Indexed OCR Text

Pages 161-180

٤٩٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ الله اله
في أمره الملتقِطَ بالإِشهادِ على ما التقطه،
وفي المرادِ بذلك ما هو
٣١٣٣ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا سعيدُ بنُ عامر
الضَّبَعِيُّ، قال: حدثنا شعبةُ، عن خالد الحذَّاء، عن يزيد بن عبد
الله بن الشِّخِّير، عن مُطَرِّفٍ - يعني ابنَ عبد الله -
عن عياض بن حِمَارٍ أن رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((مَن النّقَطَ لُقَطَّةً،
فليُشْهِدْ ذا عَدْلٍ، أو قال: ذَوَي عَدْلٍ، ثم لا يَكْتُمْ ولا يُغَيِّرْ، فإن
جاءَ صاحِبُها، فهو أحقُّ بها، وإلا فَمَالُ اللهِ عَزَّ وجلَّ يّؤْتِيه مَنْ
يَشاءُ))(١) .
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين غير صحابيه فمن رجال مسلم.
ورواه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٦٧١) عن محمد بن يحيى، وابن حبان
(٤٨٩٤) من طريق أبي خيثمة، كلاهما عن سعيد بن عامر الضبعي، بهذا الإِسناد.
ورواه الطيالسي (١٠٨١)، وأحمد ٢٦٦/٤ -٢٦٧، والطبراني ١٧ /(٩٨٦)،
والبيهقي ١٨٧/٦ من طرق عن شعبة، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٤٥٥/٦-٤٥٦، وأحمد ١٦١/٤-١٦٢ و٢٦٦، وأبو داود
(١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٥٠٥)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٥٠/٨،
والطبراني ١٧/ (٩٨٥)، والبيهقي ١٩٣/٦ من طرق عن خالد الحذاء، به.
- ١٦١ -

قال أبو جعفر: وقد رُويَ هذا الحديثُ مِن غير هذه الجهةِ على
ما ذكرنا وهو على الشَّكُّ من بعض رواته فيما أمر به الملتقط فيه من
إشهادِ ذي عدل أو ذَوَيْ عدل لا على التخيير من رسولِ الله وَّ إِيَّاه
أن يشهد على ذلك أيّ ذينك الصنفين شاءَ، وهو حديثٌ يدورُ على
خالد الحذَّاء، وقد اختلف رواتُه له عنه فيه، فرواه شعبة عنه على ما
ذكرنا، ورواه حماد بن سلمة عليه بخلاف ذلك
٣١٣٤ - كما حدثنا يزيدُ بنُ سنان، قال: حدثنا موسى بنُ
إسماعيل، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمة، عن خالد الحذَّاء، عن أبي
قلابة، عن مُطَرِّف بن عبد الله
عن عياض بن حمار أن رسولَ الله وََّ سُئِلَ عن اللُّقَطَة، فقال:
(«تُعَرَّفُ ولا تُغَيِّبُ وَلا تُكْتَمُ، فإن جاء صاحبُها وإلا فهو مالُ الله عز
وجل يؤتيه من يشاءُ))(١).
قال أبو جعفر: فاختلف شعبةُ وحمادٌ في إسنادٍ ما ذكرنا، فذكره
شعبةُ، عن خالدٍ، عن يزيد، عن مُطَرِّفٍ، وذكره حماد، عن خالد،
عن أبي قلابة، عن مُطَرِّف، واختلفا في متنه، فذكر فيه شعبةُ الإِشهادَ،
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٥٠/٨ عن محمد بن عبد
الله بن عبد الرحيم البرقي، عن أسد بن موسى، والطبراني في ((الكبير)) ١٧ / (٩٨٥)
عن علي بن عبد العزيز، عن حجاج بن منهال، كلاهما عن حماد بن سلمة، أخبرنا
خالد الحذاء، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن مطرف بن عبد الله،
عن عياض بن حمار.
- ١٦٢ -

ولم یذکره حماد.
وقد رواه حمادٌ أيضاً من طريق غير هذا الطريق يرجع إلى مطرف،
عن أبي هُريرة، عن النبي ◌َّر .
٣١٣٥ - كما حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا موسى بنُ
إسماعيل، قال: حدثنا حمادٌ، عن سعيد، عن أبي العلاء، عن مُطَرِّف
عن أبي هريرة، عن النبيِّ بَّهِ، فذكر مثلَه(١)، أعني حديث
عياض بن حمار الذي بدأنا بذكره في هذا الباب.
فاحتجنا إلى الوقوفِ على حفظِ ما في هذا الحديث من ذي
عدلٍ ، أو ذَوَي عَدْلٍ ما هي؟
٣١٣٦ - فوجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا، قال: حدثنا مُعَلَّى
ابنُ أُسدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزبن المختار، عن خالد الحذاء، عن
يزيد بن الشخير، عن مُطَرِّف بن الشِّخِير
عن عياض بن حمار المجاشعي، عن النَّبِيِّ نَّهِ، قالَ: «مَن الْتَقَطَّ
لُقَطَّةً، فليُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، ولا يَكْتُمْ، ولا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَهُوَ
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد
- وهو ابن سلمة - فمن رجال مسلم. سعيد: هو ابن إياس الجريري.
ورواه النسائي في اللقطة من ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٧١/١٠-٣٧٢ عن
محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، عن أسد بن موسى، عن حماد، بهذا
الإِسناد.
- ١٦٣ -

