بن مطرف. (١) صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن مطرف، كسابقه. ٤٠٦ لِغضبه عليه، واحتمل أن يكونَ لا يُقتل أحدٌ إلا بأمر من يأمرُ بقتله، حتى يعلم المأمورُ استحقاقَه لِذلك، ويكون مَن بعدَ النبيِّ ◌َِّ غِيرَ مطاع في ذلك كما كان يُطاع هو نَِّ فيه، لأنه المأمونُ على أفعاله وعلى أقواله، ولأن أقواله وأفعاله إنما هي مردودةٌ إلى الله عز وجل، واجبٌ التصديقُ بها، وإجراءُ الأمور عليها، وغيرُه في ذلك بخلافه. ثم وجدنا هذا الحديثَ قد رُوِيَ بألفاظ أخر كما حدثنا يزيدُ بنُ سنان، قال: حدثنا أبو داود الطيالسيُّ، قال: حدثنا شعبةُ، عن عمرو بنِ مُرة، قال: سمعتُ أبا سوارٍ يُحدث عن أبي برزة، قال: أتيتُ على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقد أغلظَ على رجلٍ ، فَرَدَّ عليه الرجلُ، فقلتُ: ألا أَضْربُ عُنقه؟ فانتهرني، وقال: إنَّها ليست لأحدٍ بَعْدَ رسولِ اللهِ وَلِيٍ(١). غير أنَّا وجدنا هذا الحديثَ قد اختلف علينا في مَنْ بَيْنَ عمروبن مُرة، وبَيْنَ أبي برزة في إسناده، فقال فيه شعبة: عن عمرو، سمعتُ أبا سوارٍ يُحَدِّثُ عن أبي برزة، وقال الأعمش: عن عمروبن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي برزة. كما قد حدثنا فهد بن سليمان، قال: حدثنا أبو بكربن أبي شيبة، قال: حدثنا معاوية، عن الأعمش، عن عمروبن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجعد (١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي سوار - واسمه عبد الله بن قدامة بن عنزة العنبري البصري - فقد روى له النسائي، وهو ثقة. وانظر الحديث الآتي ص ٤١٠. ٤٠٧ عن أبي برزة، قال: تَغَيَّظَ أبو بكرٍ على رجل، فقلت: من هو يا خليفة رسولِ اللهِ وََّ؟ قال: لِمَ؟ قلتُ: لُأضربَ عُنُقَه إن أمرتني بذلك. قال: وكنتَ فاعلاً؟! قلتُ: نعم، قال: فواللهِ لُأَذْهَبَ عُظُمُ كَلِمتي التي قلتُ غضبَه، ثم قالَ: ما كانَتْ لأحدٍ بَعْدَ رسولِ الله وَ(١) . ثم وجدنا رواته عن الأعمش، عن عمرو يختلِفُونَ فيه أيضاً، فيقولُ فيه أبو معاوية: عن سالم بن أبي الجعد، ويقول فيه حفصُ بنُ غياث: عن أبي البَخْتَري، كما حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا عُمَرُ بنُ حفص بن غياث النخعيُّ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمشُ، قال: حدثنا عمروبنُ مُرة، عن أبي البختري، عن أبي برزة، قال: رأيتُ أبا بكر - رضي الله عنه - ثم ذكر مثلَه(٢). ووافق حفصاً على ما رواه عليه عبدُ الواحد بن زياد. حدثنا أحمدُ بن داود، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ الحَجَّاج، قال: 5 (١) إسناده صحيح كسابقه. أبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير. ورواه المروزي في ((مسند أبي بكر)) (٦٨) عن ابن أبي شيبة، بهذا الإِسناد. ورواه النسائي ١٠٩/٧ عن محمد بن العلاء، والحاكم ٣٥٤/٤ من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي، كلاهما عن أبي