Indexed OCR Text

Pages 221-240

فسألَ سائلٌ عن المعنى المقصودِ إليه بهذا الحديثِ ما هو؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله أن لله شرائعَ قد شرعها، وتَعَبَّدَ
عبادَه بها، فمنها ما ذكره في كتابه محكماً كَشَفَ لهم معناه، ومنها ما
ذكره في كتابه مُتشابهاً. فمن ذلك قولُه في كتابه: ﴿هو الذي أنزلَ
عليك الكتابَ منه آيات محكمات هُنَّ أمُّ الكتاب، وأُخَرُ مُتَشابهَاتٌ﴾
[آل عمران: ٧] وكان المحكم منه الذي كشف لهم معناه قولَه تعالى:
﴿حُرِّمت عليكم أمهاتُكم) إلى قوله: ﴿وبنات الأخت﴾ [النساء: ٢٣]
وكان المتشابه منه الذي لم يكشف لهم مرادَه فيه منه قوله: ﴿والسَّارقُ
والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]. ومنه قولُه في الصيام:
﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يتبيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسودِ مِن
الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومنه قولُه في الآية التي ذكر فيها ما حُرِّمَ
عليكم: ﴿والمُحْصَناتُ مِن النِّساءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أيمانُكُمْ﴾ [النساء:
٢٤]. ومنه قولُه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأَخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:
٢٣] فكان المحكمُ والمتشابهُ اللذان ذكرهما في كتابه هما الجنسان
اللَّذَانِ ذكرنا.
ومنها ما أجراه على لسان نبيه عليه السَّلامُ على هذا المعنى،
وأجرى بعضَه على لسانه محكماً مكشوفَ المعنى، كالصلواتِ الخمس
في اليوم والليلة، وكما يقصره المسافرُ منها في سفره، وكما لا يقصُره
منها فيه، ويكون فيه في سفره كمثلٍ ما كان فيه في حضره.
ومنها ما تعتدُّ به النساءُ في أيام حيضهنَّ من ترك الصلاة والصيام،
=له أبو داود والنسائي وعلق له البخاري، وهو ثقة. خيثمة: هو ابن عبدالرحمن
الجعفي .
ورواه أحمد ٢٦٧/٤ عن هشام بن القاسم، عن شيبان، بهذا الإِسناد.
٢٢١

ومن قضاء الصيام بعدَ ذلك في أيام طهرها، وترك قضاء الصلاة بعد
ذلك، وكان ذلك مما أجراه على لسانه محكماً.
ومما أجراه على لسانه متشابهاً، منه قولُه: ((البَّيِّعانِ بالخِيار ما لم
يفترقا»(١).
ومنه قولُه: ((أَقْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ))(٢) في أشياء من أشكال
ذلك، فاحتاجوا إلى طلب حقائقها، وما عليهم فيها، وكان ذلك من
جنس ما أنزل الله عليه في كتابه متشابهاً وكان المعنى الأول من جنس
ما أنزله عليه في كتابه محكماً.
فكان معنى قوله: ((الحلالُ بيِّن، والحرامُ بيِّن)) هو ما كان من
الحلال المحكم ، ومِن الحرام المحكم.
وكان معنى قوله: ((وبين ذلك أمور مشتبهات)) هو ما قد يحتمل
أن يكون مِن الحلال البين، ويحتمل أن يكونَ مِن الحرام البيّن، كمثل
ما ذكرنا من الجمع بين الأختين بملك اليمين ما قد رَدّهُ بعضهم إلى
التحليل، وردَّه بعضهم إلى التحريم. وأمثال لذلك(٣) يكونُ الدليلُ يقومُ
في قلوب بعضهم بتحليلِ ذلك، وفي قلوب بعضهم بتحريمه، وعند
ذلك ما يتباين أَهْلُ الورع ممن سواهم، فيقفَ أهلُ الورع عند الشبه،
ويتهمون فيها آراءَهم، ويُقْدِمُ عليها مَنْ سواهم.
(١) متفق عليه من حديث ابن عمر، وانظر تخريجه في ((صحيح ابن حبان))
(٤٩١٣).
(٢) حديث صحيح، روي من حديث ثوبان ورافع بن خديج. انظر تخريجهما
في ((صحيح ابن حبان)) (٣٥٣٢) و(٣٥٣٥).
(٣) في (ر): في أمثال لِذلك.
٢٢٢