أَحَقُّ بِهَا، وإِلَّ فَمَالُ اللهِ يُّؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ))(١).
٣١٣٧ - ووجدنا أحمدَ بنَ شُعيبٍ قد حَدَّثنا، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ
حُجْرِ، قال: حدثنا هُشيم، عن خالدٍ، وهو الحذاء، عن يزيد بنِ عبدِ
الله بن الشِّخِّير، عن مُطَرِّفٍ
عن عِياض بن حمارٍ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ، قَالَ: ((مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً،
فليُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، ولْيَحْفَظْ عِفَاصَها وَوِكَاءَها، ولا يَكْتُمْ ولا يُغَيِّبْ،
فإن جاء صاحبُها، فهو أحقُّ بها، وإن لم يجىء صاحبُها، فهو مالُ
اللّهِ يُّؤْتيه مَنْ يَشَاءُ))(٢).
فوقفنا بذلك على أن حقيقةً ما في الحديثِ الأوَّل من ذي عدلٍ
أو ذوَيْ عدلٍ هي: ذَوَا عدلٍ، فاحتمل أن يكونَ المرادُ بذلك إخراجَ
اللقيط عندَ الناس أن يكونَ التقاطُه إيّاها كان لِيذهب بها، فيكون بذلك
مذموماً عندهُم، ساقِطَ العدل به، واحتمل أن يكونَ أُرِيدَ به حفظُ
اللقطة على صاحبها، وأن تكونَ اليدُ التي وقعت عليها بالالتقاط هي
يدَ الملتقط طالباً بالتقاطه إيَّاها حفظَها على صاحبها، لا يَدَ حائزٍ لها،
أَخَذَها لنفسه لا لِصاحبِها.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا الأيدي على الأشياءِ حُجَّةً يجب بها
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله رجال الشيخين غير صحابيه فمن
رجال مسلم .
(٢) رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن هشيماً قد عنعن، وهو مدلس.
وهو في اللقطة من (سنن النسائي الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٥٠/٨.
- ١٦٤ -

صرفُ الأشياء إلى ما تُصرف إليه ما تَمْلِكُه دونَ ملك الأيدي مِن قبولٍ
أقوالهم فيها، ومِن صرفها بعدَ وفاتهم في قضاء ديونهم، وفي مواريثهم،
وفي وصاياهم، فكان حقاً على ذوي الأيدي فيما وقع في أيديهم على
السبيل التي ذكرنا أن يُقيموا الحجة على أنفسهم لمالكي ما صار في
أيديهم من ذلك بالإِقرار به، والإِشهاد عليه لِتقوم الحجة أنه في أيديهم
على سبيلٍ ما يكونُ اللَّقَطُ عليه من امتثال الواجب فيها، ومن منع
المواريث منها، وصرفها فيما يُصْرَفُ فيه ما سواها، وحتى تكون محفوظة
كذلك، وحتى يكون كل من وقعت يده عليها سوى ملتقطها يتمثل فيها
الواجب حتى تصير إلى يد ربها، أو إلى ما سواها مما يجب أن تصيرَ
إليه من الأحكام التي أمر الله تعالى بها فيها على لسان نبيه وَّل، والله
عزَّ وجَلَّ نسألُه التوفيقَ.
لله تعالى
- ١٦٥ -

٥٠٠ - بابُ بيانِ مُشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله وَال
مِن قوله في شجرِ مَكّة وفي خَلاها ومن قول
العباس له عند ذلك لما وقف على منعه
منه: إلا الإِذْخِرْ، ومن قوله له
جواباً لِكلامه: ((إلا الإِذخرَ))
٣١٣٨ - حدثنا يحيى بنُ عثمان بن صالح، قال: حدثنا أَصْبَغُ بنُ
الفرج، وموسى بنُ هارون البُرْدِيُّ، ونُعَيْمُ بنُ حمّاد، قالوا: حدثنا
جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاووس
عن ابن عباسٍ، قَالَ: قَالَ النبيُّ نَّه يومَ فتح مكة: ((إن هذا
البَلَدَ حرَّمَه الله عَزَّ وجَلَّ يومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرمة
الله عز وجلَّ إلى يَوْمِ القيامة، وإنه لم يَحِلَّ فيه القِتالُ لِأحدٍ قبلِي،
ولا يَحِلُّ لِ إلَّ ساعَةً مِنْ نهارٍ، فهو حَرامٌ بحرمة الله إِلى يوم القيامة،
لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَّتُه إلا مَنْ عَرَّفها، ولا
يُخْتَلَى خَلاَهَا))، فقال العباسُ: يا رسولَ الله إلا الإِذخرَ، فإنّه لِقَيْنِهِمْ
ولِبيوتهم، فقال النبيُّ وَّهُ: ((الإِ الإِذْخِرَ)(١).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري.
ورواه عبد الرزاق (٩٧١٣)، وأحمد ٢٢٦/١ و٢٥٥ و٣١٥-٣١٦ و٣٥٩، =
- ١٦٦ -

