Indexed OCR Text

Pages 301-320

الجاهلية، فإنَّ الإِسلامَ لم يَزِدْهُ إِلَّ شِدَّةٌ، ولا حِلْف في الإِسلامِ))(١).
١٦١٩ - وكما حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا الوَهْبِيُّ، قال:
حدثنا ابنُ إسحاق، عن عمروبن شعيب، عن أبيه
عن جدِّه عن رسول الله وَّ فذكر مثلَه(٢).
فأخبر عبدُ الله بن عمرو أن هذا القول إنَّما كان من رسول الله
* يوم فتح مكة والذي كان مِن رسول الله بَّ في المهاجرين والأنصار
رضوان الله عليهم من المُؤاخاةِ بَينهم التي حالفَ بينهم فيها، كان قبل
ذلك بالمدينة، وكان الذي كان من النبيِّ نَّه في خطبتِه يومَ فتح مكة
مما ذكَرَهُ عبدُ الله بن عمرو ناسخاً لذلك، ولم يكنْ منه وَِّ بعدَ قوله:
((لا حِلْفَ في الإِسلام)) حلفٌ إلى أن قبضَهُ الله، صلوات الله عليه.
(١) حديث حسن. إبراهيم بن إسماعيل - وهو ابن مجمع الأنصاري - وإن كان
ضعيفاً - قد توبع. عبدالرحمن بن الحارث: هو المخزومي .
ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٧٠)، والطبري في ((جامع البيان)»
(٩٢٩٩) من طريق خالد بن خالد، عن سليمان بن بلال، عن عبدالرحمن بن
الحارث، بهذا الإِسناد.
ورواه الترمذي (١٥٨٥)، والطبري (٩٢٩٤) من طريق حسين المعلم، عن
عمروبن شعيب، به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر ما بعده.
(٢) إسناده حسن. الوهبي: هو أحمد بن خالد بن موسى، وابن إسحاق قد
صرح بالتحديث عند البيهقي، فانتفت شبهة تدليسه.
ورواه أحمد ١٨٠/٢، والطبري في ((جامع البيان)) (٩٢٩٧) و(٩٢٩٨)،
والبيهقي ٣٣٥/٦-٣٣٦ و٢٩/٨ من طرق عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد.
٣٠١

فقال قائلٌ: فقد رُويَ عن سعيد بن المسيِّب في تأويل قول الله
عز وجل: ﴿والذينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ خلاف ما رويتُموه
عن عبدِ الله بن عباس في ذلك.
وذكر ما قد حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا عبدُ الله بن
وهب، قال: أخبرني يُونُس بنُ يزيد، عن ابن شهاب
عن سعيد بن المسيِّب، قال: قال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنَا
مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالِدانِ والأَقرَبونَ والذينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَأَتُوهُمْ
نَصِيبَهُمْ﴾ قال ابنُ المسيب: إنَّما نزلت هذه الآية للذين يتَبَُّّون(١) رجالاً
غيرَ آبائِهم فيُورِّثونهم، فأنزل الله عز وجل فيهم أن يُجعلَ لهم نَصِيبٌ
في الوصيَّة، وجعل الميراثَ للرحم والعَصَبة، وأبى الله عز وجل أن
يجعلَ للمُدَّعين ميراثاً مِمَّن ادَّعاهم وتبنَّاهم، ولكنْ جعلَ لهم نصيباً في
الوصيّة مكانَ ما تعاقدوا فيه من الميراث الذي ردَّ الله عز وجل فيه
أمرهم(٢).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجلَ وعونه: أنَّ الذي رويناه
عن عبدِ الله بن عباس في ذلك عندنا أُوْلَى بتأويل الآية - والله أعلم -
بل في الآية ما قد دلَّ على ما قال ابنُ عباس، وعلى خِلاف مَنْ
(١) تصحفت في الأصل إلى: ((يتبعون)).
(٢) رجاله ثقاتٌ رجال الشيخين.
ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (٩٢٨٨)، والنحاس في ((ناسخه)) ص١٢٨ من
طريقين عن الزهري، بهذا الإِسناد.
٣٠٢

خالفه، لأنّ فيها: ﴿والذينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقد كان التحالفُ فيه
أيمان، والتّدعِّي والتبني لم يكن فيهما أيمان، فكان ذلك معقولاً به
أن التأويلَ الذي ذكره عبدُ الله بن عباس في هذه الآية أوْلى مما ذكره
غيرُه في تأويلها. والله نسأله التوفيق.
وقفـ
الله تعالى
C
الله
٣٠٣

