Indexed OCR Text

Pages 81-100

بعضهم على بعض، وإقامة الحجة لمن صَحَّ عندِي قولُه مِنهم بما يَصِح
به مِثْلُه مِنْ كتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماعٍ ، أو تواتُرٍ من أقاويل الصحابة
أو تابعیھم.
وإني نظرتُ في ذلك، وبحثتُ عنه بحثاً شديداً، فاستخرجتُ منه
أبواباً على النحو الذي سأل، وجعلتُ ذلك كتباً، ذكرت في كل كتاب
منها جنساً من تلك الأجناس)).
وطريقتُه فيه أنه يسوقُ بسنده الأخبار التي يتمسك بها أهلُ العلم
في مسائل الخلاف، ثم يأخذُ في دراستها دراسة دقيقة، مستعيناً بثقافته
المتنوعة، وخبرته الواسعة، وبراعته في النقد، ويُرَجِّح ما استبانَ له وجه
الصواب منها، وغالباً ما يأتي بالرأي المخالف في الأول، ثم يأتي بالرأي
الذي ينتهي إليه ثانياً، وهو كتابٌ فريد في بابه يُدَرِّبُ طالبَ العلم على
التفقه، ويُطلعه على وجوه الخلاف، ويُربِّي فيه مَلَكة الاستنباط، ويُكون
له شخصيةً مستقلة.
طُبعَ في الهند في مجلدين، وفي مصر بأربعة أجزاء، وقد شرحه
كثيرون، منهم الحافظُ عبدالقادر القرشي، المتوفى سنة ٧٧٥هـ، ومنه
نسخةٌ بدار الكتب المصرية برقم (١٩٥) حديث، يقول في مقدمته:
... فقد سألني من يتعين علي إجابتُه أن أضع له كتاباً مختصراً في عزو
أحاديث كتاب ((معاني الآثار)) للحافظ أبي جعفر الطحاوي رحمه الله
إلى الكتب المشهورة من الصحيحين والسُننِ الأربعة والمسانيد وغير
ذلك، مبيناً صحيحَها وحسنها وضعيفها ...
وللعلامة العيني صاحب ((عمدة القارىء)) ((نخب الأفكار في شرح
معاني الآثار)) وهو في ثمانية مجلدات بخطه - وبه خروم - بدار الكتب
٨١

المصرية برقم (٥٢٦) حديث، ويتضمَّنُ هذا الشرح ترجمةً رجالٍ
الإِسناد، وبيانَ منزلتهم، ثم تخريجَ الحديثِ من كتب الصحاح
والمسانيد، ثم شَرْحَ ألفاظ الحديث، والتعليق عليه.
وله شرحٌ آخر سماه «مباني الأخبار في شرح معاني الآثار» في ستة
مجلدات في دار الكتب المصرية برقم (٤٩٢) حديث، وقد أخلاه مِن
الكلام في رجالِ الإِسناد، حيث أفردهم في تأليف سَمَّاه ((مغاني الأخيار
في رجال معاني الآثار)) في مجلدين، وهو في دار الكتب المصرية
برقم (٧٢) مصطلح الحديث، وفيه نقص يُستدرَكُ من نسخة مكتبة رواق
الأتراك في الأزهر الشريف.
٢ - ((اختلافُ الفقهاء)). في نحو مئة وثلاثين جزءاً حديثياً، ذكره
ابنُ خَلِّكان وابنُ كثير وابنُ حجر واليافعي والسيوطي وابن
تغري بَرْدِي وأبو إسحاق الشيرازي، وفي ((فهرست ابن النديم)) ص ٢٦٠ :
وله من الكتب كتاب الاختلاف بين الفقهاء، وهو كتاب كبير لم یتمه،
والذي خرج منه نحو ثمانين كتاباً على ترتيب كتب الاختلاف على الولاء.
وقد اختصره أبو بكر الرازي المتوفى سنة (٣٧٠)هـ، واختصارُه
موجود منه الجزء الرابع بمكتبة جار الله ولي الدين باستنبول (٨٧٢) وهو
في ١٥٥ ورقة كتب سنة ٤٨١هـ، والجزء الثاني منه موجود بدارٍ
الكتب المصرية برقم (٦٤٧) فقه حنفي، وأما الأصلُ، فلا وجود له
في حدود ما نعلم.
وفي المختصر يَذْكُرُ أقوالَ الأئمة الأربعة وأصحابهم، وأقوال
النخعي، وعثمان البَتّي، والأوزاعي والثوري، والليث بن سعد وابن
شُبْرُمَّةً وابن أبي ليلى، والحسن بن حَي، وغيرهم من المجتهدين
٨٢