معاوية، به. (٢) رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو البختري: هو سعيد بن فيروز الطائي، مولاهم الكوفي. ورواه الحميدي (٦)، والنسائي ١٠٩/٧ من طريق يعلى بن عبيد، والنسائي ١٠٩/٧-١١٠ من طريق أبي عوانة، كلاهما عن الأعمش، بهذا الإسناد. ٤٠٨ حدثنا عبدُ الواحد بن زياد، قال: حدثنا سليمانُ الأعمش، عن عمروبن مُرة، عن أبي البختريِّ، قال: حدثني أبو برزة الأسْلَميُّ، قال: انتهيتُ إلى أبي بكرٍ، ثم ذكر مثلَه(١). ووجدنا هذا الحديثَ أيضاً من رواية زيد بن أبي أنيسة، عن عمروبن مرة، بموافقة شُعبة إياه عليه. كما حدَّثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا عليُّ بنُ معبد، قال: حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عمرٍو، عن زيدٍ - يعني ابنَ أبي أنيسة -، عن ٤ عمروبنِ مُرة، عن أبي سوارٍ عن أبي برزة الأسلميِّ، قال: غَضِبَ أبو بكرٍ رَضِيَ الله عنه على رجلٍ، لم نر أشدَّ غضباً منه يومئذٍ فقال له أبو برزة: يا خليفةَ رسولٍ الله، مُرْنِي، فأضربَ عُنُقَه، قال: فكأنها نارٌ أُطفئت، قال: ثم خَرَجَ أبو برزة، ثم أَرْسَلَ إليه أبو بكر، فقال: ثكلتك أمُّكَ، ما قلتَ؟ قال: قلتُ: واللهِ إنْ أمرتني بقتلِه لَأَقْتُلَنَّهُ، قال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أبا برزة، إنَّها لم تَكُنْ لُأحدٍ بَعْدَ رسولِ اللهِ اَلِّ(٢). (١) إبراهيم بن الحجاج - وهو السامي البصري - روى له النسائي، وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. وهو مكرر ما قبله. (٢) إسناده صحيح. علي بن معبد ثقة، روى له النسائي والترمذي، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير أبي سوار - وهو عبد الله بن قدامة - فقد روى له النسائي، وهو ثقة. وانظر ما بعده. ورواه النسائي ١١٠/٧ عن معاوية بن صالح الأشعري، عن عبد الله بن جعفر، = ٤٠٩ قال أبو جعفر: فاحتمل أن يكونَ الذي كان لِرسول الله وَّ من ذلك هو: قتلُ مَنْ كانت سبيلُه السبيلَ المذكورة في هذه الآثار، وأن ذلك ليسَ لأحدٍ بَعْدَه. ثم وجدنا هذا الحديث أيضاً قد جاء بألفاظِ أُخَرَ، بمعانٍ سوى معاني ما ذكرناه فيما قبلَه منها. كما حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عثمانُ بنُ عُمَرَبن فارس، قال: حدثنا شعبة، عن توبة العنبري، عن أبي سَوَّار عن أبي بَرْزَةَ: أن رجلاً سَبَّ أبا بكرِ رضي الله عنه، فقلتُ: ألا أَضْربُ عُنُقَهُ يا خليفة رسولِ الله؟ فقال: لا، لَيْسَتْ هُذه لأحدٍ بَعْدَ رسولِ الله ◌َالقُ(١). = عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمروبن مرة، عن أبي نضرة، عن أبي برزة، فذكر الحديث، وقال بإثره: هذا خطأ، والصواب: أبو نصر، واسمه حمید بن هلال. ورواه أبو يعلى (٨٠) عن هاشم بن الحارث، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمروبن مرة، عن أبي نصر، عن أبي برزة الأسلمي. (١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي سوار عبد الله بن قدامة، فمن رجال النسائي، وهو ثقة. ورواه