Indexed OCR Text

Pages 341-360

ومحاجته علياً شركة الزبير عبدَ الله بنَ جعفر في ذلك، وكان في ذلك
ما قد دَلَّ أنه لولا شَرِكَةُ الزُّبِيرِ إِيَّه فيه، حَجَرَ عليه، ورأى عبدُ الله بنُ
جعفر ذلك لِخوفه على نفسه مِن عُثمان أن يَحْجُرَ عليه مِن أجله، وكان
ذلك منهم جميعاً بمحضر مَنْ حضرهم مِن أصحاب رسولِ اللهِ وَل
سِواهم، فلم يُنْكِرُوا ذلك عليهم، ولم يُخالفوهم فيه، فَدَلَّ ذُلك على
متابعتهم إِيَّاهُم عليه.
حدثنا يونسُ، قال: أخبرني أنسُ بنُ عِياض، عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن يزيدَ بنِ هُرمز
أن نجدة كتب إلى ابن عَبَّاسٍ يسألُه: متى ينقضي يُتْمُ اليتيم؟
فَكَتَبَ إليه ابنُ عباس: كتبت تسألُني متى ينقضي يُتْمُ اليتيم؟ ولعمري
إِنَّ الرجلَ تَنْبُتُ لِحيته، وإنَّه لَضعيفُ الأَخْذِ لِنفسه، ضعيفُ الإِعطاءِ
منها، فإذا أخذ لِنفسه مِن صَالحِ ما يأْخُذُ الناسُ، فقد انقطع عنه
اليتمُ(١).
(١) رجاله ثقات رجال الصحيح.
ورواه الشافعي ١٢٢/٢، ومسلم (١٨١٢) (١٣٨)، والطبراني (١٠٨٣٤)،
والبغوي (٢٧٢٣) من طريق حاتم بن إسماعيل، وأحمد ٣٠٩/١ (٢٨١١) عن
محمد بن ميمون الزعفراني، ومسلم (١٨١٢) (١٣٧)، والطبراني (١٠٨٣٣) من
طريق سليمان بن بلال، ثلاثتهم عن جعفربن محمد، بهذا الإِسناد.
ورواه الطبراني (١٠٨٣٥) من طريق محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر
محمد بن علي بن الحسين، به.
ورواه الحميدي (٥٣٢)، ومسلم (١٨١٢) (١٣٩)، والنسائي في ((الكبرى))
(٨٦١٧)، والطبراني (١٠٨٣٢)، والبيهقي ٣٤٥/٦ من طريق سعيد المقبري، وأبو =
٣٤١

فهذا ابنُ عباس أيضاً قد كان منه ما قد وافقَ من قد ذكرناه قبلَه
مِن أصحاب رسول الله ◌َ ﴿ في إثباتِ الحَجْرِ.
وقد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا وهبُ بنُ جريرِ، عن
أبيه، قال: سمعتُ النعمانَ بنَ راشدٍ يُحَدِّثُ عن الزُّهريِّ، عن عُروة
أن عائشة بلغها أن ابنَ الزبيرِ بلغه: أنَّها تبيعُ بعضَ عقارها، فقال:
لَتنتهيَنَّ أو لَأَحْجُرَنَّ عليها، فقالتَ: أَوَقَالَهُ؟! للهِ عَزَّ وجَلَّ عليَّ ألّ أُكَلِّمَهُ
أبداً(١).
وحدثنا محمدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا عبدُ الوهّابُ بن نَجْدة
الحَوْطي، قال: حدثنا ابنُ شابور، قال: حدثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهري:
= عبيد في ((الأموال)) (٨٥٢)، ومسلم (١٨١٢) (١٤١)، والطبراني (١٠٨٣١) من
طريق المختار بن صيفي، وأحمد ٢٤٩/١-٢٥٠ (٢٢٣٥) و٣٤٤ (٣٢٠٠)، ومسلم
(١٨١٢) (١٤٠)، والطبراني (١٠٨٣٠) من طريق قيس بن سعد، وأبو يعلى
(٢٦٣١) من طريق إسماعيل بن أمية، والطبراني (١٠٨٣٥) من طريق الزهري،
خمستهم عن یزید بن هرمز، به.
5
ورواه أبو يعلى (٢٥٥١) من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا
أتهم، عن يزيد بن هرمز، فذكره.
ورواه أحمد ١٢٤/١ (١٩٦٧) من طريق عطاء، عن ابن عباس.
والروايات معظمها مطولٌ، وبعضهم يزيد فيها على بعض.
(١) صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير النعمان بن راشد، فقد روى له
مسلم، واستشهد به البخاري، وهو سيىء الحفظ.
ورواه بنحوه مطولاً البخاري (٣٥٠٥) من طريق أبي الأسود، عن عروة بن
الزبير.
٣٤٢