الأقدمين الذين يَصْعُبُ اليومَ الاطلاعُ على آرائهم في المسائل الخلافية.
٣ - (مختصرُ الطحاوي)). في الفقه الحنفي على شَاكِلَةِ مختصر
المزني في مذهب الشافعي .. عَرَض فيه أصنافَ الفقه التي لا يَسَعُ
جهلُها، ولا التخلفُ عن علمِها، وبنى الجواباتِ عنها مِن قولِ الإِمامِ
أبي حنيفة، ومِنْ قول صاحبيه أبي يوسف، ومحمدٍ بنِ الحسن.
وقد طُبعَ سنة ١٣٧٠ هـ بمطبعة دار الكتاب العربي بالقاهرة، بتحقيق
أبي الوفاء الأفغاني ويقول محققُ الكتاب في مقدمة الطبع: وهو - يعني
الطيعاوي - أوَّلُ مَنْ جمع مختصراً في الفقه مِن أصحابنا، بذكر أمهاتِ المسائل
وعيونها، ورواياتها المعتبرة، ومختاراتها الظاهرة المُعَوَّلِ عليها عندَ الفقهاء ...
ثم يقولُ: فهذا - كما ترى- أولُ المختصرات في مذهبنا، وأبدعُها،
وأحسنُها تهذيباً، وأصحُها روايةً عن أصحابنا، وأقواها درايةً، وأرجحُها
فتوى، ترى فيه المسائلَ على وجهها معروفةً معزوَّة إلى مَنْ رواها عن
الأئمة: أئمة المذهب، كأبي يوسف ومحمد، وزُفر، والحسن بن زياد،
فإن كانت المسألةُ فيها أقوالٌ، تراه يرجِّحُ بعضَها على بعض، ويختارُه
بقوله: ((وبه نأخذ))، كما هو دأبُ أصحابِ الإِمام في كُتبهم.
ولهذا المختصر عدة شروح، أقدمُها وأهمُّها شرحُ أبي بكر الرازي
الجصَّاص صاحب ((أحكام القرآن))، قال صاحب ((الحاوي)): غايةٌ في
الإِتقان روايةً ودرايةً، قطعة منه تُوجَدُ بدار الكتب المصرية، والباقي في
مكتبة جارالله بالآستانة.
٤ - ((سنن الشافعي)). جمع فيه الطحاويُّ مسموعاتِه مِن خاله
المزني، عن الشافعي، سنة ٢٥٢هـ، وقد نُشِرَ هذا الكتابُ في مصر سنة
١٣١٥ هـ، ثم طبع في سنة ١٤٠٦ هـ في بيروت.
٨٣

رواه عن الطحاوي ثلاثة من الحفاظ:
١ - أبو القاسم ميمونُ بنُ حمزة بن الحسين المعدّل، رواه عنه
في ذي الحجة وفي المحرم سنة ٣١٧هـ.
٠
٢ - محمدُ بن المظفر بن موسى بن عيسى البزار الحافظ.
٣ - أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم المقرىء.
ومع أن صنيع الإِمام الطحاوي في هذا التأليف هو نقلُ أحاديث
الشافعي المسموعة له بطريق خاله، فإنه لم يُخْلِه مِنْ تعقَّبات ونَقَدَاتٍ:
من ذلك أنه روى عن المزني، عن الشافعيِّ، عن مالك بن أنس،
عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبدالله بن جريج ... ثم تعقُّبَهُ
بقوله: هكذا حدثنا المزنيُّ، وإنما هو عن عُبيد بن جريج ... انظر
ص ٨٧.
وجاء فيه ص ٨٦: عن المزني، عن الشافعي، عن مالِك بنٍ
أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه سأل أسامةَ بنَ زيد وأنا جالس
معه: كيف كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يسير في حَجَّةِ الوداع
حين دفع؟ ... قال أبو جعفر: هكذا حدثناه إسماعيلُ بن يحيى، عن
هشام بن عروة، عن أبيه أنه سأل أسامة بن زيد وأنا جالسٌ معه. وهذا
غلط، لأن هشاماً لم يَرَ أسامة، وإنما هو عندنا - والله أعلمُ - أنه سأل
أسامةَ بنَ زيد رجلٌ وأنا جالسٌ معه، حتى يرجع الجلوسُ إلى عروة.
وفيه ص ١٠١: عن أمِّ بلال ابنة هلال، عن ابنها، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((يجزىء الجذع من الأضحية أضحية)). قال
أبو جعفر: هكذا قرأه المزنيُّ علينا ((عن ابنها)»، وإنما هو ((عن أبيها)).
قلتُ: وفي ((التهذيب)) ٤٦٠/١٢: أم بلال بنت هلال بن أبي هلال
٨٤

الأسلمية المدنية، روت عن أبيها ((يجوز الجذعُ من الضأن أضحية)) قال
العجلي : تابعية ثقة .
وفيه ص ٧٦: عن رفاعة الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم نادى: ((أيها الناس، إن قريشاً أهل أمانة، من بغاهم العوافر أكبه
الله لمنخريه)) يقولها ثلاثاً. قال أبو جعفر: هكذا قرأه المزنيُّ علينا «أهل
أمانة)) وإنما هو ((أهل إمامة))، وقال: ((العوافر))، وإنما هي ((العواثر)).
٥- ((العقيدةُ الطحاوية)). ذكر فيها ما كانَ عليه السَّلَفُ، ونقل عن الإِمام
أبي حنيفة، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب، ومحمد بن الحسن، ما كانوا
يعتقدونه مِن أصول الدين، ويدينونَ به رب العالمين، وقد حظيت هذه الرسالة
بشهرة واسعة، ونالت قبولَ أهل السنة وإعجابهم على اختلاف مذاهبهم(١)،
فتناولوها بالشرح والبيان، ومن أجود تلك الشروح شرحُ القاضي علي بن علي
بن محمد بن أبي العز الدمشقي، المتوفي سَنَةَ ٧٩٢هـ. وسيصدر قريباً بعون
الله عن مؤسسة الرسالة لأول مرة محققاً على عدة نسخ خطية متقنة ومعلقاً عليه
تعليقات حافلة نفيسة .
٦- نَقْضُ كتاب ((المدلسين)) لفقيه بغداد الحسين بن علي بن يزيد
الكرابيسي .
نقل عنه الحافظ علاء الدين بن علي بن عثمان المارديني، المعروف
بابن التركماني، المتوفى سنة ٧٤٥هـ في كتابه الحافل ((الجوهر النقي))
١١/١ و١٢٨-١٢٩، ولا يُعْرَفُ له اليومَ وجود في المكتبات العامة، ولا أشار
إليه أحد، ويَغْلِبُ على الظن أنه في ◌ِداد ما فُقِدَ مِن مؤلفات أبي جعفر، ولو
وُجدَ هذا الكتاب لكان يُضيف دليلاً إلى الأدلةِ الكثيرة التي تشهدُ بإمامة أبي
(١) يقول تاج الدين السبكي المتوفى سنة (٧٧١هـ) في ((معيد النعم ومبيد النقم)) ص
٢٢-٢٣: وهذه المذاهب الأربعة - ولله الحمد - في العقائد واحدة إلا من لحق منها
بأهل الاعتزال أو التجسيم، وإلا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة أبي جعفر
الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفاً وخلفاً بالقبول.
٨٥