٢٦٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِل
فيما يُفعل على المُزاحِ مما يروع المَفْعُولَ به،
هل هو مباحٌ لفاعِلِه؟ أو محظورٌ عليه؟
١٦٢٠ - حدثنا عليُّ بن مَعْبَد وأبو أميّة جميعاً قالا: حدثنا رَوْحُ بنُ
عُبَادَةَ، قال: حدثنا زَمْعَةُ بنُ صالح، قال: سمعتُ ابنَ شهاب يحدث
عن عبد الله بن وهب بنِ زَمْعَةً
عن أمِّ سلمة أنَّ أبا بكر رضي الله عنه خرَج تاجراً إلى بُصرَى
ومعه نُعَيْمانُ وسُوْبِطُ بنُ حَرْمَلَة، وكان سُويبط على الزَّادِ، فجاءَه نُعيمانُ
فقال: أطعِمْنِي. قال: لا، حتَّى يأتِيَ أبو بكر، وكان نعيمان رجلًاً
مِضْحاكاً مَزَّاحاً فقال: لَاغِيظَّك، فذهب إلى أناس جلبُوا ظهراً، فقال:
ابتاعُوا مِنِّي غُلاماً عربياً فارهاً وهو رَغَّاد ولَسَّان، ولعله يقول: أنا حُرُّ،
فإنْ كنتم تارِكيه لذلك فدعُوهُ لي لا تُفْسِدُوا عليَّ غُلامي، فقالوا: بل
نَبْتَاعُهُ منك بعشرةٍ قلائصَ. فأقبلَ بها يَسُوقها، وأقبل بالقوم حتّى
عقَلها، ثم قال: دُونَكُم هذا، فجاء القومُ فقالوا: قد اشترينَاك، فقال
سُويبط: هو كاذبُ، أنا رجلٌ حرُّ. قالوا: قد أُخْبَرَنا خَبَرك، فطَرَحُوا
الحَبلَ في عُنُقِه، وأخذُوه فذهبُوا به، فجاء أبو بكر فذهبَ هو وأصحابُ
٣٠٤

له، فردَّ القلائِصَ وأخذُوه، قال: فضحِك منها النبيُّ بِ لّه وأصحابُه
حَوْلاً(١).
فقال قائل: في هذا الحديث ضَحِك رسول اللهِ وَ ليهِ وأصحابُه ممَّا
ذكر فيه مما فعله نُعيمان بسُويبط حولاً، ففي ذلك دليلٌ على إباحة
ترويعِ المُسلم المسلمَ على المُزاح بمثل هذا، قال هذا القائلُ، ومثلُ
هذا ما قد رُوي عن رسولِ الله ◌َّ في غير هذا الحديث.
١٦٢١ - فذكر ما قد حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: حدثنا
عفَّانُ بن مسلم، قال: حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، قال: حدثنا محمد بن
عمرو، عن عُمر بن الحكم
(١) إسناده ضعيف، زمعة بن صالح ضعيف.
ورواه أحمد ٣١٦/٦ عن روح بن عبادة، بهذا الإِسناد.
ورواه الطيالسي (١٦٠٠) عن زمعة مختصراً، ولم يسق لفظه.
ورواه ابن ماجه (٣٧١٩)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٣/ (٦٩٩)، وابن أبي شيبة،
وأحمد بن منيع في ((مسنديهما)) من طريقين، عن زمعة، به.
قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ١٣١/١:هذا إسناد ضعيف. زمعة بن
صالح، وإن أخرج له مسلم، فإنما روى له مقروناً بغيره، وقد ضعفه أحمد، وابن
معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأبو داود، والنسائي.
قلت: وقد قلبه ابن ماجه، فجعل المازح سُويبطاً والمبتاع نعيمان، والصحيح
رواية الجماعة، ونعيمان هذا: هو ابن عمروبن رفاعة بن الحارث بن سواد بن
مالك بن غنم بن مالك بن النجار، شهد العقبة وبدراً والمشاهدَ بعدها، وكان كثيرً
المزاح، يضحك النبي وَلجر من مزاحه.
وقوله: ((جلبوا ظهراً) الظهر: الإِبل التي يحمل عليها وتركب.
٣٠٥