أنَّهِ حدَّثه، قال:
حدَّثني الطَّفيلُ بنُ الحارث، وكان أخا عائشة مِن أُمِّها، وكان رجلاً
من أزدٍ شَنوءَةً: أنه بلغ ابنَ الزبير أنَّ عائشةَ تبيعُ بَعْضَ رِبَاعِها، ثمَّ
ذكر مثله(١).
وحدثنا الحسنُ بنُ غليبٍ، قال: حدثنا سعيدُ بنُ كثير بن عُفير،
قال: حدثني الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني عبدُ الرحمن بنُ خالد بن
مسافر، عن ابن شهابٍ، عن عوفٍ بن الحارث بن الطّفيل، وهو ابنٌ
أخي عائشة لأمها
أنَّ عائشة حدَّثته: أنَّ عبدَ الله بنَ الزبير، ثم ذكر مثلَه.
وحدثنا فهدّ وهارونُ بنُ كامل، قالا: حدثنا عبدُ الله بن صالح،
قال: حدثني الليثُ، قال: حدثني عبدُ الرحمن بنُ خالد بن مُسافرٍ، ثم
ذكر بإسناده مثلَه(٢).
(١) إسناده صحيح، عبد الوهاب بن نجدة الحوطي روى له أبو داود والنسائي،
وهو ثقة، وابن شابور - واسمه محمد بن شعيب - روى له أصحاب السنن، ووثقه
دحيم، ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وابن المبارك، وابن عدي، وقال
أحمد وابن معين: لم يكن به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ومن فوقه ثقات
من رجال الشیخین.
(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
عوف بن الحارث بن الطفيل، فقد احتج به البخاري، وروى عنه جمع، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
ورواه مطولاً البيهقي ٦١/٦-٦٢ من طريق عبيد الله بن أبي زياد، عن الزهري،
بهذا الإِسناد، وذكر فيه قصة.
٣٤٣

ففي هذا الحديثِ عن ابن الزُّبير ما فيه عنه، وفيه عن عائشة ما
فيه عنها مما لا إنكارَ فيه منها للحجر، ومِن تركها أن تقولَ: وهل يكونُ
أحدٌ محجوراً عليه بفعله في مالِه مثل الذي بَلَغَ ابنَ الزُّبير أنها تفعلُه
في مالها، فكيف يجوزُ لأحدٍ الخروجُ عن أقوالِ مَنْ ذكرنا إلى ما
يُخالِفُه؟
فقال قائل: فقد وجدنا في نفي الحجر ما هو أقوى من هذا، وهو
قولُ الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلى أَجَلٍ مُسَمِّى﴾
[البقرة: ٢٨٢]، ثم قال بعدَ ذلك: ﴿فَإِنْ كَانَ الذي عَلَيْهِ الحَقُّ سفيهاً
أو ضعيفاً، أو لا يَستطيعُ أن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّه بالعَدْلِ﴾ فذكر في
أوَّل القصة المداينة ممن قد ذكر في آخرها أنه قد يكون سفيهاً أو
ضعيفاً، وفي ذلك ما قد دَلَّ على جوازِ بيعه في حالٍ سفهه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله جَلَّ وعَزَّ وعَونه: أن السَّفَهَ قد
يكونُ في تضييع المالِ ، وقد يكون فيما سواه مما لا تضييعَ للمال
معه، كذلك هو في كلام العرب، يقولون: سَفِهَ فلانٌ في ماله، سَفِهَ
فلانٌ في دِينه، ومنه قولُ الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عن مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ
إِلَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
قال أبو جعفر: وسَمِعْتُ ولاداً النحويَّ، يقولُ: حدثني
المصادِري، عن أبي عُبيدة معمر بن المثنى، قال: سَفِهَ نَفْسَهُ: أَهْلَكَها
وأَوْبَقَها(١)، وقد يكونُ ذُلك ممن يكونُ مَعَهُ مِن الحزم في مالِه ما ليس
مع من لا يختلف في صلاحِه في دينه.
(١) ((مجاز القرآن)) ٥٦/١.
٣٤٤

وقال الكسائي: السفيهُ: الذي يَعْرفُ الحقَّ، ويَنْحَرفُ عنه عناداً،
وقرأ: ﴿أَنُؤْمِنُ كما آمنَ السُّفهاءُ، ألا إنَّهم هُمُ السُّفهاء﴾ [البقرة: ١٣]،
قال: يقولُ: الذين عَرَفُوا الأمرَ، وعَنَدُوا عنه.
ورُوِيَ عن رسولِ اللهِ وَِّ مما قد تقَدَّمَتْ روايتنا له فيما قد تقدَّم
مِن كتابنا هذا في الكِبْرِ أنَّه من يدفعُ الحَقَّ، وفي ذلك ما قد دَلَّ أنه
أريد بذلك: من معه معرفةٌ والعُنُودُ عنها، والتَّمسُّكُ بضدِّها.
ففي ذلك ما قد دَلَّ: أن السَّفَهَ المذكورَ في الآيةِ التي تلونا لَيْسَ
على سَفَهِ الفسادِ في المالِ ، ولكنه على ما سِواه من وجوه السَّفَهِ.
وقد قال قائل: إنَّ هذه الآية التي تأولنا أدلُّ أنه في القُرآن على
استعمالِ الحجر- وهو الشافعيُّ - قال: لأنَّ فيها ﴿فَلْيُمْلِلْ وليه بالعدل﴾
فكان مِن حجتنا عليه في دفع ما تأوَّلَها عليه في أولِ الآية مِن مداينة
من قد وصف في آخرها بالسَّفَهِ، وفي ذلك ما يدفَعُ ما قال.
فإن قال قائل: فَمَنْ وليُّه المرادُ في آخر هذه الآية؟ كان جوابنا
له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّه وليُّ الدين الذي هو عليه،
وفي الآية ما قد دَلَّ على هذا، وهي قولُه عز وجل: ﴿وَلْيَتَّقِ اللّه ربَّه
ولا يَبْخَسْ منه شيئاً﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلو كان وَلِيُّه هو الذي يتولَّى
عليه، كما ذكر هذا القائلُ، لم يُخاطب بهذا الخطاب، لأنه لا يَجُرُّ
إلى نفسه ببخسه شيئاً، ولكنه حَذَّرَ مِن ذُلك خوفاً عليه أن يَنْقُصَ الذي
له عليه الدَّيْنُ طائفةً مما عليه منه.
وفيما ذكرنا دليلٌ واضحٌ على فسادِ ذُلك التأويل ، غير أنَّ مذهبنا
في الحَجْر استعمالُه والحكم به، وحفظُ المال على مَنْ يملِكُه إذا كان
٣٤٥