فقال قائل: أفيكونُ هذا الذي ذكرتَه مانعاً للحُكام من الحكم فيما
يدخل عليهم فيه ما وصفته.
فكان جوابُنا له في ذلك أن المفترضَ على الحُكَّام في ذُلك بعدَ
اجتهاد رأيهم فيه إمضاءُ ما يُؤدِّيهم فيه آراؤهم إليه، كما أمرهم رسولُ
الله عليه السَّلامُ.
٧٥٣ - كما حدَّثنا صالح بنُ عبدِ الرحمن بن عمروبن الحارث،
وبكرُ بنُ إدريس بن الحجّاج، قالا: حَدَّثنا أبو عبدالرحمن المقرىء،
حدثنا حيوةُ بنُ شريحٍ، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بنِ
الحارث التيميِّ، عن بُسْرِبن سعيد(١)، عن أبي قيس مولى عمروبن
العاص
عن عمروٍ أنَّ رسولَ اللهِ وَهَ قالَ: ((إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ.
فَأَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وإذا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ، فَأَخْطَأُ، فَلَهُ أَجْرٌ)). قال(٢):
فحدثتُ بهذا الحديث أبا بكربنَ حزمٍ ، فقال: هكذا حدثني أبو
سلمة بنُ عبدالرحمن، عن أبي هُريرة(٣).
(١) تحرف في الأصل و(ر) إلى: قيس بن سعيد، والتصويب من مصادر
التخريج .
(٢) القائل هو: ابنُ الهاد.
(٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو عبدالرحمن المقرىء: هو عبدُ
الله بن يزيد، وحيوةُ بنُ شريح: هو التجيبي أبو زرعة المصري، وابنُ الهاد: هو
يزيدُ بن عبد الله بن أسامة بن الهاد.
ورواه أحمد ١٩٨/٤، والبخاري (٧٣٥٢)، والدارقطني ٢١١/٤، والبيهقي
١١٨/١٠-١١٩ من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرىء، بهذا الإِسناد.
ورواه ابن حبان (٥٠٦١) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ابن =
:
٢٢٣

وفي ذلك ما قد دَلَّ أن المفروضَ على الحُكَّامِ استعمالُ الاجتهاد
فيما يحكمون به، وأنه قد يكون معه الصوابُ، وقد يكون فيه الخطأ،
وأنهم لم يكلفوا في ذلك إصابة الصواب، وإنما كُلُّفُوا فيه الاجتهاد،
وأنه واسِعٌ لهم في ذلك إمضاءُ الحكومات عليه، ثم(١) يرجع المحكوم
لهم في ذلك إلى المعنى الذي كانوا عليه قبل تلك الحكومات لهم
من الورع عن الدخول فيها، ومن الإِقدام عليها.
فإن قال قائل: فهل يتهيّاً لك كشف ذلك لنا في مسألةٍ من هذا
الجنس حتى نَقِفَ عليه؟
قلنا له: نعم، قد اختلف أهلُ العلم في رجلٍ قال لامرأته: أنتِ
عليَّ حرامٌ.
فقال قائلون منهم قد طلقت عليه ثلاثَ تطليقاتٍ لا تَحِلُّ له
بعدهن حتى تنكح زوجاً عيره.
وقال قائلون منهم: إنها يمين يكون بها مُؤلياً.
وقال قائلون منهم: إنها ظِهار يُكَفِّرُها ما يكفر الظهار.
وقال قائلون منهم: إنها تطليقة تَبِينُ بها منه، إلا أن يعنيَ من
الطلاق ثلاثاً، فيلزمه ذلك.
وقال قائلون منهم: إنها تطليقةٌ يملك فيها رجعتّها، إلا أن ينويَ
= الهاد، به. وانظر تمام تخريجه فيه.
وأما إسنادُ حديثِ أبي هريرة، فصحيحٌ على شرط الشيخين أيضاً، ورواه ابن
حبان (٥٠٦٠) من طريق يحيى بن سعيد، عن أبي بكربن حزم، بهذا الإسناد.
فانظر تخريجه فيه .
(١) في الأصل: لم، والمثبت من (ر).
٢٢٤

من الطلاق أكثر منها، فيلزمه ذلك. فكان مَنْ يلي ممن يرى حُرْمَتَها
عليه بقولٍ من هذه الأقوال، ثم خُوصِمَ إلى حاكم لا يرى حُرمتها عليه
به، ويرى أنها باقية على نكاحه على ما قد قاله في ذلك مَن قاله
ممن قد ذكرناه من أهل العلم فيه، فقضى له بذلك، وقع في اختلاف
من أهل العلم.
فطائفة منهم تقول: له استعمالُ ذلك وتركُ رأيه فيه الذي يُخالِفُه،
وممن كان يقول ذلك محمدُ بنُ الحسن.
وطائفة منهم تقول: بل يستعمل في ذلك ما يراه، ويترك ذلك
الحكم، إذ كان إنما هو حُكم له لا حكمٌ عليه، وممن كان يقول ذلك
أبو يوسف، وهو أولى القولين عندنا بالحق، والله أعلم.
الله تعالى
٢٢٥

١١١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عنه عليه السَّلامُ
فيما سكت الله تعالى عنه
٧٥٤ - حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا محمدُ بنُ أبي بكر المقدمي،
حدثنا عَرْعَرَةُ بن البِرِئْدِ، حدثنا زياد بنُ جصّاص، عن معاوية بن قُرة
عن أناسٍ من أصحاب النبي عليه السَّلامُ أنهم سألوا النبي ◌َ
صَلىالله
وشليلا،
فقالوا: أعارِيبُ يأتوننا بلُحمان مشرحةٍ، والجبن، والسمن، والفِراءِ ما
ندري ما كُنْهُ(١) إسلامِهم، قال: ((انْظُرُوا ما حَرَّمَ عليكم، فَأَمْسِكُوا عنه،
وما سَكَتَ عنه، فإِنَّهُ عَفَا لكم عنه، وما كان رَبُّكَ نَسِيّاً، واذْكُرُوا اسْمَ
اللّهِ(٢) عزَّ وجلَّ))(٣).
الله تعالى
(١) في الأصل و(ر): كنهه .
(٢) في (ر): واذكروا عليه اسم الله.
(٣) إسناده ضعيف، زياد بن الجصاص: هو زياد بن أبي زياد الواسطي،
ضعيف، وهو عند ابن عدي في جملة من يجمع حديثه ويُكتب يعني للمتابعة،
وباقي السند رجاله ثقات.
وفي الباب عن أبي الدرداء رفعه «ما أحل الله في كتابه، فهو حلال، وما حرم
فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن اللّه لم يكن نسياً))
ثم تلا هذه الآية: ﴿وما كان ربك نسيّاً﴾. رواه الحاكم ٣٧٥/٢، وصححه، ووافقه
الذهبي مع أن سنده لا يحتمل إلا التحسين.
ورواه البزار (٢٢٣١) من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا
إسماعيل بن عياش، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء، =
٢٢٦