عن أبي سعيد الخدريِّ أن رسولَ الله ◌َّهِ استعملَ علقمةً بن مُجَزٍِّ
المُدْلِجي(١) على خيبر، فبعث سريّةً، واستعمل عليها عبدَ الله بن حُذَاقة
السَّهمي، وكان رجلاً فيه دُعابَةً، وبين أيديهم نارً قد أُجِّجت، فقال
لأصحابه: أَلَيْسَ طاعتِي عليكم واجبةً؟ قالوا: بَلَى. قال: فقُوموا
فاقتَحِموا هُذِه النار، فقام رجلٌ حتى يدخلها فضحِك، وقال: إنَّما كنتُ
ألعبُ، فبلغ ذلك رسولَ الله ◌َ، فَضَحِكَ، فقال: ((أما إذا قد فعلُوا
هذا، فلا تُطيعُوهم في معصية الله عز وجل))(٢).
١٦٢٢ - وما قد حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدثنا حجاجُ بنُ
إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيلُ بن جعفر، عن محمد بن عمرو ...
فذكر بإسنادِهِ مثلَه غير أنَّه قال: علقمة بن محزز، بالحاء(٣).
قال: ففي هذا الحديث أيضاً مثلُ ما في الحديث الأول، ولم يُنكر
رسولُ الله ◌ََّ على فاعله، ففي ذلك ما قد دلَّ على إباحة مثله على
المُزاح.
(١) تحرف في الأصل إلى ((البجلي)) والمدلجي: نسبة إلى بني مدلج الذين
اشتهروا بالقيافة .
(٢) إسناده حسن. محمد بن عمرو بن علقمة روى له البخاري مقروناً، ومسلم
متابعة، وهو صدوق حسنُ الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح.
ورواه ابن أبي شيبة ٥٤٣/١٢ ٣٤١/١٤ -٣٤٢، وأحمد ٦٧/٣، وابن ماجه
(٢٨٦٣)، وأبو یعلی (١٣٤٩)، وعنه ابن حبان (٤٥٥٨) من طریق یزید بن هارون،
عن محمد بن عمروبن علقمة، بهذا الإِسناد.
وأورده البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ١/١٨٣، وصحّح إسناده.
(٣) إسناده حسن، وهو مكرر ما قبله.
٣٠٦

فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّه ليس في
شَيْءٍ مِنْ هذين الحديثين إباحةٌ مِنْ رسول اللهِ وَّ بما ذكر فيهما أن
يفعلَ مثلَه أحدٌ بأحدٍ. وإنَّما في الحديثِ الأوَّلِ منهما ضحِكَ رسولُ
الله وَّه وأصحابُه مِنْ ذُلك الفعلِ حولاً كمثل ما قد كان رسولُ الله
وَ﴾ وأصحابُه يتحدَّثون بأمورِ الجاهلية، فيضحكُ أصحابُه مِنْ ذُلك
بمحضرِهِ، من غير نهيٍ منه إيَّهم عن ذلك، وإن كانت تلك الأفعالُ
ليس بمباحٍ لهم فِعْل مثلها في الإِسلام.
١٦٢٣ - كما قد حدثنا عليُّ بنُ مَعْبدٍ، قال: حدثنا يونسُ بن
محمَّد، قال: أخبرنا شَريك بنُ عبد الله، عن سِماك بن حربٍ
عن جابر بن سَمُرَةَ، قال: جالستُ النَّبِيَّ وَّهِ وأصحابَه أكثرَ مِنْ
مئةِ مرَّةٍ، فكانَ أصحابُه يتناشَدُون الشِّعْرَ، ويذكُرون أشياءَ مِنْ أَمرِ
الجاهليةِ، فربما يَتَّبَسِّمُ معهم(١).
وقد رُوي عن رسول الله وَّ في المنع من ترويع المسلم.
١٦٢٤ - ما قد حدثنا يزيدُ بنُ سنان، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي،
قال: حدثنا ابن أبي ذئْبٍ، عن عبد الله بن السَّائب بن يزيد، عن أبيه
عن جده، أنه سَمِعَ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((لا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ
(١) حديث حسن. شريك القاضي - وإن كان سبىء الحفظ - قد توبع،
وسماك بن حرب حسن الحدیث.
ورواه ابن حبان (٥٧٨١) من طريق علي بن حجر عن شريك بن عبدالله، بهذا
الإِسناد. وانظر تمام تخريجه فيه.
قلت: مجزز بمعجمات، ورواية من رواه بالحاء المهملة تصحيف.
٣٠٧