٣١٣٩ - حدثنا محمدُ بنُ العباس بن الربيع، عن علي بنِ معبدٍ
وحدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا عمرو بنُ أبي عون
الواسطيُّ، قال: حدثنا أبو يوسف، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ
عن عَبْدِ اللّه بن عباس رضي الله عنهما، أنه قالَ: قال رسولُ الله
وَّه : ((إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ مكةَ يومَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرضَ والشَّمسَ
والقمرَ، ووضعها بَيْنَ هذين الأخشبين، لَمْ تَحِلَّ لُأحدٍ قبلي، ولم تَحِلَّ
لِي إلَّ ساعَةً مِن نهار، لا يُخْتَلى خَلاهَا، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ
صَيْدُها، ولا يَرْفَعُ لَقَطَها إلا مُنْشِدُها))، فقال العباس: إلا الإِذخِرَ، فإنه
= والبخاري (١٥٨٧) و(٢٧٨٣) و(٣١٨٩)، ومسلم (١٣٥٣)، وأبو داود (٢٠١٨)
و(٢٤٨٠)، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائي ٢٠٣/٥-٢٠٤، و١٤٦/٧، وابن الجارود
(٥٠٩)، وابن حبان (٣٧٢٠)، والبغوي (٢٠٠٣)، والطبراني (١٠٩٤٣)، والبيهقي
١٩٥/٥ و١٩٩/٦ و١٦/٩ من طرق عن منصور، بهذا الإِسناد. وانظر تمام تخريجه
في ابن حبان.
5
لا يُعضد شوكُه، أي: لا يقطع، وقوله: ((ولا يختلى خلاها)»، قال البغوي:
الخلى: الرطب من النبات، فلا يجوز قطع حشيش الحرم، ولا قطعه رطباً إن كان
لا يستخلف إلا الإِذخر، لإِذن صاحب الشرع فيه، فإن قطع شيئاً سواه، فعليه
الجزاء، وهو قيمته يصرفها إلى الطعام فيتصدق به أو يصوم، وجوز الشافعيُّ الرعيّ
فيه، ولم يجوز أبو حنيفة الرعي كالاحتشاش، ويجوز قطعُ الحشيش للدواء على
أظهر وجهي أصحابِ الشافعي كما يجوز قطعُ الإِذخر للبيوت والقبور، ولا بأسَ بقطع
الحشيش اليابس والشجر اليابس كالصيد الميت يَقُدُّه.
والقين: الحداد والصائغ.
- ١٦٧ -

لا غنى لأهلِ مَكَّةَ لِبيوتهم وقبورهم، فقالَ رسولُ الله ◌َله: ((إلاَّ
الإِذْخِرَ)(١).
٣١٤٠ - حدثنا الحسنُ بنُ غُليبٍ، قال: حدثنا يوسفُ بنُ عديٍّ،
قال: حدثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، فذكر
بإسنادِه مثلَه إلا أنَّه قال: فقال العباسُ: يا رسولَ الله، إنَّ أهلَ مكة
لا صَبْرَ لهم عن الإِذخرِ، فقال: ((إلا الإِذخِرَ)(٢).
٣١٤١ - وحدثنا أحمدُ بنُ محمد بن سَلَام البغداديُّ، قال: حدَّثنا
وهبُ بنُ بقيّة، قالَ: أخبرنا خالدٌ، عن خالدٍ، عن عِكْرِمَةً
عن ابن عباسٍ رَضِيَّ الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِّهِ، قالَ: ((إنَّ
الله عز وجل حرَّمَ مكة، فلم تَحِلَّ لِأحدٍ قبلي، ولا تَحِلَّ لأحدٍ بعدي،
وإنما أُحِلَّت لي ساعةً مِنْ نَهارٍ)) ثم ذكر بقيةَ الحديثِ الذي قبلَه(٣).
(١) إسناده حسن في المتابعات. أبو يوسف: هو الإِمام القاضي العلامة فقيه
العراقين يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي، صاحب أبي حنيفة رضي الله عنهما،
ويزيد بن أبي زياد: هو الهاشمي الكوفي، روى له مسلم مقروناً، وفيه ضعف.
الأخشبان: جبلا مكة، أحدهما أبو قُبَيْسٍ، والآخر قُعَيْقِعَان.
(٢) هو مكرر ما قبله.
(٣) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح .
خالد الأول: هو خالد بن عبد الله الطحان الواسطي، والثاني: هو خالد بن
مهران البصري الحذّاء.
ورواه أحمد ٢٥٣/١، والبخاري (١٣٤٩) و(١٨٣٣) و (٢٠٩٠) و(٢٤٣٣) =
- ١٦٨ -