جعفر في علم الحديث، ورسوخ قدمه فيه .،
وقد ذُكِرَ كتابُ الكرابيسي هذا للإِمام أحمد، فذمه ذمّاً شديداً،
وكذلك أنكره عليه أبو ثور، وغيرُه من العلماء كما في ((شرح علل
الترمذي)» ٨٠٦/٢ - ٨٠٧ للحافظ ابن رجب الحنبلي.
٧ - ((التسويةُ بين حدثنا وأخبرنا)) ومنه نسختان خطيتان، إحداهما
في مكتبة شستربتي، ٣٤٩٥ (من ورقة ١١٦ - ١٢٢) والثانية في ظاهرية
دمشق م ١٧/٩٢ (من ٢٩٦ /أ - ٣٠٢/ب). وقد لَخْصها أبو عمر بن
عبدالبر في كتابه ((جامع بيان العلم وفضله)) ١٧٥/٢ - ١٧٦ فقال:
حدثنا عبدُالرحمن بن مروان، قال: حدثنا أبو الطيب أحمد بن سليمان بن
عمر البغدادي، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة
الطحاوي قال :
اختلف أهلُ العِلْمِ في الرجل يقرأ على العالِم، ويُقِرَّ له العالم به،
كيف يقولُ فيه: ((أخبرنا)) أو ((حدثنا))؟ فقالت طائفة منهم: لا فرق بين
((أخبرنا)) و((حدثنا))، وله أن يقولَ: أخبرنا، وحدثنا، وممن قال بذلك:
مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن.
كما حدثنا ابنُ أبي عمران، قال: حدثنا سليمانُ بن بكار، قال:
حدثنا أبو قَطَن، قال: قال لي أبو حنيفة: اقرأ عليَّ وقُلْ: حدَّثني. وقال
لي مالك: اقْرَأ عليَّ وقل: حدثني.
وكما حدثنا روحُ بنُ الفرج، قال: حدثنا يحيى بنُ عبدالله بن
بُكير، قال: لما فرغنا من قِراءة ((الموطأ)) على مالك، رحمه الله، قام إليه
رَجُلٌ فقال: يا أبا عبدالله، كيف نقولُ في هذا؟ فقال: إن شئت، فَقُلْ:
حدثنا، وإن شئت، فقل: أخبرنا، وإن شئت فقل: حدثني وأخبرني
- وأراه قال : - وإن شئتَ فقل: سمعتُ.
٨٦

قال أبو جعفر: وقالت طائفة منهم في العَرْض ((أخبرنا)) ولا يجوزُ
أن يُقال ((حدثنا)) إلا فيما سمعه من لفظ الذي يُحدثه به.
قال أبو جعفر: ولما اختلفوا نَظَرنا فيما اختلفوا فيه، فلم نجد بَيْنَ
الحديثِ وبَيْنَ الخبرِ في هذا في كتاب الله، ولا في سُنَّةِ رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فأما في كتاب الله، فقوله جل وعز: ﴿يَوْمَئِذٍ
تُحدِّثُ أَخْبَارَها﴾ فجعل الحديثَ والخبرَ واحداً، وقال: ﴿لا تَعْتَذِرُوا لَنْ
نُؤْمِنَ لكم قد نَبّأنا الله مِنْ أَخْبَارِكم﴾ وهي الأشياءُ التي كانت منهم،
وقال في مثله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾، وقال: ﴿ولا يَكْتُمُونَ الله
حَدِيثاً﴾، وقال: ﴿اللَّهُ نَزِّل أَحْسَنَ الحديثِ كتاباً﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ
الغّاشِيَةِ﴾، و﴿حديثُ ضَيْفٍ إِبْراهِيمَ المُكْرِمِينَ﴾، وقال أبو جعفر: وكان
المرادُ في هذا كُلُّه أن الخبرَ والحديثَ واحد. قال: وكذلك رُوي عن
مـ
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر: فذكر حديثَ مجاهدٍ، عن ابن عمر قال: قال رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم: ((أخبروني عن شجرة مَثَلُها مَثَلُ المؤمن)).
وحديث فاطمة بنت قيس، أنه قال: ((أخبرني تميم الداري ... )) فذكر
قِصَّةَ الدجال. وحديث عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم: (بَلِّغُوا عني ولو آية، وحَدِّثُوا عن بني إِسْرَائِيلَ
ولا حَرَجَ)). وحديث جابر في الرؤيا، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
قال الأعرابي: ((لا تُخْبِرْ بتلاعُبِ الشيطان بكَ في المنام)). وحديث
أنس، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن
يُخْبِرَهم بليلةِ القَدْرِ، فتلاحى رجلان. وحديث أنس، أن عبدالله بن
سَلام سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: ما أوَّلُ أشراطِ الساعة؟ قال:
٨٧