مخوفاً عليه منه، وقد دخل أبو حنيفة في بعضٍ هذا، فقال: إنِّي أمنعُه
بَعْدَ بلوغه مِن ماله حتى يستكمِلَ خمساً وعشرين سنة، ولا أرد أفعالَه
فيه، وهذا مِن القول الذي لا يُشْكِلُ فسادُه على أحدٍ، لأنه إن كان
يمنعُه مِن ماله لِيحفظه عليه من إتلافه فيما لا يجبُ إتلافُه فيه، فإن
أفعالَه التي فيها تَلَفُهُ هي التي حُفِظَ المالُ عليه مِن أجلها. وإن كان
لا يمنعُه مع حفظه إياه عليه مِن إتلافه إيَّه على نفسه، فلا معنى
لِحفظه إيَّه عليه، ويقولُ مع هذا فيما فعله من يستحقُّ الحَجْرَ عليه
في مالِه قَبْلَ أن يحجر عليه الحاكمُ ما قد اختلفَ فيه أبو يوسف
ومحمد، فأجاز ذلك أبو يوسف منه، وأبطله محمدُ بنُ الحسن، فراعى
أحوالَه لا حكم الحاكم عليه، فنذهب إلى أن قولَ محمد في ذلك
أولى القولين عندنا، لأن الحجرَ إنما يكونُ لِمعنى مِن أجله يحجر
الحاكمُ على مَنْ فيه ذلك المعنى، فيكونُ بحجره عليه مخففاً له بكونه
فيه قبل حجره عليه، وهو مذهبُ مالك بن أنس في ذلك، والله عزَّ
وجَلَّ نسألُه التوفيق.
٣٤٦

٧٦٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُويَ عن رسول الله حلوه
من قوله: ((مَنْ أُدرَكَ عَرَفَة، فقد
أُدْرَكَ الحَجِّ»
٤٨٦٠ - حدثنا عليُّ بنُ معبد، قال: حدثنا يعلى بنُ عُبيدٍ
الطّنافِسي، قال: حَدَّثنا سُفيانُ الثوريُّ، عن بُكيرِ بنِ عطاء
عن عبد الرحمن بنِ يَعْمَرَ الدِّيلي، قال: رأيتُ رسولَ اللهِوَهُ واقفاً
بِعَرَفَاتٍ، فأقبل أناسٌ مِن أهل نجدٍ، فسألوه عن الحجِّ، فقال: ((الحَجُّ
يَوْمُ عَرَفَةَ، ومن أدرك جمعاً قَبْلَ صلاة الصُّبْحِ، فقد أدركَ الحجِّ، أيَّامُ
مِنِى ثلاثَةُ أَيَّامِ التشريقِ، فمن تَعَجِّلَ فِي يَوْمَيْنِ، فلا إِثْمَ عليه، ومَنْ
تَأْخِّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ». ثم أردف خَلْفَه رَجُلًا فَنَادَى بذلك(١).
٤٨٦١ - حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا شبابةُ بنُ سَوَّارٍ، قال:
حَدَّثنا شعبةُ، عن بُكَيْر بن عطاءٍ، عن عبد الرحمن بن يَعْمَرَ، قال: قال
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير بكير بن عطاء وعبد
الرحمن بن يعمر، فقد روى لهما أصحاب السنن.
ورواه الحميدي (٨٩٩)، وأحمد ٣٠٩/٤-٣١٠ و٣٣٥، وأبو داود (١٩٤٩)،
وابن ماجه (٣٠١٥)، والترمذي (٨٨٩) و(٨٩٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٠١١)
و(٤٠١٢) و(٤٠٥٠)، وفي ((المجتبى)) ٢٥٦/٥ و٢٦٤-٢٦٥، وابن خزيمة (٢٨٢٢)
من طرق، عن سفيان الثوري، بهذا الإِسناد.
٣٤٧