٣١٤٢ - حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حدثنا سعيدُ بنُ عبدِ
الرحمن المخزوميُّ، قال: حدثنا سفيانُ، عن عمروٍ، عن عِكرمة
عن ابن عباس، عن رسولِ اللهِ وَّ مثلَه، غير أنه قال: فقامَ
العباسُ - وكان رجلاً مُجَرِّباً -، فقال: إلا الإِذخِرَ، فإنه لِبيوتنا ولِقبورنا
وقُيُوننا، فقال: ((إِلا الإِذْخِرَ))(١).
٣١٤٣ - وحدثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حدثنا عُبيد بنُ
يعيش الكوفي، قال: حدثنا يونسُ بنُ بُكَيْرِ، قال: حدثنا ابنُ إسحاق،
قال: حدثنا أبانُ بنُ صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق
عن صَفية ابنةِ شيبةً، قالت: سمعتُ رسولَ الله ◌َ يَخْطُبُ يومَ
الفتحِ ، فقال: ((أيُّها الناسُ، إنَّ الله عز وجل حرَّمَ مكةَ يَوْمَ خَلَقَ
السماواتِ والأرضَ، فهي حَرامٌ إلى يومِ القِيامَةِ، لا يُعْضَدُ شَجَرُهَا،
ولا يُنَفَّرُ صَيدُها، ولا يأخذ لُقَطَتَها إلَّ مُنْشِدٌ))، فقال العباسُ بنُ عبد
المطلب: يا رسولَ الله، إلا الإِذخِرَ، فإنَّه لظهورِ البيوتِ والقبورِ، فقال
رسولُ الله ◌َ: ((إِلا الإِذْخِرَ))(٢).
= و(٤٣١٣)، والنسائي ٢١١/٥، والبيهقي ١٩٥/٥ من طرق عن عكرمة، بهذا
الإِسناد.
(١) إسناده صحيح. سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، روى له الترمذي
والنسائي، وهو ثقة، ومن فوقه من رجال الشيخين غير عكرمة فمن رجال البخاري.
وهو في ((سنن النسائي)) ٢١١/٥.
(٢) إسناده حسن، فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث. وأبان بن صالح وثّقه ابن =
- ١٦٩ -

٣١٤٤ - حدثنا محمد بنُ عبدِ الله بن ميمون، قال: حدَّثنا
الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن الأُوْزاعي، قال: حدثني يحيى بنُ أبي كثيرٍ،
قال: حدثني أبو سَلَمَةً
قال: حدثني أبو هريرةَ أن رسولَ اللهِ وَلَّ، قال في خُطْبَتِهِ لما
فُتِحَتْ مَكَّةُ: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ حَبسَ عن أهل مكة القتل - هكذا قال
وإنما هي: الفيل - وسلَّطَ عليهم رسولَه والمؤمنين، فإنَّها لم تَحِلَّ لأحدٍ
قبلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، ولم تَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهارٍ، وإنَّها
ساعتي هذه، حتى إنه لا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُخْتَلَى شَوْكُها))، فقام
العباسُ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إلا الإِذْخِرَ، فإنه نجعلُه في قبورنا
وبيوتنا، فقال رسولُ اللهَ وَّ: ((إِلا الإِنْخِرَ)(١).
= معين وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي، ويعقوب بن شيبة والنسائي، وتضعيف ابن عبد
البر والمزي لأبان، وقول ابن حزم: ليس بالمشهور غفلة منهم، وخطأ تواردوا عليه،
فلم يضعف أباناً هذا أحدٌ قبلَهم.
وعلقه البخاري بإثر الحديث (١٣٤٩) فقال: وقال أبان بن صالح، عن
الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة.
ووصله في ((التاريخ الكبير)) ٤٥١/١-٤٥٢ عن عبيد بن يعيش، وابن ماجه
(٣١٠٩) عن محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن يونس بن بكير، بهذا الإسناد.
(١) حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، والوليد بن مسلم قد صرح
بالتحديث عند غير المصنف، وقد توبع.
ورواه أحمد ٢٣٨/٢، والبخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥)، وأبو داود
(٢٠١٧)، وابن حبان (٣٧١٥) من طرق عن الوليد بن مسلم، بهذا الإِسناد.
- ١٧٠ -