والأشياء المرادة في هذا عندنا - والله أعلم - هي الأشياءُ التي من
جنس ما ذُكِرَ في هذا الحديثِ توسعةً من الله على عباده في الطعام
الذي يأكلونه من الذبائح التي أباحها الله لهم مِن أيدي مَنْ أحل لهم
ذبائحَهم، وحرم عليهم ذبائحَ أضدادهم من المجوس وعبدةِ الأوثان،
وجعل لهم استعمالَ ظاهرها، وعلى (١) أنها مما أُحَلَّ، حتى يعلموا ما
سوى ذلك مما حَرُمَ عليهم، ولو شاء عز وجل لضيّق ذلك عليهم،
فلم يُبِخْهُم أَكْلَ شيء من اللُّحمان حتى يعلموا مَنْ ذابحوها، وهل هم
= وقال: لا نعلمه يروى عن النبي ◌َّ إلا بهذا الإِسناد، وعاصم بن رجاء حدث عنه
جماعة، وأبوه روى عن أبي الدرداء غير حديث، وإسناده صالح .
وأورده الهيثمي في ((المجمع)» ٥٥/٧، وقال: رواه البزار ورجاله ثقات، وذكره
في موضع آخر ١٧١/١، وزاد نسبته إلى الطبراني في ((الكبير)) وقال: إسناده حسن،
ورجاله موثقون .
وعن سلمان الفارسي سئل رسول الله عن السمن والجبن والفراء، فقال:
((الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو
مما عفا لكم)). رواه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧)، والحاكم ١١٥/٤،
والبيهقي ١٢/١٠، وفي سنده سفيان بن هارون وهو ضعيف، والمرجح وقفه على
سلمان .
وعن أبي ثعلبة أن النبي ◌َّ قال: ((إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها،
وحرَّم حرمات فلا تنتهكوها، وحَدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير
نسيان، فلا تبحثوا عنها)). رواه الدارقطني ١٨٤/٤، والبيهقي ١٢/١٠ -١٣،
والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ٩/٢ من طرق عن داود بن أبي هند، عن مكحول،
عن أبي ثعلبة، وهذا سند رجاله ثقات إلا أن مكحولاً لا يصح له سماع من أبي
ثعلبة .
فهذه شواهد يشد بعضها بعضاً، يصح بها حديثُ الباب.
(١) في (ر): على، بلا واو.
٢٢٧

ممن يحل ذبائحهم، أم ممن سوى ذلك، وكان في ذلك إعناتُ الله
تعالى لهم، كما قال: ﴿ولو شاءَ الله لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ولكنه
خَفَّفَ ذلك ورفعه عنهم رحمةً منه لهم، وتفضلاً منه عليهم، وخالف
بين ذلك وبَيْنَ الشرائع التي شرعها لهم في دينه، وتعبدهم بها فيه،
وأمرهم بطلب مشكلها مِن محكمها ومن ما يطلب من مثله على ما
ذكرناه في الباب الذي قَبْلَ هذا الباب، ومثلُ هذا الحديث ما رُوِيَ
عن ابن عباس، ممَّا:
قد حَدَّثنا أبو أمية، حدثنا أبو نعيمٍ، حدثنا محمد بنُ شريك،
عن عمروبن دينار، عن أبي الشعثاء
عن ابن عباس قال: كان أهلُ الجاهلية يأكلون أشياءَ، ويتركون
أشياءَ تقذراً، فبعثَ الله نبيّهِ، وأنزل كتابَه، وأحل حلاله، وحرَّم حرامَه،
فما ◌ُحلَّ، فهو حلالٌ، وما حرَّمَ، فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفوً،
ثم تلا: ﴿قل لا أُجِدُ فيما أُوْحِيَ إليَّ محرماً﴾ الآية [الأنعام:
١٤٥](١) .
ومما حدَّثنا فهدٌ، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد، عن عمرو ... ثم
ذكر بإسنادِه مثلَه.
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير محمد بن شريك فقد
روى له أبو داود، وهو ثقة. عمروبن دينار: هو أبو محمد الأثرم المكي، وأبو
الشعثاء: هو جابر بن زيد الأزدي.
ورواه أبو داود (٣٨٠٠) عن محمد بن داود بن صبيح، والحاكم ١١٥/٤ من
طريق أحمد بن حازم الغفاري، كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دُكين، بهذا
الإِسناد، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٧٢/٣ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن
أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه .
٢٢٨