رسولُ اللهِ وََّ، ثم ذكر مثلَه(١)، غَيْرَ أَنَّه لم يذكر سُؤَالَ أَهل نجد إِيَّه،
ولا إردافَه الرَّجُلَ.
فقال قائل: كَيْفَ تَقْبَلُونَ هذا عن رسولِ اللهِ وَّهَ وَأنْتُم على
خلافه؟ لأنَّكم تقولون: إنَّ مَنْ أَدْرَكَ الوقوفَ بعرفةَ قبلَ طلوع الفجرِ
قد بقيت عليه من الحجِّ بقايا، منها: الوقوفُ بالمزدلفةِ، ومنها: رَمْيُ
الجمَارِ، ومنها الحَلْقُ، ومنها: طوافُ الزِّيارة، الذي هو أوكَدُها، والذي
لو لَحِقَ ببلده، ولم يَفْعَلْهُ أُمِرَ بالرُّجوع إلى مكّةَ حتى يَفْعَلَه بها، وإنه
باقٍ في حُرْمَةِ إحرامه على حالِهِ، ومنها: طوافُ الصَّدَرِ، وإن كان ليس
مثلَه في الوجوب والأشياء التي قد ذَكَرْنَاهَا في هذه المعارضة تجزىء
فيها الدِّمَاءُ، ولا يجب على تارِكِها الرجوعُ لها إلى مَكَّةَ، كما يَجبُ
عليه لتركه طوافَ يومِ النَّحْرِ، فكيف يكونُ مَنْ هذه سبيله مدركاً للحج؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجلَّ وعونه: أن الوقوفَ
بعرفة لا يفوتُ بَعْدَه الحجّ، وإن فوتّه يَقُوتُ به الحجّ، وإذا جاز أن
يكونَ الحجُّ فائتاً بفوتِ الوقوفِ بعرفة، وبعده من أسباب الحجِّ ما بعده
منها، جازَ أن يُقال: إن مَنْ أَدْرَكَ الوقوفَ بعرفة مدرٌ للحجِّ، لأنه
تصدر من يفوتُه الوقوفُ بها للحجِّ.
(١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
ورواه عبد بن حميد (٣١٠) عن يزيد بن هارون، وأحمد ٣٠٩/٤ عن محمد بن
جعفر، و٣١٠/٤ عن روح، والدارمي ٥٩/٢ عن أبي الوليد الطيالسي، والنسائي في
((الكبرى)) (٤١٨٠) من طريق سهل بن يوسف وحماد بن مسعدة، ستتهم عن شعبة،
بهذا الإسناد.
٣٤٨

م
وهذا كلامٌ عربيٍّ خاطب به رسولُ اللهِ وَلَ عرباً يَعْقِلُونَ مرادَه منه،
ويفهمون معناه فيه، وفيما ذكرنا دليلٌ صحيحٌ على نفي الاستحالة فيه،
ومثلُ هذا مما قد خاطبهم بَّرَ بمثله في غيرِ الحجِّ، وهو قولُه: ((مَنْ
أُدْرَكَ مِن الصَّلاةِ ركعة، فقد أدرك الصلاة)) (١) لَيْسَ على معنى أنَّه كمن
صلاها، فلا يحتاجُ إلى أن يُصَلِّي ما يُصلي ما بَقِيَ منها، ولكنه قد
أدرَكَ مِن ثوابها ما قد أدركه مَنْ دَخَلَ فيها مِن أوَّلِها، وفهم مراده به
مَنْ خاطبه به رِضْوَانُ الله عليهم، لأنَّ لغته لغتُهم كما قال عز وجل:
﴿وما أَرْسَلْنا مِنْ رسولٍ إلا بلِسانِ قومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، فإذا
كان ما خاطبهم به قد تبيَّنُوا به مُرَادَه به، غَنَوْا عن الزيادةِ فيه. كما
قد جاء القرآنُ بأشياءَ متجاورة في هذا المعنى، مثل هذا منها: ﴿ولو
أَنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ به الجبالُ أو قُطّعَتْ به الأَرضُ، أو كُلِّمَ به الموتى،
بلْ للهِ الأمرُ جميعاً﴾ [الرعد: ٣١]، وغني عما سوى ذلك مما قد
اختلف أهلُ العلم باللغةِ فيه، ما هو؟ فقال بعضُهُمْ هو: لَكَفروا به،
وقال بَعْضُهُم: لكان هذا القرآنَ، والله أعلمُ بمراده به، ومثلُ ذلك قولُه
عز وجل: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللّه تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾
[النور: ١٠]، وغني بذلك عن ذكر ما يكونُ لولا فضلُه ورحمتُه لفهمهم
المرادَ بذلك، وفيما ذكرنا كشفُ المعنى فيما قد روينا في هذا الباب،
والله نسأله التوفيق.
(١) حديث صحيح متفق عليه من حديث أبي هريرة، وهو مخرج في الجزء
السادس من كتابنا هذا برقم (٢٣٢٠).
٣٤٩

٧٦٤ - بابُ بيانِ مُشكل ما رُوِيَ عن رسول الله وله
من قولِه: ((إنَّ أَحَقُّ ما وَقَّيْتُم بِهِ مِن
الشُّروط ما استحللتُم به الفروجَ))
حدثنا أبو القاسم هشامُ بنُ محمد بن قُرة بن أبي خليفة الرُّعيني،
قال: حدثنا أبو جعفر أحمدُ بنُ محمد بنِ سَلامة الأزديُّ، قال:
٤٨٦٢ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حدثنا شعيبُ بنُ
الليث بن سعدٍ، قال: حدثنا الليثُ بنُ سعد، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ،
عن أبي الخيرِ
عن عُقْبَةَ بنِ عامرِ الجُهَنِيِّ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ، قال: ((إِنَّ أَحَقَّ ما وَقَّيْتُمْ
بِهِ مِنَ الشُّروطِ ما اسْتَحْلَلْتُم بِهِ الفُروجَ)) (١).
5
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
شعيب بن الليث، فمن رجال مسلم.
أبو الخير: هو مرثد بن عبد الله اليزني المصري.
ورواه عبد الرزاق (١٠٦١٣)، وأحمد ١٥٠/٤، والبخاري (٢٧٢١) و(٥١٥١)،
وأبو داود (٢١٣٩)، والنسائي ٩٢/٧-٩٣، وابن حبان (٤٠٩٢)، والطبراني
١٧/(٧٥٢)، والبيهقي ٢٤٨/٧ من طرق، عن الليث بن سعد، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ١٤٩/٤ و١٥٠ و١٥٢، والدارمي ١٤٣/٢، ومسلم (١٤١٨) =
٣٥٠