صاحِبِه لاعِباً، وإذا أَخَذَ أَحدُكُمْ عَصَا صَاحِبِهِ، فَلَّرُدَّها إليهِ)(١).
قال أبو جعفر: والسَّائبُ أبو عبد الله بن السَّائب هذا، هو
السَّائب بن يزيد الكِنْدِي أحدُ بَنِي عَمروبن معاوية حليفٌ في قريش،
وهو ابنُ أخت النَّمِر.
فقال قائلٌ: فما الدليل على نسخ أحد هذين المعنيين بالآخر
منهما؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ الدليلَ
على المنسوخ منه.
١٦٢٥ - ما قد حدَّثنا سليمانُ بنُ شُعيبِ الكَيْساني، قال: حدَّثنا
خالدُ بنُ عبدالرحمن الخُرَاساني، قال: حدثنا فِطْرُبنُ خليفة، عن
عبد الله (٢) بن يَسار الجُهَني
(١) إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبدالله بن السائب، فقد
روى له أبو داود والترمذي، ووثقه النسائي، وابن سعد، وابن حبان.
أبو بكر الحنفي: اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد.
ورواه أحمد ٢٢١/٤، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٤١)، وأبو داود
(٥٠٠٣)، والترمذي (٢١٦٠)، والمصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٣/٤،
والدُّولاَبيّ في ((الكنى)) ١٤٥/٢، والطبراني في ((الكبير)) ٢٢/ (٦٣٠)، والحاكم
٦٣٧/٣، والبيهقي ٩٢/٦، والبغوي (٢٥٧٢) من طرق عن ابن أبي ذئب، بهذا
الإِسناد.
وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ذئب.
(٢) في الأصل: عبد الرحمن، والصواب ما أثبت.
٣٠٨

عن أبي ليلى الأنصاري، قال: خرج رسول الله وَّل في بعض
غَزَواتِهِ، فأخذ بعض أصحابه كِنَانَةً رجلٍ، فغيِّبُوها ليَمزّحوا معه، فطلبها
الرَّجُلُ فَفَقَدها، فراعَه ذلك، فجعلُوا يضحكون منه، فخرَج النبيُّ ◌َاهـ
فقال: ((ما أضحَكَكُمْ؟)) قالوا: لا واللهِ، إلَّ أنّا أخذنا كِنَانة فلانٍ لنمزحَ
معه، فراعَه ذلك، فذلك الذي أضحَكَنا. فقال: ((لا يَحِلَّ لمُسلِمٍ أن
يُرَوِّعَ مُسلِماً)(١).
ففي هذا الحديثِ ذكرُ ما فعله الرجلُ المذكورُ فيه من أخذِ كِنانة
صاحبه ليرتَاعَ بفقدِها على أنّ ذلك عنده مباحٌ له، فقال له رسولُ الله
وَل﴿ عند ذلك: ((لا يَحِلُّ لمسلمٍ أنْ يُرَوِّعَ مُسلماً)) فكان قولُه ذلك له
بعد فعله ما فعله ممَّا هو من جنس ما كان فَعَلَهُ نُعَيمانُ بسُويبطٍ، وما
كان فعَلَه عبدُ الله بنُ حُذافة في حديث عَلقمة المُدْلِجي بأصحابِهِ،
ليضحكوا مِنْ ذُلك، فقال رسولُ الله ◌َّ في حديث أبي ليلَى لفاعل
(١) صحيح، وهذا سند رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً بين عبدالله بن يسار
الجهني وبين أبي ليلى الأنصاري، وأبو ليلى - وهو والد عبد الرحمن - اختلف في
اسمه، فقيل: بلال أو بليل وقيل: داود، وقيل: يسار، وقيل: أوس صحابي شهد
أحداً وما بعدها: ثم سكن الكوفة وكان مع علي رضي الله عنه في حروبه، روى
عن النبي ◌َّل، روى عنه ولده عبدالرحمن وحده، ولم أجد هذا الحديث من مسنده
عند غير المصنف رحمه الله، فقد رواه أحمد ٣٦٢/٥، وأبو داود (٥٠٠٤) ومن
طريقه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٨٧٨)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
٢٤٩/١٠، و((الآداب)) (٥٤٢) من طريق الأعمش، عن عبدالله بن يسار، عن
عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، قال: قال حدثنا أصحاب محمد مََّ، وهذا سند صحيح.
عبدالله بن يسار: ثقة، روى له أبو داود والنسائي، وباقي السند على شرطهما.
٣٠٩

ما ذكر فعله(١) إِيَّه فيه: ((لا يَحِلُّ لمسلمٍ أنْ يُرَوَّعَ مُسلماً) فكان ذلك
تحريماً منه لمثل ذلك، ونسخاً لما كان قد تقدَّمه مما ذكرناه في هذا
الباب مما تعلَّق به مَنْ تعلَّق ممَّن يذهب إلى إباحةٍ مثلِه، إن كان مباحاً
حينئذٍ. والله نسأله التوفيق.
:
الله تعالى
لله
S
(١) في الأصل: ((فعلها)).
٣١٠

