Indexed OCR Text
Pages 1-20
◌َ مَكَّ الأَجَر تأليفُ الإِمَامِ المَحَدِّثِ الفَقية المفَسِّر أبِ جَعْفَر أحْمَد بن محَمَّد بنسَلَامَة الطّحَاوي (٢٣٩هـ - ٣٢١ هـ) متّه وضبط نصّه، وخرج أحاديثه، وعلّى عليه شعيب الأرقووط مؤسسة الرسالة 13 تعالى لله تعالى شركة مُشكِ الأَشِيَة ٣ 1 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الرسالة ولا يحق لأية جهَة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لاحَد سواء كان مؤسسة رسمية أو أفرادًا الطّبْعَة الأولى م ٩٩٤٠ ١٣ مؤسسة الرسالة مؤسّسَة الرّسَالة بَيرُوت - شارع سوريا - بنَاية صَمَدِي وَصَالحَة للطباعة والنشر وَالتوزيع هَاتف: ٢٤٣ ٦.٣ - ٨١٥١١٢ - صَ.بَ: ٧٤٦٠- بَرَقيًا: بيُورَان ١٤٩ - بابُ بيانِ مُشْكِلِ حديثِ النبي ◌ِّ في تركِه أُخذَ ميراثِ مولاه الذي سقطَ من نخلةٍ فمات، فأمرَهُ بدفعِ ميراثه إلى أهل قريته ٩٧٦ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حدثنا بِشْرُبنُ عُمر الزَّهْرَانِيُّ، حدثنا شعبةُ، عن عبد الرحمن بن الأَصْبَهانيِّ، عن مجاهدِ بنِ وَرْدَان، عن عُروةَ بنِ الزبير عن عائشة، أن مولىَّ لرسولِ الله ﴿ تُوفّيَ، فقال: ((هاهنا أحدٌ مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ))؟ فأعطاه إياه(١). ٩٧٧ - حدثنا عليُّ بنُ شيبةَ(٢)، حدثنا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا سفيانُ، عن عبدالرحمن بن الأصبهانيِّ، عن مجاهدٍ، عن عروةَ عن عائشةَ، أن مولىٍّ للنبي وَ ﴿ وقعَ من نخلةٍ، فماتَ، فقال النبي ١ (١) إسناده صحيح. رجاله رجال الشیخین غیر مجاهد بن وردان فقد روى عنه جمع، ووثقه أبو حاتم الرازي فيما نقله عنه ابنه ٣٢٠/٨، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٤٩٩/٧، وقال شعبة: حدثنا ابن الأصبهاني عن مجاهد بن وردان، وأثنى عليه خيراً. عبدالرحمن ابن الأصبهاني: هو ابن عبد الله. ورواه الطيالسي (١٤٦٥)، وأحمد ١٧٤/٦-١٧٥، وأبو داود (٢٩٠٢)، وأبو يعلى (٤٦٤٧)، والبيهقي ٢٤٣/٦، والبغوي (٢٢٣٠) من طرق عن شعبة بهذا الإِسناد. وانظر الأحاديث الآتية. (٢) في الأصل: ((قتيبة)) وهو تحريف، والمثبت من (ر). ٥ وَلَى: ((انْظُرُوا هَلْ لَهُ وارثٌ))؟ قالوا: لا. قال: ((أَعْطُوه بَعْضَ القرابة))(١). ٩٧٨ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المؤذنُ، حدثنا أُسَدُ بنُ موسى، حدثنا قيسُ بنُ الربيع، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن مجاهدٍ بن وَرْدَان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: وقعَ مولىَّ لرسولِ الله وَلجر من عِذْقِ نخلةٍ، فمات، وتركَ شيئاً، فذكر ذلك لرسول الله وَل فقال: ((هل تركَ من وَلَدٍ أو حَمِيمٍ))؟ قالوا: لا، قال: ((انظروا أهلَ قريتِه، فادفَعُوه إليهم))(٢). ٩٧٩ - حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، حدثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ بن تميمٍ، حدثنا حَجَّاجُ بنُ محمدٍ، حدثني شُعْبَةً، عن عبدِ الرحمن بنِ الأصبهاني، عن مجاهدٍ بن وردان - رجلٍ من أهلِ المدينة، وأثنى عليه خيراً - عن عروةً، عن عائشة، مثلَه(٣). (١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله. ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٤٠٤/٤ بإسناده ومتنه. ورواه الترمذي (٢١٠٥) عن بندار، عن يزيد بن هارون، به. ورواه ابن أبي شيبة ٤١٢/١١، وأبو داود (٢٩٠٢)، وابن ماجه (٢٧٣٣)، والبيهقي ٢٤٣/٦ من طريق وكيع، ورواه أحمد ١٨١/٦، والنّسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢١/١٢ من طريق عبدالرحمن بن مهدي، كلاهما عن سفيان، به. وانظر ما بعده. (٢) حسن لِغيره. قيسُ بنُ الربيع مختلف فيه، وأعدلُ الأقوالِ فيه أنه يُكتب حديثُه، ولا يُحتج به، وباقي رجاله ثقات، وانظر ما قبلَه وما بعده. (٣) إسناده صحيح. أحمد بن شعيب هو الإِمام أبو عبدالرحمن النسائي صاحب «السنن)). والحديث في ((السنن الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢١/١٢. ورواه أحمد ١٧٤/٦-١٧٥ عن محمد بن جعفر، عن حجاج بن محمد الأعور، بهذا الإِسناد. ٦ وقد روى عن مجاهدٍ هذا، سوى ابن الأصبهانيّ ربيعةُ بنُ سيفٍ المعافريُّ. ٩٨٠ - كما حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا أبو عبدالرحمن المقرىءُ، حدثنا سعيدُ بنُ أبي أيوبٍ، حدثنا ربيعةُ بنُ سيفٍ، عن مجاهدٍ، عن عروةً عن عائشةً، أنها كانت عند أبي بكر الصديق حينَ حضرتُهُ الوفاةُ، فَتَمَثَّلَتْ بِهذه الأبياتِ: مَنْ لا يَزالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعا يُوشِكُ أن يكُونَ مرة مُدَفَّقا هكذا أخبرناهُ إبراهيمُ ((مدفقاً» وأهلُ العلمِ بالشعر يقولون: إنه (مُدَفَّعاً)) فقال: لا تقولي(١) هذا يا بُنيَّةُ، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدٌ﴾ [ق: ١٩]، ثم قال: يا بُنَيَّةُ فِي كَمْ كُفِّنَ رسول الله وََّ؟ قالت: في ثَلاثةِ أثوابٍ. قال: كَفّنُوني في ثوبيَّ هذين، واشْتَرُوا إليهما ثوباً، فإنَّ الحيَّ أَحْوَجُ إلى الجديدِ من الميتِ، إنما هما للمُهلة(٢)، يعني الصديد(٣). 5 (١) في الأصل و(ر): ((لا تقولين))، والجادة ما أثبت. (٢) تحرف في الأصل إلى: المهملة، والتصويب من (ر). (٣) حديث صحيح. ربيعة بن سيف المعافري. قال البخاري: عنده مناکیرُ، وقال النسائي: ليس به بأسٌ، وقال الدارقطني: مصري صالح، وذكره ابن حبان في (الثقات)) وقال: كان يُخطىء كثيراً. قلت: لم أجد له رواية عن مجاهد بن وردان في غير رواية المصنف هذه، فقد رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٠٣٦) من طريق إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أبو عبدالرحمن المقرىء، حدثنا سعيد بن أيوب، حدثني جعفربن ربيعة، عن مجاهد بن وردان. بهذا الإِسناد. قلت: وهذا سند صحيح، جعفر بن ربيعة ثقة من رجال الجماعة، وهو معروف = ٧ هكذا يقول(١) أصحابُ الحديثِ، وغيرُهم من أهلِ اللغةِ، يقولون: للمهلة بكسر الميم(٢). وذكر البخاريُّ(٣) أنَّ مجاهداً هذا من أهل المدينة، وأنَّ مما رَوَى عنه جعفرُ بنُ ربيعة. وقد ذكر عبدُالرحمن بنُ القاسم، عن مالكِ بن أنسٍ ، أن خارجةً بن زيد ومجاهداً كانا يَقْسِمان للناسِ بالمدينةِ بغيرِ أجرٍ، فلم يُدْرَ مَنْ مجاهدُ الذي أرادَه مالكٌ الذي وقفنا على ما ذكرنا، فعلمنا أنه مجاهد، وأردنا بما ذكرنا أن يُعلم أنه خلافُ مجاهد بن جبر، إذا كان مجاهدُ بن جبر إنَّما كان يكون مرَّةً بمكةَ، ومرةً بالكوفةِ، ولا ذِكْرَ له في أهلِ المدينةِ. = بالرواية عن مجاهد بن وردان. ورواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٤٤٥١) عن العباس بن الوليد النرسي، حدثنا وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهذا سند صحيح على شرط الشیخین. ورواه أبو نعيم في ((المستخرج)) كما في ((الفتح)) ٢٩٧/٣ من طريق وهيب، به. م ورواه بنحوه دون الشعر ودونَ قول أبي بكر: لا تقولي هذا يا بُنية، ولكن قولي : ﴿وجاءت سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقِّ ذلك ما كُنْتَ منه تَحِيدٌ﴾ أحمد ٤٠/٦ و٤٥ و١١٨ و١٣٢، وعبدُ الرزاق (٦١٧٦)، وابنُ سعد ٢٠١/٣، وأبو يعلى (٤٤٩٥)، والبخاري (١٣٨٧)، والبيهقي ٣٩٩/٣ من طرقٍ عن هشام بن عُروة، به . ورواه عبد الرزاق (٦١٨٧) عن الزهري، عن عروة، به. (١) في الأصل يقولون بزيادة الواو والنون. والجادة حذفهما كما أثبته من (ر)، ويمكن تخريج ما في الأصل على لغة بني الحارث الذين يجعلون الواو علامة الجمع والاسم الذي بَعْدَ المذكورِ مرفوعاً به . (٢) قال ابنُ الأثير في ((النهاية)) ٣٧٥/٤: المُهلة - بضم الميم وكسرها وفتحها-، وهي ثلاثتها: القيح والصديد الذي يذوب فيسيل من الجسد، ومنه قيل للنحاس الذائب: المهل. (٣) في ((التاريخ الكبير)) ٤١٢/٧. ٨ فقالَ قائلٌ: ما كان معنى تركِ رسولِ الله وَّرَ ميراثَ هذا المتوفّى وهو مَوْلاه الذي مِنْ سببه وجوبُ ميراث مولى النُّعمة ودفعُه إلى أهلِ المدينةِ الذين ليسوا من ميراثِه في شيءٍ. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ اللهِ وعونِه: أنَّ الله شرِّفَه ◌ِرُ ورفعَ منزلته، وجعلَه في أعلى مراتب الذُّنيا والآخرةِ، وأخرجَه مِنْ أخلاقِ مَنْ سواه مِنْ أهلِ الرَّغبةِ فِي الدُّنيا، وكان فيما أُنْزِلَ عليه: ﴿كَلَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ولا يَحُضُّونَ على طَعامِ المِسْكِين ويَأْكُلُونَ التّراثَ أَكْلًا لَمَّاً ويُحِبُّونَ المالَ حُبَّأَ جَمًَّ﴾(١) [الفجر: ١٧-٢٠]، فوصفَهم بذلك بأخلاقٍ لا يحمدُها، وجعلَهم بذلك في منزلةٍ سُفلى، وأخرجَهُ وَّهُ مِنْ ذلك إلى أرفع المنازل ، وجعل حُكْمَه ممَّا أخرجَه إليه أعلى الأحكامِ، فلم يجعلْهُ ممن(٢) يَرِثُ مَنْ سِواه مِنْ ذِي نسبٍ، ولا ذي ولاءٍ، ولا مِن ذواتِ تزويجٍ ، وخالفَ بينَهِ وبَيْنَ سائر أمته في ذلك، زيادةٌ في فَضْله وفي تشريفِه إيَّاه، وفي رِفعةِ منزلته فيه، فأمَرَ وَّرِ بذلك في ميراثٍ مولاه الذي ذُكِرَ في هذا الحديثِ، لَمَّا لم يَكُنْ له ولدٌ ولا حَمِيمٌ يستحقُّ ميراثَه، أن يَدفعَ ميراثَه إلى أهل قريته كما يكون للأئمةِ في الأموالِ التي لا مالك لها أن تُدْفَعَ إلى مَنْ يَرَوْنَ دفعَها إِليه مِنَ الناسِ . فإن قالَ قائلٌ: فقد كان مِنْ أنبياءِ الله صلواتُ الله عليهم يَرْتُون ويُورَثُون، مِنْ ذُلك ما حكى جَلَّ وعزَّ في كتابهِ عن نبيه وَ زكريا مِنْ (١) قرأ أبو عمرو: (كلا بل لا يكرمون ... ولا يحضُّون ... ويأكلون ... ويحبون) بالياء، وحجته: أنه أتى عقيبَ الخبر عن الناس، فأخرج الخبر عنهم، إذْ أتى في سياق الخبر عنهم، ليأتِلِفَ الكلامُ على نظامٍ واحد، وقرأ الباقون: بالتاء على المخاطبة، وقالوا: إنَّ المخاطبة بالتَّوبيخ أبلغُ من الخبر. انظر ((حجة القراءات)) ص٧٦٢. (٢) في الأصل: ((من)). ٩ سؤالِهِ إِيَّه أن يَهَبَ له مِنْ لَدُنْهُ ولِيّاً يرثُه ويرثُ مِنْ آل يعقوبََِّهِ، وأن يجعلَه نبيّاً، ومِنْ أهلِ إجابتِه عز وجل إيَّاه إلى ذلك وهبته له يحيى مَلِ﴾، وإصلاحُه له زوجه. فكانَ جوابُنا له بتوفيق الله وعونه: أنَّ ما كان من زكريًّاً وَّه في ذُلكَ ممَّا سألَهُ ربِّه عزَّ وجلَّ أن يَهَبَ له من يرثُه، لم يكن ذلك لمالٍ يَرِثُه عنه، وأيُّ مالٍ كان له وَِّ، وإنَّما كان زاهداً نجَّاراً يعملُ بيدِه. ٩٨١- كما حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ بن داودَ البغداديُّ، حدثنا عفانُ بن مسلمٍ، حدثنا حماد بن سلمةَ، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن أبي رافعٍ ء عن أبي هُرِيرَةً قال: قال رسول الله وَّهِ: ((كان زكريًا عليه السَّلامُ نجَّاراً))(١). قال أبو جعفر: ولما كان نجاراً ، ليسَ من ذوي الأموالِ ، عَقَلْنَا بذلك أنَّ الذي سأل ربَّه عزَّ وجلَّ أن يرثَه عنه من يَهَبُ له غيرَ الأموالِ وهي النَّبوةُ كمثل الذي سَأَله أن يرثَه مِنْ آلِ يعقوبَ رَِّ، وكذلك سائرُ أنبياءِ الله عزَّ وجل صلواتُ اللهِ عليهم، فلم يُوَرِّثُوا ديناراً ولا درهماً، وإنما وَرِثُوا العلمَ. ٩٨٢ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حدثنا عبدُ الله بن داود الخُرَيْبِيُّ، عن عاصم بن رجاء بن حيوةَ، عن داودَ بن جمیلٍ عن كثيرِ بنِ قيسٍ ، قال: كنتُ جالساً مع أبي الدرداءِ في مسجدٍ دمشقَ، فأتاه رجلٌ، فقال: يا أبا الدرداءِ جئتُك من المدينةِ - مدينةٍ (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو رافع: هو نفيع الصائغ. ورواه أحمد ٢٩٦/٢ و٤٠٥، ومسلم (٢٣٧٩)، وابن ماجه (٢١٥٠)، وابن حبان (٥١٤٢)، والحاكم ٥٩٠/٢ من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. ١٠ الرسول وَ﴿ه - بحديثٍ، بَلَغَني أنَّكَ تُحَدِّثُه عن رسول اللهِ وَ ◌ّ قال: ولا جئتَ لحاجةٍ؟ قال: لا، قال: ولا جئتَ لتجارةٍ؟ قال: لا. قال: ولا جئتَ إلَّ لهذا الحديثِ؟ قال: نعم. قال: فإِنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ◌َّه يقولُ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ عِلْماً، سلكَ الله به طريقاً مِنْ طُرقِ الجَنَّةِ، وإنَّ الملائكة تضعُ أجنحتها رِضاً لطالب العلمِ، وإنَّ فضلَ العالِمِ على العابدِ كَفَضْلِ القمرِ لَيلةَ البَدْرِ على سائرِ الكواكب، وإنّ العالِمَ يستغفِرُ له مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرضِ وكلُّ شيءٍ حتَّى الحيتانُ في جوفِ الماءِ، إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ صلواتُ الله عليهم لم يُؤَرِّثُوا ديناراً ولا دِرْهماً، وَوَرَّنُوا العلمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ، أَخَذَ بحظُّ وافٍِ(١). (١) حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف. داود بنُ جميل - وقال بعضهم: الوليدُ بن جميل - لم يوثقه غيرُ ابن حبان، وقال الدارقطني وابنُ عبد البر والذهبيُّ : مجهول، وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف، وكثيربن قيس - ويقال: قيس بن كثير - ضعفه الدارقطني . ورواه أبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣)، والدارمي ٩٨/١، وابن حبان (٨٨)، والبغوي (١٢٩) من طُرُقٍ عن عبد الله بن داود، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ١٩٦/٥، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ص٣٧ و٣٨ و٤٦ من طرقٍ عن عاصم بنِ رجاء، به. ورواه أبو داود (٣٦٤٢) عن محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد، قال لقيتُ شبيبَ بنَ شيبة، فحدثني عن عثمانَ بنِ أبي سوادة، عن أبي الدرداء رفعه بمعناه. وهذا سند حسن في الشواهد، رجاله ثقات غيرَ شبيب بن شيبة، فهو مجهول. وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٩٣/١ بعد أن نسبه لأبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم: وحسنه حمزةُ الكِناني، وضعّفه بعضُهم باضطرابٍ في سنده، لكن له شواهدُ یتقوی بها. ١١ قال أبو جعفرٍ: وزكريا وَل﴿ منهم، فلم يُوَرِّثْ شيئاً من المالِ. فإن قال قائلٌ: فقد قال الله عز وجل: ﴿وَوَرِثَ سليمانُ داودَ﴾ [النمل: ١٦]. فإنَّ ذُلك عندنا - والله أعلمُ - هو ما كانتِ الأنبياءُ تُوَرِّثُه ممَّا هو سِوَى الأموالِ . فإن قالَ: فقد كانَ سليمانُ في حياةٍ داودَ صلى الله عليهما نبياً، فما الذي وَرِثَه عنه؟ قِيلَ له: وَرِثَ عنه حكمتَه، وما يُورَثُ عن مثلِه. وكانَ ذُلك مضافاً إلى نُبَوَّتِه التي كانت معهُ قبلَ ذلك(١). فإن قال: فقد وَرِثَ رَسِولُ اللهِ وَ﴿ أَبَوَيْهِ، فَوَرِثَ عن أبيه منزلَه ومملوكَتَهُ أَمَّ أَيْمَن وشُقْرَانَ اللذين أَعْتَقَهُمَا مَوْلَيْن لهُ. قِيلَ له: إنما كان ذلك قبلَ أن يؤتيه الله النبوةَ، فلما آتاهُ إياها أعادَ أحكامَه إلى الأحكام التي توفَّهُ عليها مِنْ مَنْعِه الميراثَ عن غيره، ومِن منعِ غيرِهِ الميراثَ عنه، وإنما يرثُ الناسُ من حيثُ يرثون، فإذا كان * غيرَ موروثٍ، كان غيرَ وارثٍ. وفيما ذكرنا بيانٌ لما وصفنا. والله نسأله التوفيقَ. (١) قال الطبري في ((جامع البيان)) ١٤١/١٩: يقول تعالى ذكره: وورث سليمان أباه داود العلم الذي كان آتاه الله في حياته والملك الذي كان خصه به على سائر قومه فجعله له بعد أبيه دون سائر ولد أبيه. وقال ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ١٥٩/٦ بتحقيقنا: وورث سليمان داود، أي: ورث نبوته وعلمه وملكه، وكان لداود تسعة عشر ذكراً فخص سليمان بذلك، ولو كانت وراثة مالٍ، لكان جميع أولاده فيها سواء. وانظر ((روح المعاني)) ١٧٠/١٩-١٧١. ١٢ ١٥٠ - بابُ بيانِ مُشْكِلٍ ما رُوي عن رسول اللهِ وَله من قوله: ((ما تركتُ بعدَ نفقةٍ أهلي ونفقةٍ عامِلي فهو صدقةٌ)) ٩٨٣ - حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، حدثنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، أن مالكاً حدثه، قال: حدثني أبو الزَّنادِ، عن الأعْرَج عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِوََّ قال: ((لا تَقْسِمُ وَرَثَتِي ديناراً، ما تركتُ بعدَ نفقةِ أَهْلِي ومُؤَنَّةٍ عامِلي، فهو صدقةٌ))(١). ٩٨٤ - حدثنا المُزَنِيُّ، حدثنا الشافعيُّ، حدثنا سفيانُ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعْرَجِ عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ◌ََِّ، قال: ((لا تَقْسِمُ ورثتي ديناراً، ما تركتُ بعدَ نفقةِ أهْلِي ومّؤْنةٍ عامِلي، فهو صدقةٌ، لا تَقْسِمُ ورثَتِي ديناراً)) (٢). (١) إسناده صحيح على شرطهما. وهو في («موطأ مالك)) ٩٩٣/٢، ومن طريقه أخرجه البخاري (٢٧٧٦) و(٣٠٩٦) و(٦٧٢٩)، ومسلم (١٧٦٠)، وأبو داود (٢٩٧٤)، وابن حبان (٦٦١٠)، والبيهقي ٣٠٢/٦، والبغوي (٣٨٣٨). (٢) إسناده صحيح، من فوق الإِمام الشافعي من رجال الشيخين. سفيان: هو ابن عيينة، وأبو الزناد: هو عبد الله بن ذكوان، والأعرج: هو عبدالرحمن بن هرمز. وهو في ((سنن الشافعي)) (٦٧٣) برواية المؤلف عن خاله المزني. = ١٣ فسأل سائلٌ عن معنى قوله ﴿: ما تركتُ بعدَ نفقةِ أهلِي ومؤنةٍ عَامِلي، فهو صدقةٌ)) قال: وأهلُه المُرَادُونَ ها هنا هنَّ أزواجُه، والتزويجُ الذي بينَه وبينهنَّ ينقطعُ عنهنَّ بوفاتِه، فما معنى النَّفَقةِ عليهنَّ؟ فكان جوابُنا له عن ذلك بتوفيق الله وعونِهِ: أنَّ أزواجَه بعدَ وفاتِه محبوساتٌ عليه، محرماتٌ على غيرِهِ، لِيَكُنَّ أزواجَه في الجنَّة، ولما كُنَّ كذلك، كان جميعُ الواجب لهنَّ كان عليه في حياتِه بحقِّ التزويجِ الذي كانَ بينَه وبينَهنَّ واجباً لهنَّ عليه بَعْدَ وفاتِهِ كوجوبِه كان لهنَّ عليه في حیاته(١). فإن قال: فما معنى قوله بَّهِ: ((لا تَقْسِمُ ورثَتي ديناراً)) وفي ذلك إثباتُه أَنَّ له ورثةً وهو لا يُورَثُ، ومن كان لا يُورثُ لم يكن له ورثةٌ قيل: ذُلك عندنا - والله أعلم- على الاستعارة، بمعنى: لا يَقْسِمُ من كان يرثني، لو كنت مَوْرُوثاً ديناراً، ما تركتُ، فهو صدقةٌ، لأنِّي لا أُوْرَثُ، وبالله التوفيقُ. = ورواه الحميدي (١١٣٤)، ومسلم (١٧٦٠)، وابن حبان (٦٦٠٩) من طرق عن سفيان بن عيينة بهذا الإِسناد. ورواه ابن سعد ٣١٤/٢ من طريق المغيرة بن عبدالرحمن، عن أبي الزناد، به. ورواه ابن حبان (٦٦١٢) من طريق محمد بن عجلان، عن أبي الزناد، به. (١) قال الزرقاني في ((شرح الموطأ)) ٤ /٤٥١ تعليقاً على قوله: ((ما تركت بعد نفقة نسائي)): ويدخل فيه كسوتهن وسائر اللوازم كالمساكن؛ لأنهن محبوسات عن الزواج بسببه، أو لعظم حقوقهن لفضلهن، وقدم هجرتهن، وكونهن أمهات المؤمنين، ولأنهن كما قال ابن عيينة في معنى المقعدات، لأنهن لا يجوز لهن أن ينكحن أبداً فجرت لهن النفقة وتركت حجرهن لهن يسكنّها. وقوله: ((ومؤنة عاملي)): هو الخليفة بعده، وقال الباجي: المراد كل عامل يعمل للمسلمين من خليفة أو غيره قام بأمر من أمور المسلمين وبشريعته فهو عامل له ومعالجة فلا بد أن یکفی مؤنته وإلا ضاع. ١٤ ١٥١ - بابُ بيانِ مُشْكِلٍ ما رُوي عن رسول الله العقل في المرادِ بقولِ الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وما تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهِنَّمَ ... ) الآية [الأنبياء: ٩٨] ٩٨٥ - حدثنا