فالمرادُ بما في الحديث عندنا هو المراد بما في الحديث الذي
ذكرناه قبلَه في هذا الباب، والله أعلم، وإياه نسأل التوفيق(١).
(١) قال الحافظ ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) ١٦٣/٢-١٦٥ بتحقيقنا:
وأما المسكوت عنه، فهو ما لم يذكر حكمه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم، فيكون
معفواً عنه لا حرج على فاعله ... ولكن مما ينبغي أن يعلم أن ذكر الشيء بالتحليل
والتحريم مما قد يخفى فهمُه من نصوص الكتاب والسنة، فإن دلالة هذه النصوص
قد تكون بطريق النصِّ والتصريح، وقد تكونُ بطريق العموم والشمول، وقد تكون
دلالته بطريق الفحوى والتنبه كما في قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما﴾
فإنَّ دخول ما هو أعظمُ من التأفيف من أنواع الأذى يكونُ بطريق الأولى، ويُسمى
ذلك مفهوم الموافقة، وقد تكون دلالته بطريق مفهوم المخالفة، كقوله وصار: ((في
الغنم السائمة زكاة))، فإنه يدل بمفهومه على أنه لا زكاة في غير السائمة ... ، وقد
تكون دلالته من باب القياس، فإذا نص الشارع يسير على حكم في شيء لمعنى
من المعاني، وكان ذلك المعنى موجوداً في غيره أنه يتعدى الحكم إلى كل ما وجد
ذلك المعنى عند جمهور العلماء، وهو من بابِ العدل والميزان الذي أنزله الله، وأمر
بالاعتبار به، فهذا كُلُّه مما يعرف به دلالة النصوص على التحليل والتحريم، فأما
ما انتفى فيه ذلك كله، فهنا يستدل بعدم ذكره بإيجاب وتحريم على أنه معفو عنه.
٢٢٩

١١٢ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عنه في أمر الرجلين
اللذين كانا اختصما إليه في أشياء قد كان تَقَادَمَ
أمرُها، وذهب مَنْ يَعْرِفُها أن يَقْسِماها بينهما،
وأن يحلل كُلُّ واحد منهما بعد ذلك صاحبَه
٧٥٥ - حدثنا أبو أمية، حدثنا قَبيصةُ، حدثنا سفيانُ، عن أسامةَ بن
زيد، عن عبد الله بن رافع
عن أمِّ سلمة قالت: اختصم إلى رسولِ الله عليه السَّلامُ رجلانٍ
في أرض قد هَلَكَ أَهْلُهَا، وَذهب مَنْ يعلَمُها، فقال رسولُ الله ◌ِ :
((إِنَّما أنا بَشَرٌ، ولم يَنْزِلْ عَلَيَّ فيه شيءٌ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ أَلْحَنَ
بحُجَّتِهِ مِن بعضٍ ، فَمَنْ أقطعُ له قِطعةً من مالٍ أُخيه ظُلْماً، جاءَ يَوْمَ
القيامة إسطامٌ مِن نار في وَجْهِهِ)) فبكى الرَّجُلان، وقال كُلَّ واحدٍ منهما:
يا رسولَ الله، حقِّي له، فقال رسول الله وََّ («تَوَخَّيا، ثمَّ اسْتَهِمَا،
ثم لِيُحَلِّلْ كُلُّ واحدٍ منكما صاحِبَه))(١).
(١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح، غيرَ أسامة بن زيد - وهو
الليثي - فقد روى له مسلم في الشواهد، وهو حسنُ الحديث.
ورواه أبو داود (٣٥٨٤) و(٣٥٨٥)، والدارقطني ٢٣٩/٤، والبيهقي ٦٦/٦ من
طرق عن أسامة بن زيد الليثي، بهذا الإِسناد. وانظر ((صحيح ابن حبان)) (٥٠٧٠)
و(٥٠٧٢).
وقوله ((جاء يوم القيامة إسطام في وجهه))، الإِسطام: الحديدة التي تُحرك بها
النار وتسعر.
٢٣٠

٧٥٦ - حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، حدثني أسامةُ أنَّ عبد
الله بن رافع مولى أمِّ سلمةَ أُخبره
عن أمِّ سلمة أن رَجُلَيْن من الأنصارِ استأذنا على رسولِ اللهِ وَه ،
فأذن لهما، فاختصما إليه في أرض قد تقدم شأنها(١)، وهلك من يعرف
أمرَها، فقال لهما رسولُ اللهِ وَّر: ((إنما أقضي بينكما بجهد رأيي فيما
لم ينزل عليَّ، وأنا أقضي بينكما على نحو ما أسمع منكما، وأيُّكما
كان له في الكلام فضلٌ على صاحبه، فَقَضَيْتُ له، وأنا أرى أنه حَقُّهُ،
وإنما هو من حقّ أخيه، فإنما أقضي له بقطعة من النار يُطَوَّقُها من
سبع أرضين، يأتي بها إسطاماً في عنقه يومَ القيامة، فلما سمعا ذلك،
بكيا جميعاً، وقال كلَّ واحد منهما: يا رسولَ الله، حَظّ له، فقال
رسولُ الله ◌ِّهِ: ((اذْهَبَا، فَاجْتَهِدَا في قسم الأَرْضِ شَطْرَيْنِ، ثم
اسْتَهمَا، فإذا أُخَذَ كُلُّ واحدٍ منكما نصيبَه، فليُحَلِّلْ أخاه))(٢).
٧٥٧ - حدثنا يزيدُ بنُ سنان، حدثنا صفوانُ بنُ عيسى، حدَّثنا
أسامةُ بن زيدٍ، عن عبد الله بن رافع مولى أمِّ سلمة
عن أمِّ سلمة قالت: كنتَ جالسةً عند النبيِّي وَ﴿ إذ جاءه رجلان
يَخْتَصِمانِ في مواريث وأشياء قد دَرَسَتْ، فقال رسولُ اللهِ وَلٍ: ((إنما
أقضي بينكما برأيي مما لم ينزل عليَّ، فمن قَضَيْتُ له بقضيةٍ أراها
يَقْطَعُ بها قطعةً ظلماً، فإنما يَقْطَعُ بها قطعةً من نارٍ إسطاماً يأتي بها
في عنقه يومَ القيامة))، فبكى الرجلانِ، وقال كُلُّ واحد منهما: يا رسولَ
الله، حقي هذا الذي أطلب لصاحبي، قال: ((لا، ولكن اذهبا توخَّيا،
(١) تحرف في الأصل إلى: ساقها، والتصويب من (ر).
(٢) إسناده حسن كسابقه .
٢٣١