٢٦٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِصَلّل
في المُرادِ بقول الله: ﴿للهِ ما فِي السَّماواتِ وما
فِي الأَرضِ وإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ
تُخفوهُ ... الآية﴾ [البقرة: ٢٨٤]
١٦٢٦ - حدثنا إسماعيلُ بنُ يحيى المُزَني، قال: حدثنا محمدُ بنُ
إدريس الشافعي، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن ابن
مَرْجانَة، قال:
ذُكِرَ لابن عباس أنَّ ابن عمر تلا هذه الآية: ﴿إِنْ تُبْدُوا ما فِي
أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ فَبَكَى، ثم قال: واللهِ لئن آخَذَنا
الله بها لنَهْلِكَنَّ، فقال ابنُ عباس: يَرْحَمُ الله أبا عبدالرحمن قد وَجَدَ
المسلمون منها حين نزلت ما وَجَدَ، فذكروا ذلك لرسولِ الله وَلته ،
فنزلت: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيها ما
اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] من القول والعمل، وكان حديثُ النفس ممَّا
لا يَمْلِكُه أحدٌ، ولا يَقْدِرُ عليه أحدٌ(١).
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات، وهو في ((مسند الشافعي)) برواية المزني
(٤٢٢) .
ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (٦٤٥٨)، والطبراني في «الكبير» (١٠٧٦٩) =
٣١١

١٦٢٧ - حدَّثنا يُونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ
وهب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن
مَرْجانة
يحدث بينما هو جالس مع عبد الله بن عمربن الخطاب تلا هذه
الآية: ﴿للهِ ما فِي السَّماواتِ وما في الأرضِ وإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنفُسِكُمْ
أُوْ تُخفوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ الله ... الآية) فقال: والله لَئِنْ آخَذْنَا الله بهذا
لنهلِكُنَّ، ثم بَكَى عبدُ الله بن عمر حتى سُمِعَ نَشِيجُهُ، فقال ابنُ
مرجانة: فقمتُ حتى أتيتُ عبدَ الله بن عباس، فذكرتُ له ما تلا ابن
عُمر وما فعلَ حين تلاها، فقال ابن عباس: يَغْفِرُ الله لأبي عبد الرحمن،
لَعمري لقد وَجَدَ المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وَجَدَ ابنُ عُمر،
فأنزل الله بعدَها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهِ نَفْساً إلَّا وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتِ وَعَلَيْهَا
ما اكْتَسَبَتْ﴾ ... إلى آخر السورة فقال ابنُ عباس: وكانت هذه
= و(١٠٧٧٠) من طرق عن الزهري، بهذا الإِسناد، وقد صرح ابن شهاب بسماعه من
سعيد بن مرجانة عند الطبراني، وسنده صحيح .
وذكره الحافظ في ((الفتح)) ٢٠٦/٨ من رواية الطبري، وصحح إسناده.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٢٨/٢، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد،
وأبي داود في ((ناسخه))، والبيهقي في ((الشعب)).
وروى أحمد ٣٣٢/١ عن عبد الرزاق، عن حميد بن قيس الأعرج، عن
مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلتُ: يا أبا عباس ... وذكر نحو حديثٍ
سعيد بن مرجانة. وهذا سندٌ صحيح على شرطهما.
ورواه الطبري (٦٤٦١) من طريق عبدالرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن حميد
الأعرج، عن مجاهد، بنحو الرواية الأولى.
٣١٢