الطيالسي (٤)، ورواه أحمد ٩/١ (٥٤) عن محمد بن جعفر، والمروزي (٦٦)، والنسائي ١٠٨/٧-١٠٩، وأبو يعلى (٨١)، والحاكم ٣٥٤/٤-٣٥٥ من طريق معاذ بن معاذ، وأبو يعلى (٨٢) عن زهيربن حرب، ثلاثتهم (الطيالسي ومعاذ وزهير) عن شعبة، بهذا الإسناد. وروي من طريق عمرو بن مرة، عن أبي سوار في الحديث السابق، والحديث الذي في الصفحة ٤٠٧ . ٤١٠ فكان في هذا الحديثِ سَبُّ ذلك الرجل أبا بكرٍ، وقولُ أبي بكرٍ لأبي برزة [حين] استأذَنه في قتلِهِ إِيَّاه لذلك: ليست هذه لأحدٍ بَعْدَ رسولِ اللهِ وَ﴾، وكان ذلك المعنى مخالفاً للمعاني المذكورة فيما رويناه قبلَه مِنْ هذه الآثار، وكان معقولاً: أن من سَبَّ رسولَ الله وَلّ كان كافراً حلالَ الدم، وليس مَنْ سب غيرَه كذلك فاضطرب علينا معنى ما أُرِيدَ به في حديث أبي برزة هذا مِن خصوصية رسول الله وَله ما خُصَّ به دونَ الناسِ الذين يتولَّوْنَ الأمورَ بعده. ثم وجدنا أَهْلَ العلمِ قد اختلفوا في هذا وأمثالِهِ مما يأْمُرُ به الولاةُ غيرَهم مِن النَّاسِ ، هل يسعُ المأمورينَ امتثالُ ذلك، أو لا يسعهم، فكان بعضُهم يقولُ: ذلك واسعٌ للمأمورين أن يفعلوه بأمورٍ حكامهم، وبأمورِ مَنْ سِواهم ممن ولايةُ ذلك لهم، ومِن القائلين بذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد. كما حدَّثنا محمدُ بنُ العباس، عن عليٍّ بن معبدٍ، عن محمدِ بنِ الحسن، عن يعقوبَ، عن أبي حنيفة بغيرِ خلافٍ ذكره عنهم فيه، غير أن محمدَ بنَ الحسن، قد كان، قال بعدَ ذلك في ((نوادره)» التي حكاها عنه محمدُ بنُ سَمَاعَةَ، وأخذناها نحن من ابن أبي عِمران مذاكرةً لنا بها عنه أنه قال: لا يَسَعُ المأمورَ أن يَفْعَلَ ذُلكَ حتى يكونَ الذي يَأْمُرُهُ به عنده عدلاً، وحتى يشهدَ عنده بذلك عَدْلٌ سواه على المأمور فيه بذلك في غير الزِّنى، ولا يَسَعُهُ في الزِّنى ذلك حتى يَشْهَدَ عنده ثلاثةُ رجالٍ على المأمورِ فيه بذلك، بوجوب ذلك عليه على ما أمره به فيه بالذي أمره به فيه، ولا نَعْلَمُ لأهل العلم في هذا الباب قولاً غيرَ هُذین القولين . ٤١١ وكان الذي ذكرناه عن أهل القولِ الأوَّل منها، إنما أرادوا به العدلَ من الأمرين، لا من سواهم، لأن من خرج عن العدلِ الذي به استحق الولاية على ما يتولَّى إلى ضدِّه ذاك عن الولاية على ذلك، وانعزل عنها، فلم يكن والياً عليها، وكان القولُ الثاني من هذين القولين في القياس لا معنى له، لأنَّه ليس للمأمور بما ذكرنا استماعُ شهادة من شاهد بها، إذ ليس هو حاكماً، فيسمع ذلك بما إليه من استماع ما يستعملُه في أحكامه، فبانَ بذلك فسادُ هذا القول، وثبت القولُ الأول، إذ لم يكن في هذا الباب غيرُ هذين القولين، فلما انتفى أحدهما ثبت الآخر. ثم نظرنا: هل رُوِيَ في هذا الباب شيءٌ سِوى حديثٍ أبي برزة الذي ذكرناه أم لا؟ ٤٨٩٨ - فوجدنا محمدَ بنَ علي بن داود، قد حدَّثَنا، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمة، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عمرو، عن عُمَرَ بن الحكم عن أبي سعيدٍ الخُدري: أن رسولَ اللهِ وَلِّ استعمل علقمةً بن مُجَزِّز المُدْلِجِي على جيشٍ، فبعث سَرِيَّةً، واستعمل عليهم عبدَ الله بنَ حُذافة السهمي، فكان رجلاً فيه دُعابة، وبَيْنَ أيديهم نارٌ قد أججت، فقال لأصحابه: أليسَ طاعتي عليكم واجبةً؟ قالوا: بلى، قال: فاقتحِمُوا هذه النارَ، فقام رَجُلٌ، فاحتجزَ حَتَّى يدخُلَها، فَضَحِكَ، وقال: إنما كنتُ ألعبُ، فبلغ ذلك رسول الله وََّ، فَضَحِكَ، وقال: ((أَوقَدْ فَعَلُوا ٤١٢ هذا، فلا تُطِيعوهم في معصيةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ))(١). ٤٨٩٩ - ووجدنا يوسفَ بنَ يزيد، قد حدثنا، قال: حدثنا حجاجُ بنُ إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ جعفر، عن محمد بن عمرٍو، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه، غيرَ أنَّه قال: علقمة بن محزز بالحاء(٢). قال أبو جعفر: فكان معقولاً أن رسولَ الله وَّ لما ولَّى عبد الله بنَ حذافة على ما ولاَّه عليه، كان ذلك لِيُطيعوه فيما يأْمُرُهُم به مما إليه أَن يَأْمُرَهُم به، ولذلك أرادَ من أراد منهم أن يُلقي نفسَه في النَّارِ لما أمرهم بذلك، فقال لهم رسولُ اللهِ وََّ: ((فلا تُطِيعُوهُم في معصيةٍ الله)). فأخرج بذلك أمرَهُم إِيَّاهم بمعصية اللهِ مما كان جَعَلَه عليهم من طاعتهم مَنْ ولَّاهُ عليهم، وفي ذلك ما قد دَلَّ على القولِ الأوَّل من القولَيْنِ اللَّذَيْن ذكرناهما في هذا الباب، وبانَ بذلك: أنَّ معنى قولٍ أبي بكرٍ رضِيّ الله عنه: أنَّها لم تكن لأحدٍ بعدَ رسولِ اللهِ وَِّ، أَنَّه أراد بذلك: أنَّه لم يَكُنْ لأحدٍ أن يأمُرَ بقتل أحدٍ لسبِّ سبه من سِواه مما ينطلِقُ به له مثلُ ذلك فيمن سَبَّ رسولَ الله ◌َِّ ومَنْ سِواه في ذلك، لأنَّ مَنْ سَبَّ رسولَ الله وََّ كان كافراً واجباً على أمته قَتْلُه، (١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح غير محمد بن عمرو - وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي - فقد روى له البخاري مقروناً، ومسلم متابعة، وهو صدوق حسن الحديث، وقد سلف في الجزء الخامس برقم (١٦٢١). (٢) إسناده حسن، وهو مكرر ما قبله، وقوله بالحاء تصحيف، قال الذهبي في ((المشتبه)) ٥٧٧/٢: وبمعجمات: مجزز المدلجي القائف، له صحبة، وعلقمة بن مجزز كذلك. ٤١٣ أُمِرُوا بذلك أو لم يُؤْمَرُوا بذلك، ومن سبَّ مَنْ سِواه من ولاة الأمور بعده، فالذي يستحِقُّه على ذلك الأدبُ عليه أدب مثله، فأما ما سِوى ذلك مما يُوجبه عليه خروجه عن الإِسلام إلى الكُفر فلا، والله نسأله التوفيق . لله تعالى ٤١٤ ٧٧٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُويَ عن رسولِ الله ◌ِله من قوله: ((مَنْ قَتَلَ عمداً، فقودُ يده)) ٤٩٠٠ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سليمان الواسطيُّ، عن سليمانَ بن كثير، قال: حدثنا عمروبنُ دينارٍ، عن طاووس عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ قُتِلَ في عِمِّيًّا مے ورِمِّيًّا