٣١٤٥ - حدثنا بكارُ بن قُتيبة، قال: حدثنا أبو داود الطيالسيُّ،
قال: حدثنا حربُ بن شدَّاد، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةً
عن أبي هُريرة، رضي الله عنه، عن رسولِ اللهِ وَِّ مثلَه، غير
أَنَّه قالَ: ((إنَّ الله عز وجل حَبَسَ عن أهل مكة الفِيلَ)) وغير أنه قال:
فقام رجلٌ من قُريش مكان ما في الحديثِ الأوَّلِ من قول راويه: فقام
العباس(١).
٣١٤٦ - وحدثنا عليُّ بنُ عبد الرحمن، قال: حدثنا سعيدُ بنُ أبي
مريم، قال: أخبرنا ابنُ الدَّراورْدِيُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ عمروبن
علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
عن أبي هُريرة، رضي الله عنه، قال: وقف رسولُ اللهِ وَِّ على
الحَجُونِ، فقال: ((واللهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أرض اللهِ عزَّ وَجَلَّ، وَأَحَبُّ أرض
اللهِ إلى اللهِ، ولو أني لم أُخْرَجْ منك ما خرجتُ، وإنها لم تَحِلَّ لِأحدٍ
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو داود الطيالسي: وهو سليمان بن
داود بن الجارود، الحافظ، صاحب المسند، من رجال مسلم، ومن فوقه على
شرطهما .
ورواه عن أبي داود الطيالسي أحمد في ((المسند)) ٢٣٨/٢ .
ورواه الدارمي ٢٦٥/٢ عن معاذ بن هانىء، عن حرب بن شداد، بهذا
الإِسناد.
وعلقه البخاري في ((صحيحه)) (٦٨٨٠) فقال: وقال عبد الله بن رجاء: حدثنا
حرب بن شداد، بهذا الإِسناد، ووصله البيهقي ٥٢/٨ من طريق هشام بن علي
السيرافي عنه.
- ١٧١ -

كان قبلي))، ثم ذكر مثلَه، غير أنَّه قال فيه: ((ولا تُلْتَقَطُ ضَالَّتُها إلا
لِمُنْشِدٍ))، فقالَ رجلٌ يُقال لَهُ شاه(١): يا رسولَ الله، إلا الإِذخِرَ، ثم
ذكر بقيةَ الحديث(٢).
فسأل سائِلٌ عما أُضِيفَ في هذه الأحاديثِ إلى العبّاسِ أو إلى
من ذكر سواه مِن قوله لِرسول الله وَّ لمَّا ذكر حرمة شجر مكة، وحُرْمَةً
خَلاها ((إلا الإِذخرَ) استثناءً من ذلك، وأنكر أن يكونَ ذلك كان من
العباس ، وأن يكونَ رسولُ الله يُقارُّ أحداً على ذلك.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ هذه الآثارَ
ثابتةٌ، صحيحةُ المجيء، مقبولة كُلَّها، وأن الذي كان من العباس أو
مِمن سواه فيها غيرُ منكرٍ من مثله، وأن ترك رسولِ اللهِ وَلَه إنكارَ ذلك
(١) الثابت في ((الصحيحين)) وغيرهما أن القائل هو: العباس بن عبد المطلب.
(٢) إسناده حسن.
ورواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٥٩٥٤) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة،
بهذا الإِسناد.
وقوله: ((والله إنك لخير أرض الله عز وجل، وأحب أرض الله إلى الله، ولو أني
لم أُخرج منك ما خرجت)). رواه من حديث عبد الله بن عدي بن حمراء الزهري،
قال: رأيت رسول الله وَسير على راحلته واقفاً بالحَزْوَرَة (وهي الرابية الصغيرة) يقول:
((والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما
خرجت))، رواه ابن حبان (٣٧٠٨)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وانظر تمام
تخريجه فیه.
وعن ابن عباس رفعه: ((ما أطيبك من بلدةٍ وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني
منك ما سكنت غيرك))، رواه ابن حبان (٣٧٠٩) وهو مخرج فیه.
- ١٧٢ -