ثم استَهما، ثم يُحلِّل كُلُّ واحدٍ منكما صاحبه))(١).
٧٥٨ - حدثنا يونسُ، حدثني عبدُ الله بنُ نافع المدني الصائغ،
حدثني أسامةُ بن زيد، سَمِعَهُ من عبد الله بن رافع
عن أمِّ سلمة، قالت: جاء رجلانٍ مِن الأنصار يختصمان إلى النبيِّ
وَّ في مواريثَ بينهما قد دَرَسَتْ ليست لهما بَيَِّةٌ، فقال رسول الله
وَلَه: ((إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخَصْمُ، ولَعَلَّ بَعْضَكُم أن يكونَ أبلغَ
من بَعْضٍ (٢)، فأقضي له بذلك، وأحسب أنَّه صادق، فمن قَضَيْتُ له
بحقِّ مسلمٍ، فإنما هي قطعةٌ من نارٍ، فليأخذها، أو فليدَعْهَا))(٣)، فبكى
الرجلانِ، وقال كُلَّ واحدٍ منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله وَلٍّ:
((أَمَا إذ قد فعلتما هذا، فاذهبا، فاقتسما، وتوخيا الحقَّ، ثم استهما(٤)،
ثم لِيحلل كُلُّ واحدٍ منكما صاحبه))(٥).
٧٥٩ - حدثنا ابنُ مرزوق، حدثنا عثمانُ بنُ عمر بن فارس، حدثنا
(١) إسناده حسن أيضاً. ورواه الدارقطني ٢٣٨/٤-٢٣٩ عن أبي بكر
النيسابوري، عن يزيد بن سنان، بهذا الإِسناد.
ورواه البغوي (٢٥٠٨) من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام، عن صفوان بن
عيسى، به.
(٢) في (ر): أن يكون ألحن بحجته من بعض.
(٣) في (ر): أو ليدعها.
(٤) في الأصل: أسهما، والمثبت من (ر).
(٥) عبد الله بن نافع المدني وإن كان في حفظه شيء قد توبع، وأسامة بن
زيد حسنُ الحديث، وهو مكرر ما قبله.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) للمؤلف ١٥٥/٤ بإسناده ومتنه.
٢٣٢

أسامةُ بن زيد .. ثم ذكر بإسناده مثلَه(١).
٧٦٠ - حدثنا الربيعُ المراديُّ، حدثنا أسدُ بنُ موسی، حدثنا وكيع،
حدثنا أسامةُ بن زيد .. ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(٢).
فقال قائلٌ ممن لا عِلْمَ له بوجوهِ أحاديثِ رسولِ اللهِ وَل : ((الذي
في هذا الحديث مما أضِيفَ إلى رسول الله وََّ من أمر كُلِّ واحد من
الرجلين المذكورين فيه، بعد تقاسمهما ما اختصما إليه فيه بتحليل كُلِّ
واحدٍ منهما صاحبه من حقٌّ إن كان له، فيما أخذه صاحبُه بحقّ القِسمةِ
محالٌ، لأن التحليلَ إنما يعمل في ما كان في ذِمم المحللين، لا فيما
كان في أيديهم مما هو عَرَضٌ، أو حِصة في عَرَضٍ، إلا أن رجلاً
لو قال لرجلٍ : قد حللتُك من داري التي لي في يدك، أو من عبدي
الذي لي في يدك أن ذلك التحليلَ لا يَمْلِكُ به المحلل شيئاً من رقبة
تلك الدار، ولا مِن رقبة ذلك العبد، وهذا مما لا اختلاف فيه، وكيف
يجوزُ أن تقبلوا عن رسولِ الله وَّ ما قد رويتموه في هذا الحديث
من أمره كل واحدٍ من الخصمين اللذين اختصما إليه بعدَ مقاسمته
صاحبه بتحليله من حق إن كان له في يده.
فكان جوابُنا له أن التحليلَ الذي في هذا الحديثِ لم يُرِدْ به رسولُ
الله ◌َُّ ما توهَّمه عليه، وإنما أراد به أن الشيءَ الذي يقتسمانه قد
(١) إسناده حسن. ورواه المؤلف في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٥/٤، والدارقطني
٢٣٩/٤ عن ابن مرزوق، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده حسن كسابقه. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٤/٤ عن الربيع،
بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٢٠/٦، وابن أبي شيبة ٢٣٣/٧-٢٣٤، وابن الجارود في
((المنتقى)) (١٠٠٠)، والطبراني ٢٣ / (٦٦٣) من طرق عن وكيع، به.
٢٣٣