يكونُ بينهم بحجرٍ أو بسوطٍ أو بعصا، فعقلُه عقلُ خطأ، ومن قتل عمداً فقودُ يده، ومن حَالَ بينه وبينَه، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناسِ أجمعين، لا يَقْبَلُ الله مِنه صَرْفاً ولا عَدْلًا))(١). قال أبو جعفر: فطعن طاعنٌ في هذا الحديثِ، فقال: قد رَوَى هذا الحديثَ عن عمرو مَنْ هو أثبتُ من سليمانَ بن كثير، وهو سفيان بن عيينة، فذكر (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه أبو داود (٤٥٤٠)، والنسائي ٣٩/٨-٤٠، والبيهقي ٢٥/٨ من طرق عن سعيد بن سليمان الواسطي، بهذا الإِسناد. ورواه ابن ماجه (٢٦٣٥)، والنسائي ٤٠/٨، والبيهقي ٥٣/٨ من طريق محمد بن كثير، عن سليمان بن كثير، به. ورواه عبد الرزاق (١٧٢٠٣) عن الحسن بن عمارة، عن عمرو بن دينار، به. ٤١٥ ما قد حدثنا يونسُ، قال: حدثنا سفيانُ، عن عمرو، عن طاووس مثلَه(١)، ولم يذكر النبيَّ نَّهِ، ولا ابنَ عباس. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن سفيان قد كان يُحدث به هكذا بأخرة، وقد كان يُحدث به قبلَ ذلك، كما حدث به سليمانُ بنُ كثير، ولو اختلفا، لكان سليمانُ مقبولَ الرواية، ثبتاً فيها ممن لو روى حديثاً، فتفرد به، لكان مقبولاً منه، وإذا كان كذلك، كان فيما زاده على غيره في حديث مقبولةٌ زيادتُه فيه عليه. ثم تأملنا معنى قوله: ((فقود يده))، فكان ذلك عندنا - والله أعلم - على أن الواجب لولي المقتول كذلك القود لا ما سواه. قال قائل: فأنتم تروون عن رسولِ الله وَالر في هذا المعنى خلافَ ما ذكرتم، وذكر ما قد ٤٩٠١ - حدثنا بكارٌ، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حربُ بنُ شَدَّادٍ، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سَلَمَةَ، قال: حدثني أبو هريرةَ، قال: لما فَتَحَ الله عز وَجَلَّ على رسولِه مَكَّةَ، (١) رجاله ثقات رجال الشيخين. ورواه أبو داود (٤٥٣٩) عن ابن السرح، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاووس. ولم يذكر النبي ◌ٍَّ ولا ابن عباس. ورواه الشافعي ١٠٠/٢، ومن طريقه البيهقي ٤٥/٨ عن ابن عيينة، عن عمرو، عن طاووس، عن النبي وَل ـ ورواه أبو داود (٤٥٣٩) من طريق حماد، عن عمرو، عن طاووس، عن رسول الله وَلد. ٤١٦ قَتَلَتْ هُذَيْلٌ رجلاً من بني ليثٍ بقتيل كان لهم في الجاهلية، فقامَ النبيُّ وَ﴿، فخَطَبَ، فقال في خطبته: ((مَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ، فهو بِخَيْرِ النّظَرَيْن: إمَّا أن يَقْتُلَ، وإمَّا أن يُودَى))(١). ٤٩٠٢ - وما قد حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله بن ميمون البغداديُّ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيِّ، قال: حدثنا يحيى بنُ أبي کثیر، ثم ذكر بإسناده مثله(٢). (١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي داود الطيالسي: سليمان بن داود، فمن رجال مسلم. ورواه مطولاً أبو عوانة ٤٢/٤، والبيهقي ٥٢/٨ من طريقين، عن حرب بن شداد، بهذا الإسناد. ورواه مختصراً الشافعي ١٠٠/٢ من طريق معمر، ومطولاً البخاري (١١٢) و(٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥) (٤٤٨)، والدارقطني ٩٧/٣-٩٨، والبيهقي ٥٢/٨ من طریق شیبان، كلاهما عن يحيى بن أبي کثیر،° به.