عليه غيرُ منكر أيضاً، وكيف [ينكر] عليه ما هو محمودٌ فيه، إذ قد عَلِمَ
من حاجةِ أهل مكة إلى الإِذخر ما هم عليه منها، فقال لِرسول الله
وَّ﴿ ما قال، طَلَبَ منه مراجعةَ ربِّه في ذلك، كما سأل رسولُ اللهِ وَالـ
في حديث المعراج ربَّه عز وجل لما افترض على أمته خمسين صلاةً
في اليوم والليلة التخفيفَ مرةً بعد مرةٍ حتى ردَّها إلى خمس صلواتٍ،
وكما أُمر ◌َِّ أن يقرأ القُرآن على حرف، فراجع في ذلك مرةً بعدَ مرة
حتى رُدَّ إلى سبعة أحرف.
فكان مثل ذلك ما كان مِن العباس أو من غيره ممن ذكرنا، وكان
قولُه (إلا الإِذخرَ) وقطعه الكلام عند ذلك لعلمه بفهم النبيِّ وَّ ما أراده
منه مِن سؤاله ربَّه عز وجل عن ذلك، فغني عن الكلام به، كما
تستعملُ العربُ في كلامها للاختصار السكوتَ عن الكلام به لِعلمِها
بفهم مَنْ تُخَاطِبُه بذلك ما خاطبته به مِن أجله حتى يأتوا ببعضِ
الكلمة، ويتركوا بقيتها.
ومن ذلك قولهم: ((كَفَى بالسَّيْفِ شا)»، يريدون شاهداً، حتى تعالى
ذلك أن جاءَ القرآنُ به، فمن ذلك قولُه عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ
بِهِ الجَبَالُ أَوْ قُطّعَتْ به الأَرْضُ أو كُلِّمَ به المَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١]، ثم
قطع بقيةَ الكلامِ ، وهو مما قد اختلف أهلُ العلم فيه ما هو، فقال
بعضُهم: هو: لَكَفَرُوا به، وقال بعضهم: هو: لكان هذا القرآن.
ومن ذلك قولُه عز وجل: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله
تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١]، وترك ذكر ما كان يكون لولا فضله ورحمته.
ومن ذلك قولُه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتُ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وقَائماً يَحْذَرُ
- ١٧٣ -

الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، ثم قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ
لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وترك ذكر من ليس هو مثله لغناه عن ذلك
بفهم المخاطبين به.
فمثلُ ذلك قولُ العباس أو من قاله سِواه لِرسولِ الله ◌َلين: ((إلا
الإِذخِرَ)) غني عن استتمام الكلام بما أراد لِعلمه بفهم النبيِّ وَّ عن
ما أراد.
فقال هذا القائل: فقد كان مِنَ النبي ◌ّ له ذلك الجواب بلا زمانٍ
فيما بَيْنَ السؤالِ وبَيْنَ الجواب يكونُ فيه الوحي لذلك الجواب.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد يحتملُ
في لطيفِ قدرةِ الله عز وجل مجيء الوحي في ذلك الوقت من حيث
لا نعقل نحن مجيء مثله فيه، ويحتمل أن يكونَ كانَ من النبيِّ ◌ِر
فيه ما كان بإلقاء جبريل وَ ل* ذلك إليه، كما قال للذي سأله في حديث
أبي قتادة: أرأيتَ إن قتلتُ في سبيل الله صابراً محتسباً، مقبلا غير
مدبر، يُكفِّر الله عنّي خطاياي؟ فقال: ((نَعَمْ)) فلما ولَّى قال له: ((إلاّ
أن يكونَ عليك دَيْنٌ كذلك قال لي جبريلُ وَِّ))(١).
فدلَّ ذلك على حضور جبريل نَّ جوابَه الأول، وقوله له ما قاله
لِسائله جواباً ثانياً.
وإذا كنا قد روينا عن رسولِ الله وَ# ما سنذكره فيما بعد من كتابنا
هذا إن شاء الله مِن قوله لحسانَ في وقت مهاجاته المشركين عنه:
(١) متفق عليه، وصححه ابن حبان (٤٦٥٤)، وانظر تخريجه فيه.
- ١٧٤ -

(اهْجُهُمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ))(١).
وإذا كان جبريلُ لمهاجاته قريشاً مع حسان، كان رسولُ الله ◌َله
بكونه معه في خطبته التي يُخْبِرُ الناسَ فيها عن الله عز وجل بشرائع
دينهم، وبفرائضه عليهم أولى، ويكون جبريل بلّ معه في ذلك الوقت
أحرى.
فبان بحمد الله ونعمته أن لا منكرَ في شيءٍ مما أنكره هذا الجاهلُ
بآثارِ رسولِ الله ◌َّ مما ذكرناه عنه، والله عز وجل نسألُه التوفيق.
فـ
لله تعالى
الله
C
(١) رواه البخاري (٣٢١٣)، ومسلم (٢٤٨٦) من حديث البراء بن عازب.
- ١٧٥ -