أبو أُميَّة، حدثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، حدثنا أبو كُدَيْنَةَ، عن عطاءِ بنِ السائب، عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عباسٍ ، قال: لما نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّكُمْ وما تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمْ ﴾ الآية قال المشركون: فإنَّ عيسى ◌ِلّ يُعْبَدُ وعُزَيْرُ بَّهِ والشمسُ والقمرُ، فأنزلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنِى أُولُئك﴾ [الأنبياء: ١٠١] عيسى وعُزِيرٌ صلواتُ اللهِ عليهما(١). ٩٨٦ - حدثنا عُبِيدُ بنُ رجال، حدثنا الحسنُ بنُ علي الحُلْوَانِيُّ، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكربن عياشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي رزين، عن أبي يحيى عن ابن عباسٍ، قال: آيةٌ في كتاب اللهِ لا يسألُني الناسُ عنها، ولا أُدْرِي !! أُعَرَفُوها فلا يسألُوني عنها؟ أُم جَهلُوها فلا يَسألُوني عنها؟ قيل: وما هي؟ قال: آيةٌ لمَّا نزلتْ: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ (١) إسناده ضعيف لاختلاط عطاء بن السائب. أبو كُدَيْنَة: هو يحيى بن المهلب. وأخرجه الطبريُّ في ((جامع البيان)» ٩٧/١٧ من طريق الحسن الأشقر، عن أبي كُدينة بهذا الإِسناد. وانظر ما بعده، و((الدر المنثور)) ٦٧٩/٥. ١٥ حَصَبُ جَهَنَّم أَنْتُمْ لَها وَارِدونَ﴾ شَقَّ ذلك على أهل مكةً، وقالوا: شَتَّمَ محمدٌ آلهتنا، فقامَ ابنُ الزُّبَعْرَى، فقال: ما شَأْنُكُم؟ قالوا: شَتَمَ محمدٌ آلهتنا. قال: وما قال؟ قالوا: قال: ﴿إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وَارِدونَ﴾ قال: ادْعُوه لي فدُعِيَ محمدٌ رََّ، فقال ابن الزَِّعْرَى: يا محمّدُ، هذا شيءٌ لآلهتنا خاصَّة أمْ لكل مَنْ عُبِدَ مِنْ دون الله؟ قال: ((بل لكلِّ مَنْ عُبدَ من دون الله عز وجل)) قال: فقال: خصمناه وربِّ هذه البنيَّةِ، يا محمدُ ألستَ تزعمُ أنَّ عيسى عبدٌ صالحٌ، وعزيراً عبدٌ صالحٌ، والملائكة عبادٌ صالحون؟ قال: بلى. قال: فهذه النصارى يعبدون عيسى، وهذه اليهودُ تعبدُ عزيراً(١)، وهذه بنُو مَلِيحٍ تعبدُ الملائكةَ، قال: فضجّ أهلُ مَّة، فنزلت: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْا الحُسْنِى﴾ عيسى، وعزيرٌ، والملائكةُ، ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبَعَدُونَ﴾، قال: ونزلت: ﴿وَلَّمَّا ضُرِبَ ابِنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ بَصِدُّونَ﴾(٢) [الزخرف: ٥٧]، وهو الصحيح (٣) (١) في الأصل: عزير، وهو خطأ، والتصويب من (ر). (٢) إسناده حسن. عاصم: هو ابن أبي النجود، صدوق حسن الحديث، وأبو رَزين: هو مسعود بن مالك الأسدي، وأبو يحيى: اسمه مِصْدَع. وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٧٣٩)، والواحدي في (أسباب النزول)) ص٢٠٦ من طريقين عن ابن عدي، عن يحيى بن آدم، بهذا الإسناد. وقد سقط اسم أبي يحيى في المطبوع من ((الطبراني)) وجاء عند الواحدي: عن يحيى. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦٧٩/٥-٦٨٠ وزاد نسبته لأبي داود في ((ناسخه)) وابن المنذر. وذكره أيضاً الهيثمي في ((المجمع)) ٦٩/٧، ونسبه للطبراني، وقال: وفيه عاصم بن بهدلة، وقد وُثُقَ، وضعفه جماعة. (٣) وانظر ((زاد المسير ٣٢٣/٧-٣٢٤ لابن الجوزي. ١٦ ٩٨٧ - حدثنا محمدُ بنُ سنان الشّيزريُّ، حدثنا هشامُ بنُ عمارٍ، حدثنا الوليدُ بن مسلمٍ ، حدثنا شيبانُ، عن عاصم بن أبي النّجودِ، عن أبي رَزين، عن أبي يحيى مولى ابنِ عفراءٍ الأنصاري عن ابن عباس، أن النبي ◌َّرُ قال لقريشٍ: ((يا معشر قريشٍ لا خيرَ مع أجد يُعبَدُ من دُونِ الله عز وجل. قالت: (١) ألست تزعُمُ أنَّ عيسى ◌َ﴾ كان نبياً، وكان عبداً صالحاً، فإن