الوسْوَسَةُ مِمَّا لا طَاقةً للمسلمينَ بها، فصارَ الأمرُ إلى أن قضى الله عز
وجل أنَّ للنفس ما كَسَبَتْ وعليها ما اكتسبت في القولِ والفعلِ (١).
قال أبو جعفرٍ: فكان في هذا الحديث عن ابن شِهاب، عن
سعيد بن مَرْجانة يُحدِّث، فأوقعَ ذلك في القُلوب أن يكونَ ابنُ شهاب
لم يحدِّث به عن ابن مَرْجانة سماعاً، فنظرنا إلى ذلك لِنقفَ على
الحقيقة فيه إنْ شاءَ الله.
١٦٢٨ - فوجدنا أحمد بنَ حماد التُّجِييَّ أبا جعفر قد حدثنا، قال:
حدثنا أبو مروان محمدُ بنُ عثمان العُثماني، قال: حدثنا إبراهيم بن
سعدٍ، عن ابن شِهاب، عنْ مَنْ حدَّثه، عن سعيد بن مَرْجانة ... ثم
ذكر مثل حديث يونس هذا(٢).
قال أبو جعفرٍ: فوقفنا بذلك على أنَّ ابنَ شهاب إنَّما حدَّث بهذا
الحديث عن ابن مَرجَانة بلاغاً، ولم يُحَدِّث به عنه سماعاً، فبَطَلَ بذلك
هذا الحديثُ لبُطلان إسنادِه، ثم نظرنا هل رُوي عن رسول الله وَله
(١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (٦٤٥٩) عن يونس بن عبد الأعلى، بهذا
الإِسناد.
(٢) محمد بن عثمان العثماني ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطىء
ويخالف، وقال الحاكم: قد حدَّث عنه أهل المدينة وغيرهم، وفي حديثه بعض
المناكير، وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يخطىء.
قلت: وقد تقدم أن الزهري صرح بالتحديث في رواية الطبري وهي صحيحة،
فلا يُعَلُّ الحديث بهذه الرواية .
٣١٣

في هذا السبب حديث(١) غيرُ هذا الحديث.
١٦٢٩ - فوجدنا إبراهيمَ بنَ أبي داود قد حدَّثنا، قال: حدثنا
محمد بن المِنْهال الضَّرير، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدثنا
رَوْحُ بنُ القاسم، عن العلاء بنِ عبدالرحمن، عن أبيه
عن أبي هُريرةَ، قال: لَمَّا نِزلت على النَّبِيِّ ◌َ هذه الآية:
﴿اللّهِ ما فِي السَّماواتِ وما في الأرضِ وإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ
تُخفوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ الآية جَثَوْا على الرُّكَب، فقالوا: لا نُطِيقُ لا
نستطيعُ، كُلُّفنا من العمل ما لا نُطيق ولا نستطيع، فأنزل الله عز
وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنْزِلَ إليه مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى قوله جل وعز:
﴿وإليكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥-٢٨٦] فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك
ربنا وإليك المصير. فأنزل الله عز وجل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهِ نَفْساً إلاّ
وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا ما اكْتَسَبَتْ رَبِّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ
أَخْطَأْنا﴾، قال: نعم ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ على الذِينَ
مِنْ قَبْلِنا رَبِّنَا ولا تُحَمِّلْنَا مَا لَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الآية، قال: نعم(٢).
قال أبو جعفرٍ: فكان هذا الحديثُ أحسنَ مِنْ حديث ابنِ شِهاب
وأصحَّ إسناداً، ثم تأملناهُ، فوجدنا فيه عن أصحاب رسول الله وَ ه
(١) في الأصل: ((حديثاً، والجادة ما أثبت.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه في ((صحيحه)) (١٢٥)، وابن حبان
في ((صحيحه) (١٣٩)، وأبو عوانة في ((مسنده)) ٧٦/١ من طرق عن محمد بن
المنهال، بهذا الإسناد.
وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه عند ابن حبان.
٣١٤

قولَهم: لا نُطيق لا نستطيع، كُلِّفنا مِنَ العمل مَالا نُطِيق وما لا نستطيع،
وكان ذلك مِنهم عندنا - والله أعلم - على أنَّه وَقَعَ في قلوبهم أنَّ الله
عزَّ وجل أَعْلَمهم بهذه الآية أنَّه يُؤاخذُهم بخواطرِ قلوبهم التي لا
يَستطيعُونها ولا يَملكونها من أنفسهم، فبيَّن لهم عز وجل فيما أنزل بعد
ذلك، فقال: ﴿لا يُكَلِّف الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا ما
اكْتَسَبتْ﴾ أي: لا يُكلِّف الله نفساً ما لا تملكه، وبيَّن بذلك أنه عز
وجل إنَّما كان أراد بقوله: ﴿وإنْ تُبُدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ إنَّما هو ما يُخفونه ممَّا يستطيعون أن لا يُخْفُوهُ وما
يُبدونه ممّا يستطيعون أنْ يُخفوه، لا الخواطر التي لا يستطيعون فيها
إبداءً ولا إخفاءً، ولا يملكونها من أنفسهم. وقد رُوي عن ابن عباس
مِنْ غير حديث ابن مَرْجانة في تأويلِ هذه الآية قولٌ يُخالِفُ هذا القولَ.
كما قد حدثنا أبو قُرَّة محمد بن حميد الرُّعَيني، قال: حدثنا
علي بن مَعْبَد، قال: حدثنا موسى بن أعْين، عن يزيد بن أبي زياد،
عن مِقسم
عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿إِنْ تُبِدُوا ما فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ
تُخْفُوه ... الآية﴾ قال: مِن الشهادة(١).
(١) يزيد بن أبي زياد: فيه ضعف، وباقي رجاله ثقات.
ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (٦٤٥٠) و(٦٤٥٤) من طريقين عن يزيد بن
أبي زياد، بهذا الإِسناد.
ورواه الطبري (٦٤٤٩) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن
عباس.
٣١٥