يكونُ فيما أخذه أحدُهما حقٌّ لِصاحبه، فيكون حراماً عليه أخذُه، وحراماً (١)
عليه الانتفاعُ به، وإذا حَلَّلَهُ منه، حلَّ له الانتفاعُ به، وكان ذلك حراماً
عليه لو لم يكن ذلك التحليلُ، وكان ما هما فيه لا يَقْدِرُ فيه على
تخليصٍ لهما من شيء من أسبابه خلاف ذلك، لأنَّهما لا يَقْدِرَانِ على
عقدٍ بيعٍ فيه، إذ كان كُلَّ واحد منهما لا يدري ما يُحاوِلُ بيعه مِن
ذلك، وأن ذلك إذا كان في البيع غيرَ مقدورٍ عليه كان في الهبة
والصَّدقة كذلك أيضاً، وكانت كُلَّ واحدةٍ منهما من العمل في ذلك أبعدَ
من عمل البيع فيه، وكان المقدورُ عليه في ذلك التحليل من كونه في
يدِ الذي ليس له، والانتفاع به، فأمرهما رسولُ الله ◌َّ بالمقدورِ عليه
في ذلك، ونقلهما به من حال حُرمة قد كانت قبلَه إلى حالٍ حِلّ
خلفها، وكان ما كان مِنَّة من الله عليه في ذلك حكمه(٢)، وبالله
التوفيق .
الله تعالى
S
كله
٠
(١) في الأصل و(ر): حرام.
(٢) في (ر): ما كان منه منة من الله في حكمه.
٢٣٤

١١٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عنه عليه السَّلامُ
في المُراد بقول الله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الله
ليُذْهِبَ عنكم الرِّجْسَ أهلَ البيتِ،
ويُطَهِّركم تطهيراً﴾ مَنْ هم؟
٧٦١ - حدثنا الربيعُ المراديُّ، حدثنا أسدُ بنُ موسى، حدثنا
حاتم بن إسماعيل، حدثنا يُكيرُ بنُ مسمار، عن عامر بن سعد
عن أبيه، قال: لما نزلت هذه الآية دَعًا رسولُ الله ◌ِّه عليّاً،
وفاطمةَ، وحسناً، وحُسيناً عليهم السَّلامُ، فقال: ((اللهم هؤلاء
أهْلِي))(١).
ـال
(١) إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح غيرَ أسد بن موسى، فقد احتجَّ
به أبو داود والنسائي، وعلق له البخاري، وقال في ((تاريخه الكبير)): مشهور
الحديث، ووثقه النسائي، وابن يونس، وابن حبان، والعجلي، وابن قانع، وأبو
يعلى، والخليلي في ((الإِرشاد))، وانفرد ابن حزم بتضعيفه، ورده عليه الإِمام الذهبي،
وقال: وما علمتُ به بأساً.
ورواه مطولاً أحمد ١٨٥/١، ومسلم (٢٤٠٤) (٣٢)، والترمذي (٢٩٩٩)
و(٣٧٢٤)، والنسائي في ((الخصائص)) (١١) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، بهذا
الإِسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح، قلت: والآية التي ذكروها
في الحديث هي آية المباهلة، غير النسائي فقد ذكر الآية التي بوب عليها المؤلف.
ورواه النسائي في ((الخصائص)) (٥٤)، وابن جرير ٨/٢٢، والحاكم
١٠٨/٣-١٠٩ من طريق أبي بكر الحنفي، عن بكيربن مسمار، به. وليس فيه ذكر=
٢٣٥

ففي هذا الحديثِ أن المرادِينَ(١) بما في هذه الآية هُمْ رسولُ الله
وََّ، وعليٌّ، وفاطمةُ، وحسنٌ، وحُسينُ.
٧٦٢ - حدَّثنا فهدٌ، حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، حَدَّثنا جريرُ بنُ
عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفربن عبدالرحمن البَجَلِيّ، عن
حُكَّيم بنِ سَعْدٍ(٢)
عن أُمِّ سلمة قالت: نزلت هذه الآيةُ في رسولِ اللهِّ، وعليٍّ،
وفاطمةً، وحسنٍ، وحُسينٍ عليهم السَّلامُ: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الله ليذهب عنكم
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تطهيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣](٣).
= للآية، وإنما قال فيه ((حين نزل عليه الوحي)).
(١) في (ر): المراد بما.
(٢) في الأصل و(ر): سعيد، وهو تحريف.
(٣) جعفر بن عبدالرحمن البجلي: هو أبو عبدالرحمن الأنصاري، روى عن
أم طارق، وحكيم بن سعد، وروى عنه الأعمش لقيه بواسط، وذكره البخاري في
((التاريخ الكبير)) ١٩٦/٢، وابن أبي حاتم ٤٨٣/٢ ولم يأثرا عنه جرحاً ولا تعديلاً،
غير أن ابنَ أبي حاتم قال: سألتُ أبي عنه فقال: هو شيخ للأعمش، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)) ١٣٤/٦ وقال: شيخ كان بواسط، قلت: وباقي رجال السند ثقات
من رجال الشيخين غيرَ حُكيم بن سعد، فقد روى له البخاري في ((الأدب))
والنسائي، وهو ثقة.
ورواه الطبراني ٢٣/ (٧٥٠) عن الحسين بن إسحاق، عن عثمان - وهو ابن أبي
شيبة - بهذا الإِسناد. وعلقه البخاري في ((التاريخ)) ١٩٧/٢ عن جرير، به.
ورواه بأطول مما هنا ابن جرير في ((جامع البيان)) ٨/٢٢ عن ابن حميد، عن
عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا عليَّ بن
أبي طالب رضي الله عنه عند أمِّ سلمة قالت: فيه نزلت ... فذكره.
وذكر هذا الإِسناد البخاري ١٩٧/٢ معلقاً عن عبد الله بن عبد القدوس، به.
٢٣٦