ہی ورواه البخاري معلقاً، قال: قال عبد الله بن رجاء، حدثنا حرب ... (٢) صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، وهو مكرر ما قبله. وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٤/٣ بإسناده ومتنه. ورواه مطولاً ومختصراً أحمد ٢٣٨/٢ (٧٢٤٢)، والبخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥) (٤٤٧)، وابن ماجه (٢٦٢٤)، والترمذي (١٤٠٥) و(٢٦٦٧)، وأبو عوانة ٤٣/٤-٤٤، وابن حبان (٣٧١٥)، والدارقطني ٩٦/٣-٩٧ و٩٧، والبيهقي ٥٣/٨ من طرق، عن الوليد بن مسلم، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ولم يسق الترمذي في موضعه الثاني لفظ الحديث بتمامه، إلا أنه قال بإثره: وفي الحديث قصة. ورواه مطولاً ومختصراً أبو داود (٥٤٠٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨٥٥)، = ٤١٧ فكان في هذا الحديثِ: أن النبيَّ مََّ جَعَلَ وليَّ المقتولِ بالخيار بين الشيئين المذكورَيْن فيه، وفي الحديثِ الذي رويته قبلَه أنَّه جعل له شيئاً واحداً وهو القودُ، وهذا اختلافٌ شديد. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجلَّ وعونِه: أنه لا اختلافَ في ذلك كما توهّم، وذلك أن في الحديثِ الأوَّلِ الذي رويناه عن ابنِ عباسٍ ذكرَ الواجب، وأنَّه القودُ، والذي في حديث أبي هريرة الذي رويناه بعدَه: أن لِولي المقتولِ أن يقتل، وهو القودُ الذي في حديث ابنِ عباس، فذلك عندنا - والله أعلمُ - على أداءِ القاتل الدِّية إلى وليِّ المقتول، وقبول ولي المقتول إِيَّها منه، فكانَ ذلك بمعنى الصلح من الدَّمِ على الدِّية التي أُديت إليه. فقال هذا القائلُ: فقد روى أبو شريح الخُزَاعِيُّ، عن النبيِّ وَلـ هذا الحديثَ بما يَدُلُّ على خلافِ ما ذكرتَ، وذكر ما قد ٤٩٠٣ - حدَّثنا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حدثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدثنا يحيى - وهو ابنُ سعيد-، عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيدٌ المقبريُّ، قال: سمعتُ أبا شُريح الكعبيَّ، يقولُ: قالَ رسولُ اللهِوَّ في خُطبته = وفي ((المجتبى)) ٣٨/٨، وأبو عوانة ٤ /٤٣-٤٤، والبيهقي ١٧٧/٥ - ولم يسق لفظه - و٥٣/٨ من طريق الوليد بن مزيد، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨٥٥)، وفي ((المجتبى)) ٣٨/٨ من طريق إسماعيل بن سماعة، كلاهما عن الأوزاعي، به. ورواه النسائي في ((المجتبى)) ٣٨/٨ مرسلًا من طريق يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن رسول الله صلاته. ٤١٨ يومَ فتح مكة: ((ألا إنَّكم مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، قتلتُم هذا القتيلَ مِن هُذَيْلٍ، وإني عاقلُه، فمن قُتِلَ له بَعْدَ مقالتي قتيلٌ، فأهلُه بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، بَيْنَ أن يَأْخُذُوا العقلَ، وبين أن يقتلُوا))(١). قال: ففي هذا الحديثِ أخذُ ولي المقتولِ الدِّيّةً مِن القاتل، لا تبيين أن ذلك بإدامته إيَّاها لهم. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وعونِه: أن ذلك مما في هذا الحديث لَيْسَ بخلافٍ لما في حديث أبي هُريرة الذي رويناه قبلَه، لأن في حديث أبي هريرة أداءً (١) إسناده صحيح على شرط البخاري. مسدد - وهو ابن مسرهد - من رجال البخاري، ومن فوقه من رجال الشيخين. ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة القرشي العامري. وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٤/٣ بإسناده ومتنه. ورواه أبو داود (٤٥٠٤) عن مسدد، بهذا الإسناد. ورواه مطولاً الترمذي (١٤٠٦) عن محمد بن بشار، والدارقطني ٩٥/٣-٩٦ من طريق عمروبن علي، كلاهما عن يحيى بن سعيد، به. وقال الترمذي: حسن صحیح. ورواه مختصراً ومطولاً الدارقطني ٩٦/٣ من طريق عثمان بن عمر، والشافعي ٩٩/٢، والبيهقي ٥٢/٨ من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، كلاهما عن ابن أبي ذئب، به. ورواه مطولاً أحمد ٣٢/٤، والمصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٣٢٧/٣ من طريق محمد بن إسحاق، وأحمد ٣٨٥/٦ من طريق الليث، كلاهما عن سعيد بن أبي سعيد، به. وقد تحرف في المطبوع في الموضع الثاني عند أحمد إلى: (سعيد بن سعيد، عن أبي سعيد). ٤١٩ من القاتل، وفي حديث أبي شريح أخذُ ولي المقتول مِن القاتل، فتصحيحُهما على أداءٍ مِن القاتلِ على ما في حديث أبي هُريرة، وأخذ من الولي لِذلك على ما في حديث أبي شريح. وهذه مسألة قد اختلف أهلُ العلم فيها، فقائلون منهم يقولونَ هذا القولَ الذي ذكرناه، وصَحَّحْنَا عليه هذين الحديثين، وهو مذهبُ أهلِ الحجاز وأهل العراق جميعاً، وقائِلونَ يقولون: إنَّ لولي المقتول أن يأخُذُوا الدِّيةَ مِن القائلِ شاءَ أَمْ أَبى، ويحتجُونَ في ذلك بما تأوَّلَ هذا المتأوّلُ هذا الحديثَ عليه، وممن ذهب إلى ذلك الشافعيُّ، وقالوا: على القاتل استحياءُ نفسه، فإذا لم يفعل ما عليه أُخِذَ به، وإن كَرِهَ. فكان جوابُنا لمن احتجَّ بذلك: أن على القاتل استحياءَ نفسه كما ذكر، وأن عليه أن يستحييها بالدِّية وبما سِواها مما يملِكُ، حتى يعودَ بذلك حاقناً لدمهِ، وأجمعوا جميعاً: أن وليَّ المقتولِ لو طَلَبَ من القاتل دارَه أو عبده على أن يأخذ ذُلك منه، ويرفع القودَ عنه، أن على القاتل فيما بينَه وبَيْنَ ربه أن يَفْعَلَ ذلك، وأنه غيرُ مجبر عليه إن أباه، فكان ما سِوى ذلك مِن ماله، كذلك لا يكونُ مجبراً على استحياءِ نفسه به، ولا مأخوذاً منه على ذلك بغير طِيبِ نفسه. فقال هذا القائلُ: فَلِمَ احتيجَ في ذلك إلى ذكرِ هذا؟ قيل له: لأن الشريعةَ كانت في بني إسرائيلَ في القتل العَمْدِ القودَ لا ما سواه، وكان القودُ واجباً على القاتل ليس لأحد دَفْعُ ذلك عنه، فخفف الله عن هذه الأمة بما أنزل في كتابه في ذلك. ٤٢٠