٤٨٦٣ - حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن عبد الرحيم البرقي، قال:
حدثنا عمروبنُ أبي سَلَمَةَ الدِّمشقي، عن زهير بنِ محمدٍ، قال: أخبرني
ابنُ جريج، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ أن أبا الخيرِ حدَّثه، عن عُقبة بن
عامرٍ الجُهَنِيِّ، عن النبيِّ وَ مثلَه(١)، ولم يذكر في إسناده بَيْنَ ابنِ
جُرِيجٍ ، وبَيْنَ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ أحداً.
قال أبو جعفر: فنظرنا هَلْ سَمِعَهُ ابنُ جريج من يزيدَ، أو أخذه
عن غيره عنه.
٤٨٦٤ - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرَّقيَّ، قد حدثنا، قال:
حدثنا حجاجُ بنُ محمد، عن ابن جريج، قال: حدثني سعيدُ بنُ أيوب -
هكذا أملاه علينا، وإنما هو ابنُ أبي أيوب - عن يزيد بن أبي حبيب:
أن أبا الخير حدثه
عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبيِّ وََّ، قال: ((إِنَّ أَحَقَّ
= (٦٣)، وابن ماجه (١٩٥٤)، والترمذي (١١٢٧)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في
((التحفة)) ٣١٧/٧، وأبو يعلى (١٧٥٤)، والطبراني ١٧ /(٧٥٣) و(٧٥٤) و(٧٥٥)،
والبيهقي ٢٤٨/٧، والبغوي (٢٢٧٠) من طرق، عن يزيد بن أبي حبيب، به. وقال
الترمذي : حسن صحيح.
ورواه الطبراني ١٧ / (٧٥٧) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الخير، به.
(١) إسناده ضعيف، فيه عنعنة ابن جريج، ورواية أهل الشام عن زهيربن
محمد غير مستقيمة فضعف بسببها .
ورواه عبد الرزاق (١٠٦١٤) عن ابن جريج، قال: حدثت عن عقبة بن عامر،
عن النبي وَلّ ... مثله.
٣٥١

الشُّروطِ أن يُوَفَّى بها ما استَحْلَلْتُم بِهِ الفُرُوحَ))(١).
فوقفنا بذلك على أن ابنَ جُريج إنما أُخَذَ هذا الحديثَ عن
سعيد بن أبي أيوب، عن يزيدَ
ثم تأملنا متنَ هذا الحديث لِنقف على المرادِ به إن شاءَ الله،
فوجدنا اللَّه عَزَّ وجَلَّ، قد قال في كتابه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾
[النساء: ٤]، وقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال:
﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ، فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شيئاً﴾ [النساء: ١٩]، حضّاً منه
لهم على إمساكِهِنَّ لما عسى أن يَكُونَ قد عَلِمَهُ عَزَّ وجَلَّ لهم في ذلك
مِن الخِيَرِةِ فيما يَفْعَلُونَهُ مِن ذُلك.
ثم قال: ﴿وَآتَيْتُم إحداهُنَّ قِنطاراً، فلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً، أَتَأْخُذُونَه
بُهْتَاناً وإِثْماً مُبيناً﴾ [النساء: ٢٠]، فجعل أُخْذَهُم إِيَّهُ منهن من حيثُ
لا ينبغي أَخْذُهُمْ إِيَّه مِنْهُنَّ بُهتاناً وإثماً مبيناً.
ثمّ قالَ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُم إِلى بَعْضٍ، وَأَخَذْنَ
مِنكُم مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: ٢١]، وكان الإِفضاءُ المذكورُ في هذه
الآية هو الجماعَ الذي كان بينهم، والميثاقُ المذكور فيها هو العقدَ
الذي كان فيه إحلالُهُنَّ فُروجَهُنَّ لمن تزوجهن.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه النسائي ٩٣/٧ عن عبد الله بن محمد، والطبراني ١٧ / (٧٥٦) من طريق
إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، كلاهما عن حجاج بن محمد، بهذا
الإِسناد.
٣٥٢