قال أبو جعفر: فكان هذا التأويلُ عندنا غيرَ صحيح، وكان التأويلُ
الأول أولاهما بالآية، لأنَّ كِتمانَ الشهادة مما لا يُغْفَرُ، لأَنَّه حقٌّ من
المشهود له. وفي الآية ما قد منع من ذلك، وهو قولُه عز وجل: ﴿فَيَغْفِرُ
لِمَنْ يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ [الفتح: ١٤] والله عز وجل نسأله التوفيق.
لله تعالى
-
٣١٦

٢٦٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِصلّ فيما
كان مِن أصحابه رضوان الله عليهم عندما يُتَلَى عليهم: ﴿آَمَنْ
الرَّسولُ بِما أَنْزِلَ إليه مِنْ رَبِّهِ﴾ ... إلى آخر سورة
البقرة [٢٨٥-٢٨٦] وما كان من الله ممّا أنزله على
رسولِه* لذلك جوابُ لهم
حدثنا أبو أميةً، قال: حدثنا محمد بن الصَّلت الأسدي، قال:
حدثنا أبو كُدَيْنَة، عن عطاء بن السَّائب، عن سعيد بن جُبَير
عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿آمَنَ الرّسولُ بما أُنْزِلَ
إليه مِنْ رَبِّهِ ... إلى قوله عز وجل: ﴿لا تُؤَاخِذْنا إِنْ نَسِينا أو
أَخْطَأْنَا﴾، قالوا مِثْلَ ذلك، قال الله: قد فعلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ علينا
إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ على الذِينَ مِنْ قبلِنا﴾ قالُوا مِثلَ ذلك، قال: قد
فعلتُ، ﴿رَبَّنَا ولا تُحَمِّلْنا مالا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال الله: قد فعلت،
﴿واعْفُ عنَّا ... الآية﴾ قالوا مثلَ ذلك، قال الله: قد فعلتُ(١).
(١) حديث صحيح. عطاء بن السائب - وإن كان قد اختلطٍ - قد توبع. أبو
كدينة: اسمه محمد بن المهلب.
ورواه أحمد ٢٣٣/١، ومسلم (١٢٦)، والترمذي (٢٩٩٢)، والنسائي في
((التفسير)) كما في ((التحفة)) ٤ /٣٩١، والطبري (٦٤٥٧)، وابن حبان (٥٠٦٩)، =
٣١٧

١٦٣٠ - حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهَرَوي، قال: حدثنا آدم بن
أبي إياس، قال: حدثنا وَرْقَاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن
جُبير
عن ابن عباسٍ، قال: لما نزلت هذه الآية على رسولِ اللهِ وَّه:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أَنْزِل إِليهِ مِنْ رَبِّه﴾ قرأها رسولُ اللهِصَلِّ، فلمّا قال:
((﴿غُفرَانَكَ رَبِنَا﴾)) قال الله: قد غفرتُ لكم. فلما قال: ((﴿رَبَّنَا لا
تُؤَاخِذْنا إِنْ نَسينَا أَوْ أَخْطَأْنا﴾)) قال الله عز وجل: لا أُؤَاخِذُكم، فلما
قال: ((﴿رَبِّنَا ولا تَحْمِلْ عَليْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلتَهُ على الذِينَ مِنْ قَبلِنا﴾))
قال الله عز وجل: لا أَحْمِلُ عليكم، قال: فلما قال عز وجل: ﴿ولا
تُحَمِّلنا ما لا طَاقَةً لَنَا بِهِ﴾ قال الله: لا أُحَمِّلُكم، فلما قال: ﴿واعْفُ
عنَّا﴾ قال الله: قد عفوت عنكم، فلما قال: ﴿واغْفِرْ لَنَا﴾ قال: قد
غفرتُ لكم، فلما قال: ﴿وارْحَمْنَا﴾ قال: قد رحمتُكم، فلما قال:
﴿وَانْصُرْنا على القَومِ الكَافِرِينَ﴾ قال: قد نصرتُكم(١).
قال أبو جعفر: فسأل سائل عن المراد بقوله: ﴿ربَّنا لا تُؤاخذنا
= والواحدي في ((أسباب النزول)) ص٦٠، والحاكم ٢٨٦/٢، وأبو عوانة ٧٥/١،
والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٢١٠-٢١١ من طرق عن وكيع، عن سفيان،
عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير، بهذا الإِسناد. مع اختلاف يسير في المتن.
وانظر ما بعده.
(١) حديث صحيح. وهو مكرر ما قبله.
ورواه أبو عوانة ٧٦/١ عن محمد بن عوف، قال: حدثنا آدم - وهو ابن أبي
إیاس ـ بهذا الإِسناد.
ورواه من طريق أبي عوانة، عن عطاء بن السائب، به، ولم يسق لفظه.
٣١٨