(أخبرني جبريل أن ناراً تَحْشُرُهُم مِنَ المَشْرِقِ)). وحديث أنس، أن
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أخبركم بخيرِ دور الأنصار)).
وحديث رافع بن خديج قال: مرَّ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
ونحن نتحدث فقال: ((ما تحدثون؟)) فقلنا: نتحدَّثُ عنك، قال:
((تَحدَّثوا، وليتبوَأ من كَذَبَ علي مقعده من جهنم)).
قال أبو عمر: وذكر أخباراً مِن نحو هذا، تركتُ ذكرها، لأنها في
معنى ما ذكرنا. ثم قال: هذا كُلُّه يَدُلُّ على أن لا فَرْقَ بين ((أخبرنا))
و «حدثنا)).
قال: وقد ذَهَبَ قوم فيما قُرِىء على العالم، فأجازه، وأقر به أن
يُقالَ فيه: قُرِىءَ على فلان، ولا يُقالُ فيه: حدثنا ولا أخبرنا .. قال:
ولا وجه لهذا القولِ عندنا .. قال: وسواءً عندنا القراءةُ على العالم،
وقراءةُ العالم، ولِكُلِّ واحدٍ ممن سَمِعَ بشيء من ذلك أن يقولَ: حدثنا
أو أخبرنا.
قال أبو عمر: هذا قول الطحاوي دون لفظه، أنا عبّرت عنه.
٨ - ((الشروط(١) الصغير)). في خمسة أجزاء، وهو مختصرٌ في
(١) جاء في ((كشف الظنون)) ١٠٤٥/٢: علمُ الشروط والسجلات: علمٌ باحثٌ عن كيفية
ثبت الأحكام الثابتة عند القاضي في الكتب والسجلات على وجهٍ يصح الاحتجاجُ به
عند انقضاء شهود الحال، وموضوعُه تلك الأحكام من حيث الكتابة، وبعضُ مبادئه
مأخوذةٌ من الفقه، وبعضُها من علم الإِنشاء وبعضُها من الرسوم والعادات والأمور
الاستحسانية وهو مِن فروع الفقه من حيث كونُ ترتيب معانيه موافقاً لقوانين الشرع،
وقد يُجعل من فروع الأدب باعتبارٍ تحسين الألفاظ. وقد بَرَعَ الإِمامُ الطحاوي في هذا
الفن وهو شاب، بحيث انتقد شيخه أبا خازم قاضي دمشق في وثيقة الأحباس التي
کتبها لأحمد بن طولون.
٨٨

المعاني التي يحتاجُ الناسُ إلى إنشاء الكُتُبِ عليها في البياعات،
والشّفع، والإِجارات، والصدقاتِ المملوكات، والصدقات الموقوفات.
منه نسخة بمكتبة فَيْضِ الله باستنبول برقم (١٠٣٣)، وقد طبع هذا
الكتاب مذيلاً بما عثر عليه من ((الشروط الكبير))، بالعراق سنة
١٩٧٤ م بتحقيق الدكتور روحي أوزجان.
٩ - ((الشروط الأوسط)). ذكره الشيخُ عبدُالقادر القرشي، وعلي
القاري .
١٠ - ((الشروطُ الكبير)). في نحو أربعين جزءاً، ذكره ابنُ النديم،
والقاري، وعبدالقادر القرشي، يُوجد منه جزء به قسم البيوع، وآخر به
قسم ولايات القضاء، بمكتبة شهيد علي برقم (٨٨١) و(٨٨٢)، ومنه
نسختان في دار الكتب المصرية رقم (١٣٩) و (١٤٠) فقه حنفي، فيهما
كتاب ((إذكار الحقوق والرهون)). وقد نشر أحدُ المستشرقين - وهو يوسف
شاخت - منه ((كتاب الشفعة)) و((كتاب إذكار الحقوق والرهون)) الأول في
سنة ١٩٢٩ - ١٩٣٠م، والثاني في سنة ١٩٢٦ - ١٩٢٧م.
5
مِثَالٌ من أول ((كتاب إذكار الحقوق)) يُلقي الضوء على منهاج
أبي جعفر فيه :
((بسم الله الرحمن الرحيم. قال أحمد بن محمد بن سلامة
الأزدي: وإذا كانَ لِلرجل على الرجل دينٌ حَالَّ، فأراد أن يكتب عليه به
كتاب ذكر حقِّ مجرد، كتبتُ: ذكر حق فلان بن فلان بن فلان الفلاني على
فلان بن فلان بن فلان الفلاني، له عليه كذا وكذا ديناراً، مثاقيل ذهباً،
عيناً وازنة جياداً، ديناً ثابتاً لازماً حالاً، وذلك بأمر حق واجب لازم، عرفه
٨٩

فلان بن فلان، لفلان بن فلان، ولزمه الإِقرارُ له به، وكلما أحالَ فلان بنُ
فلان على فلان بن فلان بهذه الكذا كذا الدينار المسماة في هذا
الكتاب، أو بشيء منها أحداً من الناس ... )) وبعد هذا النص يذكر
مُسَوِّغات هذه الصيغة، وأسباب ما فيها وأسرارها فيقول:
((وقد اختلف في غير موضع من هذا الكتاب، فكان أبو حنيفة،
وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ويوسف بن خالد، وهلال بن يخيى
يكتبون: ذكر حق فلان بن فلان على فلان بن فلان، عليه كذا كذا
ديناراً. وكان أبوزيد يكتب: له عليه كذا كذا ديناراً ... فكان ما كتب
أبو زيد في هذا أحبّ إلينا وأوكدَ عندنا، لأن فيما كتب من ذلك إضافة
الدنانير إلى من هي له. وكان أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن
الحسن يكتبون: ومن قام بهذا الذكر الحق فهوولي ما فيه. وكان
يوسفُ بن خالد، وهلالُ بنُ يحيى يكتبان مكان ذلك: ومن أحال
فلان بن فلان على فلان بن فلان بهذه الدنانير المسماة في هذا الكتاب،
أو بشيء منها، أقر له به، ولم يكن أبوزيد ولا سائرُ أصحابنا من
5
البغداديين يكتبون من هذا شيئاً.
فأما ما كان أبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد يكتبون في ذلك
- مما قد حكيناه عنهم - فضعيف، لأنهم إذا جعلوا لمن قام بذلك الذكر
الحق ولاية بما فيه، احتمل أن يقوم به من لا يجب له القيامُ به. وأما
ما كان يوسف وهلال يكتبان في ذلك - مما قد حكيناه عنهما -
فهو أحسنُ مما ذكرناه عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ولكن الذي
كتبناه نحن أولى عندنا مما حكيناه عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد،
وعن يوسف وهلال)).
٩٠