وقال الله عز وجل على لسان رسوله وله
٤٨٦٥ - ما قد حدَّثنا عليُّ بنُ معبد، قال: حدثنا يونسُ بنُ
محمد، قال: حدثنا حسينُ بنُ عازب بن شبيب بن غرقدة أبو غرقد، عن
شبيب بن غرقدة، عن سُليمان بن عمرو - وهو ابنُ الأحوص الأزدي -
عن عمرو بن الأحوص، قال: خَطَبَ رسولُ اللهِوَ فِي حَجَّةٍ
الوَدَاعِ ، فقال في خُطبته: ((ألا واتَّقُوا اللّه عَزَّ وجَلَّ في النِّساءِ، فإنما
هُنَّ عِندكم عَوانٍ أَخذتموهُنَّ بأمانةِ اللهِ عز وجَلَّ، واستحللتم فُرُوجَهُنَّ
بكلمة الله، لَكُم عَلَيْهِنَّ حَقٌّ، ولَهُنَّ عليكم حَقٌّ، ومن حَقِّكُم عَلَيْهِنَّ
أَن لا يَأْذَنَّ في بيتكم إلا بإذنِكم، ولا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم مَنْ تكرَهُونَ،
فإِنْ فَعَلْنَ، فاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ، واضْرِبُوهُنَّ ضرباً غَيْرَ مُبَرَّح، فإن
أَطَعْنَكُم، فلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، وإنَّ مِن حَقُّهِنَّ عليكم رِزْقَهُنَّ
وكِسْوتَهُنَّ بالمَعْروفِ))(١).
(١) إسناده حسن. الحسين بن عازب ذكره الدولابي في ((الكنى)) ٨٠/٢،
وأورده ابن أبي حاتم ٦١/٣، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وروى عنه ثلاثة، وهو
متابع، وباقي رجاله ثقات غير سليمان بن عمرو بن الأحوص، فقد روى له أصحاب
السنن، وروى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
ورواه مطولاً ومختصراً أحمد ٤٢٦/٣ من طريق ابن الأحوص، وابن ماجه
(١٨٥١)، والترمذي (١١٦٣) و(٣٠٨٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٦٩) من
طريق زائدة، كلاهما عن شبيب بن غرقدة، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حسن
صحيح. ولفظه عند أحمد: ((شهدت رسول اللّه ◌َل ؤ يخطب الناس في حجة الوداع،
فقال: أي يوم يومكم، فذكر خطبته يوم النحر)).
٣٥٣

قال أبو جعفر: فكان عقدُ التزويج يُوجِبُ هذه الأشياءَ المذكوراتِ
فيما ذكرنا للزوجاتِ على الأزواج بعقد التزويجات اللاتي يعقدونها
بينَهم، وكانت بذلك مشترطات مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ للزوجات على
الأزواج، فكانت أحقّ ما وفي به، لأن ما يشترطه الآدميون بَعْضُهُم
لِبعض كان واجباً على من شَرَطَهُ منهم الوفاءُ به لمن اشترطه له على
نفسه، وإذا كان ذلك كذلك فيما اشترطه بعضُهم لِبعض كان ما اشترطه
الله عز وجلَّ لِبعضهم على بعض أحقَّ بالوفاء به مما سواه مما يشترطه
بعضُهم لِبعضٍ ، ولا سيما ما قد جُعِلَ في انتهاكِ حرمته مِن العقوبات
ما قد جعل مِن النِّكال، ومِن الحُدود التي في بعضها فواتُ الأنفس،
وما كان كذلك كان معقولاً أن في الأشياءِ التي ترفع ذلك - وهي
العقوبةُ - التي معها إباحةُ ذلك، ووصف الله عز وجل ما قد جعله سبباً
له بقوله: ﴿وَجَعَل بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، وما كان تكونُ
به المودةُ والرحمةُ، مع علو رتبتهما ضدّاً لما قابله من العقوبة بالنكال،
وما سواه مما ذكرنا، وأحق الأشياء بذوي الألباب اختيارُ ما ذكرنا مِن
الأشياء المحموداتِ على أضدادِها من الأشياء المذمومات، وبالله
التوفيق .
٣٥٤

٧٦٥ - بابُ بيان مشكل ما روى بعضُ الناسِ عن رسولِ
الله ◌َ﴿ فِي رَدِّ شهادةِ المحدودِ في الإِسْلامِ
٤٨٦٦ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمانَ المراديُّ، قال: حدثنا أسدُ بنُ
موسى، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ معاوية الفَزَارِيُّ، عن یزید بن أبي زياد
الشَّاميِّ، قال: حَدَّثنا الزُّهريُّ، عن عروة، قال:
قَالَتْ عَائِشَةُ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ ولا
خَائِنةٍ، ولا مجلودٍ حَدّاً، ولا ذِي غِمْرِ لُأخيه، ولا مُجَرَّب عليه شهادةٌ
زورٍ، ولا القائِعُ مع أهْلِ البَيْتِ لَهُمْ، ولا الظَّنِينِ في ولاءٍ، ولا
قرابةٍ))(١).
ـعا
(١) إسناده ضعيف، يزيد بن زياد أو ابن أبي زياد الشامي، قال في ((التقريب)):
متروك .
ورواه الترمذي (٢٢٩٨) عن قتيبة، والبيهقي ١٥٥/١٠ من طريق موسى بن
أيوب ودحيم، و٢٠٢/١٠، والبغوي (٢٥١٠) من طريق أبي عبيد، أربعتهم عن
مروان بن معاوية الفزاري، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه
إلا من حديث يزيد بن زياد الدمشقي، ويزيد يضعَّف في الحديث، ولا نعرف هذا
الحدیث من حديث الزهري إلا من حديثه.
ورواه الدارقطني ٢٤٤/٤ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن يزيد بن أبي
زیاد، به .
=
٣٥٥