إن نسينا أو أخطأنا﴾ وقال: النسيان ليس ممَّا يَمْلِكُونه من أنفسِهم،
فكيف يسألون أَنْ لا يُؤاخَذُوا به؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ النسيانَ
الذي لا يملكونه من أنفسهم هو النسيانُ من الأشياء التي هي أضدادٌ
للذُّكْر لها، فذلك مما لا يُؤْاخَذُونَ به، ومما لا يجوز منهم سؤالُهم ربّهم
أن لا يؤاخِذَهُم به، وأما النسيانُ المذكورُ في هذه الآية، فإنَّما هو التركُ
على العمدِ بذلك كقول الله: ﴿نَسُوا الله فَنَسِيَهُم﴾ [التوبة: ٦٧] في
معنی ترکُوا الله فتركّهم.
قال: فما المُرادُ بقوله عز وجل حكاية: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ والخطأ فَهُمْ
غَيرُ مأخوذين به، كما قال: ﴿وَلَيْسَ عَلِيكُمْ جُناحٌ فِيما أُخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ
ما تَعمَّدتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّ الخطأ الذي في
الآية التي تلاها علينا الذي لا جُناحَ فيه هو ضِدُّ ما يتعمِّدُونه، كما
قال عز وجل: ﴿وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلوبُكُمْ﴾ والخطأ الذي في الآية التي
تَلَّوْناها نحن عليه: هو الخطأ الذي يفعلُه مَنْ يفعلُه على أنه به مخطىءٌ
في اختيارِه له، وفي قصده إليه، وفي عملِه به، ومِنْهُ قِيل: خَطِئْتُ
في كذا - مهموز- أيْ عملت كذا خطيئة، فذلك ممَّا عامِلُه مأخوذٌ به
معاقَبٌ عليه، أو معفوُّ له عنه إن كان مما يجوزُ أنْ يُعفى له عن مثله.
فبانَ بحمدِ الله أنَّهم رِضوانُ الله عليهم سأَلُوا ربَّهم عز وجل في موضع
سؤالٍ، وأَنَّه عز وجل غَفَرَ لهم في شيئين، قد كان له عز وجل أخذُهم
بها وعقوبتهم عليها، وهو المحمودُ على فضلِه في ذلك عليهم ورحمته
لهم، وإِيَّه نسألُه التوفيق.
٣١٩

٢٦٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَله من
قوله: ((تَجَاوَزَ الله لي عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ
أَنْفُسَها مَا لم يَنْطِقْ بِهِ لِسانٌ أو تَعْمَلْهُ يَدْ))
١٦٣١ - حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدثنا أبو اليَسَع
وَهْبُ بن المبارك، قال: حدثنا حمَّاد بن سلمة وأبو عَوَانة، عن قَتَادَة
(ح).
وحدثنا يوسُف بن يزيد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا
أبو عَوانَة، عن قتادة، ثم اجتمعا فقالا عن زُرَارَة بن أوفى
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((تَجَاوَزَ الله عَنْ أُمَّتِي
ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَها مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانٌ أَوَ تَعْمَلْهُ يَدٌ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن منده في ((الإِیمان)) (٣٥١) عن أحمد بن إبراهيم بن جامع، حدثنا
یوسفُ بنُ یزید، بهذا الإِسناد.
ورواه مسلم (١٢٧) عن سعيد بن منصور، به.
ورواه مسلم، والترمذي (١١٨٣)، وابن منده، والبيهقي ٣٥٠/٧ من طرق عن
أبي عوانة، به.
ورواه الطيالسي (٢٤٥٩)، وأحمد ٤٩١/٢، وابن حبَّان (٤٣٣٤)، والبيهقي =
٣٢٠