١١ - ((التاريخ الكبير)). ذكره ابن خلكان والقرشي وابن كثير
واليافعي والسيوطي والقاري، قال ابن خلكان - فيما نقله عنه العيني في
((مغاني الأخيار)) الورقة ٣ -: ولقد اجتهدت في تحصيله غاية الاجتهاد،
وما ظفرتُ به، وكُلُّ مَنْ سألتُ عنه من أهل الشأن جَهِلَ به. ولم يُذكر
هذا النص في ترجمة الطحاوي في المطبوع من ((وفيات الأعيان))، ومع
كون هذا الكتاب مفقوداً، فقد نقل عنه ابن النديم في ((الفهرست))
ص ٢٥٨ والخطيبُ في ((تاريخ بغداد))، والمزِّي في ((تهذيب الكمال))
في ترجمة يونس بن عبدالأعلى، والسبكي في ((طبقاته))، وابن حجر في
((رفع الإصر)) ١٤٠/١، وفي ((تهذيب التهذيب)) ٢٤٦/٣، وغيرهما، وقد
عده السيوطي في ((حسن المحاضرة)) ٥٥٣/١ فيمن كان في مصر من
المؤرخين .
١٢ - ((أحكام القرآن)). في نحو عشرين جزءاً، ويقول القاضي
عياض في ((الإِكمال)): إن للطحاوي ألف ورقةٍ في تفسير القرآن. وتوجَدُ
قطعة مِنْه تبتدىء بسورة الأنفال كتبت في القرن الثامن الهجري موجودة
بجامع الشيخ في الإسكندرية(١).
SUNS
هذا ما انتهى إليَّ علمه حين كتابةِ هذه المقدمةِ عن أحكام
القرآن هذا، ثم إني اطلعتُ مؤخّراً على ما كتبه الدكتورُ الفاضلُ عبدُ الله
نذير أحمد في كتابه ((أبو جعفر الطحاوي الإِمام المحدث الفقيه)) ص
٢٢١-٢٢٩ فأحببت أن أثبته هنا بتمامِه لِنفاسته، قال حَفِظَهُ الله:
أَلَّفَ الطحاويُّ في علم تفسيرِ القُرآن الكريم ، وكان له قصبُ
(١) فهرس المخطوطات المصورة ٢٩/١ - ٣٠، تأليف فؤاد السيد.
-
٩١

السبق على غيره في تأليفِ (أحكام القرآن)(١) بصورةٍ فريدة، تفرَّدَ فيها
بمنهجٍ غيرِ مألوف لدى مفسري أحكام القرآن الكريم حيث تميز مِن
حيث الترتيبُ والتبويبُ بجمعِ الآيات المتصلة بالموضوع، ثم رتبها
جميعاً ترتيباً موضوعياً.
فمثلاً: يجمعُ تحت كتاب الطهارة جميعَ الآياتِ المتعلقة بالطهارة
مِن جميع سُورِ القرآن، من غيرِ نظرٍ إلى ترتيب الآياتِ والسور،
فَيُعَالِجُها بالشرحِ والتحليلِ والاستنباطِ، وهكذا مع كُلِّ موضوع فقهي،
وهذا ما يُعرف في وقتنا الحاضر (بالتفسير الموضوعي).
في حين جرت العادةُ في تفاسيرِ أحكامِ القُرآنِ: تفسير الآيات
المتعلقة بالأحكام في كُلِّ سورة بحسب ترتيبها المعهود.
ومنهجه فيه أشبه ما يكون بتفسير معاصره (ابن جرير الطبري) شيخ
المفسرين م (٣١٠هـ): حيث يمتزجُ فيه التفسيرُ بالمأثورِ عن الصحابةِ
والتابعينَ، مع المأثورِ مِن لغة العرب.
(١) والجدير بالإشارة أن هذه المعلومات عن هذا الكتاب تنشر لأول مرة من خلال
معاينة النسخة؛ لأن المعروف لدى الباحثين أن هذا السفر العظيم من عداد الكتب
المفقودة إلى أن عثر الأخ الفاضل الدكتور سعد الدين أونال، الباحث بمركز أبحاث
الحج، وزميل له في تركيا على الجزء الأول والثاني - ويحتوي على نصف الكتاب -
من مکتبة (وزیر کبري) برقم (٨١٤) ببلدة (وزیر کېري) بشمال تركيا، حيث شرع
الباحثان الفاضلان بتحقيق الجزء المعثور عليه، كما يقومان بالبحث عن الجزء
المفقود، ليقدما للعلماء والدارسين سفراً عظيماً من تراثنا الإسلامي، فنرجو الله تعالى
أن يوفق الباحثين على إتمام التحقيق والعثور على البقية من الكتاب، ومن خلال
بعض الأوراق المعارة من الأخ الدكتور سعد الدين أونال، مشكوراً - سطرت هذه
المعلومات عن الكتاب.
٩٢