= وفي الباب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله وَالَر ((ردًّ
شهادة الخائن والخائنة، وذي الغمر على أخيه، وردَّ شهادة القانع لأهل البيت،
وأجازها لغيرهم))، رواه أحمد ١٨١/٢ و٢٠٤ و٢٠٨ و٢٢٥، وأبو داود (٣٦٠٠)،
وعبد الرزاق (١٥٣٦٤)، والدارقطني ٢٤٣/٤، والبيهقي ٢٠٠/١٠، والبغوي
(٢٥١١)، وسنده حسن، وقواه الحافظ في ((التلخيص)) ١٩٨/٤.
الخائن مردود الشهادة لفسقه وخروجه عن العدالة بالخيانة، قال أبو عبيد: لا
نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده، وائتمنهم
عليه، فمن ضيع شيئاً مما أمر الله به، أو ركب شيئاً مما نهاه الله، فليس ينبغي أن
يكون عدلاً، لأنه لزمه اسم الخيانة. وقال الشافعي رحمه الله: ليس من الناس أحد
نعلمه إلا أن يكون قليلاً بمحض الطاعة والمروءة حتى لا يخلطها بشيء من الطاعة
والمروءة، فإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة رُدَّت شهادته.
وذو الغمر: الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، والغمر: الحقد
والضِّغن.
وقوله: ((ولا القانع مع أهل البيت لهم))، قال البغوي في ((شرح السنة))
١٢٩/١٠: أصل القنوع: السؤال، والقانع: السائل، يقال: قنع يَقْنَعُ قنوعاً: إذا
سأل، والمراد من القانع في الحديث: هو المنقطع إلى القوم يخدمهم، ويكون في
حوائجهم، فهو ينتفع بما يصير إليهم من النفع، فيصير بشهادته لهم جاراً إلى نفسه
نفعاً، فلا يقبل، كمن شهد لرجل بشراء دار وهو شفيعها، أو شهد للمفلس واحد
من غرمائه بدين على رجل، أو شهد على رجل أنه قتل مورثه لا تقبل، لأن نفع
شهادته يعود إليه، وعلى هذا القياس لا تجوز شهادة أحد الزوجين لصاحبه، وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله، وأجازه الآخرون، وهو قول الشافعي، ولا تجوز شهادة الوالد
لولده، ولا الولد لوالده عند أكثر أهل العلم، وتجوز عليه، وذهب بعض أهل العلم
إلی جواز شهادة أحدهما للآخر، وهو قول شریح، وإليه ذهب داود وأبو ثور.
٣٥٦

خـ
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه مِن قول رسولِ اللهِ اَلٍّ: أَنَّه لا
تجوزُ شهادةُ مجلودٍ حداً، ووجدنا الأوزاعيَّ قد كان يَذْهَبُ هُذا
المذهب حتى كان يقولُ في المجلود في الخمر: إنَّه لا تُقبَلُ شهادتُه،
وإن تاب.
كما أجاز لنا محمدُ بنُ سِنان الشَّيزريُّ، عن محمود بن خالدٍ، عن
عُمَرَ بنِ عبد الواحد، قال:
سمعتُ الأوزاعي يقول: لا تجوزُ شهادَةٌ محدودٍ في الإِسلام ولا
معلومٍ منه شهادةُ زورٍ، ولا ظنينٍ في وَلاءٍ، ولا قرابةٍ، ولا خائنٍ، ولا
خائنةٍ، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه، ولا خصمٍ، ولا مُريبٍ(١).
وكانت ألفاظُ الأوزاعي في هذه الحكاية هي ألفاظَ هذا الحديثِ
غيرَ ما في آخره مِن ذِكْرِ الخصمِ والمريب، فوقفنا بذلك على أنَّه أخذ
قولَه هُذا من ذلك الحديث إما عن يزيدَ الذي حَدَّثَ به عنه مروانُ،
أو ممن هو أعلى منه ممن فوقَ يزيد، وهو الزهريُّ، ولم نجد له على
قوله: إنه لا تجوزُ شهادةُ مجلودٍ حدّاً من أهل العلم موافقاً غيرَ
الحسن بن صالح بن حي، فإنَّا وجدنا عنه مما ذكره حُمَيْد بنُ عبد
الرحْمن الرُّؤَاسي، عنه: أنه كان يقولُ: إذا ضَرَبَ القاضي رجلاً في
حَدٍّ لم تجز شهادتُه أبداً، وإن تاب، وهذا القولُ مما يخالِفُهُما فيه
= وقوله: ((ولا الظنين في ولاء ولا قرابة))، الظنين: هو المتهم بالانتساب إلى غير
أبيه والانتماء إلى غير مواليه، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وما هو على الغيب
بظنين﴾، أي: بمتهم.
(١) رجاله ثقات.
٣٥٧