ففي هذا الحديث مِثْلُ الذي في الأول.
٧٦٣ - حدثنا أبو أمية، حدَّثنا خالد بنُ مَخْلَدِ القَطَوانيُّ، حدثنا
موسى بنُ يعقوب الزَّمْعِيُّ، حدثنا ابنُ هاشم بن عُتبة، عن عبدِ الله بن
وهب
عن أمِّ سلمة أنَّ رسولَ الله لَّهِ جَمَعَ فاطمة، والحسنَ، والحسينَ،
ثم أدخلهم تحتَ ثوبه، ثم جأر إلى الله تعالى: ((رَبِّ هؤلاءِ أهلي)).
قالت أمُّ سلمة: فقلتُ: يارسولَ الله، فَتُدْخِلُني معهم، قال: ((أَنْتِ مِنْ
أهلي))(١).
ففي هذا الحديثِ قولُ رسول الله ◌ََّ لَُّمِّ سلمة جواباً منه لها عندَ
قولها له: تُدخلني معهم: ((أنتِ من أهلي)). فكان ذلك مما قد يجوزُ
أن يكونَ أراد به أنها من أهله، لأنَّها من أزواجه، وأزواجُه: أهله، كما
قال في حديث الإفك الذي قد:
٧٦٤ - حدَّثنا(٢) يونس، حدثنا ابنُ معبد، حدثنا عُبَيْدُ(٣) الله بنُ
عمرو، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عُروةَ، وسعيد،
وعلقمة، وعُبيد الله
(١) إسناده ضعيف، خالد بن مخلد القطواني، قال أبو حاتم: يُكتب حديثه
ولا يحتج به، وموسى بن يعقوب الزمعي سىء الحفظ. ابن هاشم بن عتبة: هو
هاشم بن هاشم بن عتبة، وعبد الله بن وهب: هو ابن زمعة بن الأسود بن المطلب
الأسدي .
ورواه ابن جرير الطبري ٨٧/٢٢ عن أبي كُريب - وهو محمد بن العلاء بن
كريب - عن خالد بن مخلد، بهذا الإسناد. غيرَ أن فيه ((جمع علياً والحسنين)).
(٢) في (ر): حدثنا به يونس.
(٣) تحرف في (ر) إلى: عبد، وعبيد الله بن عمرو هذا: هو ابن أبي الوليد =
٢٣٧

عن عائشة أن رسولَ الله عليه السلام في حديث الإِفكِ، قامَ على
المنبر، فاسْتَعْذَرَ من عبد الله بن أبي، فقال: ((يا معشرَ المسلمين، من
يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قد بَلَغَ أذاه في أهلي، واللهِ ما عَلِمْتُ على أهلي
إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما عَلِمْتُ منه إلا خيراً، وما كان يَدْخُلُ
على أهلي إلا معي))(١).
فكان قولُه: ((مَنْ يَعْذِرُني مِنْ رجل قد بلغني أذاه في أهلي)) يعني
في زوجته التي كان أذاه فيها، فكان في ذلك ما قد دَلَّ على أن الزوجة
تُسَمَّى بهذا الاسم، فيحتمل أن يكونَ قولُه لُأُمِّ سلمة: ((أنتِ مِنْ أهلي))
من هذا المعنى أيضاً أنها من أهل الآية المتلوة في هذا الباب، ومما
يدل على ذلك ما قد:
٧٦٥ - حدَّثنا الحسين بنُ الحكم الحِبَري(٢) الكُوفي، حدثنا
مُخَوَّل بنُ مُخَوَّل بن راشدٍ الحناط، حدثنا عَبْدُ الجبار بن عبَّاس
= الأسدي مولاهم أبو وهب الجزري الرقي .
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير ابن معبد - وهو علي بن
معبد بن شداد الرقي - فقد روى له الترمذي والنسائي، وهو ثقة. سعيد: هو ابن
المسيب، وعلقمة: هو ابن وقاص الليثي، وعبيد الله: هو ابن عبد الله بن عتبة.
وهو قطعة من حديث قصة الإفك الطويل، رواه الطبراني ٢٣ / (١٤١) من طريق
عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمرو، بهذا الإِسناد. وانظر تمام تخريجه
في ((صحيح ابن حبان)) (٤٢١٢) و(٧٠٩٩).
وقوله ((من يعذرني)) أي: من يعذرني منه في الإيقاع به إيذاناً بأنه أهل لأن يوقع
به، وإن على من علم بحاله في الإساءة أن يعذر الموقع به ولا يلومه.
(٢) هو بكسر الحاء وفتح الباء: نسبة إلى ثياب يقال لها: الحِبَرة، له ترجمة
في ((الأنساب)) ٤٤/٤، و((الإكمال)) ٤١/٣.
٢٣٨