اهتم الطحاويُّ كثيراً في تفسيره ببيانِ وكشفِ الآيات المحكمات
مِن المتشابهات، يقولُ رحمه الله في مقدمة تفسيره مبيناً قَصْدَه مِن
التأليفِ ومنهجه الذي سار عليه في التصنيف:
((وقد ألّفنا كتابنا هذا نلتمس فيه كشف ما قدرنا على كشفه من
أحكام كتاب الله عَزَّ وجلّ، واستعمالٍ ما حكينا في رسالتنا هذه في
ذلك وإيضاحٍ ما قدرنا على إيضاحِه منه، وما يجبُ العملُ به فيه،
بما أمكن من بيانِ متشابهه بِمُحْكَمِهِ، وما أوضحته السنةُ منه، وما بيَّنته
اللغةُ العربيةُ منه، وما دَلَّ عليه مما رِوِيَ عن السلفِ الصَّالِحِ من
الخلفاء الراشدينَ المهديينَ، ومَن سِواهم من أصحابِ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم، وتابعيهم بإحسانٍ رضوان الله عليهم، والله نسأل
المعونةَ على ذلك، والتوفيفَ له فإنه لا حولَ لنا ولا قُوة إلا به، وهو
حسبنا ونعم الوكيل، فأول ما نذكر من ذلك ما وقفنا عليه مِن أحكامٍ
الطهاراتِ المذكوراتِ في كتاب الله عز وجل))(١).
وقد أعطى الطحاويُّ عنايةً خاصة لِتبيين الناسخ والمنسوخِ مِن
الآيات والأحاديث في كتابه ومِنْ ثَمَّ يعد كتابه هذا مِن مصادرِ (معرفة
الناسخِ والمنسوخِ ).
وبيَّن ذلك بقوله في المقدمة: ((ثم وجدنا أشياءَ كانتْ مستعملةً في
الإِسلام فرضاً غيرَ مذكورةٍ في القُرآن، منها التوارثُ بالهجرة في
الإِسلام، ثم نسخَ الله عزّ وجلّ ذلك بما أَنْزَل في كتابه مِن قوله:
﴿وَأُوْلو الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أولىْ بِبَعْضٍ في كتابِ اللهِ مِن المؤمنينَ
والمهاجرينَ﴾ [الأحزاب: ٦] وضرب أمثلةً للنسخ بأنواعها ثم أثبت
(١) أحكام القرآن (مخطوط)، ج١، ق٦ أ
٩٣

نسخَ القُرآن بالسُّنة بحديث ((لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)(١).
وقال: ((فثبتَ بما ذكرنا أنَّ السُّنَّةَ قد تنسخُ القرآن كما ينسخ القرآنُ
السُّنَةَ. فإن قال قائلٌ: فقد قالَ اللّه عَزَّ وجَلَّ لِنبيه صلى الله عليه وسلم:
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أن أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نفسي﴾ [يونس: ١٥] قَدَلَّ ذُلك
على أن التبديلَ إنما يكونُ عن الله عز وجل، ولا يكونُ ذلك إلا
بالقُرآن، قيل له: ومَنْ قال لَكَ: إِنَّ الحُكم الذي نسخ ما نسخ مِن
القرآن ليس مِن قبل اللّهِ عزّ وجلَّ، أو إنَّ السنة ليست عن الله عز وجل،
بل هُما عنه ينسخُ بهما ما شاءَ مِن القُرآن كما ينسخُ منهما ما شاء
بالقرآن)» .
ومِنْ منهج الطحاوي في تفسيره هذا أنَّه يُقَدِّمُ المعنى الظاهِر على
المعنى الباطِن للآية، وهو ما يُعَبِّرُ عنه في مقدمته بقوله: ((وكان مِن
القُرآن ما قد يخرجُ على المعنى الذي يكون ظاهراً لِمعنى، ويكون
باطنُه معنى آخر، وكان الواجبُ علينا في ذلك استعمالَ ظاهره، وإن
كان باطنه قد يحتمل خلافَ ذلك؛ لأنا إنما خُوطبنا ليُبين لنا، ولم
يُخاطب به لِغير ذلك، وإن كان بعضُ الناس قد خالفنا في هذا، وَذَهَبَ
إلى أنَّ الظَّاهِرَ في ذلك ليسَ بأولى به مِن الْبَاطِن، فإنَّ القولَ عندنا
في ذلك ما ذهبنا إليه، لِلدلائل التي قد رأيناها تَدُلُّ عليه، وتُوجِبُ
العملَ به، من ذلك أنَّا رأينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لما أُنْزِلَ
الله عليه: ﴿كُلُوا واشَرَبُوا حتى يَتَبَيِّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبيضُ مِنَ الخَيْطِ
الأسْودِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قرأها على الناس فَعَمَدَ غيرُ واحدٍ، منهم:
عديُّ بن حاتِم الطائي إلى خيطين: أَحَدُهُما أسودُ، والآخر أبيضُ،
(١) أحكام القرآن، ج١، ق٢ ب.
٩٤