٥٠١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ الله وَله
في خَلَى مكة: هل هو حرمتُه في الأحوال كلها،
أو على حرمته في حالٍ دون حالٍ
ويفعلٍ دون فعلٍ؟
قال أبو جعفر: اختلف أهلُ العلمِ في حشيش مكّة، وفي ما سِواه
مما حرَّمه رسولُ الله ◌ََّ فِي حَصْدِهِ، وفي إعلافه الإِبلَ وغيرها، فقالوا
فيه ثلاثة أقوال نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله، لا قول لهم
في ذلك سِواها.
8
كما حدثنا جعفرُ بنُ أحمد بن الوليد الأسلميُّ، قال: حدثنا بشربنُ
الوليد، قال: سمعتُ أبا يوسفَ، قال: سألت أبا حنيفة عن حشيش
الحرم، فقال: لا يُرْعى ولا يُحتش، وسألت ابن أبي ليلى، فقال: لا
بأسَ أن يُرعى وأن يُحتش، وسألتُ الحجاج بن أرطاة، فقال: سألتُ
عطاء بن أبي رباح عنه، فقال: لا بأس أن يُرعى، ولا يُحتش.
قال أبو يوسف: وقولُ عطاء في هذا أحبُّ إليَّ (١).
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٤٨/٤ تعليقاً على قوله ويلي: ((ولا يُختلى خلاها))،
الخلى: الرطب من النبات، واختلاؤه: قطعه واحتشاشه، واستدل به على تحريم
رعيه، لكونه أشدَّ من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون، واختاره الطبري، وقال =
- ١٧٦ -

ولما اختلفوا في ذُلك هذا الاختلافَ، طلبنا الأولى مما قالُوه في
ذلك مما هو مِن أقوالهم هذه.
فوجدنا صالحَ بنَ عبد الرحمن الأنصاريَّ قد حدثنا، قال: حدثنا
سعيدُ بنُ منصور (ح) وحدثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ
إبراهيم، قالا: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حجاج وعبدُ الملك، عن
عطاء، عن عُبيدِ بنِ عُمَّيْرٍ
أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً يقطع من شجر الحَرَم ويعلفه بعيراً
له، قال: فقال: عليَّ بالرجل، فَأَتِيَ به، فقال: يا عبدَ الله، أما علمتَ
أن مكة حرام لا يُعْضَدُ عِضاهُها، ولا يُنَفَّرُ صيدها، ولا تَحِلُّ لُقطتُها
إلا لِمُعَرِّفٍ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين والله ما حملني على ذلك إلا أن
معي نِضواً لي، فخشيتُ أن لا يُبلغني أهلي، وما معي زادٌ ولا نفقة،
فرقَّ عليه بعدما همَّ به، وأمر له ببعيرٍ من إبل الصدقة موقراً صحيحاً،
فأعطاه إِيَّه، وقال: لا تعودَنَّ أن تقطعَ مِن شجر الحَرَمِ شيئاً (١).
5
= الشافعي: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عملُ الناس بخلاف الاحتشاش،
فإنه المنهي عنه، فلا يتعدى ذلك إلى غيره، وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة
إلى جواز رعي اليابس كالصيد الميت، قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإِذخر إشارة
إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة:
((ولا يحتش حشيشها))، قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم
من بقلٍ وزرعٍ ومشموم، فلا بأس برعيه واختلائه.
(١) رجاله ثقات رجال الصحيح غيرَ الحجاج بن إبراهيم، فقد روى له أبو داود
والنسائي. وحجاج - وهو ابن أرطاة - فقد روى له أصحابُ السنن والبخاري في
- ١٧٧ -

وقد روينا في الباب الذي قَبْلَ هذا الباب منعَ رسولِ الله ◌ِّ من
اختلاءِ خَلَى مكة، فذهب قوم إلى أن الاختلاءَ ما أخذ باليدِ دُون ما
سِواه من إعلافه الإِبلَ على ما قد رويناه في هذا الباب عن عطاء،
وعلى ما ذكرنا عن أبي يوسف من موافقته عليه.
وذهب آخرون إلى أن ذلك ممنوعٌ منه، لأنَّ تلك الأشياء محرمة
في نفسها، فجميعُ الأفعال التي تفعل فيها من رعيٍ لها، ومِن اختلاءٍ
لها ممنوع منه، كما الصيدُ المحرم في نفسه حرام فيه الأشياء كلها
لِحرمته في نفسه، وكان هذا القولُ عندنا أولى هذه الأقوال بالحقِّ، لأن
عمر رضي الله عنه خاطب الرجلَ الذي رآه يرعى بعيره من شجر الحرم
بما خاطبه به فيما قد ذكرناه في هذا الحديث، فدلَّ ذلك على حرمة
الرعي فيه، كما دل على حرمة الاختلاءِ منه.
وقد روى قوم حديثاً في حرمة المدينة، وفي المنع من الاختلاءِ
من خَلاها وفي أن لا يقطع شجرها إلاّ أن يعلف الرجلُ بعيرَه، فاستدلُّوا
بذلك على مثله من شجر مكة وخلاها. 5
٣١٤٧ - وهو ما قد حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حدثنا
هُدْبَةُ بنُ خالد، قال: حدثنا همامُ بنُ يحيى، عن قتادة، عن أبي حسَّان
= ((الأدب المفرد))، وروى له مسلم مقروناً بغيره، ولا يضر تدليسُه، فقد تابعه عبد
الملك بن أبي سليمان العَرْزمي .
ورواه بأخصر مما هنا البيهقي في ((السنن)) ١٩٥/٥-١٩٦ من طريقين، عن أبي
العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهَّاب بن عطاء،
أخبرنا سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن عبيد بن عمير.
- ١٧٨ -