الشِّبَامِي(١)، عن عَمَّارِ الدُّهني، عن عَمْرةٍ(٢) بنتِ أَفْعِى
عن أمِّ سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الله
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً﴾ يعني في سبعة:
جبريلَ، وميكائيلَ، ورسولِ اللهِ وََّ، وعليٍّ، وفاطمةَ، والحسن،
والحسين عليهم السَّلامُ، وأنا على باب البيت، فقلتُ: يا رسولَ الله،
ألستُ من أهل البيت، قال: ((إنّك مِن أزواج النبي عليه السَّلامُ)) (٣)
وما قال: إنَّكِ مِن أهلِ البيت.
٧٦٦ - وما قد حَدَّثنا الحسينُ أيضاً، حدَّثنا أبو غسان مالكُ بنُ
إسماعيل، حدثنا جعفر الأحمر، عن الأجلحِ ، عن شهربن حَوْشَبٍ،
عن أُمِّ سلمة وعبد الملك، عن عطاء
عن أمِّ سلمة، قالت: جاءت فاطمةُ بطعام لها إلى أبيها، وهو على
منازله، فقال: ((أيْ بنية، ائتِيني بأولادي وابنيَّ وابن عمك)) قالت: ثم
(١) هو بكسر الشين وفتح الباء: نسبة إلى شِبَام جبل باليمن نزله أبو بطن من
همدان، فنسب إليه، وقد تحرف في الأصل إلى : السبائي، وفي (ر): إلى
الشيباني .
(٢) في الأصل و(ر): أم عمرة، وهو خطأ، والصواب: عمرة بنت أفعى، كذا
سماها ابن نقطة في ((الاستدراك)) ١/ ورقة ١٢/ ب، والطبراني في ((الجامع الكبير))
٣٧٢/٢٣، وكذلك ذكرها ابن حبان في ((الثقات)) ٢٨٨/٥ لكنه قال: ((بنت
الشافع!)).
(٣) إسناده ضعيف، مخوّل بن إبراهيم ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وهو
صدوق في نفسه إلا أنه كان يغلو في الرفض فيما قال العقيلي وغيره، وعمرة بنت
أفعى لم يرو عنها غير عمار الدهني، ولم يوثقها غير ابن حبان.
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦٠٤/٦ ونسبه إلى ابن مردويه.
٢٣٩

جلَّلهم، أو قالت: حَوَّى عليهم الكِسَاء، فقال: ((هؤلاء أهلُ بيتي
وحامَّتِي، فَأَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ، وطَهِّرْهُمْ تَطهيرا) قالت أُمُّ سلمة: يا
رسولَ اللهِ، وأنا معهم، قال: ((أنتِ مِنْ أزواجِ النبي عليه السَّلامُ، وأنتِ
على خيرٍ، أو إلى خير)(١).
(١) حديث حسن، الأجلح: هو ابن عبد الله بن حجية الكوفي، مختلف فيه
وثقه ابن معين والعجلي وضعفه النسائي، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه
ولا يُحتج به، وقال ابنُ عدي: له أحاديث صالحة يروي عنه الكوفيون وغيرهم، ولم
أجد له حديثاً منكراً مجاوزاً للحد لا إسناداً ولا متناً، إلا أنه يُعد في شيعة الكوفة،
وهو عندي مستقيمُ الحديث صدوق، وأدرجه الإِمامُ الذهبي في كتابه: ((من تكلم
فيه وهو موثق)) (١٣)، وقال الحافظ في ((التقریب)»: صدوق شيعي، وشهر بن حوشب
وإن كان فيه كلام قد تابعه عبد الملك - وهو ابن أبي سليمان العرزمي - وهو ثقة
احتج به مسلم وأصحابُ السنن، وعطاء - هو ابن رباح - لم يسمع من أم سلمة فيما
قاله علي بن المديني والبخاري.
ورواه الطبراني ٢٣/ (٧٧١) من طريق ابن أبي الحسين، عن جعفر الأحمر، عن
الأجلح، عن زبيد (هو ابن الحارث اليامي) عن شهر، عن أم سلمة.
ورواه أحمد ٣٠٤/٦، والترمذي (٣٨٧١)، والطبراني ٢٣/ (٧٦٨) و (٧٦٩)،
وابن جرير ٦/٢٢ من طرق عن زبيد بن الحارث، عن شهربن حوشب، به. وقال
الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.
ورواه أحمد ٢٩٢/٦ عن عبد الله بن نُمير، عن عبد الملك - يعني ابن أبي
سليمان - عن عطاء بن أبي رباح قال: حدثني من سمع أم سلمة ... قلت: شيخ
عطاء لم يسم، وباقي رجاله ثقات. ثم قال عبد الملك: وحدثني أبو ليلي، عن
أم سلمة مثل حديث عطاء سواء، قال عبد الملك: وحدثني داود بن أبي عوف
الجحاف، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة بمثله سواء.
ورواه الطبراني (٢٦٦٨) من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا جعفر
الأحمر، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أم سلمة.
=
٢٤٠