فقهاءُ الأمصارِ سواهما.
ثم تأملنا ما اختلفا وفقهاء الأمصار فيه من هذا المعنى، فوجدنا
أشياءَ مما قد حَرَّمَها الله عز وجلَّ، وتَوَعَّدَ عليها، وغَلَّظَ العقوباتِ فيها
من الزنى ومن السرقة، وكانت العقوباتُ فيها كفاراتٍ لمصيبها، منها:
قطعُ أيدي السُّرَّاق، ومنها: إقامةُ حدِّ الزِّنى على الأبكارِ من الزناة، وهي
الجلدُ، وعلى الثيب منهم، وهي الرجمُ.
ووجدنا أهلَ العلم لا يختلفون في قبولِ شهادةِ المقطوعين في
السَّرقاتِ إذا تابوا، ولا في قبولِ شهادةِ الزُّناةِ الأبكار المحدودِين إذا
تأبُوا، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أنَّ سائرَ المحدودين فيما سوى الزِّنى
والسرقة كذلك أيضاً، غير ما قد أخرجه كتابُ اللهِ عز وجل من ذلك
في حدِّ القذف بقوله عز وجل: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ، ثمَّ لم
يَأْتُوا بأربعةِ شُهَدَاءَ فاجْلِدُوهُمْ ثمانِينَ جَلْدَةً، ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً،
وأولئِكَ هم الفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، فأبانهم عَزَّ وجَلَّ ممن سِواهم،
وألزمهم الفسقَ الذي جعله وصفاً لهم، وأعقب ذلك بقوله: ﴿إِلَّ الذين
تَابُوا مِن بعد ذلك، وأصلَحُوا، فإنَّ الله غَفورٌ رَحيم﴾ [النور: ٥].
وكان أهلُ العلم قد اختلفوا في قبولِ شهادتهم بعد التوبةِ مما قد
كان هذا حكمهم، فقال بعضُهم: يزولُ ذلك عنهم بالتوبةِ، ويرجعون
إلى قبول الشهادة، وقال بعضهم: يزولُ الفسقُ عنهم الذي عليه
الوعيدُ، ولا تُقبل لهم شهادةٌ أبداً، وكان ممن ذَهَبَ إلى القولِ الأوَّل
أكثرُ أهل الحجاز، وممن ذهب إلى القول الثاني بعضُ أهل الحجاز،
وكثيرٌ ممن سواهم.
٣٥٨

فأما فقهاءُ الأمصارِ الذين دارت عليهم الفُتيا كمالكٍ، ومَنْ سِواه
مِن أهل الحجاز، فيقبلون شهادتهم بَعْدَ التوبة، وكذلك كان الشافعيُّ
يقولُ في هذا.
وأما أبو حنيفة والثوريُّ وأصحابُهما، فكانوا لا يقبلُونَها أبداً،
ويجعلون حُكْمَهُم في رَدِّها منهم بعدَ التوبةِ كحكمهم في رَدِّها منهم
قبلَ التوبة.
وقد تعلَّق الحِجَازِيُّون والذين قبلُوا شهادتهم بَعْدَ التوبةِ بما قد رووه
عن عُمَرَ بن الخطاب مما كان قاله لأبي بكرة بعد حَدِّه إِيَّاه فيما كان
منه في المغيرة بن شُعبة .
كما حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عيينةً،
عن الزهريِّ، عن سعيد بنِ المُسَيِّب:
أن عُمَرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - قال لأبي بَكْرَةَ: إن تُبْتَ،
قبلتُ شهادَتَكَ، أو تُبْ تُقْبَلْ شَهَادَتُكَ(١).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه الطبري ٧٦/١٨ عن أحمد بن حماد الدولابي، والبيهقي ١٥٢/١٠ من
طريق أحمد بن شيبان، كلاهما عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
ورواه الطبري ٧٦/١٨ من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن
المسيب أن عمر بن الخطاب ضرب أبا بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كلدة
حدهم، وقال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم
أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع، وأبى أبو بكرة أن يفعل.
وانظر ((تغليق التعليق)) ٣٧٧/٣-٣٨٢، و((شرح السنة)) ١٣١/١٠.
٣٥٩

قال: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدناه قد دَخَلَ في إسنادِهِ ما يدفعُ
أن يكون فيه حجةٌ لمن احتجَّ به على مخالفه.
كما قد حدثنا المزنيُّ، قال: حدثنا الشافعيُّ، عن سُفيان بن عيينة،
قال :
سمعتُ الزُّهريَّ، يقولُ: زعم أهلُ العِرَاقِ أن شهادةَ القاذِفِ لا
تجوزُ، فأشهدُ لأخبرني سعيدُ بنُ المسيب: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطاب - رضي
الله عنه - قال لأبي بكرة: تُبْ، تقْبَلْ شهادتك، أو: إن تَتُبْ، قبلتُ
شهادتَكَ. قال: وسمعت سفيان بن عيينة يُحَدِّثُ به هكذا مراراً، ثم
سمعتُه يقولُ: شككتُ فيهِ: قال الزُّهري: أخبرني. فلما قمت، سألتُ،
فقال لي عُمَرُ بنُ قيس - وحضر المجلسَ معي -: هو سعيد بن المسيب،
قلت لسفيان: أشككتَ فيه، حين أخبرك أنه سعيدٌ، قال: لا، غيرَ أنه
قد كان دخلني الشَّكُّ(١).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير الشافعي، وهو ثقة لا يسأل عن مثله.
وعمر بن قيس الذي استثبت به سفيان الاسم الذي شك فيه: هو عمر بن قيس
المكي أبو حفص المعروف بسندل، وهو كما قال أبو حاتم: ضعيف الحديث،
متروك الحديث، منكر الحديث.
وقوله: قال الزهري: أخبرني، أي أن الذي شك فيه سفيان هو اسم شيخ
الزهري فيه. ونص الخبر في ((الأم)) ٤٥/٧: وأشهد لأخبرني، ثم سمى الذي أخبره
أن عمربن الخطاب ... قال سفيان: فذهب علي الذي سماه الزهري، فسألت من
حضرني، فقال لي عمربن قيس: هو سعيد بن المسيب.
وقال الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٣٧٨/٣ بعد أن أورد الأثر عن الشافعي:
قلت: وقد رواه أحمد بن شيبان الرملي والحسن بن محمد الزعفراني، عن ابن =
٣٦٠