أن عليّاً عليه السَّلامُ أخرج الصحيفةَ التي سَمِعَها مِن رسولِ الله
وَّ﴿ التي كانت في قِرَاب سيفه، فإذا فيها: ((إنَّ إِبْرَاهِيمَ وَّهَ حَرَّمَ مَكَّةً،
وإني حرَّمتُ المدينةَ لا يُخْتَلَى خَلاهَا، ولا يُنْفَّرُ صَيْدُهَا، ولا يُقْطَعُ
شجرُهَا إِلَّ أن يَعْلِفَ رَجُلٌ بعيرَه)(١).
فاعتبرناه، فوجدناه منقطعَ الإِسناد، وذلك أن أبا حسَّان لم يلقَ علياً
رضي الله عنه، وإنما الذي يُحَدِّثه من حديثٍ علي هو مما أخذه عن
عَبِيدة السَّلماني ومِنْ مِثله من أصحابه عنه.
ولما كان ذلك كذلك، كان ما رويناه في هذا الباب مما يُخالِفُه
(١) رجاله ثقات رجال الصحيح، إلا أن أبا حسان - واسمه مسلم بن عبد الله
الأعرج - لم يدرك علياً كما قال المؤلف، فإنه قد قتل سنة (١٣٠)هـ، وعلي رضي
الله عنه استشهد سنة أربعين.
ورواه أحمد ١١٩/١ عن بهز، وأبو داود (٢٠٣٥) عن ابن المثنى، عن عبد
الصمد، كلاهما (بهز وعبد الصمد) عن همَّام، بهذا الإِسناد.
وفي الباب عن جابر عند مسلم (١٣٦٢) رفعه: ((إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني
حرَّمتُ المدينة ما بين لابتيها، لا يُقطع عِضاهها، ولا يُصاد صيدها)).
ورواه مسلم أيضاً (١٣٦٢) من حديث سعد بن أبي وقاص.
وفيه (١٣٦٧) عن عاصم الأحول، قال: سألت أنساً: أحرّم رسول الله واله
المدينة؟ قال: نعم هي حرام لا يُختلى خلاها، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين)).
وفيه أيضاً (١٣٧٤) من حديث أبي سعيد الخدري رفعه .... ((وإني حرمت
المدينة حراماً ما بين مَأْزِمَيها أن لا يُهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا
تخبط فيها شجرة إلا لعلف)).
- ١٧٩ -

عن عمر رضي الله عنه أولى منه، لا سيما وقد كان ذلك من عمر
رضي الله عنه بحضرة مَنْ سِواه من أصحاب رسول الله وَّرَ، فلم يُنْكِرُوا
ذلك عليه، ولم يُخَالِفُوه فيه، فدلَّ ذلك على متابعتهم إِيَّه عليه، والله
نسأله التوفيق.
ثم وجدنا هذا الحديثَ متصلَ الإِسنادِ.
٣١٤٨ - حدثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: حدثنا أحمدُ بنُ حفص
ابن عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني إبراهيمُ - يعني ابنّ
طَهْمَانَ -، عن الحجّاج، يعني ابن الحجاجِ الأحول البَاهِلِي، عن
قتادة، عن أبي حسَّانِ الأعرج، عن الأشتر، أنَّه حدَّثه عن علي رضي
الله عنه، ثم ذكر مثلَ حديث ابن أبي داود الذي ذكرناه في هذا الباب
عن هُذْبة(١).
قال أبو جعفر: والحجاجُ هذا، فإمامٌ في الحديث محمودُ الرواية .
فقال قائل: فكيف يجوزُ أن يكونَ هذا الحديثُ مُتَّصِلَ الإِسنادِ،
وإنما ذكره أبو حسان عن الأشتر، والأشتر كانت وفاته في أيام علي بن
أبي طالب رضي الله عنه، وإذا انتفى أن يكونَ سَمِعَ مِنْ عليٍّ، كان
بأن يكونَ سَمِعَ من الأشتر أشدَّ انتفاء.
(١) هو في ((سنن النسائي)) ٢٤/٨، وفي السير من ((الكبرى)) كما في ((التحفة))
٤٤٠/٧.
قلت: وهذا فيه انقطاع أيضاً، فإن الأشتر - واسمه مالك بن الحارث -، مات
سنة ٣٧ هـ.
- ١٨٠ -