فاعتبر بهما ما في هذه الآية ... وحينما ذكر ذلك للنبيِّ صلى الله عليه
وسلم لم يمنعهم على ما كان منهم .. )) وإنَّما قال: ((إنَّك لَعَرِيضُ
الوسَادِ إنما ذلك على سَوَادِ الليلِ وبياضِ النهار))(١)، ولم يَعِبْ عليهم
صلى اللّه عليه وسلم استعمالَ الظاهرِ في ذلك ..
وفي استعمالِهم ما استعملوا مِن ذلك قَبْلَ توقيفِ رسولِ الله صلى
اللّه عليه وسلم إيّاهُم على المرادِ بذلك، دليلٌ على أنَّ لهم استعمالَ
القُرآن على ظاهره، وإن لم يُوقفوا على تأويله نصاً كما وقفوا على تنزيله
نصاً، وفي ثبوتِ ذلك ثبوتُ استعمال الظاهِر، وأنه أولى بتأويل الآي
مِن الباطن)) .. وضرب أمثلةً لذلك (٢).
كما أنَّه يُقرر بعضَ القواعد الأصولية أثناءَ تفسيره.
فيقول في مقدمته: ((وفي وجوب حَمْل هذه الآيات على ظاهرها
وجوبُ حملها على عمومها، وإن كان بعضُ الناس قد ذَهَبَ إلى أنَّ
العام ليس بأولى بها مِن الخاص، إلا بدليلٍ آخر يَدُلُّ عليه: إما مِن
كتابٍ، وإمَّا مِن سنّة وإمَّا مِن إجماع، فإنا لا نقولُ في ذلك كما قال،
ولكنا نذهبُ إلى أنَّ العامَّ في ذلك أولى بها مِن الخاصِّ؛ لأنَّه لما
(١) الحديث رواه البخاري عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت: ﴿حتى يتبين لكم
الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال
أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على
رسول اللّه ◌ّ فذكرت له ذلك فقال: ((إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار))، وفي
رواية مسلم (إن وسادتك لعريض). البخاري، في الصوم، باب قول الله عز وجل
﴿كلو واشربوا ... ) الآية (١٩١٦)؛ مسلم، في الصيام، باب بيان أن الدخول
في الصوم يحصل بطلوع الفجر ... (١٠٩٠).
(٢) أحكام القرآن، ج١، ق٣ب، ٤أ.
٩٥

كانت الآياتُ فيها ما يُراد به العامُ، وفيها ما يرادُ بهِ الخاصُّ، وكانوا
قد استعملوا قَبْلَ التوقيف على ما ظَهَرَ لهم مِن المُراد بها مِن عمومٍ
أو خصوص، وكان الخصوصُ لا يُوقف عليه بظاهر التنزيل، إنما يُوقف
عليه بتوقيفٍ ثانٍ من الرسولِ صلى الله عليه وسلم أو مِن آيةٍ أُخرى
من التنزيل تَدُلُّ عليه، ثبت بما ذكرنا أنَّ الذي عليهم في ذلك
استعمالها على عمومها، وأنَّه أولى بها مِن استعمالها على خصوصها
حتى يعلمَ أنَّ اللّه عزّ وجل أراد بها سوى ذلك ... ))(١).
·أما منهجُ عرضه لِتفسير الآياتِ، فإنه أشبهُ ما يكونُ بالتفسير
المأثورِ، فهو يبدأ الآيةَ الكريمةَ بقوله: تأويلُ قول اللّهِ تبارك وتعالى ...
ثم يُعقب هذا بذكر القراءات والخلاف فيها إن كان ثمة قراءاتٌ فيها،
ثم يُتبعها بذكر مدلولٍ كُلُّ قراءةٍ، مع عزو الأقوالِ لأصحابها .
وفي بعضها يبدأ بذكر سبب نزول الآية الكريمةِ، فيروي ما وَرَدَ
فيها مِن رواياتٍ مختلفة بأسانيدها، ثم يُلحقها بذكر الرواياتِ التي
رُوِيَتْ عن الأئمة في توجيه الآيةِ الكريمةِ، ثم يؤيد روايةَ كل طرف
5
بالنظر: (واحتجوا في ذلك مِن النظر).
وهو في خلال ذلك يُوضِّحُ الناسِخَ والمنسوخَ في الآيات الكريمةِ،
والأحاديثِ النبوية الشريفةِ، الواردة في تفسير الآية، كما يُوجِه الأحاديثَ
والآثارَ المتعارضة بينها بالجمعِ أو الترجيح، مع موازنة تلك الأدلةِ
النقلية مع العقلية، ولا يفوتُه ذكرُ التوجيهات اللغوية في الآية، ويستمرُّ
هكذا في العرضِ إلى أن يتمم المسألةَ بترجيح قولٍ مِن الأقوال
(١) أحكام القرآن، ج١، ق٤أ.
٩٦

المختلفة بعد دراسة ومناقشةِ الأدلة، وبيان سبب ترجيح البعض على
الآخر، بقوله: («القولُ عندنا في هذا الباب هو القولُ الأخير)).
وهو في ذلك يَنْسِبُ كُلَّ قولٍ إلى قائليه من الأئمة - رحمهم الله
تعالى - بعامَّةٍ، مع تقريرِ مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وإبرازِه في كل
آية بصورةٍ خاصة .
ويتضح هذا المنهجُ من الأمثلة الآتية:
تأويلُ قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلَّ المطهرونَ﴾.
قال الله عز وجل: ﴿إِنّه لَّقُرْآنْ كَرِيمٌ، في كِتَابٍ مكنونٍ، لا يَمَسُّهُ
إلّ المُطَهِّرَونَ﴾ [الواقعة: ٧٧-٧٩].
فاختلف الناسُ في تأويل هذه الآية:
فَرُوِيَ في ذلك عن ابن عباس ما حدثنا .. -وساق السند- عن
ابنِ عباس ﴿لا يَمَسُّه إلا المطهرونَ﴾ قال: الملائكةُ.
وقد رُوي عن أنس بن مالك في تأويلها أيضاً مثلُ هذا القولِ
أيضاً وساق السندَ، وأكَّدَ ذلك بروايته عن مالك أنه قال: ((أحسنُ ما
سَمِعْتُ في هذه الآية: ﴿لا يَمْسُّهُ إلَّ المطهرون﴾ إنها بمنزلة الآية التي
في سورة: عبس وتولى، قول الله عز وجلّ: ﴿كلَّ إنَّها تذكرة، فمن
شَاءَ ذكره، في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مرفوعةٍ مطهرة، بأيدي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ
بررةٍ﴾ [عبس: ١١-١٦].
وقد رُوي عن سلمان الفارسي خلاف ذلك - ثم ساقَ بسنده
إلى ... (عبد الرحمن بن يزيد أنَّه قال: أتينا سلمان وكان في غزاةٍ،
فأتيناه وقد خَرَجَ مِن الخلاء فقلنا: اقرأ لنا، فقال: إنّي لا أمَسُّه إنه
٩٧