كنت صادقاً، فإنه كآلهتهم، فأنزلَ الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا ضُربَ ابنُ مريمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ يعني: يَضِجُونَ. ﴿وَإِنَّهُ لَعَلَمُ للسَّاعة﴾ [الزخرف: ٦١]، [قال: هو] خروج عيسى ابن مريم ◌َ﴿، قبلَ يوم القيامةِ(٢). هكذا قال: لَعَلَمُ، بالفتحِ (٣). (١) في الأصل: قال، والمثبت من (ر). (٢) سنده حسن. هشامُ بن عمار، والوليد بن مسلم قد توبعا. شيبان: هو ابن عبدالرحمن النحوي . وأخرجه الواحدي في ((أسباب النزول)) ص٢٥٢ من طريق محمد بن الحسن بن الخليل، عن هشام بن عمار، بهذا الإِسناد. وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٧٤٠) عن إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان الأنماطي، حدثنا هشامُ بن عمار، حدثنا الوليدُ بن مسلم، حدثنا سفيانُ الثوريُّ وشیبان عن عاصم، به. وأخرجه أحمد ٣١٧/١-٣١٨ عن هاشم بن القاسم، وابن أبي حاتم كما في ((تفسير ابن كثير)» ١٤٢/٤ عن آدم، كلاهما عن شيبان النحوي، به. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٠٤/٧، وقال: فيه عاصمُ بن بهدلة، وثقه أحمد وغيره، وهو سيىء الحفظ، وبقيةُ رجاله رجال الصحيح . (٣) أي: بفتح العين واللَّم، وهي قراءةُ ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي العالية، وأبي مالك الغفاري، وزيد بن علي، وأبي رزين، وأبي عبدالرحمن، والحسن، = ١٧ قال أبو جعفرٍ: وأبو يحيى هذا، فروى عنه المكيُّون والكوفيُّون جمیعاً. ٩٨٨ - حدثنا أحمدُ بنُ داودَ، حدثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ بن عَرْعَرَةَ، حدثنا يزيدُ بنُ أبي حكيم، حدثنا الحكمُ بنُ أَبَان، عن عِكْرمَةً عن ابن عباسٍ ، قال: جاءَ عبدُ الله بن الزِّبَعْرى إلى النبيِّ وَّهِ، فقال: يا محمدُ، تَزْعُمُ أنَّ الله أنزلَ عليك هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ فقد عُبِدَتْ الشمسُ، والقمرُ، والملائكةُ، وعزيرٌ، وعيسى، صلواتُ الله عليهم، أَوَكُلُّ هؤلاءِ في النارِ مع آلهتنا؟! فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنِى أُولَئِكِ عَنْهَا مُبْعَدونَ﴾، ونزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرِيمَ مَثَلاً إذا قَومُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾(١). = والضحاك، وقتادة، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن، وهي قراءة الأعمش من القراء أصحاب القراءات كما في ((إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربع عشر)) للدمياطي ص٣٨٦ . وقرأ الجمهور (لَعِلْم) بكسر العين وتسكينِ اللَّم، قال ابنُ قتيبة: من قرأ بكسر العين، فالمعنى: أنه يُعلم به قرب الساعة، ومن فتح العين واللَّم، فإنه بمعنى العلامة والدليل. وانظر ((زاد المسير) ٣٢٥/٧، و((تفسير ابن كثير)) ٢٢٢/٧-٢٢٣، طبع دار الشعب، و((البحر المحيط)) ٢٦/٨ لأبي حيان الأندلسي. (١) إسناده قوي. الحكم بن أبان وثقه ابنُ معين، وابن المديني، والنسائي وغيرهم، وقال أبو زرعة: صالح. وأخرجه ابن مردويه كما في ((تفسير ابن كثير» ٢٠٧/٣-٢٠٨ عن محمد بن الحسن الأنماطي، عن إبراهيم بن محمد بن عرعرة بهذا الإِسناد. وأخرجه الحاكم ٣٨٤/٢-٣٨٥ من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، وصححه، ووافقه الذهبي . ١٨ قال أبو جعفر: فقال قائلٌ: ففي هذه الآثارِ أنَّ المشركين عند نزول الآية الأولى من هاتين الآيتين اللتين في هذا الحديثِ ضجُوا مِنْ ذُلك، وقالوا للمسلمين مُحتجّين عليهم: فإنَّ عيسى يُعبدُ، وعُزير يُعبد، ومَنْ ذكروا معهما في هذا الحديثِ وهم - مع شركهم - أهلُ فصاحةٍ ليس ممَّن يجري على ألسنتِهم اللَّحنُ في كلامِهم، و«مَا)»: فإنَّما تُقال لغير بني آدم، ويُقال مكانَها لبني آدم: ((مَنْ)) كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿ومَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِه﴾ [الأنبياء: ٢٩]، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان: ٦٨] في أمثال ذلك ممَّا يريدُ به بني آدم، وقال في سوى بني آدم: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ على النَّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] لغير بني آدم. وفيما رَويتُموه وأَضَفْتُمُوه إلى رسولِ اللهِ وَّ ما قَدْ ذَكَرْتُمُوه في هذا الحديثِ مِنْ هذا الجنسِ، وفي إحدى الآيتين الَّلتين تَلَوْتُموها فِيهِ: ﴿إِنَّكُم وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّهُ أَنْتُمْ لَها وَارِدُونَ﴾ أُرِيدَ بِهِ بْنُو آدَمَ . فكانَ جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أَنَّ ((مَنْ)) و((مَا)) في الأكثر من كلام العرب يخرجان على ما ذكر، وقد تستعملُ العربُ أيضاً في كلامها في بني آدم ((مَا)) كما تستعملُ ((مَنْ))، وإنْ كان ذلك ممَّا لا تستعملُه فيهم كثيراً كما تستعمل فيهم ((مَنْ)). ومِنْ ذُلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ؟ [النساء: ٢٤]، مكان إلَّ مَنْ مَلَكت أيمانكم، وقولُه عز وجل: ﴿سَبِّحَ للهِ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ﴾ [الحديد: ١]، و﴿يُسَبِّحُ اللهِ ما في السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١]، وقولُه عز وجل: ﴿وَوَالِدٍ وما وَلَدَ﴾ [البلد: ٣] يعني آدَمَ رَ ◌ّ وما وَلَد. وفيما ذكرنا مِنْ هذا دليلٌ على ما وصفْنَا. وفيما رويناهُ في هذه الآثارِ ما قد دلَّ على أنَّ القولَ في القراءَةِ المختلفِ فيها من قولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا قومُكَ مِنْهُ ١٩ يَصِدُّونَ﴾ بالكسر، ويصُدُّون بالضَّمِّ (١)، هو كما قرأ مَنْ قرأها بالكسر؛ لأنَّ من قرأها بالضمِّ أراد الصُّدود، ومَنْ قرأها بالكسر أراد الضِّجِيجَ، وإنَّما كان نزولُها عند ضَجِيجِ المشركين كما نزلت هذه الآية الأولى من الآيتين المذكورتين في هذا الحديثِ. وهذه القراءةُ في المعنى أُصحُّ أيضاً عند أهل اللغة؛ لأنَّها لو كانت على الصُّدودِ لكانت: إذا قومُك عنه يَصُدُّون، كمثل ما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله﴾ [الحج: ٢٥]، وكما قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وكما قال عز وجل: ﴿وَصَدُّوا عَنِ السُّبِيلِ﴾ [الرعد: ٣٣]، وكما قال: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وقد رُوي عن ابن عباسٍ إنكارُه في قراءةِ: ﴿إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ﴾ بالضمِّ، كما حدثنا يوسفُ بنُ زيدٍ، حدثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، حدثنا وكيعٌ، عن عبد الله بن حبيبٍ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن سعيد بن معبدٍ قال: قال لي ابنُ عباس: عَمُّك عبِيدُ بن عميرِ كيف يَلْحَنُ في هذا يقرأ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ﴾، وإنَّما هي: ﴿يَصِدُّونَ﴾ : يضجون(٢). (١) قراءة الكسر: هي قراءة أبي عمرو بن العلاء، وابن كثير المكي، وعاصم وحمزة، وقراءة الضم: هي قراءة نافع وابن عامر والكسائي. انظر ((زاد المسير)) ٣٢٤/٧، و((حجة القراءات)) ص٦٥٢. (٢) إسناده ضعيف، نعيم بن حماد ضعيف، وسعيد بن معبد لم يرو عنه غيرُ القاسم بن أبي بزة، ولم يُوثق كما في ((الجرح والتعديل)) ٦٣/٤، وقال الفراء في ((معاني القرآن)) ٣٦/٣-٣٧: حدثني أبو بكر ابن عياش، عن عاصم أنه ترك ((یَصُدُون»، من قراءة أبي عبدالرحمن، وقرأ (یصِدُون) وقال أبو بكر: حدثني عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، أن ابن عباس قرأ (يَصِدُّون) أي: يضجون يعجون، = ٢٠