لا يَمَسُّه إلا المُطَهِّرُونَ﴾ وظاهِرُ هذا الحديث أنَّه لا يقرأ القرآنُ إلا
المطهرون .
غير أنَّه قد رُويَ هذا الحديث بألفاظٍ فريدةٍ عن هذه، دلت على
أن مذهبَ سلمان في ذلك غيّر الذي دل عليه هذا الحديث.
ثم ساق السند ... ((عن عبدالرحمن بن يزيد قال: كنا مع سلمان
فبرزَ لِحاجة وليس بَيْنَنَا وبَيْنَهُ نهرٌ ولا ماء، ثم أقبل، فقلنا يا أبا عبدِ الله
ألا نأتيك بماءٍ فتتوضأ كي تقرأ علينا؟ فقال: إني لَسْتُ أَمَسُّه، إنه لا
يَمَسُّهُ إلا المطهرون. ثم قرأ علينا حتَّى قُلنا: حسبنا.
فدلَّ هذا الحديثُ على أن سلمانَ إنما أراد بقوله: إني لستُ أمَسُّه
أي: لست بقراءتي مماساً، ثم قال: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ يعني
بالأيدي لا بالتلاوة.
فهذا الذي وجدناه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
في تأويل هذه الآية، فأما وجهُ ما رُوِيَ عن ابن عباس وأنسٍ في
تأويلهما، فعلى الإِخبارِ مِن الله عَزَّ وَجَلَّ، وهو: أنَّه لا يمسه إلا
المطهرون، لا على النهي عن مماسته إلا على الطهارة.
وأما وجهُ ما رُوِيَ عن سلمان: فعلى النهي مِن الله عزّ وجلّ للعباد
أن لا يمسوه إلا طاهرين، أي: لا يمسوا المصاحِفَ المكتوبَ فيها
القرآن، إلا وهم طاهرون.
وأما الوجهُ في ذلك عندنا، فعلى ما قَالَ ابنُ عباس وأنس، لأنه
قال عزّ وجلّ: ﴿لا يَمَسُّه﴾ بالرفع، فكان ذلك على الإِخبار، ولو كان
على الأمر لكان ﴿لا يمسَّه﴾ بالفتح؛ لأن أصلَ هذا الحرف التثقيل،
٩٨

وإنما هو يمسسه فإذا أدغمت أحد السينين في الأخرى، عاد موضع
الجزم إلى الفتح.
ولكنا لا نُبِيحُ للجنب ولا للمحدثين من غير المتوضئين مماسةً
المصحف حتى يتَطَهِّر، لما قد رُوِيَ في ذلك عن رسول الله ﴿ لما
كتبه لعمرو بن حزم .. - وساق السند - إنّ في الكتاب الذي كتبه رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: (أن لا يَمَسُّ القُرآنَ إلا
طَاهِرٌ(١)، وذلك عندنا على المصاحفِ المكتوب فيها القُرآن، وكذلك
لا ينبغي للجنب والحائض، ولا للمحدثين بالغائط والبول وما سواهما
مما ينقض الطهارة أن يمسُّ الدرهمَ المكتوب فيه السورة من القُرآن
حتى يطّهروا. هذا قولُ مالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد،
والشافعي))(٢) ... (رحمهم الله تعالى).
وبهذا العرضِ وأمثاله لآياتِ الكتاب الكريمِ يَتْضِحُ متانةُ أسلوبه،
ودِقَّةُ عرضه في التفسير، ومكانته العالية بين مفسري الأحكام.
١٣ - ((النوادر الفقهية)). في عشرة أجزاء.
١٤ - ((النوادر والحكايات)). في نيف وعشرين جزءاً.
١٥ - جزء في حكم أرض مكة.
١٦ - جزء في قسم الفيء والغنائم.
(١) الحديث أخرجه البيهقي في السنن مرفوعاً، وقال: ((أرسله غيره)). السنن الكبرى،
٣٠٩/١. قلت: هو حديث حسن.
(٢) المصدر السابق، ج١، ق٢٥ب، ٢٦].
٩٩

١٧ - الرد على عيسى بن أبان في كتابه الذي سماه ((خطأ
الكتب)).
١٨ - الرد على أبي عبيد فيما أخطأ فيه في كتاب النسب.
١٩ - اختلاف الروايات على مذهب الكوفيين.
٢٠ - شرح ((الجامع الكبير)) للإمام محمد بن الحسن الشيباني.
٢١ - كتاب المحاضر والسجلات.
٢٢ - كتاب الوصايا والفرائض.
:
٢٣ - أخبار أبي حنيفة وأصحابه.
٢٤ - كتاب في النّحَلِ وأحكامها وصفاتها وأجناسها وما روي
فيها من خبر في نحو أربعين جزءاً.
٢٥ - جزء في الرزية.
٢٦ - كتاب الأشربة.
لله تعالى
٢٧ - الخطابات في الفروع.
وقد ذكر بروكلمان أن للطحاوي كتابَ «صحيح الآثار)» وهو موجودٌ
في مكتبة باتنه ١، ٥٤ رقم (٥٤٨) بالهند، ويَغْلِبُ على ظني أن هذا
خطأ مِن بروكلمان، فإنَّه لم يذكُرْه أحدٌ ممن ترجم له في مصنفاته، وربما
يكونُ الموجود في هذه المكتبة ((شرح مشكل الآثار)) أو ((شرح معاني
الآثار))، فلا بُدَّ من الرجوع إلى الكتاب في المكتبة المشار إليها ودراسته
ليتبيّن أمره على وجه اليقين.
١٠٠